← Адаб

Адаб · id 20937

أمالي المرتضى غرر الفوائد ودرر القلائد (معتزلي)

الشريف المرتضى

Полный текст (1 078 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

وما وجد مسجون بصنعاء موثق ... بساقيه من حبس الأمير كبول وما ليل مولى مسلم بجريرة ... له بعد ما نام العيون عويل بأكثر منّى لوعة يوم عجّلوا (١)، ... فراق حبيب ما إليه سبيل ولعمرة (٢) بنت العجلان أخت عمرو ذى الكلب بن عجلان الكاهلىّ ترثى أخاها عمرا، وقد كان فى بعض غزواته نائما، فوثب عليه نمران فأكلاه، فوجدت فهم سلاحه، فادّعت قتله (٣): سألت بعمرو أخى صحبه ... فأفظعنى حين ردّوا السّؤالا وقالوا: أتيح له نائما ... أعزّ السّباع عليه أحالا (٤) أتيح له نمرا أجبل ... فنالا لعمرك منه منالا فأقسمت (٥) يا عمرو لو نبّهاك ... إذا نبّها منك أمرا (٦) عضالا [إذن نبها غير رعديدة ... ولا طائش رعش حين صالا] (٧) إذا نبّها ليث عرّيسة ... مفيتا مفيدا نفوسا ومالا (٨)

стр. 912

هزبرا فروسا لاعدائه ... هصورا إذا لقى القرن صالا (١) هما مع تصرّف ريب المنون ... من الأرض ركنا ثبيتا أمالا (٢) هما يوم حمّ له يومه ... وقال أخو فهم بطلا وفالا (٣) معنى «فال» أخطأ؛ يقال: رجل فائل الرأى- وقالا (٤) قتلناه فى غارة ... بآية ما إن ورثنا النّبالا كأنها تهزأ بهم وتكذبهم؛ أى بعلامة أن قد ورثتم النبال- فهلّا ومن قبل ريب المنون ... فقد كان رجلا وكنتم رجالا وقد علمت فهم يوم (٥) اللّقاء ... بأنّهم لك كانوا نفالا (٦) / كأنهم لم يحسّوا به ... فيخلوا النّساء له والحجالا ولم ينزلوا بمحول (٧) السّنين ... به فيكونوا عليه عيالا وقد علم الضّيف والمجتدون ... إذا اغبرّ أفق وهبّت شمالا (٨) وخلّت عن اولادها المرضعات ... ولم تر عين لمزن بلالا (٩) بأنّك كنت الرّبيع المغيث ... لمن يعتريك وكنت الثّمالا (١٠) وخرق تجاوزت مجهوله ... بوجناء حرف تشكّى الكلالا (١١)

стр. 913

فكنت النهارية شمسه ... وكنت دجى اللّيل فيه الهلالا وخيل سمت لك فرسانها ... فولّوا ولم يستقلّوا قبالا (١) [وحىّ أبحت، وحىّ صبحت ... غداة الهياج منايا عجالا] (٢) وكلّ قبيل وإن لم تكن ... أردتهم، منك باتوا وجالا (٣)

стр. 914

مجلس آخر ٧٤ تأويل آية [وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ] إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ؛ [هود: ٣٤]. فقال: أليس ظاهر هذه الآية يقتضي أنّ نصح النبي صلى الله عليه وآله لم ينفع (١) الكفار الذين أراد الله بهم الكفر والغواية، وهذا بخلاف مذهبكم! الجواب، قلنا: ليس فى ظاهر الآية ما يقتضيه خلاف مذهبنا؛ لأنه تعالى لم يقل إنه فعل الغواية أو أرادها؛ وإنما أخبر أن نصح (٢) النبىّ ﵇ لا ينفع إن كان الله يريد غوايتهم. ووقوع الإرادة لذلك أو جواز وقوعها لا دلالة عليه فى الظاهر؛ على أن الغواية هاهنا الخيبة وحرمان الثواب؛ ويشهد بصحة ما ذكرناه فى هذه اللفظة قول الشاعر: فمن يلق خيرا يحمد النّاس أمره ... ومن يغو لا يعدم على الغىّ لائما (٣) فكأنه قال: إن كان الله يريد أن يعاقبكم بسوء أعمالكم وكفركم، ويحرمكم ثوابه فليس ينفعكم/ نصحى ما دمتم مقيمين على ما أنتم عليه؛ إلا أن تقلعوا وتتوبوا. وقد سمى الله تعالى العقاب غيا، فقال: فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [مريم: ٥٩]؛ وما قبل هذه الآية يشهد بما ذكرناه؛ وأن القوم استعجلوا عقاب الله تعالى: قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ. قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ. وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي ... الآية؛ [هود: ٣٢، ٣٣]؛ فأخبر أن نصحه لا ينفع من يريد الله أن ينزل به العذاب، ولا يغنى عنه شيئا.

стр. 915

وقال جعفر بن حرب: إن الآية تتعلق بأنه كان فى قوم نوح طائفة تقول بالجبر، فنبّههم الله تعالى بهذا القول على فساد مذهبهم؛ وقال لهم على طريق الإنكار عليهم والتعجب من قولهم: إن كان القول كما تقولون من أن الله يفعل فيكم الكفر والفساد، فما ينفعكم نصحى؛ فلا تطلبوا منى نصحا وأنتم على ذلك لا تنتفعون به؛ وهذا جيد. وروى عن الحسن البصرىّ فى هذه الآية وجه صالح؛ وهو أنه قال: المعنى فيها إن كان الله يريد أن يعذّبكم فليس ينفعكم نصحى عند نزول العذاب بكم، وإن قبلتموه وآمنتم به؛ لأنّ كان من حكم الله تعالى ألّا يقبل الإيمان عند نزول العذاب؛ وهذا كله واضح فى زوال الشبهة بالآية. قال سيدنا أدام الله تمكينه: ومن مستحسن ما قيل فى صفة المصلوب قول أبى تمام الطائىّ فى قصيدة يمدح بها المعتصم، ويذكر قتل الأفشين وحرقه وصلبه: (١) ما زال سرّ الكفر بين ضلوعه ... حتى اصطلى سرّ الزّناد الوارى (٢) نارا يساور جسمه من حرّها ... لهب كما عصفرت شقّ إزار طارت لها شعل يهدّم لفحها ... أركانه هدما بغير غبار فصّلن منه كلّ مجمع مفصل ... وفعلن فاقرة بكلّ فقار (٣) مشبوبة رفعت لأعظم (٤) مشرك ... ما كان يرفع ضوأها للسّارى صلّى لها حيّا وكان وقودها ... ميتا، ويدخلها مع الكفّار (٥)

стр. 916

/ وكذاك أهل النّار فى الدّنيا هم ... يوم القيامة جلّ أهل النار يا مشهدا صدرت بفرحته إلى ... أمصارها القصوى بنو الأمصار رمقوا أعالى جذعه فكأنما ... رمقوا الهلال (١) عشيّة الإفطار واستنشقوا منه قتارا نشره ... من عنبر ذفر ومسك دارى (٢) وتحدّثوا عن هلكه بحديث (٣) من ... بالبدو عن متتابع الأمطار قد كان بوّأه الخليفة جانبا ... من قلبه حرما على الأقدار فسقاه ماء الخفض غير مصرّد ... وأنامه فى الأمن غير غرار (٤) ولقد شفى الأحشاء من برحائها ... أن صار بابك جار مازيار (٥) ثانيه فى كبد السّماء ولم يكن ... لاثنين ثان إذ هما فى الغار (٦) وكأنّما انتبذا لكيما يطويا ... عن ناطس (٧) خبرا من الأخبار سود اللّباس كأنما نسجت لهم ... أيدى السّموم مدارعا من قار بكروا وأسروا فى متون ضوامر ... فبدت لهم من مربط النّجّار لا يبرحون ومن رآهم خالهم ... أبدا على سفر من الأسفار كادوا النّبوّة والهدى فتقطّعت ... أعناقهم فى ذلك المضمار

стр. 917

وله يذكر صلب بابك: لمّا قضى رمضان منه قضاءه ... شالت به الأيّام فى شوّال (١) ما زال مغلول العزيمة سادرا ... حتى غدا فى القيد والأغلال مستبسلا للبأس طوقا من دم (٢) ... لما استبان فظاظة الخلخال أهدى لمتن الجذع متنيه كذا ... من عاف متن الأسمر العسّال (٣) لا كعب أسفل موضعا من كعبه ... مع أنّه عن كلّ كعب عال / سام كأنّ العزّ يجذب ضبعه ... وسموّه من ذلّة وسفال متفرّغ أبدا وليس بفارغ ... من لا سبيل له إلى الأشغال قال سيدنا أدام الله علوّه: ومن عجيب الأمور أن أبا العباس أحمد بن عبيد الله بن عمار ينشد هذه الأبيات المفرطة فى الحسن فى جملة مقابح أبى تمام، وما خرّجه- بزعمه- من سقطه وغلطه؛ ويقول فى عقبها: ولم يسمع بشعر وصف فيه مصلوب بأغثّ من هذا الوصف، وأين كان عن مثل إبراهيم بن المهدى يصف صلب بابك فى قصيدة يمدح بها المعتصم: ما زال يعنف بالنّعمى فنفّرها ... عنه الغموط، ووافته الأراصيد (٤) حتى علا حيث لا ينحطّ مجتمعا ... كما علا أبدا ما أورق العود يا بقعة ضربت فيها علاوته ... وعينه، وذوت أغصانه الميد بوركت أرضا وأوطانا مباركة ... ما عنك فى الأرض للتّقديس تعريد لو تقدر الأرض حجّتك البلاد فلا ... يبقى على الأرض إلّا حجّ جلمود لم يبك إبليس إلّا حين أبصره ... فى زيّه، وهو فوق الفيل مصفود كناقة النّحر تزهى تحت زينتها ... وحدّ شفرتها للنّحر محدود

стр. 918

ما كان أحسن قول النّاس يومئذ ... أيوم بابك هذا أم هو العيد! صيّرت جثّته جيدا لباسقة ... جرداء، والرّأس منه ما له جيد فآض تلعب هوج العاصفات به ... على الطّريق صليبا طرفه عود كأنّه شلو كبش والهواء له ... تنوّر شاوية، والجذع سفّود وهكذا ينبغى أن يطعن على أبيات أبى تمام من يستجيد هذه الأبيات ويفرط فى تقريظها؛ وليت من جهل شيئا عدل عن الخوض فيه والكلام عليه؛ فكان ذلك وأولى به. وأبيات أبى تمام فى نهاية القوّة وجودة المعانى والألفاظ وسلامة السّبك واطراد/ النسج، وأبيات ابن المهدى مضطربة الألفاظ، مختلفة النسج، متفاوتة الكلام؛ وما فيها شيء يجوز أن يوضع عليه اليد إلا قوله: حتّى علا حيث لا ينحط مجتمعا ... كما علا أبدا ما أورق العود وبعده البيت الأخير وإن كان بارد الألفاظ. وقد أحسن مسلم بن الوليد فى قوله: ما زال يعنف بالنّعمى ويغمطها ... حتى استقلّ به عود على عود (١) نصبته حيث ترتاب الرياح به ... وتحسد الطّير فيه أضبع البيد (٢) وللبحترىّ فى هذا المعنى من قصيدة يمدح بها أبا سعيد أو لها: لا دمنة بلوى خبت ولا طلل ... يردّ قولا على ذى لوعة يسل (٣) إن عزّ دمعك فى آي الرّسوم فلم ... يصب عليها فعندى أدمع بلل هل أنت يوما معيرى نظرة فترى ... فى رمل يبرين عيرا سيرها رمل! حثّوا النّوى بحداة ما لها وطن ... غير النّوى، وجمال ما لها عقل

стр. 919

يقول فيها: تحمله البرد من أقصى الثّغور إلى ... أدنى العراق سراعا ريثها عجل (١) بسرّ من راء منكوسا تجاذبه ... أيدى الشّمال فضولا كلّها فضل أمسى يردّ حريق الشمس جانبه ... عن بابك، وهى فى الباقين تشتعل تفاوتوا بين مرفوع ومنخفض ... على مراتب ما قالوا وما فعلوا ردّ الهجير لحاهم بعد شعلتها ... سودا، فعادوا شبابا بعد ما اكتهلوا سما له حابل الآساد فى لمة ... من المنايا، فأمسى وهو محتبل حالى الذّراعين والسّاقين لو صدقت ... له المنى لتمنّى أنّها عطل من تحت مطبق أرض الشّام فى نفر ... أسرى يودّون ودّا أنّهم قتلوا / غابوا عن الأرض أنأى غيبة وهم ... فيها؛ فلا وصل إلّا الكتب والرّسل وله فى هذا المعنى: ما زلت تقرع باب بابك بالقنا ... وتزوره فى غارة شعواء (٢) حتى أخذت بنصل سيفك عنوة ... منه الّذي أعيا على الأمراء أخليت منه البذّ وهى قراره ... ونصبته علما بسامرّاء (٣) لم يبق فيه خوف بأسك مطمعا (٤) ... للطّير فى عود ولا إبداء فتراه مطّردا على أعواده ... مثل اطراد كواكب الجوزاء مستشرفا للشّمس منتصبا لها ... فى أخريات الجذع كالحرباء

стр. 920

مجلس آخر ٧٥ تأويل آية [شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ] إن سأل سائل عن قوله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ؛ [البقرة: ١٨٥]. فقال: كيف أخبر تعالى بأنه أنزل فيه القرآن، وقد أنزله فى غيره من الشهور على ما جاءت به الرواية؟ والظاهر يقتضي أنه أنزل الجميع فيه، وما المعنى فى قوله: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ؟ وهل أراد الإقامة والحضور اللذين هما ضدّا (١) الغيبة، أو أراد المشاهدة والإدراك؟ . الجواب، قلنا: أما قوله تعالى: أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ فقد قال قوم: المراد به أنه تعالى أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا فى شهر رمضان، ثم فرق إنزاله على نبيه صلى الله عليه وآله بحسب ما تدعو الحاجة إليه. وقال آخرون: المراد بقوله أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ أنه أنزل فى فرضه وإيجاب صومه على الخلق القرآن؛ فيكون فِيهِ بمعنى فى فرضه، كما يقول القائل: أنزل الله فى الزكاة كذا وكذا، يريد فى فرضها، وأنزل الله فى الخمر كذا وكذا يريد فى تحريمها. وهذا الجواب إنما هرب متكلّفه من شيء، وظن أنه قد اعتصم بجوابه عنه، وهو بعد ثابت على ما كان عليه؛ لأن قوله: الْقُرْآنُ إذا كان يقتضي ظاهره إنزال/ جميع القرآن فيجب على هذا الجواب أن يكون قد أنزل فى فرض الصيام جميع القرآن؛ ونحن نعلم أنّ قليلا من القرآن يتضمّن إيجاب صوم شهر رمضان، وأن أكثره خال من ذلك. فإن قيل: المراد بذلك أنه أنزل فى فرضه شيئا من القرآن، وبعضا منه.

стр. 921

قيل: فألّا اقتصر على هذا، وحمل الكلام على أنه تعالى أنزل شيئا من القرآن فى شهر رمضان ولم يحتج إلى أن يجعل لفظة فِيهِ بمعنى فى فرضه وإيجاب صومه. والجواب الصحيح، أن قوله تعالى: الْقُرْآنُ فى هذا الموضع لا يفيد العموم والاستغراق، وإنما يفيد الجنس من غير معنى الاستغراق، فكأنه قال: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ هذا الجنس من الكلام؛ فأىّ شيء نزل منه فى الشهر فقد طابق الظاهر. وليس لأحد أن يقول: إن الألف واللام هاهنا لا يكونان إلا للعموم والاستغراق؛ لأنا لو سلمنا أن الألف واللام صيغة العموم والصورة المقتضية لاستغراق الجنس لم يجب أن يكون هاهنا بهذه الصفة؛ لأن هذه اللفظة قد تستعمل فى مواضع كثيرة من الكلام ولا يراد بها أكثر من الإشارة إلى الجنس والطبقة من غير استغراق وعموم؛ حتى يكون حمل كلام المتكلم بها على خصوص أو عموم؛ كالناقض لغرضه والمنافى لمراده؛ ألا ترى أن القائل إذا قال: فلان يأكل اللحم، ويشرب الخمر، وضرب الأمير اليوم اللصوص، وخاطب الجند لم يفهم من كلامه إلا محض الجنس والطبقة من غير معنى خصوص ولا عموم؛ حتى لو قيل له: فلان يأكل جميع اللحم، ويشرب جميع الخمر أو بعضها لكان جوابه: إننى لم أرد عموما ولا خصوصا؛ إنما أريد أنّه يأكل هذا الجنس من الطعام، ويشرب هذا الجنس من الشراب؛ فمن فهم من كلامى العموم أو الخصوص فهو بعيد من فهم مرادى. وأرى كثيرا من الناس يغلطون فى هذا الموضع، فيظنون أنّ الإشارة إلى الجنس من غير إرادة العموم والاستغراق ليست مفهومة؛ حتى يحملوا قول من قال: أردت الجنس فى كل موضع على العموم؛ وهذا بعيد ممّن يظنه؛ لأنه كما أنّ العموم والخصوص مفهومان/ فى بعض المواضع بهذه الألفاظ فكذلك الإشارة إلى الجنس والطبقة من غير إرادة عموم ولا خصوص مفهومة مميزة؛ وقد ذكرنا أمثلة ذلك. فأما قوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ فأكثر المفسرين حملوه على أنّ المراد بمن شهد منكم الشهر من كان مقيما فى بلد غير مسافر. وأبو عليّ حمله على أنّ المراد

стр. 922

به فمن أدرك الشهر وشاهده وبلغ إليه وهو متكامل الشروط فليصمه، ذهب فى معنى شَهِدَ إلى معنى الإدراك والمشاهدة. وقد طعن قوم على تأويل أبى عليّ وقالوا: ليس يحتمل الكلام إلّا الوجه الأول. وليس الأمر على ما ظنوه؛ لأن الكلام يحتمل الوجهين معا؛ وإن كان للقول الأول ترجيح ومزية على الثانى من حيث يحتاج فى الثانى من الإضمار إلى أكثر مما يحتاج إليه فى الأول؛ لأن على القول الأول لا يحتاج إلى إضمار الإقامة وارتفاع السفر؛ لأن قوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ يقتضي الإقامة؛ وإنما يحتاج إلى إضمار باقى الشروط من الإمكان والبلوغ وغير ذلك. وفى القول الثانى يحتاج مع كلّ ما أضمرناه فى القول الأول إلى إضمار الإقامة؛ ويكون التقدير: فمن شاهد الشهر وهو مقيم مطيق بالغ إلى سائر الشروط؛ فمن هذا الوجه كان الأول أقوى. وليس لأحد أن يقول: إن شَهِدَ بنفسه من غير محذوف لا يدلّ على إقامة؛ وذلك أنّ الظاهر من قولهم فى اللغة: فلان شاهد إذا أطلق ولم يضف أفاد الإقامة فى البلد؛ وهو عندهم ضدّ الغائب والمسافر؛ وإن كانوا ربما أضافوا فقالوا: فلان شاهد لكذا، وشهد فلان كذا؛ ولا يريدون هذا المعنى؛ ففى إطلاق شَهِدَ دلالة على الإقامة من غير تقدير محذوف؛ وهذه جملة كافية بحمد الله. *** قال سيدنا أدام الله علوّه: وجدت أبا العباس بن عمّار يعيب على أبى تمام فى قوله: لمّا استحرّ الوداع المحض وانصرمت ... أواخر الصّبر إلا كاظما وجما (١) رأيت أحسن مرئىّ وأقبحه ... مستجمعين لى: التّوديع والعنما / قال أبو العباس: وهذا قد ذمّ مثله على شاعر متقدم؛ وهو أن جمع بين كلمتين احداهما لا تناسب الأخرى؛ وهو قول الكميت: وقد رأينا بها حورا منعّمة ... رودا تكامل فيها الدّلّ والشّنب

стр. 923

فقيل له: أخطأت وباعدت بقولك: «الدّلّ والشّنب»؛ ألا قلت كقول ذى الرّمة: بيضاء فى شفتيها حوّة لعس ... وفى اللّثات وفى أنيابها شنب (١) قال: فقال الطائىّ: * مستجمعين لى: التّوديع والعنما* فجعل المنظر القبيح للتوديع، والتوديع لا يستقبح، وإنما يستقبح عاقبته وهى الفراق، وجعل المنظر الحسن الخضاب؛ وشبهه بالعنم، ولم يذكر الأنامل المخضّبة. وإنما سمع قول المجنون: ويبدى الحصى منها إذا قذفت به ... من البرد أطراف البنان المخضّب (٢) قال: وهذا هو الأصل؛ استعاره الناس من بعد، فقال الشاعر: النّشر مسك، والوجوه دنا ... نير، وأطراف الأكفّ عنم (٣) وأغرب أبو نواس فى قوله: تبكى فتذرى الدّرّ من طرفها ... وتلطم الورد بعنّاب (٤) قال. فلم يحسن هذا العلج أن يستعير شيئا من محاسن القائلين. قال سيدنا أدام الله علوّه: وهذا غلط من ابن عمار وسفه على أبى تمام؛ لأن الكميت جمع بين شيئين متباعدين؛ وهما الدّل وهو الشكل والحلاوة وحسن الهيئة، والشّنب وهو برد الأسنان، وتطرّق عليه بذلك بعض العيب، وأبو تمام بين شيئين غير متفرّقين (٥)، لأن التوديع إنما أشار به إلى ما أشارت إليه بإصبعها من وداعه عند الفراق، وشبّه مع ذلك أصابعها

стр. 924

بالعنم، والعنم نبت أغصانه غضة دقاق شبه الأصابع، وقيل: إن العنم واحدته عنمة؛ وهى العظاية الصغيرة البيضاء؛ وهى أشبه شيء بالأصابع البيضاء الغضة؛ وهذا حكاه صاحب/ كتاب العين. وقيل: إن العنم نبت له نور أحمر تشبّه به الأصابع المخضوبة، فوجه حسن قوله: «التوديع والعنم» أنّ التوديع كان بالإصبع التى تشبه العنم، فجمع بينهما بذلك؛ ولا حاجة به إلى ذكر الأنامل المخضّبة على ما ظنّ أبو العباس؛ بل ذكر المشبّه به أحسن وأفصح من أن يقول التوديع والأنامل التى تشبه العنم. فأما قوله: إن التوديع لا يستقبح؛ وإنما يستقبح عاقبته فخطأ؛ ومطالبة الشاعر بما لا يطالب بمثله الشعراء؛ لأن التوديع إذا كان منذرا بالفراق وبعد الدار وغيبة المحبوب لا محالة إنه مكروه مستقبح. وقوله: مستقبح عاقبته صحيح، إلا أن ما يعقبه ويثمره لما كان عند حضوره متيقنا مذكورا عاد الإكراه والاستقباح إليه. ونحن نعلم أن الناس يتكرهون ويستقبحون تناول الأشياء الملذة من الأغذية وغيرها إذا علموا ما فى عواقبها من المكروه؛ فإن من تقدّم إليه طعام مسموم وأعلم بذلك يتكرّهه ويستقبح تناوله لما يتوقعه من سوء عاقبته؛ وإن كان ملذا فى الحال؛ ولم نزل الشعراء تذكر كراهتها للوداع وهربها منه. لما يتصور فيه من [ألم الفرقة، وغصص الوحشة] (١). وهذا معروف مشهور، وقد قال فيه أبو تمام: أآلفة النحيب كم افتراق ... أظلّ فكان داعية اجتماع (٢) وليست فرحة الأوبات إلّا ... لموقوف على ترح الوداع فجعل للوداع ترحا يقابل فرح الإياب، وهذا صحيح. فأما قول جرير: أتنسى إذ تودّعنا سليمى ... بفرع بشامة سقى البشام (٣)

стр. 925

فإنه دعا للبشام- وهو شجر- بالسّقى؛ لأنها ودعته عنده، فسر بتوديعها، وقول الشاعر: من يكن يكره الفراق فإنى ... أشتهيه لموضع التّسليم إنّ فيه اعتناقة لوداع ... وانتظار اعتناقة لقدوم فمن شأن الشعراء أن يتصرّفوا فى المعانى بحسب أغراضهم وقصودهم، فإذا رأى أحدهم مدح/ شيء قصد إلى أحسن أوصافه فذكرها، وأشار بها؛ حتى كأنه لا وصف له غير ذلك الوصف الحسن؛ وإذا أراد ذمّه قصد إلى أقبح أحواله فذكرها؛ حتى كأنه لا شيء فيه غير ذلك؛ وكلّ مصيب بحسب قصده. ولهذا ترى أحدهم يقصد إلى مدح الشيب فيذكر ما فيه من وقار وخشوع، وأن العمر معه أطول، وما أشبه ذلك، ويقصد إلى ذمه فيصف ما فيه من الإدناء إلى الأجل، وأنه آخر الألوان وأبغضها إلى النساء؛ وما أشبه ذلك؛ وهذه سبيلهم فى كل شيء وصفوه؛ ولمدحهم موضعه، ولذمهم موضعه؛ فمن ذمّ الوداع لما فيه من الإنذار بالفراق وبعد الدار قد ذهب مذهبا صحيحا؛ كما أنّ من مدحه لما فيه من القرب من المحبوب والسرور بالنظر إليه- وإن كان يسيرا- قد ذهب أيضا مذهبا صحيحا. ومن غلط ابن عمار القبيح قوله بعد أن أنشد شعر المجنون، قال: وهذا هو الأصل، ثم استعاره الناس من بعد؛ فقال الشاعر: النّشر مسك، والوجوه دنا ... نير، وأطراف الأكفّ عنم وهذا الشعر للمرقّش الأكبر؛ وهو والمرقّش الأصغر جميعا كانا على عهد مهلهل بن ربيعة، وشهدا حرب بكر بن وائل، فكيف يكون قول المرقّش الأكبر بعد قول المجنون لولا الغفلة!

стр. 926

مجلس آخر ٧٦ تأويل آية [وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ] إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ؛ [البقرة: ٥٣]. فقال: كيف يكون ذلك، والفرقان هو القرآن، ولم يؤت موسى القرآن، وإنما اختصّ به محمد صلى الله عليه وآله؟ الجواب، قلنا: قد ذكر فى ذلك وجوه: أولها أن يكون الفرقان بمعنى الكتاب المتقدم ذكره؛ وهو التوراة، فلا يكون هاهنا اسما للفرقان المنزل على محمد صلى الله عليه وآله، ويحسن نسقه على الكتاب لمخالفته للفظه؛ كما قال تعالى: الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ؛ [البقرة: ١٥١]، وإن كانت الحكمة مما يتضمنها الكتاب، وكتب الله تعالى كلها فرقان، يفرق بين الحق والباطل، والحلال/ والحرام. ويستشهد على هذا الوجه بقول طرفة: فما لى أرانى وابن عمّى مالكا ... متى أدن منه ينأ عنّى ويبعد (١) فنسق «يبعد» على «ينأ» وهو بعينه، وحسّن ذلك اختلاف اللفظين. وقال عدى بن زيد: وقدّمت الأديم لراهشيه ... وألفى قولها كذبا ومينا (٢) والمين الكذب. وثانيها أن يكون الكتاب عبارة عن التوراة، والفرقان انفراق البحر الّذي أوتيه موسى ﵇.

стр. 927

وثالثها أن يراد بالفرقان الفرق بين الحلال والحرام، والفرق بين موسى وأصحابه المؤمنين وبين فرعون وأصحابه الكافرين؛ لأنّ الله تعالى قد فرق بينهم فى أمور كثيرة؛ منها أنه نجّى هؤلاء وأغرق أولئك. ورابعها أن يكون الفرقان المراد به القرآن المنزّل على نبينا صلى الله عليه وآله؛ ويكون المعنى فى ذلك: وآتينا موسى التوراة والتصديق والإيمان بالفرقان الّذي هو القرآن؛ لأن موسى ﵇ كان مؤمنا بمحمد صلى الله عليه وآله وما جاء به، ومبشرا ببعثته. وساغ حذف القبول والإيمان والتصديق وما جرى مجراه وإقامة الفرقان مقامه؛ كما ساغ فى قوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ؛ [يوسف: ٨٢]، وهو يريد أهل القرية. وخامسها أن يكون المراد الفرقان القرآن، ويكون تقدير الكلام: وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ الّذي هو التوراة، وَآتينا محمدا الْفُرْقانَ، فحذف ما حذف مما يقتضيه الكلام؛ كما حذف الشاعر فى قوله: تراه كأنّ الله يجدع أنفه ... وعينيه إن مولاه كان له وفر (١) أراد: ويفقأ عينيه؛ لأن الجدع لا يكون بالعين؛ واكتفى ب «يجدع» من «يفقأ». وقال الشاعر: تسمع للأحشاء منه لغطا ... ولليدين جسأة وبددا أى وترى لليدين؛ لأنّ الجسأة والبدد (٢) لا يسمعان وإنما يريان. وقال الآخر: علفتها تبنا وماء باردا ... حتّى شتت همّالة عيناها (٣) أراد وسقيتها ماء باردا، فدلّ علفت على سقيت.

стр. 928

وقال الآخر (١): يا ليت بعلك قد غدا ... متقلّدا سيفا ورمحا أراد حاملا رمحا. ووجدت أبا بكر بن الأنبارىّ يقول: إن الاستشهاد بهذه الأبيات لا يجوز على هذا الوجه؛ لأنّ الأبيات اكتفى فيها بذكر فعل عن ذكر فعل غيره، والآية اكتفى فيها باسم دون اسم والأمر وإن كان على ما قاله فى الاسم والفعل؛ فإن موضع الاستشهاد صحيح؛ لأن الاكتفاء فى الأبيات بفعل عن فعل إنما حسن من حيث دلّ الكلام على المحذوف والمضمر واقتضاه، فحذف تعويلا على أن المراد مفهوم غير ملتبس ولا مشتبه. وهذا المعنى قائم فى الآية، وإن كان المحذوف اسما؛ لأن اللبس قد زال، والشبهة قد أمنت فى المراد بها؛ فحسن الحذف؛ لأن الفرقان إذا كان اسما للقرآن؛ وكان من المعلوم أن القرآن إنما أنزل على نبينا صلى الله عليه وآله دون موسى ﵇ استغنى عن ان يقال: وآتينا محمدا الفرقان؛ كما استغنى الشاعر أن يقول: ويفقأ عينيه، وترى لليدين جسأة وبددا، وما شاكل ذلك. إلا أنه يمكن أن يقال فيما استشهد به فى جميع الأبيات مما لا يمكن أن يقال مثله فى الآية؛ وهو أنّه يقال: لا محذوف، ولا تقدير لفعل مضمر؛ بل الكلام فى كلّ بيت منها محمول على المعنى؛ ومعطوف عليه؛ لأنه لما قال: * تراه كأنّ الله يجدع ألفه* وكان معنى الجدع هو الإفساد للعضو والتشويه به عطف على المعنى، فقال: «وعينيه» فكأنه قال: كأنّ الله يجدع أنفه، أى يفسده ويشوّهه، ثم قال: «وعينيه». وكذلك لما كان السامع للغط من الأحشاء عالما به عطف على المعنى فقال: «ولليدين جسأة وبددا»؛ أى أنّه يعلم هذا وذاك معا؛ وكذلك لما كان فى قوله: «علفت» معنى غذيت عطف عليه الماء؛ لأنه مما

стр. 929

يغتذى به؛ وكذلك لما كان المتقلّد للسيف حاملا له جاز أن يعطف عليه الرمح المحمول. وهذا أولى فى الطعن على الاستشهاد بهذه الأبيات مما ذكره ابن الأنبارىّ. *** أخبرنا أبو الحسن على بن محمد الكاتب قال أخبرنا محمد بن يحيى الصولىّ قال أخبرنا يحيى بن على بن يحيى/ المنجم قال أخبرنا أحمد بن يحيى بن جابر البلاذرىّ عن الهيثم بن عدىّ قال: لما دخل خالد بن صفوان الأهتمىّ (١) على هشام بن عبد الملك- وذلك بعد عزله خالد ابن عبد الله القسرىّ- قال: فألفيته جالسا على كرسىّ فى بركة ماؤها إلى الكعبين، فدعا لى بكرسىّ فجلست عليه؛ فقال يا خالد، ربّ خالد جلس مجلسك كان ألوط بقلبى، وأحبّ إلى منك! فقلت: يا أمير المؤمنين؛ إنّ حلمك لا يضيق عنه، فلو صفحت عن جرمه! فقال: يا خالد؛ إنّ خالدا أدلّ فأملّ، وأوجف فأعجف؛ ولم يدع لراجع مرجعا، ولا لعودة موضعا. ثم قال: ألا أخبرك عنه يا ابن صفوان! قلت: نعم، قال: إنه ما بدأنى بسؤال حاجة مذ قدم العراق حتى أكون أنا الّذي أبدؤه بها، قال خالد: فذاك أحرى أن ترجع إليه، فقال متمثلا: إذا انصرفت نفسى عن الشّيء لم تكد ... إليه بوجه آخر الدّهر تقبل (٢) ثم قال: حاجتك يا ابن صفوان، قلت: تزيدنى فى عطائى عشرة دنانير، فأطرق ثم قال: ولم؟ وفيم؟ العبادة أحدثتها فنعينك عليها، أم لبلاء حسن أبليته عند أمير المؤمنين؟ أم لماذا يا ابن صفوان؟ إذا يكثر السؤال، ولا يحتمل ذلك بيت المال. قال: فقلت: يا أمير المؤمنين؛ وفّقك الله وسدّدك، أنت والله كما قال أخو خزاعة: إذا المال لم يوجب عليك عطاءه ... قرابة قربى، أو صديق توامقه (٣) منعت- وبعض المنع حزم وقوّة- ... ولم تفتلتك المال إلّا حقائقه

стр. 930

فلما قدم خالد البصرة، قيل له: ما الّذي حملك على تزيين الإمساك له؟ قال: أحببت أن يمنع غيرى كما منعنى، فيكثر من يلومه. قال سيدنا أدام الله علوّه: وكان خالد مشهورا بالبلاغة وحسن العبارة. *** وبالإسناد المتقدم عن المدائنىّ قال: قال حفص بن معاوية بن عمرو الغلابىّ، قلت لخالد: يا أبا صفوان، إنى لأكره أن تموت وأنت من أيسر أهل البصرة فلا يبكيك إلا الإماء، قال: فابغنى امرأة، قلت: صفها لى أطلبها لك، قال: أريد بكرا كثيّب، أو ثيّبا كبكر، / لا ضرعا صغيرة، ولا مسنّة كبيرة؛ لم تقرأ فتجبن (١)، ولم تفتّ (٢) فتمجن؛ قد نشأت فى نعمة، وأدركتها خصاصة، فأدّبها الغنى، وأذلّها الفقر، حسبى من جمالها أن تكون فخمة من بعيد، مليحة من قريب؛ وحسبى من حسنها أن تكون واسطة قومها، ترضى منى بالسّنة؛ إن عشت أكرمتها، وإن متّ ورّثتها، لا ترفع رأسها إلى السماء نظرا، ولا تضعه إلى الأرض سقوطا. فقلت: يا أبا صفوان؛ إنّ الناس فى طلب هذه مذ زمان طويل فما يقدرون عليها. وكان يقول: إن المرأة لو خفّ محملها، وقلّت مئونتها ما ترك اللئام فيها للكرام بيتة ليلة؛ ولكن ثقل محملها، وعظمت مئونتها فاجتباها الكرام، وحاد عنها اللئام. وكان خالد من أشحّ الناس وأبخلهم؛ كان إذا أخذ جائزة أو غيرها قال للدرهم: أما والله لطالما أغرت فى البلاد وأنجدت؛ والله لأطيلن ضجعتك، ولأديمنّ صرعتك. وسأله رجل من بنى تميم فأعطاه دانقا، فقال: يا سبحان الله! أتعطى مثلى دانقا! فقال له: لو أعطاك كلّ رجل من بنى تميم مثل ما أعطيتك لرحت ذا مال عظيم. وسأله رجل، فأعطاه درهما فاستقلّه، فقال: يا أحمق، أما علمت أنّ الدرهم عشر العشرة، والعشرة عشر المائة، والمائة عشر الألف، والألف عشر دية مسلم! وكان يقول: والله ما تطيب نفسى بإنفاق درهم إلا درهما قرعت به باب الجنة، أو درهما اشتريت به موزا.

стр. 931

وقال: لأن يكون لى ابن يحب الخمر أحبّ إلى من أن يكون لى ابن يحبّ اللحم؛ لأنه متى طلب اللحم وجده، والخمر يفقده أحيانا. وكان يقول: من كان ماله كفافا فليس بغنىّ ولا فقير؛ لأن النائبة إذا نزلت به أجحفت بكفافه؛ ومن كان ماله دون الكفاف فهو فقير، ومن كان ماله فوق الكفاف فهو غنىّ. وكان يقول: لأن يكون لأحدكم جار يخاف أن ينقب عليه بيته خير من أن يكون له جار من التجار؛ لا يشاء أن يعطيه مالا ويكتب به عليه صكّا إلا فعل.

стр. 932

مجلس آخر ٧٧ تأويل آية [إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ، وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ/ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ] إن سأل سائل عن قوله تعالى: إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ، وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ/ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ؛ [الأنعام: ٣٣]. فقال: كيف يخبر عنهم بأنهم لا يكذّبون نبيّه ﵇، ومعلوم منهم إظهار التكذيب، والعدول عن الاستجابة والتصديق، وكيف ينفى عنهم التكذيب ثم يقول: إنهم بآيات الله يجحدون؟ وهل الجحد بآيات الله إلا تكذيب نبيه ﵇! الجواب، قلنا: قد ذكر فى هذه الآية وجوه: أولها أن يكون إنما نفى تكذيبهم بقلوبهم تدينا واعتقادا، وإن كانوا يظهرون بأفواههم التكذيب؛ لأنّا نعلم أنه قد كان فى المخالفين له ﵇ من يعلم صدقه، ولا ينكر بقلبه حقّه؛ وهو مع ذلك معاند؛ فيظهر خلاف ما يبطن، وقد قال تعالى: وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ؛ [البقرة: ١٤٦]. ومما يشهد لهذه الوجه من طريق الرواية ما رواه سلّام بن مسكين عن أبى يزيد المدنىّ أن رسول الله صلى الله عليه وآله لقى أبا جهل فصافحه أبو جهل، فقيل له: يا أبا الحكم، أتصافح هذا الصّبيّ؟ فقال: والله إنى لأعلم أنه نبىّ؛ ولكن متى كنا تبعا لبنى عبد مناف! فأنزل الله تعالى الآية. وفى خبر آخر أن الأخنس بن شريق خلا بأبي جهل، فقال له: يا أبا الحكم، أخبرنى عن محمد صلى الله عليه وآله، أصادق هو أم كاذب! فإنه ليس هاهنا من قريش أحد غيرى وغيرك يسمع كلامنا، فقال له أبو جهل: ويحك! والله إنّ محمدا لصادق، وما كذب

стр. 933

محمد قط؛ ولكن إذا ذهب بنو قصىّ باللواء والحجابة والسّقاية والنّدوة والنبوّة، ماذا يكون لسائر قريش! والوجه الثانى أن يكون معنى: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ أى لا يفعلون ذلك بحجة، ولا يتمكون من إبطال ما جئت به ببرهان؛ وإنما يقتصرون على الدعوى الباطلة؛ وهذا فى الاستعمال معروف؛ لأنّ القائل يقول: فلان لا يستطيع أن يكذّبنى ولا يدفع قولى؛ وإنما يريد أنه لا يتمكّن من إقامة دليل على كذبه، وحجة فى دفع قوله؛ وإن كان يتمكن من التكذيب بلسانه وقلبه، فيصير ما يقع من التكذيب من غير حجّة ولا برهان غير معتد به. وروى عن أمير المؤمنين عليّ ﵇ أنه قرأ هذه الآية بالتخفيف: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ، ويقول: أنّ المراد بها أنهم/ لا يأتون بحق هو أحقّ من حقك. وقال محمد بن كعب القرظىّ: معناها لا يبطلون ما فى يديك؛ وكل ذلك يقوّى هذا الوجه؛ وسنبيّن أنّ معنى هذه اللفظة مشدّدة يرجع إلى معناها مخففة. والوجه الثالث أن يكون معنى الآية أنهم لا يصادفونك ولا يلفونك متقوّلا؛ كما يقولون: قاتلته فما أجبنته، أى ما وجدته جبانا، وحادثته فما أكذبته؛ أى لم ألفه كاذبا؛ وقال الأعشى: أثوى وقصّر ليلة ليزوّدا ... فمضى وأخلف من قتيلة موعدا (١) أراد أنه صادف منها خلفا المواعيد، ومثله قولهم: أصممت القوم؛ إذا صادفتهم صما، وأخليت الموضع، إذا صادفته خاليا؛ قال الشاعر: أبيت مع الحدّاث ليلى فلم أبن ... فأخليت فاستجمعت عند خلائيا أى أصبت مكانا خاليا.

стр. 934

ومثله لهيمان بن أبى قحافة: يسنّ أنيابا له لوامجا (١) ... أوسعن من أشداقه المضارجا (٢) يعنى ب «أوسعن» أصبن منابت واسعة فنبتن فيها. وقال عمرو بن براق: تحالف أقوام عليّ ليسمنوا ... وجرّوا عليّ الحرب إذ أنا سائم (٣) يقال: أسمن بنو فلان، إذا رعت إبلهم فصادفوا فيها سمنا. وقال أبو النجم: مستأسدا ذبابه فى غيطل ... يقلن للرائد أعشبت انزل (٤) أى أصبت مكانا معشبا. وقال ذو الرّمة: تريك بياض لبّتها ووجها ... كقرن الشّمس أفتق ثمّ زالا (٥) أى وجد فتقا من السحاب. وليس لأحد أن يجعل هذا الوجه مختصا بالقراءة بالتخفيف دون التشديد؛ لأن فى الوجهين معا يمكن هذا الجواب، لأن «أفعلت» و «فعلت» يجوزان فى هذا الموضع، و «أفعلت» بالتخفيف هو الأصل ثم شدد تأكيدا وإفادة لمعنى التكرار؛ وهذا مثل أكرمت وكرّمت، وأعظمت وعظّمت، وأوصيت ووصّيت، وأبلغت وبلّغت؛ وهو كثير/؛ قال الله تعالى: فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً [الطارق: ١٧]؛ إلا أن التخفيف أشبه بهذا الوجه؛ لأن استعمال هذه اللفظة مخففة فى هذا المعنى أكثر. والوجه الرابع ما حكى الكسائىّ من قوله: إن المراد أنهم لا ينسبونك إلى الكذب فيما أثبت به؛ لأنه كان أمينا صادقا لم يجرّبوا عليه كذبا؛ وإنما كانوا يدفعون ما أتى به، ويدّعون أنه فى نفسه كذب؛ وفى الناس من يقوّى هذا الوجه، وأن القوم كانوا يكذّبون ما أتى به، وإن

стр. 935

كانوا يصدقونه فى نفسه بقوله تعالى: وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ؛ وبقوله تعالى: وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ؛ [الأنعام: ٦٦]؛ ولم يقل: وكذّبك قومك. وكان الكسائىّ يقرأ: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ بالتخفيف ونافع من بين سائر السبعة، والباقون على التشديد؛ ويزعم أنّ بين أكذبه وكذّبه فرقا، وأن معنى أكذب الرجل، أنه جاء بكذب، ومعنى كذّبته أنه كذاب فى كل حديثه. وهذا غلط وليس بين «فعّلت» و «أفعلت» فى هذه الكلمة فرق من طريق المعنى أكثر مما ذكرناه من أنّ التشديد يقتضي التكرار والتأكيد، ومع هذا لا يجوز أن يصدّقوه فى نفسه، ويكذّبوا بما أتى به؛ لأن من المعلوم أنه ﵇ كان يشهد بصحة ما أتى به وصدقه، وأنه الدين القيم، والحق الّذي لا يجوز العدول عنه؛ فكيف يجوز أن يكون صادقا فى خبره وكان الّذي أتى به فاسدا! بل إن كان صادقا فالذى أتى به حقّ صحيح، وإن كان الّذي أتى به فاسدا؛ فلا بد من أن يكون فى شيء من ذلك كاذبا؛ وهو تأويل من لا يتحقق المعانى. والوجه الخامس أن يكون المعنى فى قوله تعالى: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ أن تكذيبك راجع إلى، وعائد عليّ؛ ولست المختص به؛ لأنه رسول فمن كذبه فهو فى الحقيقة مكذّب لله تعالى ورادّ عليه. وهذا كما يقول أحدنا لرسوله: امض فى كذا فمن كذّبك فقد كذبنى، ومن دفعك فقد دفعنى؛ وذلك من الله على سبيل التسلية لنبيه ﵇؛ والتعظيم والتغليظ لتكذيبه. والوجه السادس أن يريد: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ فى الأمر الّذي يوافق فيه تكذيبهم، وإن كذبوك فى غيره. ويمكن فى الآية وجه سابع، وهو أن يريد تعالى أن جميعهم لا يكذبونك وإن كذّبك بعضهم؛ فهم الظالمون الذين ذكروا فى آخر الآية بأنهم يجحدون بآيات الله؛ وإنما سلّى نبيه ﵇ بهذا القول وعزّاه؛ فلا ينكر أن يكون موسى ﵇ لما استوحش من تكذيبهم له وتلقيهم إياه بالرد؛ وظن أنه لا متّبع له منهم، ولا ناصر لدينه فيهم أخبره

стр. 936

الله تعالى بأنّ البعض وإن كذبك فإن فيهم من يصدقك ويتبعك وينتفع بإرشادك وهدايتك؛ وكل هذا واضح والمنة لله. *** قال سيدنا أدام الله علوّه: ومن جيد الشعر قول مطرود بن كعب الخزاعىّ: يا أيّها الرّجل المحوّل رحله ... ألّا نزلت بآل عبد مناف! (١) هبلتك أمّك لو نزلت عليهم ... ضمنوك من جوع ومن إقراف (٢) الآخذون العهد من آفاقها ... والرّاحلون لرحلة الإيلاف والمطعمون إذا الرّياح تناوحت ... ورجال مكّة مسنتون عجاف والمفضلون إذا المحول ترادفت ... والقائلون هلمّ للأضياف والخالطون غنيّهم بفقيرهم ... حتى يكون فقيرهم كالكافي (٣) كانت قريش بيضة فتفلّقت ... فالمحّ خالصة لعبد مناف (٤)

стр. 937

أما قوله: * والراحلون لرحلة الإيلاف* فكان هاشم صاحب إيلاف قريش للرحلتين وأول من سنهما، فألفوا الرحلتين: فى الشتاء إلى اليمن والحبشة والعراق، وفى الصيف إلى الشام. وفى ذلك يقول ابن الزّبعرى: عمرو العلا هشم الثريد لقومه ... ورجال مكّة مسنتون عجاف (١) وهو الّذي سنّ الرّحيل لقومه ... رحل الشّتاء ورحلة (٢) الأضياف فأما «المسنتون» فهم الذين أصابتهم السنة المجدبة الشديدة. وقوله: * والخالطون غنيّهم بفقيرهم* من أحسن الكلام وأخصره؛ وإنما أراد أنهم يفضلون على الفقير حتى يعود غنيا/ ذا ثروة. ولأحمد بن يوسف أبيات على هذا الوزن يمزح بها مع ولد سعيد بن سلم الباهلىّ، وكان لهم صديقا: أبني سعيد إنّكم من معشر ... لا يعرفون كرامة الأضياف (٣) قوم لباهلة بن يعصر إن هم ... نسبوا حسبتهم لعبد مناف قرنوا الغداء إلى العشاء وقرّبوا ... زادا لعمر أبيك ليس بكاب وكأنّنى لمّا حططت إليهم ... رحلى نزلت بأبرق العزّاف (٤) بينا كذلك إذ أتى كبراؤهم ... يلحون فى التّبذير والإسراف

стр. 938

أراد بقوله: «قرنوا الغداء إلى العشاء» من بخلهم واختصارهم فى المطعم؛ ويقال: إنّ هذا الشعر حفظ وصار من أكثر ما يسبّون به ويسبّ قومهم؛ ولرب مزح جرّ جدّا، وعثرة الشعر لا تستقال؛ والشعر يسير بحسب جودته. ولقد أحسن دعبل بن على فى قوله: نعونى ولمّا ينعنى غير شامت ... وغير عدوّ قد أصيبت مقاتله (١) يقولون إن ذاق الرّدى مات شعره ... وهيهات عمر الشّعر طالت طوائله! سأقضى ببيت يحمد النّاس أمره ... ويكثر من أهل الرّواية حامله يموت رديّ الشّعر من قبل ربّه ... وجيّده يبقى؛ وإن مات قائله (٢) ولآخر فى هذا المعنى (٣): لا تعرضنّ بمزح لامرئ فطن ... ما راضه قلبه أجراه فى الثّبت (٤) فربّ قافية بالمزح جارية ... مشئومة لم يرد إنماؤها نمت إنّى إذا قلت بيتا مات قائله ... ومن يقال له والبيت لم يمت

стр. 939

مجلس آخر ٧٨ تأويل آية أخرى [ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ. انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ/ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ] إن سأل سائل عن قوله تعالى: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ. انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ/ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ؛ [الأنعام: ٢٣، ٢٤] وعن قوله تعالى: وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ؛ [الأنعام: ٢٧، ٢٨]. فقال: كيف يقع من أهل الآخرة نفى الشرك عن أنفسهم، والقسم بالله تعالى عليه وهم كاذبون فى ذلك؛ مع أنهم عندكم فى تلك الحال لا يقع منهم شيء من القبيح لمعرفتهم بالله تعالى ضرورة؛ ولأنهم ملجئون هناك إلى ترك جميع القبائح، وكيف قال من بعد: وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ فشهد عليهم بالكذب، ثم علّقه بما لا يصح فيه معنى الكذب وهو التمنى؛ لأنهم تمنوا ولم يخبروا! الجواب، قلنا: أول ما نقوله: إنه ليس فى ظاهر الآية ما يقتضي أن قولهم: ما كُنَّا مُشْرِكِينَ إنما وقع فى الآخرة دون الدنيا؛ وإذا لم يكن ذلك فى الظاهر جاز أن يكون الإخبار يتناول حال الدنيا، وسقطت المسألة؛ وليس لأحد أن يتعلّق فى وقوع ذلك فى الآخرة بقوله تعالى قبل الآية: وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [الأنعام: ٢٢]؛ وأنه عقّب ذلك بقوله تعالى: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ؛ فيجب أن يكون الجميع مختصا بحال الآخرة؛ لأنه لا يمنع أن تكون الآية تتناول ما يجرى فى الآخرة، ثم تتلوها آية تتناول ما يجرى فى الدنيا؛ لأن مطابقة كل آية لما قبلها فى مثل هذا

стр. 940

غير واجبة، وقوله تعالى: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ لا تدلّ أيضا على أن ذلك يكون واقعا بعد ما خبر تعالى عنه فى الآية الأولى؛ فكأنه تعالى قال على هذا الوجه: إنا نحشرهم فى الآخرة ونقول: أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون؟ وما كان فتنتهم وسبب ضلالهم فى الدنيا إلا قولهم: وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ. وقد قيل فى الآية- على تسليم أنّ هذا القول يقع منهم فى الآخرة-: إنّ المراد به أنا ما كنا عند نفوسنا وفى اعتقادنا مشركين؛ بل كنا نعتقد أنا على الحق والهدى، وقوله تعالى من بعد: انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لم يرد هذا الخبر الّذي وقع منهم فى الآخرة؛ بل إنهم كذبوا على أنفسهم فى دار الدنيا بإخبارهم/ أنهم مصيبون محقّون غير مشركين؛ وليس فى الظاهر إلا أنهم كذبوا على أنفسهم من غير تخصيص بوقت؛ فلم يحمل على آخرة دون دنيا. ولو كان للآية ظاهر يقتضي وقوع ذلك فى الآخرة لحملناه على الدنيا؛ بدلالة أن أهل الآخرة لا يجوز أن يكذبوا لأنهم ملجئون إلى ترك القبيح. فأما قوله تعالى حاكيا عنهم: يا لَيْتَنا نُرَدُّ وقوله تعالى: فإنّهم لَكاذِبُونَ فمن الناس من حمل الكلام كله على وجه التمنى؛ فصرف قوله تعالى: وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ إلى غير الأمر الّذي تمنوه؛ [لأن التمنى لا يصح معه الصدق والكذب] (١)؛ لأنهما إنما يدخلان فى الأخبار المحضة؛ لأن قول القائل: ليت الله رزقنى ولدا؛ وليت فلانا أعطانى مالا أفعل به كذا وكذا لا يكون كذبا ولا صدقا؛ وقع ما تمناه أو لم يقع؛ فيجوز على هذا أن يكون قوله تعالى: وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ مصروفا إلى حال الدنيا، كأنه تعالى قال: وهم كاذبون فيما يخبرون به عن أنفسهم فى الدنيا من الإضافة واعتقاد الحق؛ أو يريد أنّهم كاذبون أن خبّروا (٢) عن أنفسهم أنهم متى ردوا آمنوا ولم يكذبوا؛ وإن كان ما كان مما حكى عنهم من التمنى ليس بخبر.

стр. 941

وقد يجوز أيضا أن يحمل قوله تعالى: وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ على غير الكذب الحقيقىّ؛ بل يكون المراد والمعنى أنهم تمنوا ما لا سبيل إليه فكذب (١) أملهم وتمنّيهم؛ وهذا مشهور فى الكلام؛ لأنهم يقولون لمن تمنى ما لا يدرك: كذب أملك، وأكدى رجاؤك؛ وما جرى مجرى ذلك؛ قال الشاعر: كذبتم وبيت الله لا تأخذونها ... مراغمة ما دام للسّيف قائم وقال آخر: كذبتم وبيت الله لا تنكحونها ... بنى شاب قرناها تصرّ وتحلب (٢) ولم يرد الكذب فى الأقوال؛ بل فى التمنى والأمل. وليس لأحد أن يقول: كيف يجوز من أهل الآخرة مع معارفهم الضرورية، وأنهم عالمون بأنّ الرجوع إلى الدنيا لا سبيل إليه أن يتمنوه؛ وذلك أنه غير ممتنع أن يتمنى المتمنّى ما يعلم أنّه لا يحصل ولا يقع؛ ولهذا يتعلّق التمنى للشيء/ بألّا يكون ما قد كان. ولقوّة اختصاص التمنى بما يعلم أنه لا يكون غلط قوم فجعلوا إرادة ما علم المريد أنه لا يكون تمنيا؛ فهذا الّذي ذكرناه وجه فى تأويل الآية. وفى الناس من يجعل بعض الكلام تمنّيا وبعضه إخبارا، وعلّق تكذيبهم بالخبر دون لَيْتَنا؛ فكان تقدير الآية: يا ليتنا نرد- وهذا هو التمنى- ثم قال من بعد: فإنّا لا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فأخبروا بما علم الله تعالى أنهم فيه كاذبون؛ وإن لم يعلموا من أنفسهم مثل ذلك؛ فلهذا كذّبهم الله تعالى. وكل هذا واضح. *** أخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال حدثنى أحمد بن عبد الله، وعبد الله بن يحيى العسكريّان (٣) قالا: حدثنا الحسن بن عليل العنزىّ قال حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الله العبدىّ قال حدثنا

стр. 942

أبو مسعر (١) - رجل منا من بنى غنم بن عبد القيس- قال: ورد (٢) منصور بن سلمة النّمرىّ على البرامكة، وهو شيخ كبير- وكان مروان بن أبى حفصة صديقا لى؛ على أنى كنت أبغضه وأمقته فى الله- فشكا إلى وقال: دخل علينا اليوم رجل أظنه شاميا- وقد تقدمته البرامكة فى الذكر عند الرشيد- فأذن له، فدخل فسلّم وأجاد، فأذن له الرشيد، فجلس. قال: فأوجست منه خوفا فقلت: يا نفس، أنا حجازىّ نجدى شافهت العرب وشافهتنى، وهذا شامىّ؛ أفتراه أشعر منى! قال: فجعلت أرفو (٣) نفسى إلى أن استنشده هارون؛ فإذا هو والله من أفصح الناس، فدخلنى له حسد؛ قال: فأنشده قصيدة تمنيت أنها لي؛ وأنّ عليّ غرما، فقلت له: ما هى؟ قال: أحفظ منها أبياتا، وهى: أمير المؤمنين إليك خضنا ... غمار الموت من بلد شطير بخوص كالأهلّة جانفات ... تميل على السّرى وعلى الهجير حملن إليك آمالا عظاما ... ومثل الصخر والدّرّ النّثير فقد وقف المديح بمنتهاه ... وغايته وصار إلى المصير إلى من لا تشير إلى سواه ... - إذا ذكر النّدى- كفّ المشير / قال مروان: فوددت أنه قد أخذ جائزتى وسكت. وعجبت من تخلّصه إلى تلك القوافى. ثم ذكر ولد أمير المؤمنين عليّ ﵇، فأحسن التخلص، ورأيت هارون يعجب بذلك؛ فقال: يد لك فى رقاب بنى عليّ ... ومنّ ليس بالمنّ اليسير فإن شكروا فقد أنعمت فيهم ... وإلّا فالنّدامة للكفور مننت على ابن عبد الله يحيى ... وكان من الحتوف على شفير وقد سخطت لسخطتك المنايا ... عليه؛ فهى حائمة النّسور

стр. 943

ولو كافأت ما اجترحت يداه ... دلفت له بقاصمة الظّهور ولكن جلّ حلمك واجتباه ... على الهفوات عفو من قدير فعاد كأنّه لم يجن ذنبا ... وقد كان اجتنى حسك الصدور وإنّك حين تبلغهم أذاة ... - وإن ظلموا- لمحترق الضّمير وإن الرشيد قال لما سمع هذا البيت: هذا والله معنى كان فى نفسى؛ وأدخله بيت المال فحكّمه فيه. عدنا إلى الخبر، قال مروان: وكان هارون يبسم ويكاد يضحك للطف ما سمع؛ ثم أومأ إلى أن أنشد، فأنشدته قصيدتى التى أقول فيها: خلّوا الطّريق لمعشر عاداتهم ... حطم المناكب كلّ يوم زحام (١) حتى أتيت على آخرها؛ فو الله ما عاج ذلك الرجل/- يعنى النمرىّ- بشعرى، ولا حفل به. قال: وأنشده منصور يومئذ: إنّ لهارون إمام الهدى ... كنزين من أجر ومن برّ يريش ما تبرى اللّيالى ولا ... تريش أيديهنّ ما يبرى كأنّما البدر على رحله ... ترميك منه مقلتا صقر قال وأنشده أيضا: ولمن أضاع لقد عهدتك حافظا ... لوصيّة العبّاس بالأخوال / قال مروان: وأخلق به أن يغلبنى وأن يعلو عليّ عنده؛ فإنى ما رأيت أحسن من تخلّصه إذا ذكر الطالبيّين (٢). ***

стр. 944

أخبرنا المرزبانىّ قال حدثنى أبو عبد الله الحكيمىّ قال حدثنى يموت بن المزرّع قال حدثنى أبو عثمان الجاحظ قال: كان منصور النّمرىّ ينافق الرشيد ويذكر هارون فى شعره؛ ويريه أنّه من وجوه شيعته، وباطنه ومراده بذلك أمير المؤمنين ﵇، لقول النبي صلى الله عليه وآله: «أنت منى بمنزلة هارون من موسى»؛ إلى أن وشى عنده بعض أعدائه- وهو العتّابىّ- فقال: يا أمير المؤمنين، هو والله الّذي يقول: متى (١) يشفيك دمعك من همول ... ويبرد ما بقلبك من غليل! وأنشده أيضا: شاء من النّاس راتع هامل ... يعلّلون النّفوس بالباطل (٢) ومنصور يصرّح فى هذه القصيدة بالعجائب؛ فوجّه الرشيد برجل من فزارة، وأمره أن يضرب عنق منصور حيث تقع عينه عليه؛ فقدم الرجل رأس عين (٣) بعد موت منصور بأيام قلائل. قال المرزبانىّ: ويصدّق قول الجاحظ أنّ النّمرىّ كان يذكر هارون فى شعره؛ وهو يعنى به أمير المؤمنين عليّا ﵇ ما أنشدناه (٤) محمد بن الحسن بن دريد للنّمرىّ: آل الرّسول خيار الناس كلّهم ... وخير آل رسول الله هارون رضيت حكمك لا أبغى به بدلا ... لأنّ حكمك بالتّوفيق مقرون *** وروى أنّ أبا عصمة الشيعىّ لما أوقع بأهل ديار ربيعة أوفدت ربيعة وفدا إلى الرشيد، فيهم منصور النّمرىّ؛ فلما صاروا بباب الرشيد أمرهم باختيار من يدخل عليه، فاختاروا عددا بعد عدد، إلى أن اختاروا رجلين؛ النّمرىّ أحدهما؛ ليدخلا ويسألا حوائجهما- وكان

стр. 945

النّمرىّ مؤدبا، لم يسمع منه شعر قط قبل ذلك، ولا عرف به- فلما مثل هو وصاحبه بين يدى الرشيد قال لهما: قولا ما تريدان، فاندفع النّمرىّ فأنشد: * ما تنقضى حسرة منّى ولا جزع* فقال له الرشيد: قل حاجتك وعدّ عن هذا، فقال: * إذا ذكرت شبابا ليس يرتجع* / وأنشده القصيدة حتى أتى إلى قوله: ركب من النّمر عاذوا بابن عمّهم ... من هاشم إذ ألحّ الأزلم الجذع (١) متّوا إليك بقربى منك تعرفها ... لهم بها فى سنام المجد مطّلع إنّ المكارم والمعروف أودية ... أحلّك الله منها حيث تجتمع (٢) إذا رفعت امرأ فالله رافعه ... ومن وضعت من الأقوام متّضع نفسى فداؤك والأبطال معلمة ... يوم الوغى والمنايا بينهم قرع حتى أتى إلى آخرها؛ فقال: ويحك! قل حاجتك فقال: يا أمير المؤمنين، أخربت الديار، وأخذت الأموال، وهتك الحرم؛ فقال: اكتبوا له بكلّ ما يريد؛ وأمر له بثلاثين ألف درهم، واحتبسه عنده، وشخص أصحابه بالكتب، ولم يزل عنده يقول الشعر فيه حتى استأذنه فى الانصراف فأذن له؛ ثم اتصل بالرشيد قوله: شاء من النّاس راتع هامل ... يعلّلون النّفوس بالباطل تقتل ذرّيّة النّبيّ ويرجو ... ن خلود الجنان للقاتل ما الشّكّ عندى فى كفر قاتله ... لكنّنى قد أشكّ فى الخاذل فامتعض الرشيد وأنفذ من يقتله؛ فوجده فى بعض الروايات ميتا، وفى أخرى عليلا لما به، فسئل الرسول ألّا يأثم به؛ وأن ينتظر موته، ففعل ولم يبرح حتى توفّى، فعاد بخبر موته إلى هارون.

стр. 946

وللنّمرىّ: لو كنت أخشى معادى حقّ خشيته ... لم تسم عينى إلى الدّنيا ولم تنم لكنّنى عن طلاب الدّين محتبل ... والعلم مثل الغنى والجهل كالعدم يحاولون دخولى فى سوادهم ... لقد (١) أطافوا بصدع غير ملتئم ما يغلبون (٢) النّصارى واليهود على ... حبّ (٣) القلوب ولا العبّاد للصّنم

стр. 947

مجلس آخر ٧٩ تأويل آية [وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ. بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ] إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ. بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ؛ [التكوير: ٨، ٩] فقال: كيف يصحّ أن يسأل من لا ذنب له ولا عقل؟ وأىّ فائدة فى سؤالها عن ذلك؟ وما وجه الحكمة فيه؟ وما الموءودة؟ ومن أىّ شيء اشتقاق هذه اللفظة؟ الجواب، قلنا: أما معنى سُئِلَتْ ففيه وجهان: أحدهما أن يكون المراد أن قاتلها طولب بالحجة فى قتلها، وسئل عن قتله لها، وبأىّ ذنب كان؛ على سبيل التوبيخ والتعنيف وإقامة الحجة. فالقتلة هاهنا هم المسئولون على الحقيقة لا المقتولة؛ وإنما المقتولة مسئول عنها. ويجرى هذا مجرى قولهم: سألت حقى، أى طالبت به؛ ومثله قوله تعالى: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا؛ [الإسراء: ٣٤]؛ أى مطالبا به مسئولا عنه. والوجه الآخر أن يكون السؤال توجّه إليها على الحقيقة على سبيل التوبيخ لقائلها، والتقريع له، والتنبيه له على أنّه لا حجة له فى قتلها؛ ويجرى هذا مجرى قوله تعالى لعيسى ﵇: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ؛ [المائدة: ١١٦]، على طريق التوبيخ لقومه وإقامة الحجة عليهم. فإن قيل على هذا الوجه: كيف يخاطب ويسأل من لا عقل له ولا فهم! والجواب، أن فى الناس من زعم أن الغرض بهذا القول إذا كان تبكيت الفاعل وتهجينه

стр. 948

وإدخال الغمّ عليه فى ذلك الوقت على طريق العقاب لم يمتنع أن يقع، وإن لم يكن من الموءودة فهم له؛ لأن الخطاب وإن علّق عليها، وتوجّه إليها فالغرض فى الحقيقة غيرها؛ وهذا يجرى مجرى من ضرب ظالم طفلا من ولده يقول: ولم (١) ضربت؟ وما ذنبك؟ وبأى شيء استحلّ (٢) هذا منك؟ وغرضه تبكيت الظالم لا خطاب الطفل. فالأولى أن يقال فى هذا: إن الأطفال وإن كان (٣) من جهة العقول لا يجب فى وصولهم إلى الأغراض المستحقة أن يكونوا كاملى العقول؛ كما يجب مثل ذلك فى الوصول إلى الثواب؛ فإنّ الخبر متظاهر، والأمة متفقة على أنهم فى الآخرة، وعند دخولهم الجنان يكونون على/ أكمل الهيئات؛ وأفضل الأحوال؛ وإنّ عقولهم تكون كاملة؛ فعلى هذا يحسن توجّه الخطاب إلى الموءودة؛ لأنها تكون فى تلك الحال ممن تفهم الخطاب وتعقله، وإن كان الغرض فيه التبكيت للقائل، وإقامة الحجة عليه. وقد روى عن أمير المؤمنين ﵇؛ وابن عباس، ويحيى بن يعمر، ومجاهد، ومسلم ابن صبيح، وأبى الضحى؛ ومروان، وأبى صالح، وجابر بن زيد أنهم قرءوا سالت بفتح السين والهمزة وإسكان التاء بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ بإسكان اللام وضم التاء الثانية؛ على أن الموءودة موصوفة بالسؤال، وبالقول بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ. وروى القطعىّ عن سليمان الأعمش عن حفص عن عاصم: قُتِلَتْ بضم التاء الثانية، وفى سُئِلَتْ مثل قراءة الجمهور بضم السين. وروى عن أبى جعفر المدنى: قُتِلَتْ بالتشديد وإسكان التاء الثانية. وروى عن بعضهم: وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ بفتح الميم والواو. فأما من قرأ سألت بفتح السين؛ فيمكن فيه الوجهان اللذان ذكرناهما؛ من أن الله تعالى أكملها فى تلك الحال، وأقدرها على النطق.

стр. 949

والوجه الآخر أن يكون معنى سألت أى سئل لها وطولب بحقها وانتصف لها من ظالمها؛ فكأنها هى السائلة تجوزا واتساعا. ومن قرأ بفتح السين من سألت ويضم التاء الثانية من قُتِلَتْ فعلى أنها هى المخاطبة بذلك. ويجوز على هذا الوجه أيضا قُتِلَتْ بإسكان التاء الأخيرة كقراءة الجماعة؛ لأنه إخبار عنها، كما يقال: سأل زيد: بأى ذنب ضرب؛ وبأى ذنب ضربت. ويقوّى هذه القراءة فى سألت ما روى عن النبي صلى الله عليه وآله من قوله: «يجيء المقتول ظلما يوم القيامة وأوداجه تشخب دما، اللون لون الدم، والريح ريح المسك، متعلقا بقاتله يقول: يا رب سل هذا فيم قتلنى» فأما القراءة المأثورة عن حفص عن عاصم فى ضم التاء الأخيرة من قُتِلَتْ مع ضم السين سُئِلَتْ فمعناها وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ: ما تبغى؟ فقالت: بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ فأضمر قولها. والعرب قد تضمر مثل هذا لدلالة الخطاب عليه، وارتفاع الإشكال عنه؛ مثل قوله تعالى: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا؛ أى ويقولان ذلك؛ ونظائره/ فى القرآن كثيرة (١) جدا. فأما قراءة من قرأ قُتِلَتْ بالتشديد فالمراد به تكرار الفعل بالموءودة هاهنا، وإن كان لفظها لفظ واحدة فالمراد به الجنس، وإرادة التكرار جائزة. فأما من قرأ المودة بفتح الميم والواو، فعلى أن يكون الرحم والقرابة، وأنه يسأل قاطعها عن سبب قطعها وتضييمها، قال الله تعالى: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ؛ [محمد: ٢٢]. فأما الموءودة فهى المقتولة صغيرة، وكانت العرب فى الجاهلية تئد البنات بأن يدفنوهنّ أحياء، وهو قوله تعالى: أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ؛ [النحل: ٥٩]؛ وقوله تعالى: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ؛ [الأنعام: ١٤٠]. ويقال: إنهم كانوا يفعلون ذلك لأمرين:

стр. 950

أحدهما أنهم كانوا يقولون: إن الملائكة بنات الله، فألحقوا البنات بالله، فهو أحق بها منّا. والأمر الآخر أنهم كانوا يقتلونهنّ خشية الإملاق، قال الله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ؛ [الأنعام: ١٥١]. قال سيدنا أدام الله علوّه: ووجدت أبا عليّ الجبائىّ وغيره يقول: إنما قيل لها موءودة؛ لأنها ثقّلت بالتراب الّذي طرح عليها حتى ماتت. وفى هذا بعض النظر؛ لأنهم يقولون من الموءودة: وأدت أئد وأدا، والفاعل وائد، والفاعلة وائدة، ومن الثّقل يقولون: آدنى الشيء يئودنى؛ إذا أثقلنى، أودا. وروى عن النبي صلى الله عليه وآله أنه سئل عن العزل فقال: «ذاك الوأد الخفىّ». وقد روى عن جماعة من الصحابة كراهية ذلك، وقال قوم فى الخبر الّذي ذكرناه: إنه منسوخ بما روى عنه ﵇ أنه قيل له: إن اليهود يقولون فى العزل هى الموءودة الصغرى، فقال: «كذبت يهود، لو أراد الله تعالى أن يخلقه لم يستطع أن يصرفه». وقد يجوز أن يكون قوله ﵇: «ذاك الوأد الخفىّ» على طريق تأكيد الترغيب فى طلب النسل وكراهية العزل؛ لا على أنه محظور محرّم. *** وصعصعة بن ناجية بن عقال، جدّ الفرزدق بن غالب؛ كان ممن فدى الموءودات فى الجاهلية، ونهى عن قتلهن. ويقال: إنه أحيا ألف موءودة، وقيل دون ذلك. وقد افتخر الفرزدق بهذا فى قوله: / ومنّا الّذي منع الوائدات ... وأحيا الوئيد فلم توأد (١) وفى قوله: ومنّا الّذي أحيا الوئيد وغالب ... وعمرو، ومنّا حاجب والأقارع (٢)
следующие страницы →