стр. 946
← Адаб следующие страницы →
Адаб · id 20937
أمالي المرتضى غرر الفوائد ودرر القلائد (معتزلي)
الشريف المرتضى
Полный текст (1 078 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 947
مجلس آخر ٧٩
تأويل آية [وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ. بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ. بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ؛ [التكوير: ٨، ٩]
فقال: كيف يصحّ أن يسأل من لا ذنب له ولا عقل؟ وأىّ فائدة فى سؤالها عن ذلك؟
وما وجه الحكمة فيه؟ وما الموءودة؟ ومن أىّ شيء اشتقاق هذه اللفظة؟
الجواب، قلنا: أما معنى سُئِلَتْ ففيه وجهان:
أحدهما أن يكون المراد أن قاتلها طولب بالحجة فى قتلها، وسئل عن قتله لها، وبأىّ ذنب كان؛ على سبيل التوبيخ
والتعنيف وإقامة الحجة. فالقتلة هاهنا هم المسئولون على الحقيقة لا المقتولة؛ وإنما المقتولة مسئول عنها. ويجرى هذا مجرى قولهم: سألت حقى، أى طالبت به؛ ومثله قوله تعالى: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا؛ [الإسراء: ٣٤]؛ أى مطالبا به مسئولا عنه.
والوجه الآخر أن يكون السؤال توجّه إليها على الحقيقة على سبيل التوبيخ لقائلها، والتقريع له، والتنبيه له على أنّه لا حجة له فى قتلها؛ ويجرى هذا مجرى قوله تعالى لعيسى ﵇:
أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ؛ [المائدة: ١١٦]، على طريق التوبيخ لقومه وإقامة الحجة عليهم.
فإن قيل على هذا الوجه: كيف يخاطب ويسأل من لا عقل له ولا فهم!
والجواب، أن فى الناس من زعم أن الغرض بهذا القول إذا كان تبكيت الفاعل وتهجينه
стр. 948
وإدخال الغمّ عليه فى ذلك الوقت على طريق العقاب لم يمتنع أن يقع، وإن لم يكن من الموءودة فهم له؛ لأن الخطاب وإن علّق عليها، وتوجّه إليها فالغرض فى الحقيقة غيرها؛ وهذا يجرى مجرى من ضرب ظالم طفلا من ولده يقول: ولم (١) ضربت؟ وما ذنبك؟ وبأى شيء استحلّ (٢) هذا منك؟ وغرضه تبكيت الظالم لا خطاب الطفل. فالأولى أن يقال فى هذا: إن الأطفال وإن كان (٣) من جهة العقول لا يجب فى وصولهم إلى الأغراض المستحقة أن يكونوا كاملى العقول؛ كما يجب مثل ذلك فى الوصول إلى الثواب؛ فإنّ الخبر متظاهر، والأمة متفقة على أنهم فى الآخرة، وعند دخولهم الجنان يكونون على/ أكمل الهيئات؛ وأفضل الأحوال؛ وإنّ عقولهم تكون كاملة؛ فعلى هذا يحسن توجّه الخطاب إلى الموءودة؛ لأنها تكون فى تلك الحال ممن تفهم الخطاب وتعقله، وإن كان الغرض فيه التبكيت للقائل، وإقامة الحجة عليه.
وقد روى عن أمير المؤمنين ﵇؛ وابن عباس، ويحيى بن يعمر، ومجاهد، ومسلم ابن صبيح، وأبى الضحى؛ ومروان، وأبى صالح، وجابر بن زيد أنهم قرءوا سالت بفتح السين والهمزة وإسكان التاء بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ بإسكان اللام وضم التاء الثانية؛ على أن الموءودة موصوفة بالسؤال، وبالقول بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ.
وروى القطعىّ عن سليمان الأعمش عن حفص عن عاصم: قُتِلَتْ بضم التاء الثانية، وفى سُئِلَتْ مثل قراءة الجمهور بضم السين.
وروى عن أبى جعفر المدنى: قُتِلَتْ بالتشديد وإسكان التاء الثانية.
وروى عن بعضهم: وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ بفتح الميم والواو.
فأما من قرأ سألت بفتح السين؛ فيمكن فيه الوجهان اللذان ذكرناهما؛ من أن الله تعالى أكملها فى تلك الحال،
وأقدرها على النطق.
стр. 949
والوجه الآخر أن يكون معنى سألت أى سئل لها وطولب بحقها وانتصف لها من ظالمها؛ فكأنها هى السائلة تجوزا واتساعا. ومن قرأ بفتح السين من سألت ويضم التاء الثانية من قُتِلَتْ فعلى أنها هى المخاطبة بذلك.
ويجوز على هذا الوجه أيضا قُتِلَتْ بإسكان التاء الأخيرة كقراءة الجماعة؛ لأنه إخبار عنها، كما يقال: سأل زيد: بأى ذنب ضرب؛ وبأى ذنب ضربت. ويقوّى هذه القراءة فى سألت ما روى عن النبي صلى الله عليه وآله من قوله: «يجيء المقتول ظلما يوم القيامة وأوداجه تشخب دما، اللون لون الدم، والريح ريح المسك، متعلقا بقاتله يقول: يا رب سل هذا فيم قتلنى»
فأما القراءة المأثورة عن حفص عن عاصم فى ضم التاء الأخيرة من قُتِلَتْ مع ضم السين سُئِلَتْ فمعناها وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ: ما تبغى؟ فقالت: بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ فأضمر قولها. والعرب قد تضمر مثل هذا لدلالة الخطاب عليه، وارتفاع الإشكال عنه؛ مثل قوله تعالى: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا؛ أى ويقولان ذلك؛ ونظائره/ فى القرآن كثيرة (١) جدا.
فأما قراءة من قرأ قُتِلَتْ بالتشديد فالمراد به تكرار الفعل بالموءودة هاهنا، وإن كان لفظها لفظ واحدة فالمراد به الجنس، وإرادة التكرار جائزة.
فأما من قرأ المودة بفتح الميم والواو، فعلى أن يكون الرحم والقرابة، وأنه يسأل قاطعها عن سبب قطعها وتضييمها، قال الله تعالى: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ؛ [محمد: ٢٢].
فأما الموءودة فهى المقتولة صغيرة، وكانت العرب فى الجاهلية تئد البنات بأن يدفنوهنّ أحياء، وهو قوله تعالى: أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ؛ [النحل: ٥٩]؛ وقوله تعالى: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ؛ [الأنعام: ١٤٠].
ويقال: إنهم كانوا يفعلون ذلك لأمرين:
стр. 950
أحدهما أنهم كانوا يقولون: إن الملائكة بنات الله، فألحقوا البنات بالله، فهو أحق بها منّا.
والأمر الآخر أنهم كانوا يقتلونهنّ خشية الإملاق، قال الله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ؛ [الأنعام: ١٥١].
قال سيدنا أدام الله علوّه: ووجدت أبا عليّ الجبائىّ وغيره يقول: إنما قيل لها موءودة؛ لأنها ثقّلت بالتراب الّذي طرح عليها حتى ماتت. وفى هذا بعض النظر؛ لأنهم يقولون من الموءودة: وأدت أئد وأدا، والفاعل وائد، والفاعلة وائدة، ومن الثّقل يقولون: آدنى الشيء يئودنى؛ إذا أثقلنى، أودا.
وروى عن النبي صلى الله عليه وآله أنه سئل عن العزل فقال: «ذاك الوأد الخفىّ».
وقد روى عن جماعة من الصحابة كراهية ذلك، وقال قوم فى الخبر الّذي ذكرناه: إنه منسوخ بما روى عنه ﵇ أنه قيل له: إن اليهود يقولون فى العزل هى الموءودة الصغرى، فقال:
«كذبت يهود، لو أراد الله تعالى أن يخلقه لم يستطع أن يصرفه».
وقد يجوز أن يكون قوله ﵇: «ذاك الوأد الخفىّ» على طريق تأكيد الترغيب فى طلب النسل وكراهية العزل؛ لا على أنه محظور محرّم.
*** وصعصعة بن ناجية بن عقال، جدّ الفرزدق بن غالب؛ كان ممن فدى الموءودات فى الجاهلية، ونهى عن قتلهن. ويقال: إنه أحيا ألف موءودة، وقيل دون ذلك.
وقد افتخر الفرزدق بهذا فى قوله:
/ ومنّا الّذي منع الوائدات ... وأحيا الوئيد فلم توأد (١)
وفى قوله:
ومنّا الّذي أحيا الوئيد وغالب ... وعمرو، ومنّا حاجب والأقارع (٢)
стр. 951
وفى ذلك يقول أيضا:
أنا ابن عقال وابن ليلى وغالب ... وفكّاك أغلال الأسير المكفّر (١)
ليلى: أم غالب، وعقال: هو محمد (٢) بن سفيان بن مجاشع، وفكّاك الأغلال: ناجية ابن عقال، والمكفّر: هو الّذي كفّر وكبّل بالحديد-
وكان لنا شيخان ذو القبر منهما ... وشيخ أجار النّاس من كلّ مقبر (٣)
ذو القبر، غالب وكان يستجار بقبره، والّذي أجار الناس من المقبر وأحيا الوئيدة صعصعة (٤) -
على حين لا تحيا البنات وإذ هم ... عكوف على الأصنام حول المدوّر (٥)
أنا ابن الّذي ردّ المنيّة فضله ... وما حسب دافعت عنه بمعور (٦)
أبى أحد العينين (٧) صعصعة الّذي ... متى تخلف الجوزاء والنّجم يمطر
أجار بنات الوائدين ومن يجر ... على القبر (٨) يعلم أنّه غير مخفر
وفارق ليل من نساء أتت به (٩) ... تعالج ريحا ليلها غير مقمر
فارق، يعنى امرأة ماخضا؛ شبهها بالفارق من الإبل، وهى الناقة يضربها المخاض فتفارق الإبل، وتمضى على وجهها حتى تضع-
стр. 952
فقالت: أجر لى ما ولدت فإننى ... أتيتك من هزلى الحمولة مقتر (١)
رأى الأرض منها راحة فرمى بها ... إلى جدد (٢) منها وفى شرّ محفر
فقال لها: يا مىّ إنى بذمّتى ... لبنتك جار من أبيها القنوّر
القنوّر: السيئ الخلق-
*** وأخبرنا المرزبانىّ قال أخبرنا محمد بن يحيى الصولىّ قال حدثنا محمد بن زكريا الغلابىّ عن العباس بن بكار الضبىّ عن أبى بكر الهذلىّ. قال الصولىّ وحدثنا القاسم بن إسماعيل/ عن أبى عثمان المازنىّ عن أبى عبيدة بطرف منه قال: وفد صعصعة بن ناجية جدّ الفرزدق على رسول الله صلى الله عليه وآله فى وفد بنى تميم (٣)؛ وكان صعصعة منع الوئيد فى الجاهلية؛ فلم يدع تميما تئد (٤) وهو يقدر على ذلك؛ فجاء الإسلام وقد فدى فى بعض الروايات أربعمائة جارية، وفى الرواية الأخرى ثلاثمائة، فقال للنبى صلى الله عليه وآله: بأبى أنت وأمى أوصنى! قال: «أوصيك بأمك وأبيك وأختك وأخيك وأدانيك أدنانيك»، فقال: زدنى يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله:
«احفظ ما بين لحييك ورجليك»؛ ثم قال صلى الله عليه وآله: «ما شيء بلغنى عنك فعلته»؟
فقال: يا رسول الله؛ رأيت الناس يموجون على غير وجه، ولم أدر أين الصواب، غير أنّى علمت أنهم ليسوا عليه، فرأيتهم يئدون بناتهم؛ فعرفت أنّ ربهم لم يأمرهم بذلك، فلم أتركهم يئدون، وفديت ما قدرت عليه.
وفى رواية أخرى إن صعصعة لما وفد على النبي صلى الله عليه وآله، سمع قوله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ؛ [الزلزلة: ٧، ٨].
قال: حسبى، ما أبالى ألّا أسمع من القرآن غير هذا!
ويقال: إنه اجتمع جرير والفرزدق يوما عند سليمان بن عبد الملك فافتخرا، فقال الفرزدق:
стр. 953
أنا ابن محيى الموتى، فقال له سليمان: أنت ابن محيى الموتى! فقال: إن جدى أحيا الموءودة وقد قال الله تعالى: وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً؛ [المائدة: ٣٢]؛ وقد أحيا، جدى اثنتين وتسعين موءودة. فتبسم سليمان وقال: إنك مع شعرك لفقيه.
تأويل خبر [أنه نهى أن يصلّى الرجل وهو زناء]
إن سأل سائل عن معنى الخبر الّذي يروى (١) عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه نهى أن يصلّى الرجل وهو زناء.
الجواب؛ قلنا: الزناء هو الحاقن الّذي قد ضاق ذرعا ببوله؛ يقال: أزنأ الرجل بوله فهو يزنئه إزناء، وزنأ بوله يزنأ زنأ، قال الأخطل:
فإذا دفعت إلى زناء قعرها ... غبراء مظلمة من الأحفار (٢)
يعنى ضيق القبر، ويقال: لا تأت فلانا فإن منزله زناء، فيجوز أن يكون ضيّقا، ويجوز أن يكون عسر المرتقى؛ وكلاهما يئول إلى المعنى. ويقال: موضع زناء إذا كان ضيّقا صعبا، ومن ذلك قول أبى زبيد (٣) يصف أسدا:
/ أبنّ عرّيسة عنّابها أشب ... ودون غايته مستورد شرع (٤)
стр. 954
شأس الهبوط زناء الحاميين متى ... يبشع بواردة يحدث لها فزع (١)
يعنى «بزناء الحاميين» أنه ضيق جانبى الوادى. وقوله: «متى يبشع بواردة»، أى يضيق بجماعة ممن يرده؛ وإنما يحدث لها فزع من الأسد. والشأس: الغليظ؛ يقال: مكان شأس، إذا كان غليظا؛ ومن ذلك قولهم: زنأ فلان فى الجبل إذا كابد الصعود فيه؛ وهو يزنأ فى الجبل.
وروى أبو زيد: " أن (٢) قيس بن عاصم المنقرىّ أخذ صبيّا له يرقّصه- وأمّ ذلك الصبىّ منفوسة، وهى بنت زيد
الفوارس بن ضرار الضبىّ، فجعل قيس يقول له:
أشبه أبا أمّك أو أشبه عمل ... ولا تكوننّ كهلّوف وكل (٣)
يريد عملى. الوكل: الجبان. والهلّوف: الهرم المسنّ، وهو أيضا الكبير اللحية؛ وإنما أراد به هاهنا الجبان-
* وارق إلى الخيرات زنأ فى الجبل (٤) *
فأخذته أمه وجعلت ترقصه، وتقول:
أشبه أخى أو أشبهن أباكا ... أمّا أبى فلن تنال ذاكا
* تقصر عن مناله (٥) يداكا"*
стр. 955
مجلس آخر ٨٠
تأويل آية [وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ. فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ. وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ. فَكُّ رَقَبَةٍ. أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ. يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ.
أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ. ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ. أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ. وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصْحابُ ا لْمَشْأَمَةِ. عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ
]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ. فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ. وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ. فَكُّ رَقَبَةٍ. أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ. يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ. أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ. ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ. أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ. وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ. عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ؛ [البلد ١٠ - ٢٠].
فقال [: ما تأويل هذه الآية؟ وما معنى ما تضمنته] (١).
الجواب، أما ابتداء الآية فتذكير بنعم الله تعالى عليهم، وما أزاح به علتهم فى تكاليفهم، وما تفضّل به عليهم من الآلات التى يتوصلون بها إلى منافعهم، ويستدفعون بها المضارّ عنهم؛ لأن الحاجة ماسّة فى أكثر المنافع الدينية والدنيوية إلى العين للرؤية، واللسان للنطق، والشفتين لحبس الطعام والشراب/ ومسكهما فى الفم والنطق أيضا.
فأما النّجد فى لغة العرب فهو الموضع المرتفع من الأرض، والغور الهابط منها؛ وإنما سمّى الموضع المرتفع من أرض العرب نجدا لارتفاعه.
واختلف أهل التأويل فى المراد بالنجدين، فذهب قوم إلى أنّ المراد بهما طريقا الخير والشرّ؛ وهذا الوجه يروى عن على أمير المؤمنين ﵇، وابن مسعود، وعن الحسن وجماعة من المفسرين.
стр. 956
وروى أنه قيل لأمير المؤمنين عليّ ﵇: إن ناسا (١) يقولون فى قوله: وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ: إنهما الثديان، فقال ﵇: لا، إنهما الخير والشر.
وروى عن الحسن أنه قال: بلغنى أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: «أيها الناس، إنهما نجدان: نجد الخير ونجد الشر، فما جعل نجد الشرّ أحبّ إليكم من نجد الخير».
وروى عن قوم آخرين أنّ المراد بالنّجدين ثديا الأم.
فإن قيل: كيف يكون طريق الشر مرتفعا كطريق الخير، ومعلوم أنه لا شرف ولا رفعة فى الشر؟
قلنا: يجوز أن يكون إنما سماه نجدا لظهوره وبروزه لمن كلّف اجتنابه؛ ومعلوم أن الطريقتين جميعا باديان ظاهران للمكلفين. ويجوز أيضا أن يكون سمّى طريق الشر نجدا من حيث يحصل فى اجتناب سلوكه والعدول عنه
الشرف والرفعة؛ كما يحصل مثل ذلك فى سلوك طريق الخير؛ لأن الثواب الحاصل فى اجتناب طريق الشر كالثواب فى سلوك طريق الخير.
وقال قوم: إنما أراد بالنجدين أنا بصّرناه وعرفناه ماله وعليه، وهديناه إلى طريق استحقاق الثواب؛ وثنىّ النجدين على عادة العرب فى تثنية الأمرين إذا اتفقا فى بعض الوجوه، وأجرى لفظة أحدهما على الآخر، كما قيل فى الشمس والقمر: القمران، قال الفرزدق:
* لنا قمراها والنّجوم الطّوالع (٢) *
ولذلك نظائر كثيرة.
فأما قوله تعالى: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ؛ ففيه وجهان:
أحدهما أن يكون فَلَا بمعنى الجحد وبمنزلة «لم»، أى فلم يقتحم العقبة؛ وأكثر
стр. 957
ما يستعمل هذا الوجه بتكرير لفظ «لا»؛ كما قال سبحانه: فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى؛ [القيامة: ٣١] أى لم يصدّق ولم يصلّ، وكما قال الحطيئة:
وإن كانت النّعماء فيهم جزوا بها ... وإن أنعموا، لا كدّروها ولا كدّوا (١)
وقلّما يستعمل هذا المعنى من غير تكرير لفظ؛ لأنهم لا يقولون: لا جئتنى وزرتنى؛ يريدون: ما جئتنى؛ فإن قالوا: لا جئتنى ولا زرتنى صلح؛ إلا أن فى الآية ما ينوب مناب التكرار ويغنى عنه، وهو قوله تعالى: ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا؛ فكأنه قال: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ، ولا آمن؛ فمعنى التكرار حاصل.
والوجه الآخر: أن تكون «لا» جارية مجرى الدعاء؛ كقولك: لا نجا ولا سلم، ونحو ذلك.
وقال قوم: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ أى فهلّا اقتحم العقبة! أو أفلا اقتحم العقبة! قالوا:
ويدل على ذلك قوله تعالى: ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ، ولو كان أراد النفى لم يتصل الكلام.
وهذا الوجه ضعيف جدا، لأن قوله تعالى: فَلَا خال من لفظ الاستفهام، وقبيح حذف حرف الاستفهام فى مثل هذا
الموضع، وقد عيب على عمر بن أبى ربيعة قوله:
ثمّ قالوا: تحبّها؟ قلت: بهرا ... عدد القطر والحصى والتراب (٢)
فأما الترجيح بأن الكلام لو أريد به النفى لم يتصل فقد بيّنا أنه متصل، مع أنّ المراد به النفى؛ لأن قوله تعالى: ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا معطوف على قوله: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ، أى فلا اقتحم العقبة، ثم كان من الذين آمنوا. والمعنى أنه ما اقتحم العقبة ولا آمن؛ على ما بينا.
فأما المراد بالعقبة فاختلف فيه، فقال قوم: هى عقبة ملساء فى جهنم، واقتحامها فكّ رقبة.
وروى عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: «إن أمامكم عقبة كئودا لا يجوزها المثقلون (٣)، وأنا أريد أن أتخفف لتلك العقبة»: وروى عن ابن عباس أنه قال: هى عقبة كئود فى
стр. 958
جهنم، وروى أيضا أنه قال: العقبة هى النّار نفسها؛ فعلى الوجه الأول يكون التفسير للعقبة بقوله: فَكُّ رَقَبَةٍ على معنى ما يؤدّى إلى اقتحام هذه العقبة؛ ويكون سببا لجوازها والنجاة منها، لأن فكّ رقبة وما أتى بعد ذلك ليس هو النار نفسها ولا موضعا منها.
وقال آخرون: بل العقبة ما ورد مفسّرا لها من فكّ الرقبة والإطعام فى يوم المسغبة؛ وإنما سمّى ذلك عقبة لصعوبته على النفوس/ ومشقته عليها.
وليس يليق بهذا الوجه الجواب الّذي ذكرناه فى معنى قوله: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وأنه على وجه الدعاء؛ لأن الدعاء لا يحسن إلا بالمستحق له؛ ولا يجوز أن يدعى على أحد بأن لا يقع منه ما كلّف وقوعه، وفكّ الرقبة والإطعام المذكور من الطاعات؛ فكيف يدعى على أحد بأن لا يقع منه! فهذا الوجه يطابق أن تكون الْعَقَبَةَ هى النّار نفسها أو عقبة فيها.
وقد اختلف الناس فى قراءة: فَكُّ رَقَبَةٍ، فقرأ أمير المؤمنين ﵇، ومجاهد، وأهل مكة، والحسن، وأبو رجاء العطاردىّ، وأبو عمرو، والكسائىّ: فَكُّ رَقَبَةٍ بفتح الكاف ونصب الرقبة، وقرءوا أو أطعم على الفعل دون الاسم.
وقرأ أهل المدينة، وأهل الشام، وعاصم، وحمزة، ويحيى بن وثاب، ويعقوب الحضرمىّ: فَكُّ بضم الكاف وبخفض رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعامٌ على المصدر وتنوين الميم وضمها.
فمن قرأ على الاسم ذهب إلى أن جواب الاسم بالاسم أكثر فى كلام العرب، وأحسن من جوابه بالفعل؛ ألا ترى أن المعنى: ما أدراك ما اقتحام العقبة! هو فكّ رقبة، أو إطعام؛ وذلك هو أحسن من أن يقال: هو فكّ رقبة، أو أطعم.
ومال الفرّاء إلى القراءة بلفظ الفعل، ورجّحها بقوله تعالى: ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا، لأنه فعل؛ والأولى أن يتبع فعلا. وليس يمتنع أن يفسّر اقتحام العقبة- وإن كان اسما- بفعل؛ يدل على الاسم؛ وهذا مثل قول القائل: ما أدراك ما زيد؟ يقول- مفسرا-: يصنع الخير، ويفعل المعروف، وما أشبه ذلك، فيأتى بالأفعال.
والسغب: الجوع؛ وإنما أراد أنه يطعم فى يوم مجاعة؛ لأن الإطعام فيه أفضل وأكرم.
стр. 959
فأما «مقربة» فمعناه يتيما ذا قربى؛ من قرابة النسب والرّحم؛ وهذا حضّ على تقديم ذى النسب والقربى المحتاجين على الأجانب فى الإفضال.
والمسكين: الفقير الشديد الفقر. والمتربة: مفعلة، من التراب، أى هو لاصق بالأرض من ضرّه وحاجته؛ ويجرى مجرى قولهم فى الفقير: مدقع؛ وهو مأخوذ من الدّقعاء؛ وهى الأرض التى لا شيء فيها.
وقال قوم: ذا مَتْرَبَةٍ أى ذا عيال. والمرحمة: مفعلة من الرحمة؛ وقيل إنه من الرّحم.
وقد يمكن فى مَقْرَبَةٍ أن يكون غير مأخوذ من القرابة والقربى؛ بل هو من القرب، الّذي هو من الخاصرة، فكأن المعنى أنه يطعم من انطوت خاصرته ولصقت من شدة الجوع والضر؛ وهذا أعم فى المعنى من الأول وأشبه بقوله ذا مَتْرَبَةٍ؛ لأن كل ذلك مبالغة فى وصفه بالضّرّ؛ وليس من المبالغة فى الوصف بالضرّ أن يكون قريب النّسب. والله أعلم بمراده.
*** قال سيدنا أدام الله علوّه: ومن طريف المدح ومليحه قول الشاعر:
وكأنّه من وفده عند القرى ... لولا مقام المادح المتكلّم
وكأنّه أحد النّدى ببنائه (١) ... لولا مقالته أطب للمؤدم (٢)
ويقارب ذلك فى المعنى قول محمد بن خارجة:
سهل الفناء إذا حللت ببابه ... طلق اليدين مؤدّب الخدّام
وإذا رأيت صديقه وشقيقه ... لم تدر: أيّهما أخو الأرحام! (٣)
ومثله لأبى الهندىّ:
نزلت على آل المهلّب شاتيا ... غريبا عن الأوطان فى زمن المحل (٤)
فما زال بى إكرامهم وافتقادهم (٥) ... وإنعامهم حتى حسبتهم أهلى
стр. 960
ولأثال بن الدقعاء يمدح عقبة بن سنان الحارثىّ:
ألم ترنى شكرت أبا سعيد ... بنعماه وقد كفر الموالى (١)
ولم أكفر سحائبه اللّواتى ... مطرن عليّ واهية العزالى (٢)
فمن يك كافرا نعماه يوما ... فإنى شاكر أخرى اللّيالى
فتى لم تطلع الشّعرى من افق ... ولم تعرض ليمن أو شمال (٣)
على ندّ له إن عدّ مجد ... ومكرمة وإتلاف لمال
وأصبر فى الحوادث إن ألمّت ... وأسعى للمحامد والمعالى
فتى عمّ البريّة بالعطايا ... فقد صاروا له أدنى العيال
/ قال: ولآخر (٤):
لم أقض من صحبة زيد أربى ... فتى إذا أغضبته لم يغضب
موكّل النّفس بحفظ الغيّب ... أقصى الفريقين له كالأقرب
فإنه لم يرد أن الضعيف السبب كالقوىّ السبب، وإنما أراد أنه يرعى من غيب الرفيق البعيد الغائب وحقّه ما يرعاه من حق الشاهد الحاضر، وأنه يستوى عنده لكرمه وحسن حفاظه من بعدت داره وقربت معا؛ وهذا بخلاف ما عليه أكثر الناس؛ من مراعاة أمر الحاضر القريب وإهمال حق البعيد (٥).
*** (٦) هذا آخر مجلس أملاه سيدنا أدام الله علوّه. ثم تشاغل بأمور الحج (٧).
الحمد لله رب العالمين وصلواته وسلامه على سيدنا نبيّه محمد وآله الطيبين الطاهرين وسلّم كثيرا.
стр. 961
تكملة أمالى المرتضى
стр. 962
بسم الله الرحمن الرحيم ربّ يسّر (١)
مسألة
قال (٢) الشريف الأجلّ المرتضى، علم الهدى، ذو المجدين أبو القاسم عليّ بن الحسين الموسوىّ رضى الله عنه:
إنّه لا يزال المتكلّمون يخالفون النحويّين فى أنّ للفعل ثلاثة أحوال: ماض، وحاضر، ومستقبل. ويقول المتكلّمون: للفعل حالان بغير ثالث؛ لأنّ كلّ معلوم من الأفعال لا يخلو من أن يكون موجودا أو معدوما؛ وبالوجود قد صار ماضيا، والمعدوم هو المنتظر، ولا حال ثالثة.
فلا المتكلّمون يحسنون العبارة عما لحظوه وأرادوه، حتى يزول الخلاف فى المعانى التى هى المهمّ- ولا اعتبار بالعبارات- ولا النحويون يفطنون لإفهام ما قصدوه بلفظ غير مشتبه ولا محتمل؛ فكم من معنى كاد يضيع بسوء العبارة عنه، وقصور الإشارة إليه!
واعلم أن المواضعات مختلفة، والعرف يختلف باختلاف أهله بحسب عاداتهم. وقولنا:
«فعل» فى عرف المتكلمين ليس هو الّذي يعرفه النحويون، لأنّ الفعل فى عرف أهل الكلام هو الذات الحادثة بعد أن
كانت معدومة بقادر، وهذا الحدّ يقتضي أن يكون كلّ موجود من الذوات غير الله تعالى وحده فعلا؛ فزيد فعل، والسماء كذلك، والحرف أيضا- الّذي فرق النحويون بينه وبين الاسم- فعل أيضا، والفعل أيضا على هذا الحدّ فعل؛ لأنّ الحرف صوت يقطّع على وجه مخصوص، والأصوات كلّها أفعال.
стр. 963
غير أنّ المحقّق من عرف القوم أنّ النحويين ما فصلوا بين الاسم والفعل والحرف؛ من حيث نفى الاشتراك فى الحدوث والفعلية؛ بل فصلوا بينها مع اشتراكها فى معنى الفعلية التى يذهب إليها المتكلّمون؛ لما بينها من الفصل فى أحكام أخر؛ يختصّ بها بعضها دون بعض؛ فقالوا: الاسم ما دلّ على معنى لا يقترن بزمان، والفعل ما اقتضى معنى مقترنا بزمان غير مخصوص، والحرف ما خلا من هاتين العلامتين؛ فكأنهم قصدوا إلى ما هو فعل حادث على حدّ المتكلمين؛ فصنّفوه ونوّعوه، وسمّوا بعضه اسما، وبعضه فعلا، وبعضه حرفا؛ لاختلاف الأحكام التى عقلوها؛ فلا لوم فى ذلك عليهم؛ ولا مناظرة فيه معهم، وبالمناظرة الصحيحة تزول الشّبهات، وتنحسم التّبعات.
والّذي يجب تحصيله، والتعويل عليه أنّ الفعل الحادث فى أوّل أحوال وجوده يسمّى فعل الحال؛ فإن تقضّى وعدم صار ماضيا، والفعل المستقبل هو المنتظر المتوقّع الّذي هو الآن معدوم. فإن فرضنا أنّ الفعل الحادث- الّذي فرضنا أنّه متى تقضّى وعدم صار ماضيا- بقى ولم يتقضّ؛ إما على مذهب من يقطع على بقاء الأعراض، أو على مذهب من يتوقّف عن القطع فيها على بقاء أو فناء؛ فالواجب أن يكون استمراره (١) لا يخرجه من استحقاق الوصف بأنه فعل الحال؛ لأنّ من هو عليه لم يتغير الحال التى وجبت له عنه؛ ولا خرج عنها.
ألا ترى أنّا لو فرضنا أنه تقضّى وعدم، وخلفه مثل له لكان ذلك الخالف له يستحقّ الوصف بأنه للحال؛ وكذلك ما قام مقامه؛ وأوجب مثل ما يوجبه، لأنه لا فرق فى التّسمية للجلوس بأنه فعل حال؛ بين أن يكون المفتتح بالحدوث من أجزاء الجلوس بقى واستمرّ؛ وبين أن يكون تجدّد أمثاله؛ والأول باق أو معدوم بعد أن تكون الحالة المخصوصة ما تغيّرت ولا تبدّلت؛ ولا فرق أيضا بين أن يكون ذلك الفعل يوجب حالا مخصوصة كالألوان، أو حكما مخصوصا كالاعتمادات وما أشبهها؛ فى أن الّذي أتت فيه ولم تخرج عنه هو المنعوت بأنه فعل الحال، وما خرجت عنه فهو الماضى.
стр. 964
فإن قيل: كيف قولكم فيما مضى وتقضّى من الأفعال ووصفتموه بأنه ماض لتقضّيه وعدمه؛ أيجوز أن يكون مستقبلا على وجه من الوجوه، أولا يكون من الأفعال مستقبلا إلّا ما لم يدخل فى الوجود قطّ؟
قلنا: أمّا ما عدم وتقضّى من الأعراض المقطوع على أنها غير باقية فى نفوسها، كالإرادات (١) والأصوات وما أشبه ذلك؛ فلا شبهة فى أنّ الماضى منه لا يصحّ أن يكون مستقبلا من فعل قديم أو محدث.
فأما (٢) ما يبقى من أجناس الأعراض عند من قطع على بقائها، أو شكّ فى حالها بين جواز البقاء عليها ونفيه فنحن لا نقدر على إعادته؛ والقديم تعالى قادر على إعادته إلى الوجود؛ فهذا الضّرب من فعله تعالى لا يمتنع تسميته بأنه مستقبل، لأنه متوقّع منتظر.
فأما الجواهر المعدومة فلا شبهة فى أنّها ماضية من حيث عدمت، ومستقبلة من حيث كان وجودها مستأنفا متوقّعا؛ لأنّ الله تعالى لا بدّ من أن يعيد المكلّفين للثواب أو العقاب، والمكلّف إنما هو مؤلّف من الجواهر.
فإن قيل: هذا يقتضي أن يجتمع فى الشيء الواحد أن يكون ماضيا مستقبلا؛ وهذا كالمتناقض.
قلنا: لا تناقض فى ذلك؛ لأن الجوهر الماضى يستحق الوصف بأنه ماض إذا عدم، وكذلك العرض الماضى من أفعال الله تعالى إذا عدم؛ وإن جاز من حيث صحّ وجود ذلك مستأنفا أن يوصف بأنه مستقبل، لأن معنى المستقبل هو المعدوم الّذي يصح وجوده، فلا تنافى بين الأمرين.
ولو ثبت بينهما عرف فى أنّهما لا يجتمعان- وذلك ليس بثابت- لجاز أن يجعل حدّ المستقبل هو المعدوم الّذي يصحّ وجوده مستقبلا؛ من غير أن يكون الوجود حصل (٣) له فى حالة من الأحوال؛ فلا يلزم على ذلك أن يجتمع الوصفان فى فعل واحد.
стр. 965
وقد كنّا قديما أملينا مسألة فى تحقيق الفرق بين الفعل الحال والماضى والمستقبل؛ وهذا التلخيص الّذي ذكرناه هاهنا أشرح وأسبغ منها، وتكلمنا هناك على ما كان أبو عليّ الفارسى اعتمده وعوّل عليه؛ من قوله تعالى: لَهُ ما
بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ
[مريم: ٦٤]، وقول الشاعر:
وأعلم ما فى اليوم والأمس قبله ... ولكنّنى عن علم ما فى غد عم (١)
ومن طريقة أخرى فى اعتبار تأثير الحروف فى الأحوال المختلفة، واستوفينا الكلام على هذه الشبهة؛ فلا طائل فى إعادة ذلك هاهنا؛ والجمع بين المسألتين يغنى عنه، وما التوفيق إلا بالله تعالى.
стр. 966
مسألة
قال رضى الله عنه: لا معنى لقوله تعالى: وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ؛ [يونس: ٦١] على ما قاله النحويون: إنه للتأكيد؛ لما بيّنا أن التأكيد إذا لم يفد غير ما يفيده المؤكّد لم يصحّ، وقد علمنا بقوله تعالى: مِنْ قُرْآنٍ أنّه من جملة القرآن، فأىّ معنى لقوله مِنْهُ وتكراره!
قال رضى الله عنه: والصحيح أن معنى مِنْهُ أى من أجل الشّأن والقصة، مِنْ قُرْآنٍ؛ فيحمل على الشأن والقصّة ليفيد معنى آخر.
وقال أيضا فى قوله تعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا؛ [يونس: ٥٨]؛ قال: لا يجوز أن يحمل قوله: فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا على ما تقدم من فضل الله ورحمته؛ ولا معنى له على ما يقوله النحويون إنّه للتأكيد؛ كما لا معنى لقول قائل:
زيد وعمرو لهما؛ يريد زيدا وعمرا؛ فالصحيح أن نقول فى هذا: إن معناه: قل بفضل الله ومعونة الله ورحمته؛ لأنّ معونة الله وفضل الله ورحمته تؤثر فى القول، ويقول: بفضل الله ومعونته يفرح، فيردّ قوله: بِفَضْلِ اللَّهِ إلى القول، أى قل: بفضله ومعونته هذا القول؛ فإنّ بهذا القول ومعونته ورحمته يفرحون؛ فيكون قوله: فَبِذلِكَ راجعا إلى الفرح بالفضل والرحمة؛ حتى يكون قد أفاد كلّ واحد من اللفظين فائدة.
стр. 967
مسألة
رسمت الحضرة العالية الوزيرية؛ أدام الله سلطانها، وأعلى أبدا شأنها ومكانها أن أذكر ما عندى فى إدخال لفظة «كان» فى كونه تعالى عالما فى مواضع كثيرة من القرآن.
وقالت حرس الله عزّها: لفظة «كان» إذا كانت للماضى؛ فكيف دخلت على ما هو ثابت فى الحال ومستمرّ دائم! وما الوجه فى حسن ذلك؟
والجواب المزيل للشّبهة أنّ الكلام قد تدخله الحقيقة والمجاز؛ ويحذف بعضه وإن كان مرادا، ويختصر حتى يفسّر؛ ولو بسط لكان طويلا. وفى هذه الوجوه التى ذكرناها تظهر فصاحته، وتقوى بلاغته؛ وكلّ كلام خلا من مجاز وحذف واختصار واقتصار بعد عن الفصاحة، وخرج عن قانون البلاغة. والأدلّة لا يجوز فيها مجاز، ولا ما يخالف الحقيقة؛ وهى القاضية على الكلام، والتى يجب بناؤه عليها؛ والفروع أبدا تبنى على الأصول.
فإذا ورد عن الله تعالى كلام ظاهره يخالف ما دلّت عليه أدلّة العقول وجب صرفه عن ظاهره- إن كان له ظاهر- وحمله على ما يوافق الأدلة العقلية ويطابقها؛ ولهذا رجعنا فى ظواهر كثيرة من كتاب الله تعالى اقتضى ظاهرها الإجبار أو التشبيه، أو ما لا يجوز عليه تعالى.
ولو سلّمنا تبرّعا وتطوّعا أن دخول «كان» على العلم أو القدرة يقتضي ظاهرها الماضى دون المستقبل لحملنا ذلك على أنّ المراد به الأحوال كلّها؛ لأنّ الأدلة العقلية تقضى على ما يطلق من الكلام، ولا يقضى الكلام على الأدلة.
غير أنّا نبيّن أنّ دخول «كان» على العلم أو القدرة لا يقتضي ظاهرها الاختصاص بالماضى دون المستقبل؛ فإنّ لأهل العربية فى ذلك مذهبا معروفا مشهورا؛ لأن أحدهم يقول: كنت العالم؛ وما كنت إلا عالما، وعليما خبيرا؛ وما كنت إلا الشجاع، وإلا الجواد؛ ويريدون بذلك كلّه الإخبار عن الأحوال كلّها؛ ماضيها وحاضرها ومستقبلها؛ ولا يفهم من كلامهم سوى
стр. 968
ذلك؛ وإذا كانت هذه عبارة عما ذكرناه فصيحة بليغة- والقرآن نزل بأفصح اللغات وأبلغها وأبرعها- وجب حمل لفظة «كان» إذا دخلت فى كونه تعالى عالما وقادرا على ما ذكرنا.
ومما يستشهد به على ذلك قول زياد الأعجم يرثى المغيرة بن المهلّب بن أبى صفرة:
مات المغيرة بعد طول تعرّض ... للقتل بين أسنّة وصفائح (١)
ألّا ليالى فوقه بزّاته ... يغشى الأسنة فوق نهد قارح! (٢)
فإذا مررت بقبره فاعقر به ... كوم المطىّ وكلّ طرف سابح (٣)
وانضح جوانب قبره بدمائها ... فلقد يكون أخا دم وذبائح
فقال فى ميت قد مضى لسبيله: «فلقد يكون»، وإنما أراد: «فلقد كان»، فعبّر بيكون عن «كان»؛ كذلك جاز أن يراد بلفظة «كان» الأحوال المستقبلة.
ووجه آخر وهو أنه تعالى لما أراد أن يخبر عن كونه عالما فى الأحوال كلّها لم يجز أن يقول:
هو عالم فى الحال أو فى المستقبل؛ لأن ذلك لا ينبئ عن كونه عالما فيما مضى؛ فعدل عن ذلك إلى إدخال لفظة: «كان» الدالة على الأزمان الماضية كلها، ومن كان عالما فيما لم يزل من الأحوال فلا بدّ من كونه عالما لنفسه وذاته؛ لأن الصفات الواجبة فيما لم يزل لا تكون إلّا نفسية، والصفات النفسية يجب ثبوتها فى الأحوال كلّها: الماضية والحاضرة والمستقبلة؛ فصار دخول «كان» فى العلم أو القدرة مطابقا للغرض، وموجبا لثبوت هذه الصفة فى جميع هذه الأحوال، وليس كذلك لو علّق العلم بالحال أو المستقبل؛ وهذا وجه جليل الموقع.
ووجه آجر وهو أنا إذا سلّمنا أن لفظة «كان» تختص الماضى ولا تتعدّاه لم يكن فى
стр. 969
إدخالها فى العلم إلا أنه تعالى عالم فيما مضى من الأحوال؛ وهو كذلك لا محالة؛ اللهم إلا أن يدّعى أن تعليقها بالماضى يقتضي نفى كونه تعالى عالما فى المستقبل؛ وليس الأمر على ذلك؛ لأن هذا قول بدليل الخطاب؛ وهو غير صحيح على ما بيّنا فى مواضع من كتبنا؛ لأن تعليق الحكم بصفة أو اسم لا يدل على انتفائه مع انتفاء تلك الصفة أو الاسم، وبيّنا أن قوله ﵇: «فى سائمة (١) الإبل الزكاة» لا يدل على أن العاملة (٢) والمعلوفة (٣) لا زكاة فيهما.
وقد يقول القائل: كان زيد عندى بالأمس، وإن كان عنده فى الحال؛ وضربت من غلمانى فلانا، وإن كان قد ضرب سواه، فكأنه تعالى- إذا سلّمنا هذا الأصل الّذي قد بينا أنه غير صحيح- أراد أن يثبت بهذا القول كونه تعالى عالما، فيما لم يزل؛ ووكلنا فى أنه عالم فى جميع الأحوال إلى الأدلة العقلية الدالة على ذلك؛ وإلى إخباره تعالى عن كونه عالما فى سائر الأوقات بقوله : وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الأنعام: ١٠١]؛ وما شاكل ذلك من الألفاظ الدالة على الحال والاستقبال
стр. 970
تأويل آية [أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ، وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ، فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ. يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ]
قال ﵀: سئلت إملاء تفسير قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ، وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ، فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ. يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ؛ [النور: ٤٣، ٤٤].
فأجبت إلى ذلك.
أما قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ فالمراد: ألم تعلم؛ وإن كان هذا اللفظ مشتركا بين الإدراك والعلم؛ وإنما اختصّ هنا بالعلم دون الإدراك؛ لأن إضافة إزجاء السحاب وتأليفه وجميع ما ذكر فى الآية إلى الله تعالى مما لا يستفاد بالإدراك؛ وإنما يعلم بالأدلّة.
فأما قوله تعالى: يُزْجِي سَحاباً فمعناه يسوق؛ ولا بدّ أن يلحظ فى هذا الموضع السّوق الضعيف الرفيق؛ يقال منه: أزجى يزجى إزجاء، وزجّى يزجّى تزجية، إذا ساق؛ ومنه إزجاء الكسير (١) من الإبل إذا سقته سوقا رفيقا حتى يسير؛ ومنه قوله تعالى:
بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ؛ [يوسف: ٨٨] أى مسوقة شيئا بعد شيء على ضعف وقلّة، قال عدىّ بن الرّقاع:
تزجى أغنّ كأنّ إبرة روقه ... قلم أصاب من الدّواة مدادها (٢)
وقال الأعشى:
الواهب المائة الهجان وعبدها ... عوذا تزجّى خلفها أطفالها (٣)
стр. 971
أراد بالعوذ الحديثة النّتاج؛ ومعنى «تزجّى» أى تسوق أطفالها وراءها سوقا رفيقا؛ لأنها تحنّ فتتبع أطفالها؛ وقال مالك بن الرّيب المازنىّ:
ألا ليت شعرى هل أبيتنّ ليلة ... بوادى الغضى أزجى القلاص النّواجيا (١)
والسحاب: جمع سحابة؛ ولهذا قال: يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ، أى بين كل سحابة وأخرى، ولو كان هاهنا أيضا اسما للجنس لجاز؛ لأنّ الجنس يوصل بعضه ببعض، ويؤلّف بعضه ببعض؛ وإنما لا يصحّ ذلك فى العين الواحدة.
فأما الرّكام فهو الّذي جعل بعضه فوق بعض؛ ومنه قوله تعالى: سَحابٌ مَرْكُومٌ؛ [الطور: ٤٤]، وقوله تعالى: فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً؛ [الأنفال: ٣٧].
فأما الودق فهو المطر؛ يقال ودق يدق ودقا؛ وكلّ ما قطر منه ماء أو رشح فهو وادق؛ ويقال: استودقت الفرس والأتان إذا حنّت إلى الفحل واستدعت ماءه؛ ويقال أيضا: أو دقت؛ وأتان وديق وودوق؛ إذا أرادت إنزال الفحل الماء فيها.
وخلال الشيء: خروقه وفروجه؛ وقد قرئ: من خلله بغير ألف.
فأما قوله تعالى: وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فإنّنى وجدت جميع المفسّرين على اختلاف عباراتهم يذهبون إلى أنّه أراد أنّ فى السماء جبالا من برد؛ وفيهم من قال: ما قدره قدر جبال؛ قال: يراد به مقدار جبال من كثرته.
وأبو مسلم بن بحر الأصبهانىّ خاصة انفرد فى هذا الموضع بتأويل طريف؛ وهو أن قال:
" الجبال ما جبل الله من برد، وكلّ جسم شديد مستحجر فهو من الجبال؛ ألم تر إلى قوله تعالى فى خلق الأمم: وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ؛ [الشعراء: ١٨٤] والناس يقولون: فلان مجبول على كذا".
ووجدت أبا بكر محمد بن الحسن بن مقسم النحوىّ يقول فى كتابه المعروف بالأنوار:
" وأمّا مِنْ الأولى؛ والثانية فبمعنى حدّ التنزيل؛ ونسبته إلى الموضع الّذي نزّل منه؛ كما
стр. 972
يقال: جئتك بكذا، ومن بلد كذا؛ وأما الثالثة فبمعنى التفسير والتمييز، لأن الجبال تكون أنواعا فى ملك الله تعالى؛
فجاءت مِنْ لتمييز البرد من غيره؛ وتفسير معنى الجبال التى أنزل منها. وقد يصلح فى مثل هذا الموضع من الكلام أن يقال: «من جبال فيها برد» بغير «من»، يترجم برد عن جبال؛ لأنها مخلوقة من برد، كما يقال: الحيوان من لحم ودم، والحيوان لحم ودم؛ ب «من» وبغير «من» ".
ووجدت على بن عيسى الرّمانىّ يقول فى تفسيره: " إن معنى مِنْ الأولى ابتداء الغاية؛ لأن السماء ابتداء الإنزال، والثانية للتبعيض؛ لأن البرد بعض الجبال التى فى السماء، والثالثة لتبيين الجنس؛ لأنّ جنس الجبال جنس البرد".
وهذه التفاسير على اختلافها غير شافية ولا كافية؛ وأنا أبيّن ما فيها من خلل، ثم أذكر ما عندى أنّه الصحيح:
أمّا من جعل فى السماء جبال برد، أو ما مقداره مقدار الجبال- على اختلاف عباراتهم- فيدخل عليه أن يبقى عليه قوله تعالى: وَيُنَزِّلُ بغير مفعول؛ ولا ما يتعلق به؛ لأنّ تقدير الكلام على هذه التفاسير: وينزّل من جبال برد فى السماء؛ فما الشيء الّذي أنزل به! فما تراه مذكورا فى الآية؛ والكلام كلّه خال منه على هذا التأويل.
فأما أبو مسلم فيلزمه هذا الكلام بعينه، ويلزمه زائدا عليه أنه جعل الجبال اسما للبرد نفسه؛ من حيث كان مجبولا مستحجرا.
وهذا غلط؛ لأن الجبال وإن كانت فى الأصل مشتقة من الجبل والجمع فقد صارت اسما لذى هيئة مخصوصة.
ولهذا لا يسمّى أحد من أهل اللغة كلّ جسم ضمّ بعضه إلى بعض- مع استحجار أو غير استحجار- بأنه جبل، ولا يخصّون بهذا اللفظ إلا أجساما مخصوصة.
وليس يمتنع فى اللغة هذا؛ لأنّ اسم الدابة وإن كان مشتقا فى الأصل من الدبيب؛ فقد صار اسما لبعض ما دبّ، ولا يعم كلّ ما وقع منه الدبيب.
стр. 973
وليس يعترض على هذه التأويلات التى ذكرناها ما يظنّه بعض الناس من أنه لا يجوز أن يكون فى السماء جبال برد، أو ما قدره قدر الجبال من البرد؛ لأن ذلك غير ممتنع ولا مستحيل.
فإن قالوا: كيف لا تهوى تلك الجبال من البرد؟
قلنا: يمسكها الله تعالى، ويسكّنها كما يمسك الأرض والفلك.
وإنما ينكر هذا أصحاب الطبائع، الذين لا يقرّون بالخالق جلّت عظمته، فيذكرون فى سبب وقوف الأرض المركز وهو لا يعقل؛ ولو أثبتوا الصانع جلّت عظمته نسبوا سكون الأرض إليه، واستغنوا عن تكلّف ما لا يعقل ولا يفهم.
والأولى فى تفسير هذا الموضع أن تكون «من» الأولى والثانية لابتداء الغاية، والثالثة زائدة لا حكم لها؛ ويكون تقدير الكلام: وينزّل من جبال فى السماء بردا، فزاد «من» كما يزاد فى قولهم: ما فى الدار من أحد، وكم أعطيتك
من درهم! وما لك عندى من حق؛ وما أشبه ذلك.
وعلامة زيادتها فى هذه المواضع أنك إذا أخرجتها أو ألغيتها كان الكلام مستقلّا لا يتغيّر معناه، وجرى قوله تعالى: وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ مجرى قول القائل: كم حملت لك من الكوفة من سوقها من ثوب! والمعنى: كم حملت لك من سوق الكوفة ثوبا!
والأولى أن يريد بلفظة السَّماءِ هنا ما علا من الغيم وارتفع فصار سماء لنا؛ لأنّ سماء البيت وسماوته ما ارتفع منه؛ ولأن السحاب لا يكون فى السماء التى هى الفلك للكواكب؛ وإنما هو تحته، وأراد بالجبال التشبيه، لأنّ السحاب المتراكب المتراكم تشبّهه العرب بالجبال والجمال؛ وهذا شائع فى كلامها، كأنّه تعالى قال: وينزّل من السحاب الّذي يشبه الجبال فى تراكمه بردا؛ فقد ظهر على هذا التأويل مفعول صحيح ل ننزل؛ ولا مفعول لهذا الفعل على التأويلات المتقدمة.
стр. 974
فإن قيل: إذا جاز أن تجعلوا مِنْ الأخيرة زائدة حتى يكون المنزّل هو البرد، فألّا جعلتم مِنْ الثانية هى الزائدة، ويكون تقدير الكلام: وننزّل من السماء جبالا من برد!
قلنا: ليس يشبه البرد فى نزوله الجبال على وجه ولا سبب؛ والسّحاب المتراكم يشبه الجبال، وقد جرت عادة العرب بتشبيهه بها، فيجب أن تكون الثانية غير زائدة لما ذكرناه، وتكون الأخيرة زائدة؛ وإلّا بقيتا بلا مفعول؛ ولأنه تعالى قال: فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ؛ وهذه كناية عن البرد لا الجبال؛ لأنه لو كنّى عنها لقال: فيصيب بها؛ ولأنّ الجبال على التأويلات التى حكيناها كلّها منزّل منها، لا منزّلة.
فإن قيل: ألّا كان المفعول محذوفا مقدّرا؛ وكأنه قال: وننزّل من جبال برد فى السماء بردا؛ والكلام يقتضيه؟
قلنا: إنما نقدّر مفعولا محذوفا فى الموضع الّذي لا نجد فيه مفعولا ظاهر، وقد بيّنّا أنّ فى الآية مفعولا ظاهرا، فيجب صرف الكلام إليه. على أنّه لا بدّ من مفعول؛ إما ظاهرا وهو الّذي أشرنا إليه، أو محذوفا على ما تضمّنه السؤال؛ لا سيّما وفى الكلام كناية عنه فى قوله: فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ، وما رأينا أحدا من المفسّرين لهذه الآية- على اختلافهم وذكر أكثرهم كلّ ما تقتضيه وجوه الإعراب فى آيات القرآن- تعرّض لذكر المفعول، ولا قال: إنه ظاهر ولا مقدّر محذوف يدلّ الكلام عليه. وهذا على كل حال تقصير ظاهر.
فأما قوله تعالى: فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ فالمراد به: فيصيب بضرره من يشاء، ويصرف ضرره عمّن يشاء؛ فإنّ العادة جارية بأنّ البرد يصيب أرضا ويتعدّى ما يجاورها ويلاصقها.
стр. 975
فأما قوله تعالى: يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ فسنا البرق ضوأه، وهو مقصور، وسناء المجد والشرف ممدود، والهاء فى بَرْقِهِ راجعة إلى البرد أو السحاب؛ فقد جرى ذكر كلّ واحد منهما؛ ويجوز إضافة البرق إليهما.
فأما قوله: يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ وقد قرئ يَذْهَبُ بضم الياء؛ فالمراد به أنّ البرق من شدة ضوئه يكاد يذهب بالعيون؛ لأنّ النظر إلى ماله شعاع شديد يضرّ بالعين؛ كعين الشمس وما أشبهها؛ والقراءة بفتح الهاء أجود مع دخول الباء؛ تقول العرب: ذهبت بالشيء؛ فإذا أدخلوا الألف أسقطوا الباء فقالوا: أذهبت الشيء؛ بغير باء.
فأما قوله: يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ فإنما أراد أنه يأتى بكلّ واحد منهما بدلا من صاحبه، ومعاقبا له؛ لما فى ذلك من المصلحة والمنفعة.
فأما قوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ فإنما أراد بالعبرة العظة والاعتبار، وروى عن الحسن أنه قال: إنما أراد ذوى أبصار القلوب لا العيون؛ لأنّ العين لا تضاف إليها العبرة والعظة.
وقال الكلبىّ: لأولى الأبصار فى الدين. وردّ قوم على الكلبىّ بأن قالوا: لو أراد ذلك لقال: لأولى البصائر، لأنّ الدين يقال: فيه بصيرة لا بصر.
والأولى أن يكون المراد بالأبصار هاهنا العيون، لأن بالعيون ترى هذه العجائب التى عدّدها الله تعالى، ثم يكون الاعتبار والعظة فى القلب بها، ويكون من لا موعظة له ولا اعتبار كأنه لا بصر له؛ من حيث لم ينتفع ببصره، فجعل أولى الأبصار هم أولى الاعتبار من حيث انتفع أولو الاعتبار بأبصارهم، وإن لم ينتفع بها من لا اعتبار عنده؛ وهذا كثير فى القرآن؛ فإنه تعالى جعل الكفار فى مواضع كثيرة صما وبكما وعميا؛ من حيث أشبهوا بإعراضهم عن الفكر والتأمل والاعتبار من لا جوارح له. وهذا بيّن لمن تأمله.
стр. 976
مسألة
اعلم أنّ من عادة العرب الإيجاز والاختصار والحذف طلبا لتقصير الكلام واطّراح فضوله، والاستغناء بقليله عن كثيره؛ ويعدّون ذلك فصاحة وبلاغة. وفى القرآن؛ من هذه الحذوف، والاستغناء بالقليل من الكلام عن الكثير مواضع كثيرة نزلت من الحسن فى أعلى منازله؛ ولو أفردنا لما فى القرآن من الحذوف الغريبة، والاختصارات العجيبة كتابا لكان واجبا.
فمن ظاهر ذلك قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى؛ [الرعد: ٣١] ولم يأت ل لَوْ جواب فى صريح الكتاب؛ وإنما أراد: لو أن قرآنا سيرت به الجبال لكان هذا. ومثل هذا الحذف ما روى عن النبىّ
صلى الله عليه وآله من قوله: «لو كتب هذا القرآن فى إهاب وطرح فى النار ما أحرقته النار»؛ والمراد: وكانت النار مما لا يحرق جسما لجلالة قدره ما أحرقته؛ فحذف ذلك اختصارا لدلالة الكلام عليه، ومثل هذا قوله تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا؛ [الأحزاب: ٧٢] وتقديره: إن السموات والأرض والجبال لو كنّ مما يأبى ويشفق، وعرضنا عليهنّ الأمانة لأبين وأشفقن. وجعل المعلوم بمنزلة الواقع فقال: عَرَضْنَا من حيث علم أن ذلك المشروط لو وقع شرطه لحصل هو.
وهذا التأويل الّذي استخرجناه أولى مما ذكره المفسّرون من أنه تعالى أراد: عرضنا الأمانة على أهل السموات والأرض؛ لأن أهل السموات والأرض هم الناس والملائكة، فأىّ معنى لقوله وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ وهو يريد الجنس! ومثله قول الشاعر:
* امتلأ الحوض وقال قطنى (١) *
стр. 977
والمعنى امتلأ حتى لو كان ممن يقول لقال ذلك، وهذا أولى فى نفسى من تفسيرهم هذا البيت بأنه ظهرت منه أمارات القول والنطق.
وهذا الّذي أشرنا إليه هو معنى كلّ ما جرى مجرى هذا البيت؛ من قول الشاعر (١):
وأجهشت للتّوباذ حين رأيته ... وكبّر للرّحمن حين رآنى (٢)
فقلت له: أين الذين عهدتهم ... بجنبك فى خفض وطيب زمان!
فقال: مضوا، واستودعونى بلادهم ... ومن ذا الّذي يبقى على الحدثان! (٣)
ومن المحذوف أيضا قوله تعالى: حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ؛ [الزمر: ٧٣]؛ ولم يأت لإذا جواب فى طول الكلام، وإنما حسن حذف الجواب الّذي هو: «فدخلوها» لورود ما يقوم مقامه؛ ويدل عليه من قوله تعالى: وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ؛ [الزمر: ٧٤] وذلك لا يكون إلا بعد الدخول؛ ومثل ذلك قول امرئ القيس:
فلو أنها نفس تموت سويّة ... ولكنّها نفس تساقط أنفسا (٤)
فحذف جواب، «لو» والجواب هو: «لكان ذلك أروح لها وأخفّ عليها»؛ ومثله قول الهذلىّ (٥).
حتى إذا أسلكوهم فى قتائدة ... شلّا كما تطرد الجمّالة الشّردا (٦)
ومثل هذا كله فى الحذف: إنما أتمنى كذا لو أعطيته؛ وظاهر هذا الكلام كأنه مشروط وكأنه قال: إننى أتمناه إذا أعطيته؛ والأمر بالضّد من ذلك؛ والمعنى: لو أعطيته لبلغت مناى، ولنفعنى؛ وما أشبه ذلك المعنى.
стр. 978
والشعر القديم والمحدث مملوء من ذلك، قال البحترىّ:
ولو شئت يوم الجزع بلّ غليله ... محبّ بوصل منك لو ينفع الوصل (١)
وإنما أراد: لو ينفع الوصل لنفعنى وبلغنى منيتى؛ وما أشبه ذلك؛ ومثله قوله:
وتعجبت من لوعتى فتبسمت ... عن واضحات لو لثمن عذاب
وأنت إذا تأملت ضروب المجازات التى يتصرف فيها أهل اللسان فى منظومهم ومنثورهم وجدتها كلّها مبنية على الحذف والاختصار؛ ولأن قوله تعالى: وَجاءَ رَبُّكَ؛ [الفجر: ٢٢]؛ وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ؛ [يوسف: ٨٢] مما الحذف فيه ظاهر.
وإنما كان الكلام أبلغ وأفصح؛ لأن كلامه قلّل بحذف بعضه ومعانيه بحالها؛ وكذلك قولهم فى المدح: فلان البدر، والبحر، واللّيث؛ وفى الذم: هو الحمار، والحائط؛ إنما هو مبنىّ على الحذف، لأن المراد هو مشبه ومماثل لما ذكر؛ فأسقط من الكلام ما يقتضي التشبيه؛ لدلالة القول عليه.
فإن قيل: فإذا كانت الفصاحة هى الاختصار، فكيف قال تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١]؛ فزاد الكاف؛ ولا معنى لها إلا الفصاحة؛ فقد صارت الفصاحة بالزيادة كما كانت بالنقصان!
قلنا: دخول الكاف هاهنا ليست على سبيل الزيادة التى لو طرحت لما تغيّر المعنى؛ بل تفيد بدخولها ما لا يستفاد مع خروجها؛ لأنه إذا قال: «ليس مثله شيء» جاز أن يراد من بعض الوجوه، وعلى بعض الأحوال؛ فإذا دخلت الكاف فهم نفى المثل على كل وجه؛ ألا ترى أنه لا يحسن أن يقال: ليس كمثله أحد فى كذا بل على الإطلاق والعموم.
وبمثل هذا الجواب نجيب من يسأل عن قولهم: ما إن فى الدار زيد؛ لأنه لو قال:
ما فى الدار زيد لجاز أن يكون نفيه لكونه فيها على وجه دون وجه؛ فإذا قال: «ما إن» فهم نفى كونه على كل حال؛ وهذا يدلّ على أنها مفيدة غير زائدة.
стр. 979
ومن قال: إنها دخلت للتوكيد يجب أن يكون مراده ما قصدناه وشرحناه؛ لأن التوكيد متى لم يكن تحته فائدة كان دخوله عبثا.
وهذا الكلام الّذي بسطناه فى تأمّله فوائد كثيرة؛ وكان السبب فيه أن بعض من قرئ عليه كلام حكايته فى وصف كتابين: «ووجدت فيهما من التغلغل والتوصّل إلى مكامن الارتجاف، ومغابن الإسعاف، لا تطرق فجاجها، ولا يفتح رتاجها، ولا يمرّ بشعابها، ولا يلمّ بأبوابها ... »؛ وأطال الكلام، ولم يأت بما يرجع إلى قوله: «من التغلغل» (١).
وهذا من الحذف الّذي حسّنه طول الكلام، ودلالة ما فيه على المحذوف؛ لأنّ التقدير:
ووجدت فيه من التغلغل الكثير؛ فاستغنى عن ذكره بالمفهوم من الكلام؛ كما استغنى بالمحذوف التى ذكرناها فى القرآن والشعر بما فى معنى الكلام، وعدّ ذلك فصاحة وبلاغة. وكم بين أن يفهم المعنى ويلحظ من غير لفظ صريح، وبين أن يأتى فيه لفظ مصرّح فى البلاغة والفصاحة!
وقد كنت أمليت قديما مسألة أوضحت فيها أنّ التأكيد لا بدّ فيه من فائدة، وخطّأت من ذهب إلى خلاف ذلك، وبيّنت أنّ كلّ موضع ادّعى فيه أنّه للتأكيد من غير فائدة مجددة فيه فائدة مفهومة؛ وأن قوله تعالى: فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً؛ [الفرقان: ٧١] ما ورد هذا المصدر للتأكيد على ما يقوله قوم؛ بل لفائدة مجدّدة؛ لأنه تعالى أراد متابا جميلا مقبولا واقعا فى موقعه، فحذف ذلك اختصارا؛ كما يقول العربىّ الفصيح فى الشعر المستحسن:
هذا هو الشعر، والفرس الممدوح: هذا هو الفرس؛ وإنما حذف الصفة اختصارا؛ والمراد هذا هو الشعر المستحسن، والفرس الكريم؛ ومثله قوله تعالى: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً؛ [النساء: ١٦٤] إنه أراد الفضل والمدح. وقال قوم: بل سمع كلامه من غير واسطة؛ ولا متحمّل له.
стр. 980
فأما قول القائل: ضربته ضربا، وما أشبه ذلك من ذكر المصادر مع الأفعال وفى ذكر الأفعال من غير ذكر المصادر لدلالتها عليها فله وجهان: أحدهما أن يكون نفى صفة الضرب اختصارا؛ وأراد ضربا شديدا مبرّحا، فحذف؛ أو يكون أراد أنّه باشر الضّرب وتولّاه؛ لا أنّه أمر به؛ فقد يقال: ضربه إذا أمر بضربه؛ ولا يكادون يقولون: ضربه ضربا إذا أمر بضربه، ولم يباشره.
فأما قول العرب: «لأمر ما جدع قصير أنفه»، وقولهم: «لأمر ما يسوّد من يسود»، وادعاء من ادّعى أن «ما» هنا زائدة لا معنى تحتها وإنما دخلت للتأكيد؛ فالأولى غير ما ذكره؛ ومعنى قولهم: لأمر ما كان كذا أنه لأمر لست به عارفا؛ لأنهم لا يكادون يقولون: لأمر ما كان كذا وكذا وأنا به عارف؛ وإن جاز أن يقولوا: لأمر كان كذا وأنا به عارف؛ وإنما قالت الزباء: «لأمر ما جدع قصير أنفه»؛ لأنّها كانت جاهلة بسبب قطع أنفه، وغير عالمة به؛ وهذا يبطل قول من جعلها زائدة بغير فائدة.
فأما قوله تعالى: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ؛ [آل عمران: ١٥٩] وتقدير قوم أن «ما» هاهنا زائدة فليس الأمر على ما ظنّوه؛ لأن من شأنهم ألا يدخلوا «ما» هاهنا إلا إذا أرادوا الاختصاص وزيادة فائدة على قولهم: فبرحمة من الله لنت لهم؛ لأنّ مع إسقاط «ما» يجوز أن تكون الرحمة سببا للّين وغيرها رقة، ولا يكادون يدخلونها مع «ما» إلا والمراد أنها سببه دون غيرها، فقد أفادت اختصاصا لم يستفد قبل دخولها.
فأما قولهم: «ما إن فى الدار زيد»، فيشبه أن يكون دخولها لفائدة تزيد على قولهم: «ما فى الدار زيد»؛ لأنهم إذا قالوا: «ما فى الدار زيد» جاز أن يريدوا أنّه لا تصرّف له فى الدار ولا تأثير لكونه فيها؛ فكأنه ليس حالّا فيها؛ لأنهم أبدا يقولون: ما فى هذه البلدة أمير؛ ولا لهذا الناس مدبّر؛ يريدون السياسة والتدبير. فإذا قالوا: «ما إن فى الدار زيد»، أو «ما إن للبلد أمير» فلا بدّ أن يريدوا: أنه ليس فيها على الحقيقة من ذكروه؛ وهذا هو معنى قول أهل العربية: إن ذلك للتأكيد؛ ومعنى التأكيد هو الّذي أشرنا إليه؛ لأنّ التأكيد لا يجوز أن يكون لغير فائدة، وأن يكون دخوله كخروجه.
стр. 981
فليقس على ما ذكرناه أمثلته، وليتطلّب لكل شيء ادّعى أنه لمحض التأكيد فائدة قلّت أو كثرت؛ فإنها توجد؛ وليس جهل الطالب لها بها يقتضي فقدها؛ فإن الأدلّة الواضحة قد دلّت على أنّ العرب مع حكمتهم لا يتكلّمون بما لا يفيد؛ وأنّ الكلام الّذي ما وضع فى الأصل إلا لفائدة قليله فى وجوب الفائدة ككثيره؛ فربما ظهرت هذه الفائدة لكل متدبّر،
وربما خفيت.
وأصول أهل العربية مملوءة من هذا؛ فإنّهم يتمحّلون ويتطلّبون العوامل التى لا تظهر فى تمام الكلام؛ ويقدّرون فيها التقديرات البعيدة حراسة للأصول، ونصرة لما دلّ عليه الدليل. ومن تصفّح تمحّلهم للعامل فى الحال إذا عرى الكلام كلّه من تصريح به، وتغلغلهم إلى ضعيف وقوىّ وبعيد وقريب علم أنّ الّذي سلكناه فى تخريج فوائد الحروف الزائدة الداخلة على الكلام، وظن قوم أنها للتأكيد من غير فائدة زائدة، طريق صحيح لا اعتراض عليه.
стр. 982
مسألة
جرى بالحضرة السامية الوزيرية العالية العادلية (١) المنصورة- أدام الله سلطانها، وأعلى أبدا شأنها ومكانها- فى بعض الكلام ما روى عن النبي ﵇ من قوله: «نية المؤمن خير من عمله».
فقلت: على هذا الخبر سؤال قوىّ؛ وهو أن يقال: إذا كان الفعل إنما يوصف بأنه خير من غيره إذا كان ثوابه أكثر من ثوابه؛ فكيف يجوز أن تكون النية خيرا من العمل؟ ومعلوم أن النية أخفض ثوابا من العمل؛ وأنه لا يجوز إن يلحق ثواب النية بثواب العمل؛ ولهذا قال أبو هاشم: إن العزم لا بدّ أن يكون دون المعزوم عليه فى ثواب وعقاب:
وردّ على أبى عليّ قوله: «إنّ العزم على الكفر لا بدّ أن يكون كفرا؛ والعزم على الكبير يجب أن يكون كبيرا» بأن قال له: لا يجب أن يساوى العزم المعزوم عليه فى ثواب ولا عقاب؛ فإن كان هاهنا دليل سمعىّ يدلّ على أن العزم على الكفر كفر، والعزم على الكبير كبير صرنا إليه؛ إلا أنه لا بدّ مع ذلك من أن يكون عقاب العزم دون عقاب المعزوم عليه؛ وإن اجتمعا فى الكفر والكبير.
ووقع بالحضرة السامية العادلة المنصورة- أدام الله سلطانها- من التقدير لذلك والخوض فيه كلّ دقيق (٢) غريب مستفاد؛ وهذه عادتها- حرس الله نعمتها- فى كل فن من فنون العلم والأدب؛ لأنها تنتهى من التحقيق والتدقيق إلى غاية من لا يحسن إلا ذلك الفن؛ ولا يعرف إلا بذلك النوع.
وقال بعض من حضر: قد قيل فى تأويل هذا الخبر وجهان حسنان، فقلت له:
اذكرهما؛ فربما كان الّذي عندى فيه مما استخرجته أحدهما، فقال:
يجوز أن يكون المعنى أن نية المؤمن خير من عمله العارى من نية. فقلت: لفظ
стр. 983
«أفعل» لا يدخل إلا بين شيئين قد اشتركا فى الصفة، وزاد أحدهما فيها على الآخر؛ ولهذا لا يقول أحد: إن العسل أحلى من الخلّ؛ ولا إن النبي ﵇ أفضل من إبليس؛ والعمل إذا عرى من نية لا خير فيه، ولا ثواب عليه؛ فكيف تفضّل النية الجميلة عليه؛ وفيها خير وثواب على كل حال.
قال: والوجه الآخر أن تكون نية المؤمن فى الجميل خير من عمله الّذي هو معصيته.
فقلت: وهذا يبطل أيضا بما بطل به الوجه الأول، لأن المعصية لا خير فيها فيفضل غيرها عليها فيه.
وقالت الحضرة السامية العادلة المنصورة- أدام الله دولتها- تحقيقا لذلك وتصديقا: هذا هجو لنية المؤمن، والكلام موضوع على مدحها وإطرائها، وأىّ فضل فى أن تكون خيرا من المعاصى، وإنما الفضل أن تكون خيرا مما فيه خير!
فسئلت حينئذ ذكر الوجه الّذي عندى فقلت: لا تحمل لفظة «خير» فى الخبر على معنى «أفعل» الّذي هو للتفضيل والترجيح وقد سقطت الشبهة، ويكون معنى الكلام: إن نية المؤمن من جملة الخير من أعماله؛ حتى لا يقدّر مقدّر أن النية لا يدخلها الخير والشر؛ كما يدخل ذلك فى الأعمال. فاستحسن هذا الوجه الّذي لا يحوج إلى التعسّف والتكلّف اللذين يحتاج إليهما إذا جعلنا لفظة «خير» معناها معنى «أفعل»؛ وانقطع الكلام لدخول الوقت السّعيد المختار لدخول البلد ونهوض الحضرة السامية- أدام الله سلطانها- للركوب.
وكان فى نفسى أن أذكر شواهد لهذا الوجه ولواحق يقتضيها الكلام، وخطر بعد ذلك ببالى وجهان سليمان من الطّعن إذا حملنا لفظة الخير فى الخبر على الترجيح والتفضيل؛ وأنا أذكر ذلك:
أمّا شاهد ما استخرجته من التأويل من حمل لفظة «خير» على غير معنى التفضيل والترجيح فكثير؛ وقد ذكرت فى كتابى المعروف «بالغرر» عند كلامى فى قوله تعالى:
стр. 984
وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا؛ [الإسراء: ٧٢] من الكلام على هذا الوجه ما استوفيته (١)، وذكرت قول المتنبى:
ابعد بعدت بياضا لا بياض له ... لأنت أسود فى عينى من الظّلم (٢)
وأن الألوان لا يتعجب منها بلفظ «أفعل» الموضوع للمبالغة، وكذلك الخلق كلها؛ وإنما يقال: ما أشدّ سواده! وأن معنى البيت ما ذكره أبو الفتح عثمان بن جنّى من أنه أراد:
أنّك أسود من جملة الظّلم؛ كما يقال: حرّ من أحرارا، ولئيم من لئام؛ فيكون الكلام قد تمّ عند قوله: «لأنت أسود». ولو أراد المبالغة لما كان تامّا إلا عند صلة الكلام بقوله: «من الظّلم»؛ واستشهد ابن جنّى أيضا على صحة هذا التأويل بقول الشاعر:
وأبيض من ماء الحديد كأنّه ... شهاب بدا واللّيل داج عساكره (٣)
كأنه قال: وأبيض كامن من ماء الحديد.
وقلت أنا: قول الشاعر:
يا ليتنى مثلك فى البياض (٤) ... أبيض من أخت بنى إباض
يمكن حمله على ما حملناه عليه ببيت المتنبى؛ كأنه قال: أبيض من جملة أخت بنى إباض ومن عشيرتها وقومها، ولم يرد المبالغة والتفضيل؛ وهو أحسن من قول أبى العباس المبرّد لما أنشد هذا البيت وضاق ذرعا بتأويله على ما يطابق الأصول الصحيحة أنّ ذلك محمول على الشّذوذ والنّدران.
فإن قيل: كيف تكون نية المؤمن من جملة أعماله على هذا التأويل، والنية لا تسمى عملا فى العرف، وإنما تسمى بالأعمال أفعال الجوارح؛ ولهذا لا يقولون: عملت بقلبى، كما يقولون: عملت بيدى، ولا يصفون أفعال الله تعالى بأنها أعمال؟
قلنا: ليس يمتنع أن تسمى أفعال القلوب بأنها أعمال، وإن قل استعمال ذلك فيها، ألا ترى
стр. 985
أنهم لا يكادون يقولون: فعلت بقلبى؛ كما يقولون: فعلت بجوارحى؛ وإن كانت أفعال القلوب تستحق التسمية بالفعل حقيقة بلا خلاف؛ ولكن لا تسمى أفعال الله تعالى بأنها أعمال؛ لأن هذه اللفظة تختصّ بالفعل الواقع عن قدرة، والقديم تعالى قادر لنفسه؛ كما لا نصفه تعالى بأنه مكتسب لاختصاص هذه اللفظة بمن فعل لجرّ نفع، أو دفع ضرر.
ولو سلّمنا أن اسم العمل يختص بأفعال الجوارح جاز أن يطلق ذلك على النية مجازا واستعارة؛ فباب التجوّز أوسع
من ذلك.
وأما الوجهان اللّذان خطرا ببالى إذا قدرنا أن لفظة «خير» فى الخبر محمولة على الفاضلة؛ فأحدهما أن يكون المراد: نية المؤمن مع عمله خير من عمله العارى من نيّة؛ وهذا مما لا شبهة أنه كذلك.
والوجه الثانى أن يريد: نيّة المؤمن لبعض أعماله قد تكون خيرا من عمل آخر له لا تتناوله هذه النية؛ وهذا صحيح لأن النية لا تجوز أن تكون خيرا من عملها نفسها. وغير منكر أن تكون نيّة بعض الأعمال الشاقة العظيمة الثواب أفضل من عمل آخر ثوابه دون ثوابها؛ حتى لا يظنّ ظان أن ثواب النية لا تجوز أن يساوى أو يزيد على ثواب بعض الأعمال.
وهذان الوجهان فيهما على كل حال ترك لظاهر الخبر لإدخال زيادة ليست فى الظاهر؛ والتأويل الأول إذا حملنا لفظة «خير» على خلاف المبالغة والتفضيل مطابق للظاهر؛ وغير مخالف له؛ وفى هذا كفاية بمشيئة الله.