فإنه قال: العوج، بالكسر: الاسم، والعوج، بالفتح: المصدر. وقال ثعلب: كأنه مصدر عوج يعوج عوجا؛ ويقال: عصا معوجّة، وعود معوج؛ وليس فى كلامهم معوّج.
وأما اللّدد؛ فقيل: هو الخصومات، وقال ثعلب: يقال رجل ألدّ، وقوم لدّ إذا كانوا شديدى الخصومة؛ ومنه قول الله تعالى: وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ؛ [البقرة: ٢٠٤].
وقال الأموىّ: اللدد: الاعوجاج، والألدّ فى الخصومة: الّذي ليس بمستقيم، أى هو أعوج الخصومة؛ يميل فلا يقوى عليه ولا يستمكن (١) منه، ومن ذلك قولهم: لدّ الصّبىّ، وإنما يلدّ فى شقّ فيه؛ وليس «يلدّ» مستقيما؛ فهو يرجع إلى معنى الميل والاعوجاج. وقال:
فسّر لنا الحكم بن ظهير، فقال: ألدّ الخصام، أى أعوج الخصام، وأنشد أبو السمح لابن مقبل:
لقد طال عن دهماء لدي وعذرتى ... وكتمانها أكنى بأمّ فلان
جعلت لجهّال الرّجال مخاضة ... ولو شئت قد بيّنتها بلسانى
اللّد: الجدال والخصومة.
وقال أبو عمرو: الألد: الّذي لا يقبل الحق، ويطلب الظلم.
وقوله: «مخاضة» يقول: إنهم يخوضون فى شعرى ويطلبون معانيه، فلا يقفون عليه.
وأنشد أبو السمح:
لا تفتر الكذب القبيح فإنّه ... للمرء معيبة وباب لئام
واصدق بقولك حين تنطق؛ إنّه ... للصّدق فضل فوق كلّ كلام
وإذا صدقت على الرّجال خصمتهم ... والصّدق مقطعة على الظّلام
وإذا رماك غشوم قوم فارمه ... بألدّ مشتغر المدى غشّام
لا تعرضنّ على العدوّ وسيلة ... واحذر عدوّك عند كلّ مقام
стр. 842
واعلم بأنه ليس يوما نافعا ... عند اللّئيم وسائل الأرحام
ما لم يخفك ويلق عندك جانبا ... خشنا وتصبحه بكأس سمام
وإذا حللت (١) بمأزق فاكرم به ... حتّى تفرّج حلبة الإظلام
/ واصبر على كرب البلاء فإنّه ... ليس البلاء على الفتى بلزام
واعلم بأنّك ميّت ومحدّث ... عمّا فعلت معاشر الأقوام
معنى قوله «مشتغر المدى»، أى بعيد المدى.
ومعنى قوله:
* لا تعرضنّ على العدوّ وسيلة*
أى لا تقاربه ولا تصانعه ولا يكن بينك وبينه إلا صدق العداوة.
وأنشد أيضا شاهدا لما تقدم:
يا وهب أشبه باطلى وجدّى ... أشبهت أخلاقى فأشبه مجدى
* وجدّ لى عند الخصوم اللّدّ*
*** قال سيدنا أدام الله تمكينه: ومن أحسن ما وصف به الثغر قول فضالة بن وكيع البكرىّ:
تبسّم عن حمّ اللّثات كأنّها ... حصى برد أو أقحوان كثيب
إذا ارتفعت عن مرقد علّلت به ... من اليانع الغورىّ فرع قضيب
قضيب نجاه الرّكب أيام عرّفوا ... لها من ذرى مال النّبات خضيب
يعنى من يانع الأراك. ومعنى نجاه، أى قطعه، ومثله استنجاه أيضا، ومال النبات، أى ناعمه وحسنه، يقال: عشب مال ومادّ، سواء، أى ميّاد ناعم.
ومعنى- أيام عرفوا، أى اجتنوه من عرفات، وذكر أنه خضيب بالطيب الّذي بيديها لإدمانها لاستعماله.
стр. 843
وقال الأخطل يصف ثغرا:
شتيتا يرتوى الظمآن منه ... إذا الجوزاء أجحرت الضّبابا (١)
الشتيت: المفرق المفلّج الّذي ليس بمتراكب-
ومعنى قوله:
* إذا الجوزاء أجحرت الضبابا*
فيه وجهان: أحدهما أنه أراد عند سقوط الجوزاء؛ وذلك فى شدة البرد وطول الليل إذا اتجحرت الضباب من البرد، وتغيرت الأفواه لطول ليل الشتاء؛ يقول: فثغرها حينئذ عذب غير متغيّر.
والوجه الآخر أنه أراد عند طلوع الجوزاء فى شدة الحر إذا انجحرت الضّباب من شدة الحر والقيظ؛ فالظمآن حينئذ أشدّ عطشا وأحرّ غلّه/، فريقها يرويه ويبرد غلّته.
وقال آخر:
فويل بها (٢) لمن تكون ضجيعه ... إذا ما الثّريّا ذبذبت كلّ كوكب
قوله: «فويل بها» من الزّجر المحمود: مثل قولهم: ويل أمه ما أشجعه! فكأنه يقول: نعم الضجيع هى عند السّحر، إذا تحادرت النجوم للمغيب، كما قال ذو الرّمة:
وأيدى الثّريّا جنّح فى المغارب (٣)
стр. 844
ومثل قول الآخر:
نعم شعار الفتى إذا برد اللّي ... ل سحيرا وقفقف الصّرد (١)
وإنما يعنى أنها فى ذلك الوقت الّذي تتغير فيه الأفواه طيبة الريق عذبته.
وأنشد أبو العباس المبرّد لأم الهيثم:
وعارض كجانب العراق ... أنبت برّاقا من البرّاق (٢)
يذاق (٣) مثل العسل المراق (٤)
قال أبو العباس: فى هذا قولان:
أحدهما أنه وصفت ثغرا. وعارضاه: جانباه، والعراق: ما يثنى ثم يخرز كعراق القربة، فأخبرت أنه ليس فيه اعوجاج ولا تراكب ولا نقص.
وقولها:
* أنبت براقا من البرّاق*
أى ما تنبته الأرض إذا مطرت من النّور.
قال المبرّد: والقول الأول عندنا أصح لذكرها العسل.
وأنشد أحمد بن يحيى لتأبط شرا (٥):
стр. 845
وشعب كشلّ (١) الثّوب شكس طريقه ... مجامع ضوجيه (٢) نطاف مخاصر
تعسّفته باللّيل لم يهدنى له ... دليل، ولم يحسن له النّعت خابر
قال: يعنى بالشّعب فم جارية. كشلّ الثوب، يعنى كفّ الثوب إذا خاطه الخيّاط.
والشّكس: الضيّق، يصفها بصغر الفم وحسنه ورقّة الشفتين. وضوجاه: جانباه وضوج الوادى/: جانبه؛ ويعنى بالنّطاف: الريق. والمخاصر: الباردة، من الخصر.
وقوله: «لم يهدنى له دليل»؛ أى لم يصل إليه غيرى، كما قال جرير:
ألا ربّ يوم قد شربت بمشرب ... شفى الغيم، لم يشرب به أحد قبلى (٣)
الغيم والغين: العطش؛ وإنما يعنى ريق جارية.
قال المبرّد وقال آخرون: بل يعنى شعبا من الشّعاب مخوفا ضيّقا، سلكه وحده.
قال أبو العباس: إنما كنى بالشّعب عن فم جارية؛ ثم أخذ فى وصف الشّعب؛ ليكون الأمر أشدّ التباسا.
قال سيدنا أدام الله علوّه: والأشبه أن يكون أراد شعبا حقيقيّا، لأن تأبط شرا كان لصا وصّافا للأهوال التى تمضى به، ويعاينها فى تلصّصه. وكان كثيرا ما يصف تدلّيه من الجبال، وتخلّصه من المضايق، وقطعه المفاوز، وأشباه ذلك؛ والقطعة التى فيها البيتان كلّها تشهد بأن الوصف لشعب لا لفم جارية؛ لأنه يقول بعد قوله: «وشعب
كشلّ الثوب»:
لدن (٤) مطلع الشّعرى، قليل أنيسه ... كأنّ الطّخا فى جانبيه معاجر (٥)
стр. 846
به من نجاء الدّلو بيض أقرّها ... خبار لصمّ الصخر فيه قراقر (١)
وقرّرن حتّى كنّ للماء منتهى ... وغادرهنّ السّيل فيما يغادر
به نطف زرق قليل ترابها ... جلا الماء عن أرجائها فهو حائر
وهذه الأوصاف كلّها لا تليق إلا بالشّعب دون غيره؛ وتأوّل ذلك على الفم تأوّل بعيد.
وقد أحسن كثيّر فى قوله يصف ثغرا:
ويوم الحبل قد سفرت وكفّت ... رداء العصب عن رتل براد (٢)
وعن نجلاء تدمع فى بياض ... إذا دمعت وتنظر فى سواد
وعن متكاوس فى العقص جثل ... أثيث النبت ذى غدر جعاد (٣)
وقال أبو تمام فى هذا المعنى:
/ وعلى العيس خرّد يتبسّم ... ن عن الأشنب الشّتيت البراد (٤)
كان شوك السيّال حسنا فأضحى ... دونه للفراق شوك القتاد (٥)
وقال البحترىّ:
وأرتنا خدّا يراح له الور ... د، ويشتمه جنى التّفّاح (٦)
وشتيتا يغضّ من لؤلؤ النّظ ... م، ويزرى على شتيت الأقاحى
فأضاءت تحت الدّجنّة للشّر ... ب، وكادت تضيء للمصباح (٧)
стр. 847
وقال أيضا:
سفرت كما سفر الرّبيع الطّلق عن ... ورد يرقرقه الضّحى مصقول
وتبسّمت عن لؤلؤ فى رصفه ... برد يردّ حشاشة المتبول
وقد جمع كلّ ما يوصف به الثّغر فى قوله:
كأنما تضحك عن لؤلؤ ... منضّد أو برد أو أقاح (١)
стр. 848
مجلس آخر ٦٦
تأويل آية [قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ؛ أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ؛ أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ؛ [المائدة: ٦٠].
فقال: ما أنكرتم أن تكون هذه الآية دالة على أنه تعالى جعل الكافر كافرا؛ لأنه أخبر بأنه جعل منهم من عبد الطاغوت؛ كما جعل القردة والخنازير؟ وليس يجعله كافرا إلا بأن خلق كفره! .
الجواب، يقال له (١): قبل أن نتكلّم فى تأويل الآية بما تحتمله من المعانى: [كيف يجوز أن يخبرنا بأنه] (٢) جعلهم (٣)؛ كفارا وخلق كفرهم! والكلام خرج مخرج الذّم لهم؛ والتوبيخ على كفرهم، والمبالغة فى الإزراء عليهم! وأىّ مدخل لكونه خالقا لكفرهم فى باب ذمّهم! وأىّ نسبة بينه وبين ذلك! بل لا شيء أبلغ فى عذرهم وبراءتهم من أن يكون/ خالقا لما ذمّهم من أجله. وهذا يقتضي أن يكون الكلام متناقضا مستحيل المعنى؛ ونحن نعلم أن أحدا إذا أراد ذمّ غيره، وتوبيخه وتهجينه بمثل هذا الضرب من الكلام إنما يقول:
ألا أخبركم بشرّ الناس وأحقّهم بالذم واللوم! من فعل كذا، وصنع كذا؛ وكان على كذا وكذا؛ فيعدّد من الأحوال والأفعال قبائحها، ولا يجوز أن يدخل فى جملتها ما ليس بقبيح؛ ولا ما هو من فعل الذم ومن جهته؛ حتى يقول فى جملة ذلك: ومن تشاغل بالصّنعة الفلانية التى أسلمها إليه وحمله عليها؛ وإن عقلا يقبل هذه الشبهة لعقل ضعيف سخيف.
стр. 849
فإن قيل: أليس قد ذمّهم فى الكلام بأن جعل منهم القردة والخنازير؛ ولا صنع لهم فى ذلك! وكذلك يجوز أن يذمّهم ويجعلهم عابدين للطاغوت؛ وإن كان من فعله!
قيل (١): إنما جعلهم قردة وخنازير عقوبة لهم على أفعالهم وباستحقاقهم، فجرى ذلك مجرى أفعالهم، كما ذمّهم بأن لعنهم وغضب عليهم؛ من حيث استحقّوا ذلك منه بأفعالهم وعبادتهم للطاغوت؛ فإن كان هو خلقها فلا وجه لذمهم بها؛ لأن ذلك مما لا يستحقونه بفعل متقدّم كاللّعن والمسخ.
ثم نعود إلى تأويل الآية فنقول: لا ظاهر للآية يقتضي ما ظنّوه، وأكثر ما تضمنته الإخبار بأنه خلق وجعل من يعبد
الطاغوت كما جعل منهم القردة والخنازير؛ ولا شبهة فى أنه تعالى هو خلق الكافر، وأنه لا خالق له سواه؛ غير أن ذلك لا يوجب أنه خلق كفره وجعله كافرا.
وليس لهم أن يقولوا: كما نستفيد من قوله: جَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ أنه جعل ما به كانوا كذلك؛ هكذا نستفيد من قوله: جعل منهم من عبد الطاغوت أنه خلق ما به كان عابدا للطاغوت؛ وذلك إنما استفدنا ما ذكروه من الأول؛ لأنّ الدليل قد دلّ على أنّ ما به يكون القرد قردا والخنزير خنزيرا؛ لا يكون إلّا من فعله.
وليس ما به يكون الكافر كافرا مقصورا على فعله تعالى؛ بل قد دلّ/ الدليل على أنه يتعالى عن فعل ذلك وخلقه، فافترق الأمران.
وفى الآية وجه آخر؛ وهو ألّا يكون قوله تعالى: وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ معطوفا على القردة والخنازير؛ بل معطوفا على مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ؛ وتقدير الكلام: من لعنه الله، ومن غضب عليه، ومن عبد الطاغوت، ومن جعل الله منهم القردة والخنازير؛ وهذا هو الواجب؛ لأن عَبَدَ فعل، والفعل لا يعطف على الاسم، فلو عطفناه على القردة والخنازير لكنا قد عطفنا فعلا على اسم، فالأولى عطفه على ما تقدم من الأفعال.
стр. 850
وقال قوم: يجوز أن يعطف عَبَدَ الطَّاغُوتَ على الهاء والميم فى مِنْهُمْ؛ فكأنه جعل منهم، وممّن عبد الطاغوت القردة والخنازير؛ وقد يحذف «من» فى الكلام؛ قال الشاعر:
أمن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواء (١)
أراد: ومن يمدحه وينصره.
فإن قيل: فهبوا هذا التأويل ساغ فى قراءة من قرأ بالفتح، أين أنتم عن قراءة من قرأ وَعَبَدَ بفتح العين وضمّ الباء، وكسر التاء من الطَّاغُوتَ، ومن قرأ عَبَدَ الطَّاغُوتَ بضم العين والباء، ومن قرأ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ بضم العين والتشديد، ومن قرأ وعبّاد الطّاغوت!
قلنا: المختار من هذه القراءة عند أهل العربية كلّهم القراءة بالفتح، وعليها جميع القراء السبعة؛ إلا حمزة فإنه قرأ؛ عَبَدَ بفتح العين وضم الباء، وباقى القراءات شاذة غير مأخوذ بها.
قال أبو إسحاق الزجاج فى كتابه فى معانى القرآن: " عَبَدَ الطَّاغُوتَ نسق على مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ" قال: " وقد قرئت عَبَدَ الطَّاغُوتَ؛ وعَبَدَ الطَّاغُوتَ؛ والّذي أختاره وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ".
" وروى عن ابن مسعود ﵀: وعبدوا الطّاغوت فهذا يقوّى: وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ" قال: " ومن قرأ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ بضم الباء وخفض الطاغوت فإنه عند بعض أهل العربية ليس بالوجه من جهتين: إحداهما أن «عبد» على وزن «فعل»، وليس هذا من أمثلة الجمع؛ / لأنهم فسّروه خدم الطاغوت. والثانى أن يكون محمولا على «وجعل منهم عبدا للطّاغوت». ثم خرّج لمن قرأ عَبَدَ وجها فقال: إن الاسم بنى على «فعل»؛ كما يقال: رجل حذر أى مبالغ فى الحذر؛ فتأويل عَبَدَ أنّه بلغ الغاية فى طاعة الشيطان". وهذا كلام الزجاج.
وقال أبو على الحسن بن عبد الغفار الفارسىّ محتجا لقراءة حمزة: " ليس عَبَدَ لفظ
стр. 851
جمع؛ ألا ترى أنه ليس فى أبنية الجموع شيء على هذا البناء! ولكنه واحد يراد به الكثرة؛ ألا ترى أن فى الأسماء المفردة المضافة إلى المعارف ما لفظه لفظ الإفراد ومعناه الجمع، كقوله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها؛ [إبراهيم: ٣٤] وكذلك قوله: وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ جاء على «فعل» لأنّ هذا البناء يراد به الكثرة والمبالغة؛ وذلك نحو «يقظ وندس»؛ فهذا كأنّ تقديره أنّه قد ذهب فى عبادة الشيطان والتذلّل له كلّ مذهب".
قال: " وجاء على هذا لأن «عبد» فى الأصل صفة، وإن كان قد استعمل استعمال الأسماء، واستعمالهم إياه استعمالها لا يزيل عنه كونه صفة؛ ألا ترى أنّ «الأبرق والأبطح» (١) وإن كانا قد استعملا استعمال الأسماء حتى كسّرا هذا النحو عندهم من التكسير فى قولهم: «أبارق وأباطح»؛ فلم يزل عنه حكم الصفة، يدلّك على ذلك تركهم صرفه، كتركهم صرف «أحمر»، ولم يجعلوا ذلك كأفكل وأ يدع (٢)؛ وكذلك عَبَدَ وإن كان قد استعمل استعمال الأسماء لم يخرجه ذلك عن أن يكون صفة، وإذا لم يخرج عن أن يكون صفة لم يمتنع أن يبنى بناء الصفات على «فعل» "
وهذا كلام مفيد فى الاحتجاج لحمزة؛ فإذا صحت قراءة حمزة وعادلت قراءة الباقين المختارة، وصح أيضا سائر ما روى من القراءات التى حكاها السائل كان الوجه الأول الّذي ذكرناه فى الآية يزيل الشبهة فيها.
ويمكن فى الآية وجه آخر على جميع القراءات المختلفة فى عَبَدَ الطَّاغُوتَ؛ وهو أن يكون المراد بجعل منهم عبد الطاغوت؛ أى نسبه إليهم، وشهد عليه بكونه من جملتهم.
ول «جعل» مواضع قد تكون بمعنى الخلق والفعل؛ كقوله: وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ، [الأنعام: ١]؛ / وكقوله: وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً؛ [النحل: ٨١]؛ وهى هاهنا تتعدى إلى مفعول واحد؛ وقد تكون أيضا بمعنى التسمية والشهادة؛ كقوله تعالى: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً؛ [الزخرف: ١٩]؛ وكقول القائل: جعلت البصرة
стр. 852
بغداد، وجعلتنى كافرا، وجعلت حسنى قبيحا؛ وما أشبه ذلك؛ فهى هاهنا تتعدى إلى مفعولين.
ول «جعل» مواضع أخر لا حاجة بنا إلى ذكرها؛ فكأنه تعالى قال: ونسب عبد الطاغوت إليهم، وشهد أنهم من جملتهم.
فإن قيل: لو كانت جَعَلَ هاهنا على ما ذكرتم لوجب أن تكون متعدية إلى مفعولين؛ لأنها إذا لم تتعد إلّا إلى مفعول واحد فلا معنى لها إلا الخلق.
قلنا: هذا غلط من متوهّمه؛ لأن جَعَلَ هاهنا متعدية إلى مفعولين، وقوله تعالى:
مِنْهُمْ يقوم مقام المفعول الثانى عند جميع أهل العربية، لأن كلّ جملة تقع فى موضع خبر المبتدأ فهى تحسن أن تقع فى موضع المفعول الثانى؛ كجعلت وظننت وما أشبههما.
وقال الشاعر:
أبا لأراجيز يا ابن اللّؤم توعدنى ... وفى الأراجيز خلت اللؤم والخور (١)
وقد فسر هذا على وجهين: أحدهما على الغاء «خلت» من حيث توسطت الكلام؛ فيكون «فى الأراجيز» على هذا فى موضع رفع بأنه خبر المبتدأ، والوجه الثانى على إعمال «خلت» فيكون «فى الأراجيز» فى موضع نصب من حيث وقع موقع المفعول الثانى. وهذا بيّن لمن تدبره.
قال سيدنا أدام الله علوّه: أنشد ثعلب عن ابن الأعرابىّ:
أما وأبى للصّبر فى كلّ خلّة ... أقرّ لعينى من غنى رهن ذلّة
وإنى لأختار الظّما فى مواطن ... على بارد عذب وأغنى بغلّة
وأستر ذنب الدّهر حتى كأنّه ... صديق، ولا اغتابه عند زلّة
ولست كمن كان ابن أمّى مقترا ... فلمّا أفاد المال عاد ابن علّة
فدابرته حتى انقضى الودّ بيننا ... ولم أتمطّق من نداه ببلّة
/ وكنت له عند الملمّات عدّة ... أسدّ بمالى دونه كلّ خلّة
стр. 853
قال الشريف المرتضى رضى الله عنه: الأولى فى هذه القطعة إطلاقها. الخلّة: الحاجة، والخلّة أيضا: الخصلة. والخلّة، بالضم: المودّة، والخلّة أيضا، بالضم: ما كان خلوا من المرعى.
والخلّة، بالكسر: ما يخرج من الأسنان بالخلال.
والخليل: الحبيب؛ من المودة والمحبة، والخليل أيضا: الفقير؛ وكلا الوجهين قد ذكر فى قوله تعالى: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا؛ [النساء: ١٢٥]، ومنه حديث ابن مسعود:
«تعلموا القرآن فإنه لا يدرى أحدكم متى يختلّ إليه».
قال أبو العباس ثعلب يكون من شيئين: أحدهما من الخلّة التى هى الحاجة؛ أى متى يحتاج إليه، ويكون من الخلة وهى النبات الحلو؛ ويكون معناه: متى يشتهى ما عنده، مشبّه بالإبل؛ لأنها ترعى الخلّة فإذا ملّتها عدلوا بها إلى الحمض؛ فإذا ملّت الحمض اشتهت الخلّة؛ ومن أمثالهم: «جاءوا مخلّين فلاقوا حمضا»؛ أى جاءوا مشتهين لقتالنا فلاقوا ما كرهوا.
والخلّة أيضا: بنت المخاض والذكر الخلّ؛ ويقال: جسم خلّ إذا كان مهزولا؛ قال الشاعر:
فاسقنيها يا سواد بن عمرو ... إنّ جسمى بعد خالى لخلّ (١)
ويقال أيضا: فصيل مخلول إذا شدّ لسانه حتى لا يرضع؛ ويقال: خللته فهو خليل ومخلول؛ ومثله أجررته؛ قال الشاعر:
فلو أنّ قومى أنطقتنى رماحهم ... نطقت؛ ولكنّ الرّماح أجرّت (٢)
أى لم يعملوا فى الحرب شيئا فكنت أفتخر بهم.
وقوله:
* أقرّ لعينى من غنى رهن ذلّة*
стр. 854
يقول: أختار الصيانة مع الفقر أحبّ إلى من الغنى مع الذلّ؛ ومثله:
إذا كان باب الذّلّ من جانب الغنى ... سموت إلى العلياء من جانب الفقر
صبرت وكان الصّبر منّى سجيّة ... وحسبك أنّ الله أثنى على الصّبر
وقوله:
وأستر ذنب الدهر حتى كأنه ... صديق ...
أراد: أنى لا أشكو ما يمسّنى به الدهر من خصاصة؛ بل أستر ذلك وأظهر التجمّل حتى لا أسوأ الصديق وأسر العدوّ. وهذا المعنى/ أراد بقوله: «ولا اغتابه عند زلّتى».
وقوله:
* فلما أفاد المال عاد ابن علّة*
فالعرب تقول: هم بنو أعيان؛ إذا كان أبوهم واحدا وأمهم واحدة؛ فإذا كان أبوهم واحدا وأمهاتهم شتى قيل أولاد علّات؛ ومنه الحديث المأثور عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال:
«النبيون أولاد علّات»؛ أى أمهاتهم شتّى وأبوهم واحد؛ وكنى الشاعر بذلك عن التباعد والتقاطع والتقالى؛ لأن الأكثر فى بنى العلّات ما ذكرناه.
وقوله: «ودابرته» أى قاطعته.
وقوله:
* ولم أتمطّق من نداه ببلّة*
فالتمطّق يكون بالشفتين، والتلمّظ يكون باللسان، وكنى بذلك عن أنه لم يصب من خيره شيئا؛ وصان نفسه عنه.
стр. 855
مجلس آخر ٦٧
تأويل آية [الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ]
إن سأل سائل فقال: ما تأويل قوله تعالى: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ؛ [البقرة: ٢٢].
وما الّذي أثبت لهم العلم به؟ وكيف يطابق وصفهم هاهنا بالعلم لوصفهم بالجهل فى قوله تعالى: قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ؛ [الزمر: ٦٤].
الجواب، قلنا: هذه الآية معناها متعلّق بما قبلها؛ لأنه تعالى أمرهم بعبادته، والاعتراف بنعمته؛ ثم عدّد عليهم صنوف النّعم التى ليست إلا من جهته؛ ليستدلّوا بذلك على وجوب عبادته؛ وإن العبادة إنما تجب لأجل النّعم المخصوصة؛ فقال جل من قائل: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً إلى آخر الآية؛ ونبّه فى آخرها على وجوب توحيده والإخلاص له، وألّا يشرك به شيء، بقوله تعالى: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ.
ومعنى قوله تعالى: جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً أى يمكن أن تستقرّوا عليها وتفرشوها وتتصرفوا فيها؛ وذلك لا يمكن إلا بأن تكون مبسوطة ساكنة دائمة السكون.
وقد استدل أبو عليّ بذلك، وبقوله تعالى: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً على بطلان ما تقوّله المنجّمون من أن الأرض كريّة الشكل؛ وهذا القدر/ لا يدرك؛ لأنه يكفى فى النعمة علينا أن يكون فيها بسائط ومواضع مسطوحة يمكن التصرّف عليها؛ وليس يجب أن يكون جميعها كذلك؛ ومعلوم ضرورة أن جميع الأرض ليس مسطوحا مبسوطا وإن كان
стр. 856
مواضع التصرّف منها بهذه الصفة، والمنجّمون لا يدفعون أن يكون فى الأرض بسائط وسطوح يتصرّف عليها، ويستقرّ فيها؛ وإنما يذهبون إلى أن بجملتها شكل الكرة.
وليس له أن يقول: قوله: وجَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً يقتضي الإشارة إلى جميع الأرض وجملتها؛ لا إلى مواضع منها، لأن ذلك تدفعه الضرورة من حيث أنا نعلم بالمشاهدة أنّ فيها ما ليس ببساط ولا فراش؛ ولا شبهة فى أن جعله السماء على ما هى عليه من الصّفة ممّا له تعلّق بمنافعنا ومصالحنا. وكذلك إنزاله تعالى منها الماء الّذي هو المطر الّذي تظهر به الثمرات فننتفع بنيلها والاغتذاء بها.
فأما قوله تعالى: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً فإن الندّ هو المثل والعدل؛ قال حسان ابن ثابت:
أتهجوه ولست له بندّ ... فشرّ كما لخيركما الفداء (١)
فأما قوله تعالى: وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ فيحتمل وجوها:
أولها أن يريد أنكم تعلمون أنّ الأنداد التى هى الأصنام وما جرى مجراها التى تعبدونها من دون الله تعالى لم ينعم عليكم بهذه النعم التى عدّدها ولا بأمثالها، وأنها لا تضرّ ولا تنفع، ولا تسمع ولا تبصر؛ ومعلوم أن المشركين
الذين كانوا يعبدون الأصنام ما كانوا يدّعون ولا تعتقدون أنّ الأصنام خلقت السماء والأرض من دون الله ولا معه تعالى؛ فالوصف لهم هاهنا بالعلم إنما هو لتأكيد الحجة عليهم. ويصح لزومها لهم؛ لأنهم مع العلم بما ذكرناه يكونون أضيق عذرا.
والوجه الثانى أن يكون المراد بقوله تعالى: وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أى تعقلون وتميزون، وتعلمون ما تقولون وتفعلون، وتأتون وتذرون، لأنّ من كان بهذه الصفة فقد استوفى شروط التكليف، ولزمته الحجة، وضاق عذره فى التخلّف عن النظر وإصابة الحق.
ونظير ذلك/ قوله تعالى: إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ؛ [الزمر: ٩] وإِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ؛ [فاطر: ٢٨].
стр. 857
والوجه الثالث ما قاله بعض المفسرين كمجاهد وغيره أن المراد بذلك أهل الكتابين التوراة والإنجيل خاصة. ومعنى وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أى أنكم تعلمون أنه إله واحد فى التوراة والإنجيل.
فعلى الوجهين الأولين لا تنافى بين هذه الآية وبين قوله تعالى: قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ؛ لأنّ علمهم تعلّق بشيء، وجهلهم تعلق بغيره. وعلى الوجه الثالث إذا جعل الآية التى سئلنا عنها مختصة بأهل الكتاب أمكن أن تجعل الآية التى وصفوا فيها بالجهل تتناول غير هؤلاء؛ ممن لم يكن ذا كتاب يجد فيه بيان التوحيد؛ وكلّ هذا واضح بحمد الله.
*** قال سيدنا أدام الله علوّه: ومما يفسّر من الشعر تفاسير مختلفة؛ والقول محتمل للكلّ قول امرئ القيس:
وقد اغتدى ومعى القانصان ... وكلّ بمربأة مقتفر (١)
فيدركنا فغم داجن ... سميع بصير طلوب نكر
ألصّ الضّروس، حنيّ الضّلوع، ... تبوع، أريب، نشيط، أشر
فأنشب أظفاره فى النّسا ... فقلت: هبلت! ألا تنتصر!
فكرّ إليه بمبراته ... كما خلّ ظهر اللّسان المجر
فظلّ يرنّح فى غيطل ... كما يستدير الحمار النّعر
قال ابن السّكّيت: القانصان: الصائدان، والمربأة: الموضع المرتفع يربأ فيه، والمقتفر:
الّذي يقتفر آثار الوحش ويتبعها. وقال غيره: القانصان: البازى والصقر.
والفغم: الكلب الحريص على الصيد؛ يقال: ما أشدّ فغمه! أى ما أشد حرصه! ، قال الأعشى:
стр. 858
نؤمّ ديار بنى عامر ... وأنت بآل عقيل فغم (١)
أى مولع، والدّاجن: الّذي يألف الصيد، والسميع: الّذي إذا سمع حسّا لم يفته، والبصير: الّذي إذا رأى شيئا من بعد لم يكذبه بصره، والتبوع: الّذي إذا تبع الصيد أدركه ولم يعجز عن لحقوقه/، والنّكر: المنكر الحاذق بالصيد، ويروى «نكر» بالضم.
وقال ابن السكيت وغيره فى قوله:
* فأنشب أظفاره فى النّسا*
أى أنشب الكلب أظفاره فى نسا الثور، والنّسا: عرق فى الفخذ معروف. «فقلت:
هبلت»؛ أى: فقلت للثور: هبلت، ألا تنتصر من الكلب! قالوا: وهذا تهكّم منه بالثور واستهزاء به، والأصل فى التهكّم الوقوع على الشيء؛ يقال: تهكّم البيت إذا وقع بعضه على بعض.
ومعنى:
* فكرّ إليه بمبراته*
قال ابن السكّيت وغيره: معناه: فكرّ الثور إلى الكلب بمبراته؛ أى بقرنه.
ومعنى:
* كما خلّ ظهر اللسان المجرّ*
أى طعنه كما يجرّ الرجل لسان الفصيل، وهو أن يقطع طرف لسانه أو يشقّه حتى لا يقدر على الشرب من خلف أمه، وذلك إذا كبر واستغنى عن الشرب.
ومعنى:
* فظل يرنّح فى غيطل*
أى ظل الكلب يرنّح (٢)، أى يميد ويتمايل كالسكران، والغيطل: الشجر الملتف، ويكون أيضا الجلبة والصياح.
стр. 859
وقوله:
* كما يستدير الحمار النعر*
فالنّعر: الّذي يدخل فى رأسه ذباب أزرق أو أخضر، فيطح برأسه وينزو، فشبّه الكلب فى اضطرابه ونزوّه بالحمار النّعر، قال ابن مقبل:
ترى النّعرات الزّرق تحت لبانه ... أحاد ومثنى أصعقتها صواهله (١)
وقال أحمد بن عبيد: القانصان: الفرس وصاحبه؛ والحجّة أن الفرس تسمى قانصا قول عدىّ بن زيد:
تقنصك الخيل ويصطادك الطّ ... ير ولا تنكع لهو القنيص (٢)
أى لا تمنع به.
قال: وقوله:
* فأنشب أظفاره فى النّسا*
معناه فأنشب الكلب أظفاره فى نسا الثور، فقلت لصاحب الفرس أو لغلامى الممسك للفرس: هبلت! ألا تدنو إلى الثور فتطعنه فقد أمسكه عليك الكلب! قال: ومحال أن يكون امرؤ القيس أغرى الثور بقتل كلبه؛ لأن امرأ القيس يفخر بالصيد ويصفه فى أكثر شعره بأنه مرزوق منه مظفّر فيه، كقوله:
إذا ما خرجنا قال ولدان أهلنا: ... تعالوا إلى أن يأتنا الصّيد نحطب (٣)
وكقوله:
مطعم للصّيد ليس له ... غيره كسب على كبره (٤)
стр. 860
فمحال على هذا أن يغرى الثور بقتل كلبه.
قال: وتأويل «ألا تنتصر! » ألا تدنو من الثور! / والدليل على أن «تنتصر» بمعنى «تدنو» قول الراعى:
وأفرغن فى وادى جلاميد بعد ما ... علا البيد سافى القيظة المتناصر
أى المتدانى.
وقال مضرّس بن ربعىّ:
فإنّك لا تعطى امرأ حظّ غيره ... ولا تملك الشّقّ الّذي الغيث ناصره
أى دان منه.
ومعنى: «ألصّ الضّروس» أى بعض أسنانه ملتصق ببعض.
وحنيّ الضلوع: أى مشرف الضلوع عاليها. ويروى: «حنى الضّلوع» بالنون أى منحنيها. ويقال: إن الضّلوع إذا تقوّست كان أوسع لجوفه وأقوى له؛ ويروى أيضا: «خفىّ الضلوع» أى ضلوعه خفية داخلة فى جنبه.
ومعنى:
* فظلّ يرنّح فى غيطل*
أى ظلّ الثور يرنّح فى غيطل لمّا طعنه صاحب الفرس. وقد يجوز أيضا أن يكون ترنّح الثور لظفر الكلب به، ولأنه أنشب أظفاره فيه؛ وكلّ ذلك محتمل.
ومما يحتمل أيضا على وجوه مختلفة قول امرئ القيس:
فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها ... لما نسجتها من جنوب وشمأل (١)
قال قوم: معناه لم يدرس رسمها لنسج هاتين الريحين فقط؛ بل لتتابع الرياح والأمطار؛ والدليل على ذلك قوله فى البيت الآخر:
стр. 861
* فهل عند رسم دارس من معوّل (١) *
وقال آخرون: ومعنى: «لم يعف رسمها» لم يدرس، فالرسم على هذا القول باق غير دارس.
ومعنى قوله فى البيت الآخر: «رسم دارس»، أى فهل عند رسم سيدرس فى المستقبل! وإن كان الساعة موجودا غير دارس!
وقال آخرون فى معنى قوله: «لم يعف» مثل الوجه الثانى؛ أى أنه لم يدرس أثرها لما نسجتها، بل هى بواق ثوابت،
فنحن نحزن لها، ونجزع عند رؤيتها، ولو عفت وامّحت لاسترحنا، وهذا مثل قول ابن أحمر:
ألا ليت المنازل قد بلينا ... فلا يبكين ذا شجن حزينا
ومثل قول الآخر:
/ ليت الدّيار التى تبقى لتحزننا ... كانت تبين إذا ما أهلها بانوا
وليس قوله:
* فهل عند رسم دارس من معوّل*
نقضا لهذا، إنما هو كقولك: درس كتابك، أى ذهب بعضه وبقى بعض.
وقال أبو بكر العبدىّ: معناه لم يعف رسمها من قلبى، وهو دارس من الموضع، فلم يتناول قوله: «لم يعف رسمها» ما تناوله قوله: «فهل عند رسم دارس» من جميع وجوهه فيتناقض الكلام.
وقال آخرون: أراد بقوله: «لم يعف»، لم يدرس، ثم أكذب نفسه بقوله:
* فهل عند رسم دارس من معوّل*
стр. 862
كما قال زهير:
قف بالدّيار التى لم يعفها القدم ... بلى، وغيّرها الأرواح والدّيم (١)
وكما قال الآخر:
فلا تبعدن يا خير عمرو بن مالك ... بلى، إنّ من زار القبور ليبعدا
أراد «ليبعدن»، فأبدل الألف من النون الخفيفة؛ وهذا وجه ضعيف، وبيت زهير ليس يجب فيه ما توهّم من المناقضة والتكذيب؛ لأنه يمكن أن يحمل على ما ذكرناه فى أحد الوجوه المتقدمة؛ من أنه أراد أنّ رسمها لم يعف ولم يبطل كلّه، وإن كان قد غيّرت الدّيم والأرواح بعضه وأثّرت فى بعض.
فأما البيت الثانى فلا حجّة فيه؛ لأنه لم يتضمن إثباتا ونفيا، وإنما دعاء له ألا يبعد، ثم رجع إلى قوله: «بلى» إنه ليبعد من زار القبور، وما يدعى به غير واجب ولا ثابت، فكيف ينافى الإثبات الثانى!
ويمكن فى البيت وجه آخر، وهو أن يكون معنى: «لم يعف رسمها» أى لم يزد ويكثر فيظهر حتى يعرفه المترسّم؛ ويثبته المتأمل، بل هو خاف غير لائح ولا ظاهر. ثم قال من بعد:
* فهل عند رسم دارس من معوّل*
فلم يتناقض الأول؛ لأنه قد أثبت الدروس له فى كلا الموضعين. ولا شبهة فى أن «عفا» من حروف الأضداد التى تستعمل تارة فى الدروس، وأخرى فى الزيادة والكثرة؛ قال الله تعالى:
حَتَّى عَفَوْا؛ [الأعراف: ٩٥]؛ أى كثروا؛ ويقال: قد عفا الشّعر إذا كثر، وقال الشاعر:
стр. 863
ولكنّا نعضّ السّيف منها ... بأسوق عافيات اللّحم كوم
/ أراد كثيرات اللحم؛ يقال: قد عفا وبر البعير إذا زاد؛ ويقال: أعفيت الشعر وعفوته إذا كثرته وزدت فيه، وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله بأن تحفى الشوارب وتعفى اللّحى؛ أى توفر، وهذا الوجه عندى أشبه مما تقدم.
стр. 864
مجلس آخر ٦٨
تأويل آية [يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا. فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا. فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا؛ [مريم: ٢٨، ٢٩].
فقال: من هارون الّذي نسبت مريم إلى أنها أخته؟ ومعلوم أنها لم تكن أختا لهارون أخى موسى. وما معنى مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا، ولفظة «كان» تدلّ على ما مضى (١) وعيسى ﵇ فى حال قولهم ذلك كان فى المهد؟
الجواب، قلنا: هارون الّذي نسبت إليه مريم قد قيل فيه أقوال:
منها أن هارون المذكور كان رجلا فاسقا مشهورا بالعهر والشرّ وفساد الطريقة، فلما أنكروا ما جاءت به من الولد، وظنوا بها ما هي مبرأة منه نسبوها إلى هذا الرجل تشبيها وتمثيلا؛ وكان تقدير الكلام: يا شبيهة هارون فى فسقه وقبيح فعله؛ وهذا القول يروى عن سعيد بن جبير.
ومنها أن هارون هذا كان أخاها لأبيها دون أمّها؛ وقيل إنه كان أخاها لأبيها وأمها، وكان رجلا معروفا بالصلاح وحسن الطريقة والعبادة والتألّه.
وقيل: إنه لم يكن أخاها على الحقيقة؛ بل كان رجلا صالحا من قومها، وإنه لما مات شيّع جنازته أربعون ألفا، كلّهم يسمّى هارون، من بنى إسرائيل، فلما أنكروا ما ظهر من أمرها قالوا لها: يا أُخْتَ هارُونَ؛ أى يا شبيهته فى الصلاح، ما كان هذا معروفا منك، ولا كان ووالدك ممن يفعل القبيح، ولا تتطرّق عليه الرّيب!
стр. 865
وعلى قول من قال إنه كان أخاها يكون معنى قولهم: إنك من أهل بيت الصلاح والسداد؛ لأن أباك لم يكن امرأ سوء، ولا كانت أمك بغيّا، وأنت مع ذلك أخت هارون المعروف بالصلاح والعفة، فكيف أتيت بما لا يشبه نسبك، ولا يعرف من مثلك!
ويقوّى هذا القول ما رواه المغيرة بن شعبة قال: لما أرسلنى/ رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أهل نجران قال لى أهلها: أليس نبيّكم يزعم أن هارون أخو موسى، وقد علم الله ما كان بين موسى وعيسى من السنين! فلم أدر ما أردّ عليهم حتى رجعت إلى النبي صلى الله عليه وآله فذكرت ذلك فقال لى: «فهلّا قلت إنهم كانوا يدعون بأنبيائهم والصالحين قبلهم»!
ومنها أن يكون معنى قوله: يا أُخْتَ هارُونَ يا من هى من نسل هارون أخى موسى؛ كما يقال للرجل: يا أخا بنى تميم، ويا أخا بنى فلان.
وذكر مقاتل بن سليمان فى قوله تعالى: يا أُخْتَ هارُونَ [قال: روى عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: «هارون الّذي ذكروه هو هارون أخو موسى ﵉».
قال مقاتل: تأويل] (١) يا أُخْتَ هارُونَ يا من هى من نسل هارون، كما قال تعالى:
وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً؛ [الأعراف: ٦٥]، وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً؛ [الأعراف: ٧٣] يعنى بأخيهم أنه من نسلهم وجنسهم.
وكلّ قول من هذه الأقوال قد اختاره قوم من المفسرين.
فأما قوله تعالى: مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا فهو كلام مبنىّ على الشرط والجزاء، مقصود به إليهما؛ والمعنى: من يكن فى المهد صبيا، فكيف نكلّمه! ووضع فى ظاهر اللفظ الماضى موضع المستقبل، لأن الشارط لا يشرط إلا فيما يستقبل، فيقول القائل: إن زرتنى زرتك؛ يريد إن تزرنى أزرك؛ قال الله تعالى: إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ؛ ؛
[الفرقان: ١٠] يعنى إن يشأ يجعل.
стр. 866
وقال قطرب: معنى كانَ هاهنا معنى صار؛ فكأن المعنى: وكيف نكلّم من صار فى المهد صبيا، ويشهد بذلك قول زهير:
أجزت إليه حرّة أرحبيّة ... وقد كان لون اللّيل مثل الأرندج (١)
وقال غيره: كانَ هاهنا بمعنى خلق ووجد؛ كما قالت العرب: كان الحرّ، وكان البرد؛ أى وجدا وحدثا.
وقال قوم: لفظة كانَ وإن أريد بها الماضى فقد يراد بها الحال والاستقبال؛ كقوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ؛ [آل عمران: ١١٠]، أى أنتم كذلك، وقوله تعالى: هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا [الإسراء: ٧٣] وقوله تعالى: وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً؛ [النساء: ١٧]؛ وإن كان قد قيل فى هذه الآية الأخيرة غير هذا؛ قيل إن القوم شاهدوا من آثار علمه وحكمته تعالى ما شاهدوا، فأخبرهم أنه لم يزل عليما حكيما، أى فلا تظنّوا أنه استفاد علما وحكمة لم يكن عليهما.
ومما يقوى مذهب/ من وضع لفظة الماضى فى موضع الحال والاستقبال قوله تعالى:
وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ [المائدة: ١١٠]، وقوله تعالى: وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ؛ [الأعراف: ٤٤]؛ وقولهم فى الدعاء: غفر الله لك، وأطال بقاءك! وما جرى مجرى ذلك.
ومعنى الكلّ يفعل الله ذلك بك؛ إلّا أنه لما أمن اللبس وضع لفظ الماضى فى موضع المستقبل، قال الشاعر:
стр. 867
فأدركت من قد كان قبلى ولم أدع ... لمن كان بعدى فى القصائد مصعدا (١)
أراد لمن يكون بعدى.
ومما جعلوا فيه المستقبل فى موضع الماضى قول الصّلتان العبدىّ يرثى المغيرة بن المهلّب (٢):
قل للقوافل والغزاة (٣) إذا غزوا ... والباكرين وللمجدّ الرّائح
إنّ الشّجاعة والسّماحة ضمّنا ... قبرا بمرو على الطّريق الواضح
فإذا مررت بقبره فاعقر به ... كوم الجلاد وكلّ طرف سابح (٤)
وانضح جوانب قبره بدمائها ... فلقد يكون أخا دم وذبائح
معناه: «فلقد كان كذلك».
стр. 868
تأويل خبر [«لا عدوى ولا هامة ولا طيرة»]
إن سأل سائل فقال: كيف يطابق ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال:
«لا عدوى ولا هامة ولا طيرة» وأنه قيل له: إن النّقبة (١) تقع بمشفر البعير فتجرب لذلك الإبل، فقال ﵇:
«فما أعدى الأول؟ » لما روى عنه ﵇ من قوله: «لا يوردنّ ذو عاهة على مصحّ»، وقوله: «فرّ من المجذوم فرارك من الأسد»، وأن رجلا مجذوما أتاه ليبايعه بيعة الإسلام فأرسل إليه بالبيعة، وأمره بالانصراف، ولم يأذن له ﵇، وروى عنه ﵇ أنه قال: «الشؤم فى المرأة والدار والدّابة»؛ وظواهر هذه الأخبار متنافية متناقضة فبيّنوا وجه الجمع بينها.
الجواب، قلنا: إن ابن قتيبة قد سأل نفسه عن اختلاف هذه الأخبار، وأجاب عن ذلك بما نذكره على وجهه، ونذكر ما عندنا فيه، فإنه خلّط/ وأتى بما ليس بمرضىّ.
قال: " إنّ لكلّ (٢) من هذه الأخبار معنى وموضعا؛ فإذا وضع موضعه زال الاختلاف".
قال: " وللعدوى معنيان:
أحدهما عدوى الجذام، وإنّ المجذوم تشتد رائحته حتى تسقم فى الحال مجالسيه ومؤاكليه، وكذلك المرأة تكون تحت المجذوم فتضاجعه فى شعار واحد، فيوصل إليها الأذى؛ وربما جذمت، وكذلك ولده ينزعون فى الكبر إليه، وكذلك من كان به سلّ ودقّ (٣)، والأطباء تأمر بألّا يجالس المسلول والمجذوم؛ ولا يريدون بذلك معنى العدوى؛ وإنما يريدون بذلك تغيّر الرائحة، وأنها قد يسقم فى الحال اشتمامها. والأطباء أبعد الناس من الإيمان بيمن أو شؤم، وكذلك النّقبة تكون بالبعير وهو جرب رطب، فإذا خالط الإبل وحاكّها أوصل إليها بالماء الّذي يسيل منه نحوا مما به؛ فهذا هو المعنى الّذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله:
«لا يوردنّ ذو عاهة على مصحّ» ".
стр. 869
قال: " وقد ذهب قوم إلى أنه أراد بذلك ألّا يظن أنّ الّذي نال إبله من ذوات العاهة، فيأثم."
قال: " وليس لهذا عندى وجه؛ لأنا نجد الّذي خبرتك به عيانا» ".
قال: " وأما الجنس الآخر من العدوى فهو الطاعون ينزل ببلد فيخرج منه خوفا من الطاعون، وحكى عن الأصمعىّ عن بعض البصريين أنه هرب من الطاعون، فركب حمارا ومضى بأهله نحو سفوان (١)، فسمع حاديا يحدو خلفه،
وهو يقول:
لن يسبق الله على حمار ... ولا على ذى ميعة مطار (٢)
أو يأتى الحقّ (٣) على مقدار ... قد يصبح الله أمام السّارى
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «إذا كان بالبلد الّذي أنتم فيه فلا تخرجوا منه».
وقال أيضا: «إذا كان ببلد فلا تدخلوه»؛ يريد بقوله: «لا تخرجوا» من البلد إذا كان فيه.
كأنكم تظنون أن الفرار من قدر الله تعالى ينجيكم؛ ويريد بقوله: «إذا كان ببلد فلا تدخلوه» إن مقامكم بالموضع الّذي لا طاعون فيه أسكن لأنفسكم، وأطيب لعيشكم/". قال: " ومن ذلك المرأة تعرف بالشؤم، والدار، فينال الرجل مكروها أو جائحة فيقول: أعدتنى بشؤمها» ".
قال: " فهذا الّذي قال فيه ﵇: «لا عدوى» ".
" فأما الحديث الّذي رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: «الشؤم فى المرأة والدار والدابّة» فإن هذا يتوهّم فيه الغلط على أبى هريرة، وأنه سمع من النبي صلى الله عليه وآله شيئا فلم يعه."
وروى ابن قتيبة خبرا ورفعه إلى أبى حسّان الأعرج أنّ رجلين دخلا على عائشة فقالا: إن أبا هريرة يحدّث عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: «إنما الطّيرة فى المرأة والدار والدابة»، فطارت
стр. 870
شققا (١) فقالت: كذب والّذي أنزل القرآن على أبى القاسم، من حدث بهذا عن رسول الله صلى الله عليه وآله! وإنما قال رسول الله: «كان أهل الجاهلية يقولون: إن الطيرة فى المرأة والدار والدابة»، ثم قرأت: ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها؛ [الحديد: ٢٢].
وروى خبرا يرفعه إلى أنس بن مالك قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال:
يا رسول الله إنا نزلنا دارا فكثر فيها عددنا، وكثر بها أموالنا، ثم تحولنا منها إلى أخرى، فقلّت فيها أموالنا، وقلّ عددنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: «ذروها فهى ذميمة».
قال ابن قتيبة: " وهذا ليس ينقض الحديث الأول؛ وإنما أمرهم بالتحوّل منها؛ لأنهم كانوا مقيمين فيها على استثقال
ظلّها، واستيحاش لما نالهم فيها، فأمرهم بالتحوّل منها، وقد جعل الله فى غرائز الناس وتركيبهم استثقال ما نالهم السوء فيه؛ وإن كان لا سبب لهم فى ذلك؛ وحب من جرى على يده الخير لهم وإن لم يردهم به، وبغض من جرى على يده الشر لهم وإن لم يردهم به.
قال سيدنا أدام الله علوه: ما وجدنا ابن قتيبة عمل شيئا أكثر من أنه لما أعجزه تأويل الأخبار التى سأل نفسه عنها، والمطابقة بينها وبين قوله ﵇: «لا عدوى ولا طيرة» ادّعى الخصوص فيما ظاهره العموم، وخصّ العدوى بشيء دون آخر؛ وكلاهما سواء، وأورد تأويلا/ يدفعه نص قول النبي صلى الله عليه وآله؛ لأنه ﵇ لما سئل عن النّقبة تقع بمشفر البعير فتجرب لذلك الإبل قال ﵇: «فما أعدى الأول؟ » تكذيبا بعدوى هذه النّقبة وتأثيرها، فاطّرح ابن قتيبة ذلك، وزعم أن الجرب يعدى ويؤثر فى المخالط والمؤاكل، وعوّل فى ذلك على قول الأطباء، وترك قول الرسول صلى الله عليه وآله.
ومن طريف أمره أنه قال: " إن الأطباء ينهون عن مجالسة المسلول والمجذوم؛ ولا يريدون
стр. 871
بذلك معنى العدوى، وإنما يريدون تغيّر الرائحة؛ وأنها تسقم من أدمن اشتمامها". وهذا غلط لأن الأطباء إنما تنهى عن ذلك خوفا من العدوى، وسبب العدوى عندهم هو اشتمام الرائحة، وانفصال أجزاء من السقيم إلى الصحيح، وليس إذا كان غير هذا عدوى عند قوم ما يوجب ألّا يكون هذا أيضا من العدوى.
ولما حكى عن غيره تأويلا صحيحا فى قوله ﵇. «لا يوردنّ ذو عاهة على مصحّ» ادّعى أن العيان يدفع، وأىّ عيان معه! ونحن نجد كثيرا ممن يخالط الجربى فلا يجرب، ونجد إبلا صحاحا تخالط ذوات العاهات فلا يصيبها شيء من أدوائها؛ فكأنه إنما يدّعى أن العيان يدفع قول النبي صلى الله عليه وآله: «فما أعدى الأول»؟
والوجه عندنا فى قول النبي ﵇: «لا يوردنّ ذو عاهة على مصحّ» أنه ﵇ إنما نهى عن ذلك؛ وإن لم يكن مؤثرا على الحقيقة؛ لأنّ فاعله كالمدخل الضرر على غيره؛ لأنّ من اعتقد أن ذلك يعدى ويؤثر فأورد على إبله؛ فلا بدّ من أن يلحقه لما تقدم من اعتقاده ضرر وغمّ، ولا بدّ من أن يذم من عامله بذلك؛ فكأنه ﵇ نهى عن أذى الناس والتعرّض لذمهم.
وقد يجوز أيضا فيه ما حكاه ابن قتيبة عن غيره مما لم يرتضه من أنهم متى ظنوا ذلك اثموا فنهى ﵇ عن التعرض لما يؤثم.
ولو نقل ابن قتيبة ما قاله ﵇ فى الطاعون: «إذا كان ببلد فلا تدخلوه»، وأمره لمن شكا إليه ما لحقه فى الدار بالتحوّل عنها إلى هاهنا لكان قد أصاب، لأنه حمل ذلك على أن تجنّب البلد أسكن للنفس وأطيب للعيش؛ / وكذلك الدار، وهذا يمكن فى قوله ﵇:
«لا يوردنّ ذو عاهة على مصحّ» بعينه.
فأما قوله ﵇: «فرّ من المجذوم فرارك من الأسد»، فليس فيه أنّ ذلك لأجل العدوى؛ وقد يمكن أن يكون لأجل نتن ريحه واستقذاره، ونفور النفس عنه، وأن ذلك ربما دعا إلى تعييره والإزراء عليه. وامتناعه ﵇ من إدخال المجذوم عليه ليبايعه
стр. 872
يجوز أن يكون الغرض فيه غير العدوى؛ بل بعض الأسباب المانعة التى ذكرنا بعضها.
وأما حديث الطاعون والقول فيه على ما قاله؛ فقد كان سبيله لما عوّل فى عدوى الجذام والجرب على قول الأطباء أن يرجع أيضا إلى أقوالهم فى الطاعون؛ لأنهم يزعمون أنّ الطاعون الّذي يعرض من تغير الأهوية وما جرى مجراها يعدى كعدوى الجرب والجذام، والعيان الّذي ادعاه ليس هو أكثر من وجود من يجرب أو يجذم لمخالطة من كان بهذه الصفة.
وهذا العيان موجود فى الطاعون؛ فإنا نرى عمومه لمن يسكن البلد الّذي يكون فيه، ويطرأ إليه.
فأما الخبر الّذي يتضمّن أن الشؤم فى المرأة والدار والدابة، فالّذى ذكره من الرواية فى معناه يزيل الشبهة به؛ على أنه لو لم يكن هاهنا رواية فى تأويله جاز أن يحمل على أن الّذي يتطير به المتطيّرون، ويدّعون أن الشؤم فيه هو المرأة، والدار، والدابة؛ ولا يكون ذلك إثباتا للطّيرة والشؤم فى هذه الأشياء؛ بل على طريق الإخبار بأنّ الطّيرة الثابتة إنما هى فيها لقوّة أمرها عند أصحاب الطّيرة وما ذكره بعد ذلك فى الدار؛ وأمره ﵇ بانتقاله عنها تأويل قريب؛ وكان يجب أن يهتدى إليه فيما تقدم. وما التوفيق إلا من عند الله.
стр. 873
مجلس آخر ٦٩
تأويل آية [وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ]
إن سأل سائل عن تأويل قوله تعالى: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ؛ [الشورى: ٥١].
فقال: أوليس ظاهر هذا الكلام يقتضي جواز الحجاب عليه وأنتم تمنعون من ذلك!
الجواب، / قلنا: ليس فى الآية أكثر من ذكر الحجاب، وليس فيها أنه حجاب له تعالى أو لمحلّ كلامه أو لمن يكلّمه. وإذا لم يكن فى الظاهر شيء من ذلك جاز صرف الحجاب إلى غيره ؛ مما يجوز أن يكون محجوبا. وقد يجوز أن يريد تعالى بقوله:
أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أنه يفعل كلاما فى جسم محتجب على المكلّم، غير معلوم له على سبيل التفصيل، فيسمع المخاطب الكلام ولا يعرف محلّه على طريق التفصيل، فيقال على هذا: هو مكلّم من وراء حجاب.
وروى عن مجاهد فى قوله تعالى: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً قال: هو داود أوحى فى صدره فزبر الزّبور، أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ وهو موسى، أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا وهو جبريل إلى محمد صلى الله عليه وآله.
فأما الجبّائىّ فإنه ذكر أنّ المراد بالآية: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلا مثل ما يكلّم به عباده من الأمر بطاعته، والنهى لهم عن معاصيه، وتنبيهه إيّاهم على ذلك من جهة الخاطر أو المنام، وما أشبه ذلك على سبيل الوحى.
قال: وإنما سمى الله تعالى ذلك وحيا لأنه خاطر وتنبيه، وليس هو كلاما لهم على سبيل الإفصاح، كما يفصح الرجل منّا لصاحبه إذا خاطبه. والوحى فى اللغة إنما هو ما جرى مجرى الإيماء والتنبيه على شيء من غير أن يفصح به؛ فهذا هو معنى ما ذكره الله تعالى فى الآية.
стр. 874
قال: وعنى بقوله: أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أن يحجب ذلك الكلام عن جميع خلقه، إلا من يريد أن يكلّمه به؛ نحو كلامه تعالى لموسى ﵇، لانه حجب ذلك عن جميع الخلق إلا موسى ﵇ وحده فى كلامه إياه أولا. فأما كلامه إياه فى المرة الثانية فإنه إنما أسمع ذلك موسى والسبعين الذين كانوا معه، وحجب (١) عن جميع الخلق سواهم. فهذا معنى قوله :
أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ، لأن الكلام هو الّذي كان محجوبا عن الناس.
وقد يقال: إنه تعالى حجب عنهم موضع الكلام الّذي أقام الكلام فيه؛ فلم يكونوا يدرون من أين يسمعونه؛ لأنّ الكلام عرض لا يقوم إلا فى جسم.
ولا يجوز أن يكون أراد بقوله: أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أنّ الله تعالى كان مِنْ وَراءِ حِجابٍ/ يكلّم عباده؛ لأن الحجاب لا يجوز إلّا على الأجسام المحدودة.
قال: وعنى بقوله: أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إرساله ملائكته بكتبه وبكلامه إلى أنبيائه ﵈، ليبلّغوا عنه ذلك عباده على سبيل إنزاله القرآن على محمد صلى الله عليه وآله، وإنزاله سائر الكتب على أنبيائه.
فهذا أيضا ضرب من الكلام الّذي يكلّم الله تعالى عباده ويأمرهم فيه بطاعته، وينهاهم عن معاصيه؛ من غير أن يكلّمهم على سبيل ما كلم به موسى، وهذا الكلام هو خلاف الوحى الّذي ذكره (٢) الله تعالى فى أول الآية لأنه قد أفصح لهم فى هذا الكلام بما أمرهم به ونهاهم عنه.
والوحى الّذي ذكره تعالى فى أول الآية إنّما هو تنبيه وخاطر، وليس فيه إفصاح.
وهذا الّذي ذكره أبو عليّ أيضا سديد، والكلام محتمل لما ذكره.
ويمكن فى الآية وجه آخر، وهو أن يكون المراد بالحجاب البعد والخفاء، ونفى الظهور. وقد تستعمل العرب لفظة «الحجاب» فيما ذكرناه؛ يقول أحدهم لغيره إذا استبعد فهمه، واستبطأ فطنته: بينى وبينك حجاب، وتقول للأمر الّذي تستبعده وتستصعب طريقه: بينى وبين هذا الأمر حجب وموانع وسواتر؛ وما جرى مجرى ذلك؛ فيكون
стр. 875
معنى الآية: أنّه تعالى لا يكلّم البشر إلّا وحيا؛ بأن يخطر فى قلوبهم، أو بأن ينصب لهم أدلة تدلّهم على ما يريده أو يكرهه منهم؛ فيكون من حيث نصبها للدلالة على ذلك والإرشاد إليه مخاطبا ومكلّما (١) للعباد بما يدلّ عليه. وجعل هذا الخطاب من وراء حجاب من حيث لم يكن مسموعا- كما يسمع الخاطر وقول الرسول- ولا ظاهرا معلوما لكل من أدركه؛ كما أن أقوال الرسل المؤدّين عنه تعالى من الملائكة بهذه الصفة. فصار الحجاب هاهنا كناية عن الخفاء وعبارة عمّا تدلّ عليه الدلالة. وليس لأحد أن يقول: إنّ الّذي تدلّ عليه الأجسام من صفاته تعالى وأحواله ومراده. ولا يقال: إنّه تعالى مكلّم لنا به؛ وذلك أنه غير ممتنع على سبيل التجوّز (٢) أن يقال فيما يدلّ عليه الدليل الّذي نصبه الله تعالى ليدل على مراده، ويرشد إليه: إنه مكلّم لنا ومخاطب به؛ / ولا يمتنع المسلمون أن يقولوا: إنه تعالى خاطبنا بما دلّت عليه الأدلة العقلية، وأمرنا بعبادته واجتناب ما كرهه منا، وفعل ما أراده، وهكذا يقولون فيمن فعل فعلا يدل على أمر من الأمور:
قد خاطبنا فلان بما فعل من كذا وكذا، وقال لنا، وأمرنا؛ وزجرنا، وما أشبه ذلك من الألفاظ التى يجرونها على الكلام الحقيقى. وهذا الاستعمال أكثر وأظهر من أن يورد أمثلته ونظائره.
*** قال سيدنا أدام الله تمكينه: ومن مستحسن ما قيل فى الذئب قول أسماء بن خارجة ابن حصن الفزارىّ:
ولقد ألمّ بنا لنقريه ... بادى الشّقاء محارف الكسب (٣)
يدعو الغنى أن نال علقته ... من مطعم غبّا إلى غبّ
стр. 876
وطوى ثميلته وألحقها ... بالصّلب بعد لدونة الصّلب
يا ضلّ سعيك ما صنعت بما ... جمّعت من شبّ إلى دبّ!
لو كنت ذا لبّ تعيش به ... لفعلت فعل المرء ذى اللّبّ
وجمعت صالح ما احترفت وما ... جمّمت من نهب إلى نهب
وأظنّه شغبا تدلّ به ... فلقد منيت بغاية الشّغب
أو كان غير مناصل نعصى بها ... مشحوذة وركائب الرّكب (١)
فاعمد إلى أهل الوقير فما ... يخشاك غير مقرمص الزّرب
أحسبتنا ممّن تطيف به ... فاخترتنا للأمن والخصب
وبغير معرفة ولا سبب ... أنّى، وشعبك ليس من شعبى
لمّا رأى أن ليس نافعه ... جدّ تهاون صادق الإرب
وألحّ إلحاحا لحاجته (٢) ... شكوى الضّرير ومزجر (٣) الكلب
بادى التّكلّح يشتكى سغبا ... وأنا ابن قاتل شدّة السّغب
/ فرأيت أن قد نلته بأذى ... من عذم (٤) مثلبة ومن سبّ
ورأيت حقّا أن أضيّفه ... إذ أمّ سلمى واتّقى حربى (٥)
فوقفت معتاما أزاولها ... بمهنّد ذى رونق عضب
فعرضته فى ساق أسمنها ... فاجتاز بين الحاذ والكعب
стр. 877
فتركته (١) لعياله جزرا ... عمدا وعلّق رحلها صحبى
ذكر ذئبا طرقه ليلا.
وقوله: «محارف الكسب» مثل ضربه، أى لا يبقى له نشب إلا شيء يكتسبه.
وقوله:
* يدعو الغنى أن نال علقته*
أى إن وجد ما يتعلّق به من مطعم.
غبّا: أى بين يومين، فذلك عنده الغنى.
والثّميلة: ما يبقى فى البطن من طعام أو علف، ومعنى طوى ثميلته: ذهب بها، وأراد أنه لم يبق فى بطنه ما يمسكه. واللدونة: اللين، واللدن: اللين، فأراد أنه ألحق بقية طعامه بصلبه بعد أن لان ما صلب منها.
ثم أقبل على الذئب كالعاذل له فقال: ما صنعت بما جمعت من شبّ إلى دبّ! وهذان اسمان للشباب والهرم لا يفردان ولا يلفظ بهما إلا هكذا، والمعنى فيهما: هو منذ كنت شابا حتى أن دببت على العصا، ثم قال: لو كنت ذا لبّ لجمعت ما تصيبه.
ومعنى «احترفت» اكتسبت. ومعنى «من نهب إلى نهب»؛ أى من عدوتك على الغنم إلى العدوة الأخرى.
ثم قال: إن كان تعرّضك لنا شغبا علينا فقد منيت بغاية الشّغب؛ أى هو ينافرك ويقاتلك، وليس هاهنا ما تغير عليه، وإنما معنا «مناصل» أى سيوف مشحوذة، وركائبنا التى نمتطيها؛ فاعمد إلى أهل الوقير، والوقير: القطيع من الغنم، ولا يسمّى ووقيرا إلا إذا كان فيه حمار؛ يقول: فعليك بمواضع الغنم فإنما يخشاك الراعى.
والمقرمص: الّذي يتخذ القرموصة، وأصله المكان الضيّق، وهو هاهنا
стр. 878
حفرة (١) يحتفرها الراعى فى الرمل فى شدة الحر للشاة الكريمة الصفيّة؛ حتى إذا بركت كان ضرعها فى القرموصة.
ومعنى «شعبك ليس من شعبى»، أى لست من جنسى ولا شكلى.
والإرب: الخديعة عند الحاجة
وشكوى الضرير: الّذي قد مسه الضرّ. ومزجر الكلب، أى هو قريب المكان بقدر مزجر الكلب إذا زجرته، أى إذا خسأته.
والسّغب: الجوع؛ وأراد/ بقوله:
* وأنا ابن قاتل شدة السّغب*
أى أنا ابن من كان يقرى ويطعم.
ثم رجع إلى كرمه فقال: ورأيت بعد ما سببته وعضضته بالأذى والعذم أن أضيفه وأقريه لأنه ضيف وإن كان ذئبا، فوقفت أنظر فى ركائبى وأختار أسمنها. والاعتيام: الاختيار؛ وأزاولها: ألابسها (٢). والحاذان: حدّا الفخذين اللذين يليان الذنب.
وخبّر أن رحل المطيّة التى عقرها علّقه بعض أصحابه على مطية أخرى.
*** وقال النجاشىّ (٣) يذكر ذئبا:
стр. 879
وماء كلون الغسل قد عاد آجنا ... قليل به الأصوات فى بلد محل (١)
وجدت عليه الذّئب يعوى كأنّه ... خليع خلا من كلّ مال ومن أهل (٢)
فقلت له: يا ذئب هل لك فى فتى ... يواسى بلا منّ عليك ولا بخل؟
فقال: هداك الله للرّشد! إنّما ... دعوت لما لم يأته سبع قبلى
فلست بآتيه ولا أستطيعه ... ولاك اسقنى إن كان ماؤك ذا فضل (٣)
فقلت: عليك الحوض إنّى تركته ... وفى صغوه فضل القلوص من السّجل (٤)
فطرّب يستعوى ذئابا كثيرة ... وعدّيت، كلّ من هواه على شغل (٥)
*** وروى أن الفرزدق نزل بالغريّين فعراه بأعلى ناره ذئب، فأبصره مقعيا يصيء ومع الفرزدق مسلوخة، فرمى إليه بيد فأكلها، فرمى إليه بما بقى فأكله؛ فلما شبع ولى عنه فقال:
وليلة بتنا بالغريّين ضافنا ... على الزّاد موشيّ الذّراعين أطلس (٦)
تلمّسنا حتى أتانا ولم يزل ... لدن فطمته أمّه يتلمّس
стр. 880
فلو أنّه إذ جاءنا كان دانيا ... لألبسته لو أنه يتلبّس (١)
ولكن تنحّى جنبة بعد ما دنا ... فكان كقاب القوس أو هو أنفس
فقاسمته نصفين بينى وبينه ... بقيّة زاد والرّكائب نعّس (٢)
وكان ابن ليلى إذ قرى الذّئب زاده ... على طارف الظّلماء لا يتعبّس (٣)
***/ ولابن عنقاء الفزارىّ، واسمه قيس بن بجرة- وقيل بجرة بالضم- الأبيات المشهورة فى الذئب:
وأعوج من آل الصّريح كأنّه ... بذى الشّثّ سيد آبه الليل جائع (٤)
بغى كسبه أطراف ليل كأنّه ... وليس به ظلع من الخمص ظالع
فلمّا أتاه (٥) الرّزق من كلّ وجهة ... جنوب الملا وآيسته المطامع (٦)
طوى نفسه طىّ الجرير كأنّه ... حوى حيّة فى ربوة، فهو هاجع (٧)
فلمّا أصابت متنه الشّمس حكّه ... بأعصل، فى أنيابه السّمّ ناقع (٨)