← Адаб

Адаб · id 20937

أمالي المرتضى غرر الفوائد ودرر القلائد (معتزلي)

الشريف المرتضى

Полный текст (1 078 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

عند تنكّره، فقد يرتج على اللسن لسانه، فلا ينظره القول إذا اتسع، ولا ينشأ إذا امتنع، ومن لم تمكن له الخطوة، فخليق أن تعنّ له النّبوة». وأخبرنا المرزبانىّ قال أخبرنا أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة قال حدثنى أبو العباس المنصورىّ قال: صعد أبو العباس السفّاح/ المنبر فأرتج عليه فقال: «أيها الناس، إنما اللسان بضعة من الإنسان، يكلّ إذا كلّ، وينفسح بانفساحه إذا انفسح، ونحن أمراء الكلام، منّا تفرعت فروعه، وعلينا تهدّلت غصونه، ألا وإنّا لا نتكلم هذرا؛ ولا نسكت إلا معتبرين». ثم نزل. فبلغ ذلك أبا جعفر فقال: لله هو! لو خطب بمثل ما اعتذر لكان من أخطب الناس. وهذا الكلام يروى لداود بن على. وبهذا الإسناد عن محمد بن الصباح عن قثم بن جعفر بن سليمان عن أبيه قال: أراد أبو العباس السفّاح يوما أن يتكلم فى أمر من الأمور بعد ما أفضت الخلافة إليه، وكان فيه حياء مفرط فأرتج عليه، فقال داود بن عليّ بعد أن حمد الله وأثنى عليه: إن أمير المؤمنين، الّذي قلّده الله سياسة رعيته عقل من لسانه عند ما تعهّد من بيانه، ولكل مرتق بهر، حتى تنفّسه العادات، فأبشروا بنعمة الله فى صلاح دينكم، ورغد عيشكم». وأخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال أخبرنا إبراهيم بن محمد بن عرفة قال حدثنا عبد الله بن إسحاق بن سلّام قال: صعد عثمان بن عفان المنبر فأرتج عليه فقال: «أيها الناس، سيجعل الله بعد عسر يسرا، وبعد عىّ نطقا، وإنكم إلى إمام فعّال أحوج منكم إلى إمام قوّال». وروى محمد بن يزيد النحوىّ هذا الكلام بعينه عن زياد بن يزيد بن أبى سفيان (١) وقد

стр. 772

خطب على بعض منابر الشام وإن عمرو بن العاص لما بلغه كلامه قال: هنّ مخرجاتى من الشام؛ استحسانا لكلامه. وروى محمد بن يزيد النحوىّ قال: بلغنى أن رجلا صعد المنبر أيام يزيد- وكان واليا على قوم- فقال لهم: «أيها الناس، إنى إلّا أكن فارسا طبّا بهذا القرآن فإن معى من أشعار العرب ما أرجو أن يكون خلفا منه، وما أساء القائل أخو البراجم (١) حيث يقول: وما عاجلات الطّير يدنين للفتى ... رشادا، ولا من ريثهنّ يخيب (٢) وربّ أمور لا تضيرك ضيرة ... وللقلب من مخشاتهنّ وجيب (٣) ولا خير فيمن لا يوطّن نفسه ... على حادثات الدّهر حين تنوب (٤) وفى الشّكّ تفريط، وفى الحزم قوّة ... ويخطى الفتى فى حدسه ويصيب (٥) / فقال له رجل من كلب: إنّ هذا المنبر لم ينصب للشعر، بل ليحمد الله عليه ويصلّى على النبي صلّى الله عليه وآله وللقرآن، فقال: أما لو أنشدتكم شعر رجل من كلب لسرّكم، فكتب إلى يزيد بذلك فعزله، وقال: قد كنت أرى أنك جاهل، ولم أحسب أنّ الحمق بلغ بك هذا كلّه، فقال له: أحمق منّى من ولّانى.

стр. 773

وكان يزيد بن المهلب (١) ولى ثابت قطنة بعض قرى خراسان، فصعد المنبر فحصر فنزل وهو يقول: فإلّا أكن فيكم خطيبا فإننى ... بسيفى إذا جدّ الوغى لخطيب فقيل: لو قلت هذا على المنبر لكنت أخطب الناس؛ فبلغ ذلك حاجب (٢) الفيل فقال: أبا العلاء لقد لاقيت معضلة ... يوم العروبة من كرب وتحنيق أما القرآن فلا تهدى لمحكمه ... ولم تسدّد من الدّنيا بتوفيق لمّا رمتك عيون النّاس هبتهم ... وكدت تشرق لمّا قمت بالريق تلوى اللّسان إذا رمت الكلام به ... كما هوى زلق من حالق نيق (٣) وروى أن بعض خلفاء بنى العباس- وأظنه الرشيد- صعد المنبر ليخطب، فسقطت ذبابة على وجهه فطردها، فعادت فحصر وأرتج عليه، فقال: أعوذ بالله السميع العليم: يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ، إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ، وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ، ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ [الحج: ٧٣]، ثم نزل، فاستحسن ذلك منه. ومما يشاكل هذه الحكاية ما حكاه عمرو بن بحر الجاحظ قال: " كان (٤) لنا بالبصرة قاض يقال له عبد الله بن سوّار لم ير الناس حاكما قطّ [ولا زمّيتا] (٥)، ولا ركينا (٦)، ولا وقورا، ضبط من نفسه، وملك من حركته مثل الّذي ضبط وملك؛ وكان يصلى الغداة

стр. 774

فى منزله وهو قريب الدار من مسجده، فيأتى مجلسه، فيحتبى ولا يتّكئ، ولا يزال منتصبا لا يتحرّك له عضو، ولا يلتفت، ولا تحلّ حبوته (١)، ولا يحوّل رجلا عن رجل، ولا يعتمد على أحد شقّيه، حتى كأنه بناء مبنىّ أو صخرة منصوبة؛ فلا يزال كذلك؛ حتى يقوم لصلاة الظهر، ثم يعود إلى مجلسه، فلا يزال كذلك/ حتى يقوم لصلاة العصر، ثم يرجع إلى مجلسه (٢)، فلا يزال كذلك حتى يقوم لصلاة المغرب، ثم ربما عاد إلى مجلسه (٣)، بل كثيرا ما يكون ذلك إذا بقى عليه من قراءة العهد والشروط والوثائق، ثم يصلى العشاء (٤) وينصرف، لم يقم فى تلك الولاية مرة واحدة إلى الوضوء، ولا احتاج إليه، ولا شرب ماء ولا غيره من الشراب، وكذلك كان شأنه فى طوال الأيام وفى قصارها، وفى صيفها وشتائها، وكان مع ذلك لا يحرّك يدا (٥)، ولا يشير برأسه؛ وليس إلا أن يتكلم ثم يوجز؛ ويبلغ بالكلام اليسير المعانى الكثيرة. فبينما هو ذات يوم كذلك، وأصحابه حوله (٦) وفى السّماطين (٧) بين يديه إذ سقط على أنفه ذباب، فأطال السكوت والمكث، ثم تحوّل إلى مؤق (٨) عينه؛ فرام الصبر فى سقوطه على المؤق وعلى عضّته، ونفاذ خرطومه؛ كما رام الصبر على سقوطه على أنفه، من غير أن يحرّك أرنبته، أو يغضّن وجهه؛ أو يذبّ بإصبعه؛ فلما طال عليه ذلك من الذباب وأوجعه وأحرقه وقصد إلى مكان لا يحتمل التغافل عنه أطبق جفنه الأعلى على جفنه الأسفل فلم ينهض، فدعاه ذلك إلى أن والى بين الإطباق والفتح؛ فتنحى ريثما سكن جفنه. ثم عاد إلى موقفه (٩) ثانيا، أشد من مرته الأولى، فغمس خرطومه فى مكان قد كان أوهاه قبل ذلك، فكان احتماله له أضعف، وعجزه عن الصبر فى الثانية أقوى، فحرّك أجفانه، وزاد

стр. 775

فى شدة الحركة (١) فى تتابع الفتح والإطباق، فتنحّى عنه بقدر ما سكنت حركته، ثم عاد إلى موضعه، فما زال يلحّ عليه حتى استفرغ جهده (٢)، وبلغ مجهوده، فلم يجد بدّا من أن يذبّ عنه بيده، ففعل ذلك وعيون القوم إليه يرمقونه، كأنهم لا يرونه، فتنحى عنه بمقدار ما ردّ يده، وسكنت حركته، ثم عاد إلى موضعه؛ فألجأه إلى أن ذبّ عن وجهه بطرف كمه، ثم ألجأه إلى أن تابع بين ذلك، وعلم أن ذلك كلّه بعين من حضر من أمنائه وجلسائه، فلما نظروا إليه قال: أشهد أن الذباب ألجّ (٣) من الخنفساء، وأزهى من الغراب، وأستغفر الله فما أكثر من أعجبته نفسه، فأراد الله أن يعرّفه من ضعفه ما كان عنه مستورا. وقد علمت أنى كنت/ عند الناس من أرصن الناس، وقد غلبنى وفضحنى أضعف خلق الله، ثم تلا قول الله تعالى: ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ".

стр. 776

مجلس آخر ٥٩ تأويل آية [وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ، وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ] إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ، وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ؛ [البقرة: ٤٩]. فقال: ما تنكرون أن يكون فى هذه الآية دلالة على إضافة الأفعال التى تظهر من العباد إليه تعالى، من وجهين: أحدهما أنه قال بعد ما تقدم من أفعالهم ومعاصيهم: وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ فأضافها إلى نفسه، والثانى أنه أضاف نجاتهم من آل فرعون إليه فقال: وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ، ومعلوم أنهم هم الذين ساروا حتى نجوا؛ فيجب أن يكون ذلك السير من فعله على الحقيقة حتى تصح الإضافة. الجواب، قلنا: أما قوله تعالى: وَفِي ذلِكُمْ فهو إشارة إلى ما تقدّم ذكره من إنجائه لهم من المكروه والعذاب: وقد قال قوم: إنه معطوف على ما تقدّم من قوله تعالى: يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ؛ [البقرة: ٤٧]، والبلاء هاهنا الإحسان والنعمة. ولا شك فى أن تخليصه لهم من ضروب المكاره التى عددها الله نعمة عليهم وإحسان إليهم؛ والبلاء عند العرب قد يكون حسنا، ويكون شيئا، قال الله تعالى: وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً [الأنفال: ١٧]؛ ويقول الناس فى الرجل إذا أحسن القتال والثبات فى الحرب: قد أبلى فلان، ولفلان بلاء؛ والبلوى أيضا قد يستعمل فى الخير والشر؛ إلا أن أكثر ما يستعملون البلاء الممدود فى الجميل والخير، والبلوى المقصور فى السوء

стр. 777

والشر، وقال قوم: أصل البلاء فى كلام العرب الاختبار والامتحان، ثم يستعمل فى الخير والشر؛ لأن الاختبار والامتحان قد يكون فى الخير والشر جميعا، كما قال تعالى: وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ؛ [الأعراف: ١٦٨]، يعنى اختبرناهم، وكما قال تعالى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً؛ [الأنبياء: ٣٥]، فالخير يسمى بلاء، والشر يسمى بلاء؛ غير أن الأكثر فى الشر أن يقال: بلوته أبلوه بلاء، وفى الخير: أبليته أبليه إبلاء وبلاء؛ وقال زهير فى البلاء الّذي هو الخير: / جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم ... وأبلاهما خير البلاء الّذي يبلو (١) فجمع بين اللغتين، لأنه أراد: فأنعم الله عليهما خير النعمة التى يختبر بها عباده. وكيف يجوز أن يضيف تعالى ما ذكره عن آل فرعون من ذبح الأبناء وغيره إلى نفسه، وهو قد ذمّهم عليه، ووبّخهم! وكيف يكون ذلك من فعله؛ وهو تعالى قد عدّ تخليصهم منه نعمة عليهم! وكان يجب على هذا أن يكون إنما نجاهم من فعله تعالى بفعله، وهذا مستحيل لا يعقل ولا يحصل؛ على أنّه يمكن أن ترد قوله: ذلِكُمْ إلى ما حكاه عن آل فرعون من الأفعال القبيحة؛ ويكون المعنى: فى تخليته بين هؤلاء وبينكم، وتركه منعهم من إيقاع هذه الأفعال بكم بلاء من ربّكم عظيم؛ أى محنة واختبار لكم. والوجه الأول أقوى وأولى، وعليه جماعة من المفسرين. وروى أبو بكر الهذلىّ عن الحسن فى قوله تعالى: وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ، قال: نعمة عظيمة؛ إذ أنجاكم من ذلك؛ وقد روى مثل ذلك عن ابن عباس والسّدّيّ ومجاهد وغيرهم. فأما إضافة النّجاة إليه وإن كانت واقعة بسيرهم وفعلهم؛ فلو دلّ على ما ظنّوه لوجب إذا قلنا: إنّ الرسول أنقذنا من الشّكّ، وأخرجنا من الضلالة إلى الهدى، ونجّانا من الكفر أن يكون فاعلا لأفعالنا. وكذلك قد يقول أحدنا لغيره: أنا نجيتك من كذا وكذا، واستنقذتك وخلصتك،

стр. 778

ولا يريد أنّه فعل بنفسه فعله. والمعنى فى ذلك ظاهر؛ لأن ما وقع بتوفيق الله تعالى ودلالته وهدايته ومعونته وألطافه قد يصح إضافته إليه فعلى هذا صحت إضافة النجاة إليه تعالى. ويمكن أيضا أن يكون مضيفا لها من حيث ثبّط عنهم الأعداء، وشغلهم عن طلبهم؛ وكل هذا يرجع إلى المعونة؛ فتارة تكون بأمر يرجع إليهم، وتارة بأمر يرجع إلى أعدائهم. فإن قيل: كيف يصحّ أن يقول: وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ فيخاطب بذلك من لم يدرك فرعون ولا نجا من شره؟ قلنا: ذلك معروف مشهور فى كلام العرب؛ وله نظائر؛ لأن العربىّ قد يقول مفتخرا على غيره: قتلناكم يوم عكاظ (١) وهزمناكم؛ وإنما يريد أنّ قومى فعلوا ذلك بقومك. قال الأخطل يهجو جرير بن عطية: / ولقد سما لكم الهذيل فنالكم ... بإراب حيث يقسّم الأنفالا (٢) فى فيلق يدعو الأراقم لم تكن ... فرسانه عزلا ولا أكفالا (٣) ولم يلحق جرير الهذيل؛ ولا أدرك اليوم الّذي ذكره؛ غير أنّه لما كان يوم من أيام قوم الأخطل على قوم جرير، أضاف الخطاب إليه وإلى قومه؛ فكذلك خطاب الله تعالى بالآية إنما توجّه إلى أبناء من نجّى من آل فرعون وأحلافهم. والمعنى: وإذ نجينا آباءكم وأسلافكم؛ والنعمة على السلف نعمة على الخلف. ***

стр. 779

قال سيدنا أدام الله تمكينه: ومن أحسن الشعر فى تعوّد الضيافة والأنس بها والاستمرار عليها قول حاتم بن عبد الله الطائى: إذا ما بخيل القوم هرّت كلابه ... وشقّ على الضّيف الغريب عقورها (١) فإنى جبان الكلب، بيتى موطّا ... جواد إذا ما النّفس شحّ ضميرها وإنّ كلابى مذ أقرّت (٢) وعوّدت ... قليل على من يعترينا هريرها أراد بقوله: * قليل على من يعترينا هريرها* أنها لا تهرّ جملة؛ ولذلك نظائر كثيرة، ومثله قوله تعالى: فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ؛ [البقرة: ٨٨] ومثل قوله: «فإنى جبان الكلب» معنى ولفظا قول الشاعر: وما يك فىّ من عيب فإنى ... جبان الكلب مهزول الفصيل (٣) وإنما أراد أنى أوثر الضيف بالألبان ففصالى مهازيل. ومثل اللفظ والمعنى (٤) قول أبى وجزة: وآل الزّبير بنو حرّة ... مروا بالسّيوف الصّدور الجنافا (٥)

стр. 780

يموتون والقتل من دأبهم ... ويغشون يوم السّيوف السّيافا (١) وأجبن من صافر كلبهم ... وإن قذفته حصاة أضافا يقول: أدركوا بسيوفهم ثاراتهم؛ فكأنهم شفوا وغر قلوبهم، وأزالوا ما كان فيها من الأحقاد. ومعنى «مروا» استخرجوا كما ترى الناقة إذا أردت أن تحلبها لتدرّ. والجانف: المائل. ثم قال: وإن مات بعضهم على فراشه فإن أكثرهم يموت مقتولا؛ لشجاعتهم وإقدامهم، فلذلك قال: «والقتل من/ دأبهم». وجعل كلبهم جبانا لكثرة من يغشاهم ويطرقهم من النّزّال والأضياف فقد ألفتهم كلابهم وأنست بهم؛ فهى لا تنبحهم. وقيل أيضا: إنها لا تهرّ عليهم؛ لأنها تصيب مما ينحر لهم وتشاركهم فيه. ومعنى: * وإن قذفته حصاة أضافا* أى أشفق؛ وهذا تأكيد لجبنه؛ ويقال: أضاف الرجل من الأمر إذا أشفق منه. ومعنى «وأجبن من صافر كلبهم» قد تقدم ذكره فى الأمالى. ومثله فى المعنى: يغشون حتى ما تهرّ كلابهم ... لا يسألون عن السّواد المقبل (٢) وقال المرار بن المنقذ العدوىّ: أعرف الحقّ ولا أنكره ... وكلابى أنس غير عقر (٣)

стр. 781

لا ترى كلبى إلّا آنسا ... إن أتى خابط ليل لم يهرّ (١) كثر النّاس فما ينكرهم ... من أسيف يبتغى الخير وحرّ الأسيف: العبد هاهنا- وقال آخر: إلى ماجد لا ينبح الكلب ضيفه ... ولا يتأدّاه احتمال المغارم (٢) معنى «يتأداه» يثقله؛ وأراد أن يقول: يتأوّده؛ فقلب. وقال ابن هرمة: وإذا أتانا طارق متنوّر ... نبحت فدلّته عليّ كلابى (٣) وفرحن إذ أبصرنه فلقينه ... يضربنه بشراشر الأذناب (٤) وإنما تفرح به، لأنها قد تعودت إذا نزلت الضيوف أن ينحر لهم فتصيب من قراهم. ومثله له: ومستنبح تستكشط الرّيح ثوبه ... ليسقط عنه، وهو بالثّوب معصم (٥) عوى فى سواد اللّيل بعد اعتسافه ... لينبح كلب، أو ليفزع نوّم (٦) فجاوبه مستسمع الصّوت للقرى ... له مع إتيان المهبّين مطعم

стр. 782

يكاد إذا ما أبصر الضّيف مقبلا ... يكلّمه من حبّه، وهو أعجم أراد بقوله: «فجاوبه مستسمع الصوت» أنه جاوبه كلب. والمهبّون: الموقظون له ولأهله وهم/ الأضياف؛ وإنما كان له معهم مطعم، لأنه ينحر لهم ما يصيب منه. وأراد بقوله: * يكلّمه من حبّه وهو أعجم* بصبصته وتحريكه ذنبه. وأما قوله: «ليفزع نوّم» فإنما أراد ليعين (١) نوم، يقال: فزعت لفلان إذا أعنته (٢). ومعنى «عوى فى سواد الليل» أنّ العرب تزعم أنّ سارى الليل إذا أظلم عليه وادلهمّ فلم يستبن محجة، ولم يدر أين الحلّة وضع وجهه على (٣) الأرض، وعوى عواء الكلب لتسمع (٤) ذلك الصوت الكلاب إن كان الحىّ قريبا منه فتجيبه، فيقصد الأبيات. وهذا معنى قوله أيضا: «ومستنبح»، أى ينبح نبح الكلاب (٥).

стр. 783

وقال الفرزدق: وداع بلحن الكلب يدعو ودونه ... من اللّيل سجفا ظلمة وغيومها (١) دعا وهو يرجو أن ينبّه إذ دعا ... فتى كابن ليلى حين غارت نجومها ابن ليلى، يعنى أباه غالبا- بعثت له دهماء ليست بلقحة (٢) ... تدرّ إذا ما هبّ نحسا عقيمها معنى «بعثت له دهماء» أى رفعتها على أثافيّها؛ ويعنى بالدهماء القدر. واللّقحة: الناقة؛ وأراد أن قدره تدرّ إذا هبت الريح عقيما لا مطر فيها- كأنّ المحال (٣) الغرّ فى حجراتها ... عذارى بدت لمّا أصيب حميمها أراد أن قطع اللحم لا تستتر منها (٤) بشيء؛ كما لا تستتر العذارى اللواتى أصيب حميمهنّ فيظهرن حواسر- غضوبا كحيزوم النعامة أحمشت ... بأجواز خشب زال عنها هشيمها (٥) الأجواز: الأوساط، وأوسط الخشب أصلبه وأبقى نارا- محضرة لا يجعل السّتر دونها ... إذا المرضع العوجاء جال يريمها البريم: الحقاب (٦)؛ وإنما يجول من الهزال والجهد والطوى. والعوجاء: التى قد اعوجّت من الطوى. وقال الأخطل فى الضيف: دعانى بصوت واحد فأجابه ... مناد بلا صوت، وآخر صيّت (٧)

стр. 784

ذكر ضيفا عوى بالليل والصّدى من الجبل يجيبه؛ فذلك معنى قوله: «بصوت واحد»، وقوله: «فأجابه مناد/ بلا صوت»، يعنى نارا رفعها له فرأى سناها فقصدها، والآخر الصّيت الكلب، لأنه أجاب دعواه. ومثله: وسارى ظلام مقفعلّ وهبوة ... دعوت بضوء ساطع فاهتدى ليا يعنى نارا رفعها ليقصده طرّاق الليل. والمقفعلّ: المنتفض (١) من شدة البرد. وأنشد محمد بن يزيد: ومستنبح تهوى مساقط رأسه ... إلى كلّ شخص فهو للصّوت أصور (٢) حبيب إلى كلب الكرام مناخه ... بغيض إلى الكوماء، والكلب أعذر (٣) دعته بغير اسم: هلمّ إلى القرى ... فأسرى يبوع الأرض شقراء تزهر معنى «أصور» مائل؛ أراد أنه يميل رأسه إلى كلّ شخص يتخيل له يظنه إنسانا. ومعنى: «حبيب إلى قلب الكرام» المعنى الّذي تقدم ومعنى: «بغيض إلى الكوماء» إلى الناقة لأنها تنحر له. وقوله: «دعته شقراء بغير اسم» يعنى نارا رأى ضوأها فقصدها؛ فكأنها دعته. وقال ابن هرمة وقد نزل به ضيف: فقلت لقينىّ ارفعاها وحرّقا ... لعلّ سنا نارى بآخر تهتف (٤) وفى معنى قوله: «بغيض إلى الكوماء» قول بعض الشعراء يمدح رسول الله صلى الله عليه وآله: وأبيك حيرا إنّ إبل محمّد ... عزل تناوح أن تهبّ شمال

стр. 785

وإذا رأين لدى الفناء غريبة ... ذرفت لهنّ من الدّموع سجال وترى لها زمن الشّتاء على الثّرى ... رخما، وما تحيا لهنّ فصال أراد أبيك الخير، فلما طرح الألف واللام نصب. والعزل: التى لا سلاح معها؛ وسلاح الإبل سنامها (١) وأولادها؛ وإنما جعلوا ذلك كالسلاح لها من حيث كان صاحبها إذا رأى سمنها وحسن أجسامها، ورأى أولادها تتبعها نفس بها على الأضياف فامتنع من نحرها، فلما كان ذلك صادّا عن الذبح، ومانعا منه جرى مجرى السلاح لها؛ فكأنه يقول: هذه الإبل وإن كانت ذوات سلاح؛ من حيث كانت شحيمة سمينة فهى كالعزل إذ كان سلاحها لا يغنى عنها شيئا، ولا يمنع من عقرها. ومعنى: «تناوح» يقابل بعضها بعضا، أى هنّ مدفآت بأسنمتها وأوبارها/ لا تبالى بهبوب الشمال، ولا يدخل بعضها فى بعض من البرد. وقوله: * وإذا رأين لدى الفناء غريبة* أى إذا نزل ضيف فعقل ناقته التى جاء عليها وهى الغريبة علمن أنه سينحر بعضهم لا محالة؛ فلذلك تذرف دموعهن. وقوله: وترى لها زمن الشّتاء على الثرى ... رخما ..... فقد قيل فيه: إنه أراد به أن يهب فصالهن فتبقى ألبانهن على الأرض كهيئة الرّخم. وحكى عن ابن عباس أنه قال: الرّخم: قطع العلق من الدم. وعندى أن المعنى غير هذين جميعا؛ وإنما أراد أنها تنحر وتعقر فتسقط الرّخم على موضع عقرها وبقايا دمائها وأشلائها؛ فهذا معنى قوله، لا ما تقدّم.

стр. 786

وقال آخر فى معنى سلاح الإبل يمدح بنى عوذ بن غالب من عبس (١)؛ جزى الله عنى غالبا خير ما جزى ... إذا حدثان الدّهر نابت نوائبه (٢) إذا أخذت بزل المخاض سلاحها ... تجرّد فيها متلف المال كاسبه (٣) أراد أن سمنها وحسنها وتمامها لا يمنعنى (٤) من عقرها للأضياف. ومثله: إذا البقل فى أصلاب شول ابن مسهر ... نما لم يزده البقل إلّا تكرّما إذا أخذت شول البخيل رماحها ... دحا برماح الشّول حتّى تحطّما وقوله: «أخذت رماحها» من المعنى المتقدم. وقال مسكين الدارمىّ: فقمت ولم تأخذ إلى رماحها ... عشارى، ولم أرجب (٥) عراقبها عقرا لم أرجب: لم أكبر ذلك ولم يعظم عليّ، وسمّى رجب رجبا من ذلك؛ لأنه شهر معظّم. وقالت ليلى الأخيلية:

стр. 787

ولا تأخذ الكوم الحياد سلاحها ... لتوبة فى قرّ الشّتاء الصنابر (١) ومثله: لا أخون الصّديق ما حفظ العه ... د، ولا تأخذ السّلاح لقاحى وقال النمر بن تولب: أزمان لم تأخذ إلى سلاحها ... إبلى بجلّتها ولا أبكارها (٢) ابتزّها ألبانها ولحومها ... فأهين ذاك لضيفها ولجارها / وقال مضرّس بن ربعىّ الأسدىّ: وما نلعن الأضياف إن نزلوا بنا ... ولا يمنع الكوماء منّا نصيرها ومعنى: «لا نلعنهم»، أى لا نبعدهم، واللعين: البعيد. ونصيرها هاهنا: ما يمنع من عقرها من حسن وتمام وولد وما جرى مجرى ذلك. والنصير والسلاح فى المعنى واحد.

стр. 788

مجلس آخر ٦٠ تأويل آية [وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ] إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ؛ [الكهف: ٢٣]. فقال: ما تنكرون أن يكون ظاهر هذه الآية يقتضي أن يكون جميع ما نفعله يشاؤه ويريده؟ لأنه لم يخصّ شيئا من شيء؛ وهذا بخلاف مذهبكم. وليس لكم أن تقولوا: إنه خطاب للرسول عليه وآله السلام خاصة؛ وهو لا يفعل إلا ما يشاؤه الله؛ لأنه قد يفعل المباح بلا خلاف؛ ويفعل الصغائر عند أكثركم؛ فلا بد من أن يكون فى أفعاله تعالى ما لا يشاؤه عندكم، ولأنه أيضا تأديب لنا، كما أنه تعليم له ﵇؛ ولذلك يحسن منا أن نقول ذلك فيما يفعله. الجواب، قلنا: تأويل هذه الآية مبنىّ على وجهين: أحدهما أن نجعل حرف الشرط الّذي هو «إن» متعلقا بما يليه وبما هو متعلّق به فى الظاهر من غير تقدير محذوف؛ ويكون التقدير: ولا تقولن إنك تفعل إلا ما يريد الله. وهذا الجواب ذكره الفراء، وما رأيته إلا له. ومن العجب تغلغله إلى مثل هذا؛ مع مع أنه لم يكن متظاهرا بالقول بالعدل. وعلى هذا الجواب لا شبهة فى الآية، ولا سؤال للقوم علينا. وفى هذا الوجه ترجيح (١) لغيره من حيث اتبعنا فيه الظاهر، ولم نقدّر محذوفا، وكلّ جواب مطابق الظاهر ولم يبن على محذوف كان أولى.

стр. 789

والجواب الآخر أن نجعل «أن» متعلقة بمحذوف؛ ويكون التقدير: ولا تقولن لشيء إنى فاعل ذلك غدا إلا أن تقول: «إن شاء الله»؛ لأن من عاداتهم إضمار القول فى مثل هذا الموضع، واختصار الكلام إذا طال وكان فى الموجود منه دلالة على المفقود. وعلى هذا الجواب يحتاج إلى الجواب عما سئلنا عنه، فنقول: هذا تأديب من الله تعالى/ لعباده، وتعليم لهم أن يعلّقوا ما يخبرون به بهذه اللفظة؛ حتى يخرج من حد القطع. ولا شبهة فى أن ذلك مختصّ بالطاعات، وأنّ الأفعال القبيحة خارجة عنه؛ لأن أحدا من المسلمين لا يستحسن أن يقول: إنى أزنى غدا إن شاء الله، أو أقتل مؤمنا، وكلهم يمنع من ذلك أشدّ المنع؛ فعلم سقوط شبهة من ظن أن الآية عامّة فى جميع الأفعال. وأما أبو عليّ محمد بن عبد الوهاب فإنه ذكر فى تأويل هذه الآية ما نحن ذاكروه بعينه، قال" إنما عنى بذلك أنّ من كان لا يعلم أنه يبقى إلى غد حيا فلا يجوز أن يقول: إنى سأفعل غدا كذا وكذا، فيطلق الخبر بذلك وهو لا يدرى، لعله سيموت ولا يفعل ما أخبر به؛ لأن هذا الخبر إذا [لم يوجد مخبره على ما أخبر به] (١) فهو كذب؛ وإذا كان المخبر لا يأمن أن لا يوجد مخبره لحدوث أمر من فعل الله نحو الموت أو العجز أو بعض الأمراض، أو لا يحدث (٢) ذلك بأن يبدو له هو فى ذلك، فلا يأمن أن يكون خبره كذبا فى معلوم الله ؛ وإذا لم يأمن ذلك لم يجز أن يخبر به؛ ولا يسلم خبره هذا من الكذب إلا بالاستثناء الّذي ذكره الله تعالى؛ فإذا قال: إنى صائر غدا إلى المسجد إن شاء الله، فاستثنى فى مصيره مشيئة الله أمن أن يكون خبره فى هذا كذبا؛ لأن الله إن شاء أن يلجئه إلى المصير إلى المسجد غدا ألجأه إلى ذلك؛ وكان المصير منه لا محالة؛ فإذا كان ذلك على ما وصفنا لم يكن خبره هذا كذبا؛ وإن لم يوجد منه المصير إلى المسجد؛ لأنه لم يوجد ما استثناه فى ذلك من مشيئة الله تعالى".

стр. 790

قال: " وينبغى ألا يستثنى مشيئة دون مشيئة، لأنه إن استثنى فى ذلك مشيئة الله لمصيره إلى المسجد على وجه التعبد، فهو أيضا لا يأمن أن يكون خبره كذبا؛ لأن الإنسان قد يترك كثيرا مما يشاؤه الله تعالى منه ويتعبده به، ولو كان استثناء مشيئة الله لأن يبقيه ويقدره ويرفع عنه الموانع كان أيضا لا يأمن أن يكون خبره كذبا؛ لأنه قد يجوز ألّا يصير إلى المسجد مع تبقية الله تعالى له قادرا مختارا، فلا يأمن من الكذب فى هذا الخبر دون أن يستثنى المشيئة العامة التى ذكرناها، فإذا دخلت هذه المشيئة فى الاستثناء فقد أمن أن يكون خبره كذبا/ إذا كانت هذه المشيئة متى وجدت وجب أن يدخل المسجد لا محالة". قال: " وبمثل هذا الاستثناء يزول الحنث عمن حلف فقال: والله لأصيرنّ غدا إلى المسجد إن شاء الله، لأنه إن استثنى على سبيل ما بيّنا لم يجز أن يحنث فى يمينه، ولو خص استثناءه بمشيئة بعينها ثم كانت ولم يدخل معها المسجد حنث فى يمينه". وقال غير أبى عليّ: إن المشيئة المستثناة هاهنا هى مشيئة المنع والحيلولة؛ فكأنه قال: إن شاء الله يخلينى ولا يمنعنى. وفى الناس من قال: القصد بذلك أن يقف الكلام على جهة القطع وإن لم يلزم به ما كان يلزم لولا الاستثناء، ولا ينوى فى ذلك إلجاء ولا غيره؛ وهذا الوجه يحكى عن الحسن البصرىّ. واعلم إن فى الاستثناء (١) الداخل على الكلام وجوها مختلفة؛ فقد يدخل على الأيمان والطلاق والعتاق وسائر العقود وما يجرى مجراها من الأخبار؛ فإذا دخل ذلك اقتضى التوقيف عن إمضاء الكلام والمنع من لزوم ما يلزم به إزالته عن الوجه الّذي وضع له؛ ولذلك يصير ما تكلّم به كأنه لا حكم له؛ ولذلك يصح على هذا الوجه أن يستثنى فى الماضى فيقول: قد

стр. 791

دخلت الدار إن شاء الله، ليخرج بهذا الاستثناء من أن يكون كلامه خبرا قاطعا أو يلزمه حكم. وإنما لم يصحّ دخوله فى المعاصى على هذا الوجه؛ لأن فيه إظهار الانقطاع (١) إلى الله تعالى؛ والمعاصى لا يصح ذلك فيها؛ وهذا الوجه أحد (٢) ما يحتمله تأويل الآية. وقد يدخل الاستثناء فى الكلام فيراد به اللطف والتسهيل. وهذا الوجه يخصّ الطاعات، ولهذا الوجه جرى قول القائل: لأقضينّ غدا ما عليّ من الدين، ولأصلّينّ غدا إن شاء الله مجرى أن يقول: إنى أفعل ذلك إن لطف الله تعالى فيه وسهّله؛ فعلم أن المقصد واحد، وأنه متى قصد الحالف فيه هذا الوجه لم يجب إذا لم يقع (٣) منه هذا الفعل أن يكون حانثا وكاذبا، لأنه إن لم يقع علمنا أنه لم يلطف له (٤)، لأنه لا لطف له. وليس لأحد أن يعترض هذا بأن يقول: الطاعات لا بدّ فيها من لطف؛ وذلك لأنّ فيها ما لا لطف فيه جملة، فارتفاع ما هذه سبيله يكشف عن أنه لا لطف فيه، وهذا الوجه لا يصح أن يقال فى الآية أنه يخص الطاعات؛ والآية/ تتناول كلّ ما لم يكن قبيحا؛ بدلالة إجماع (٥) المسلمين على حسن الاستثناء ما تضمنته فى فعل ما لم يكن قبيحا. وقد يدخل الاستثناء فى الكلام ويراد به التسهيل والإقدار والتخلية والبقاء على ما هي عليه من الأحوال؛ وهذا هو المراد به إذا دخل فى المباحات. وهذا الوجه يمكن فى الآية إلا أنه يعترضه ما ذكره أبو على مما حكيناه من كلامه. وقد يذكر استثناء المشيئة أيضا فى الكلام وإن لم يرد به فى شيء مما تقدم؛ بل يكون الغرض إظهار الانقطاع إلى الله تعالى من غير أن يقصد إلى شيء من الوجوه المتقدمة. وقد يكون هذا الاستثناء غير معتدّ به فى كونه كاذبا أو صادقا؛ لأنه فى الحكم كأنه

стр. 792

قال: لأفعلنّ كذا إذا وصلت إلى مرادى مع انقطاعى إلى الله تعالى وإظهارى الحاجة إليه؛ وهذا الوجه أيضا مما يمكن فى تأويل الآية. ومن تأمل جملة ما ذكرناه من الكلام عرف منه الجواب عن المسألة التى لا يزال يسأل عنها المخالفون من قولهم: لو كان الله تعالى إنما يريد العبادات من الأفعال دون المعاصى لوجب إذا قال من لغيره عليه دين طالبه به: والله لأعطينّك حقّك غدا إن شاء الله أن يكون كاذبا أو حانثا إذا لم يفعل؛ لأن الله تعالى قد شاء ذلك منه عندكم، وإن كان لم يقع؛ فكان يجب أن تلزمه الكفارة؛ وألا يؤثر هذا الاستثناء فى يمينه، ولا يخرجه عن كونه حانثا؛ كما أنه لو قال: والله لأعطينّك حقك غدا إن قدم زيد فقدم ولم يعطه يكون حانثا؛ وفى إلزام هذا الحنث خروج عن إجماع المسلمين، فصار ما أوردناه جامعا لبيان تأويل الآية، وللجواب عن هذه المسألة ونظائرها من المسائل، والحمد لله وحده. *** قال سيدنا أدام الله تمكينه: تأمّلت ما اشتملت عليه تشبيهات الشعراء فوجدت أكثر ما شبهوا فيه الشيء بالشيء الواحد، أو الشيئين بالشيئين؛ وقد تجاوزوا ذلك إلى تشبيه ثلاثة بثلاثة، وأربعة بأربعة، وهو قليل؛ ولم أجد من تجاوز هذا القدر إلا قطعة مرّت بى لابن المعتز، فإنها تضمنت تشبيه ستة أشياء بستة أشياء. فأما تشبيه الواحد بالواحد فمثل قول عنترة فى وصف الذباب: هزجا يحكّ ذراعه بذراعه ... قدح المكبّ على الزّناد الأجذم (١) / ومثله قول عدى بن الرّقاع:

стр. 793

تزجى أغنّ كأنّ إبرة روقه ... قلم أصاب من الدّواة مدادها (١) ومثله قول امرئ القيس: كأنّ عيون الوحش حول قبابنا ... وأرحلنا الجزع الّذي لم يثقّب (٢) وقوله: إذا ما الثّريّا فى السّماء تعرّضت ... تعرّض أثناء الوشاح المفصّل (٣) ولذى الرّمة: وردت اعتسافا والثّريّا كأنّها ... على قمّة الرّأس ابن ماء محلّق (٤) وهذا الباب أكثر من أن يحصى. فأما تشبيه شيئين بشيئين فمثل قول امرئ القيس يصف عقابا: كأنّ قلوب الطّير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العنّاب والحشف البالى (٥) وقوله: وكشح لطيف كالجديل مخصّر ... وساق كأنبوب السّقيّ المذلّل (٦)

стр. 794

ولبشار: كأنّ مثار النّقع فوق رءوسهم ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه (١) ولآخر: كأنّ سموّ النّقع والبيض حوله ... سماوة ليل أسفرت عن كواكب وقول أبى نواس: كأنّ صغرى وكبرى من فقاقعها ... حصباء درّ على أرض من الذّهب (٢) ولآخر: إنّ الشّمول هى التى ... جمعت لأهل الودّ شملا (٣) شبّهتها وحبابها ... بشقائق يحملن طلّا (٤) ولآخر: أبصرته والكأس بين فم ... منه وبين أنامل خمس فكأنّها وكأنّ شاربها (٥) ... قمر يقبّل عارض الشّمس / ولآخر: حتى إذا جليت فى الكأس خلت بها ... عقيقة جليت فى قشر بلّور (٦)

стр. 795

تعلى إذا مزجت فى كأسها حببا ... كأنّه عرق فى خدّ مخمور وقال البحترىّ: شقائق يحملن النّدى فكأنّه ... دموع التّصابى فى خدود الخرائد (١) وقال آخر: فكأنّ الرّبيع يجلو عروسا ... وكأنّا من قطره فى نثار (٢) ولأبى العباس الناشئ: كأنّ الدّموع على خدّها ... بقيّة طلّ على جلنار وقال ابن الرومى وأحسن: لو كنت يوم الفراق حاضرنا ... وهنّ يطفئن غلّة الوجد (٣) لم تر إلا الدّموع سافحة ... تسفح من مقلة على خدّ كأنّ تلك الدّموع قطر ندى ... يقطر من نرجس على ورد (٤) وقال جران العود: أبيت كأنّ اللّيل أفنان سدرة ... عليها سقيط من ندى الطّلّ ينطف (٥) أراقب لمحا من سهيل كأنّه ... إذا ما بدا فى آخر اللّيل يطرف ولابن المعتز: سقتنى فى ليل شبيه بشعرها ... شبيهة خدّيها بغير رقيب فأمسيت فى ليلين بالشّعر والدّجى ... وشمسين من خمر ووجه حبيب (٦)

стр. 796

وقال المتنبى: نشرت ثلاث ذوائب من شعرها ... فى ليلة فأرت ليالى أربعا (١) واستقبلت قمر السماء بوجهها ... فأرتنى القمرين فى وقت معا (٢) / فأما تشبيه ثلاثة أشياء بثلاثة أشياء فمثل قول مانى الموسوس: نشرت غدائر شعرها لتظلّنى ... خوف العيون من الوشاة الرّمق فكأنّه وكأنّها (٣) وكأنّنى ... صبحان باتا تحت ليل مطبق ولبعضهم: روض ورد خلاله نرجس غ ... ضّ يحفّان أقحوانا نضيرا ذا يباهى لنا خدودا، وذا يح ... كى عيونا، وذا يضاهى ثغورا ولآخر فى النرجس: مداهن تبر بين أوراق فضّة ... لها عمد مخروطة من زبرجد وللبحترىّ فى وصف ضمر المطايا ونحولها: كالقسىّ المعطّفات بل الأس ... هم مبريّة بل الأوتار (٤) ولبعض الطالبيين: وأنا ابن معتلج البطاح إذا غدا ... غيرى وراح على متون ضوامر (٥)

стр. 797

يفترّ عنّى ركنها وحطيمها ... كالجفن يفتح عن سواد النّاظر كجبالها شرفى، ومثل سهولها ... خلقى، ومثل ظبائهنّ مجاورى وأما تشبيه أربعة بأربعة فمثل قول امرئ القيس: له أيطلا ظبى، وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان، وتقريب تتفل (١) ولآخر: كفّ تناول راحها بزجاجة (٢) ... خضراء تقذف بالحباب وتزبد فالكفّ عاج، والحباب لآلئ، ... والرّاح تبر، والإناء زبرجد ولبعضهم وقد أهدى إليه نرجس وأقحوان وشقائق وآس، فكتب إلى المهدىّ: لله ما أظرف أخ ... لاقك يا بدر الكرم أهديت ما ناسبنها ... حسنا وظرفا ومشمّ / فما رأينا مهديا ... قبلك فى كلّ الأمم أهدى العيون والخدو ... د والثّغور واللّمم ولآخر: أفدى حبيبا له بدائع أو ... صاف تعالت عن كلّ ما أصف كالبدر يعلو، والشّمس تشرق، والغزال يعطو، والغصن ينعطف (٣) وللمتنبى: بدت قمرا، وماست خوط بان، ... وفاحت عنبرا، ورنت غزالا (٤)

стр. 798

ولآخر: سفرن بدورا، وانتقبن أهلّة، ... ومسن غصونا، والتفتن جآذرا (١) وأما تشبيه خمسة بخمسة فقول الوأواء الدمشقىّ، وهو أبو الفرج: وأسبلت لؤلؤا من نرجس، وسقت ... وردا، وعضّت على العنّاب بالبرد (٢) وأما تشبيه ستة بستة فلم أجده إلا لابن المعتز فى قوله: بدر وليل وغصن ... وجه وشعر وقد (٣) خمر وورد ودرّ ... ريق وثغر وخدّ

стр. 799

مجلس آخر ٦١ تأويل آية [رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا] إن سأل سائل عن قوله تعالى: رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا؛ [البقرة: ٢٨٦]. فقال: كيف يجوز أن يأمرنا على سبيل العبادة بالدّعاء بذلك، وعندكم أن النسيان من فعله تعالى؟ ولا تكليف على الناسى فى حال نسيانه؛ وهذا يقتضي أحد أمرين: إما أن يكون النسيان من فعل العباد على ما يقوله كثير من الناس، أو نكون متعبدين بمسألته تعالى ما نعلم أنه واقع حاصل؛ لأن مؤاخذة الناسى مأمونة منه تعالى، والقول فى الخطأ إذا أريد به ما وقع سهوا أو عن غير عمد يجرى هذا المجرى. الجواب، قلنا: قد قيل فى تأويل هذه الآية: إنّ المراد بنسياننا تركنا. قال أبو عليّ قطرب بن المستنير: معنى النسيان هاهنا الترك؛ كما قال تعالى: وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ؛ [طه: ١١٥]، فنسى أى ترك؛ ولولا ذلك لم يكن فعله معصية، وكقوله تعالى: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ؛ [التوبة: ٦٧]، أى تركوا طاعته فتركهم من ثوابه ورحمته. وقد يقول/ الرجل لصاحبه: لا تنسنى من عطيتك، أى لا تتركنى منها، وأنشد ابن عرفة (١): ولم أك عند الجود للجود قاليا ... ولا كنت يوم الرّوع للطّعن ناسيا أى تاركا. ومما يمكن أن يكون على ذلك شاهدا قوله تعالى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ؛ [البقرة: ٤٤]، أى تتركون أنفسكم.

стр. 800

ويمكن فى الآية وجه آخر على أن يحمل النسيان على السّهو وفقد المعلوم؛ ويكون وجه الدعاء بذلك ما قد بيناه فيما تقدم من الأمالى؛ من أنه على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى، وإظهار الفقر إلى مسألته والاستعانة به؛ وان كان مأمونا منه المؤاخذة بمثله؛ ويجرى مجرى قوله تعالى فى تعليمنا وتأديبنا: لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ؛ [البقرة: ٢٨٦]، ومجرى قوله تعالى: قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ، [الأنبياء: ١١٢]؛ وقوله وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ؛ [الشعراء: ٨٧]؛ وقوله تعالى حاكيا عن الملائكة: فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ؛ [غافر: ٧]. وهذا الوجه يمكن أيضا فى قوله تعالى: أَوْ أَخْطَأْنا إذا كان الخطأ ما وقع سهوا أو عن غير عمد. فأما على ما يطابق الوجه الأول فقد يجوز أن يريد تعالى بالخطإ ما يفعل من المعاصى بالتأويل السيّئ وعن جهل بأنها معاص، لأن من قصد شيئا على اعتقاد أنه بصفة، فوقع ما هو بخلاف معتقده يقال: قد أخطأ، فكأنه أمرهم بأن يستغفروا مما تركوه متعمدين من غير سهو ولا تأويل، ومما أقدموا عليه مخطئين متأولين. ويمكن أيضا أن يريد ب أَخْطَأْنا هاهنا أذنبنا وفعلنا قبيحا؛ وإن كانوا له متعمدين وبه عالمين، لأن جميع معاصينا لله تعالى قد توصف بأنها خطأ من حيث فارقت الصواب؛ وإن كان فاعلها متعمدا؛ وكأنه تعالى أمرهم بأن يستغفروا مما تركوه من الواجبات؛ ومما فعلوه من المقبّحات، ليشتمل الكلام على جهتى الذنوب؛ والله أعلم بمراده. *** أخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال حدثنى محمد بن العباس قال: قال رجل يوما لأبى العباس

стр. 801

محمد بن يزيد النحوىّ: ما أعرف ضادية أحسن من ضادية أبى الشّيص (١) فقال له: كم ضادية حسنة لا تعرفها! ثم أنشده لبشار: / غمض الجديد بصاحبيك فغمّضا ... وبقيت تطلب فى الحبالة منهضا (٢) وكأنّ قلبى عند كلّ مصيبة ... عظم تكرّر صدعه فتهيّضا وأخ سلوت له، فأذكره أخ ... فمضى، وتذكرك الحوادث ما مضى (٣) فاشرب على تلف الأحبّة إنّنا ... جزر المنيّة، ظاعنين وخفّضا (٤) ولقد جريت مع الصّبا طلق الصّبا ... ثمّ ارعويت فلم أجد لى مركضا (٥) وعلمت ما علم امرؤ فى دهره ... فأطعت عذّالى، وأعطيت الرّضا وصحوت من سكر وكنت موكّلا ... أرعى الحمامة والغراب الأبيضا الحمامة: المرآة، والغراب الأبيض: الشعر الشائب؛ فيقول: كنت كثيرا أتعهد نفسى بالنظر فى المرآة وترطيل (٦) الشعر. وقوله: «والغراب الأبيض» لأن الشعر كان غربيبا أسود؛ من حيث كان شابا ثم ابيض بالشيب- ما كلّ بارقة تجود بمائها ... وكذاك لو صدق الرّبيع لروّضا (٧)

стр. 802

هكذا أنشده المبرّد، ويحيى بن عليّ، وأنشده ابن الأعرابىّ: ما كلّ (١) بارقة تجود بمائها ... ولربما صدق الرّبيع فروّضا (٢) قد ذقت ألفته، وذقت فراقه ... فوجدت ذا عسلا، وذا جمر الغضا يا ليت شعرى! فيم كان صدوده ... أأسأت أم رعد السّحاب وأومضا! وغير من ذكرنا يرويه: «أم أجم الخلال فأحمضا» - (٣). ويلى عليه، وويلتى من بينه! ... كان الّذي قد كان حلما فانقضى سبحان من كتب الشقاء لذى الهوى ... ما كان إلّا كالخضاب فقد نضا قال المبرّد: وهى طويلة. وذكر يوسف بن يحيى بن عليّ عن أبيه أنّ أبا نواس أخذ قوله: جريت مع الصّبا طلق الجموح (٤) من قول بشار: ولقد جريت مع الصّبا طلق الصّبا قال سيدنا الشريف المرتضى ذو المجدين/ أدام الله علوّه: ولأبى تمام والبحترىّ على هذا الوزن والقافية وحركة القافية قصيدتان، إن لم يزيدا على ضادية بشار التى استحسنها المبرّد لم يقصرا (٥) عنها؛ وأول قصيدة أبى تمام:

стр. 803

أهلوك أضحوا شاخصا (١) ومقوّضا ... ومزمّما يصف النّوى ومغرّضا (٢) إن يدج عيشك أنهم أمّوا اللّوى ... فبما إضاؤهم على ذات الأضا (٣) بدّلت من برق الثّغور وبردها ... برقا إذا ظعن الأحبة أومضا (٤) يقول فيها: ما أنصف الشّرخ الّذي بعث الهوى ... فقضى عليك بلوعة ثمّ انقضى (٥) عندى من الأيام ما لو أنّه ... أضحى بشارب مرقد ما غمّضا (٦) لا تطلبنّ الرّزق بعد شماسه ... فترومه سبعا إذا ما غيّضا (٧) ما عوّض الصّبر امرؤ إلّا رأى ... ما فاته دون الّذي قد عوّضا يا أحمد بن أبى دؤاد دعوة ... ذلّت بذكرك لى وكانت ريّضا (٨) لمّا انتضيتك للخطوب كفيتها ... والسّيف لا يرضيك حتى ينتضى يقول فيها: قد كان صوّح نبت كلّ قرارة (٩) ... حتى تروّح فى نداك فروّضا أوردتنى العدّ الخسيف وقد أرى ... أتبرّض الثّمد البكىّ تبرّضا (١٠) وأما قصيدة البحترىّ فأوّلها: ترك السّواد للابسيه وبيّضا ... ونضا من السّتين عنه ما نضا (١١) وشآه (١٢) أغيد فى تصرّف لحظه ... مرض أعلّ به القلوب وأمرضا

стр. 804

وكأنّه وجد الصّبا وجديده ... دينا دنا ميقاته أن يقتضي أسيان أثرى من جوى وصبابة ... وأساف من وصل الحسان وأنفضا (١) / كلف يكفكف عبرة مهراقة ... أسفا على عهد الشّباب وما انقضى عدد تكامل للشّباب مجيئه ... وإذا مضىّ الشّيء حان فقد مضى يقول فيها: قعقعت للبخلاء أذعر جأشهم ... ونذيرة من قاصل أن ينتضى (٢) وكفاك من حنش الصّريم تهدّدا ... أن مدّ فضل لسانه أو نضنضا (٣) وفيها: لا تنكرن من جار بيتك أن طوى ... أطناب جانب بيته أو قوّضا (٤) فالأرض واسعة لنقلة راغب ... عمّن تنقّل ودّه وتنقّضا لا تهتبل إغضاءتي، إما كنت قد (٥) ... أغضيت مشتملا على جمر الغضا لست الّذي إن عارضته ملمّة ... أصغى إلى حكم الزّمان وفوّضا لا يستفزّنى الطّفيف ولا أرى ... تبعا لبارق خلّب إن أومضا (٦) أنا من أحبّ تحرّيا وكأننى ... فيما أعاين منك (٧) ممّن أبغضا أغببت سيبك كى يجمّ وإنّما ... غمد الحسام المشرفىّ لينتضى (٨)

стр. 805

وسكتّ إلّا أن أعرّض قائلا ... نزرا، وصرّح جهده من عرّضا *** وأخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال حدّثني يوسف بن يحيى عن أبيه قال: من مختار شعر بشار قوله فى وصف الزمان: عتبت على الزّمان وأىّ حىّ ... من الأحياء أعتبه الزّمان! (١) وآمنة من الحدثان تزرى ... عليّ، وليس من حدث أمان وليس بزائل يرمى ويرمى ... معان مرّة أو مستعان (٢) متى تأب الكرامة من كريم ... فمالك عنده إلّا الهوان وله فى نحوه: / يا خليلىّ أصيبا أو ذرا ... ليس كلّ البرق يهدى المطرا لا تكونا كامرئ صاحبته ... يترك العين ويبغى الأثرا ذهب المعروف إلّا ذكره ... ربّما أبكى الفتى ما ذكرا وبقينا فى زمان معضل ... يشرب الصّفو، ويبقى الكدراء (٣) قال: وله: قد أدرك الحاجة ممنوعة ... وتولع النّفس بما لا تنال والهمّ ما امسكته فى الحشا ... داء، وبعض الدّاء لا يستقال فاحتمل الهمّ على عاتق ... إن لم تساعفك العلندى الجلال (٤)

стр. 806

قال يحيى: قوله: «عاتق» يعنى الخمر، وهذا مثل قوله: رحلت عنسا من شراب بابل ... فبتّ من عقلى على مراحل (١) قال سيدنا أدام الله تمكينه: هذا الّذي ذكره يحتمله البيت على استكراه، ويحتمل أيضا أن يريد بالعاتق العضو، ويكون المعنى: إن لم تجد من يحمل عنك همومك ويقوم بأثقالك، ويخفف عنك، فتحمّل ذلك أنت بنفسك، واصبر عليه؛ فكأنّه يأمر نفسه بالتجلّد والتصبر على البأس، وهذا البيت له نظائر كثيرة فى الشعر. *** وأخبرنا المرزبانىّ قال حدثنا على بن هارون قال حدثنى أبى قال: من بارع شعر بشار قوله يصف جارية مغنية. قال على: وما فى الدنيا شيء لقديم ولا محدث من منثور ولا منظوم فى صفة الغناء واستحسانه مثل هذه الأبيات: ورائحة، للعين فيها مخيلة ... إذا برقت لم تسق بطن صعيد (٢) من المستهلّات الهموم على الفتى ... خفا برقها فى عصفر وعقود (٣) حسدت عليها كلّ شيء يمسّها ... وما كنت لولا حبّها بحسود وأصفر مثل الزّعفران شربته ... على صوت صفراء التّرائب رود (٤) / كأنّ أميرا جالسا فى ثيابها ... تؤمّل رؤياه عيون وفود من البيض لم تسرح على أهل ثلّة ... سواما، ولم ترفع حداج قعود (٥)

стр. 807

تميت به ألبابنا وقلوبنا ... مرارا، وتحييهنّ بعد همود إذا نطقت صحنا، وصاح لنا الصّدى ... صياح جنود وجّهت لجنود ظللنا بذاك الدّيدن اليوم كلّه ... كأنا من الفردوس تحت خلود (١) ولا بأس إلّا أنّنا عند أهلنا ... شهود، وما ألبابنا بشهود قال: وأنشدنى أبى له فى وصف مغنية: لعمرو أبى زوّارها الصّيد إنّهم ... لفى منظر منها وحسن سماع (٢) تصلّى لها آذاننا وعيوننا ... إذا ما التقينا والقلوب دواع وصفراء مثل الخيزرانة لم تعش ... ببؤس ولم تركب مطيّة راع جرى اللؤلؤ المكنون فوق لسانها ... لزوّارها من مزهر ويراع (٣) إذا قلّدت أطرافها (٤) العود زلزلت ... قلوبا دعاها للوساوس داع كأنّهم فى جنّة قد تلاحقت ... محاسنها من روضة ويفاع (٥) يروحون من تغريدها وحديثها ... نشاوى، وما تسقيهم بصواع لعوب بألباب الرّجال، وإن دنت ... أطيع التقى، والغىّ غير مطاع قال على بن هارون: الصّواع: المكيال؛ يقول: إذا غنّت شربوا جزافا بلا كيل ولا مقدار من حسن ما يسمعون. قال سيدنا أدام الله علوه: هذا خطأ منه؛ وإنما المراد أن غناءها لفرط حسنه (٦) وشدة (٧) إطرابه ينسيان شرّة الخمر (٨)؛ وإن لم يكن هناك شرب بصواع، وهذا يجرى مجرى قول الشاعر:

стр. 808

ويوم ظللنا عند أمّ محلّم ... نشاوى، ولم نشرب طلاء ولا خمرا / وما كان عندى أن أحدا يتوهم فى معنى هذا البيت ما ظنه هذا الرجل. وأما قوله فى القطعة الأولى: وأصفر مثل الزّعفران شربته ... على صوت صفراء الترائب رود فيحتمل وجوها ثلاثة: أولها أن يكون أراد بصفرة ترائبها الكناية عن كثرة تطيّبها وتضمّخها، وأن ترائبها تصفرّ لذلك، كما قال الأعشى: بيضاء ضحوتها، وصف ... راء العشيّة كالعرارة (١) والعرار: بهار البرّ؛ وإنما أراد أنها تتضمّخ بالعشىّ بالطيب فيصفّرها؛ ومثله لذى الرّمة: بيضاء فى دعج، كحلاء فى برج، ... كأنّها فضّة قد مسّها ذهب (٢) وقيل فى بيت قيس بن الخطيم: فرأيت مثل الشّمس عند طلوعها ... فى الحسن، أو كدنوّها لغروب (٣) وجهان: أحدهما أنه أراد أنها تتطيّب بالعشىّ فتصفرّ؛ لأن الشمس تغيب صفراء الوجه. والآخر أراد المبالغة فى الحسن، لأن الشمس أحسن ما تكون فى وقتيها هذين؛ ومن ذلك أيضا قول قيس بن الخطيم:

стр. 809

* صفراء أعجلها الشّباب لداتها* ومثله للأعشى: إذا جرّدت يوما حسبت خميصة ... عليها وجريال النّضير الدّلامصا (١) الخميصة: ثوب ناعم لين؛ شبه به نعمة جسمها. والنّضير: الذهب. والجريال: كلّ صبغ أحمر، وإنما يعنى لون الطّيب عليها. والدّلامص: البرّاق، فهذا وجه. والوجه الثانى أن يكون أراد بوصفها بالصفرة رقّة لونها؛ فعندهم أنّ المرأة إذا كانت صافية اللون رقيقة ضرب لونها بالعشىّ إلى الصفرة. قال مهدىّ بن عليّ الأصفهانىّ: قال لى أبى قال لى الجاحظ: زعموا أن المرأة إذا كانت صافية اللون رقيقة يضرب لونها بالغداة إلى البياض وبالعشىّ إلى الصفرة، واحتجّ فى ذلك بقول الراجز: * قد علمت بيضاء صفراء الأصل* وزعم أن بيت ذى الرمة/ الّذي أنشدناه من هذا المعنى، وكذلك بيت الأعشى الّذي أنشدناه؛ والأبيات محتملة للأمرين. فأما الّذي لا يحتمل إلا وجها واحدا فهو قول الشاعر: وقد خنقتها عبرة فدموعها ... على خدّها حمر وفى نحرها صفر لأنها لا تكون صفرا فى نحرها إلا لأجل الطيب. فأما قوله «على خدها حمر» فإنما أراد أنها تنصبغ بلون خدّها. والوجه الثالث أن تكون المرأة كانت صفراء على الحقيقة؛ فإن بشارا كثيرا ما يشبّب بامرأة صفراء، كقوله:

стр. 810

أصفراء لا أنسى هواك ولا ودّى ... ولا ما مضى (١) بينى وبينك من عهد لقد كان ما بينى زمانا وبينها ... كما كان بين المسك والعنبر الورد أى كما كان بين طيب المسك والعنبر. وكقوله: أصفراء كان الودّ منك مباحا ... ليالى كان الهجر منك مزاحا وكان جوارى الحىّ إذ كنت فيهم ... قباحا، فلمّا غبت صرن ملاحا وقد روى: * ملاحا فلما غبت صرن قباحا* وقوله: «قباحا فلما غبت» يشبه قول السيد بن محمد الحميرىّ. وإذا حضرن مع الملاح بمجلس ... أبصرتهنّ- وما قبحن- قباحا فأما قوله: «من البيض لم تسرح سواما» فإنه لا يكون مناقضا لقوله «صفراء»، وإن أراد بالصفرة لونها، لأن البياض هاهنا ليس بعبارة عن اللون؛ وإنما هو عبارة عن نقاء العرض وسلامته من الأدناس؛ والعرب لا تكاد تستعمل بيضاء (٢) إلا فى هذا المعنى دون اللون، لأن البياض عندهم البرص، ويقولون فى الأبيض الأحمر، ومنه قول الشاعر: جاءت به بيضاء تحمله ... من عبد شمس صلتة الخدّ ومثله «بيض الوجوه». فأما قول بشار فى القطعة الثانية: «صفراء مثل الخيزرانة» فإنه يحتمل ما تقدّم من الوجوه، وإن كان اللون الحقيقى أخصّ لقوله: «كالخيزرانة»؛ لأن الخيزران يضرب إلى الصّفرة.
следующие страницы →