أيها الصائم أدرك نعمة الله عليك وتدارك نفسك وتقرب إلى مولاك، وأضمر جيادك، والملتقى في جنان الخلد إن قبلت منا صلاة وطاعات وإحسان! !
يا أخا الإيمان افتح قلبك لداعي الخير، ولا يصدنك الشيطان وأنت في شهر الصيام فتقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين، أتدوي لم سُمي رمضانُ برمضان؟ قال العلماء: لأنه يرمِضُ الذنوب أي يحرقها بالأعمال الصالحة- من الإرماض وهو الإحراق-.
وقيل: لأن القلوب تأخذ فيه من حرارة الموعظة والفكرة في أمر الآخرة كما يأخذ الرملُ والحجارة من حرارة الشمس (١).
فما نصيبك أيها الصائم من هذه وتلك، ذلك سؤالٌ أطرحه على نفسك، وأنت في بداية الشهر، وأجب عليه في نهايته وإياك أن تظلم نفسك بنفسك، وسيُقال لك يومًا من الأيام ﴿اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ (٢).
يا أخا الإيمان أسوق لك أنموذجًا صالحًا للاعتبار في (الصيام أو القيام، وفي حياة السلف عمومًا عبرٌ توقظ الغافلين وهممٌ تشدُّ أصحاب العزائم الصادقين.
وقد روي أن قومًا من السلف باعوا جارية لهم لقوم آخرين، فلما أقبل رمضان أخذوا يتهيأون بألوان المطعومات والمشروبات فلما رأت الجارية منهم ذلك قالت: ولم تصنعون ذلك؟ قالوا: لاستقبال شهر رمضان، فقالت: وأنتم لا تصومون إلا في رمضان؟ والله لقد جئتُ من قومٍ السنةُ عندهم كلُّها رمضان، ولا حاجة لي فيكم، ردوني إليهم ورجعت إلى سيدها الأول.
стр. 1052
وفي قيام الليل يُروى أن الحسن بن صالح ﵀ -وكان معدودًا في الأخفياء الأتقياء- كان يقوم الليل هو وأخوه وأمه أثلاثًا، فلما ماتت أمه تناصف هو وأخوه الليل، فلما مات أخوه صار يقوم الليل كله (١).
يا أخا الإيمان جدد إيمانك في شهر الصيام وقد قيل للمؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ (٢). واستمر في إحداث التوبة والزم الاستغفار ولاسيما في شهر القرآن، ونبيك ﷺ يقول: «إني لأتوب إلى الله تعالى في اليوم سبعين مرة» (٣).
وفي حديث آخر صحيح: «إني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة» (٤).
وإياك أن تستثقل شيئًا من تكاليف الإسلام، أو تتبرم بشهر رمضان، وكم هي نهاية مؤلمة تلك الحادثة لسفيهٍ يُروى إنه ضاق ذرعًا حين أقبل رمضان، فأنشد:
دعاني شهر الصوم لا كان من شهر ولا صمتُ شهرًا بعده آخر الدهر
فلو كان يعديني الأنام بقوة ... على الشهر لاستعديت قومي على الشهر فأصيب بمرض الصرع، فكان يصرع في اليوم عدة مرات، وما زال كذلك حتى مات قبل أن يصوم رمضان الآخر (٥).
يا أخا الإسلام: لا يغب عن بالك شفاعة الصيام والقرآن لأصحابهما، رَوَى الإمام أحمد والحاكم بسند حسن عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيامُ: أي
стр. 1053
ربِّ منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعتُه النومَ بالليل فشفعني فيه، قال: فيشفعان» (١).
أيها الصائمون يا من تستعيذون بالله دائمًا من النار، تذكروا أن الصيام جُنةٌ من النار، قال ﵊: «الصومُ جنةٌ يستجنُّ بها العبدُ من النار» (٢).
وتأمل عظيم فضل الله، ورسوله يقول في الحديث المتفق على صيحته: «من صام يومًا في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا» فكيف بمن صام شهرًا كاملًا، وكيف إذا كان هذا الشهر شهر رمضان؟ اللهم لا تحرمنا فضلك، ولا تُلهنا عن ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ (٣).
نفعني الله وإياكم بهدي القرآن، وسنة محمد ﵊، أقول ما تسمعون.
стр. 1054
الخطبة الثانية:
الحمد لله صاحب الفضل والإحسان، وأشهد أن لا إله إلا الله الواحد المنان، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أفضل من صلى وصام اللهم صل وسلم عليه وعلى ستائر الأنبياء والمرسلين.
أيها المسلمون: هذه جملةٌ من التنبيهات والوصايا أذكر بها نفسي وإخواني الصائمين، ومن تذكر فإنما يتذكر لنفسه، والله يقول ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى﴾ فكن من أهل الخشية ولا تكن من الأشقياء
التنبيه الأول: احفظ الرأس وما وعى والبطن وما حوى وإذا صمت لله فلتصم منك الجوارح كلها عما حرم الله، وكم هو غريبٌ وعجيب أن نلحظ بعض الصائمين قد امتنع عمَّا أحل الله له مؤقتًا من المطعم والمشرب والمنكح- تقربًا لله- ولكن فاته أن يمنع نفسه عما حرم الله عليه أبدًا من الغيبة والنميمة وقولِ الزور أو سماع المحرم، أو رؤيته، وقد صح في الخبر «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجةٌ في أن يدع طعامه وشرابه» (١).
التنبيه الثاني: يروعك أكثر في حياة بعض الصائمين ازدواجية مشينة في الشخصية، وفهم غريب للحكمة من العبادة فتراه يظل صائمًا نائمًا عن الصلوات المكتوبة، وربما أخَّر الصلاة حتى يفوت وقتها، وربما جمع الصلاتين مع بعضهما، أما صلاة الجماعة فزهدُه بها شمل رمضان إلى شعبان وشوال .. ترى أيجهل هذا الصنف أم يتجاهل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ
стр. 1055
الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ وهل من التقوى في شيء النوم عن الصلاة المفروضة، أو الزهد في صلاة الجماعة؟ !
ثالثًا: هذه رسالة أوجهها للصائمين عمومًا وللشباب خصوصًا لاستثمار أوقاتهم وحفظ صيامهم ولاسيما في هذه الإجازة وهي نعمة وفضل لمن أحسَّ بقيمتها وسابق إلى الخيرات فيها وأولى ما ينبغي أن تتجه إليه الهمم تلاوة كتاب الله وحفظه وتدبره، وليحمد الله أولئك الشباب الذين توفر لهم الوقت، والمطعم والمشرب، والصحة والأمن ما لم يتوفر مثله لآبائهم من قبل، وما قد لا يتوفر لأمثالهم في بلاد أخرى من بلاد المسلمين! !
أخي الشاب أتراه يليق بك أن تُصفد مردة الشياطين في رمضان، وتظلَّ أنت تؤذي المسلمين وهم يصلون أو وهم نائمون.
وإذا شملت هذه الإجازة المعلمين، فليسأل المربون أنفسهم عن كيفية استثمار أوقاتهم، وإذا كانوا قادرين على توجيه غيرهم فلا أظنه يعجزهم أن يوجهوا أنفسهم، ولكنها مجردُ تذكيرٍ لهم بقيمة الوقت وفضل الزمن.
على أن استثمار الوقت في رمضان أو غيره شامل للموظفين ورجالات الأعمال .. وكلٌّ بحسب همته، بل ربما رأيت أميًا أحرص على وقته من متعلم وربما أبصرت جاهلًا أكثر خشية لله وتقربًا من عالم، وهذا وإن كان خلاف ما ينبغي أن يكون عليه العالمُ والمتعلمُ ففضل الله يؤتيه من يشاء، ورحمته ليست حكرًا على أحدٍ من خلقه، ومن علم شيئًا من أمور الدين على حقيقته، وعمل به وفق ما شرع الله ورسوله، فهو المسلمُ الموفقُ حقًا أيًا كان تعلمه، ومهما كانت منزلته.
رابعًا: معاشر المسلمين يُفرط بعض الصائمين بأمرٍ عظيم وهو في حقيقته يسير على من وفقه الله، ألا وهو الدعاء، ولاسيما في ساعات الاستجابة، وهل
стр. 1056
علمت أيها الصائم أن لك دعوة مستجابة، فقد روى الإمام أحمدُ بسندٍ جيدٍ أن النبي ﷺ قال: «لكل مسلمٍ دعوةٌ مستجابة يدعو بها في رمضان» وقد جاء في عدة أحاديث أن هذه الدعوة عند الإفطار (١)، فلا يفوتنا هذا المغنم أيها الصائم واسأل الله فيه من خيري الدنيا والآخرة ولا تنس والديك وذريتك والمسلمين- لا سيما المستضعفين- بدعوة في ظاهر الغيب فقد تبلغ الدعوة الصادقة مبلغها وإن لم يحتسْبها كذلك الداعي بها! !
خامسًا: وللمرأة المسلمة يُوجه النداء بالحفاظ على الصيام من اللغو وقول الزور والعمل به، وصيانة نفسها في بيتها وعدم التعرض لفتنة الرجال في الأسواق فإن قُدر لها الخروج للمسجد فليكن بآداب الإسلام، وهي حَرِيَّةٌ بالحفاظ على وقتها والإكثار من الذكر والتلاوة وسائر الطاعات .. بل وفي خدمة زوجها وأبنائها فهي مأجورة مع حسن القصد بكل حال، وتتضاعف الحسنات في رمضان، والناصحُ لها بقول إياك أختاه بإضاعة الوقت في كثرة ما يُطبخُ فيستهلك وقتك وتكونين سببًا في التخمة والإسراف لأهل البيت، وهذا ينافي الحكمة من الصيام الواردة في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ قال القرطبي ﵀ قيل: معناه: «تضعفون فإنه كلما قلَّ الأكلُ ضعفتِ الشهوة وكلما ضعفت الشهوة قلَّت المعاصي، وهذا وجهٌ مجازيٌ حسن ثم ذكر معاني أخرى» (٢).
اللهم ارزقنا التقوى، واسلك بنا سبل الهدى، وجنبنا الشرور والأذى .. هذا وصلوا.
стр. 1057
عظمة القرآن (١)
الخطبة الأولى:
الحمد لله الرحمن، علم القرآن خلق الإنسانَ، علمه البيان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له خصنا بخيرةِ رُسله وأفضلِ كتبه، فكانت أمةُ الإسلام خيرَ أمةٍ أُخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله بلغ ما أنزل من ربه وعصمه الله وحفظه، فما زاد ولا نقص مما أوحى اللهُ إليه شيئًا، ولو كان كاتمًا شيئًا من الوحي- وحاشاه لكتم مثلى قوله تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ﴾ (٢).
ومثل قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَن جَاءهُ الأَعْمَى﴾.
اللهم صلِّ وسلم على نبينا محمد وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارض اللهم عن أصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٣)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٤).
стр. 1058
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (١).
إخوة الإيمان يطيب الحديثُ عن القرآن في كل وقتٍ وآن، فكيف إذا كان الحديث عن القرآن في شهر القرآن؟ ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ (٢).
قال المفسرون: يمدح تعالى شهرَ الصيامِ من بين سائر الشهور بأنِ اختاره من بينهنَّ لإنزال القرآن العظيم، وكما اختصه بذلك فقد ورد الحديثُ بأنه الشهرُ الذي كانت الكتبُ الإلهيةُ تنزل فيه على الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام- فقد روى الإمام أحمدُ بسنده عن واثلة بن الأسقع ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أُنزلت صحفُ إبراهيم في أول ليلةٍ من رمضان، وأُنزلت التوراةُ لستٍ مضين من رمضان، والإنجيلُ لثلاث من رمضان، وأنزل الله القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان» كما رُوي أن الزبورَ أنزل لثنتي عشرة خلت من رمضان، والإنجيل لثماني عشرة والباقي كما تقدم (٣).
أيها المسلمون كذلك أنزلُ القرآنُ جملةً واحدةً من اللوح المحفوظِ إلى بيت العزة من السماء الدنيا في رمضان وفي ليلة القدر منه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾.
أما تنزيلهُ على محمد ﷺ فكان في رمضان وغيرِ رمضان، وعلى ما يزيدُ على عشرين عامًا، وكان الله فيه يُحدث لنبيه ﷺ ما يشاء ولا يجيء المشركون بمثل
стр. 1059
يخاصمون به إلا جاءهم الله بجوابه، وكان في ذلك تثبيتًا لقلب النبي ﷺ ، وكما قال تعالى في حكمةِ نزولِ القرآني منجمًا: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢) وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ (١).
أيها المسلمون إذا كان نزولُ القرآن على محمد ﷺ متأخرًا عن الكتب السماوية الأخرى، فقد جعله اللهُ مصدقًا لكتب قبله، ومهيمنًا عليها ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (٢).
أجل لقد نزل كتاب الله مصدقًا لما أخبرت به الكتبُ السماويةُ، وأخبر به الأنبياءُ السابقون، ولهذا لم يستنكرهُ المؤمنون العالمون أهل الكتاب بل خروا له سجدًا ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ (٣).
وفي موضع آخر يقول عن قساوسة ورهبانِ النصارى الذين لا يستكبرون: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبَّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾ (٤).
أيها المسلمون إذا تطاولت النصارى- اليوم- واليهودُ من باب أولى على كتاب الله، وخالفوا أمره ونهيه، وآذوا المؤمنين به، وسخروا بأتباعه فذلك جزءٌ
стр. 1060
من نكثهم للعهدٍ الذي أُخذ عليهم وعلى من قبلهم كما تشهد كتُبهم التي سلمت من التحريف .. وهو ناتجٌ عن الحسد والكبرياء ﴿فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (١).
وعلى المسلمين أن يعوا أهداف اليهود والنصارى في إضمار العداوة والبغضاء، فهي ليست جهلًا لكن حسدًا وتكبرًا ويفقهوا: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢).
يا أهل القرآن كما أن القرآن عظيمٌ ومهيمنُ وشاهدٌ ومؤتمنٌ على الكتب قبله حين نزل على محمدٍ ﷺ ، فهو عظيمٌ كذلك عند الله وهو في اللوح المحفوظ، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (٣).
قال ابنُ كثير في معنى الآية: بيَّن شرفَه في الملأ الأعلى ليُشرِّفه ويعظِّمه ويطيعَه أهلُ الأرض» (٤).
أفيليق بنا- معاشر المسلمين- أن يُعظِّمَ كتاب الله أهلُ السماءِ ويتغاضى أو يعرض عنه أو يهجرَه أهلُ الأرض؟ إن الذين لا يقفون عند حدودِ القرآن ولا يعظمون أمرَه ولا ينتهون عند نهيه أولئك عنه معرضون .. وإن الذين تنقطعُ صلتُهم بالقرآنِ إلا في شهر رمضان له هاجرون.
стр. 1061
معاشر المسلمين: أينا يجهلُ أن هذا القرآنَ شرفٌ لنا، وكلنا سنسأل عنه، ولولا رحمةُ اللهِ لرفعه حين رُدَّ أول مرة، وتأملوا آيتين الأولى قوله تعالى في كتاب الله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ (١).
قال ابنُ عباسٍ ومجاهدُ وقتادةُ والسدي وابنُ زيد: المعنى: شرفٌ لك ولقومِك، واختاره ابن جرير ولم يحك سواه (٢).
وقيل المعنى: تذكيرٌ لك ولقومك، وتخصيصهم بالذكر لا ينفي من سواهم أما قوله: ﴿وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ أي عن هذا القرآن، وكيف كنتم في العمل به والاستجابة له (٣).
والأخرى، قولُه تعالى: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَن كُنتُمْ قَوْمًا مُّسْرِفِينَ﴾ (٤).
والله لو أن هذا القرآنَ رُفع حين ردته أوائلُ هذه الأمة لهلكوا ولكن الله تعالى عاد بعائداتِه ورحمتِه فكرره عليهم ودعاهم إليه عشرين سنة، واستحسن ابنُ كثير ﵀ هذا القولَ لقتادة فقال: وقول قتادة لطيفُ المعنى جدًا، وحاصلُه أنه يقول فيما معناه أنه تعالى من لطفه ورحمته بخلقه لا يترك دعاءَهم إلى الخير وإلى الذكر الحكيم- وهو القرآن- وإن كانوا مسوفين معرضين عنه، بل أمر به لنهتدي به من قدَّر هدايته وتقوم الحجةُ على من كتبَ شقاوته (٥).
أيها المؤمنون لقد كان اصطفاءُ هذه الأمةِ على الأمم قبلها جزءًا من فضائل
стр. 1062
القرآن وأثره، حيث أورثهم القرآن، والقرآنُ مصدقٌ للكتب قبله، وإن تفاوتت مراتبهُم بين الظالمِ لنفسه والسابق للخيرات بإذن ربه والمقتصد، ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ (١).
أمة الإسلام عظموا كتاب الله تلاوةً وتدبرًا في شهر رمضان وفي سائر الأيام، وتعلموه وعلموه تحصلوا على الخيرية التي وعد بها رسول الهدى ﷺ : «خيركم من تعلم القرآن وعلمه».
وقفوا عند حدوده، واعملوا بمحكمه وآمنوا بمتشابهه، وإياكم وهجرَ القرآن، فإن تركَ تدبره وتفهمهِ من هجرانه، وتركَ العمل به وامتثالِ أوامره واجتناب زواجره، من هجرانه والعدول عنه إلى غيره من هجرانه، كذا قال أهلُ التفسير في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ (٢).
أمة القرآن ولا تفوتنكم تجارةُ القرآن، والله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (٣).
وقد ورد في فضائل القرآن يقال لصاحب القرآن: إن كلَّ تاجرٍ من وراء تجارته وإنك اليوم من وراءِ كلِّ تجارة (٤) وليس يخفى حديثُ المصطفى ﷺ : «لا حسد
стр. 1063
إلا في اثنتين رجلٌ آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناءَ الليل وآناءَ النهار، ورجل آتاه الله مالًا فهو ينفقه آناءَ الليل وآناءَ النهار» (١) وفي الحديث الآخر: «من شغله القرآن وذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين، وفضل كلامِ الله تعالى على سائر الكلام كفضلِ الله تعالى على خلقه» (٢).
اللهم اجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهلك وخاصتك، وارزقنا تلاوته آناءَ الليل وأطراف النهارِ على الوجه الذي يرضيك عنا.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿حم (١) تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ (٣).
نفعني الله وإياكم بهدي القرآن ..
стр. 1064
الخطبة الثانية:
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجًا ..
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بتدبر القرآن فقال جلَّ قائلًا عليمًا: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (١).
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أوحى إليه ربُّه فيما أوحى ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ (٧٨) لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢).
وتكفل اللهُ له بحفظهِ ما بقي الليلُ والنهار، وكانت تلك معجزةً من معجزات هذا النبي وهذا القرآن: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٣).
اللهم صل وسلم على نبينا محمد وعلى سائر المرسلين.
أيها المسلمون: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ (٤).
فأين المتلمسون لهدي القرآن ليقودهم لأقومِ الطرقِ وأوضح السبل، وإذا لجت البشريةُ في طغيانها، واستحكمت الظلمةُ على أهل الأرض في برها وبحرها وسادت الحيرة والضياع فئامًا من البشر في مشرق الأرض ومغربها، كان للمؤمنين بهذا القرآن منجاةٌ ومخرجٌ ونورٌ يضيءُ الطريق، ويُبدد ظلماتِ الحيرة والشك، فهل يعقل المسلمون - قبل غيرهم- هدايةَ القرآن، وهل
стр. 1065
يستشفون به من كلِّ داء، والله يقول: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا﴾ (١).
أجل إنه القرآن يذهب ما في القلوب من أمراض الشكِّ والنفاق والشركِ والزيغِ والميل، وهو رحمةٌ يحصل فيها الإيمانُ والحكمةُ وطلبُ الخير والرغبةُّ فيه، ولكن ليس ذلك إلا لمن آمن به وصدقه واتبعه- كذا قال العارفون (٢).
وهو أحسن الحديث: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (٣).
أفيليق يا عبادَ الله أن تتصدعَ الجبال الراسيات لعظمة القرآن، وتخشعَ الحجارةُ الصمُّ لو نزل عليها هذا القرآن، وتظلُّ قلوبُ البشر صلدةً لا تهزها قوارعُ القرآنِ، ولا تؤثر فيها مواعظُ الذكر الحكيم، ويختم المسلم كتابَ اللهِ ويهذُّه هذَّ الشعر وربما لم تنزل منه دفعة أو يقشعر له جلدٌ، فضلًا عن إصلاح حياته، أو تهذيب سلوكه وفق توجيهاتِ القرآن، ولو كان في الكتب الماضية كتابٌ تُسيرُ به الجبالُ عن أماكنِها، أو تقطع به الأرض وتنشق، أو تُكلَّمُ به الموتى في قبورها، لكان هذا القرآنُ هو المتَّصفُ بذلك دون غيره، لما فيه من الإعجاز الذي لا يستطيعُ الإنسُ والجنُّ عن آخرهم إذا اجتمعوا أن يأتوا بمثله قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَل لِّلّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا
стр. 1066
وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ (١).
عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أتيت ليلةَ أُسري بي على قوم تُقرض شفاههم بمقاريضَ من نار، كلما قُرضت وَفَت، فقلتُ يا جبريل من هؤلاء؟ قال: خطباء أمتِك الذين يقولون ما لا يفعلون ويقرؤون كتاب الله ولا يعملون به» (٢).
أيها المسلمون أين النصحُ في دين الله لكتاب الله، والمصطفى ﷺ يقول في الحديث الصحيح: «الدينُ النصيحةُ» - ثلاثًا- قلنا لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ﷺ ولأئمةِ المسلمين وعامتهم» (٣).
أتدرون ما النصحُ لكتاب الله؟ قال العلماء: أما النصيحة لكتابهِ فشدةُ حبِّه وتعظيمُ قدره إذ هو كلام الخالق، وشدةُ الرغبةِ في فهمه، وشدةُ العنايةِ في تدبره والوقوفُ عند تلاوتهِ لطلب معاني حبِّ مولاه أن يفهمَه عنه أو يقومَ به له بعد ما يفهمه، والخشوعُ عند تلاوتهِ والتصديقُ بما فيه، والوقوفُ مع أحكامه، والاعتناء بمواعظِه والتفكرُ في عجائبه، ونشرُ علومِه، والدعاء إليه .. (٤).
يا حملةَ القرآنِ تمثلوا هديَ القرآنِ في ذواتِ أنفسكم، واحملوه إلى غيركم، علموه الأبناءَ، وادعوا إليه الآباء، واعقدوا له الحلقِ في المدنِ والقرى،
стр. 1067
واصبروا وصابروا على ما ينالكم في سبيله من اللأواء، وليكن الإخلاصُ رائدَكم، والمتابعةُ لهدي محمدٍ ﷺ منهجًا في حياتكم، وخذوا من هممِ السلف الصالحين ما يُقوي عزائمكم (١).
كتب يزيدُ بنُ أبي سفيان إلى عمرَ ﵁ يقول: إن أهلَ الشام قد كثروا وملئوا المدائن، واحتاجوا إلى من يعلمهم القرآن، ويفقهُهم، فأعني برجالٍ يُعلمونهم، فدعا عمر الخمسة الذين جمعوا القرآن .. فقال: إن إخوانكم قد استعانوني من يُعلمهم القرآن، ويُفقههُم في الدين، فأعينوني يرحمكم الله بثلاثةٍ منكم أن أحبهم، وإن انتدب ثلاثةٌ منكم فليخرجوا، فقالوا: ما كنا لنتساهم، هذا شيخٌ كبيرٌ - يعنون أبا أيوب- وأما هذا فسقيمٌ يعنون أبي بنَ كعب، فخرج معاذٌ، وعبادةُ بنُ الصامت، وأبو الدرداء، فقال عمر ابدءوا بحمص فإنكم ستجدون الناس فيها على وجوه مختلفةٍ، فإذا رضيتم منهم، فليقمْ بها واحدٌ، وليخرج واحدٌ إلى دمشق، والآخر إلى فلسطين، قال فقدموا حمص فكانوا بها، حتى إذا رضوا من الناس أقام بها عبادةُ، وخرج أبو الدرداء إلى دمشق، ومعاذٌ إلى فلسطين فمات في طاعون عمواس، ثم صار عبادةُ إلى فلسطين وبها مات، ولم يزل أبو الدرداء بدمشق حتى مات .. ﵃ وأرضاهم (٢).
وهكذا تكون الجديةُ في تعليم كتابِ الله والدعوةِ لدينه والنفع للخلق، حتى ولو تغرب عن الأوطانِ المعلمون وتحملوا الموتَ في سبيل الغاية النبيلة عند المجاهدين الصادقين.
يا أهل الدثور، ويا أصحاب الولاياتِ والمسؤوليات في بلاد المسلمين، إنه
стр. 1068
لشرفٌ لكم أن تساهموا في تعليم كتابِ اللهِ بأموالكم أو بجاهكم، وكم هو عظيمٌ أن تشمل الخيريةُ التي وعد بها الرسول ﷺ حين قال: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» اللهم اجعل لنا في الخير نصيبًا وافرًا، واجعل القرآن لنا في الدنيا رفيقًا، وفي القبر مؤنسًا وفي عرصات القيامة شافعًا. هذا وصلوا.
стр. 1069
الحزن الممنوع والمشروع (١)
الخطبة الأولى:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسولُه- اللهم صل وسلم عليه وعلى إخوانه وآلِه وارض اللهم عن أصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (٢).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٣).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (٤).
أيها المسلمون يقول الحقُّ ﵎: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٥).
إنها حقيقةٌ لا مريةَ فيها، حقارةُ الدنيا، وزوالُها وانقضاؤها، وغايةُ ما فيها لهوٌ ولعب، أما الحياةُ الأبديةُ الباقية فهي حياةُ الآخرة، ومن علم ذلك وأيقن به آثر الباقيةَ على الفانية، وبذلك خُتمت الآية «لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ».
стр. 1070
هذه الدنيا الدنيةُ حكم اللهُ بفنائها، وقدَّر على الإنسان نصيبه من الكبدِ فيها، وليس يسلم أحدٌ من همومِها وأكدارها ومنغصات العيش فيها، ومن رام غير ذلك فيها فهوُ مكلِّف الأيامِ ضد طباعها، ومن عيونِ الشعر وحكمه قولُ الشاعر:
حكمُ المنيةِ في البرية جاري ... ما هذه الدنيا بدار قرار
جبلت على كدر وأنت تريدها ... صفوًا من الأفذاء والأكدار
بينا يرى الإنسان فيها مخبرًا ... حتى يرى خبرًا من الأخبار
ومُكلِّفُ الأيامِ ضد طباعها ... متطلبٌ في الماءِ جذوةَ نارِ
وإذا رجوتَ المستحيل فإنما ... تبني الرجاءَ على شفيرٍ هاري
فالعيشُ نومٌ والمنيةُ يقظةٌ ... والمرءُ بينهما خُيال ساري
والنفسُ إن رضيتْ بذلك أو أبتْ منقادةٌ بأزمةِ المقدار
فاقضوا مآربكم عجالًا إنما ... أعمالكم سفرٌ من الأسفار
ليس الزمان وإن حرصت مسالمًا ... خُلُقُ الزمانِ عداوةُ الأحرار
عبادَ الله وحديثي إليكم اليومَ عن حالةٍ نفسية، وخطرات قلبية تمرُّ بنا جميعًا، ومنا المكثرُ فيها ومِنا المُقل، وتختلف لها الدوافعُ والمواقف، إنه حديثٌ عن الحَزَن المرادفِ للهم، فما يعني الحزن؟ وماذا يجوز من الحَزَن وماذا يُمنع؟ وما يُحمد منه وما يُذم؟ وكيف نتقي الحزنَ المذمومَ وندفعُه؟
قال العارفون: الهمُّ والحزنُ قرينان، وهما الألم الوارد على القلب، فإن كان على ما مضى فهو الحزن، وإن كان على ما يُستقبل فهو الهم.
والحزن انخلاعٌ عن السرور، وملازمةُ الكآبةِ لتأسفٍ على فائتٍ أو توجعٍ لممتنع، وهو من عوارض الطريق، وليس من مقامات الإيمان ولا من منازل السائرين، ولهذا لم يأمرُ اللهُ به في موضع قطُّ، ولا أثنى عليه، بل نهى عنه في
стр. 1071
غير موضع، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (١).
وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ .. ﴾ (٣). ومثل ذلك كثير (٤).
بل لقد قيل عن الحزن: إنه بليةٌ من البلايا التي نسألُ الله دفعها وكشفها، ولهذا يقول أهل الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ (٥).
وكان الحزنُ مما استعاذ منه الرسول ﷺ في دعائه «اللهم إني أعوذ بك من الهمِّ والحزن .. » الحديث» (٦).
يا ابن آدم عجبًا لك تضيق بك المهاجر وتقتلك الهمومُ، وتؤرقك الأحزان- كل ذلك أسفًا على فائتٍ حقير، أو خوفًا من مستقبلٍ لا تدري ما الله صانعٌ به؟ أين ثقتك بالله وخزائنه ملئَى ويدهُ سحاءُ الليل والنهار، وأين إيمانُك بأن ما أصابك لم يكن ليُخطئك، وما اخطأك لم يكن ليصيبك: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٧).
стр. 1072
يا أخا الإسلام، وإنما يُنهى عن الحزن لأنه لا يجلبُ منفعةً، ولا يدفع مضرةً فلا فائدةَ فيه، وما لا فائدة فيه لا يأمرْ به الله (١).
ويُنهى عن الحزن لأن فيه نسيانُ المنةِ لرب العالمين بما أنعم عليكم من نعم قد تغيبُ عنك كلُّها أو بعضُها حال حزِنك، فلا تتذكرُ إلا هذه المصيبة في نظرك، وقد يكون فيها هي الأخرى خيرٌ لك وأنت لا تدري، وعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا.
ويُنهى عن الحزن لأن فيه بقاءً في رقة الطبع، وحبسًا للنفس في سجن التضجر والتشكي، والنفسُ مولعةٌ بحب العاجلِ، وهي كالطفل إن تتركه شب على حب الرضاع وإن تفطمهُ ينفطم (٢).
يا أخا الإيمان .. ويَنهى عن الحَزَنِ لأنه يُضعفُ القلبَ، ويوهنُ العزم ويضرُ الإرادة، وهو بهذا مرضٌ من أمراضِ القلب يمنعه من نهوضه وسيره وتشميره.
وهل علمتَ أن الحزَنَ مدخلٌ من مداخلِ الشيطان على الإنسان يُحزنه ليقعَد به عن عمل الصالحات وهوُ يكثر عليه الهواجس والخطرات، ثم يتركه صريعَ الهمِّ، ممتلئًا بالحزن .. لا تقوى نفسهُ على عمل الصالحات وتضعفُ في مقاومة الشهوات، وليس بمقدور الشيطان أن يضرَّ أحدًا إلا بإذن الله وعلى من أُصيب بشيء من ذلك أن يستشعر عظمةَ الله ويتوكل عليه ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٣).
يا أخا الإيمان فإن قلت وما بال المؤمن لا يحزن وهو يشعر بتقصيره في حقِّ
стр. 1073
الله، وما باله لا يأسف هو يرى عمرَه ينقرض في تحقيق الملذاتِ، دون أن يعمل عملًا لائقًا لجنةِ عرضُها الأرضُ والسموات؟ .
وما بالُ المؤمنين لا يحزنون، ومصائبُ إخوانهم المسلمين تترى، وقضاياهم تتحكم فيها الأهواءُ، ويسوسهم فيها الأعداء وأنى لقلبٍ لا يحزن، وكلمةُ الحقِّ، وأصواتُ المُحقين تكاد تخنق، بينما يملأ الآفاق ضجيجُ الباطل، ويكثر سوادُ المبطلين.
وما بال قلبٍ عمرته الرحمةُ لا يحزنُ لمصاب عزيز، وأيُّ عينٍ لا تدمع لفقدِ حبيب وتلك رحمةٌ جعلها الله في قلوب العباد؟
إن قلتَ ذلك أو عددت غيرَه مما يدعو للأسى والحسرة والهم والحزن أجبتُ بأن الحزَنَ لا يُحمد لذاتِه وإنما يحمد لسببه ومصدره ولازمهِ دون أن يُفضي به الحزنُ إلى القعودِ عن فِعل الأسباب الموصلة إلى الله يقول شيخ الإسلام ابنُ تيميه ﵀: وقد يقترن بالحزن ما يثابُ صاحبهُ عليه ويحمد عليه، فيكونُ محمودًا من تلك الجهة لا من جهة الحزن، كالحزين على مصيبةٍ في دينه، وعلى مصائب المسلمين عمومًا، فهذا يُثاب على ما في قلبه من حبِّ الخير وبغضِ الشرِّ وتوابع ذلك إلى قوله: ولكن الحزنَ على ذلك إذا أفضى إلى ترك مأمورٍ من الصبرِ والجهاد وجلبِ منفعةٍ ودفعِ مضرةٍ نُهي عنه.
إلى أن يقول: وأما إن أفضى إلى ضعف القلب واشتغالِه به عن فعلِ ما أمر اللهُ ورسولُه به كان مذمومًا عليه من تلك الجهة وإن كان محمودًا من جهة أخرى (١).
يا أخا الإسلام وإذا حزنت على شيءٍ تكرهه فلا تتسخطْ ولا تعترضْ على
стр. 1074
أقدار اللهِ، وسلم وارض وافعل الأسباب الدافعةَ لهذا الهمِّ وكذلك كان هدي المصطفى، تدمعُ العينُ ويحزن القلب ولا نقولُ ما يسخط الرب، وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون» (١).
ومع الهمِّ والحزن توكلْ على الله وبث الشكاية إليه، وارفع الدعوات له فذلك شأنُ الصالحين ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ (٢).
وإياك واليأسَ من روحِ الله، والإحباط المذلَّ للنفوس وكذلك يلازم المؤمن الصبرُ وقوةُ الرجاء وعدمُ اليأس حين الشدائدِ والضراء والمحن ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٣).
اللهم إنا نعوذُ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل وضلع الدين وغلبة الرجال» (٤)، اللهم إنا نستغفرك ونتوب إليك إنك كنت غفارًا.
стр. 1075
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين كتب على ابن آدم حظَّه من السعادة والشقاء والفقر والغنى فهو مدرك ذلك لا محالة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يحكم ما يشاءُ ويختار وهو الحكيم الخبير، وأشهد أن محمدًا عبده ورسولُه كان أعظمَ الناس مسؤولية وأحسنَهم خُلُقًا اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين.
أما بعد إخوة الإسلام فإذا اهتم أقوامٌ لشيء من محقراتِ الدنيا فاتتهم، أو حزن آخرون على مرتبةٍ من مراتب هذه الحياة لم ينالوها، أو بات القلقُ منكدًا لحياة فئامٍ من الناس وقد لا يحددون مصدرَه، فثمة فئةُ أخرى تُعد من خواصِ الناس ونبلائهم تحزنُ على تفريطها وتقصيرها في خدمة ربِّها وعبوديته، أو تحزنُ على تورطها في مخالفته ومعصيته وضياع الأيام والأوقات، وهذا دليلٌ على صحة الإيمان في القلب وكلما كان القلبُ أشدَّ حياةً كان شعورُه بهذا الألم أقوى .. ولكن الحزنَ وحده لا يجدي عليه بل يُضِعفه، والذي ينفعُه أن يستقبلَ السيرَ، ويجدَّ، ويُشمر، ويبذل جهده.
وأخصُ من هؤلاء من يحزن على جزءٍ من أجزاءِ قلبِه، كيف هو خالٍ من محبة الله، وعلى جزءٍ من أجزاء بدنِه كيف هو منصرفٌ في غيرِ محابِّ الله (١).
أيها الإخوة المؤمنون، إذا عرفتم الحزن المذموم، والممدوحَ فكيف يُدفع الحزن، وكيف يتحولُ إلى عملٍ مثمر ويتجاوزُ صاحبُه السلبية والقلق؟
يقول الإمامُ ابن القيمِ ﵀ وهو يذكر حزنَ الخواصِ من الناس والتي سبقت الإشارةُ إلى شيء منها: «فهذه المراتبُ من الحزن لابد منها في الطريق، ولكن الكيسَ لا يدعُها تَملكُه وتُقعده، بل يجعلُ عوضَ فكرتِه فيها فكرتَه فيما يدفعها
стр. 1076
به، فإن المكروهَ إذا ورد على النفسِ فإن كانت صغيرةً اشتغلت بفكرها فيه وفي حصوله عن الفكرةِ في الأسباب التي يدفعها به فأورثها الحزن، وإن كانت نفسًا كبيرةً شريفةً لم تُفكِّر فيه، بل تصرفُ فكرِها إلى ما ينفعها فإن علمتْ منه مخرجًا فكَّرت في طريق ذلك المخرجِ وأسبابهِ وإن علمت أنه لا مخرج منه فكرت في عبوديةِ اللهِ فيه وكان ذلك عوضًا لها من الحزن.
عبادَ الله وإذا كان هذا مخرجًا عمليًا من الأحزانِ، فثمة مقدمةٌ وأساس لهذا المخرج لابد من توفره، وبه يُعان المرءُ على تجاوز أحزانه ألا وهو معرفةُ الله بأسمائه وصفاتِه، والتوكلُ عليه، وحده، وعدمُ قطعِ حبلِ الرجاءِ معه، قال بعضُ العارفين: معرفةُ اللهِ جَلَا نورُها كلَّ ظلمة، وكشف سرورُها كلَّ غمة» فإن من عرف اللهَ أحبَّه ولابد، ومن أحبه انقشعت عنه سحائبُ الظلمات وانكشفت عن قلبه الهمومُ والغمومُ والأحزان، وعَمرَ قلبهُ بالسرور والأفراح، وأقبلت إليه وفودُ
التهاني والبشائرِ من كل جانب، فإنه لا حزن مع الله أبدًا -مهما ادلهمت الخطوب، واشتد الخصوم.
أليس خيرُ البرية يقول لصاحبه «لا تحزن إن الله معنا».
والكفار يطاردون محمدًا ﷺ والمؤمنين معه حتى يقفوا على فمِّ الغار الذي يختفي فيه وحينها يقول أبو بكر ﵁: «والله لو نظر أحدهم إلى موضوع قدميه لأبصرنا» فيرد عليه ﴿لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١).
ويوسف ﵇ يؤذى من أقرب الناس إليه، ويُباع ويشترى بأبخس الأثمان وهو الكريمُ ابنُ الكريم ابن الكريم ابن الكريم، ثم يُؤذى في عِرضه وتلحقه التهمة
стр. 1077
وهي البريءُ العفيفُ الطاهر، ويُصر الملأ على سجنه من بعد ما رأوا الآيات حتى لا تنفضح امرأة العزيز، ويأسف أبوه لحاله ويقول: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾، ومع مكوثه في السجن بضع سنين يظل صابرً محتسبًا، بل ويظل خيِّرًا صادقًا داخلَ السجن كما كان خارجه ويعترف له من بالسجن بالصلاح والتقى وفضلِ العلم والهدى وينادى بـ «أيها الصديق»، ولا يمنعهُم سجنُه أن يستفتوه فيما أشكل عليهم حين أراد اللهُ براءته وإخراجه من السجن على الملأ، بل لقد ظل ﵇ داعيًا إلى الله، لم تقعد به الأحزان أو تقطعه الهمومُ عن مواصلة السير إلى الله: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ (١).
وهكذا فمن تأمل حياة الأنبياء أو حياة أتباعهم من المجاهدين الصادقين لم يجد للحزن واليأس في قلوبهم طريقًا مع شدة البلوى وعظيم المُصاب.
إخوة الإسلام، وهاكم مخرجًا ثالثًا شرعيًا من مخارج الهم والغم أرشد إليه المصطفى صص بكلمات نافعة، حين دخلَ المسجدَ ذات يومٍ، فإذا هو برجلٍ من الأنصار يقال له أبو أمامة- جالسًا فيه- فقال: «يا أبا أمامة: ما لي أراك جالسًا في المسجد في غير وقت صلاةٍ؟ قال: همومٌ لزمتني، وديونٌ يا رسول الله، قال: ألا أعلمك كلامًا إذا قلتها أذهب الله همَّك وقضى عنك دينك؟ فقال: بلى يا رسولَ الله، قال قل إذا أصبحت وإذا أمسيت: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من البخل والجبن، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال، فقلت ذلك فأذهب اللهُ همي وقضى عني ديني» (٢).
стр. 1078
وفي رواية عند النسائي: «كان لرسول الله ﷺ دعواتٌ لا يَدَعَهُن، كان يقول: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل .. » الحديث (١).
يا أخا الإسلام وهاك دعاءً آخر خاصًا بإذهاب الهمِّ والحزن، قال ﵊: «ما أصاب عبدً همٌّ ولا حزن فقال: اللهم إني عبدُك ابنُ عبدِك ابنُ أمتِك، ناصيتي بيدك، ماض فيَّ حكمك، عدلٌ فيَّ قضاؤك، أسألكُ اللهم بكل اسمٍ هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله حزنَه وهمَّه، وأبدله مكانه فرحًا» (٢).
أفيعجزك يا أخا الإسلام إذا نزل بك همٌ أو حزن لذاتِ نفسك أو لقضايا المسلمين من حولك أن ترفع يديك إلى السماء، وتدعو دعاءَ المضطر، الواثقِ بالإجابة، وبهذه الأدعية وسواها .. ؟
وخلاصةُ القولِ فلا تشغلْك همومُ الدنيا عن السير إلى الله والاهتمامِ بمنازل الآخرة، ولا يقعد بك الحزنُ علىَ مصائب المسلمين عن العمل والدعوةِ لدين الله، وكن بالله عارفًا، وعليه متوكلًا، وبنصره وتفريجه للكربات واثقًا .. فإن مع العسير يسرًا، إن مع العسر يسرًا، ولن يغلب عسرٌ يسرين.
اللهم اهدنا ووفقنا لليسرى، اللهم جنبنا العسرى، اللهم اكفنا ما أهمنا، وعظم أجورنا، وارزقنا الصبرَ والاحتساب على ما أصابنا هذا وصلوا ..
стр. 1079
طرق السعادة (١)
الخطبة الأولى
الحمد لله رب العالمين خلق فسوى وقدَّر فهدى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له قسم الخلق- بعلمه وحكمته- إلى أشقياءَ وسعداء ففريق في الجنة وفريق في السعير.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسولُه وخيرتُه من خلقه، حمل رسالة الخيرِ إلى أمتِه ففاز بالاتباع أهلُ السعادة، وانتكس أهلُ الفسوقِ والشقوة ولا يظلم ربُّك أحدًا.
اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر النبيين ومن سار على هديهم إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (٢).
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٣).
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٤).
أما بعد إخوةَ الإسلام فإن السعادةَ مطلبُ العقلاء ومبتغى الكبراء، وحُلُم يُراود الضعفاء، ولكن الناسَ متفاوتون في فهمِ حقيقتها، ومتباينون في طرق
стр. 1080
الوصول إليها، منهم من يراها في المال والولد، ومنهم من يراها في الجاه والمنصب، ومنهم من يراها في توفر الشهواتِ يعَبُّ منها عبًّا، غير آبهٍ بما يحلُّ وما يحرم، ولا فرق عنده بين ممنوعٍ ومشروع، ومنهم من يراها في السبقِ في مجالِ الصناعةِ والاختراع ومنهم من يراها في القصورِ الفارهة، والحسانِ الغانية، والخيلِ المسوَّمة والأنعام والحرث، وكل ذلك من متاعِ الحياة الدنيا الفانية، ولكن ثمةَ ما هو أنفعُ وأبقى.
﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (١).
أجل لقد أخطأ طريق السعادةِ فرعونُ الذي ظن الملكَ والجبروت طريقَه الآمنَ الدائم، فقال قولتَه الظالمةَ الآثمة «يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي» وأعلن على الملأ عقيدتَه الجائرة ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى﴾ وجعل فيه عبرة وكان لمن خَلفهِ آية وأبصر هو وجندُه المخدوعون به آثارَ الشقوة وهم بعدُ لم يفارقوا الدنيا، أعلن الندمَ والتوبة ولكن هيهات (٢) ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ (٣).
أيها المسلمون حين أضل طريقَ السعادة فرعون ومن على شاكلتِه في الكفر والطغيان، وجدها فتيةٌ مستضعفون آمنوا بربهِّم واعتزلوا معبودات قومهم، وكان
стр. 1081
نصيبُهم من الأرض -حين العزلة- كهفًا تقلُّ مساحتُه في الأرض وتضيقُ منافذُه الظاهرة نحو السماء، حتى إن الشمسَ إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذاتَ اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال، ولو اطلعت عليهم داخله لوليت منهم فرارًا ولملئتِ منهم رُعبًا، ومع ذلك فالسعادةُ تحيط بهم، والرحمةُ منشورةٌ عليهم، والعقبُى كانت لهم تلك ثمراتُ الإيمان وذلك طريقُ السعادةِ لمن رام الجنان.
أيها المؤمنون لقد جاء في كتاب الله تحديدُ طريقِ السعادة والفلاح فمرةً باتباع هدى الله ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ (١) ﴿فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٢) ومرة بالإيمان وعمل الصالحات ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣). ومرة بتزكيةِ النفس وتحليها بالصفات الحميدة وإبعادها عن الصفات المذمومة:
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ (٤). ومرة بالقيام بالواجبات والانتهاء عن المحرمات: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٥).
стр. 1082
أيها المسلمون إذا كانت الحيرةُ والشكُّ والضلالُ عذابًا وجحيمًا لا يطاق في الدنيا، والآثارُ في الآخرة أشدُّ وأبقى، فإن الإيمان واليقين سبيلٌ للسعادة في الآخرة والأولى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ (١). ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ (٢)، ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾ (٣).
محالٌ أن يجدَ السعادة أصحاب الخنى والغناء، والكؤوس المحرمة، وأهلُ الريب والرذيلةِ والمعاصي مهما أوتوا من حظوظ الدنيا، إن لم يهتدوا ويتوبوا، ذلكم لأن ذلَّ المعصية يحيط بهم يقعد بهم عن السعادة الحقيقية: «إنهم وإن طقطقت بهم البغال وهملجت بهم البراذينُ، إن ذلَّ المعصية لا يفارق قلوبَهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه» (٤).
وإذا أفلس من السعادة أرباب الأموالِ العظيمةِ والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة، وقارن نموذجٌ للانتكاسة والشقوة، ولم يمنعه مالُه، وقد أتاه اللهُ من الكنوز ما إن مفاتيحه لتنوء بالعصبة أولو القوة فقد خسف اللهُ به وبداره الأرض فهو يتجلجل بها إلى يوم القيامة.
إذًا أفلس هؤلاء ووجد السعادةَ وحققها بكل معانيها من اتصلوا بالله وأطاعوه، ولو كان نصيبُهم من العيش كفافًا، ولو كان فرشهُم حصيرًا يبقى لها بعد النوم في الجنوب أثرٌ.
стр. 1083
عبادَ الله إن للإيمان والاستقامة على الحق أثرًا حميدًا حاضرًا ومستقبلًا، والله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (١).
وطاعة الله ورسوله سببٌ للفوز والفلاح كما قال تعالى: ﴿وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٢).
وتأمل يا أخا الإسلام نعيمَ الأبرار، وجحيم الفجار الوارد في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ (٣).
يقول ابنُ القيم ﵀: ولا تظنَّ أن قوله تعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ مختصٌّ بيوم المعادِ فقط، بل هؤلاء في نعيم في دورهم الثلاثة، وهؤلاء في جحيم في دورهم الثلاثة وأيُّ لذةٍ ونعيمٍ في الدنيا أطيبُ من برِّ القلوب، وسلامةِ الصدر ومعرفةِ الربِّ تعالى ومحبتِه، والعملِ على موافقته، وهل العيشُ في الحقيقة إلا عيشُ القلب السليم، وهو الذي سلم من الشركِ والغل والحقدِ والحسد والشح والكبر وحبِّ الدنيا والرياسة فهذا القلبُ السليمُ في جنةٍ معجلةٍ في الدنيا، وفي جنة قي البرزخ، وفي جنة يوم المعاد (٤).
قال بعض العارفين وهو يستشعر محبة الله ويتنعم بعبادته: أن كنتُ في الجنةِ في مثلِ هذه الحالةِ فإني إذا في عيشٍ طيب (٥).
أيها المؤمنون للرضا بالمقدور والقناعةِ بالميسور أثر في السعادة في الدنيا
стр. 1084
والمثوبةِ في الآخرة والله يقول: «ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه» وهذا حوارٌ لطيف في مسكن السعادة وطرق جلبها قيل: للسعادة أين تسكنين؟ قالت: في قلوب الراضين قيل: فبم تتغذَين؟ قالت: من قوة إيمانهم قيل: فبم تدومين؟ قالت بحسب تدبيرهم قيل فبم تُستجلبين؟ قالت: أن تعلمَ النفسُ أن لن يصيبها إلا ما كتب اللهُ لها، قيل فبم ترحلين؟ قالت: بالطمع بعد القناعة وبالحرص بعد السماحة، وبالهم بعد السرور وبالشك بعد اليقين (١).
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ (١٠٧) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ (٢). نفعني الله وإياكم.
стр. 1085
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين منَّ على من شاء بالعبادة والهدى فشرح صدرهمْ للإسلام فهو على نور من ربه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له حجب نوره عن المعرضين المعاندين فعاشوا حياة العَمىَ وإن كانوا مبصرين، ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أوحى إليه ربُّه فيما أوحى ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾.
اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين.
أما بعد- إخوة الإسلام- فإن هذا الدين سببٌ للسعادة والهداية وغيرُه من الأديان والنحل سببٌ للنكدِ والشقوة، قال الله تعالى: ﴿أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (١).
والقرآن طريقُك للهدى وهو مذكرٌ لك لحصولِ السعادة ومحذرٌ من طرق الغوايةِ والردى، ومن أعرض عنه باتت حياته ضنكًا، وإن خُيل للآخرين غير ذلك ظاهرًا وكذلك حكم ربنا ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾.
يا أخا الإسلام، إذا كان الإيمانُ واليقين وعمل الصالحات، والاستقامةُ على الحقِّ، وسلامةُ القلبِ من الأمراضِ الخبيثة، والاهتداءُ بهدي القرآن .. كلُّ ذلك من أسباب السعادة، فهناك أسبابٌ أخرى فلا يفوتنَّك العلمُ بها والعمل،
стр. 1086
والعلمُ الشرعي بابٌ واسعٌ للسعادة وأهلُه أشرحُ الناسِ صدرًا، وأوسعُهم قلوبًا، وأحسنُهم أخلاقًا، وأطيبُهم عيشًا، أما الجهلُ فهو يورثُ الضيقَ والحصرَ والحبس وصدق الله «قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون».
أيها المسلمون: من أسباب السعادة أيضًا دوام ذكرِ اللهِ على كل حال، فبذكر اللهِ تطمئن القلوب، وتورث الغفلةُ ألوانًا من الضيق والعذاب، وهي طريقٌ إلى موت القلوب «ومثل الذي يذكر اللهَ والذي لا يذكره كمثل الحي والميت» ومصيبة أن يُميتَ الإنسانُ نفسهَ وهو يعدُ في عداد الأحياء؟
وأعظمُ ممن ذلك أن يرضى المرءُ بقرين الشيطان عوضًا عن الأُنس بالله، والله يقول: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ (١).
ونفعُ الخلقِ والإحسان إليهم بالمال أو الجاه أو البدن كلُّ ذلك يورث السعادة، فإن المحسنين الكرماءَ أشرحُ الناسِ صدرًا وأطيبُهم نفسًا، وأنعمُهم قلبًا، أما البخلاءُ فهم أضيقُ الناسِ صدرًا وأنكدُهم عيشًا ..
عباد الله، إذا أورث الكرمُ السعادةَ وانشراحَ الصدر، فكذلك الشجاعةُ تورث السعادةَ، فالشجاعُ منشرحُ الصدر، واسعُ البطان، متسعٌ القلب، والجبانُ أضيقُ الناس صدرًا وأحصرهم قلبًا.
أيها المؤمنون إن لَّذة الحياةِ وجمالَها وقمةَ السعادةِ وكمالَها لا تكونُ إلا في طاعةِ الله، ومهما ابتُغيت السعادةُ بغير ذلك فهي وهمٌ زائف، وما أهون الحياةَ الدنيا على الله وقد حكم على متاعِها بالقلة مهما تكاثر أو تطاول في أعين الجاهلية «قل متاعُ الدنيا قليل» وتأمل هوانَها على الله في قوله: ﴿وَلَوْلا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا
стр. 1087
يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِؤُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١).
وحذار يا أخا الإسلام أن تغرك سعادةُ لحظة عن السعادةِ الأبدية، أو تُفتنَ بلذةٍ عاجلةٍ ندامةٌ آجلة، احذر أن تكونَ في حضيض طبعِك محبوسًا وقلبُك عما خُلق له مصدودًا منكوسًا، حذار أن ترعى مع الهملِ، أو تستطيبَ لقيعان الراحةِ والبطالةِ، وتستلين فراشَ العجزِ والكسل، فتبصرَ حين تبصر وإذا بجيادِ الآخرين قد استقرت في منازلها العالية وأنت دون ذلك بمراحل وتود الرجعة لتعوِّض ما فات ولكن هيهات.
يا أخا الإيمان كيف ترجو السعادة وتأمل النجاة ولم تسلكْ مسالكها، وهل رأيت سفينةً تجري على اليبسِ؟
حاسب نفسَك على الصلاة ولا تأمل السعادة وأنت ساهٍ مضيعٌ لها والله يقول: «فويلٌ للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون».
ولقد أخطأت الفهمَ حين قَدَّرت أن سماعَ الغناءِ المحرم وسيلةٌ للسعادة والأنسِ في هذه الحياة، وفي ذلك ضلالٌ عن طريق الهدى والله يقول: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ (٢).
وكيف ترجو السعادةَ إن كنتَ من أهل الكسب الحرام، وإن خُيل لك ذلك وأنت تتعاطى الرِّبا مثلًا فاقرأ قوله تعالى «يمحق الله الربا .. ».
وليست عقوبةُ الآخرةِ أقلَّ من الدنيا ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا
стр. 1088
يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (١).
ابن آدم بشكل عام احذر خطوات الشيطانِ تكن سعيدًا في هذه الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، واتخذه عدوًّا .. تشعر بالسعادة عاجلًا وأنت واجدٌ ذلك آجلًا والله يقول: ﴿وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ (٢).
يا ابن آدم في طباعِ النفس من الهلعِ والجزع والشح والبخل ما يقعد بها عن السعادة، وفي تعاليم الإسلام ووصايا القرآن ما يهذبها وتضمن سيرها إلى الله ﴿إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلاَّ الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ (٢٤) لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦) وَالَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ (٢٧) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (٢٨) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩) إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٣١) وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٣٢) وَالَّذِينَ هُم بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (٣٣) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٣٤) أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ﴾ (٣) اللهم اجعلنا من أهل الجنة.
стр. 1089
عبرة في هجرة الحبشة (١)
الخطبة الأولى:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل، فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى وسائر الأنبياء والمرسلين وارض اللهم عن صحابته أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٢)
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (٣).
اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.
أما بعد إخوةَ الإسلام فما أروع سيرةَ النبيِّ محمدٍ ﷺ وسير أصحابه، حين تُطالع أو تُروى، والمسلمون يجدون فيها في كلِّ زمَانٍ ومكان المرشدَ الهادي في حالِ عزِّهم وسؤددهم كما يجدون فيها السلوى وطرائق للثباتِ في حالِ ضعفِهم وتسلطِ الأعداء عليهم.
ولاشك أن الحديث عن محمد ﷺ حديثٌ عن خير البرية والحديثُ عن صحابته حديثٌ عن خير القرون، وسأتذكر وإياكم نموذجًا للفتنة التي أصابت
стр. 1090
هؤلاء الصفوة، وكيف خرجوا منها سالمين منتصرين، وفي قصَصِهم عبرة، وفي حياتهم وجهادهم أسوةٌ للمسلمين.
أخوةَ الإيمان وفي السنة الخامسة لبعثة محمد ﷺ جُنَّ جنون قريشٍ لظهورِ الإيمان وكثرةِ الداخلين في الإسلام، واشتدَّ أذاها على محمدٍ ﷺ والمؤمنين، وما من وسيلة ترى فيها حربًا للإسلام وتقليلًا من شأن المسلمين إلا واستخدمها -وليس هذا موطنَ التفصيل فيها- وتحدثُنا كتبُ السير أنها استخدمت فيما استخدمت -سلاح القبيلة- أسلوبًا في النكالِ بالمسلمين يقول الإمامُ الزهريُّ يرحمه الله: فلما كثر المسلمون وظهر الإيمان فتحدثَ به ثار المشركون من كفار قريش بمن آمن من قبائلهم يعذبونهم ويسجنونهم وأرادوا فتنتهم عن دينهم، فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ قال للذين آمنوا به تفرقوا في الأرض، قالوا: فأين نذهبُ يا رسول الله؟ قال: هاهنا وأشار بيده إلى أرض الحبشة (١).
أيها المسلمون لقد كانت هجرةُ الحبشة فرارًا بالدين، كانت صعبةً على المهاجرين، وفي حوارٍ جرى بين أميرِ المؤمنين عمرَ بنِ الخطاب ﵁ وبين إحدى المهاجرات إلى الحبشة تتضح صورةُ المعاناة وألمُ الغربة، فقد روى البخاريُّ في صحيحه أن أسماءَ بنتَ عميسٍ ﵂ وكانت إحدى المهاجرات دخلت على حفصةَ زوج النبي ﷺ بعد قدومهم من الحبشة، فدخل عمرُ على حفصة وأسماءُ عندها فقال عمرُ لأسماء: سبقناكم بالهجرة -يعني إلى المدينة- فنحن أحقُّ برسول الله ﷺ منكم، فغضبت أسماء وقالت: كلا والله، كنتم مع رسول الله ﷺ يُطعم جائعكم ويعظُ جاهلكم، وكنا في دارِ أو في أرضِ البُعداء البغضاء بالحبشة، وذلك في الله وفي رسوله ﷺ .. الحديث (٢).