← Джавами‘

Джавами‘ · id 20948

شعاع من المحراب

سليمان بن حمد العودة

Полный текст (3 545 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

رقابة البشر عليكم، فضعوا رقابة الله دائمًا نصب أعينكم وتذكروا دائمًا قوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. اعلموا أن الغرس الذي تغرسونه اليوم سيثمر غدًا، ولا يكن شبحُ الامتحان همكم الوحيد، أو معوقًا لرسالتكم التربوية النبيلة، واستثمروا فرص النشاط اللامنهجية التي تبعث بها إداراتكم إليكم، وبأخلاقكم العالية ومعاملتكم الطيبة تصلوا إلى قلوب الطلاب قبل أن تصل كلماتكم إلى أسماعهم. أيها المدراء الفضلاء أنتم على رأس المسؤولين في مدارسكم فكونوا عند حسن الظن بكم، وما أجمل الرئيس يجمع بين الحزم والحلم، وبين الضبط الإداري والمرونة في التطبيق، شجعوا المدرس والطالب المجد، وخذوا بأيدي الكسالى وساهموا في صعودهم إلى أعلى، وليكن أسوأ ما عندكم آخر سهمٍ في جعبتكم، عالجوا الأخطاء بحكمة، وإياكم والتساهل بعلاج الأخطاء أو الانحرافات فور وقوعها .. حتى لا تتسع دائرتُها، ويتعاظم خطرُها، اجمعوا بين اليقظة والثقة، وليكن لكم جولات ولقاءات متتابعة، أنصفوا المظلوم، وخذوا على أيدي الظالم .. وأشركوا البيت في مهمتكم، وتعاونوا ورجالات الحي في كل ما يحقق النجاح لرسالتكم، شكلوا من المدرسة أسرة صالحة بمعلميها وطلابها وإدارييهم .. واجعلوا من تقوى الله، والإخلاص لله سندًا يمدكم الله بعونه، ومن يتق الله يجعل له مخرجًا، ويجعل الله من أمره يسرًا. ومثل ذلك يقال للمديرات الفاضلات .. وكلٌّ بحسبه. معاشر الأولياء، أنتم شركاء للمدرسة في مسؤوليتها .. ولا ينتهي دوركم عند تأمين اللوازم المدرسية للطلبة والطالبات .. وإيقاظهم في الصباح ولا ينبغي أن يكون آخر عهدكم بالمدرسة تسجيلهم فيها .. لابد من متابعة الأبناء والبنات والسؤال عن حالهم وزيارة المدرسة بين الفينة والأخرى للسؤال عن الأبناء

стр. 1017

والمساهمة في رأي أو اقتراح مفيد لعموم الدارسين. معاشر الأولياء كم هو مؤلم أن تجد عناية من الأسرة لجانب من جوانب الطلبة، وترى إهمالًا في جوانب آخري .. وقولوا لي: بربكم هل أدى الأمانة من حرصه على استيقاظ ابنه للدراسة مقدمٌ على حرصه على الصلاة .. وتحسُره على فوته الدراسة أشدُّ من تحسره على فوت وقت الصلاة .. إنها ممارسات خاطئة يحس الطلبة والطالبات فيها بنوع من التناقض بين ما درسوه في المدرسة وما يجدونه في المنزل .. فعظموا أمر الله- معاشر الأولياء- في نفوس الناشئة، ومروهم بالصلاة لسبعٍ واضربوهم عليها لعشرٍ وفرقوا بينهم في المضاجع .. وإياكم وإشغالهم بمشاهد يطول سهرهم عليها فيأتون للمدارس وما بهم قدرة على التركيز والتحصيل وإن كانت هذه المشاهد محرمة فالأمر أدهى وأمر. معاشر الأولياء تشكو المدارس من ضعف قوامة بعض البيوت على أبنائهم وبناتهم. وتلك مصيبةٌ وداء عضال ولاسيما إذا كان منشأه قلة الاهتمام والانشغال بأمور الدنيا .. وكل ذلك له آثاره على ضعف الطلبة والطالبات دراسيًا .. وانحرافهم- لا قدر الله- خلقيًا فتنبهوا لذلك معاشر الأولياء، وتذكروا دائمًا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (١).

стр. 1018

الخطبة الثانية: الحمد لله رب العالمين خلق فسوى وقدر فهدى وأخرج المرعى فجعله غثاءً أحوى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، بيده مقاليد السماوات والأرض، وهو وحده الممسك لهما أن تزولا .. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ترك الناس على المحجة البيضاء .. فتفرقت ببعضهم السبل- لضعف في الثبات على طريق الهدى .. أو لغلبة الهوى- والموفق من عصمه الله من الفتن .. وسار على طريق محمدٍ ومن بسنته اقتفى .. اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. أيها المسلمون المباني الدراسية ذات شأن في العملية التعليمية، فتهيئة المكان المناسب، وتوفير وسائل التبريد والتدفئة- ووجود ساحات ينطلق فيها الطلاب يروحون عن أنفسهم، وتوفر المعامل اللازمة لتدريب الطلبة، ووجود مكتبة عامرة يأوي إليها الطلاب والطالبات وينهلون من علومها، ويستعيرون منه ما لا يسعفهم وقت المدرسة بقراءته .. إلى غير ذلك من أمورٍ تُسهم في مسيرة العملية التعليمية بحيوية وراحة ونشاط. أما المناهج الدراسية فهي والطالب المقصودة أساسًا بالتعليم ولهما يوفر المعلمون والمعلمات، ومن أجلهما تنشأ المباني وتوفر المعامل .. وتنفق النفقات. ولذا فحريٌّ بنا معاشر المدراء والمعلمين والأولياء والطلبة .. أن نوليها من العناية ما تستحق، وأن نهتم مع جهات الاختصاص دائمًا في مزيد العناية بها وتطويرها للأفضل. ومحور التطوير ينبغي أن يقوم على الأصول والثوابت وأن يبرز الهوية،

стр. 1019

ويصون القيم، وأن يقدر تأريخ الأمة في فترات عزها ويسعى لتحقيقه، ويسبر أغوار ضعف الأمة ويجنب الناشئة سلوكه كما ينبغي أن تقوم المناهج كذلك على استثمار وسائل التقنية الحديثة، وطرق التربية النافعة وأن تصل الطالب بماضيه ولا تفصله عن حاضره، وأن تَبْنيَ هذه المناهج في الدارسين قوة العلم واليقين، والقدرة على تحدي ومنافسة الآخرين، بسلاح العلم والثقافة وأن تُخرج أجيالًا قادرة على التفكير، مستعدة للعطاء، نافعة لنفسها وللمجتمع من حولها. أجل إن المناهج الدراسية بإلزاميتها للجميع قادرةٌ على رفع مستوى الأمة، إذا توفر لها مخططون مخلصون، يرون مواقع الضعف فيعالجونها .. ومواقع القوة الغائبة عن النشء فيعيدونها عبر المناهج بالوسائل المختلفة .. وإذا كان زماننا زمان صراع حضاري وعقائدي بين الأمم فإن من علائم إخلاص ووعي المعنيين بالمناهج .. اعتبار هذا التحدي والتركيز على المنطلقات العقدية والفكرية الصحيحة في بناء المناهج وصياغتها، وتوزيع التخصصات فيها، وحجم الساعات المقدرة لكل منها. وعلينا مدراء، ووكلاء ومعلمين، ومرشدين، وطلبة نابهين أن نُسهم بالرأي والمشورة، من خلال تجاربنا وتدريسها أو إشرافنا أو اطلاعنا على هذه المواد، وبوركت الأمةُ المتناصحة فيما بينها، وبوركت الجهود المبذولة من هنا وهناك والقرار في النهاية لأولي الأمر والعلم والاختصاص. كان الله في عونهم وسدد على طريق الخير خطاهم، وجنبهم الزلل وأقال عثرتهم، ونفع الأمة بجهودهم. أيها المسلمون بقيت همسةٌ لطيفة، فقد تشتد ظروف الحياة على بعض الدارسين أو الدارسات .. وقد يشق عليهم توفيرُ ما يستطيع نظراؤهم توفيره .. فهل يجد هؤلاء من المدرسة رعاية خاصة وبطريقة مناسبة، لا تجرح شعورًا ولا تقلل قدرًا .. لكنها تُحسن وتبر وتتخذ من المدرسة جسرًا للمحبة والوصال

стр. 1020

والنصيحة. بل وما أجمل المدرسة تكون مصدر إشعاع لأهل الحي تعين الضعيف، وتقوِّم المنحرف، وتعلم الجاهل، وتبصِّر الأسرة المحتاجة لسلوك الطريق القويم. إنها رسالة المدرسة التربوية المتكاملة، ينبغي أن يحسَّ بها ويعمل لها العاملون المخلصون .. والله لا يضيع أجر من أحسن عملًا وما فتئ المسؤولون في التعليم يقولون: إن من الخسارة ألا يستفاد من المباني المدرسية إلا بضع ساعات، ومن هنا جاء تأكيدهم على افتتاح مراكز الأحياء، وافتتاح المراكز الرمضانية في المدارس .. فهل نستفيد من المدارس بأكبر حجم ممكن- اللهم اهدنا لليسرى.

стр. 1021

إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه .. (١) الخطبة الأولى: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخيرته من خلقه، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أيها الناس أوصيكم ونفسي بتقوى الله، وتلك وصية الله لكم ولمن قبلكم: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ (٢). ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ (٣). ألا فاتقوا الله عباد الله واشكروه وهو الذي أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئًا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون. أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق- قال: «إن أحدهم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك ثم يُرسل الله الملك فينفخ فيه الروح، ويُؤمر بأربع كلمات، يكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد فوالذي لا إله غيره إن

стр. 1022

أحدَكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها» (١). أيها المسلمون .. في هذا الحديث سرٌّ عظيم من أسرار الحياة والأحياء، وقدرة إلهية عظيمة تتكرر وتتجدد عبر القرون، ويشهد بها الناس في أنفسهم وذراريهم ومن حولهم، وإن لم يقفوا على سرِّها. والتأمل في هذا الخلق العجيب، والنظر في هذه الأطوار المتعاقبة للجنين حتى يخرج إلى الوجود يزدادُ لها المؤمنون إيمانًا وتقطع دابرَ الشكِّ، وتفحم أهل الإلحاد المنكرين لوجود الخالق ﷻ .. إن هذه النطفة بتشكلها وأطوارها واحدةٌ من دلائل الإيمان بالخالق ﷻ ، فهي لا تختلف في أسبابها، ولا تنقطع عن الوجود بتكررها، وهي آية كبرى تدل على عظمة من خلق فسوى والسرُّ الأعظم أن هذا الإنسان المدرك فيما بعد، صاحب القوى والقدرات، والطاقات والانفعالات .. أصله من ماء مهين التقى فيه ماءُ الرجل مع ماء المرأة، فتولى الله خلقه وتكوينه عبر مراحل وأطوار، لا يعلمُ بها أقرب الناس إليها- إلا بعد تحركها ونفخ الروح فيها فتبارك اللهُ أحسن الخالقين. هذه النطفة يعلم الله بدءها وهو الذي يصورها ويعلم ما ستكون إليه، ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٢).

стр. 1023

ولا يقف علمه -سبحانه- بكونها ذكرًا أو أنثي، بل يعلم قدرها وأجلها وفقرها وغناها، وشقاها وسعادتها، وحيث أطلق علمُ اللهِ فيها بقوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ﴾ (١). فهو شاملٌ لكل ما يتعلق بهذه النطفة منذ بدء تكوينها إلى نهاية حياتها، وإلى أن تنتهي إلى المصير المقدر لها في الجنة أو في النار، وهذا ما يقف البشر عاجزين عن معرفته مهما تقدمت بهم وسوائل المعرفة، إذ هو من المغيبات التي لا يعلمها إلا الله - وهذه النطفة بما فيها من أسرار وإعجاز، وكثرة وانتشار في الأمم الخالية واللاحقة هينة على الله في خلقها وفي بعثها وكأنه لم يخلق إلا نفسًا واحدة: ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (٢). وفي ذلك ردٌّ على المنكرين للبعث، الذين جاءوا للنبي ﷺ يقولون إن الله خلقنا أطوارًا، نطفةً ثم علقةً ثم مضغةً ثم عظامًا، ثم تقول: إنا نبعث خلقًا جديدًا جميعًا في ساعة واحدة، فأنزل الله هذه الآية، والله تعالى لا يصعب عليه ما يصعب على العباد، بل يقول للقليل والكثير كُن فيكون (٣). عجبًا لك يا ابن آدم إذا اشتد عودك، وكملت قواك، نسيت الذي خلقك من ضعف، وبدأت تجادلُ وتخاصم ناسيًا أو متناسيًا أصل خلقتك، وسرِّ العظمة في بداية تكوينك، ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ (٤).

стр. 1024

وعجبًا لك يا ابن آدم، ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك، ثم أنت بعدُ تكذب أو تشك في يوم الدين، وإن لم تقل هذا بلسانك، فلسان حالِك يشهد بإضاعتك للواجبات وارتكابك لكثير من المحرمات وقد لا تشعر بخطئك، وقليلًا ما تستغفر ربك، فأين ما يستلزمه الإيمان بالدين من خالص المحبة لله والتوكل عليه، والخوف منه، والرغبة إليه. أيها المسلمون الإيمانُ بعظمة الخالق وقدرته من خلال بدء الخلق وتصوير الأجنة ينبغي أن يقود لمزيد الإيمان بالبعث والجزاء، وكثيرًا ما تأتي آيات الخلق وانتشار الأحياء في الحياة الدنيا، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ﴾ (١). بل يقرر الله أن إعادة الخلق للبعث أهون عليه من بدئه- وله المثل الأعلى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٢). عباد الله في هذا الحديث الذي بين أيدينا إخبارٌ صادق بتقدير الرزق وتحديد الأجل لابن آدم وهو بعدُ في بطن أمه، فعلام الجشع في طلب الرزق إلى حدٍ

стр. 1025

يتجاوز المرءُ الحلال إلى الحرام؟ أو إلى درجةٍ يشغله هذا الوزن المضمون عن المصير المحمود في الجنان وهو غير مضمون. ولماذا التخوف على الحياة إلى درجة يخشى الناس فيها أكثر من خشية الله، ولربما قال الإنسان باطلًا أو كتم حقًا، تخوفًا أو تحسبًا أو توهمًا من الشيطان والله يقول: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (١)، ويقول في آية أخرى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (٢). يا عبد الله لا يعني ذلك بحال ترك فعل الأسباب المأمور بها شرعًا ولا التقحم في المهلكات والمنهيات، ولكن اليقين والتوكل، والصدق مع الله، والإيمان بقضاء الله وقدره، وأن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولن تموت نفسٌ حتى تستكمل رزقها وأجلها، ولو اجتمعت الأمة على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، ولو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، بهذا جفت الأقلام وطويت الصحف وجرى قدر الله. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ (٦١) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلا تَذكَّرُونَ﴾ (٣).

стр. 1026

الخطبة الثانية: الحمد لله الخالق البارئ المصور، له الأسماء الحسنى وهو العزيز الحكيم وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى إخوانه وآله، ورضي عن أصحابه وأتباعه إلى يوم الدين. إخوة الإيمان لا ينتهي الإعجاز الإلهي في خلق النطفة وتكوينها وتسويتها، بل تتكاثر هذه النطفة حتى ينشأ عنها الأنساب والأصهار، فهو في بداية أمره ولدٌ نسيب، ثم يتزوج فيصيُر صهرًا، ثم يصيرُ له أصهارٌ وأختانٌ وقرابات وكل ذلك من ماء مهين، ودليلٌ على قدرة رب العالمين، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ (١). وسرٌّ آخر أن هذه النطفة التي لا تكاد ترى بالعين المجردة حين استقرارها في الرحم تحمل معها مواصفات وموروثات الجنين بعد. أما السرُّ الثالث فهو أن هذا الجنين يعيش ويتشكل في ظلمات ثلاث ظلمةِ البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة، كما قال تعالى: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ (٢). والله تعالى وحده يتولى رعايتها، ويهيئ لها غذاءها، والظروف المناسبة لنموها، ثم بقدرته بعدُ يتولى إخراجها بعد اكتمال قواها وقدرتها على العيش

стр. 1027

خارج هذا الجوِّ الذي ألفته .. فتبارك اللهُ الخالق، ونعم القادر المقدر، ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾. إخوة الإسلام في نهاية الحديث لفتة ووقفة عند حسن الخاتمة أو سوئها، والثبات على الحقِّ إلى الممات أو الزيغ عنه نعوذ بالله من الحور بعد الكور، والضلالة بعد الهدى، فوالله إن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها غير باعٍ أو ذراعٍ فيسبق عليه الكتابُ فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها غيرُ ذراع أو ذراعين فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها. قال ابن أبي حمزة- يرحمه الله-: هذه التي قطعت أعناق الرجال مع ما هم فيه من حسن الحال لأنهم لا يدرون بماذا يُختم لهم (١). ترى من منا تُخيفه نهاية هذا الحديث فيظل دائبًا في عمل الصالحات خائفًا من الزيغ قبل الممات. سائلًا ربه دائمًا حسن الختام، والخوف والمصيبة حين يقل عملنا ويقل خوفنا، وحين ندعو «اللهم أحسن خاتمتنا» فهل ترانا نستحضر، ما جاء في نهاية هذا الحديث؟ وما أحرانا أن نتأمل ما جاء في الرواية الأخرى من حديث أنس عند أحمد وصححه ابنُ حبان بلفظ «لا عليكم أن لا تُعجبوا بعمل أحدٍ حتى تنظروا بم يُختم له، فإن العامل يعمل زمانًا من عمره بعملٍ صالحٍ لو مات عليه دخل الجنة، ثم يتحول فيعمل عملًا سيئًا .. » الحديث (٢). إخوة الإيمان في الحديث تذكيرٌ وتأكيدٌ على الإيمان بالقضاء والقدر وهو أحد الأركان الستة للإيمان فلا يتم إيمان العبد إلا به، وهو التسليم والرضا

стр. 1028

لأقدار الله على العبد، وفي الحديث الحسن الذي أخرجه الطبراني عن أبي الدرداء مرفوعًا: «إن العبد لا يبلغ حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه» (١). وكيف يجزع المرءُ ويتسخط من شيء قد كتبه الله عليه سلفًا وهو في بطن أمه، ولكن الإيمان بالقضاء والقدر لا يتعارض مع فعل الأسباب المشروعة ولا ينبغي أن يقعد بالإنسان عن العمل. فهذه كذلك من أقدار الله والعبدُ مأمورٌ بفعلها، ولهذا فحين سأل الصحابة رسول الله ﷺ عن فائدة العمل مع تقدم القدر أجابهم بقوله: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له» فقد أخرج البخاري في صحيحه عن علي ﵁ قال: كنا جلوسًا مع النبي ﷺ ومعه عودٌ ينكتُ به في الأرض فنكس وقال: «ما منكم من أحد إلا قد كُتب مقعده من النار أو من الجنة»، فقال رجلٌ من القوم: ألا نتكل يا رسول الله؟ قال: «لا، اعملوا فكل ميسر»، ثم قرأ ﴿فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ الآية (٢). وفي هذا الحديث وأمثاله ردٌّ على شُبه القدرية الذين يتعلقون بالقدر ويتركون العمل، أو الجبرية الذي يقولون أن الإنسان مجبر على ما يقوم به ولا خيار له ولا مشيئة، ومذهب أهل السنة والجماعة أن كلَّ ما تحدث في الوجود بقضاء الله وقدره، ولكنهم يثبتون للعبد مشيئةً وإرادة بها يتجه للخير أو للشر، ولكنها لا تخرج عن مشيئة الله كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَاءُ اللَّهُ﴾. وخلاصة هذه النظرة عبَّر عنها العلماء بقولهم: «إن الله أمرنا بالعمل فوجب علينا الامتثال، وغيَّب عنا المقادير لقيام الحجة، ونصب الأعمال علامةً على ما

стр. 1029

سبق في مشيئته فما عدل عنه ضل وتاه لأن القدر سرٌّ من أسرار الله لا يطلع عليه إلا هو، فإذا أدخل أهل الجنة الجنة كشف لهم عنه حينئذ» (١).

стр. 1030

أين الإرهاب ؟ (١) الخطبة الأولي إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارض اللهم عن أصحابه أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. فأما بعد فاتقوا الله عباد الله وكونوا مع الصادقين: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (٣). أيها المسلمون: تفنى الأمم وتُدمرُ الحضارات حين تكون القوة لغة التفاهم بين مجتمعاتها، ويختل الأمن ويتراجع المدُّ الحضاري حين يسهل استخدام وسائل التدمير في غير موضعها. ومن سنن الله في كونه تعجيلُ نهاية الدول حين تستعلي بقوتها، وتمتد مساحة ظلمها، ويتعاظم فسوق المترفين فيها: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (٤).

стр. 1031

﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ (١). لقد قصَّ الله علينا في كتابه العزيز نماذج لدول سادت ثم بادت، وحضارات شُيِّدت في سهول الأرض، ونحت أصحابها من الجبال بيوتًا فارهين، فلما استكبروا وطغوا واغتروا بقوتهم أهلك الله الظالمين منهم، وعادت قراهم حصيدًا كأن لم تغن بالأمس، يقول تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ (٢). لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملكُ مُلكه، والخلق خلقه، والقوة قوته، والأرض له يورثها من يشاء من عباده، والويل لمن غرته قوته واستصغر من دونه، ومنطق الجهل والغرور يحيق بأهله وفي التنزيل: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا ٣١ عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنصَرُونَ﴾ (٣). أيها الناس: الإرهاب مرفوضٌ في شريعة الإسلام، ذلكم الإرهاب الذي يُفضي إلى قتل النفس بغير حق، ويخيف الآمنين، ويدمر المُنشآت ويبدد الطاقات، ولكن الإشكالية في تحديد مفهوم الإرهاب، ومن يوصفون بالإرهاب، وأين يكون الإرهاب ومصيبتنا في هذا الزمن أن تحديد المصطلحات متروكٌ للدول الكبرى تتلاعب فيه كيف شاءت، وتصف به من تشاء، ونتج عن

стр. 1032

هذا أن ألصقت التهمُ بالعرب والمسلمين الذين يرفضون سياسات الغرب وحلفائهم في المنطقة العربية والعالم الإسلامي، ويكشفون الخبث والعداء أن السافر فيها ولهذا سحب اليهود والنصارى وأشياعهم مصطلحات: الإرهاب، والتطرف، والأصولية، ونحوها، على أبناء الأمة العربية الإسلامية، وهي في أصولها الحديثة مصطلحات نابعة من بيئاتهم ولها وجودٌ وأثرٌ في حياتهم وبين شعوبهم، والهدف من تحوير المصطلحات وتحبيرها تشويه صورة المنتمين للإسلام من جانب، وسَتْرِ سوآت الكفار وتطرفهم من جانب آخر. أخوة الإسلام تعالوا بنا لنوى نوعًا من الممارسات والسياسات للدول ذات النفوذ في المنطقة، ونسأل أذلك من الإرهاب أم لا؟ فماذا يُقال عن قتل الأبرياء في مسجد الخليل، وتبييتهم وهم ركعٌ سجدٌ لله والعمل الإجرامي المتمثل بالمحاولة الصهيونية في حرق المسجد الأقصى؟ (١) وماذا يُقال عن تطويق الإسلام ومحاصرة المسلمين وإعلان الحرب عليهم في كل من البوسنة والهرسك والشيشان، وكوسوفو؟ أليس من الإرهاب مشاركة الغرب في عزل الإسلام عن الحياة في تركيا، وتنحية الحزب الإسلامي عن الحكم حتى ولو جاء بإرادة الشعب واختياره؟ . يرى المراقبون أن لأمريكا دورًا في تأزيم العلاقات بين الهند وباكستان، وبين حركة طالبان وإيران ودول آسيا الوسطى وإذا حكم العقلاء- أن هذا- ومثله كثير- نوعٌ من الإرهاب العقدي والسياسي، فثمة إرهاب فكري يُصدِّره الغرب وفي مقدمته أمريكا، ومؤتمر المرأة في بكين نموذج صارخ لهذا الإرهاب الذي يتجاهل فيه المخططون للمؤتمر تعاليم السماء عامة فضلًا عن الاعتداء والسخرية

стр. 1033

بتعاليم الإسلام خاصة، بل لقد نجح إرهابيو الغرب وحلفاؤهم في عقد مؤتمر الإسكان في قلبِ العالم الإسلامي متحدين بذلك مشاعر المسلمين، وموقنين بأنَّ فساد المرأة بوابةٌ لفساد المجتمع، وأن تحديد نسل المسلمين أقصرُ الطرق لشل قوة المسلمين، ومنع تناميهم مستقبلًا، ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين. ومن الإرهاب العقدي والسياسي والفكري إلى الإرهاب الاقتصادي حيث يتحكم الغرب في اقتصاد العالم، ومن جراء هذا التلاعب دخلت دول جنوب شرق آسيا مرحلة السبات الطويل نتيجة الخسائر المتلاحقة لاقتصادها، الذي أثَّر بدوره على الاقتصاد العالمي والرأسمالية الأمريكية والغربية سببٌ مؤثرٌ في ذلك (١). أيها المسلمون من المسؤول عن تجويع شعب العراق المسلم، وأيُّ نوع من الإرهاب يكون موتُ آلاف الأطفال وانتشارُ الأمراض لدى شعب العراق العربي المسلم؟ وإذا فسدت القيادة وشذَّ الحزب الحاكم بالظلم والطغيان والفساد .. فهل يُسحب ذلك على الشعب العراقي بأكمله؟ إنها نوعٌ من الممارسات الإرهابية للشعوب المسلمة، تُختلق الأزمة فيها لتكون مبررًا لما وراءها. عباد الله لم يكتفِ الغرب الكافر بخنق السودان وحصاره اقتصاديًا وعزله سياسيًا- وهو البلد العربي المسلم- بل زاد في إرهابه بضرب منشآتٍ صحية فدمرها وألحق الأضرار البالغة فيها فأين الإنسانية .. وأين حقوق الإنسان .. وأين الإسهامُ في نشر الأمن والسلام في العالم من قبل راعية السلام المزعوم؟ ! وهبوا أنه كان مصنعًا لنوع من الأسلحة كما زعموا .. فهل يبرر ذلك ضربه-

стр. 1034

وهل يجوز إقامة المصانع العملاقة الحربية في مكان ويُحظر في مكان آخر .. ؟ وهل كُتب على العرب والمسلمين تحريمُ الصناعات، وهو حِلٌّ للغرب وحليفتهم إسرائيل؟ . إخوة الإيمان، إذا كلفت الضربة الأمريكية الأخيرة للسودان والمخيمات في الأفغان مائةً وخمسين مليون دولار كما يقال، فهل ذلك قمعٌ للإرهاب أم هو بذاته نوعٌ من الإرهاب واشفزازٌ للمشاعر في العالمين العربي والإسلامي وخلق لأجواء الإرهاب؟ معاشر المسلمين لابد أن نفهم المصطلحات وما وراءها، ولابد أن نعي الأهداف من وراء الضربات، وإذا نظر البعض إليها على أنها محاولةٌ لستر السوءات وتغطية الفضائح، فهناك نظرةٌ أكثر عمقًا لهدف هذه الضربات والممارسات وغيرها وتقضي بكونها حربًا عقائدية مسيَّسة تقف اليهودية والنصرانية في طرف، والإسلام طوف آخر .. ومن استبعد هذه النظرة. فليراجع كتاب الله فيه من أمثال قوله تعالى: ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ... ﴾. وليراجع تصريحاتٍ أبى الله إلا أن تَفلتَ بها ألسنةُ القوم وهي تكشف عن الأهداف المبيتة والتخوف من الإسلام وأهله، ومن أواخر تصريحاتهم ما قالته وزيرة الخارجية الأمريكية بعيد ضرب السودان والأفغان، قالت: «عندما تتعرض الولايات المتحدة لاعتداء سواءٌ في الحرب العالمية الأولى، أو الحرب العالمية الثانية، أو الحرب الباردة، فإننا نحتاج إلى جهد متواصل ضد ما يمثل التهديد الرئيس في نهاية القرن الحالي، وبداية القرن المقبل .. » (١).

стр. 1035

ويُفهم من هذا التصريح أن الإسلام يمثل الخطر الرئيس الذي يهدد الغرب ولذا فلابد من جهد متواصل لحربه، والحربُ مع أبنائه طويلة الأجل وليست هذه المناوشات والضربات والتهديدات إلا حلقةً في سلسلة الصراع الطويل (وقد صدقت وهي كذوبة). فهل ترفع هذه التصريحات الغشاوة عن أعين طالما أُصيبت بالرمد وتستنيرُ أفكارٌ طالما ظللتها الشعارات الُمضللة وأوهمتها المصطلحات المصطنعة، واستجابت للناعقين وهم يفتكون بإخوانهم، وهم في الطريق إليهم إلا أن أتموا المسيرة معهم، ودخلوا جُحر الضب الخرب حيث دخلوا، فأولئك منهم وإن حسبوا على المسلمين في عدادهم؟ اللهم اكشف الغمة وأصلح أحوال الأمة، وانصر أبناء الملة المسلمة أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (٢) لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (١). نفعني الله وإياكم.

стр. 1036

الخطبة الثانية: الحمد لله القوي العزيز، غافر الذنب وقابل التعب، شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه وهو شديد المحال، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخيرتُه من خلقه بعثه الله رحمة للعالمين، وكانت رسالته خاتمة رسالات السماء وناسخة لها، فلا يقبل الله من أحد غير الإسلام دينًا، فهو دينُ الله الخالد، وشريعتهُ هي الصالحةُ للتطبيق إلى يوم القيامة والمسلمون هم خلفاءُ الله في أرضه والمؤتمنون على تبليغ دينه. اللهم صل وسلم على نبينا محمد وعلى سائر أنبياء الله ورسله. عباد الله ويشهد على إرهاب الغرب إرهابيو الشرق، فقد وصفت روسيا الإجراء الأمريكي الأخير (بضرب السودان والأفغان) بأنه إرهابٌ دولي، وقال مدير مكتب (إف، بي، آي) إن قرار واشنطن ضرب مواقع في أفغانستان والسودان لا يتعلقُ بالضرورة بالتحقيقات الجارية في تفجير سفارتي نيروبي، ودار السلام .. (١). أيها المسلمون بقدر ما يستهين اليهودُ والنصارى والشيوعيون بدماء المسلمين تراهم يقيمون الدنيا ولا يقعدونها إذا تعرض فردٌ منهم للقتل، وكلما زاد عددُ القتلى تعاظم الأمر عندهم فهل دماءُ المسلمين بهذه المنزلة المهينة عند القوم؟ وهل كُتب القتلُ علينا والسلامةُ لغيرنا؟ إنها نوعٌ من الغطرسة والكبرياء لا مبرر لها إلا شعورهم الكاذب بالتميز علينا .. وقديمًا قال أسلافهم وكذبهم القرآن: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٢).

стр. 1037

ولا يزال اليهود ينظرون إلى أنفسهم على أنهم شعب الله المختار. إخوة الإسلام: من خلال الوقائع والأحداث المتلاحقة تبرر عدةُ دروس حريٌّ بالمسلمين أن يعوها ومنها: ١ - إن الحربَ قائمةٌ بين الإسلام وملل الكفر ولابد من الاستعداد لها والشعور الحي بأسباب الهزيمة ومقومات النمو. ٢ - ولابد من الوعي بتحوير المصطلحات والهدف من تصديرها وإلصاقها بالمنتمين الصادقين للإسلام. ٣ - وإذا استهدف الغرب بضرباته مجموعات صغيرة لا تقارن قوتها المادية بقوته، ولا تقنياتُها بتقنياته دلَّ ذلك على عظمة هذا الدين وتخوف الغرب من أبنائه ولو لم يبلغوا من القوة مبلغًا كبيرًا .. وهذا يدعو لمزيد التمسك بالإسلام والشعور بالعزة ولو تفوق عليهم عدوهم سياسيًا واقتصاديًا. ٤ - ومن جانب آخر ففي الأحداث الجارية إيحاءٌ ظاهر بتخوف الغرب رغم قواهم .. وإذا أخافتهم قوى صغيرة فماذا لو اجتمع المسلمون واتحدت كلمتهم وقواهم؟ ٥ - وينبغي أن يُعلم أن العدوَّ اتخذ من ضعف المسلمين وتفككهم وتفوق كلمتهم مناخًا مناسبًا لكيل الضربات هنا وهناك وتصدير الأفكار الهزيلة في عدد من القضايا، وتلك واحدة من ضرائب الفرقة والشتات في العالم الإسلامي والعربي. ٦ - وإذا اتحد الأعداء- رغم خلافاتهم- على حرب المسلمين تحت شعارات خادعة .. أفلا يدعو ذلك المسلمين إلى اجتماع الكلمة وتوحيد الصفوف، فهم بالاجتماع أحرى وأولى، والله تعالى يأمرهم بالوحدة على شرع

стр. 1038

الله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا﴾ (١). وينهاهم عن الفرقة والاختلاف: ﴿وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٢). ٧ - وللإعلام دورٌ مؤثر في توضيح الصورة دون مخادعة، وعلى الإعلاميين كفلٌ كبير في كشف الحقائق لعامة الأمة، وفي مثل هذه الظروف تبرز الهوية ويتحدد نوعُ الفكر .. ويتبين الصادقون ومن يتحملون أمانة الكلمة، والموتورون ومن في قلوبهم مرض، ولسانُ حالهم يقول: نخشى أن تصيبنا دائرة ويقول غيرهم ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ (٣). وفرقٌ بين من يأوون إلى ركنٍ شديد فيتوكلون على الله ويستمدون النصر منه وحده، وبين من يُعلقون آمالهم على بشرٍ لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا، ومثل هؤلاء: ﴿كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٤). ٨ - إخوة الإسلام: وعلى صعيد الواقع تنكشف الحقيقة في دعوى أمريكا محاربة الإرهاب، فإن كانت صادقة في محاربة الإرهاب فماذا صنعت بإرهاب الصرب النصارى، وإذا ثبت للعالم كلِّه أن بعض قادة الصرب مجرمو حربٍ فهل ضربت أمريكا مواقعهم في سبيل مكافحة الإرهاب؟ وإذا ثبت للعالم كذلك تغطرسُ الصهاينة اليهود في الأراضي المحتلة بتدنيس

стр. 1039

المقدسات والاعتداء على حرماتها، وقتل الأبرياء، والاستمرار في بناء المستوطنات، واحتضان أنواع الأسلحة الكيماوية وغيرها .. وكل ذلك من الإرهاب، فماذا صنعت الدول الغربية- وفي مقدمتها أمريكا- لإيقاف هذا المدِّ الإرهابي الصهيوني المتنامي؟ إنها لعبةٌ مكشوفة يغض الطرف فيها عن إرهاب اليهود والنصارى، وتتركز التهم وتضخم القضايا على المسلمين وإذا كان الذئب لا يلام في عدوانه، فالمأساة أن تروج هذه الشائعات على بعض أبناء المسلمين. ومع ذلك كله فعسى أن تكون هذه الأحداث موقظة للمسلمين وباعثة لهممهم وموحدة لصفوفهم، وعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعله الله فيه خيرًا كثيرًا.

стр. 1040

فابتغوا عند الله الرزق (١) الخطبة الأولى: الحمد لله واهب النعم، ومحلِّ النقم، أحمده تعالى وأشكره وأثني عليه الخير كله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وهو خيرُ الرازقين. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله .. اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارض اللهم عن أصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد فاتقوا الله معاشر المسلمين وارجوا اليوم الآخر، ولا تعثوا في الأرض مفسدين. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٢). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (٣). عباد الله يظل الرزق حبلًا ممدودًا بين السماء والأرض: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ (٤). توهم وفاجرهم ونعمة ووحدة يتفضل الله بها على الخلق أجمعين: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (٥).

стр. 1041

والله هو المقر لكل شيء: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتًا﴾ (١). أي: مقتدرًا يُعطي كلَّ إنسانٍ قوته (٢). لا إله إلا الله ينفردُ وحده بالربوبية والألوهية، ويختص وحده ببسط الرزق أو تقديره: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٣). ولا إله إلا الله امتد رزقه فضلًا عن العقلاء، فرزق الطير في أوكارها، والسباعَ في جحورها، والحيتان في قاع البحار والمحيطات، وشمل رزقه الدواب بأنواعها وصدق الله: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ (٤). معاشر المسلمين تأملوا عظمة الله وإحسانه وكمال قدرته فالذي لا يَحْملُ الرزق يُحمل له، والذي لا يملك قوتَ يومه أو غده ييسره الله له: ﴿وَكَأَيِّن مِن دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٥). ومن لطائف ما يُذكر في تفسير هذه الآية: أن الغُراب إذا فقس عن فراخِه البَيْضَ خرجوا وهم بيضٌ، فإذا رآهم أبواهم كذلك نفرا عنهم أيامًا حتى يَسْوَدَّ الريشُ فيظل الفرخُ فاتحًا فاه يتفقد أبويه، فيقيضُ الله تعالى طيورًا صغارًا كالبرغش فيغشاه فيتقوت به تلك الأيام حتى يسودَّ ريشه، والأبوان يتفقدانه كل وقت، فكلما رأوه أبيض الريش نفروا عنه، فإذا رأوه قد اسودَّ ريشه عطفا عليه بالحضانة والرزق (٦).

стр. 1042

أرأيتم كيف يتولى الله رزق الضعفاء حين يتخلى عنه أقرب الأقرباء الرحماء؟ إنها منتهى الرحمة وكمال الربوبية؛ رُحماك ربي، تمتلئ بطوننا، وتمتد ثرواتنا، وتتضخم أرصدتنا، ولا نزال نلهث وراء الدنيا، وربما خرجنا ولم نستمتع بما جمعنا، وربما صعب علينا إنفاقُ القليل منها .. ولو كان في ذلك الخير لنا ما هذا السُّعار، وما هذا اللهاثُ .. أين نحن من قوم هانت عليهم الدنيا، والتفتوا بهمم عالية إلى الأخرى .. وربما خروا على الأرض صرعى من الفاقة، والمخمصة فيظن الغريب أن بهم مسًا من الجنون، وما هو إلا الجوع، عن فضالة بن عبيدٍ ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا صلى بالناس يَخِرُّ رجالٌ من قامتهم في الصلاة من الخصاصة- وهم أصحاب الصفة- حتى يقول الأعراب هؤلاء مجانين، فإذا صلى رسول الله ﷺ انصرف إليهم فقال: «لو تعلمون ما لكم عند الله تعالى لأحببتم أن تزدادوا فاقةً وحاجة» (١). أين التوكل على الله والرضا بما قسم، والشكر على ما أنعم في الحاضر، والثقة برزق الله في المستقبل: «لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا، وتروح بطانًا» (٢). ألا ما أحوجنا- جميعًا- إلى أن نأخذ هذا المال بسخاوة وطيب نفس، فذلك الذي يُبارك له فيه، أما الشرهُ والطمع والحرص والشح؛ فتلك تورد المرء موارد الردى، وهل تُروي البحار ظمأ العطش؟ تلك وصيةٌ من وصايا المصطفى ﷺ : «يا حكيم بن حزام إن هذا المال خضرٌ حُلو، فمن أخذه بسخاوة نفسٍ بورك له

стр. 1043

فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يُبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليدُ العليا خيرٌ من اليد السفلى .. » (١). أيها المسلمون ويَظلُّ أقوامٌ فقراء لما في قلوبهم من الهلع والجزع والحرص على الدنيا، وإن كانوا في عداد الأغنياء ويظل آخرون أغنياء يتعففون ويتكففون ولا يسألون الناس إلحافًا، وإن باتوا لا يجدون من الدنيا ما يطعمون لو شاءوا لكانوا من ذوي الثروة والغناء. صلى عليك الله يا علم الهدى وأنت تربط على بطنك الحجرين من شدة الجوع والإعياء، ولو سألت ربَّك لأحال لك الصفا ذهبًا، وأنى لك أن تسأل هذا وأنت القائل: «اللهم اجعل رزق آل محمدٍ قوتًا» (٢)، والقوت ما يسد الرَّمقَّ- عند أهل اللغة-. وأبو هريرة ﵁ يقول عنك: «خرج رسول الله ﷺ من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير» (٣). كان غنى النفس هو مفهوم الغنى الحق عندك، وكذلك أورثت أصحابك، ولقد خرجت والمؤمنون معك بعد ثلاث سنوات من الحصار الاقتصادي الذي فرضته قريش عليكم في الأرزاق والمناكح، وأنتم أصلبُ عودًا، وأشدُّ على المبدأ الحق ثباتًا، وإن أكل المسلمون ورق الشجر، وإن كان أحدُهم ليضع كما تضعُ الشاة ماله خَلْطٌ .. لكنه الإيمانُ والصبر واليقين تندُك له الصخور الراسيات، وتستجيب له القلوبُ وإن لم تتخلص بعدُ من حمأة الجاهلية، ولم يسلم أصحابها مع محمد ﷺ وصحبه.

стр. 1044

أجل لقد تنادى قومٌ مشركون بنقض الصحيفة الآثمة الظالمة وكانت ترد بين الفينة والأخرى الإبل محملة بالأرزاق من المحسنين إلى حيث يُحصر المسلمون، فأُنهي الحصار، وأنزلت الصحيفة، وانتصر الحق، وخسر المبطلون في هذا اللون من الحصار على المسلمين، وكذلك يُروق صاحب التقوى من حيث لم يحتسب ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ (١). وكذلك تفلس وسيلة الحصار في الرزق التي عمدت إليها قريش في شعب أبي طالب، قبل ما يزيد على ألفٍ وأربعمائة سنة، وفي ذلك درسٌ وعبرة. ألا فلنتق الله جميعًا في طلب أرزاقنا «اتقوا الله وأجملوا في الطلب» ولنثق بما عند الله لنا ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ (٢)، ولنشكر الرازق على ما حباها ﴿كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ (٣)، ولنثق بالخلف بعد الإنفاق ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (٤). أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ (٥). نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وسنة نبيه، أقول ما تسمعون واستغفروا الله.

стр. 1045

الخطبة الثانية: الحمد لله يُطْعِم ولا يُطعَم، وأشكره على جزيل النعم، ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له رزقه ما له من نفاد، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، رضي من الدنيا بالكفاف، وخرج منها ودرعه مرهونةٌ عند يهودي .. اللهم صل وسلم عليه وعلى إخوانه من الأنبياء .. أيها المسلمون إذا كان غنى النفس مفهومًا شرعيًا وعقليًا للغنى الحقيقي، والرسول ﷺ يقول فيه: «ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس» (١). فثمة مفهومٌ آخر ينبغي أن يستقر في أذهان المسلمين فيقنعون وهم يطلبون الرزق من الله، ويقول عنه ﷺ : «من أصبح منكم آمنًا في سربه، معافًا في جسده، عنده قوتُ يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها» (٢). الله أكبر توفيرُ قوت يوم يعدل حيازة الدنيا بحذافيرها .. ألا ما أعظم القناعة في هذا الدين .. وما أجمل الرضا والثقة برزق رب العالمين. وهاكم وصيةً ثالثةً من وصايا خير المرسلين في الرزق ما أحوجنا إلى فهمها، وإقناع النفس بها، يقول ﵊: «قد أفلح من أسلم، وكان رزقه كفافًا، وقنعه الله بما آتاه» (٣). أتدرون ما الكفاف؟ قيل: «هو الذي لا يفضل عن الحاجة ولا ينقص» (٤).

стр. 1046

وسئل سعيد بن عبد العزيز: ما الكفاف من الرزق؟ قال: «شبعُ يومٍ وجوع يوم» (١). وإذا كان ذلك كذلك فهل علمتم أن رزق آل محمدٍ ﷺ كفافٌ، فقد أخرج أحمد والترمذي وابن ماجه عن ابن عباس ﵄ بسند حسن: «كان رسول الله ﷺ يبيت الليالي المتتابعة طاويًا وأهله لا يجدون عشاءً، وكان أكثر خبرهم خبز الشعير» (٢). عباد الله فإن قلتم فما الطريق إلى القناعة والرضا بما قسم الله أجبتكم بقوله ﷺ : «إذا نظر أحدكم إلى من فُضِّل عليه في المال والخَلْقِ، فلينظر إلى ما هو أسفل منه» (٣)، وفي رواية لمسلم: «انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم» (٤). وإليكم نموذجًا عمليًا قال عون بن عبد الله بن عتبة: كنتُ أصحبُ الأغنياء، فما كان أحدٌ أكثر همًّا مني، كنت أرى دابةً خيرًا من دابتي، وثوبًا خيرًا من ثوبي، فلما سمعتُ هذا الحديث صحبتُ الفقراء فاسترحت» كذا جاء في رواية عن رزين (٥). أيها المسلمون .. هذه المفاهيمُ الشرعية وأمثالها ينبغي أن يتذكرها المسلمون دائمًا وأبدًا وهم يطلبون الرزق، فتريحهم من العناء، وتصلهم بالأخرى وحين تختل هذه المفاهيم، وتُنسى هذه القيمُ، يُصاب الناسُ بأدواء الدنيا المهلكة، فتسود المنافسة والشحناءُ، ويسري الحسدُ والبغضاء، وتتحقق خشية

стр. 1047

المصطفى ﷺ : « .. فوالله ما الفقر أخشى عليكم ولكني أخشى أن تُبسط الدنيا عليكم كما بُسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهاكتهم» (١). أو يكون الرزقُ داعيًا للكبر والخيلاء والعلو والفساد، وينسى هذا المسكينُ أن الرزق لا يعني الرضا، وإنما هو فتنةٌ وامتحان للمُعطى وفي نموذج «قارون» عبرةٌ وذكرى، ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢). عباد الله .. كما ينتج عن هذه المفاهيم الخاطئة في طلب الرزق الغفلة عن ذكر الله، والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (٣). أو عن الصلاة، والله يقول: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ (٤). أما بيع الذمم، وضياعُ الدين بسبب الدنيا .. والمداهنة في بيان الحقِّ ضمانًا لحصول العيش وتوفر الرزق فذلك الذي توعد الله عليه بالويل ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾ (٥). وأصحابه لا خلاق لهم في

стр. 1048

الآخرة، ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١). أيها المسلمون إياكم أن يكون طلبكم للرزق مفضيًا إلى الكسب الحرام من ربا أو غش أو خداعٍ أو قمار أو نحوها مما يُتحصل به على الحرام ففي الحلال غنية عن الحرام، والله يقول: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٢). إياكم واتباع خطوات الشيطان في رزق الله ﴿كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ (٣). وإياكم أن تكون هذه الأرزاق من الله لكم سبيلًا للفساد في الأرض أو الصدود عن سبيل الله أو منع ما أوجب الله، وقد جاءكم النذير منه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٤). وبالجملة فما أحرانا جميعًا للتنبه لمخاطر الدنيا وفتنتها وأن ندرك أننا مستخلفون فيها يقول ﵊: «إن الدنيا حُلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعلمون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء» (٥).

стр. 1049

ذكرى وتنبيهات للصائمين (١) الخطبة الأولى: الحمد لله رب العالمين، بلَّغنا شهر الصيام، وأسبغ علينا نعمة الأمن والإيمان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، بيده خزائن السماوات والأرض، وشهر رمضان شهر الجود والإحسان، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله كان أجود الناس بالخير وأجود ما يكون في رمضان حيث يُدارسه جبريل القرآن، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وعلى سائر الأنبياء والمرسلين وارض اللهم عن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد فاتقوا الله معاشر الصائمين واعلموا أن الصيام سبب ووسيلة للتقوى كما قال ربنا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٢). ويتذكر المتقون بتقواهم منازلهم وما قدموا لها وهم على يقين أن الله مطلع على ما يعملون ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٣). أيها المسلمون بشراكم شهر الصيام، وهنيئًا لكم إدراك شهر رمضان، وحقَّ للمسلمين أن يفرحوا ويغتبطوا بشهر القرآن، وكيف لا يفرح المسلمُ بشهر

стр. 1050

الرحمة والمغفرة والعتق من النار، ويفرح المشمرون لأن الفرصة تتجدد لهم، ولأن أبواب الخير تهيأ لهم، ويستبشر أولوا العزائم لأن ميدانًا فسيحًا للمسارعة للخيرات يفتح أمامهم، وواعظ القرآن يغذو سيرَهم ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾. ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾، كما يفرح المخطئون لأن الحسنة تضاعف لهم، ومردةُ الجانِ التي تُعيق سيرهم تُصفَّد ويضعف أثرُهم يستبشر المذنبون والمقصرون بشهر الصيام لأنهم يجدون فيه عونًا على التوبة وتطهير النفوس وإصلاح القلوب وما منا إلا وله ذنبٌ وخطايا، وفي شهر رمضان فرصةٌ للخلاص منها، والاستزادة من الحسنات الماحيات، والحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين. أيها الصائمون .. يا من أدركهم شهرُ الصيام وهم يتمتعون بالصحة والعافية هلا تذكرتم إخوانًا لكم أقعدهم المرضُ عن الصيام مع المسلمين، وحبسهم العذر عن الصلاة والقيام مع المصلين، وهلا قادكم ذلك إلى شكر المنعم واستثمار الصحة بتقديم الصالحات، فقد يمرض الصحيح، ويضعف القوي، وحينها يتمنى على الله الأماني. ويا من أدركهم شهر الصيام وهم آمنون في أوطانهم، مطمئنون بين أهليهم وعشيرتهم هلا تذكرتم نفرًا من المسلمين ساد الرعبُ والقلقُ بلادهم، وحل الخوفُ محلَّ الأمن بين شعوبهم هل ترونه يهدأ بال الخائف، أم ترونه يطمئن في عبادته الذي لا يأمن على نفسه ومن تحت يده .. ؟ ؟ إن الذين يُهيءُ اللهُ لهم نعمة الصحة في الأبدان والأمن في الأوطان، والفراغ مما يشغل بال الإنسان ثم لا يستثمرون هذه النعم في مرضاة الله هم مغبونون بكل حال يقول عنهم ﵊: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ».

стр. 1051

أيها الصائم أدرك نعمة الله عليك وتدارك نفسك وتقرب إلى مولاك، وأضمر جيادك، والملتقى في جنان الخلد إن قبلت منا صلاة وطاعات وإحسان! ! يا أخا الإيمان افتح قلبك لداعي الخير، ولا يصدنك الشيطان وأنت في شهر الصيام فتقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين، أتدوي لم سُمي رمضانُ برمضان؟ قال العلماء: لأنه يرمِضُ الذنوب أي يحرقها بالأعمال الصالحة- من الإرماض وهو الإحراق-. وقيل: لأن القلوب تأخذ فيه من حرارة الموعظة والفكرة في أمر الآخرة كما يأخذ الرملُ والحجارة من حرارة الشمس (١). فما نصيبك أيها الصائم من هذه وتلك، ذلك سؤالٌ أطرحه على نفسك، وأنت في بداية الشهر، وأجب عليه في نهايته وإياك أن تظلم نفسك بنفسك، وسيُقال لك يومًا من الأيام ﴿اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ (٢). يا أخا الإيمان أسوق لك أنموذجًا صالحًا للاعتبار في (الصيام أو القيام، وفي حياة السلف عمومًا عبرٌ توقظ الغافلين وهممٌ تشدُّ أصحاب العزائم الصادقين. وقد روي أن قومًا من السلف باعوا جارية لهم لقوم آخرين، فلما أقبل رمضان أخذوا يتهيأون بألوان المطعومات والمشروبات فلما رأت الجارية منهم ذلك قالت: ولم تصنعون ذلك؟ قالوا: لاستقبال شهر رمضان، فقالت: وأنتم لا تصومون إلا في رمضان؟ والله لقد جئتُ من قومٍ السنةُ عندهم كلُّها رمضان، ولا حاجة لي فيكم، ردوني إليهم ورجعت إلى سيدها الأول.

стр. 1052

وفي قيام الليل يُروى أن الحسن بن صالح ﵀ -وكان معدودًا في الأخفياء الأتقياء- كان يقوم الليل هو وأخوه وأمه أثلاثًا، فلما ماتت أمه تناصف هو وأخوه الليل، فلما مات أخوه صار يقوم الليل كله (١). يا أخا الإيمان جدد إيمانك في شهر الصيام وقد قيل للمؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ (٢). واستمر في إحداث التوبة والزم الاستغفار ولاسيما في شهر القرآن، ونبيك ﷺ يقول: «إني لأتوب إلى الله تعالى في اليوم سبعين مرة» (٣). وفي حديث آخر صحيح: «إني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة» (٤). وإياك أن تستثقل شيئًا من تكاليف الإسلام، أو تتبرم بشهر رمضان، وكم هي نهاية مؤلمة تلك الحادثة لسفيهٍ يُروى إنه ضاق ذرعًا حين أقبل رمضان، فأنشد: دعاني شهر الصوم لا كان من شهر ولا صمتُ شهرًا بعده آخر الدهر فلو كان يعديني الأنام بقوة ... على الشهر لاستعديت قومي على الشهر فأصيب بمرض الصرع، فكان يصرع في اليوم عدة مرات، وما زال كذلك حتى مات قبل أن يصوم رمضان الآخر (٥). يا أخا الإسلام: لا يغب عن بالك شفاعة الصيام والقرآن لأصحابهما، رَوَى الإمام أحمد والحاكم بسند حسن عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيامُ: أي

стр. 1053

ربِّ منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعتُه النومَ بالليل فشفعني فيه، قال: فيشفعان» (١). أيها الصائمون يا من تستعيذون بالله دائمًا من النار، تذكروا أن الصيام جُنةٌ من النار، قال ﵊: «الصومُ جنةٌ يستجنُّ بها العبدُ من النار» (٢). وتأمل عظيم فضل الله، ورسوله يقول في الحديث المتفق على صيحته: «من صام يومًا في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا» فكيف بمن صام شهرًا كاملًا، وكيف إذا كان هذا الشهر شهر رمضان؟ اللهم لا تحرمنا فضلك، ولا تُلهنا عن ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ (٣). نفعني الله وإياكم بهدي القرآن، وسنة محمد ﵊، أقول ما تسمعون.

стр. 1054

الخطبة الثانية: الحمد لله صاحب الفضل والإحسان، وأشهد أن لا إله إلا الله الواحد المنان، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أفضل من صلى وصام اللهم صل وسلم عليه وعلى ستائر الأنبياء والمرسلين. أيها المسلمون: هذه جملةٌ من التنبيهات والوصايا أذكر بها نفسي وإخواني الصائمين، ومن تذكر فإنما يتذكر لنفسه، والله يقول ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى﴾ فكن من أهل الخشية ولا تكن من الأشقياء التنبيه الأول: احفظ الرأس وما وعى والبطن وما حوى وإذا صمت لله فلتصم منك الجوارح كلها عما حرم الله، وكم هو غريبٌ وعجيب أن نلحظ بعض الصائمين قد امتنع عمَّا أحل الله له مؤقتًا من المطعم والمشرب والمنكح- تقربًا لله- ولكن فاته أن يمنع نفسه عما حرم الله عليه أبدًا من الغيبة والنميمة وقولِ الزور أو سماع المحرم، أو رؤيته، وقد صح في الخبر «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجةٌ في أن يدع طعامه وشرابه» (١). التنبيه الثاني: يروعك أكثر في حياة بعض الصائمين ازدواجية مشينة في الشخصية، وفهم غريب للحكمة من العبادة فتراه يظل صائمًا نائمًا عن الصلوات المكتوبة، وربما أخَّر الصلاة حتى يفوت وقتها، وربما جمع الصلاتين مع بعضهما، أما صلاة الجماعة فزهدُه بها شمل رمضان إلى شعبان وشوال .. ترى أيجهل هذا الصنف أم يتجاهل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ

стр. 1055

الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ وهل من التقوى في شيء النوم عن الصلاة المفروضة، أو الزهد في صلاة الجماعة؟ ! ثالثًا: هذه رسالة أوجهها للصائمين عمومًا وللشباب خصوصًا لاستثمار أوقاتهم وحفظ صيامهم ولاسيما في هذه الإجازة وهي نعمة وفضل لمن أحسَّ بقيمتها وسابق إلى الخيرات فيها وأولى ما ينبغي أن تتجه إليه الهمم تلاوة كتاب الله وحفظه وتدبره، وليحمد الله أولئك الشباب الذين توفر لهم الوقت، والمطعم والمشرب، والصحة والأمن ما لم يتوفر مثله لآبائهم من قبل، وما قد لا يتوفر لأمثالهم في بلاد أخرى من بلاد المسلمين! ! أخي الشاب أتراه يليق بك أن تُصفد مردة الشياطين في رمضان، وتظلَّ أنت تؤذي المسلمين وهم يصلون أو وهم نائمون. وإذا شملت هذه الإجازة المعلمين، فليسأل المربون أنفسهم عن كيفية استثمار أوقاتهم، وإذا كانوا قادرين على توجيه غيرهم فلا أظنه يعجزهم أن يوجهوا أنفسهم، ولكنها مجردُ تذكيرٍ لهم بقيمة الوقت وفضل الزمن. على أن استثمار الوقت في رمضان أو غيره شامل للموظفين ورجالات الأعمال .. وكلٌّ بحسب همته، بل ربما رأيت أميًا أحرص على وقته من متعلم وربما أبصرت جاهلًا أكثر خشية لله وتقربًا من عالم، وهذا وإن كان خلاف ما ينبغي أن يكون عليه العالمُ والمتعلمُ ففضل الله يؤتيه من يشاء، ورحمته ليست حكرًا على أحدٍ من خلقه، ومن علم شيئًا من أمور الدين على حقيقته، وعمل به وفق ما شرع الله ورسوله، فهو المسلمُ الموفقُ حقًا أيًا كان تعلمه، ومهما كانت منزلته. رابعًا: معاشر المسلمين يُفرط بعض الصائمين بأمرٍ عظيم وهو في حقيقته يسير على من وفقه الله، ألا وهو الدعاء، ولاسيما في ساعات الاستجابة، وهل
следующие страницы →