← Адаб

Адаб · id 20937

أمالي المرتضى غرر الفوائد ودرر القلائد (معتزلي)

الشريف المرتضى

Полный текст (1 078 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

وطوى ثميلته وألحقها ... بالصّلب بعد لدونة الصّلب يا ضلّ سعيك ما صنعت بما ... جمّعت من شبّ إلى دبّ! لو كنت ذا لبّ تعيش به ... لفعلت فعل المرء ذى اللّبّ وجمعت صالح ما احترفت وما ... جمّمت من نهب إلى نهب وأظنّه شغبا تدلّ به ... فلقد منيت بغاية الشّغب أو كان غير مناصل نعصى بها ... مشحوذة وركائب الرّكب (١) فاعمد إلى أهل الوقير فما ... يخشاك غير مقرمص الزّرب أحسبتنا ممّن تطيف به ... فاخترتنا للأمن والخصب وبغير معرفة ولا سبب ... أنّى، وشعبك ليس من شعبى لمّا رأى أن ليس نافعه ... جدّ تهاون صادق الإرب وألحّ إلحاحا لحاجته (٢) ... شكوى الضّرير ومزجر (٣) الكلب بادى التّكلّح يشتكى سغبا ... وأنا ابن قاتل شدّة السّغب / فرأيت أن قد نلته بأذى ... من عذم (٤) مثلبة ومن سبّ ورأيت حقّا أن أضيّفه ... إذ أمّ سلمى واتّقى حربى (٥) فوقفت معتاما أزاولها ... بمهنّد ذى رونق عضب فعرضته فى ساق أسمنها ... فاجتاز بين الحاذ والكعب

стр. 877

فتركته (١) لعياله جزرا ... عمدا وعلّق رحلها صحبى ذكر ذئبا طرقه ليلا. وقوله: «محارف الكسب» مثل ضربه، أى لا يبقى له نشب إلا شيء يكتسبه. وقوله: * يدعو الغنى أن نال علقته* أى إن وجد ما يتعلّق به من مطعم. غبّا: أى بين يومين، فذلك عنده الغنى. والثّميلة: ما يبقى فى البطن من طعام أو علف، ومعنى طوى ثميلته: ذهب بها، وأراد أنه لم يبق فى بطنه ما يمسكه. واللدونة: اللين، واللدن: اللين، فأراد أنه ألحق بقية طعامه بصلبه بعد أن لان ما صلب منها. ثم أقبل على الذئب كالعاذل له فقال: ما صنعت بما جمعت من شبّ إلى دبّ! وهذان اسمان للشباب والهرم لا يفردان ولا يلفظ بهما إلا هكذا، والمعنى فيهما: هو منذ كنت شابا حتى أن دببت على العصا، ثم قال: لو كنت ذا لبّ لجمعت ما تصيبه. ومعنى «احترفت» اكتسبت. ومعنى «من نهب إلى نهب»؛ أى من عدوتك على الغنم إلى العدوة الأخرى. ثم قال: إن كان تعرّضك لنا شغبا علينا فقد منيت بغاية الشّغب؛ أى هو ينافرك ويقاتلك، وليس هاهنا ما تغير عليه، وإنما معنا «مناصل» أى سيوف مشحوذة، وركائبنا التى نمتطيها؛ فاعمد إلى أهل الوقير، والوقير: القطيع من الغنم، ولا يسمّى ووقيرا إلا إذا كان فيه حمار؛ يقول: فعليك بمواضع الغنم فإنما يخشاك الراعى. والمقرمص: الّذي يتخذ القرموصة، وأصله المكان الضيّق، وهو هاهنا

стр. 878

حفرة (١) يحتفرها الراعى فى الرمل فى شدة الحر للشاة الكريمة الصفيّة؛ حتى إذا بركت كان ضرعها فى القرموصة. ومعنى «شعبك ليس من شعبى»، أى لست من جنسى ولا شكلى. والإرب: الخديعة عند الحاجة وشكوى الضرير: الّذي قد مسه الضرّ. ومزجر الكلب، أى هو قريب المكان بقدر مزجر الكلب إذا زجرته، أى إذا خسأته. والسّغب: الجوع؛ وأراد/ بقوله: * وأنا ابن قاتل شدة السّغب* أى أنا ابن من كان يقرى ويطعم. ثم رجع إلى كرمه فقال: ورأيت بعد ما سببته وعضضته بالأذى والعذم أن أضيفه وأقريه لأنه ضيف وإن كان ذئبا، فوقفت أنظر فى ركائبى وأختار أسمنها. والاعتيام: الاختيار؛ وأزاولها: ألابسها (٢). والحاذان: حدّا الفخذين اللذين يليان الذنب. وخبّر أن رحل المطيّة التى عقرها علّقه بعض أصحابه على مطية أخرى. *** وقال النجاشىّ (٣) يذكر ذئبا:

стр. 879

وماء كلون الغسل قد عاد آجنا ... قليل به الأصوات فى بلد محل (١) وجدت عليه الذّئب يعوى كأنّه ... خليع خلا من كلّ مال ومن أهل (٢) فقلت له: يا ذئب هل لك فى فتى ... يواسى بلا منّ عليك ولا بخل؟ فقال: هداك الله للرّشد! إنّما ... دعوت لما لم يأته سبع قبلى فلست بآتيه ولا أستطيعه ... ولاك اسقنى إن كان ماؤك ذا فضل (٣) فقلت: عليك الحوض إنّى تركته ... وفى صغوه فضل القلوص من السّجل (٤) فطرّب يستعوى ذئابا كثيرة ... وعدّيت، كلّ من هواه على شغل (٥) *** وروى أن الفرزدق نزل بالغريّين فعراه بأعلى ناره ذئب، فأبصره مقعيا يصيء ومع الفرزدق مسلوخة، فرمى إليه بيد فأكلها، فرمى إليه بما بقى فأكله؛ فلما شبع ولى عنه فقال: وليلة بتنا بالغريّين ضافنا ... على الزّاد موشيّ الذّراعين أطلس (٦) تلمّسنا حتى أتانا ولم يزل ... لدن فطمته أمّه يتلمّس

стр. 880

فلو أنّه إذ جاءنا كان دانيا ... لألبسته لو أنه يتلبّس (١) ولكن تنحّى جنبة بعد ما دنا ... فكان كقاب القوس أو هو أنفس فقاسمته نصفين بينى وبينه ... بقيّة زاد والرّكائب نعّس (٢) وكان ابن ليلى إذ قرى الذّئب زاده ... على طارف الظّلماء لا يتعبّس (٣) ***/ ولابن عنقاء الفزارىّ، واسمه قيس بن بجرة- وقيل بجرة بالضم- الأبيات المشهورة فى الذئب: وأعوج من آل الصّريح كأنّه ... بذى الشّثّ سيد آبه الليل جائع (٤) بغى كسبه أطراف ليل كأنّه ... وليس به ظلع من الخمص ظالع فلمّا أتاه (٥) الرّزق من كلّ وجهة ... جنوب الملا وآيسته المطامع (٦) طوى نفسه طىّ الجرير كأنّه ... حوى حيّة فى ربوة، فهو هاجع (٧) فلمّا أصابت متنه الشّمس حكّه ... بأعصل، فى أنيابه السّمّ ناقع (٨)

стр. 881

وفكّك لحييه فلمّا تعاديا ... صأى ثمّ أقعى، والبلاد بلاقع (١) وهمّ بأمر ثمّ أزمع غيره، ... وإن ضاق رزق مرّة فهو واسع وعارض أطراف الصّبا وكأنّه ... رجاع غدير هزّه الرّيح رائع (٢) ولآخر فى الذئب: فقلت: تعلّم أنّنى غير نائم ... إلى مستقلّ بالخيانة أنيبا بعيد المطاف لا يفيد على الغنى ... ولا يأتلى ما اسطاع إلّا تكسّبا معنى «أنيب» غليظ الناب. لا أنام إليه، أى لا أثق به، من ذلك استنمت إلى فلان أى اطمأننت إليه. ومعنى «لا يفيد على الغنى» أى لا يلتمس مطعما وهو شبعان. ولحميد بن ثور فى الذئب: فظلّ يراعى الجيش حتى تغيّبت ... حباش، وحالت دونهنّ الأجارع (٣) إذا ما غدا يوما رأيت غيابة (٤) ... من الطّير ينظرن الّذي هو صانع خفيف المعا إلّا مصيرا يبلّه ... دم الجوف أو سؤر من الحوض ناقع هو البعل الدّانى من النّاس كالذى ... له صحبة وهو العدوّ المنازع ينام بإحدى مقلتيه ويتّقى ... بأخرى المنايا، فهو يقظان هاجع / وصف ذئبا يتبع الجيش طمعا فى أن يتخلف رجل يثب عليه لأنه من بين السباع لا يرغب

стр. 882

فى القتلى، ولا يكاد يأكل إلا ما فرسه. وحباش (١): اسم هضبة. وقال بعضهم: وليس بمعروف أن حباش اسم من أسماء الشمس: وأخبر أن الطير تتبعه لتصيب مما يقتل. والمصير: المعا. والبعل: الدّهش.

стр. 883

مجلس آخر ٧٠ تأويل آية [وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً، فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ] إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً، فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ؛ [الأعراف: ١٤٣]. وقال: ما تنكرون أن تكون هذه الآية دالة على جواز الرؤية عليه ! لأنها لو لم تجز لم يجز أن يسألها موسى ﵇؛ كما لا يجوز أن يسأل اتخاذ الصاحبة والولد؛ ولو كانت أيضا الرؤية مستحيلة لم يعلّقها بأمر يصح أن يقع وهو استقرار الجبل. فإذا علمنا صحة استقرار الجبل فى موضعه فيجب أن تكون الرؤية أيضا صحيحة فى حكم ما علّقت به. وقوله تعالى: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ يقتضي جواز الحجاب عليه تعالى؛ لأن التجلّى والظهور لا يكونان إلا بعد احتجاب واستتار. الجواب، قلنا: أول ما نقوله إنه ليس فى مسألة الشيء دلالة على صحة وقوعه ولا جوازه؛ لأن السائل يسأل عن الصحيح والمحال، مع العلم وفقد العلم؛ لأغراض مختلفة؛ فلا دلالة فى ظاهر مسألة الرؤية على جوازها. ولأصحابنا عن هذه المسألة أجوبة: أوّلها وهو الأولى والأقوى- أن يكون موسى ﵇ لم يسأل الرؤية لنفسه؛ وإنما سألها لقومه، فقد روى أنهم طلبوا ذلك منه والتمسوه، فأجابهم بأنها لا تجوز عليه ﵎؛ فلم يقنعوا بجوابه، وآثروا أن يرد الجواب من قبل ربه تعالى، فوعدهم ذلك، وغلب فى ظنه أن الجواب إذ ورد من جهته جلّ وعزّ كان أحسم للشبهة؛ وأبلغ فى دفعها عنهم، فاختار السبعين الذين حضروا الميقات؛ / ليكون سؤاله

стр. 884

بمحضر منهم، فيعرفوا ما يرد من الجواب، فسأل وأجيب بما يدلّ على أن الرؤية لا تجوز عليه تعالى. ويقوّى هذا الجواب أشياء، منها قوله تعالى: يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً؛ [النساء: ١٥٣]. ومنها قوله تعالى: وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ؛ [البقرة: ٥٥]. ومنها قوله تعالى: فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا؛ [الأعراف: ١٥٥] لأن إضافة ذلك إلى السفهاء تدلّ على أنه كان بسببهم ومن أجلهم؛ وإنما سألوا ما لا يجوز عليه. ومنها ذكر الجهرة فى الرؤية، وهى لا تليق إلا برؤية البصر دون العلم؛ وهذا يقوّى أن الطلب لم يكن للعلم الضرورىّ، على ما سنذكره فى الجواب الثانى. ومنها قوله: أَنْظُرْ إِلَيْكَ لأنا إذا حملنا الآية على طلب الرؤية لقومه أمكن أن يحمل قوله: أَنْظُرْ إِلَيْكَ على حقيقته؛ فإذا حملت الآية على طلب العلم الضرورىّ احتيج إلى حذف فى الكلام، ويصير تقديره: أرنى أنظر إلى الآيات التى عندها أعرفك ضرورة. ويمكن فى هذا الوجه الأخير خاصة أن يقال: إذا كان المذهب الصحيح عندكم هو أنّ النظر فى الحقيقة غير الرؤية، فكيف يكون قوله: أَنْظُرْ إِلَيْكَ حقيقة فى جواب من حمل الآية على طلب الرؤية لقومه؟ فإن قلتم: لا يمتنع أن يكونوا التمسوا الرؤية التى معها يكون النظر والتحديق إلى الجهة، فسأل على حسب ما التمسوا. قيل لكم: هذا ينقض فرقكم فى هذا الجواب بين سؤال الرؤية، وبين سؤال جميع

стр. 885

ما يستحيل عليه من الصاحبة والولد؛ وما يقتضي الجسمية بأن تقولوا: الشك فى الرؤية لا يمنع من صحة معرفة السمع، والشك فى جميع ما ذكر يمنع من ذلك؛ لأن الشكّ الّذي لا يمنع من معرفة السمع إنما هو فى الرؤية التى لا يكون معها نظر، ولا تقتضى التشبيه. فإن قلتم: يحمل/ ذكر النّظر على أن المراد به نفس الرؤية على سبيل المجاز؛ لأنّ من عادة العرب أن يسمّوا الشيء باسم الطريق إليه، وما قاربه وداناه. قلنا: فكأنّكم عدلتم من مجاز إلى مجاز؛ فلا قوة فى هذا الوجه؛ والوجوه التى ذكرناها فى تقوية هذا الجواب المتقدمة أولى. وليس لأحد أن يقول: لو كان ﵇ إنما سأله الرؤية لقومه لم يضف السؤال إلى نفسه فيقول: أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ولا كان الجواب مختصا به؛ وهو قوله تعالى: لَنْ تَرانِي، وذلك لأنه غير ممتنع وقوع الإضافة على هذا الوجه؛ مع أن المسألة كانت من أجل الغير؛ إذا كانت هناك دلالة تؤمن من اللبس وتزيل الشبهة. فلهذا يقول أحدنا إذا شفع فى حاجة غيره للمشفوع له: أسألك أن تفعل بى كذا، وتجيبنى إلى كذا. ويحسن أن يقول المشفوع إليه: قد أجبتك وشفّعتك (١)، وما جرى مجرى ذلك؛ وإنما حسن هذا لأن للسائل فى المسألة غرضا (٢)، وإن رجعت إلى الغير فتحقّقه بها وتكلّفه كتكلّفه إذا اختصه ولم يتعدّه. فإن قيل؛ كيف يجوز منه ﵇ مع علمه باستحالة الرؤية عليه تعالى أن يسأل فيها لقومه! ولئن جاز ذلك ليجوزنّ أن يسأل لقومه سائر ما يستحيل عليه من كونه جسما، وما أشبهه متى شكّوا فيه. قلنا: إنما صحّ ما ذكرناه فى الرؤية ولم يصحّ فيما سألت عنه؛ لأن مع الشك فى جواز الرؤية التى لا تقتضى كونه جسما يمكن معرفة السمع، وأنه حكيم صادق فى أخباره، فيصح

стр. 886

أن يعرفوا بالجواب الوارد من جهته تعالى استحالة ما شكّوا فى صحته وجوازه؛ ومع الشك فى كونه جسما لا يصحّ معرفة السمع، فلا يقع بجوابه انتفاع ولا علم. وقد قال بعض من تكلم فى هذه الآية: قد كان جائزا أن يسأل موسى ﵇ لقومه ما يعلم استحالته؛ وإن كانت دلالة السمع لا تثبت قبل معرفته؛ متى كان المعلوم أن فى ذلك صلاحا للمكلّفين فى الدين، وإنّ ورود الجواب يكون لطفا لهم فى النظر فى الأدلة، وإصابة الحق منها؛ غير/ أن من أجاب بذلك شرط أن يتبين النبي ﵇ فى مسألته علمه باستحالة ما سأل عنه، وأن غرضه فى السؤال ورود الجواب ليكون لطفا. والجواب الثانى فى الآية أن يكون موسى ﵇ إنما سأل ربّه أن يعلمه نفسه ضرورة بإظهار بعض أعلام الآخرة، التى تضطرّ إلى المعرفة، فتزول عنه الدواعى والشكوك والشبهات، ويستغنى عن الاستدلال، فتخفّ المحنة عليه بذلك؛ كما سأل إبراهيم ﵇ ربه تعالى أن يريه كيف يحيى الموتى طلبا لتخفيف المحنة، وإن كان قد عرف ذلك قبل أن يراه؛ والسؤال إن وقع بلفظ الرؤية فإن الرؤية تفيد العلم كما تفيد الإدراك بالبصر، وذلك أظهر من أن يستدل عليه أو يستشهد عليه؛ فقال له جل وعز: لَنْ تَرانِي أى لن تعلمنى على هذا الوجه الّذي التمسته منى، ثم أكّد ذلك بأن أظهر فى الجبل من آياته وعجائبه ما دلّ به على أنّ إظهار ما تقع به المعرفة الضرورية فى الدنيا مع التكليف وبيانه لا يجوز، وأن الحكمة تمنع منه. والوجه الأول أولى لما ذكرناه من الوجوه؛ ولأنه لا يخلو موسى ﵇ من أن يكون شاكّا فى أنّ المعرفة الضرورية لا يصح دخولها (١) فى الدنيا أو عالما بذلك. فإن كان شاكا فهذا مما لا يجوز على النبي ﵇؛ لأن الشكّ فيما يرجع إلى أصول الديانات وقواعد التكليف لا يجوز عليهم، ولا سيما أن يعلم الله ذلك على حقيقتهم بعض أمتهم، فيزيد عليهم فى المعرفة؛ وهذا أبلغ فى التنفير عنهم من كل شيء يمنع (٢) منه فيهم. وإن كان عالما فلا وجه لسؤاله إلا أن

стр. 887

يقال: إنه سال لقومه، فيعود إلى معنى الجواب الأول. والجواب الثالث فى الآية ما حكى عن بعض من تكلم فى هذه الآية من أهل التوحيد وهو أن قال: يجوز أن يكون موسى ﵇/ فى وقت مسألته ذلك كان شاكا فى جواز الرؤية على الله تعالى؛ فسأل عن ذلك ليعلم هل يجوز عليه أم لا. قال: وليس شكّه فى ذلك بمانع من أن يعرف الله تعالى بصفاته، بل يجرى مجرى شكّه فى جواز الرؤية على بعض ما لا يرى من الأعراض فى أنه غير مخلّ بما يحتاج إليه فى معرفته تعالى؛ فلا يمتنع أن يكون غلطه فى ذلك ذنبا صغيرا أو تكون التوبة الواقعة منه لأجل ذلك. وهذا الجواب يبعد من قبل أن الشك فى جواز الرؤية التى لا تقتضى تشبيها، وإن كان لا يمنع من معرفته تعالى بصفاته فإن الشكّ فى ذلك لا يجوز على الأنبياء من حيث يجوز من بعض من بعثوا إليه أن يعرف ذلك على حقيقته، فيكون النبىّ شاكا فيه وغيره عارفا به؛ مع رجوعه إلى المعرفة بالله تعالى، وما يجوز علينا فلا يجوز عليهم، وهذا أقوى فى التنفير وأزيد على كل ما يوجب أن يجنّبه الأنبياء. فإن قيل: ففى (١) أىّ شيء كانت توبة موسى ﵇ على الجوابين المتقدمين؟ . قلنا: اما من ذهب إلى أن المسألة كانت لقومه فإنه يقول: إنما تاب لأنه أقدم على أن سأل على لسان قومه ما لم يؤذن له فيه؛ وليس للأنبياء ذلك؛ لأنه لا يؤمن أن يكون الصلاح فى المنع منه، فيكون ترك إجابتهم إليه منفّرا عنهم. ومن ذهب إلى أنه سأل المعرفة الضرورية يقول: إنه تاب من حيث سأل معرفة لا يقتضيها التكليف. وعلى جميع الأحوال تكون التوبة من ذنب صغير لا يستحق عليه العقاب ولا الذم. والأولى أن يقال فى توبته ﵇: إنه ليس فى الآية ما يقتضي أن تكون التوبة وقعت من المسألة أو من أمر يرجع إليها؛ وقد يجوز أن يكون سأل ذلك؛ إما لذنب صغير تقدم

стр. 888

تلك الحال، أو تقدم النبوة فلا ترجع إلى المسألة. وقد يجوز أن يكون ما أظهره من التوبة على سبيل الرجوع إلى الله تعالى؛ وإظهار الانقطاع إليه، والتقرب منه، وإن لم يكن هناك ذنب معروف. وقد يجوز أن يكون الغرض فى ذلك مضافا إلى ما قلناه تعليما وتوفيقا على ما نستعمله وندعو به عند الشدائد ونزول الأهوال، وتنبيه القوم المخطئين خاصة على التوبة مما التمسوه من الرؤية/ المستحيلة عليه تعالى؛ فإن الأنبياء، وإن لم يقع منهم القبيح عندنا فقد يقع من غيرهم؛ ويحتاج من وقع ذلك منه إلى التوبة والاستقالة. فأما قوله تعالى: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ فإن التجلّى هاهنا التعريف والإعلام والإظهار لما تقتضى المعرفة، كقولهم: هذا كلام جلىّ أى واضح، وكقول الشاعر: تجلّى لنا بالمشرفيّة والقنا ... وقد كان عن وقع الأسنّة نائيا أراد أن تدبيره دل عليه حتى علم أنه المدبّر له وإن كان نائيا عن وقع الأسنة، فأقام ما ظهر من دلالة فعله مقام مشاهدته، وعبر عنه بأنه تجلّى منه. وفى قوله: لِلْجَبَلِ وجهان: أحدهما أن يكون لأهل الجبل، ومن كان عند الجبل، فحذف؛ كما قال تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢]؛ فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ؛ [الدخان: ٢٩]؛ وقد علمنا أنه بما أظهره من الآيات إنما دلّ من كان عند الجبل على أن رؤيته تعالى غير جائزة. والوجه الآخر أن يكون معنى لِلْجَبَلِ أى بالجبل، فأقام اللام مقام الباء؛ كما قال تعالى: آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ؛ [الأعراف: ١٢٣]؛ أى به؛ وكما يقولون: أخذتك لجرمك وبجرمك.

стр. 889

ولما كانت الآية الدالة على منع ما سئل فيه إنما حلّت الجبل وظهرت فيه جاز أن يضاف التجلى إليه. وقد استدل بهذه الآية كثير من العلماء الموحّدين على أنه تعالى لا يرى بالأبصار من حيث نفى الرؤية نفيا عاما بقوله تعالى: لَنْ تَرانِي؛ ثم أكّد ذلك بأن علّق الرؤية باستقرار الجبل الّذي علمنا أنه لم يستقرّ. وهذه طريقة للعرب فى تبعيد الشيء؛ لأنهم يعلّقونه بما يعلم أنه لا يكون؛ كقولهم: لا كلمتك ما أضاء الفجر، وطلعت الشمس؛ وكقول الشاعر: إذا شاب الغراب رجوت أهلى ... وصار القار كاللبن الحليب ومما يجرى هذا المجرى قوله تعالى: وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ؛ [الاعراف: ٤٠]. وليس لأحد أن يقول: إذا علّق الرؤية باستقرار الجبل؛ وكان ذلك فى مقدوره، فيجب أن تكون الرؤية معلقة به أيضا فى مقدوره؛ بأنه لو كان الغرض بذلك التبعيد لعلّقه بأمر يستحيل، كما علّق/ دخولهم الجنة بأمر مستحيل؛ من ولوج الجمل فى سمّ الخياط؛ وذلك أن تشبيه الشيء بغيره لا يجب أن يكون من جميع الوجوه؛ ولمّا علّق وقوع الرؤية باستقرار الجبل- وقد علم أنه لا يستقرّ- علم نفى الرؤية. وما عدا ذلك من كون الرؤية مستحيلة وغير مقدورة، واستقرار الجبل بخلافها يخرج عن ما هو الغرض فى التشبيه على أنه إنما علّق تعالى جواز الرؤية باستقرار الجبل فى تلك الحال التى جعله فيها دكّا، وذلك محال لما فيه من اجتماع الضّدين، فجرى مجرى جواز الرؤية فى الاستحالة. وليس يجب فى كل ما علّق بغيره أن يجرى مجراه فى سائر وجوهه؛ حتى إذا كان أحدهما مع انتفائه مستحيلا كان الآخر بمثابته؛ لأن تعلّق دخول الكفار الجنة إنما علّق بولوج الجمل فى سمّ الخياط؛ وولوج الجمل فى سمّ الخياط مستحيل، بل معلوم أن الأول فى المقدور وإن كان لا يحسن والثانى ليس فى المقدور. وهذه الجملة كافية فى تأويل هذه الآية، وبيان ما فيها، والحمد لله. ***

стр. 890

قال سيدنا أدام الله تمكينه: وإنى لأستجيد قول أبى العيص بن حرام بن عبد الله بن قتادة بن جابر بن ربيعة بن كابية (١) المازنىّ رضى الله عنه. وكم من صاحب قد بان عنّى ... رميت بفقده وهو الحبيب (٢) فلم أبد الّذي تحنو ضلوعى ... عليه، وإنّنى لأنا الكئيب مخافة أن يرانى مستكينا ... عدوّ أو يساء به قريب فيشمت كاشح ويظنّ أنّى ... جزوع عند نائبة تنوب فبعدك شدّت الأعداء طرفا ... إلى ورابنى دهر مريب معنى، شدّت الأعداء طرفا، أى نظرت إلى نظرا شديدا (٣) فظهر الغضب فى عيونها- وأنكرت الزّمان وكلّ أهلى ... وهرّتنى لغيبتك الكليب يقال: كلب وكليب مثل عبد وعبيد- وكنت تقطّع الأبصار دونى ... وان وغرت من الغيظ القلوب ويمنعنى من الأعداء أنّى ... وإن رغموا لمخشىّ مهيب / فلم أر مثل يومك كان يوما ... بدت فيه النّجوم فما تغيب وليل ما أنام به طويل ... كأنّى للنّجوم به رقيب وما يك جائيا لا بدّ منه ... إليك فسوف تجلبه الجلوب

стр. 891

مجلس آخر ٧١ تأويل آية [وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ. فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ] إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ. فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ؛ [البقرة: ٧٢، ٧٣]. فقال: كيف ذكر تعالى هذا بعد ذكره (١) البقرة والأمر بذبحها؟ وقد كان ينبغى أن يتقدّمه، لأنه إنما أمر بذبح البقرة لينكشف أمر القاتل، فكيف أخّر ذكر السبب عن المسبب، وبنى الكلام بناء يقتضي أنه كان بعده؟ ولم قال: وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً، والرواية وردت بأن القاتل كان واحدا؟ وكيف يجوز أن يخاطب الجماعة بالقتل والقاتل بينها واحد! وإلى أىّ شيء وقعت الإشارة بقوله تعالى: كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى؟ . الجواب، قيل له: أما قوله تعالى؛ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً ففيه وجهان: أولهما أن تكون هذه الآية- وإن أخّرت- فهى مقدّمة فى المعنى على الآية التى ذكرت فيها البقرة؛ ويكون التأويل: وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها فسألتم موسى فقال: إنّ الله يأمركم أن تذبحوا بقرة، فأخر المقدم وقدم المؤخر؛ ومثل هذا فى القرآن وكلام العرب كثير. ومثله: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً. قَيِّماً [الكهف: ١، ٢].

стр. 892

وقال الشاعر: إنّ الفرزدق صخرة ملمومة ... طالت- فليس تنالها- الأوعالا (١) أراد: طالت الأوعال فليس تنالها. ومثله: طاف الخيال وأين منك لماما! ... فارجع لزورك بالسّلام سلاما أراد: طاف الخيال لماما وأين هو منك! والوجه الثانى أن يكون وجه تأخير قوله تعالى: وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً أنه علّق بما هو متأخر فى الحقيقة، وواقع بعد ذبح البقرة، وهو قوله تعالى: / فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى؛ لأن الأمر بضرب المقتول ببعض البقرة إنما هو بعد الذبح؛ فكأنه تعالى قال: فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ ولأنكم قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها أمرناكم أن تضربوه ببعضها، لينكشف أمره. فأما إخراج الخطاب مخرج ما يتوجّه إلى الجميع مع أن القاتل واحد فعلى عادة العرب فى خطاب الأبناء بخطاب الآباء والأجداد، وخطاب العشيرة بما يكون من أحدها؛ فيقول أحدهم: فعلت بنو تميم كذا، وقتل بنو فلان فلانا؛ وإن كان القاتل والفاعل واحدا من بين الجماعة؛ ومنه قراءة من قرأ: يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ [التوبة: ١١١]؛ بتقديم المفعولين على الفاعلين؛ وهو اختيار الكسائى وأبى العباس ثعلب؛ فيقتل بعضهم ويقتلون؛ وهو أبلغ فى وصفهم، وأمدح لهم، لأنهم إذا قاتلوا وقتلوا بعد أن قتل بعضهم كان ذلك أدلّ على شجاعتهم وقلة جزعهم وحسن صبرهم. وقد قيل: إنه كان القاتلان اثنين، قتلا ابن عم لهما، وإن الخطاب جرى عليهما بلفظ الجمع؛ كما قال تعالى: وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ [الأنبياء: ٧٩]؛ يريد داود وسليمان

стр. 893

عليهما السلام؛ والوجه الأول أولى وأقوى بشهادة الاستعمال الظاهر له، ولأن أكثر أهل العلم أجمعوا على أن القاتل كان واحدا. ومعنى فَادَّارَأْتُمْ فتدارأتم؛ أى تدافعتم، وألقى بعضكم القتل على بعض؛ يقال: دارأت فلانا إذا دافعته وداريته، إذا لاينته، ودريته إذا ختلته؛ ويقال: ادّرأ القوم إذا تدافعوا. والهاء فى قوله: فَادَّارَأْتُمْ فِيها تعود إلى النفس، وقيل: إنها تعود على القتلة، أى اختلفتم فى القتلة؛ لأن قَتَلْتُمْ تدل على المصدر؛ والقتلة من المصادر، تدل عليها الأفعال، ورجوع الهاء إلى النفس أولى وأشبه بالظاهر. فأما قوله تعالى: كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى فالإشارة وقعت به إلى قيام المقتول عند ضربه ببعض أعضاء البقرة؛ لأنه روى أنه قام حيا وأوداجه تشخب دما، فقال: قتلنى فلان! ونبّه الله تعالى بهذا الكلام وبذكر هذه القصة على جواز ما أنكره مشركو قريش واستبعدوه من البعث وقيام الأموات؛ لأنهم قالوا: أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً؛ [الإسراء: ٤٩]؛ فأخبرهم الله تعالى بأنّ الّذي/ أنكروه واستبعدوه هيّن عليه، غير متعذر فى اتساع قدرته. وكان مما ضرب تعالى لهم من الأمثال، ونبّههم عليه من الأدلة ذكر المقتول الّذي ضرب ببعض البقرة فقام حيا. وأراد تعالى: أننى إذا كنت قد أحييت هذا المقتول بعد خروجه عن الحياة، ويئس قومه من عوده وانطواء خبر كيفية قتله عنهم، ورددته حيا مخاطبا باسم قاتله؛ فكذلك فاعلموا أن إحياء جميع الأموات عند البعث لا يعجزنى ولا يتعذر عليّ. وهذا بين لمن تأمله. *** قال سيدنا أدام الله علوّه: ومن الشعر المشهور بالجودة فى ذم الدنيا والتذكير بمصائبها قول

стр. 894

نهشل بن (١) حرّىّ يرثى أخاه مالكا: ذكرت أخى المخوّل بعد يأس (٢) ... فهاج عليّ ذكراه اشتياقى فلا أنسى أخى ما دمت حيّا ... وإخوانى بأقرنة العناق (٣) يجرّون الفصال إلى النّدامى ... بروض الحزن من كنفى أفاق (٤) ويغلون السّباء إذا أتوه ... بضمر الخيل والشّول الحقاق (٥) إذا اتّصلوا وقالوا: يا لغوث! ... وراحوا فى المحبّرة الرّقاق (٦) أجابك كلّ أروع شمّرىّ ... رخىّ البال منطلق الخناق (٧) أناس صالحون نشأت فيهم ... فأودوا بعد إلف واتساق مضوا لسبيلهم ولبثت عنهم ... ولكن لا محالة من لحاق (٨) كذى الإلف الّذي أدلجن عنه ... فحنّ ولا يتوق إلى متاق (٩)

стр. 895

أرى الدّنيا ونحن نعيث فيها ... مولّية تهيّأ لانطلاق أعاذل قد بقيت بقاء قيس ... وما حىّ على الدّنيا بباق [هبطت السّيلحين وذات عرق ... وأوردت المطىّ على حذاق] (١) كأنّ الشّيب والأحداث تجرى ... إلى نفس الفتى فرسا سباق فإما الشّيب يدركه وإما ... يلاقى حتفه فيما يلاقى / فإن تك لمّتى بالشّيب أمست ... شميط اللّون واضحة المشاق (٢) فقد أغدو بداجية أرانى ... بها المتطلّعات من الرّواق (٣) الداجية: اللمّة السوداء. وأرانى: «أفاعل»، من المراناة- إلى كأنّهنّ ظباء قفر (٤) ... برهبى، أو بباعجتى فتاق (٥) يرامضن (٦) الحبال لغير وصل ... وليس حبال وصلى بالرّماق وعهد الغانيات كعهد قين ... ونت عنه الجعائل مستذاق القين: الحداد، والجعائل: جمع جعالة وهى أجرته، وأراد أن القين إذ عدم الجعالة رحل ولم يستقرّ فى مكان- كجلب السّوء يعجب من رآه ... ولا يشفى الحوائم من لماق الجلب: الغيم الّذي لا مطر فيه، والحوائم: العطاش، ولماق: شيء قليل- فلا يبعد مضائى فى الموامى ... وإشرافى العلاية وانصفاقى (٧)

стр. 896

وغبراء القتام جلوت عنّى (١) ... بعجلى الطّرف سالمة المآقى وقد طوّفت فى الآفاق حتى ... سئمت النّصّ بالقلص العتاق (٢) وكم قاسيت من سنة جماد ... تعضّ اللّحم ما دون العراق (٣) إذا أفنيتها بدّلت أخرى ... أعدّ شهورها عدّ الأواقى وأفنتني الشّهور وليس تفنى ... وتعداد الأهلّة والمحاق وما سبق الحوادث ليث غاب ... يجرّ لعرسه جزر الرّفاق [كميت تعجز الحلفاء عنه ... كبغل المرج حطّ من الزّناق] (٤) [تنازعه الفريسة أم شبل ... عبوس الوجه فاحشة العناق] ولا بطل تفادى الخيل منه ... فرار الطّير من برد بعاق (٥) [كريم من خزيمة أو تميم ... أغرّ على مساعفة مزاق] (٦) [فذلك لن تخاطأه المنايا ... فكيف يقيه طول الدهر واق] *** وأحسن حارثة بن بدر الغدانىّ فى قوله: يا كعب ما راح من قوم ولا ابتكروا ... إلّا وللموت فى آثارهم حادى / يا كعب ما طلعت شمس ولا غربت ... إلّا تقرّب آجالا لميعاد ولأبى العتاهية فى هذا المعنى: إذا انقطعت عنى من العيش مدّتى ... فإنّ بكاء الباكيات قليل (٧)

стр. 897

سيعرض عن ذكرى وتنسى مودّتى ... ويحدث بعدى للخليل خليل أجلّك قوم حين صرت إلى الغنى ... وكلّ غنىّ فى العيون جليل وليس الغنى إلا غنى زيّن الفتى ... عشيّة يقرى أو غداة ينيل ولم يفتقر يوما وإن كان معدما ... جواد ولم يستغن قطّ بخيل إذا مالت الدّنيا إلى المرء رغّبت ... إليه، ومال النّاس حيث يميل أرى علل الدّنيا عليّ كثيرة ... وصاحبها حتى الممات عليل وإنّى وإن أصبحت بالموت موقنا ... فلى أمل دون اليقين طويل (١) وقد أحسن البحترىّ فى قوله فى هذا المعنى: أخىّ متى خاصمت نفسك فاحتشد ... لها، ومتى حدّثت نفسك فاصدق أرى علل الأشياء شتّى ولا أرى الت ... جمّع إلّا غاية للتّفرّق (٢) أرى العيش ظلّا توشك الشّمس نقله ... فكس فى ابتغاء العيش كيسك أومق (٣) أرى الدّهر غولا للنّفوس وإنما ... يقى الله فى بعض المواطن من يقى فلا تتبع الماضى سؤالك لم مضى ... وعرّج على الباقى فسائله لم بقى ولم أر كالدّنيا خليلة صاحب ... محبّ متى تحسن بعينيه تعنق (٤) تراها عيانا وهى صنعة واحد ... فتحسبها صنعى لطيف وأخرق وقد قيل إن السبب فى خروج البحترىّ عن بغداد فى آخر أيامه كان هذه الأبيات؛ لأن بعض أعدائه شنّع عليه بأنه ثنوىّ من حيث قال: * فتحسبها صنعى لطيف وأخرق* وكانت العامة حينئذ غالبة على البلد، فخاف على نفسه فقال لابنه أبى الغوث: قم يا بنيّ حتى نطفئ عنا هذه الثائرة بخرجة نلمّ فيها ببلدنا؛ فخرج ولم يعد.

стр. 898

وأحسن أيضا غاية الإحسان فى قوله: أغشى الخطوب فإمّا جئن مأربتى ... فيما أسيّر أو أحكمن تأديبى (١) إن تلتمس أخلاف الخطوب (٢) وإن ... تلبث مع الدّهر تسمع بالأعاجيب وفى قوله: متى تستزد فضلا من العمر تغترف ... بسجليك من شهد الخطوب وصابها (٣) تشذّبنا (٤) الدّنيا بأخفض سعيها ... وغول الأفاعى بلّة من لعابها يسرّ بعمران الدّيار مضلّل ... وعمرانها مستأنف من خرابها ولم أرتض الدّنيا أوان مجيئها ... فكيف ارتضائيها أوان ذهابها! أفول لمكذوب عن الدّهر زاغ عن ... تخيّر آراء الحجى وانتخابها سيرديك أو يثويك أنّك محلس ... إلى شقّة يبكيك بعد مآبها (٥) وهل أنت فى مرموسة طال أخذها ... من الأرض إلا حفنة من ترابها (٦) وجدت الآمدىّ يروى فى هذا البيت «أنك محبس» بالباء؛ وتفسير ذلك أنّ المعنى أنك موقوف إلى أن تصير إلى هذا؛ من قولك: أحبست فرسا فى سبيل الله، وأحبست دارا؛ أى أى وقفتها. والرواية المشهورة: «أنك مجلس» باللام؛ والمعنى أنك متهيئ للرحيل ومتخذ حلسا. والحلس: هو الكساء الّذي يوضع تحت الرحل؛ وهذا أشبه بالمعنى الّذي قصده البحترىّ؛ وأولى بأن يختاره؛ مع دقة طبعه وسلامة ألفاظه.

стр. 899

مجلس آخر ٧٢ تأويل آية [هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ، فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ. فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ/ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ] إن سأل سائل عن قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ، فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ. فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ/ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ؛ [الأعراف: ١٨٩، ١٩٠]. فقال: أليس ظاهر هذه الآية يقتضي جواز الشرك على الأنبياء؛ لأنه لم يتقدم إلا ذكر آدم وحواء ﵉؛ فيجب أن يكون قوله: جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما يرجع إليهما. الجواب، قلنا: كما أنّ ذكر آدم وحواء قد تقدّم، فقد تقدم ذكر غيرهما فى قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ، ومعلوم أنّ المراد بذلك جميع ولد آدم، وقد تقدم ذكر ولد آدم فى قوله: فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً؛ والمعنى: فلما آتاهما ولدا صالحا، والمراد بهذا الجنس دون الواحد؛ وإن كان اللفظ لفظ واحد؛ والمعنى: فلما آتاهما جنسا من الأولاد صالحين؛ وإذا كان الأمر على ما ذكرناه جاز أن يرجع قوله: جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ إلى ولدهما؛ وقد تقدم ذكرهما. فإن قيل: إنما وجب رده إلى آدم وحواء لأجل التثنية فى الكلام؛ ولم يتقدم ذكر اثنين إلا ذكرهما. قلنا: إن جعل هذا ترجيحا فى رجوعه إليهما جاز أيضا أن يجعل قوله فى آخر الآية: فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ وجها مقربا لرجوع الكلام إلى جملة الأولاد. ويجوز أن يكون أشير فى التثنية إلى الذكور والإناث من ولد آدم أو إلى جنسين منهم؛ فحسنت التثنية لذلك

стр. 900

على أنه إذا تقدم فى الكلام أمران ثم تلاهما حكم من الأحكام، وعلم بالدليل استحالة تعلّقه بأحد الأمرين وجب ردّه إلى الآخر. وإذا علمنا أن آدم ﵇ لا يجوز عليه الشرك لم يجز عود الكلام إليه، فوجب عوده إلى المذكورين من ولده. وذكر أبو على الجبائىّ ما نحن نورده على وجهه، قال: إنما عنى [الله تعالى بهذا أنه تعالى خلق بنى آدم] (١) من نفس واحدة؛ لأن الإضمار فى قوله تعالى: خَلَقَكُمْ إنما عنى به بنى آدم، والنفس الواحدة التى خلقهم منها هى آدم؛ لأنه خلق حواء من آدم؛ ويقال: إنه تعالى خلقها من ضلع من أضلاعه (٢)؛ فرجعوا جميعا إلى أنهم خلقوا من آدم؛ وبيّن ذلك بقوله: وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها؛ لأنه عنى به أنّه خلق من هذا النفس زوجها، وزوجها هو حواء. وعنى بقوله: فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً، وحملها (٣) هو حبلها منه فى/ ابتداء الحمل؛ لأنه فى ذلك الوقت خفيف عليها. وعنى بقوله: فَمَرَّتْ بِهِ أنّ مرورها بهذا الحمل، وتصرّفها به كان عليها سهلا لخفّته؛ فلما كبر الولد فى بطنها ثقل ذلك عليها، فهو معنى قوله: أَثْقَلَتْ؛ وثقل عليها عند ذلك المشى والحركة. وعنى بقوله: دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما أنهما دعوا عند كبر الولد فى بطنها فقالا: لئن آتيتنا يا ربّ نسلا صالحا لنكوننّ من الشاكرين لنعمتك علينا؛ لأنهما أراد أن يكون لهما أولاد تؤنسهما فى الموضع الّذي كانا فيه؛ لأنهما كانا فردين مستوحشين؛ فكان إذا غاب أحدهما عن الآخر بقى الآخر مستوحشا بلا مؤنس؛ فلما آتاهما نسلا صالحا معافى، وهم الأولاد الذين كانوا يولدون لهما لأن حواء كانت تلد فى كلّ بطن ذكرا وأنثى فيقال: إنها ولدت فى خمسمائة بطن ألف ولد.

стр. 901

وعنى بقوله: فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما [أى أن هذا النسل الصالح الّذي هم ذكر وأنثى جعلا له شركاء فيما آتاهما] (١) من نعمة؛ وأضافا تلك النعم إلى الذين اتخذوهم آلهة مع الله من الأصنام والأوثان، ولم يعن بقوله: جَعَلا آدم وحواء ﵍؛ لأن آدم لا يجوز عليه الشرك بالله لأنه نبىّ من أنبيائه، ولو جاز الشرك والكفر على الأنبياء لما جاز أن يثق أحدنا بما يؤديه إليه الأنبياء عن الله ؛ لأن من جاز عليه الكفر جاز عليه الكذب ومن جاز عليه الكذب لم يؤخذ بأخباره؛ فصحّ بهذا أنّ الإضمار فى قوله: جَعَلا إنما يعنى به النسل. وإنما ذكر ذلك على سبيل التثنية؛ لأنهم كانوا ذكرا وأنثى، فلما كانوا صنفين جاز أن يجعل إخباره عنهما كالإخبار عن الاثنين إذا كانا صنفين. وقد دلّ على صحة تأويلنا هذا قوله تعالى فى آخر الآية: فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ، فبيّن أنّ الذين جعلوا لله شركاءهم جماعة، فلهذا جعل إضمارهم إضمار الجماعة، فقال: يُشْرِكُونَ؛ مضى كلام أبى عليّ. وقد قيل فى قوله تعالى: فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً مضافا إلى الوجه المتقدم- الّذي هو أنه أراد بالصلاح الاستواء فى الخلقة والاعتدال فى الأعضاء- وجه آخر؛ وهو أنّه لو أراد الصلاح فى الدين لكان الكلام أيضا مستقيما؛ لأن الصالح فى الدين قد يجوز أن يكفر بعد صلاحه، / فيكون فى حال صالحا، وفى آخر مشركا؛ وهذا لا يتنافى. وقد استشهد فى جواز الانتقال من خطاب إلى غيره، ومن كناية عن مذكور إلى مذكور سواه؛ ليصحّ ما قلناه من الانتقال من الكناية عن آدم وحوّاء إلى ولدهما بقوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، فانصرف عن مخاطبة الرسول ﵇ إلى مخاطبة المرسل إليهم، ثم قال: وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ، يعنى الرسول ﵇، ثم قال: وَتُسَبِّحُوهُ، [الفتح: ٩]؛ وهو يعنى مرسل الرسول؛ فالكلام

стр. 902

واحد متّصل بعضه ببعض، والخطاب منتقل من واحد إلى غيره؛ ويقول الهذلىّ (١): يا لهف نفسى كان جدّة خالد ... وبياض وجهك للتّراب الأعفر ولم يقل: وبياض وجهه. وقال كثيّر: أسيء بنا، أو أحسنى لا ملومة ... لدينا، ولا مقليّة إن تقلت (٢) فخاطب ثمّ ترك الخطاب. وقال آخر: فدى لك يا فتى وجميع أهلى ... وما لى إنّه منه أتانى (٣) ولم يقل: منك أتانى. ووجدت أبا مسلم محمد بن بحر يحمل هذه الآية على أنّ الخطاب فى جميعها غير متعلّق بحواء وآدم، ويجعل الهاء فى تَغَشَّاها، والكناية فى دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما وآتاهُما صالِحاً راجعتين إلى من أشرك؛ ولم يتعلق بآدم وحواء من الخطاب إلا قوله: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ؛ لأن الإشارة فى قوله: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ إلى الخلق عامة، وكذلك قوله تعالى: وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها، ثم خص منها بعضهم كما قال تعالى: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ، فخاطب الجماعة بالتسيير فى البر والبحر، ثم خص راكب البحر بقوله تعالى: وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ؛ [يونس: ٢٢] كذلك الآية أخبرت عن جملة البشر؛ وأنهم مخلوقون من نفس واحدة وزوجها، وهما آدم وحواء ﵉ ثمّ عاد الذكر إلى الّذي سأل الله تعالى ما سأل؛ فلما أعطاه إياه ادعى الشّركاء فى عطيته. قال: وجائز أن يكون عنى بقوله: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ المشركين؛ خصوصا إذ كان كلّ بنى آدم مخلوقا من نفس واحدة وزوجها.

стр. 903

ويجوز أن يكون المعنى فى قوله: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ خلق كلّ واحد منكم من نفس واحدة؛ وهذا يجيء كثيرا فى القرآن وفى كلام العرب؛ قال الله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً؛ [النور: ٤] أى فاجلدوا كل واحد ثمانين جلدة. وقال : وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها؛ [الروم: ٢١] فلكل نفس زوج منها أى من جنسها. فَلَمَّا تَغَشَّاها، أى تغشّى كلّ نفس زوجها. حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً وهو ماء الفحل. فَمَرَّتْ بِهِ أى مارت، والمور: التردّد. والمراد تردّد هذا الماء فى رحم هذه الحامل. فَلَمَّا أَثْقَلَتْ أى ثقل حملها؛ أى بمصير ذلك الماء لحما ودما وعظما. دَعَوَا اللَّهَ أى الرجل والمرأة لمّا استبان حمل المرأة فقالا: لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ. فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً أى أعطاهما ما سألا من الولد الصالح نسبا ذلك إلى شركاء معه، فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ. وقال قوم: معنى جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ أى طلبا من الله أمثالا للولد الصالح فشركا بين الطّلبتين وتكون الهاء فى قوله: لَهُ راجعة إلى الصالح لا إلى الله تعالى. ويجرى مجرى قول القائل: طلبت منى درهما فلما أعطيتك أشركته بآخر؛ أى طلبت آخر مضافا إليه. وعلى هذا الوجه لا يمتنع أن يكونا قوله: جَعَلا والخطاب كله متوجها إلى آدم وحواء ﵉.

стр. 904

مجلس آخر ٧٣ تأويل آية [قالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ. وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ] إن سأل سائل عن قوله تعالى: قالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ. وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ؛ [الصافات: ٩٥، ٩٦]. فقال: أليس ظاهر هذا القول يقتضي أنه خالق لأعمال العباد، لأن ما هاهنا بمعنى «الّذي»؛ فكأنه قال: خلقكم وخلق أعمالكم. الجواب، قلنا: قد حمل أهل الحق هذه الآية على أنّ المراد بقوله: وَما تَعْمَلُونَ أى وما تعملون فيه من الحجارة والخشب وغيرهما؛ مما كانوا يتخذونه أصناما/ ويعبدونها. قالوا: وغير منكر أن يريد بقوله: وَما تَعْمَلُونَ ذلك؛ كما أنه قد أراد ما ذكرناه بقوله: أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ لأنه لم يرد أنكم تعبدون نحتكم الّذي هو فعل لكم؛ بل أراد ما تفعلون فيه النّحت؛ وكما قال تعالى فى عصا موسى ﵇: تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ [الأعراف: ١١٧] وتَلْقَفْ ما صَنَعُوا؛ [طه: ٦٩]؛ وإنما أراد تعالى أنّ العصا تلقف الحبال التى أظهروا سحرهم فيها، وهى التى حلتها صنعتهم وإفكهم؛ فقال: ما صَنَعُوا وما يَأْفِكُونَ وأراد ما صنعوا فيه، وما يأفكون فيه؛ ومثله قوله تعالى: يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ، [سبأ: ١٣]؛ وإنما أراد المعمول فيه دون العمل؛ [وهذا الاستعمال أيضا سائغ] (١) شائع؛ لأنهم يقولون: هذا الباب عمل النّجار. وفى الخلخال: هذا من عمل الصائغ؛ وإن كانت الأجسام التى أشير إليها ليست أعمالا؛ وإنما عملوا فيها؛ فحسن إجراء هذه العبارة. فإن قيل: كلّ الّذي ذكرتموه وإن استعمل فعلى وجه المجاز والاتساع؛ لأن العمل فى

стр. 905

الحقيقة لا يجرى إلا على فعل الفاعل دون ما يفعل فيه؛ وإن استعير فى بعض المواضع. قلنا: ليس نسلّم لكم أنّ الاستعمال الّذي ذكرناه على سبيل المجاز؛ بل يقول: هو المفهوم الّذي لا يستفاد سواه، لأن القائل إذا قال: هذا الثوب عمل فلان لم يفهم منه إلا أنّه عمل فيه، وما رأينا أحدا قط يقول فى الثوب بدلا من قوله: هذا من عمل فلان: هذا مما حلّه عمل فلان؛ فالأول أولى بأن يكون حقيقة. وليس ينكر أن يكون الأصل فى الحقيقة ما ذكروه، ثم انتقل بعرف الاستعمال إلى ما ذكرناه؛ وصار أخصّ به، ومما لا يستفاد من الكلام سواه؛ كما انتقلت ألفاظ كثيرة على هذا الحدّ والاعتبار فى المفهوم من الألفاظ إلا ما يستقرّ عليه استعمالها دون ما كانت عليه فى الأصل؛ فوجب أن يكون المفهوم والظاهر من الآية ما ذكرناه. على أنا لو سلّمنا أن ذلك مجاز لوجب المصير إليه من وجوه: منها ما يشهد به ظاهر الآية ويقتضيه، ولا يسوغ سواه. ومنها ما تقتضيه الأدلة القاطعة الخارجة عن الآية؛ فمن ذلك أنه تعالى أخرج الكلام مخرج التهجين لهم، والتوبيخ لأفعالهم والإزراء على مذاهبهم، فقال: أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ. وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ/ ومتى لم يكن قوله: وَما تَعْمَلُونَ المراد تَعْمَلُونَ فيه؛ ليصير تقدير الكلام: أتعبدون الأصنام التى تنحتونها، والله خلقكم وخلق هذه الأصنام التى تفعلون فيها التخطيط والتصوير؛ لم يكن للكلام معنى، ولا مدخل فى باب التوبيخ. ويصير على ما يذكره المخالف كأنه قال: أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ والله خلقكم وخلق عبادتكم؛ فأىّ وجه للتقريع! وهذا إلى أن يكون عذرا أقرب من أن يكون لوما وتوبيخا؛ إذا خلق عبادتهم للأصنام؛ فأىّ وجه للومهم عليها وتقريعهم بها! على أن قوله : خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ بعد قوله: أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ خرج مخرج التعليل للمنع من عبادة غيره تعالى؛ فلا بدّ أن يكون متعلقا بما تقدم من قوله: أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ ومؤثرا فى المنع من عبادة غير الله. فلو أفاد قوله: ما تَعْمَلُونَ نفس العمل

стр. 906

الّذي هو النحت دون المعمول فيه لكان لا فائدة فى الكلام؛ لأن القوم لم يكونوا يعبدون النحت؛ وإنما كانوا يعبدون محل النحت؛ ولأنه كان لا حظّ فى الكلام للمنع من عبادة الأصنام. وكذلك إن حمل قوله تعالى: ما تَعْمَلُونَ على أعمال أخر ليست نحتهم، ولا هى ما عملوا فيه لكان أظهر فى باب اللغو والعبث والبعد عن التعلق بما تقدم؛ فلم يبق إلا أنه أراد: أنه خلقكم وما تعملون فيه النحت، فكيف تعبدون مخلوقا مثلكم! فإن قيل: لم زعمتم أنه لو كان الأمر على ما ذكرناه لم يكن للقول الثانى حظّ فى باب المنع من عبادة الأصنام؟ وما تنكرون أن يكون لما ذكرناه وجه فى المنع من ذلك؟ [؛ كما أن ما ذكرتموه] (١) أيضا لو أريد لكان وجها؛ وهو أن من خلقنا وخلق الأفعال فينا لا يكون إلا الإله القديم، الّذي تحقّ له العبادة، وغير القديم- كما يستحيل أن يخلقنا- يستحيل أن يخلق فينا الأفعال على الوجه الّذي يخلقها القديم تعالى؛ فصار لما ذكرناه تأثير. قلنا: معلوم أن الثانى إذا كان كالتعليل للأول والمؤثر فى المنع من العبادة فلان يتضمن أنكم مخلوقون وما تعبدونه أولى من أن ينصرف إلى ما ذكرتموه ممّا لا يقتضي أكثر من خلقهم دون خلق ما عبدوه؛ وأنه لا شيء أدلّ على/ المنع من عبادة الأصنام من كونها مخلوقة كما أن عابدها مخلوق. ويشهد لما ذكرناه قوله تعالى فى موضع آخر: أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ. وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ؛ [الأعراف: ١٩١، ١٩٢] فاحتج تعالى عليهم فى المنع من عبادة الآلهة دونه بأنها مخلوقة لا تخلق شيئا، ولا تدفع عن أنفسها ضرا ولا عنهم؛ وهذا واضح. على أنه لو ساوى ما ذكروه ما ذكرناه فى التعلّق بالأول لم يسغ حمله على ما ادعوه؛ لأن فيه عذرا لهم فى الفعل الّذي عنّفوا به وقرّعوا من أجله؛ وقبيح أن يوبخهم بما يعذرهم؛ ويذمّهم بما ينزّههم على ما تقدم.

стр. 907

على أنا لا نسلّم أن من يفعل أفعال العباد ويخلقها يستحق العبادة؛ لأن من جملة أفعالهم القبائح، ومن فعل القبائح لا يكون إلها، ولا تحقّ له العبادة؛ فخرج ما ذكروه من أن يكون مؤثرا بانفراده فى العبادة. على أن إضافته العمل إليهم بقوله: تَعْمَلُونَ يبطل تأويلهم الآية؛ لأنه لو كان تعالى خالقا له (١) لم يكن عملا لهم؛ لأن العمل إنما يكون لمن يحدثه ويوجده، فكيف يكون عملا لهم والله خلقه! وهذه مناقضة، فثبت بهذا أن الظاهر شاهد لنا أيضا. على أن قوله: وَما تَعْمَلُونَ يقتضي الاستقبال؛ وكل فعل لم يوجد فهو معدوم. ومحال أن يقول تعالى: إنى خالق للمعدوم! فإن قالوا: اللفظ وإن كان للاستقبال فالمراد به المضىّ؛ فكأنه قال: والله خلقكم وما عملتم! قلنا: هذا عدول منكم عن الظاهر الّذي ادّعيتم أنكم متمسكون به؛ وليس أنتم بأن تعدلوا عنه بأولى منا؛ بل نحن أحق؛ لأنا نعدل عنه لدلالة؛ وأنتم تعدلون بغير حجة. فإن قالوا: فأنتم أيضا تعدلون عن هذا الظاهر بعينه على تأويلكم، وتحملون لفظ الاستقبال على لفظ الماضى. قلنا: لا نحتاج نحن فى تأويلنا إلى ذلك؛ لأنا إذا حملنا قوله تعالى: وَما تَعْمَلُونَ على الأصنام المعمول فيها- ومعلوم أن الأصنام موجودة قبل عملهم فيها- فجاز أن يقول تعالى: إنى خلقتها؛ ولا يجوز أن يقول: إنى خلقت ما سيقع من العمل فى المستقبل. على أنه تعالى/ لو أراد بذلك أعمالهم؛ لا ما عملوا فيه على ما ادعوه لم يكن فى الظاهر حجة على ما يريدون؛ لأن الخلق هو التقدير والتدبير؛ وليس يمتنع فى اللغة أن يكون الخالق خالقا لفعل غيره إذا قدّره ودبّره؛ ألا ترى أنهم يقولون: خلقت الأديم؛ وإن لم يكن الأديم فعلا لمن يقال

стр. 908

ذلك فيه! ويكون معنى خلقه لأفعال العباد أنه مقدر لها، ومعرف لنا مقاديرها ومراتبها وما به نستحق عليها من الجزاء. وليس يمتنع أن يقال: إنه خالق للأعمال على هذا المعنى إذا ارتفع الإبهام وفهم المراد؛ فهذا كله تقتضيه الآية. ولو لم يكن فى الآية شيء مما ذكرناه مما يوجب العدول عن حمل قوله: وَما تَعْمَلُونَ على خلق نفس الأعمال لوجب أن نعدل بها عن ذلك، ونحملها على ما ذكرناه بالأدلة العقلية الدّالة على أنه تعالى لا يجوز أن يكون خالقا لأعمالنا، وإن تصرفنا محدث بنا، ولا فاعل له سوانا؛ وكل هذا واضح بين (١). *** قال سيدنا أدام الله علوّه: وإنى لأستحسن لبعض نساء بنى أسد قولها: ألم ترنا غبّنا ماؤنا ... زمانا، فظلنا نكدّ البئارا (٢) فلمّا عدا الماء أوطانه ... وجفّ الثّماد فصارت حرارا (٣) وضجّت إلى ربّها فى السّماء (٤) ... رءوس العضاه تناجى السّرارا وفتّحت الأرض أفواهها ... عجيج الجمال وردن الجفارا (٥) لبسنا لدى عطن ليلة ... على اليأس آتابنا والخمارا (٦) وقلنا: اعبروا النّدى حقّه ... وصبر الحفاظ، وموتوا حرارا (٧)

стр. 909

فإنّ النّدى لعسى مرّة ... يردّ إلى أهله ما استعارا فبتنا نوطّن أحشاءنا ... أضاء لنا عارض فاستطارا (١) وأقبل يزحف زحف الكسير ... سياق الرعاء البطاء العشارا / تننّى وتضحك حافاته ... خلال الغمام وتبكى مرارا كأنّا تضيء لنا حرّة ... تشدّ إزارا وتلقى (٢) إزارا فلمّا خشينا بأن لا نجاء ... وألّا يكون قرار قرارا أشار إليه امرؤ فوقه ... هلمّ، فأمّ (٣) إلى ما أشارا *** وأنشد أبو هفّان لولّادة المهزميّة (٤): لولا اتّقاء الله قمت بمفخر ... لا يبلغ الثّقلان فيه مقامى بأبوّة فى الجاهليّة سادة ... بذّوا العلى أمراء فى الإسلام جادوا فسادوا مانعين أذاهم ... لنداهم، بذل (٥) على الأقوام قد أنجبوا فى السّؤددين (٦) وأنجبوا ... بنجابة الأخوال والأعمام قوم إذا سكتوا تكلّم مجدهم ... عنهم؛ فأخرس دون كلّ كلام

стр. 910

وقالت امرأة من بنى سعد بن بكر (١): أيا أخوىّ الملزمىّ ملامة (٢) ... أعيذ كما (٣) بالله من مثل ما بيا سألتكما بالله إلّا جعلتما (٤) ... مكان الأذى واللّوم أن تأويا ليا (٥) أيا أمتا حبّ الهلالىّ قاتلى ... شطون النّوى يحتلّ عرضا يمانيا (٦) أشمّ كغصن البان جعد مرجّل ... شعفت به لو كان شيئا مدانيا (٧) فإن لم أوسّد ساعدى بعد هجعة ... غلاما هلاليا فشلّ بنانيا (٨) ثكلت أبى إن كنت ذقت كريقه ... لشيء ولا ماء الغمامة غاديا (٩) ولضاحية الهلالية: ألمّ كبير لمّة ثمّ شمّرت ... به جلّة يطلبن برقا يمانيا (١٠) / [ألا ليتنا والنّفس تسكن للمنى ... يمانون إن أمسى حبيب يمانيا] ولها: وإنّى لأهوى القصد ثمّ يردّنى ... عن القصد (١١) ميلات الهوى فأميل

стр. 911

وما وجد مسجون بصنعاء موثق ... بساقيه من حبس الأمير كبول وما ليل مولى مسلم بجريرة ... له بعد ما نام العيون عويل بأكثر منّى لوعة يوم عجّلوا (١)، ... فراق حبيب ما إليه سبيل ولعمرة (٢) بنت العجلان أخت عمرو ذى الكلب بن عجلان الكاهلىّ ترثى أخاها عمرا، وقد كان فى بعض غزواته نائما، فوثب عليه نمران فأكلاه، فوجدت فهم سلاحه، فادّعت قتله (٣): سألت بعمرو أخى صحبه ... فأفظعنى حين ردّوا السّؤالا وقالوا: أتيح له نائما ... أعزّ السّباع عليه أحالا (٤) أتيح له نمرا أجبل ... فنالا لعمرك منه منالا فأقسمت (٥) يا عمرو لو نبّهاك ... إذا نبّها منك أمرا (٦) عضالا [إذن نبها غير رعديدة ... ولا طائش رعش حين صالا] (٧) إذا نبّها ليث عرّيسة ... مفيتا مفيدا نفوسا ومالا (٨)

стр. 912

هزبرا فروسا لاعدائه ... هصورا إذا لقى القرن صالا (١) هما مع تصرّف ريب المنون ... من الأرض ركنا ثبيتا أمالا (٢) هما يوم حمّ له يومه ... وقال أخو فهم بطلا وفالا (٣) معنى «فال» أخطأ؛ يقال: رجل فائل الرأى- وقالا (٤) قتلناه فى غارة ... بآية ما إن ورثنا النّبالا كأنها تهزأ بهم وتكذبهم؛ أى بعلامة أن قد ورثتم النبال- فهلّا ومن قبل ريب المنون ... فقد كان رجلا وكنتم رجالا وقد علمت فهم يوم (٥) اللّقاء ... بأنّهم لك كانوا نفالا (٦) / كأنهم لم يحسّوا به ... فيخلوا النّساء له والحجالا ولم ينزلوا بمحول (٧) السّنين ... به فيكونوا عليه عيالا وقد علم الضّيف والمجتدون ... إذا اغبرّ أفق وهبّت شمالا (٨) وخلّت عن اولادها المرضعات ... ولم تر عين لمزن بلالا (٩) بأنّك كنت الرّبيع المغيث ... لمن يعتريك وكنت الثّمالا (١٠) وخرق تجاوزت مجهوله ... بوجناء حرف تشكّى الكلالا (١١)

стр. 913

فكنت النهارية شمسه ... وكنت دجى اللّيل فيه الهلالا وخيل سمت لك فرسانها ... فولّوا ولم يستقلّوا قبالا (١) [وحىّ أبحت، وحىّ صبحت ... غداة الهياج منايا عجالا] (٢) وكلّ قبيل وإن لم تكن ... أردتهم، منك باتوا وجالا (٣)

стр. 914

مجلس آخر ٧٤ تأويل آية [وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ] إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ؛ [هود: ٣٤]. فقال: أليس ظاهر هذه الآية يقتضي أنّ نصح النبي صلى الله عليه وآله لم ينفع (١) الكفار الذين أراد الله بهم الكفر والغواية، وهذا بخلاف مذهبكم! الجواب، قلنا: ليس فى ظاهر الآية ما يقتضيه خلاف مذهبنا؛ لأنه تعالى لم يقل إنه فعل الغواية أو أرادها؛ وإنما أخبر أن نصح (٢) النبىّ ﵇ لا ينفع إن كان الله يريد غوايتهم. ووقوع الإرادة لذلك أو جواز وقوعها لا دلالة عليه فى الظاهر؛ على أن الغواية هاهنا الخيبة وحرمان الثواب؛ ويشهد بصحة ما ذكرناه فى هذه اللفظة قول الشاعر: فمن يلق خيرا يحمد النّاس أمره ... ومن يغو لا يعدم على الغىّ لائما (٣) فكأنه قال: إن كان الله يريد أن يعاقبكم بسوء أعمالكم وكفركم، ويحرمكم ثوابه فليس ينفعكم/ نصحى ما دمتم مقيمين على ما أنتم عليه؛ إلا أن تقلعوا وتتوبوا. وقد سمى الله تعالى العقاب غيا، فقال: فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [مريم: ٥٩]؛ وما قبل هذه الآية يشهد بما ذكرناه؛ وأن القوم استعجلوا عقاب الله تعالى: قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ. قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ. وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي ... الآية؛ [هود: ٣٢، ٣٣]؛ فأخبر أن نصحه لا ينفع من يريد الله أن ينزل به العذاب، ولا يغنى عنه شيئا.

стр. 915

وقال جعفر بن حرب: إن الآية تتعلق بأنه كان فى قوم نوح طائفة تقول بالجبر، فنبّههم الله تعالى بهذا القول على فساد مذهبهم؛ وقال لهم على طريق الإنكار عليهم والتعجب من قولهم: إن كان القول كما تقولون من أن الله يفعل فيكم الكفر والفساد، فما ينفعكم نصحى؛ فلا تطلبوا منى نصحا وأنتم على ذلك لا تنتفعون به؛ وهذا جيد. وروى عن الحسن البصرىّ فى هذه الآية وجه صالح؛ وهو أنه قال: المعنى فيها إن كان الله يريد أن يعذّبكم فليس ينفعكم نصحى عند نزول العذاب بكم، وإن قبلتموه وآمنتم به؛ لأنّ كان من حكم الله تعالى ألّا يقبل الإيمان عند نزول العذاب؛ وهذا كله واضح فى زوال الشبهة بالآية. قال سيدنا أدام الله تمكينه: ومن مستحسن ما قيل فى صفة المصلوب قول أبى تمام الطائىّ فى قصيدة يمدح بها المعتصم، ويذكر قتل الأفشين وحرقه وصلبه: (١) ما زال سرّ الكفر بين ضلوعه ... حتى اصطلى سرّ الزّناد الوارى (٢) نارا يساور جسمه من حرّها ... لهب كما عصفرت شقّ إزار طارت لها شعل يهدّم لفحها ... أركانه هدما بغير غبار فصّلن منه كلّ مجمع مفصل ... وفعلن فاقرة بكلّ فقار (٣) مشبوبة رفعت لأعظم (٤) مشرك ... ما كان يرفع ضوأها للسّارى صلّى لها حيّا وكان وقودها ... ميتا، ويدخلها مع الكفّار (٥)
следующие страницы →