قال يحيى: قوله: «عاتق» يعنى الخمر، وهذا مثل قوله:
رحلت عنسا من شراب بابل ... فبتّ من عقلى على مراحل (١)
قال سيدنا أدام الله تمكينه: هذا الّذي ذكره يحتمله البيت على استكراه، ويحتمل أيضا أن يريد بالعاتق العضو، ويكون المعنى: إن لم تجد من يحمل عنك همومك ويقوم بأثقالك، ويخفف عنك، فتحمّل ذلك أنت بنفسك، واصبر عليه؛ فكأنّه يأمر نفسه بالتجلّد والتصبر على البأس، وهذا البيت له نظائر كثيرة فى الشعر.
*** وأخبرنا المرزبانىّ قال حدثنا على بن هارون قال حدثنى أبى قال: من بارع شعر بشار قوله يصف جارية مغنية. قال على: وما فى الدنيا شيء لقديم ولا محدث من منثور ولا منظوم فى صفة الغناء واستحسانه مثل هذه الأبيات:
ورائحة، للعين فيها مخيلة ... إذا برقت لم تسق بطن صعيد (٢)
من المستهلّات الهموم على الفتى ... خفا برقها فى عصفر وعقود (٣)
حسدت عليها كلّ شيء يمسّها ... وما كنت لولا حبّها بحسود
وأصفر مثل الزّعفران شربته ... على صوت صفراء التّرائب رود (٤)
/ كأنّ أميرا جالسا فى ثيابها ... تؤمّل رؤياه عيون وفود
من البيض لم تسرح على أهل ثلّة ... سواما، ولم ترفع حداج قعود (٥)
стр. 807
تميت به ألبابنا وقلوبنا ... مرارا، وتحييهنّ بعد همود
إذا نطقت صحنا، وصاح لنا الصّدى ... صياح جنود وجّهت لجنود
ظللنا بذاك الدّيدن اليوم كلّه ... كأنا من الفردوس تحت خلود (١)
ولا بأس إلّا أنّنا عند أهلنا ... شهود، وما ألبابنا بشهود
قال: وأنشدنى أبى له فى وصف مغنية:
لعمرو أبى زوّارها الصّيد إنّهم ... لفى منظر منها وحسن سماع (٢)
تصلّى لها آذاننا وعيوننا ... إذا ما التقينا والقلوب دواع
وصفراء مثل الخيزرانة لم تعش ... ببؤس ولم تركب مطيّة راع
جرى اللؤلؤ المكنون فوق لسانها ... لزوّارها من مزهر ويراع (٣)
إذا قلّدت أطرافها (٤) العود زلزلت ... قلوبا دعاها للوساوس داع
كأنّهم فى جنّة قد تلاحقت ... محاسنها من روضة ويفاع (٥)
يروحون من تغريدها وحديثها ... نشاوى، وما تسقيهم بصواع
لعوب بألباب الرّجال، وإن دنت ... أطيع التقى، والغىّ غير مطاع
قال على بن هارون: الصّواع: المكيال؛ يقول: إذا غنّت شربوا جزافا بلا كيل ولا مقدار من حسن ما يسمعون.
قال سيدنا أدام الله علوه: هذا خطأ منه؛ وإنما المراد أن غناءها لفرط حسنه (٦) وشدة (٧) إطرابه ينسيان شرّة الخمر (٨)؛ وإن لم يكن هناك شرب بصواع، وهذا يجرى مجرى قول الشاعر:
стр. 808
ويوم ظللنا عند أمّ محلّم ... نشاوى، ولم نشرب طلاء ولا خمرا
/ وما كان عندى أن أحدا يتوهم فى معنى هذا البيت ما ظنه هذا الرجل.
وأما قوله فى القطعة الأولى:
وأصفر مثل الزّعفران شربته ... على صوت صفراء الترائب رود
فيحتمل وجوها ثلاثة:
أولها أن يكون أراد بصفرة ترائبها الكناية عن كثرة تطيّبها وتضمّخها، وأن ترائبها تصفرّ لذلك، كما قال الأعشى:
بيضاء ضحوتها، وصف ... راء العشيّة كالعرارة (١)
والعرار: بهار البرّ؛ وإنما أراد أنها تتضمّخ بالعشىّ بالطيب فيصفّرها؛ ومثله لذى الرّمة:
بيضاء فى دعج، كحلاء فى برج، ... كأنّها فضّة قد مسّها ذهب (٢)
وقيل فى بيت قيس بن الخطيم:
فرأيت مثل الشّمس عند طلوعها ... فى الحسن، أو كدنوّها لغروب (٣)
وجهان:
أحدهما أنه أراد أنها تتطيّب بالعشىّ فتصفرّ؛ لأن الشمس تغيب صفراء الوجه.
والآخر أراد المبالغة فى الحسن، لأن الشمس أحسن ما تكون فى وقتيها هذين؛ ومن ذلك أيضا قول قيس بن الخطيم:
стр. 809
* صفراء أعجلها الشّباب لداتها*
ومثله للأعشى:
إذا جرّدت يوما حسبت خميصة ... عليها وجريال النّضير الدّلامصا (١)
الخميصة: ثوب ناعم لين؛ شبه به نعمة جسمها. والنّضير: الذهب. والجريال: كلّ صبغ أحمر، وإنما يعنى لون الطّيب عليها. والدّلامص: البرّاق، فهذا وجه.
والوجه الثانى أن يكون أراد بوصفها بالصفرة رقّة لونها؛ فعندهم أنّ المرأة إذا كانت صافية اللون رقيقة ضرب لونها بالعشىّ إلى الصفرة.
قال مهدىّ بن عليّ الأصفهانىّ: قال لى أبى قال لى الجاحظ: زعموا أن المرأة إذا كانت صافية اللون رقيقة يضرب لونها بالغداة إلى البياض وبالعشىّ إلى الصفرة، واحتجّ فى ذلك بقول الراجز:
* قد علمت بيضاء صفراء الأصل*
وزعم أن بيت ذى الرمة/ الّذي أنشدناه من هذا المعنى، وكذلك بيت الأعشى الّذي أنشدناه؛ والأبيات محتملة للأمرين.
فأما الّذي لا يحتمل إلا وجها واحدا فهو قول الشاعر:
وقد خنقتها عبرة فدموعها ... على خدّها حمر وفى نحرها صفر
لأنها لا تكون صفرا فى نحرها إلا لأجل الطيب.
فأما قوله «على خدها حمر» فإنما أراد أنها تنصبغ بلون خدّها.
والوجه الثالث أن تكون المرأة كانت صفراء على الحقيقة؛ فإن بشارا كثيرا ما يشبّب بامرأة صفراء، كقوله:
стр. 810
أصفراء لا أنسى هواك ولا ودّى ... ولا ما مضى (١) بينى وبينك من عهد
لقد كان ما بينى زمانا وبينها ... كما كان بين المسك والعنبر الورد
أى كما كان بين طيب المسك والعنبر.
وكقوله:
أصفراء كان الودّ منك مباحا ... ليالى كان الهجر منك مزاحا
وكان جوارى الحىّ إذ كنت فيهم ... قباحا، فلمّا غبت صرن ملاحا
وقد روى:
* ملاحا فلما غبت صرن قباحا*
وقوله: «قباحا فلما غبت» يشبه قول السيد بن محمد الحميرىّ.
وإذا حضرن مع الملاح بمجلس ... أبصرتهنّ- وما قبحن- قباحا
فأما قوله: «من البيض لم تسرح سواما» فإنه لا يكون مناقضا لقوله «صفراء»، وإن أراد بالصفرة لونها، لأن البياض هاهنا ليس بعبارة عن اللون؛ وإنما هو عبارة عن نقاء العرض وسلامته من الأدناس؛ والعرب لا تكاد تستعمل بيضاء (٢) إلا فى هذا المعنى دون اللون، لأن البياض عندهم البرص، ويقولون فى الأبيض الأحمر، ومنه قول الشاعر:
جاءت به بيضاء تحمله ... من عبد شمس صلتة الخدّ
ومثله «بيض الوجوه».
فأما قول بشار فى القطعة الثانية: «صفراء مثل الخيزرانة» فإنه يحتمل ما تقدّم من الوجوه، وإن كان اللون
الحقيقى أخصّ لقوله: «كالخيزرانة»؛ لأن الخيزران يضرب إلى الصّفرة.
стр. 811
ويحتمل أيضا أن يريد «بصفراء» غير اللون الثابت، ويكون قوله: «كالخيزرانة» أنها مثلها/ فى التثنى والتعطف.
ولقد أحسن جران العود فى قوله فى المعنى الّذي تقدم:
كأنّ سبيكة صفراء صبّت ... عليها ثمّ ليث بها الإزار (١)
برود العارضين كأنّ فاها ... بعيد النّوم مسك مستثار
стр. 812
مجلس آخر ٦٢
تأويل آية [اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ؛ [البقرة: ١٥].
فقال كيف أضاف الاستهزاء إليه تعالى؛ وهو مما لا يجوز فى الحقيقة عليه؟ وكيف خبّر [بأنهم فى الطّغيان والعمه] (١) وذلك بخلاف مذهبكم؟
الجواب، قلنا: فى قوله تعالى اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وجوه:
أولها أن يكون معنى الاستهزاء الّذي أضافه تعالى إلى نفسه تجهيله لهم وتخطئته إياهم فى إقامتهم على الكفر وإصرارهم على الضلال؛ وسمّى الله تعالى ذلك استهزاء مجازا وتشبيها (٢)؛ كما يقول القائل: إن فلانا ليستهزأ به
منذ اليوم، إذا فعل فعلا عابه الناس به، وخطّئوه فيه (٣) فأقيم عيب الناس على ذلك الفعل، وإزراؤهم على فاعله مقام الاستهزاء به؛ وإنما أقيم مقامه لتقارب ما بينهما فى المعنى؛ لأن الاستهزاء الحقيقى هو ما يقصد به إلى عيب المستهزأ به، والإزراء عليه، وإذا تضمنت التخطئة والتجهيل والتبكيت هذا المعنى جاز أن يجرى عليه اسم الاستهزاء؛ ويشهد بذلك قوله تعالى: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها؛ [النساء: ١٤٠]؛ ونحن نعلم أن الآيات لا يصحّ عليها الاستهزاء على الحقيقة ولا السخرية؛ وإنما المعنى: إذا سمعتم آيات الله يكفر بها
стр. 813
ويزرى عليها؛ والعرب قد تقيم الشيء مقام ما قاربه فى معناه، فتجرى اسمه عليه؛ قال الشاعر:
كم أناس فى نعيم عمّروا ... فى ذرى ملك تعالى فبسق
سكت الدّهر زمانا عنهم ... ثمّ أبكاهم دما حين نطق
والسكوت والنطق على الحقيقة لا يجوزان على الدهر؛ وإنما شبّه تركه الحال على ما هى (١) / عليه بالسكوت، وشبه تغييره لها بالنطق. وأنشد الفراء:
إنّ دهرا يلفّ شملى بجمل ... لزمان يهمّ بالإحسان
ومثل ذلك فى الاستعارة لتقارب المعنى قوله:
سألتنى بأناس هلكوا ... شرب الدّهر عليهم وأكل (٢)
وإنما أراد بالأكل والشرب الإفساد لهم، والتغيير لأحوالهم، ومنه قول الآخر:
يقرّ بعينى أن أرى باب دارها ... وإن كان باب الدّار يحسبنى جلدا
والجواب الثانى أن يكون معنى الاستهزاء المضاف إليه أن يستدرجهم ويهلكهم من حيث لا يعلمون ولا يشعرون.
ويروى عن ابن عباس أنه قال فى معنى استدراجه إياهم: إنهم كلّما أحدثوا خطيئة جدّد لهم نعمة؛ وإنما سمّى هذا الفعل استهزاء من حيث غيّب عنهم من الاستدراج إلى الهلاك غير ما أظهر لهم من النعم؛ كما أن المستهزئ منّا،
المخادع لغيره يظهر أمرا؛ ويضمر غيره.
فإن قيل: على هذا الجواب فالمسألة قائمة، وأىّ وجه لأن يستدرجهم بالنعمة إلى الهلاك؟
قلنا: ليس الهلاك هاهنا هو الكفر، وما أشبهه من المعاصى التى يستحقّ بها العقاب؛ وإنما يستدرجهم إلى الضرر والعقاب الّذي استحقوه بما تقدّم من كفرهم؛ ولله تعالى أن يعاقب
стр. 814
المستحق بما يشاء أىّ وقت شاء؛ فكأنه تعالى لمّا كفروا وبدّلوا نعمة الله، وعاندوا رسله لم يغيّر نعمه عليهم فى الدنيا؛ بل أبقاها لتكون- متى نزعها عنهم، وأبدلهم بها نقما- الحسرة منهم أعظم، والضرر عليهم أكثر.
فإن قيل: فهذا يؤدّى إلى تجويز أن يكون بعض ما ظاهره ظاهر النعمة على الكفار مما لا يستحق الله به الشكر عليهم.
قلنا: ليس يمتنع هذا فيمن استحقّ العقاب؛ وإنما المنكر أن تكون النعم المبتدأة بهذه الصفة على ما يلزمه مخالفنا، ألا ترى أن الحياة وما جرى مجراها من حفظ التركيب، والصحة لا تعدّ على أهل النار نعمة؛ وإن كانت على أهل الجنة نعما من حيث كان الغرض فيه إيصال العقاب إليهم.
والجواب الثالث أن يكون معنى استهزائه بهم/ أنّه جعل لهم بما أظهروه من موافقة أهل الإيمان ظاهر أحكامهم؛ من نصرة ومناكحة وموارثة ومدافنة، وغير ذلك من الأحكام؛ وإن كان تعالى معدّا لهم فى الآخرة أليم العقاب لما أبطنوه من النفاق، واستسرّوا به من الكفر؛ فكأنه تعالى قال: إن كنتم أيها المنافقون بما تظهرونه للمؤمنين من المتابعة والموافقة، وتبطنونه من النفاق، وتطلعون عليه شياطينكم إذا خلوتم بهم تظنون أنكم مستهزءون؛ فالله تعالى هو المستهزئ بكم من حيث جعل لكم أحكام المؤمنين ظاهرا؛ حتى ظننتم أنّ لكم ما لهم، ثمّ ميّز بينكم فى الآخرة ودار الجزاء؛ من حيث أثاب المخلصين الذين يوافق ظواهرهم بواطنهم، وعاقب المنافقين. وهذا الجواب يقرب معناه من الجواب الثانى؛ وإن كان بينهما خلاف من بعض الوجوه.
والجواب الرابع أن يكون معنى ذلك أن الله هو الّذي يردّ استهزاءكم ومكركم عليكم؛ وأنّ ضرر ما فعلتموه لم يتعدكم؛ ولم يحط بسواكم؛ ونظير ذلك قول القائل: إن فلانا أراد أن يخدعنى فخدعته؛ وقصد إلى أن يمكر بى فمكرت به؛ والمعنى أنّ ضرر خداعه ومكره
стр. 815
عاد إليه ولم يضررنى (١) به.
والجواب الخامس أن يكون المعنى أنه يجازيهم على استهزائهم؛ فسمّى الجزاء على الذنب باسم الذنب؛ والعرب تسمّى الجزاء على الفعل باسمه؛ قال الله تعالى: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها؛ [الشورى: ٤٠]، وقال تعالى: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ؛ [البقرة: ١٩٤]، وقال: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ؛ [النحل: ١٢٦] والمبتدأ ليس بعقوبة، وقال الشاعر (٢):
ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا
ومن شأن العرب أن تسمّى الشيء باسم ما يقاربه ويصاحبه، ويشتد اختصاصه وتعلّقه به؛ إذا انكشف المعنى وأمن الإبهام؛ وربما غلّبوا أيضا اسم أحد الشيئين على الآخر لقوة التعلّق بينهما، وشدة الاختصاص فيهما؛ فمثال الأول قولهم للبعير الّذي يحمل المزادة:
راوية، وللمزادة المحمولة على البعير رواية، فسموا البعير باسم ما يحمل عليه؛ قال الشاعر (٣):
/ مشى الرّوايا بالمزاد الأثقل
أراد بالروايا الإبل؛ ومن ذلك قولهم: صرعته الكأس واستلبت (٤) عقله، قال الشاعر:
وما زالت الكاس تغتالنا ... وتذهب بالأوّل الأوّل
والكأس هى ظرف الشراب، والفعل الّذي أضافوه إليها إنما هو مضاف إلى الشراب الّذي يحلّ الكأس إلّا أن [الفراء لا يقول الكأس إلا بما فيه] (٥) من الشراب؛ وكأنّ الإناء
стр. 816
الفارغ لا يسمى كأسا، وعلى هذا القول يكون إضافة اختلاس العقل والتصريع وما جرى مجرى ذلك إلى الكأس على وجه الحقيقة؛ لأن الكأس على هذا القول اسم للإناء وما حلّه من الشراب.
ومثال الوجه الثانى ما ذكرناه عنهم من التغليب تغليبهم اسم القمر على الشمس؛ قال الشاعر:
أخذنا بآفاق السّماء عليكم ... لنا قمراها والنّجوم الطوالع (١)
أراد: لنا شمسها وقمرها؛ فغلّب.
ومنه قول الآخر:
فقولا لأهل المكّتين: تحاشدوا ... وسيروا إلى آطام يثرب والنّخل
أراد بالمكّتين: مكة والمدينة، فغلّب.
وقال الآخر:
فبصرة الأزد منّا والعراق لنا ... والموصلان، ومنّا مصر والحرم
أراد بالموصلين الموصل والجزيرة.
وقال الآخر:
نحن سبينا أمّكم مقربا (٢) ... يوم صبحنا الحيرتين المنون
أراد الحيرة والكوفة، وقال آخر:
إذا اجتمع العمران: عمرو بن عامر ... وبدر بن عمر وخلت ذبيان جوّعا (٣)
وألقوا مقاليد الأمور إليهم ... جميعا، وكانوا كارهين وطوّعا
أراد بالعمرين: رجلين؛ يقال لأحدهما عمرو، وللآخر بدر؛ وقد فسره الشاعر فى البيت.
ومثله:
стр. 817
جزانى الزّهدمان جزاء سوء ... وكنت المرء يجزى بالكرامة (١)
/ أراد بالزّهدمين رجلين؛ يقال لأحدهما زهدم، وللآخر كردم، فغلّب.
وكلّ الّذي ذكرناه يقوّى هذا الجواب من جواز التسمية للجزاء على الذنب باسمه، أو تغليبه عليه، للمقاربة والاختصاص التام بين الذنب والجزاء عليه.
والجواب السادس ما روى عن ابن عباس قال: يفتح لهم وهم فى النار باب من الجنة، فيقبلون إليه مسرعين؛ حتى إذا انتهوا إليه سدّ عليهم، فيضحك المؤمنون منهم إذا رأوا الأبواب وقد أغلقت دونهم؛ ولذلك قال : فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ. عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ؛ [المطففين: ٣٤ - ٣٥].
فإن قيل: وأىّ فائدة فى هذا الفعل؟ وما وجه الحكمة فيه؟
قلنا: وجه الحكمة فيه ظاهر؛ لأن ذلك أغلظ فى نفوسهم، وأعظم فى مكروههم؛ وهو ضرب من العقاب الّذي يستحقونه بأفعالهم القبيحة؛ لأن من طمع فى النجاة والخلاص من المكروه، واشتد حرصه على ذلك؛ ثم حيل بينه وبين الفرج وردّ إلى المكروه يكون عذابه أصعب وأغلظ من عذاب من لا طريق للطمع عليه.
فإن قيل: فعلى هذا الجواب، ما الفعل الّذي هو الاستهزاء؟
قلنا: فى ترداده لهم من باب إلى آخر على سبيل التعذيب معنى الاستهزاء؛ من حيث كان إظهارا لما المراد بخلافه؛ وإن لم يكن فيه من معنى الاستهزاء ما يقتضي قبحه من اللهو والعبث وما جرى مجرى ذلك.
والجواب السابع أن يكون ما وقع منه تعالى ليس باستهزاء على الحقيقة؛ لكنّه سماه بذلك ليزدوج اللفظ ويخف على اللسان؛ وللعرب فى ذلك عادة معروفة فى كلامها؛ والشواهد عليه مذكورة مشهورة.
стр. 818
وهذه الوجوه التى ذكرناها فى الآية يمكن أن تذكر فى قوله تعالى: وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ؛ [الأنفال: ٣٠]؛ وفى قوله تعالى: إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ؛ [النساء: ١٤٢] فليتأمل ذلك.
فأما قوله تعالى: وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ فيحتمل وجهين:
أحدهما أن يريد: أنى أملى لهم ليؤمنوا ويطيعوا؛ وهم مع ذلك مستمسكون بطغيانهم وعمههم.
والوجه الآخر أن يريد ب يَمُدُّهُمْ أنه يتركهم من فوائده ومنحه/ التى يؤتيها المؤمنين ثوابا لهم، ويمنعها الكافرين عقابا كشرحه لصدورهم، وتنويره لقلوبهم؛ وكل هذا واضح بحمد الله.
*** قال سيدنا أدام الله علوّه: وإنى لأستحسن لبعض الأعراب قوله:
خليلىّ هل يشفى النّفوس من الجوى ... بدوّ ذوى الأوطان، لا بل يشوقها! (١)
وتزداد فى قرب إليها صبابة (٢) ... ويبعد من فرط اشتياق طريقها
وما ينفع الحرّان ذا اللّوح (٣) أن يرى ... حياض القرى مملوءة لا يذوقها
ولآخر فى تذكر الأوطان والحنين إليها:
ألا قل لدار بين أكثبة الحمى ... وذات الغضا: جادت عليك الهواضب!
стр. 819
أجدّك لا آتيك إلّا تقلّبت (١) ... دموع أضاعت ما حفظت سواكب
ديار تناسمت (٢) الهواء بجوّها ... وطاوعنى فيها الهوى والحبائب
ليالى؛ لا الهجران محتكم بها ... على وصل من أهوى، ولا الظنّ كاذب
وأنشد أبو نصر صاحب الأصمعىّ لأعرابىّ:
ألا ليت شعرى! هل أبيتنّ ليلة ... بأسناد (٣) نجد، وهى خضر متونها!
وهل أشربنّ الدّهر من ماء مزنة ... بحرّة ليلى حيث فاض معينها! (٤)
بلاد بها كنّا نحلّ، فأصبحت ... خلاء ترعاها مع الأدم عينها
تفيّأت فيها بالشّباب وبالصّبا ... تميل بما أهوى عليّ غصونها
وأنشد الأصمعىّ لصدقة بن نافع الغنوىّ:
ألا ليت شعرى هل تحنّنّ ناقتى (٥) ... بيضاء نجد حيث كان مسيرها! (٦)
فتلك بلاد حبّب الله أهلها ... إليك، وإن لم يعط نصفا أميرها (٧)
بلاد بها أنضيت راحلة الصّبا ... ولانت لنا أيّامها وشهورها
/ فقدنا بها الهمّ المكدّر شربه ... ودار علينا بالنّعيم سرورها
وأنشد أبو محلّم لسوّار بن المضرّب:
سقى الله اليمامة من بلاد ... نوافحها كأرواح الغوانى
стр. 820
وجوّ زاهر للرّيح فيه ... نسيم لا يروع التّرب، وان (١)
بها سقت الشّباب إلى مشيب ... يقبّح عندنا حسن الزّمان
وأنشد إبراهيم بن إسحاق الموصلىّ:
ألا يا حبّذا جنبات سلمى ... وجاد بأرضها جون السّحاب!
خلعت بها العذار ونلت فيها ... مناى بطاعة أو باغتصاب
أسوم بباطلى طلبات لهوى ... ويعذرنى بها عصر الشّباب
فكلّ هؤلاء على ما ترى قد أفصحوا بأن سبب حنينهم إلى الأوطان ما لبسوه فيها من ثوب الشباب، واستظلوه من ظلّه، وأنضوه من رواحله، وأنه كان يعذرهم ويحسن قبائحهم.
فعلى أى شيء يغلو الناس فى قول ابن الرومى:
وحبّب أوطان الرّجال إليهم ... مآرب قضّاها الشّباب هنالكا (٢)
إذا ذكروا أوطانهم ذكّرتهم ... عهود الصّبا فيها فحنّوا لذلكا
ويزعمون أنه سبق إلى ما لم يسبق إليه، وكشف عن هذا المعنى مستورا، ووسم غفلا! وقوله وإن كان جيد المعنى سليم اللفظ، فلم يزد فيه على من تقدم ولا أبدع، بل اتبع؛ ولكن الجيد إذا ورد ممّن يعهد منه الردئ كثر استحسانه؛ وزاد استطرافه.
ولقد أحسن البحترىّ فى قوله فى هذا المعنى:
فسقى الغضى والنّازلية وإن هم ... شبّوه بين جوانح وقلوب (٣)
وقصار أيّام به سرقت لنا ... حسناتها من كاشح ورقيب
خضر تساقطها الصّبا فكأنّها ... ورق يساقطه اهراز قضيب
стр. 821
/ كانت فنون بطالة فتقطّعت ... عن هجر غانية ووصل مشيب
وأحسن فى قوله:
سقى الله أخلافا من الدّهر رطبة ... سقتنا الجوى إذ أبرق الحزن أبرق (١)
ليال سرقناها من الدّهر بعد ما ... أضاء بإصباح من الشّيب مفرق
تداويت من ليلى بليلى فما اشتفى ... بماء الرّبا من بات بالماء يشرق
ولأبى تمام فى هذا المعنى ما لا يقصر عن إحسان، وهو:
سلام ترجف الأحشاء منه ... على الحسن بن وهب والعراق (٢)
على البلد الحبيب إلى غورا ... ونجدا، والأخ العذب المذاق (٣)
ليالى نحن فى وسنات عيش ... كأنّ الدّهر عنّا فى وثاق (٤)
وأيّام له ولنا لدان ... غنينا فى حواشيها الرّفاق
كأنّ العهد عن عفر لدينا ... وإن كان التّلاقى عن تلاق (٥)
стр. 822
مجلس آخر ٦٣
تأويل آية [وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ؛ [البقرة: ٣٦]:
فقال: كيف خاطب آدم وحواء ﵉ بخطاب الجمع وهما اثنان؟ وكيف نسب بينهما العداوة؟ وأىّ عداوة كانت بينهما؟
الجواب، قلنا قد ذكر فى هذه الآية وجوه:
أولها أن يكون الخطاب متوجّها إلى آدم وحواء وذرّيتهما، لأن الوالدين يدلان على الذرّية ويتعلق بهما؛ ويقوّى ذلك قوله تعالى حاكيا عن إبراهيم وإسماعيل: رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا؛ [البقرة: ١٢٨].
وثانيها أن يكون الخطاب لآدم وحواء ﵉ ولإبليس اللعين؛ وأن يكون الجميع مشتركين فى الأمر بالهبوط؛ وليس لأحد أن يستبعد هذا الجواب من حيث لم يتقدم لإبليس ذكر فى قوله تعالى: وَيا آدَمُ اسْكُنْ/ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ؛ [البقرة: ٣٥] لأنه وإن لم يخاطب بذلك فقد جرى ذكره فى قوله تعالى: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ، [البقرة: ٣٦]؛ فجائز أن يعود الخطاب على الجميع.
وثالثها أن يكون الخطاب متوجها إلى آدم وحواء والحية التى كانت معهما، على ما روى عن كثير من المفسرين؛ وفى هذا الوجه بعد من قبل أن خطاب من لا يفهم الخطاب لا يحسن؛ فلا بد من أن يكون قبيحا؛ اللهم إلا أن يقال: إنه لم يكن هناك قول فى الحقيقة ولا خطاب؛
стр. 823
وإنما كنّى تعالى عن إهباطه لهم بالقول؛ كما يقول أحدنا: قلت: فلقيت الأمير، وقلت: فضربت زيدا، وإنما يخبر عن الفعل دون القول؛ وهذا خلاف الظاهر وإن كان مستعملا.
وفى هذا الوجه بعد من وجه آخر؛ وهو أنه لم يتقدم للحية ذكر فى نصّ القرآن، والكناية عن غير مذكور لا تحسن إلا بحيث لا يقع لبس، ولا يسبق وهم إلى تعلق الكناية بغير مكنّى عنه؛ حتى يكون ذكره كترك ذكره فى البيان عن المعنى المقصود، مثل قوله تعالى: حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ؛ [ص: ٣٢]؛ وكُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ؛ [الرحمن: ٢٧] وقول الشاعر:
أماوىّ ما يغنى الثّراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما؛ وضاق بها الصّدر (١)
فأما بحيث لا يكون الحال على هذا فالكناية عن غير مذكور قبيحة.
ورابعها أن يكون الخطاب يختصّ آدم وحواء ﵉، وخاطب الاثنين بالجمع على عادة العرب فى ذلك؛ لأن التثنية أول الجمع؛ قال الله تعالى: إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ؛ [الأنبياء: ٧٨]، أراد لحكم داود وسليمان ﵉؛ وكان بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يتأول قوله تعالى: فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ؛ [النساء: ١١] على معنى فإن كان له أخوان؛ قال الراعى:
أخليد إنّ أباك ضاف وساده ... همّان باتا جنبة ودخيلا (٢)
طرقا فتلك هماهمى أقريهما ... قلصا لواقح كالقسىّ وحولا
فعبّر بالهماهم وهى جمع عن الهمين؛ وهما اثنان.
فإن قيل: فما معنى الهبوط الّذي أمروا به؟ قلنا: أكثر المفسرين على أن الهبوط هو
стр. 824
النزول من السماء إلى الأرض/، وليس فى ظاهر القرآن ما يوجب ذلك؛ لأن الهبوط كما يكون النزول من علو إلى سفل فقد يراد به الحلول فى المكان والنزول به؛ قال الله تعالى: اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ؛ [البقرة: ٦١]، ويقول القائل من العرب: هبطنا بلد كذا وكذا، يريد حللنا، قال زهير:
ما زلت أرمقهم حتى إذا هبطت ... أيدى المطىّ بهم من راكس فلقا (١)
فقد يجوز على هذا أن يريد تعالى بالهبوط [الخروج من المكان وحلول غيره؛ ويحتمل أيضا أن يريد بالهبوط] (٢) معنى غير المسافة، بل الانحطاط من منزلة إلى دونها، كما يقولون: قد هبط فلان عن منزلته، ونزل عن مكانه؛ إذا كان على رتبة فانحطّ إلى دونها.
فإن قيل: فما معنى قوله: بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ؟ قلنا: أما عداوة إبليس لآدم وذريته فمعروفة مشهورة، وأما عداوة آدم ﵇ والمؤمنين من ذريته لإبليس فهى واجبة لما يجب على المؤمنين من معاداة الكفار؛ المارقين عن طاعة الله تعالى، المستحقين لمقته وعداوته، وعداوة الحية على الوجه الّذي تضمّن إدخالها فى الخطاب لبنى آدم معروفة؛ ولذلك يحذّرهم منها، ويجنبهم؛ فأما على الوجه الّذي يتضمّن أن الخطاب اختص آدم وحواء دون غيرهما؛ فيجب أن يحمل قوله تعالى: بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ على أن المراد به الذرية؛ كأنه قال تعالى: اهْبِطُوا وقد علمت من حال ذريتكم أن بعضكم يعادى بعضا؛ وعلّق الخطاب بهما للاختصاص بين الذرية وبين أصلها.
فإن قيل: أليس ظاهر قوله تعالى: اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ يقتضي الأمر بالمعاداة، كما أنه أمر بالهبوط، وهذا يوجب أن يكون تعالى آمرا بالقبيح على وجه؛ لأن معاداة إبليس لآدم ﵇ قبيحة، ومعاداة الكفار من ذريته للمؤمنين منهم كذلك؟
قلنا: ليس يقتضي الظاهر ما ظننتموه؛ وإنما يقتضي أنه أمرهما بالهبوط فى حال عداوة
стр. 825
بعضهم بعضا؛ فالأمر مختص بالهبوط، والعداوة تجرى مجرى الحال؛ وهذا له نظائر كثيرة فى كلام العرب. ويجرى مجرى هذه الآية فى أن المراد بها الحال قوله تعالى: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ؛ [التوبة: ٥٥] وليس معنى ذلك أنه أراد كفرهم كما أراد تعذيبهم/ وإزهاق نفوسهم؛ بل أراد أن تزهق أنفسهم فى حال كفرهم، وكذلك القول فى الأمر بالهبوط، وهذا بيّن.
*** قال سيدنا أدام الله تمكينه: ومن مستحسن تمدح السادة الكرام قول الشاعر:
ويل أمّ قوم غدوا عنكم لطيّتهم ... لا يكتنون غداة العلّ والنّهل
صدء السرابيل لا توكى مقانبهم ... عجر البطون، ولا تطوى على الفضل
قوله: «ويل أم قوم» من الزّجر المحمود الّذي لا يقصد به الشر؛ مثل قولهم: قاتل الله فلانا ما أشجعه! وترّحه ما أسمحه! وقد قيل فى قول جميل:
رمى الله فى عينى بثينة بالقذى ... وفى الغرّ من أنيابها بالقوادح (١)
إنه أراد هذا المعنى بعينه، وقيل: إنه دعا لها بالهرم وعلوّ السن، لأن الكبير يكثر قذى عينيه وتنهتم أسنانه. وقيل: إنه أراد بعينيها رقيبيها، وبغر أنيابها سادات قومها ووجوههم؛ والأول أشبه بطريقة القوم؛ وإن كان القول محتملا للكل.
فأما قوله:
* لا يكتنون غداة العلّ والنّهل*
فإنما أنهم ليسوا برعاة (٢) يسقون الإبل، بل لهم من يخدمهم ويكفيهم ويرعى إبلهم؛
стр. 826
وإنما يكتنى يرتجز على الدّلو السقاة والرعاة؛ وفيه وجه آخر؛ قيل: إنهم يسامحون شريبهم ويؤثرونه بالسّقى قبل أموالهم؛ ولا يصولون عليه ولا يكتنون؛ وهذا من الكرم والتفضّل لا من الضعف.
وقيل أيضا: بل عنى أنهم أعزاء ذوو منعة، إذا وردت إبلهم ماء أفرج الناس لها عنه؛ لأنها قد عرفت فليس يحتاج أربابها إلى الاكتناء والتعرف.
وقد قال قوم فى قوله: «يكتنون»: إنه من قوله كتنت يده تكتن إذا خشنت من العمل؛ فيقول: ليسوا أهل مهنة، فتكتن أيديهم وتخشن من العمل؛ بل لهم عبيد يكفونهم ذلك.
وقوله: «صدء السرابيل» فإنما أراد به طول حملهم للسلاح ولبسهم له. والمقانب:
هى الأوعية التى يكون فيها الزاد؛ فكأنه يقول: إذا سافروا لم يشدّوا الأوعية على ما فيها وأطعموا أهل الرفقة؛ وهذه كناية عن الإطعام وبذل/ الزاد مليحة. وعجر البطون: من صفات المقانب؛ أراد أنها لا توكأ، ولا تطوى على فضل الزاد.
ولبعض شعراء بنى أسد، وأحسن غاية الإحسان:
رأت صرمة (١) لابنى عبيد تمنّعت ... من الحقّ لم تؤزل بحقّ إفالها
فقالت: ألا تغذو فصالك هكذا ... فقلت: أبت ضيفانها وعيالها
فما حلبت إلّا الثلاثة والثّنى ... ولا قيّلت إلّا قريبا مقالها
حدابير من كلّ العيال كأنّها ... أناضىّ شقر حلّ عنها جلالها
شكا هذا الشاعر امرأته، وحكى عنها أنها رأت إبلا لجيرانها لم تعط فى حمالة (٢)، ولم تعقر فى حق، ولم تحلب لضيف ولا جار؛ فهى سمان. وقوله: «لم تؤزل إفالها» والإفال:
стр. 827
الصّغار، وتؤزل؛ من الأزل وهو الضّيق فى العيش والشدّة؛ فيقول: فصال هؤلاء سمان لم تلق بؤسا؛ لأن ألبان أمهاتها موفورة عليها.
وحكى عن امرأته أنها تقول له: غذّ (١) أنت فصالك هكذا؛ فقال لها: تأبى ذلك الحقوق وعيالها؛ وهم الجيران والضيفان.
ثم أخبر أنه لم يلتفت إلى لومها، وأنّ الإبل ما حلبت بعد مقالتها إلا مرتين أو ثلاث.
ولا قيّلت، من القائلة إلا بقرب البيوت حتى نحرها ووهبها.
والحدابير: المهازيل؛ وإنما يعنى فصاله وهزالها لأجل أنها لا تسقى الألبان؛ وتعقر أمهاتها، وأناضىّ: جمع نضو (٢)، فشبه فصاله من هزالها بأنضاء خيل شقر.
وقوله: «حدابير من كل العيال» فيه معنى حسن؛ لأنه أراد أنها من بين جميع العيال:
مهازيل؛ وهذا تأكيد، لأن سبب هزالها هو الإيثار بألبانها؛ واختصّت بالهزال من بين كلّ العيال. والعيال هاهنا هم الجيران والضيفان؛ وإنما جعلهم عيالا لكرمه وأن جوده قد ألزمه مودّتهم؛ فصاروا كأخص عياله.
ومثل ذلك قول الشاعر:
تعيّرنى الحظلان أمّ محلّم (٣) ... فقلت لها: لا تقذفينى بدائيا (٤)
فإنّى رأيت الضّامرين (٥) متاعهم ... يذمّ ويفنى، فارضخى من وعائيا
فلم تجدينى فى المعيشة عاجزا ... ولا حصرما خبّا شديدا وكائيا
الحظلان: الممسكون البخلاء، والحظل الإمساك. وأم محلّم: امرأته. ومعنى قوله:
стр. 828
«تعيرنى الحظلان» / أى بالحظلان (١)؛ تقول: ما لك لا تكون مثل هؤلاء الذين يحفظون أموالهم.
والضامرون أيضا: البخلاء؛ فقال لها: رأيت البخلاء يضنّون بما عندهم وهو يفنى ويبقى الذّم، فارضخى من وعائى؛ وهذا مثل؛ أى أعطى الناس مما عندى؛ وهو من قولك:
رضخ له بشيء من عطيته. والحصرم: الممسك؛ تقول العرب حصرم قوسك، أى شدّد وترها.
وقوله:
* فلم تجدينى فى المعيشة عاجزا*
أى أنا صاحب غارات، أفيد وأستفيد وأتلف وأخلف فلا تخافى الفقر-
وقال مسكين الدارمىّ:
أصبحت عاذلتى معتلّة ... قرما (٢)، أم هى وحمى للصّخب
أصبحت تتفل فى شحم الدّرى ... وتظنّ اللّوم درّا ينتهب
لا تلمها إنها من أمّة ... ملحها موضوعة فوق الرّكب (٣)
يقول: إنها تكثر لومى؛ وكأنها قرمة إلى اللوم، كقرم الأشبال إلى اللحم، وهى وحمى تشتهى الصخب. والوحم: شدة شهوة الطعام عند الحمل.
وشحم الذّرى. الأسنمة؛ وأراد ب «تتفل» فيها أى تعوّذ إبلى لتزيّنها فى عينى؛ وتعظم قدرها، فلا أهب منها ولا أنحر؛ ثم أخبر أن أصلها من الزّنج. والملح: الشحم، وشحم الزّنج (٤)
стр. 829
يكون على أوراكهم وأكفالهم وأنشد أبو العباس محمد بن يزيد (١):
أي ابنة عبد الله وابنة مالك ... ويا ابنة ذى البرد بن والفرس الورد (٢)
إذا ما صنعت الزّاد فالتمسى له ... أكيلا؛ فإنّى لست آكله (٣) وحدى
قصيّا كريما، أو قريبا فإنّنى ... أخاف مذمّات الأحاديث من بعدى
وإنّى لعبد الضّيف ما دام نازلا ... وما من صفاتى غيرها شيمة العبد
قال أبو العباس: استثنى الكرم فى القصيّ البعيد، ولم يستثنه فى القريب؛ لأن أهله جميعا عنده كرام. وأراد بقوله: «عبد الضيف» أنه يخدم الضيف هو بنفسه لا يرضى أن يخدمه عبده.
قال سيدنا أدام الله علوّه: ويشبه ذلك قول المقنّع الكندىّ:
/ وإنّى لعبد الضّيف ما دام نازلا ... وما بي سواها خلّة تشبه العبدا (٤)
стр. 830
وإنما اشترط فى كونه عبدا للضيف فى البيت الأول والثانى [ثواءه ونزوله] (١) مؤثرا له؛ ليعلم [أن الخدمة لضيفه لم تكن لضعة قدره] (٢)، بل لما يوجبه الكرم من حق الأضياف (٣)، وأنه يخرج عن أن يكون مخدوما بخروجه من أن يكون ضيفا. ولو قال: «وإنى لعبد الضيف» ولم يشرط (٤) لم يحصل هذا المعنى الجليل.
стр. 831
مجلس آخر ٦٤
تأويل آية [انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا]
إن سأل سائل فقال: بم تدفعون من خالفكم فى الاستطاعة، وزعم أن المكلّف يؤمر بما لا يقدر عليه ولا يستطيعه إذا تعلق بقوله تعالى: انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا؛ [الإسراء: ٤٨] فإن الظاهر من هذه الآية يوجب أنهم غير مستطيعين للأمر الّذي هم غير فاعلين له، وأن القدرة مع الفعل. وإذا تعلق بقوله تعالى:
فى قصة موسى ﵇: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً؛ [الكهف: ٦٧]؛ وأنه نفى أن يكون قادرا على الصبر فى حال هو فيها غير صابر؛ وهذا يوجب أنّ القدرة مع الفعل.
وبقوله تعالى: ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ؛ [هود: ٢٠].
الجواب، يقال له: أول ما نقوله: إنّ المخالف لنا فى هذا الباب من الاستطاعة لا يصحّ له فيه التعلّق بالسمع؛ لأن مذهبه لا يسلم معه صحة السمع، ولا يتمكن مع المقام عليه من معرفة السمع بأدلته؛ وإنما قلنا ذلك؛ لأن من جوّز تكليف الله تعالى الكافر الإيمان وهو لا يقدر عليه لا يمكنه العلم بنفى القبائح عن الله ؛ وإذا لم يمكن ذلك فلا بدّ من أن يلزمه تجويز القبائح فى أفعاله وأخباره؛ ولا يأمن من أن يرسل كذابا، وأن يخبر هو بالكذب- تعالى عن ذلك! فالسمع إن كان كلامه قدح فى حجته تجويز الكذب عليه، وإن كان كلام رسوله قدح فيه ما يلزمه من تجويز تصديق الكذّاب؛ وإنما طرق ذلك تجويز بعض القبائح عليه.
وليس لهم أن يقولوا: إن أمره تعالى الكافر بالإيمان وإن لم يقدر عليه يحسن من حيث أتى الكافر فيه من قبل نفسه؛ لأنه تشاغل بالكفر فترك الإيمان. وإنما كان يبطل تعلّقنا/ بالسمع لو أضفنا ذلك إليه تعالى على وجه يقبح؛ وذلك لأن ما قالوه إذا لم يؤثّر فى كون ما ذكرناه
стр. 832
تكليفا لما لا يطاق لم يؤثر فى نفى ما ألزمناه عنهم؛ لأنه يلزم على ذلك أن يفعل الكذب وسائر القبائح، وتكون حسنة منه بأن يفعلها من وجه لا يقبح منه.
وليس قولهم: إنا لم نضفه إليه من وجه يقبح بشيء يعتمد؛ بل يجرى مجرى قول من جوّز عليه تعالى أن يكذب، ويكون الكذب منه تعالى حسنا؛ ويدّعى مع ذلك صحة معرفة السمع بأن يقول: إننى لم أضف إليه تعالى قبيحا، فيلزمنى إفساد طريقة السمع، فلما كان من ذكرناه لا عذر له فى هذا الكلام لم يكن للمخالف فى الاستطاعة عذر بمثله.
ونعود إلى تأويل الآى؛ أما قوله تعالى: انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا فليس فيه ذكر للشيء الّذي لا يقدرون عليه، ولا بيان له، وإنما يصح ما قالوه لو بين أنهم لا يستطيعون سبيلا إلى أمر معين؛ فأما ولم يذكر ذلك فلا متعلّق لهم.
فإن قيل: فقد ذكر تعالى من قبل ضلالهم؛ فيجب أن يكون المراد بقوله: فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا إلى مفارقة الضلال.
قلنا: إنه تعالى كما ذكر الضلال فقد ذكر ضرب المثل؛ فيجوز أن يريد أنهم لا يستطيعون سبيلا إلى تحقيق ما ضربوه من الأمثال وذلك غير مقدور على الحقيقة، ولا مستطاع.
والظاهر بهذا الوجه أولى؛ لأنه تعالى حكى أنهم ضربوا له الأمثال، وجعل ضلالهم وأنهم لا يستطيعون السبيل متعلّقا بما تقدّم ذكره. وظاهر ذلك يوجب رجوع الأمرين جميعا إليه، وأنهم ضلّوا بضرب المثل، وأنهم لا يستطيعون سبيلا إلى تحقيق ما ضربوه من المثل؛ على أنه تعالى قد أخبر عنهم بأنهم ضلّوا، وظاهر ذلك الإخبار
عن ماضى فعلهم.
فإن كان قوله تعالى: فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا يرجع إليه، فيجب أن يدلّ على أنهم
стр. 833
لا يقدرون على ترك الماضى؛ وهذا مما لا نخالف فيه [وليس فيه ما نأباه] (١) من أنهم لا يقدرون فى المستقبل أو فى الحال على مفارقة الضلال والخروج عنه بعد تركه.
وبعد؛ فإذا لم يكن للآية ظاهر، فلم صاروا بأن يحملوا نفى الاستطاعة على أمر كلّفوه/ أولى منا إذا حملنا ذلك على أمر لم يكلّفوه، أو على أنه أراد الاستثقال والخبر عن عظم المشقة عليهم.
وقد جرت عادة أهل اللغة بأن يقولوا لمن يستثقل شيئا: إنه لا يستطيعه، ولا يقدر عليه، ولا يتمكّن منه؛ ألا ترى أنهم يقولون: فلان لا يستطيع أن يكلّم فلانا، ولا ينظر إليه، وما أشبه ذلك، وإنما غرضهم الاستثقال وشدة الكلفة والمشقة.
فإن قيل: فإذا كان لا ظاهر للآية يشهد بمذهب المخالف، فما المراد بها عندكم؟ .
قلنا: قد ذكر أبو على أن المراد أنهم لا يستطيعون إلى بيان تكذيبه سبيلا، لأنه ضربوا الأمثال؛ ظنا منهم بأن ذلك يبيّن كذبه، فأخبر تعالى أن ذلك غير مستطاع؛ لأنّ تكذيب صادق، وإبطال حق مما لا تتعلق به قدرة، ولا تتناوله استطاعة.
وقد ذكر أبو هاشم أن المراد بالآية أنهم لأجل ضلالهم بضرب المثل وكفرهم لا يستطيعون سبيلا إلى الخير الّذي هو النجاة من العقاب والوصول إلى الثواب.
وليس يمكن على هذا أن يقال: كيف لا يستطيعون سبيلا إلى الخير والهدى، وهم عندكم قادرون على الإيمان والتوبة؟ ومتى فعلوا ذلك استحقوا الثواب؛ لأن المراد أنهم مع التمسك بالضلال والمقام على الكفر لا سبيل لهم إلى خير وهدى؛ وإنما يكون لهم سبيل إلى ذلك بأن يفارقوا ما هم عليه.
وقد يمكن أيضا فى معنى الآية ما تقدّم ذكره من أن المراد بنفى الاستطاعة عنهم أنهم مستثقلون للإيمان؛ وقد يخبر عمن استثقل شيئا بأنه لا يستطيعه على ما تقدم ذكره.
стр. 834
فأما قوله تعالى فى قصة موسى ﵇: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً فظاهره يقتضي أنك لا تستطيع ذلك فى
المستقبل؛ ولا يدلّ على أنه غير مستطيع للصبر فى الحال أن يفعله فى الثانى.
وقد يجوز أن يخرج فى المستقبل من أن يستطيع ما هو فى الحال مستطيع له؛ غير أن الآية تقتضى خلاف ذلك؛ لأنه قد صبر عن المسألة أوقاتا، إن ولم يصبر عنها فى جميع الأوقات، فلم تنتف الاستطاعة للصبر عنه فى جميع الأحوال المستقبلة.
على أن المراد بذلك واضح، وأنه تعالى خبّر عن استثقاله الصبر عن المسألة عما لا يعرف/ ولا يقف عليه؛ لأن مثل ذلك يصعب على النفس؛ ولهذا نجد أحدنا إذا وجد (١) بين يديه ما ينكره ويستبعده تنازعه نفسه إلى المسألة عنه، والبحث عن حقيقته، ويثقل عليه الكفّ عن الفحص عن أمره؛ فلما حدث من صاحب موسى ما يستنكر ظاهره استثقل الصبر عن المسألة عن ذلك.
ويشهد بهذا الوجه قوله تعالى: وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً؛ [الكهف: ٦٨]؛ فبيّن تعالى أن العلة فى قلة صبره ما ذكرناه دون غيره، ولو كان على ما ظنوا لوجب أن يقول: وكيف تصبر وأنت غير مطيق للصبر!
فأما قوله تعالى: ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ فلا تعلّق لهم بظاهره؛ لأن السمع ليس بمعنى فيكون مقدورا، لأن الإدراك على المذهب الصحيح ليس بمعنى، ولو ثبت أنه معنى على ما يقوله أبو على لكان أيضا غير مقدور للعبد من حيث يختصّ القديم تعالى بالقدرة عليه.
هذا إن أريد بالسمع الإدراك؛ وإن أريد به نفس الحاسة فهى أيضا غير مقدورة للعباد؛ لأن الجواهر وما تخصّ به الحواس من البنية والمعانى ليصحّ به الإدراك مما ينفرد به القديم تعالى فى القدرة عليه. فالظاهر لا حجّة لهم فيه.
стр. 835
فإن قالوا: فلعلّ المراد بالسمع كونهم سامعين؛ كأنه تعالى نفى عنهم استطاعة أن يسمعوا.
قلنا: هذا خلاف الظاهر؛ ولو ثبت أن المراد ذلك لحملنا نفى الاستطاعة هاهنا على ما تقدم ذكره من الاستثقال وشدة المشقة، كما يقول القائل: فلان لا يستطيع أن يرانى، ولا يقدر أن يكلّمنى؛ وما أشبه ذلك، وهذا بيّن لمن تأمله.
تأويل خبر [يسار عن معاوية بن الحكم]
إن سأل سائل فقال: ما تأويل ما رواه يسار عن معاوية بن الحكم قال: قلت يا رسول الله، كانت لى جارية كانت ترعى غنما لى، قبل أحد، فذهب الذئب بشاة من غنمها، وأنا رجل من بنى آدم آسف، كما يأسفون، لكنّنى (١) غضبت
فصككتها صكّة، قال: فعظم ذلك على النبي صلى الله عليه وآله، قال، قلت: يا رسول الله؛ أفلا أعتقها؟ قال: «ائتنى بها»، فأتيته بها فقال لها: «أين الله؟ » فقالت: فى السماء، قال: «من أنا»؟ قالت: أنت رسول الله، فقال ﵇: / «أعتقها (٢) فإنها مؤمنة».
الجواب، أما قوله: «أنا رجل من بنى آدم آسف كما يأسفون» فمعناه أغضب كما يغضبون، قال محمد بن حبيب: الأسف: الغضب، وأنشد للراعى:
فما لحقتنى العيس حتّى وجدتنى ... أسيفا على حاديهم المتجرّد
والأسف أيضا الحزن؛ قال ابن الأعرابىّ: الأسف: الحزن، والأسف: الغضب، قال كعب بن زهير:
стр. 836
فى كلّ يوم أرى فيه مبيّنة ... تكاد تسقط منّى منّة أسفا (١)
وقوله: «ولكنى غضبت فصككتها» أراد لطمتها، يقال: صكّ جبهته، إذا لطمها بيده؛ قال الله تعالى: فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَها؛ [الذاريات: ٢٩]؛ وقال بشر بن أبى خازم يصف حمار وحش وأتانا:
فتصكّ محجره إذا ما سافها ... وجبينه بحوافر لم تنكب (٢)
سافها: أى شمها.
وقولها: «فى السماء»؛ فالسماء هى الارتفاع والعلو، فمعنى ذلك أنّه تعالى عال فى قدرته، عزيز فى سلطانه، لا يبلغ ولا يدرك. ويقال: سما فلان يسمو سموّا، إذا ارتفع شأنه علا أمره، قال الله تعالى: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ. أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً؛ [الملك: ١٦، ١٧] فأخبر بقدرته وسلطانه وعلوّ شأنه ونفاذ أمره.
وقد قيل فى قوله تعالى: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ غير هذا، وأن المراد: أأمنتم من فى السماء أمره وآياته ورزقه؛ وما جرى مجرى ذلك. وقال أمية بن أبى الصلت شاهدا لما تقدم:
وأشهد أنّ الله لا شيء فوقه ... عليّا وأمسى ذكره متعاليا
وقال سليمان بن يزيد العدوىّ:
لك الحمد يا ذا الطّول والملك والغنى ... تعاليت محمودا كريما وجازيا
/ علوت على قرب بعزّ وقدرة ... وكنت قريبا فى دنوّك عاليا (٣)
стр. 837
والسماء أيضا سقف البيت، ومنه قوله تعالى: مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ؛ [الحج: ١٥].
وقال ابن الأعرابىّ: يقال لأعلى البيت: سماء البيت، وسماوته، وسراته، وصهوته؛ والسماء أيضا: المطر قال الله تعالى: وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً؛ [الأنعام: ٦]. ومنه الحديث الّذي رواه أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله مر على صبرة طعام؛ فأدخل ﵇ يده فيها، فنالت أصابعه بللا؛ فقال: ما هذا يا صاحب البرّ؟ قال: أصابته السماء يا رسول الله، قال ﵇: «أولا جعلته فوق الطّعام، يراه الناس! من غشّ فليس منا». وقال المثقّب العبدىّ:
فلمّا أتانى والسّماء تبلّه ... فقلت له: أهلا وسهلا ومرحبا
ويقال أيضا لظهر الفرس: سماء؛ كما يقال فى حوافره: أرض. ولبعضهم فى فرس:
وأحمر كالدّينار، أمّا سماؤه ... فخصب، وأما أرضه فمحول (١)
وإنما أراد أنه سمين الأعلى، عريان القوائم ممشوقها؛ وكل معانى السماء التى تتصرف وتتنوع ترجع إلى معنى الارتفاع والعلو والسموّ؛ وإن اختلفت المواضع التى أجريت هذه اللفظة فيها.
وأولى المعانى بالخبر الّذي سئلنا عنه ما قدّمناه من معنى العزة وعلو الشأن والسلطان، وما عدا ذلك من المعانى لا تليق به تعالى؛ لأنّ العلوّ بالمسافة لا يجوز على القديم تعالى الّذي ليس بجسم ولا جوهر ولا حالّ فيهما؛ ولأن الخبر والآية التى تضمنت أيضا ذكر السماء خرجت مخرج المدحة، ولا تمدّح فى العلو بالمسافة؛ وإنما التمدّح بالعلو والشأن والسلطان ونفاذ الأمر؛ ولهذا لا تجد أحدا من العرب مدح غيره فى شعر أو نثر بمثل هذه اللفظة؛ وأراد بها علوّ المسافة؛ بل لا يريدون إلا ما ذكرناه من معنى العلوّ فى الشأن؛ وإنما يظن فى هذا
الموضع خلاف هذا من لا فطنة عنده ولا بصيرة له؛ والحمد لله رب العالمين.
стр. 838
مجلس آخر ٦٥
تأويل آية [حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ؛ [هود: ٤٠]:
الجواب، قلنا: أمّا التنور فقد ذكر فى معناه وجوه:
أولها أنّه أراد بالتنوّر وجه الأرض؛ وأنّ الماء نبع وظهر على وجه الأرض وفار؛ وهذا قول عكرمة، وقال ابن عباس مثله، والعرب تسمى وجه الأرض تنوّرا.
وثانيها أن يكون المعنى أن الماء نبع من أعالى الأرض، وفار من الأماكن المرتفعة منها؛ وهذا قول قتادة؛ وروى عنه فى قوله تعالى: وَفارَ التَّنُّورُ؛ قال: ذكر لنا أنه أرفع الأرض وأشرفها.
وثالثها أن يكون المراد ب فارَ التَّنُّورُ أى برز النّور، وظهر الضوء، وتكاثفت حرارة دخول النهار، وتقضّى الليل. وهذا القول يروى عن أمير المؤمنين ﵇.
ورابعها أن يكون المراد بالتنوّر الّذي يختبز فيه على الحقيقة؛ وأنه تنور كان لآدم ﵇ (١). وقال قوم: إن التّنّور كان فى دار نوح ﵇ بعين وردة (٢) من أرض الشام. وقال آخرون: بل كان التنّور فى ناحية الكوفة؛ والّذي (٣) روى عنه أن التنّور هو تنور الخبز الحقيقى ابن عباس والحسن ومجاهد وغيرهم.
стр. 839
وخامسها أن يكون معنى ذلك: اشتدّ غضب الله تعالى عليهم، وحلّ وقوع نقمته بهم؛ فذكر تعالى التّنّور مثلا لحضور العذاب، كما تقول العرب: قد حمى الوطيس (١)؛ إذا اشتد الحرب، وعظم الخطب. والوطيس هو التّنّور. وتقول العرب أيضا: قد فارت قدر القوم إذا اشتد حربهم؛ قال الشاعر:
تفور علينا قدرهم فنديمها ... ونفثؤها عنّا إذا حميها غلا (٢)
أراد بقدرهم حربهم، ومعنى نديمها: نسكّنها، ومن ذلك الحديث المروى عن النبي صلى الله عليه وآله أنه نهى عن البول فى الماء الدائم؛ يعنى الساكن. ويقال: قد دوّم الطائر فى الهواء، إذا بسط جناحيه وسكنهما ولم بخفق بهما. ونفثؤها، معناه نسكّنها؛ يقال: قد فثأت غضبه عنى، وفثأت الحارّ بالبارد/ إذا كسرته به.
وسادسها أن يكون التنّور الباب الّذي يجتمع فيه ماء السفينة؛ فجعل فوران الماء منه والسفينة (٣) على الأرض علما على ما أنذر به من إهلاك قومه؛ وهذا القول يروى عن الحسن.
وأولى الأقوال بالصواب قول من حمل الكلام على التنّور الحقيقى؛ لأنه الحقيقة وما سواه مجاز؛ ولأن الروايات الظاهرة تشهد له؛ وأضعفها وأبعدها من شهادة الأثر قول من حمل ذلك على شدة الغضب واحتداد الأمر تمثيلا وتشبيها؛ لأن حمل الكلام على الحقيقة التى تعضدها الرواية أولى من حمله على المجاز والتوسع مع فقد الرواية.
وأىّ المعانى أريد بالتنوّر فإن الله تعالى جعل فوران الماء منه علما لنبيّه؛ وآية تدلّ على نزول العذاب بقومه؛ لينجو بنفسه وبالمؤمنين.
стр. 840
فأما قوله تعالى: مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ فقد قيل: المراد به: احمل من كلّ ذكر وأنثى اثنين، وإنه يقال لكل واحد من الذكر والأنثى زوج.
وقال آخرون: الزوجان هاهنا الضربان؛ وقال آخرون: الزوج: اللون؛ وإن كل ضرب يسمى زوجا؛ واستشهدوا ببيت الأعشى (١):
وكلّ زوج من الدّيباج يلبسه ... أبو قدامة مجبورا بذاك معا (٢)
ومعنى مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ؛ أى من أخبر الله تعالى بعذابه وحلول الهلاك به.
والله أعلم بمراده.
تأويل خبر [«رأيت النبي صلى الله عليه وآله فى المنام وأنا أشكو إليه ما لقيت من الأود واللّدد»]
إن سأل سائل عن الخبر الّذي يرويه شريك بن عمار الدّهني (٣) عن أبى صالح الحنفىّ عن أمير المؤمنين ﵇ أنه قال: «رأيت النبي صلى الله عليه وآله فى المنام وأنا أشكو إليه ما لقيت من الأود واللّدد».
الجواب، يقال له: أما الأود فهو الميل، تقول العرب: لأقيمنّ ميلك، وجنفك، وأودك، ودرأك، وضلعك، وصدغك، وظلعك (بالظاء)، وصغوك، وصعرك، وصددك؛ كل هذا بمعنى واحد.
وقال ثعلب: الأود إذا كان من الإنسان فى كلامه ورأيه فهو عوج؛ وإذا كان فى الشيء المنتصب مثل عصا/ وما أشبهها فهو عوج؛ وهذا قول الناس كلّهم إلا أبا عمرو الشيبانىّ؛
стр. 841
فإنه قال: العوج، بالكسر: الاسم، والعوج، بالفتح: المصدر. وقال ثعلب: كأنه مصدر عوج يعوج عوجا؛ ويقال: عصا معوجّة، وعود معوج؛ وليس فى كلامهم معوّج.
وأما اللّدد؛ فقيل: هو الخصومات، وقال ثعلب: يقال رجل ألدّ، وقوم لدّ إذا كانوا شديدى الخصومة؛ ومنه قول الله تعالى: وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ؛ [البقرة: ٢٠٤].
وقال الأموىّ: اللدد: الاعوجاج، والألدّ فى الخصومة: الّذي ليس بمستقيم، أى هو أعوج الخصومة؛ يميل فلا يقوى عليه ولا يستمكن (١) منه، ومن ذلك قولهم: لدّ الصّبىّ، وإنما يلدّ فى شقّ فيه؛ وليس «يلدّ» مستقيما؛ فهو يرجع إلى معنى الميل والاعوجاج. وقال:
فسّر لنا الحكم بن ظهير، فقال: ألدّ الخصام، أى أعوج الخصام، وأنشد أبو السمح لابن مقبل:
لقد طال عن دهماء لدي وعذرتى ... وكتمانها أكنى بأمّ فلان
جعلت لجهّال الرّجال مخاضة ... ولو شئت قد بيّنتها بلسانى
اللّد: الجدال والخصومة.
وقال أبو عمرو: الألد: الّذي لا يقبل الحق، ويطلب الظلم.
وقوله: «مخاضة» يقول: إنهم يخوضون فى شعرى ويطلبون معانيه، فلا يقفون عليه.
وأنشد أبو السمح:
لا تفتر الكذب القبيح فإنّه ... للمرء معيبة وباب لئام
واصدق بقولك حين تنطق؛ إنّه ... للصّدق فضل فوق كلّ كلام
وإذا صدقت على الرّجال خصمتهم ... والصّدق مقطعة على الظّلام
وإذا رماك غشوم قوم فارمه ... بألدّ مشتغر المدى غشّام
لا تعرضنّ على العدوّ وسيلة ... واحذر عدوّك عند كلّ مقام
стр. 842
واعلم بأنه ليس يوما نافعا ... عند اللّئيم وسائل الأرحام
ما لم يخفك ويلق عندك جانبا ... خشنا وتصبحه بكأس سمام
وإذا حللت (١) بمأزق فاكرم به ... حتّى تفرّج حلبة الإظلام
/ واصبر على كرب البلاء فإنّه ... ليس البلاء على الفتى بلزام
واعلم بأنّك ميّت ومحدّث ... عمّا فعلت معاشر الأقوام
معنى قوله «مشتغر المدى»، أى بعيد المدى.
ومعنى قوله:
* لا تعرضنّ على العدوّ وسيلة*
أى لا تقاربه ولا تصانعه ولا يكن بينك وبينه إلا صدق العداوة.
وأنشد أيضا شاهدا لما تقدم:
يا وهب أشبه باطلى وجدّى ... أشبهت أخلاقى فأشبه مجدى
* وجدّ لى عند الخصوم اللّدّ*
*** قال سيدنا أدام الله تمكينه: ومن أحسن ما وصف به الثغر قول فضالة بن وكيع البكرىّ:
تبسّم عن حمّ اللّثات كأنّها ... حصى برد أو أقحوان كثيب
إذا ارتفعت عن مرقد علّلت به ... من اليانع الغورىّ فرع قضيب
قضيب نجاه الرّكب أيام عرّفوا ... لها من ذرى مال النّبات خضيب
يعنى من يانع الأراك. ومعنى نجاه، أى قطعه، ومثله استنجاه أيضا، ومال النبات، أى ناعمه وحسنه، يقال: عشب مال ومادّ، سواء، أى ميّاد ناعم.
ومعنى- أيام عرفوا، أى اجتنوه من عرفات، وذكر أنه خضيب بالطيب الّذي بيديها لإدمانها لاستعماله.
стр. 843
وقال الأخطل يصف ثغرا:
شتيتا يرتوى الظمآن منه ... إذا الجوزاء أجحرت الضّبابا (١)
الشتيت: المفرق المفلّج الّذي ليس بمتراكب-
ومعنى قوله:
* إذا الجوزاء أجحرت الضبابا*
فيه وجهان: أحدهما أنه أراد عند سقوط الجوزاء؛ وذلك فى شدة البرد وطول الليل إذا اتجحرت الضباب من البرد، وتغيرت الأفواه لطول ليل الشتاء؛ يقول: فثغرها حينئذ عذب غير متغيّر.
والوجه الآخر أنه أراد عند طلوع الجوزاء فى شدة الحر إذا انجحرت الضّباب من شدة الحر والقيظ؛ فالظمآن حينئذ أشدّ عطشا وأحرّ غلّه/، فريقها يرويه ويبرد غلّته.
وقال آخر:
فويل بها (٢) لمن تكون ضجيعه ... إذا ما الثّريّا ذبذبت كلّ كوكب
قوله: «فويل بها» من الزّجر المحمود: مثل قولهم: ويل أمه ما أشجعه! فكأنه يقول: نعم الضجيع هى عند السّحر، إذا تحادرت النجوم للمغيب، كما قال ذو الرّمة:
وأيدى الثّريّا جنّح فى المغارب (٣)
стр. 844
ومثل قول الآخر:
نعم شعار الفتى إذا برد اللّي ... ل سحيرا وقفقف الصّرد (١)
وإنما يعنى أنها فى ذلك الوقت الّذي تتغير فيه الأفواه طيبة الريق عذبته.
وأنشد أبو العباس المبرّد لأم الهيثم:
وعارض كجانب العراق ... أنبت برّاقا من البرّاق (٢)
يذاق (٣) مثل العسل المراق (٤)
قال أبو العباس: فى هذا قولان:
أحدهما أنه وصفت ثغرا. وعارضاه: جانباه، والعراق: ما يثنى ثم يخرز كعراق القربة، فأخبرت أنه ليس فيه اعوجاج ولا تراكب ولا نقص.
وقولها:
* أنبت براقا من البرّاق*
أى ما تنبته الأرض إذا مطرت من النّور.
قال المبرّد: والقول الأول عندنا أصح لذكرها العسل.
وأنشد أحمد بن يحيى لتأبط شرا (٥):
стр. 845
وشعب كشلّ (١) الثّوب شكس طريقه ... مجامع ضوجيه (٢) نطاف مخاصر
تعسّفته باللّيل لم يهدنى له ... دليل، ولم يحسن له النّعت خابر
قال: يعنى بالشّعب فم جارية. كشلّ الثوب، يعنى كفّ الثوب إذا خاطه الخيّاط.
والشّكس: الضيّق، يصفها بصغر الفم وحسنه ورقّة الشفتين. وضوجاه: جانباه وضوج الوادى/: جانبه؛ ويعنى بالنّطاف: الريق. والمخاصر: الباردة، من الخصر.
وقوله: «لم يهدنى له دليل»؛ أى لم يصل إليه غيرى، كما قال جرير:
ألا ربّ يوم قد شربت بمشرب ... شفى الغيم، لم يشرب به أحد قبلى (٣)
الغيم والغين: العطش؛ وإنما يعنى ريق جارية.
قال المبرّد وقال آخرون: بل يعنى شعبا من الشّعاب مخوفا ضيّقا، سلكه وحده.
قال أبو العباس: إنما كنى بالشّعب عن فم جارية؛ ثم أخذ فى وصف الشّعب؛ ليكون الأمر أشدّ التباسا.
قال سيدنا أدام الله علوّه: والأشبه أن يكون أراد شعبا حقيقيّا، لأن تأبط شرا كان لصا وصّافا للأهوال التى تمضى به، ويعاينها فى تلصّصه. وكان كثيرا ما يصف تدلّيه من الجبال، وتخلّصه من المضايق، وقطعه المفاوز، وأشباه ذلك؛ والقطعة التى فيها البيتان كلّها تشهد بأن الوصف لشعب لا لفم جارية؛ لأنه يقول بعد قوله: «وشعب
كشلّ الثوب»:
لدن (٤) مطلع الشّعرى، قليل أنيسه ... كأنّ الطّخا فى جانبيه معاجر (٥)