← Джавами‘

Джавами‘ · id 20948

شعاع من المحراب

سليمان بن حمد العودة

Полный текст (3 545 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

الخطة الثانية: الحمد لله صاحب الفضل والنعم والإحسان، أحمده تعالى وأشكره ولا نحصي ثناءً عليه .. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ربوبيته وإلاهيته وأسمائه وصفاته، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله بعثه الله للناس مبشرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا .. اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر إخوانه من النبيين والمرسلين .. إخوة الإسلام .. وليست محبة الله دعاوى تجوز على كل لسان، أو أماني وظنون يوصف بها كل إنسان، وإن كان فضل الله واسعًا لا يستطيع حجره كائنٌ من كان ولكن الدعاوى تصدقها الأعمال أو تكذبها. ومن براهين المحبة الصادقة لله اتباع شرع الله والرضا به والتسليم دون حرج أو تململ، وطاعة الرسول ﷺ فيما أمر به أو نهى، وفيما أحبت النفس أو كرهت. قال تعالى- وقوله الفصل- ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (١). قال ابن كثير يرحمه الله: هذه الآية حاكمةٌ على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية، فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي، والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله (٢). فإذا حصل الموجب الحقيقي للمحبة بالاتباع، كانت المحبة، بل كان ما هو أعظم منها، وهو محبة

стр. 982

الله للمحب، ولهذا قال بعض العلماء الحكماء: ليس الشأن أن تُحِب، إنما الشأن أن تُحَبَّ. هذه الآية- معاشر المسلمين- فيها امتحانٌ لمحبة العبد لربه، كما قال الحسن البصري وغيره من السلف: زعم قومٌ أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية (١). عباد الله ومن براهين محبة الله .. أن يكون المُحب متواضعًا لإخوانه المؤمنين، متذللًا لهم، رحيمًا بهم، يحبهم لله، ويواليهم فيه - وإن لم يكن بينه وبينهم نسبٌ أو حسب- لكنها رابطة العقيدة وأخوة الإسلام توجب عليه إلا يحقرهم ولا يخذلهم ولا يظلمهم. وفي مقابل ذلك يكون المحب الصادق عزيزًا على عدوه وخصمه، شديدًا عليهم ويبغضهم لله، ويعاديهم لكفرهم به، وتطاولهم على شرع الله. وهو في ذلك محتاج إلى المجاهدة في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، وإعزاز الحق، ودفع الباطل وأهله. فهل يصدق الحب من شخص لا يغار لمحارم الله؟ وهل يصدق الحب لله ممن لا يتمعر وجهه لفشل الباطل وكثرة المبطلين؟ ! إن محبة الشيء تعني الدفاع عنه، والدعوة إليه .. والدفاع عن الحق، والدعوة للخير الذي يحبه الله .. هو برهان على محبة الله .. وأنَّى لشخص يَدَّعي محبة الله، وهو ناصبٌ نفسه للدعوة للشر، ومحاربة الخير، وأهله! والمحبون الصادقون لا تأخذهم في دعوتهم وجهادهم للخير لومة لائم .. أو إرجاء مرجف- أو تخذيل مخذل- إقوؤوا بتمعن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا

стр. 983

مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (١). وفي فترات ضعف الأمة تتبدل المفاهيم، وتنتكس الأحوال ولربما أصبح العدو صديقًا، والصديق عدوًا. ولكن ذلك لا يؤثر على حقائق القرآن، ولا يغير سلوكيات أهل الإيمان، ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم. إنها قافلة محمد ﷺ والمؤمنين معه، تتجدد ما بقي القرآن حيًّا في قلوب الأجيال تردد ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ (٢). يا أخا الإيمان كُن من دعاة الخير يُحبك الله، فإن لم تستطع فأحب الخير حيث يحبه الله .. وكن من أهل الخير فهم أولياء الله وأحباؤه فإن لم تستطع اللحاق بهم، فأحبهم وتمنَّ اللحاق بهم يحبك الله ويعينك .. فالمرءُ مع من أحب .. والرجل يحب القوم ولما يلحق بهم فهو معهم .. فضلًا من الله ورحمة، ليكن حبُّك لله وفي الله، وفق شرع الله وإياك أن تكون محبتك حيث يُحبُّ دهماءُ الناس فمن يحبون أو يبغضون وفقًا للأهواء والشهوات ليس إلا. يا أخا الإيمان وإذا أردت أن تعلم درجة حبك لله فعد لهذه الأسباب العشرة التي ذكرها العلماء .. وانظر في نفسك ومدى قربك أو بعدك منها، وسدد ما فاتك منها .. فلا أراني وإياك إلا في أشدِّ الحاجة إليها في اليوم قبل الغد

стр. 984

لنستجمع منها لأنفسنا زادًا أثناء السفر وبعد انتهاء السفر حيث القرارُ في دار المستقر. ابدأ- يا أخا الإسلام- من الآن في بناء مستقبلك الحقيقي هناك، أما المستقبل هنا فمجازٌ وألغاز، ولعبٌ ولهوٌ وزينة وتفاخر، ابدأ من الآن في البناء شابًا كنت أو هرمًا، رجلًا كنت أو امرأة .. واجتهد في إيداع الأرصدة هناك فالليلُ والنهار خزانتان تُملآن هنا وتفتحان هناك، فاجتهد في ملء تلك الخزائن ببراهين المحبة لله وعناوين الإخلاص، ودلائل الطاعة له. ولا تنس الاستعانة بالله، وقل كما قال محمد ﷺ : «اللهم إني أسألك حبَّك، وحب من يُحبك، والعمل الذي يبلغني حبك». وكلما فتر عزمك أو ضعف سيرك تذكر قرب الرحيل إلى ربك، واتخذ من أصحاب الخير عونًا لك في طريقك .. رعاك الله وسددك وجعلنا وإياك من أحبابه العالمين بكتابه، والسائرين على منهاجه. هذا وصلوا.

стр. 985

العناية بالقرآن (١) الخطبة الأولى: الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له خص هذه الأمة بأفضل كتبه، وخاتم أنبيائه ورسله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخيرته من خلقه، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. أيها الناس أوصيكم ونفسي بتقوى الله، ومن يتق الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٢). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٣). أيها المسلمون: كتاب الله طريق للتقوى وسبيلٌ لمحبة الله تعالى، وهو يهدي للتي هي أقوم هو- كما وصفه عليٌّ ﵁: (الناصح الذي لا يغش والهادي الذي لا يُضل، والمحدث الذي لا يكذب، وما جالس هذا القرآن أحدٌ إلا قام عنه بزيادة أو نقصان زيادة في هدى، ونقصان من عمى .. إلى أن يقول: واعلموا أنه شافعٌ ومُشفع، وقائلٌ ومصدق، وأنه من شفع له القرآن يوم القيامة شُفع فيه، فإنه

стр. 986

ينادي منادٍ يوم القيامة: ألا إن كل حارث مبتلى في حرثه وعاقبة عمله غير حَرَثة القرآن). «فكونوا من حرثته وأتباعه، واستدلوه على ربكم واستنصحوه على أنفسكم، وأتهموا عليه آراءكم، واستغشوا فيه أهواءكم» (١). عباد الله وفي هذا الزمان يكثر في المسلمين هجرةُ القرآن إما حسًا أو معنى .. أو كليهما .. إذ لا يقيمون وزنًا لتلاوته ولا يتدبرون آياته .. ولا يعملون بتوجيهاته، ولا ينتهون عند حدوده ومحارمه .. حتى وإن قبلوه عند التلاوة .. أو رفعوه في أمكنة علية، أو ابتدأوا به في مناسباتهم العامة، أو قرؤوه على موتاهم! ويوجد في المسلمين أيضًا من يحفظون كتاب الله، ويكثرون تلاوته .. ولكن يقل فيهم المتأدب بآدابه، والمستشعر لفضل الله ونعمته عليه به، ويقل فيهم العامل به، ويكاد يصدق في المسلمين اليوم مقولة ابن عمر ﵄ وهو يقارن بين السلف والخلف في العمل بالقرآن يقول: إذ كان الفاضل من أصحاب رسول الله ﷺ في صدر هذه لا يحفظ من القرآن إلا السورة أو نحوها ورزقوا العمل بالقرآن، وإن آخر هذه الأمة يقرؤون القرآن منهم الصبي والأعمى ولا يرزقون العمل به (٢). أخوة الإسلام لقد استشعر السابقون من أهل الإيمان والتقى قدر القرآن، وعنهم قال الحسن بن علي ﵄: «إن من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم فكانوا يتدبرونها بالليل ويعتقدونها في النهار» (٣).

стр. 987

واعتبر من بعدهم تلاوة القرآن شرفًا وكرامة، حتى قال ابن الصلاح - يرحمه الله- قراءةُ القرآن كرامة أكرم الله بها البشر، فقد ورد أنَّ الملائكة لم يعطوا ذلك وإنها حريصة على استماعه من الإنس (١). وليس يخفى أن أهل القرآن هم خيارُ الأمة .. بل هم أهلُ الله وخاصته، ففي قوله تعالى: «كنتم خير أمة أخرجت للناس»، وقوله ﷺ : «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». وقوله في حديث آخر: «إن لله أهلين من الناس»، قيل من هم يا رسول الله؟ قال: «أهل القرآن هم أهل الله وخاصته» (٢). في هذا كله ما يؤكد أن أهل القرآن خيارٌ من خيارٍ، وأنهم خاصة الخاصة. «وصاحب القرآن حامل لواء الإسلام كما قال القاضي عياض يرحمه الله: حامل القرآن حامل راية الإسلام لا ينبغي أن يلغو مع مَنْ يلغو ولا يسهو مع من يسهو، ولا يلهو مع من يلهو تعظيمًا لله تعالى» (٣). يا حامل القرآن أخلص في حمله، واعمل بما فيه، وأبشر بالخير والمثوبة عاجلًا وآجلًا، وردد، وقف، وتمعن قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (٤) قال ابن عباس ﵄: فضل الله ودونك هذا الحديث- وما فيه من فضائل وكرامةٍ لصاحب القرآن- فقد روى الإمام أحمد، وابن ماجه، والدارمي، حديثًا وإن كان فيه ضعف فيحتمل التحسين- كما قال بعض أهل العلم عن بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنَّ القرآن يلقى

стр. 988

صاحبه يوم القيامة حين ينشق عنه قبره، كالرجل الشاحب، فيقول هل تعرفني؟ فيقول: ما أعرفك، فيقول: أنا صاحبك القرآن الذي أظمأتك في الهواجر، وأسهرت ليلك، وإن كلَّ تاجرٍ وراء تجارته، وإني لك اليوم من وراء كل تجارة، فيعطى الملك بيمينه، والخلد بشماله، ويوضع على رأسه تاج الوقار، ويُكسى والداه حليتين لا تقوم لهما الدنيا، فيقولان: بم كسينا هذا؟ فيقال بأخذ ولدكما القرآن، ثم يُقال اقرأ واصعد في درجة الجنة وغرفها، فهو في صعود ما كان يقرأ هذا كان أو ترتيلًا» (١). أيها المسلمون: كما يكرم ذو الشيبة المسلم، وذو السلطان المقسط .. فكذلك ينبغي أن يكرم حامل القرآن .. فذلك من إجلال الله. فقد صح في الخبر عن رسول الله ﷺ : «إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط» (٢). عباد الله ما أضاع وقته من صرفه لحفظ القرآن أو تدبره أو أكثر من تلاوته، وما مرض قلبٌ عاش مع القرآن، وبم يترنمُّ من لم يتغَنَّ بالقرآن .. وبم يناجي ربه من لم يكن معه شيء من القرآن .. ألا وإن الذي ليس معه شيء من القرآن كالبيت الخرب .. وما هزمت أمة كان دستورها القرآن وما خاف الأعداء من شيء كخوفهم من القرآن، وما أقض مضاجعهم أكثر من عودة المسلمين للقرآن. أيها المسلمون: عظموا كتاب ربكم واستشفوا به من أدوائكم، واطلبوا النصر به على أعدائكم، وميزوا به بين أعدائكم وأصدقائكم .. تأدبوا بآداب

стр. 989

تلاوته ويرحم اللهُ أقوامًا كانوا إذا تثاءبوا وهم يقرؤون كتاب الله أمسكوا عن القرآن تعظيمًا له حتى يذهب عنهم التثاؤب، كما قال مجاهد يرحمه الله (١) وأنى لقوم تلك همهم وآدابهم أن يتشاغلوا حين تلاوته .. أو ينشغلوا عن تلاوته وتدبره. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (٢). نفعني الله وإياكم.

стр. 990

الخطبة الثانية: الحمد لله رب العالمين يمن على من يشاء بفضله، والله ذو الفضل العظيم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فضل بعض خلقه على بعض في الدنيا .. ولكن الآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلًا. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أكرمه ربُّه إذ أنزل عليه القرآن وكان خُلقه القرآن. اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. إخوة الإيمان: لا تجارة أعظم من تجارة الإيمان وعمل الصالحات، وتلاوة كتاب الله ضمن التجارة التي وعد الله أنها لن تبور .. وهنيئًا لقراء القرآن لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ﴾، قال قتادة: كان مطرف بن عبد الله إذا قرأ هذه الآية يقول: هذه آية القُراء (١). ومع فضل الجهاد فقد سئل سفيان الثوري يرحمه الله، عن الرجل يغزو أحب إليك، أو يقرأ القرآن؟ فقال: يقرأ القرآن، لأن النبي ﷺ قال: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». ويروى أن بعض فقهاء مصر دخلوا على الشافعي- يرحمه الله- وهو في المسجد وبين يديه المصحف، فقال له الشافعي: شغلكم الفقه عن القرآن، إني لأصلي العتمة، وأضع المصحف بين يدي، فما أطبقه حتى الصبح» (٢). وبقدر ما تكشف هذه النصوص عن قدر القرآن وقيمته وصرف الهمم له عند

стр. 991

هؤلاء الأخيار، فهي تكشف عن جلدهم وطول مكثهم في تلاوته وتدبره، كيف لا والمشغول بالقرآن يُعطى أفضل ما يُعطى السائلون، ففي الحديث القدسي يقول الربُّ ﵎: «من شغله القرآن وذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين» (١). عباد الله وقيمة التلاوة للقرآن بتدبره والتأثر به، وإنما أنزل القرآن ليتدبر ويعمل به، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ (٢). قال البقاعي- يرحمه الله- في تفسير هذه الآية، أي لينظروا في عواقب كلِّ آية وما تؤدي إليه، وما توصل إليه من المعاني الباطنة التي أشعر بها طول التأمل في الظاهر، فمن رضي بالاقتصار على حفظ حروفه كان كمن له لقحة درور لا يحلبها، ومهرة نتوجٌ لا يستولدها، وكان جديرًا بأن يضيع حدوده فيخسر خسرانًا مبينًا» (٣). وفي قوله تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (٤)، وقوله ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾ (٥). قال القرطبي: دلت هذه الآيات على وجوب التدبر في القرآن ليعرف معناه (٦). أيها المسلمون: إذا كانت قلةُ التدبر ظاهرةً فاشية فينا، فإنما أتينا من غفلتنا

стр. 992

عن أهمية التدبر من جانب، ورغبتنا أحيانًا لكثرة القراءة على أي حال كانت مع إنهاء السورة من جانب آخر، حتى قال أحد العارفين: إنما يؤتى أحدكم من أنه إذا ابتدأ السورة أراد آخرها» (١). أما المنافقون فمن سيماهم الإعراض عن تدبر القرآن والتماس الهداية منه، وذلك لأن قلوبهم مريضة بالشهوات والشبهات ولذا عاب الله عليهم بالإعراض عن التدبر في القرآن والتفكر في معانيه (٢). يا أخا الإيمان فإن قلت فما السبيل لتدبر القرآن وكمال الانتفاع به؟ وجدت ذلك في قاعدةٍ جليلة جعلها ابن القيم- ﵀ على رأس الفوائد في كتابه الفوائد حيث قال: «إذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه وألق سمعك، واحضر حضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه منه إليه، فإنه خطاب منه لك على لسان رسوله ﷺ ، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (٣) إلى أن قال: فإذا حصل المؤثر- وهو القرآن- والمحل القابلُ، وهو القلبُ الحي، ووجد الشرط وهو الإصغاء، وانتفى المانع وهو اشتغال القلب وذهوله عن معنى الخطاب وانصرافه عنه إلى شيء آخر، حصل الأثر وهو الانتفاع والتذكر» (٤). يا أيها الشيخ الكبير ماذا معك من القرآن، وما نصيبك من تلاوته وتدبره، ولئن فاتك منه شيء فيما مضى فاستدرك ما فاتك، فإن لم تستطع فشجع أولادك على حفظ كتاب الله والعناية به، ففضل الله واسع.

стр. 993

أيها الموظف والمدرس والعامل النشط تُرى هل تستثمر شيئًا من نشاطك وفراغك في تلاوة كتاب الله وحفظ ما استطعت من حفظه، فالقوة يعقبها الضعف، والفراغ يعقبه الشغل، وتحية للمعلمين أو الموظفين وغيرهم الذين يجتمعون على حفظ كتاب الله وتدبره. أيها الشاب الفتي ما نصيبك من كتاب الله حفظًا .. وما نصيبك منه تدبرًا، إياك أن يغلبك الفتيانُ في الحفظ في أيامك الأولى فتندم بعد على التفريط ولات ساعة مندم. أيها المسلمون- رجالًا ونساءً- استوصوا بكتاب الله خيرًا، وأحلوه بالمنزلة التي أرادها الله له تفلحوا في الحياتين وتسعدوا في الدارين. أما أنتم معاشر الحفاظ لكتاب الله فلي معكم حديث آخر يسره الله، اللهم أعنا جميعًا على العناية بكتابك وتدبره، واجعله لنا في الدنيا رفيقًا.

стр. 994

يا حامل القرآن (١) الخطبة الأولى: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارض اللهم عن أصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٢). ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٣). أيها المسلمون لا ينتهي الحديث عن القرآن عند حدٍّ معين وعجائب القرآن لا تنتهي، والموعظة بالقرآن لا تقتصر على جيلٍ دون جيل، ولا عن فئة من الناس دون أخرى، لقد جعل الله القرآن مأدبته الأخيرة من السماء، لم ينزله جملة كغيره من الكتب، بل نجومًا متفرقة مرتلة ما بين الآية والآيتين والآيات، والسورة والقصة، في مدة زادت على عشرين سنة وذلك لتتلقاه الأمة بالحفظ ويستوي في تلقفه في هذه الصورة الكليلُ والفطن، والبليد والذكي والفارغ

стр. 995

والمشغولة، والأمي وغيرُ الأمي، فيكون لمن بعدهم فيهم أسوة في نقل كتاب الله حفظًا ولفظًا قرنًا بعد قرن وخلفًا بعد سلف (١). عباد الله لقد نزل في وصف كتاب الله قوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ (٢). وفي الحديث القدسي قال الله تعالى لنبيه ﷺ : «إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتابًا لا يغسله الماء تقرأه نائمًا ويقظان» (٣). وعلق النووي ﵀ على الحديث بقوله: فمعناه: محفوظ في الصدور، لا يتطرق إليها الذهاب، بل يبقى على مرِّ الزمانِ (٤). يا حافظ القرآن هنيئًا لك بحفظ القرآن إذ كنت في عداد العلماء، فانظر يا هذا ماذا علمك القرآن؟ وماذا تعلم من علوم القرآن، وأسراره، وحكمه؟ يا حافظ القرآن .. لك البشرى إذ كنت في طليعة أمة جاء وصفها في الكتب المتقدمة بأن أناجيلهم في صدورهم (٥). ألا ويح الأناجيل المكرمة أن لم تغن عن أصحابها شيئًا ألا ويح القراء والحفاظ، إن حملوا ما لم يُعظموا، أو جهلوا بما حملوا، أو لم يعملوا بما علموا؟ يا حافظ القرآن جاء في وصف القرآن الذي تحمله في صدرك قوله ﷺ : «لو

стр. 996

جعل القرآن في إهاب ثم ألقي في الناس ما احترق» (١). وقد فسره بعض أهل العلم بأن المقصود بذلك حافظ القرآن، وقال أبو أسامة «اقرأوا القرآن ولا تغرنكم هذه المصاحف فإن الله لا يعذب بالنار قلبًا وعى القرآن» (٢). وقال أبو عبيدة: «وجه هذا عندنا أن يكون أراد بالإهاب قلب المؤمن وجوفه الذي قد وعى القرآن» (٣) ألا فاغتبط بهذا الفضل، وعظم كتاب الله، وما أسعدك حين تكون في عداد الناجين- برحمة الله- من النار. وفي لفظ: «لو جُمع القرآن في إهاب ما أحرقه الله بالنار» (٤). يا حافظ القرآن وأنت مغبوط، بل محسودٌ على حفظ كتاب الله وتلاوته، روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «لا حسدَ إلا في اثنتين، رجل علمه الله القرآن فهو يتلوه أناءَ الليل وآناء النهار ... » (٥) الحديث. فهلا قدمت هذه النعمة، وهل تقوم بحقها فتتلو كتاب الله آناء الليل وآناء النهار .. تقرأه حضرًا وسفرًا راكبًا أو ماشيًا أو قاعدًا أو نائمًا .. ويظل يُسرج في قلبك حتى تضيء منه على الآخرين .. ويظل يمدك بالنور فتكشف به أمارات الطريق لمن ضلوا السبيل. أجل لقد نزل القرآن أول ما نزل، ومهمته إخراج الناس من الظلمات إلى

стр. 997

النور، وأوحى الله إلى نبيه ﷺ فيما أوحى: ﴿الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (١). وسائل نفسك يا حامل القرآن- ما نصيبك من إخراج من عمي في الضلالة إلى نور الهداية .. إن القرآن حجة لك أو عليك وأنت مؤتمن في حمله، ومسؤول عن العمل به، والدعوة إلى هديه. يا حافظ القرآن وخليق بك أن تُعرف بخشوعك في صلاتك إذ بعضُ الناس عن صلاتهم ساهون، وبحسن سمتك إذا بدأ بعض القوم في حديث الباطل يخوضون، وببكائك وخوفك إذا ما الناس يضحكون وعن أهوال يوم القيامة غافلون، وبصدق أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر، إذا علمت البلوى بالمداهنة، وضعف جانبُ الأمر والنهي بين العامة والخاصة يا أهل القرآن أوتروا وليطل قيامكم بالقرآن، ولتمتلئ محاريبكم بالدموع خوفًا من الرحمن، وحزنًا على واقع أمة القرآن وأين هممكم من همة الشاب عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ وقصته مشهورة في الصحيحين وغيرهما- قال: كنتُ أصوم الدهر واقرأ القرآن كلَّ ليلة، فإما ذُكرت لرسول الله ﷺ ، وأما أرسل لي، فأتيته فقال: «ألم أخبر أنك تصوم الدهر، وتقرأ القرآن كلَّ ليلة؟ » قلتُ: بلى يا نبي الله، ولم أردْ إلا الخير، قال: «فإن بحسبك أن تصوم من كل شهرٍ ثلاثة أيام»، إلى أن قال: «واقرأ القرآن في كل شهر»، قال: قلت: يا نبي الله إني أطيق أفضل من ذلك، قال: «فاقرأه في كل عشرين»، قال قلت: يا نبي الله إني أطيق أفضل من ذلك، قال: «فاقرأه في سبعٍ ولا تزد على ذلك، فإن لزوجك عليك حقًا، ولزورك عليك حقًا، ولجسدك عليك حقًا .. » الحديث (٢).

стр. 998

يا أيها الحافظ فإن تقاصرت همتُك عن هؤلاء، وقلت في نفسك: تلك أمة قد خلت، ولا سبيل لمحاكاة رجالها .. ويصعب التعلق بقصص أولي العزم فيها؟ قلتُ دونك وفي همم المعاصرين ما يشحذ العزائم، ويجدد ذكرى السابقين وقد حدثني من أثق به أن الله فتح عليه وأعانه في مرحلة من مراحل عمره، فكان يختم القرآن كل ليلة، وما انقضت العشرُ الأواخر من رمضان حتى أتم معها عشر ختمات للقرآن. وكم لله من فضل على عباده وكم في المحن من منح إلهية، وفيما تكره النفس خيرًا كثيرًا. إنها فتوحات ربانية، وعزائم بشرية صادقة .. تقوي العزائم وتجدد الهمم، وتثبت أن في النفس قدرة على العطاء إذا ما أُخذت بالجد، واستعانت بالواحد الأحد .. ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها ومن لم يستطع أن يبلغ ما بلغه أولو العزائم فليتشبه بهم، وليحدث نفسه بسيرهم، وليحافظ على ما استطاع من ورده من القرآن فالعمل القليل الدائم يحبه الله، وهو وصية وسيرة رسول الله ﷺ ، وليس في القرآن قليل، والآيتان منه خير من ناقتين كوماوين والثلاث خيرُ من ثلاث، وأربع خير من أربع ومن أعدادهن من الإبل، كذا قال المصطفى ﷺ في وصيته لأهل الصفة في الغدو إلى المسجد وتلاوة كتاب الله (١). أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢).

стр. 999

الخطبة الثانية: الحمد لله رب العالمين أنزل على عبده الكتاب لينذر به وذكرى للمؤمنين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أعلى منزلة القرآن بين كتبه المنزلة، وجعله نورًا يهدي به من يشاء من عباده، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أمره ريُّة بقراءة القرآن على مُكثٍ، كما أوحى الله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ (١) فقام به ﷺ حتى تفطرت قدماه، واستن بسنته أصحابه والتابعون وخيار الأمة سلفًا وخلفًا ولا تزال العناية بالقرآن حتى ينقضي الليلُ والنهار تحقيقًا لوعد الله بحفظ كتابه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٢). أيها المسلمون عمومًا .. وأيها الحافظون لكتاب الله خصوصًا استشعروا عظيم نعمة الله عليكم بالقرآن، وإياكم أن يكون أغلى ما عند الناس أرخص ما لديكم. ومن وصايا الأئمة أسوق لكم قول الفضيل- يرحمه الله-: «ينبغي لحامل القرآن أن لا يكون له حاجةٌ إلى أحد من الخلق وينبغي أن تكون حوائج الخلق إليه، وحامل القرآن حاملُ راية الإسلام لا ينبغي له أن يلغو مع من يغلو، ولا يسهو مع من يسهو، ولا يلهو مع من يلهو» (٣). ووصية الآجري- هي الأخرى- ذات قيمة فاعقلوها واعملوا بها، يقول- يرحمه الله-: فأول ما ينبغي لحافظ القرآن أن يستعمل تقوى الله في السر

стр. 1000

والعلانية باستعمال الورع في مطعمه ومشربه، وملبسه ومسكنه، بصيرًا بزمانه وفسادِ أهله فهو يحذرهم على دينه، مقبلًا على شأنه، مهمومًا بإصلاح ما فسد من أمره، حافظًا للسانه، مميزًا لكلامه، همه في درس القرآن إيقاعُ الفهم لما الزمه الله من اتباع ما أمر والانتهاء عما نهى، ليس همتُه: متى أختم السورة؟ بل همتُه: متى استغني بالله عن غيره؟ متى أكون من المتقين؟ متى أكون من المحسنين، متى أكون من المتوكلين؟ متى أكون من الخاشعين؟ متى أكون من الصابرين؟ متى أكون من الصادقين .. إلخ الصفات الحميدة والخلال الكريمة التي يسائل نفسه متى يبلغها؟ (١). أما أبو موسى الأشعري ﵁ وهو من يُعرف بحسن التلاوة لكتاب الله، فقد روي أنه جمع الذين قرءوا القرآن- وهم قريبٌ من ثلاثمائة، فعظم القرآن وقال: إن هذا القرآن كائن لكم ذخرًا وكائن عليكم وزرًا، فاتبعوا القرآن ولا يتبعكم، فإنه من اتبع القرآن هبط به على رياض الجنة، ومن اتبعه القرآن زخَّ به في قفاه فقذفه في النار» (٢). يا حامل القرآن إياك أن ترائي بحمله، أو تتكبر فتغمط أحدًا حقه أن آتاك اللهُ القرآن .. ولا خير فيك إن لم يهذب القرآن خلقك، ويحببك للناس ويحبب الناس إليك، بل وينبغي أن تسجد لله شكرًا أن آتاك القرآن، وتحمده سرًا وجهرًا وظاهرًا وباطنًا أن جعلك من أهل القرآن، فلم تحفظه بحولك وقوتك، ولا بفرط ذكائك وقوة صبرك بل بحول الله وتوفيقه وإعانته .. فهناك من يفوقك في هذه الصفات كلها ولم تمكنه هذه القدرات كلها في حفظ كتاب الله. فاعقل وثمن نعمة الله عليك واعلم أنك ممتحن فيها، فاشكر الله عليها، وأدِّ حق الله فيها،

стр. 1001

وليرى الناس فيك أخلاق القرآن، وصفات المؤمنين، وسيما الخاشعين فيعلموا بها وبآثارها إنك من أهل القرآن وان لم يجزموا أنك من حفاظ كتاب الله. يا حامل القرآن من حق الله عليك في هذه النعمة أن تعلم القرآن من احتاج إلى تعليمه .. وتذكر بقيمة تلاوته وتيسير حفظه من ظن ذلك أو توهمه أمرًا عسيرًا .. لتكن مصباحًا يضيء حيثما حلَّ أو ارتحل، ولتكن نموذجًا للعلم والوعي تذود عن حياض الإسلام سهام الموتورين، وتذود عن لغة القرآن كيد الكائدين. أيها المسلمون كبارًا وصغارًا، ذكرانًا وإناثًا. هذه بعض مزايا وفضائل حفظ كتاب الله .. إلا وإن الفرصة لا تزال متاحة لمن فاته الركبُ في سني عمره الأولى .. فلا حدَّ للحفظ وإن كان في زمن الصبا أولى وأحرى بالثبات .. ولكن التاريخ يثبت والواقع يشهد بأن مجموعة من الناس حفظوا كتاب الله على كبر، إنها الهمة الصادقة والعزيمة القوية والاستعانة بالله وحده تذلل الصعاب وتجعل العسير سهلًا والمستحيل أمرًا واقعًا .. فجدوا معاشر المسلمين في طلب كتاب الله وحفظه .. واحرصوا معاشر الآباء والأمهات على تنشئة أبنائكم وبناتكم على حفظ كتاب الله والعناية به، فمن أسرار القرآن وإعجازه أن الصبي قد يتهيأ لحفظ كتاب الله وهو بعدُ لا يعرف للحرف شكلًا، ولا يملك من اللسان العربي إلا كلماتٍ محدودة .. ثم ما يلبث زمنًا إلا وقد حفظ كتاب الله. معاشر المسلمين لا يغب عن بالكم وأنتم تحاولون حفظ كتاب الله أو تحفيظه لأولادكم أن تذكروا قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾. يقول القرطبي في تفسير هذه الآية: «أي سهلناه للحفظ وأعنا عليه من أراد

стр. 1002

حفظه، فهل من طالب لحفظه فيُعان عليه» (١). اللهم يسر لنا حفظ كتابك، وأعنا على تدبره والعلم به، والعمل بمقتضاه .. اللهم اجعلنا من أهل القرآن .. اللهم حكمه فينا وفي المسلمين.

стр. 1003

آية محكمة ودلالتها (١) الخطبة الأولى: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن إلا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر أنبياء الله ورسله، وارض اللهم عن أصحابه أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢). عباد الله، تنطوي هذه الحياة الدنيا على مسرات وأحزان وشدة ورخاء، وليست المسرات والرخاء ملائم خيرٍ دائمًا، وليست الأحزان والشدائد دليل شرٍ أو سخط على العبد، كلا وفي الناس من يتقلب في النعيم ويعيش معظم حياته في لهو ولعب، قد ترك لنفسه العنان لتقوده من شهوة إلى أخرى ومن الناس أيضًا من يكابد المرض، أو تتوالى عليه النوازل والمحن وإنك لتعجب أن ترى الصنف الآخر المُبتلى أكثر أنسًا وسعادة من الصنف الأول. فكيف يقع ذلك؟ وللإجابة باختصار أقول: إن الإيمان إذا وقر في القلب لم يعد للمرء من منغص في هذا الحياة، وصاحبُه يرى مسكنه في الدنيا أعلى المنازل وإن كان مسكنه كوخًا مجمعًا .. أو بناءً صغيرًا متواضعًا تمرُ بصاحب الإيمان الشدة أو الحاجة

стр. 1004

والمرض فيصير لها راضيًا محتسبًا فيعيش مطمئنًا حينها، ثم تفرج الشدة وتقضى الحاجة ويزول المرض فيستبشر ويشكر، ويعيش في مسواتها أكثر مما عاشه المترفون طول حياتهم نعيمًا وأنسًا. أجل يا عبادَ الله الأنس أنس الإيمان، والشقوة لأهل الكفر والفسوق والعصيان، وأن هملجت بهم البراذين وطقطقت بهم البغال هانوا عليه فعصوه، ولو عزوا عليه لعصمهم. هذه حقيقة ينبغي أن نعيها وأن اختلت موازين البشر في تقييمها .. لكنها أمر محكم، وقيمة ربانية. ولتأكيد هذه الحقيقة تعالوا بنا لنقف على آية محكمة من كتاب الله طالما فرح بها المؤمنون، وأثر عن بعض السلف أنهم كانوا يقرءونها ويرددونها ويبكون لها حتى الفجر. تلكم الآية قوله تعالى: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (١). «عن مسروق أن تميمًا الداري ﵁ قام ليلة حتى أصبح يردد هذه الآية» (٢). وقال بشير: بتُّ عند الربيع بن خثيم ذات ليلة فقام يُصلي، فمرَّ بهذه الآية فمكث ليلة حتى أصبح لم يَعْدُها ببكاء شديد، كما كان الفضيل بن عياض- يرحمه الله- كثيرًا ما يقرأ هذه الآية ويرددها من أول الليل إلى آخره- كذا نظائرها- ثم يقول: ليت شعري من أي الفريقين أنت؟ وكانت هذه الآية تُسمى مبكاة العابدين لأنها محكمة (٣).

стр. 1005

يا أخا الإيمان أما نظائر هذه الآية فكثير في كتاب الله اقرأ وتمعن قوله تعالى: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لاَّ يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠)﴾ (١). واقرأ وتدبر قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ (٢). وقف وقفة خاشع مصدق بقوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (٣). أيها المسلمون ومن عدل الله ورحمته ألا يُسوِّي بين الأخيار والفساق، ومن باب أولى ألا يسوي بين المؤمنين والكفار سواءٌ في الحياة الدنيا أو في الآخرة. وإذا عُلم عظيمُ الفرق في الجزاء في الآخرة، بما لا يمكن أن يتصوره المرءُ في مخيلته من أنواع النعيم، أو دركات الجحيم، والله يقول: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٤). وفي سؤال موسى- ﵇ ربَّه عن أدنى وأعلى أهل الجنة منزلة ما يكشف طرفًا من هذا النعيم، قال يا ربِّ ما أدنى وأعلى أهل الجنة منزلة؟ قال: هو رجلٌ يأتي بعدما يدخل أهلُ الجنة الجنة، فيُقال له: ادخل الجنة، فيقول أي ربِّ كيف وقد

стр. 1006

نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم، فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل مُلْكِ ملِكٍ من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت ربِّي، فيقول لك مثله، ومثله معه، ومثله، ومثله، ومثله، فقال في الخامسة رضيت ربِّ، فيقال هذا لك وعشرةُ أمثاله، ولك ما اشتهت نَفسُك ولذة عينُك، فيقول رضيت رب (فهذا أدنى أهلها الجنة منزلة). قال موسى: ربِّ فأعلاهم منزلةً؟ قال: أولئك الذين أردتُ غرست كرامتهم بيدي، وختمت عليها، فلم تر عين ولم تسمع أذنٌ، ولم يخطر على قلب بشر، قال: ومصداقه من كتاب الله قوله تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١). فإذا قارنت هذه الصورة بصورة معاكسة قال الله في بيانها: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ﴾ (٢). أدركت عظيم الفرق بين الفئتين، وتباين الصورتين وتفاوت المنزلتين- ولكن ينبغي أن تعلم- يا أخا الإسلام- أن فضل الله واقعٌ ونعمته حاصلة لأهل الإيمان في الحياة الدنيا، قبل بلوغهم ما وعدوا به في الآخرة .. وآية الجاثية تقرر هذا وتؤكده والله يقول: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١) وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ

стр. 1007

بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (١). فهم سعداء في حياتهم وبعد مماتهم وقيل إن الضمير في قوله (محياهم ومماتهم) يعود على الكفار، والمعنى: محياهم محيا سوء، ومماتهم ممات سوء. وقال مجاهد: «المؤمن يموت مؤمنًا ويبعث مؤمنًا، والكافر يموت كافرًا ويبعث كافرًا» (٢). وقوله تعالى: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ أي ساء ما ظنوا بنا وبعد لنا أن نساوي بين الأبرار والفجار في الدار الآخرة وفي هذه الدار (٣). أخوة الإسلام والمتأمل في آيات القرآن يلحظ الحديث عن معدل الله وبيان حكمته من خلق السماوات والأرض أو مؤخرًا حين الحديث عن فروق الجزاء بين الكفار والمؤمنين وبين المتقين والفجار، وحيث جاء ذكرُ العدل مؤخرًا في آية الجاثية السابقة، فقد جاء مقدمًا في آيات (ص) كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ (٤). أيها المسلمون وهذه الآيات ونظائرها داعية للإيمان مؤنسة للمؤمنين، وفيها الوعيد للكفار، وهي تكشفت عن نوع الحياة التي يعيشها الفريقان في الحياتين، وفيها مبشرات عاجلة لأهل الإيمان لا تبديل لكلمات الله، ولا مغير لحكمه، وحري بأهل الإيمان أن يفرحوا بهذه الآيات ونظائرها، قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ

стр. 1008

أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١).

стр. 1009

الخطبة الثانية: الحمد لله رب العالمين أجزل المثوبة لأهل الإيمان، وحكم بعدله وقضائه بالخيبة والخسران لأهل الكفر والطغيان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق الإنسان في أحسن تقويم، وهداه النجدين .. فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كذبوا بآيات الله يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخيرته من خلقه، وما قبضه الله حتى ترك الأمة على محجة بيضاء ليلها كنهارها، ولا يزيغ عنها إلا هالك .. ومن يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، ويرزقه العمل والاستعداد ليوم الدين، اللهم صل عليه وعلى إخوانه من النبيين والمرسلين. أيها الناس يشهد الناسُ مصداق كتاب الله في واقع الحياة إذ يرون فقيرًا مدقعًا، أو مريضًا، أو مبتلى من أهل الإيمان ولكن حياته أنسٌ وطمأنينة ورضا وصبر وشكر، قانع بما آتاه الله، راضٍ بما قسم له، صابرٌ على ما أصابه. ويرون ذا نعمةٍ موسرًا معافى ولكن الهموم تتناوشه، والأمراض النفسية تحيط به، ذلكم لقلة الشكر والذكر عند هؤلاء، وفي القرآن إشارة إلى غلبة التكذيب والبطر عند أهل النعمة: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا﴾ (١). ﴿كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ (٢). وجاءت إشارات القرآن كذلك إلى ربط الرضى والصبر والشكر عند أهل

стр. 1010

الإيمان والبلوى ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ (١). أخوة الإيمان هنا أتوقف عند ذكر الرحمة في هذه الآية إثر ما ابتلى الله به نبيه أيوب ﵇، حتى امتدحه الله بالصبر عليها في آية أخرى فقال: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ (٢). وأقول إن القلة من الناس من يرى رحمة الله بعباده من خلال ابتلائهم بأنواع البلوى، ولذا قال العارفون: إن من تمام رحمة أرحم الراحمين تسليط أنواع البلاء على العبد فإنه أعلم بمصلحته، فابتلاؤه له وامتحانه ومنعُه من كثير من أغراضه وشهواته من رحمته به، ولكن العبدَ لجهله وظلمه يتهمُّ ربَّه بابتلائه، ولا يعلم إحسانه إليه بابتلائه وامتحانه وقد جاء في الأثر: أن المُبتلى إذا دُعي له: اللهم ارحمه يقول الله سبحانه: كيف أرحمه من شيء به أرحمه؟ وفي أثر آخر: إن الله إذا أحب عبده حماه الدنيا وطيباتها وشهواتها، كما يحمي أحدُكم مريضه. فهذا من تمام رحمته به، لا من بخله عليه. ومن رحمته سبحانه بعباده ابتلاؤهم بالأوامر والنواهي رحمةً وحميةً، لا حاجة منه إليهم بما أمرهم به، فهو الغني الحميد، ولا بخلًا منه عليهم بما نهاهم عنه فهو الجوادُ الكريم، ومن رحمته أن نغَّص عليهم الدنيا وكدَّرها لئلا يسكنوا إليها، ولا يطمئنوا إليها ويرغبوا في النعيم المقيم في داره وجواره، فساقهم إلى

стр. 1011

ذلك بسياط الابتلاء والامتحان فمنعهم ليعظهم وابتلاهم ليعافيهم، وأماتهم ليحييهم ومن رحمته بهم أن حذرهم نفسه لئلا يغتروا به، فيعاملوه بما لا تحسن معاملته به، كما قال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ﴾ كما قال غير واحدٍ من السلف «من رأفته بالعباد حذرهم من نفسه لئلا يغتروا به» (١). أيها المسلمون ألا إن الذين يشهدون هذه المشاهد ويشعرون بهذه المشاعر هم المؤمنون حقًا، فهم يأنسون بذكر الله، ويشكرون أنعمه، ويصبرون محتسبين على أقداره وأولئك أهلُ الإيمان، وأصحاب الطمأنينة، وعنهم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (٢). اللهم اجعلنا منهم بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين. أما غيرهم فيتأفف لكل نازلة، ويضيق بأي بلوى تصيبه إعراضه عن الله دائم، ونعم الله عليه تتوالى، فلا هو على النعم شكر، ولا عن التضجر عن مصائب الدنيا ازدجر، أولئك يعيشون حياة الضنك في الدنيا، ويحشرون يوم القيامة على وجوههم عميًا ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ (٣). وعلى قدر البعد عن الله ونسيان آياته، والإعراض عن ذكره يكون الضنك في الدنيا، والعذاب في الآخرة. يا أهل الإيمان اعرفوا ربَّكم- بأسمائه وصفاته- حق المعرفة، وقدروا نعمة

стр. 1012

الإيمان، واشكروه على نعمةِ الإسلام، وتحلوا بآداب الإسلام وقيمه، وقدموها للناس بسلوككم راضين مطمئنين شاكرين، ذاكرين، متطلعين إلى دار البقاء، متجافين عن دار الغرور، ألا فأكثروا من زاد التقوى فالسفر طويل، وخففوا أحمال السيئات فالعقبة كؤود. وأخلصوا العمل فالناقد بصير، وتفقدوا قلوبكم بالإيمان ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١). إلا وأن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسدُ كله، ألا وهي القلب .. اللهم أصلح فساد قلوبنا، وردنا والمسلمين إليك ردًا جميلًا.

стр. 1013

واجبنا مع بدء العام الدراسي (١) الخطبة الأولى: الحمد لله رب العالمين يُقلب الليل والنهار، وتتعاقب بإذنه الأمم والأجيال، وكلُّ يوم هو في شأن، له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم وإليه ترجعون. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، مالك الملك، وما بكم من نعمةٍ فمن الله، وإذا مسكم الضر فإليه تجأرون وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخيرته من خلقه، الأمين على وحيه، والشافع المُشفع للأمة، صاحب الحوض المورود وسيذاد عنه أقوام أحوج ما يكونوا إليه، وحين يسأل عنهم نبي الرحمة ويقول أمتي أمتي .. يجاب إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. اللهم ألهمنا العلم بسنته، وارزقنا الثبات على الحق الذي جاء به، حتى نلقاك ربَّنا وأنت راضٍ عنا. اتقوا الله معاشر المسلمين في سرِّكم وعلانيتكم وإياكم أن يطلع الله في قلوبكم، خلاف ما تتحدث به ألسنتكم فاللهُ لا ينظر إلى صوركم وأجسادكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وسويداء القلب صمام الأمان .. إذا صلحت المضغة صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله .. ، وغدًا تبلى السرائر، وتكشف الخبايا، والناجون هم الصادقون المتقون ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (٢).

стр. 1014

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (١). عباد الله ابتدأ العام الدراسي، والمسافة بين امتحانات الفصول الماضي، وبدء الدراسة في هذا الفصل الحالي وإن كانت قصيرة في عمر الزمن. فهي طويلة في حساب المكاسب والخسائر. أجل لقد غنم فيها قومٌ وغُبن آخرون .. كانت مكاسب لمن اغتنموها بالجد وعمل الصالحات، والقراءة النافعة ونحوها من أعمالٍ قد لا يتوفر الوقت لها أثناء موسم الدراسة .. أما الصنف المغبون فهم أولئك المفرطون لطاقاتهم، القاتلون لأوقاتهم، هؤلاء ظنوا الإجازة سهرًا وصخبًا، وخيل لهم أنهم يعيشون أحلى الليالي مع برامج ساقطة وعبر شاشات وقنوات هابطة تم انقشع الصبح وإذا بالسراب خادع .. وانتهت اللذة وهيجت الشهوة .. واستحكمت الغريزة، فعاشت المُشاهد لحظات الحسرة والندامة، والصريع الأكبر من قادته هذه المشاهد إلى اقتراف المحرم، فاخترق الحمى، وتجاوز الخطوط الحمراء! ! معاشر الطلبة والطالبات عدتم إلى مقاعد الدراسة، والعودُ أحمدٌ إن شاء الله .. فكيف بدأتم هذا العام .. هل جددتم إخلاص النية لله في طلب العلم، وهل اتخذتم من الإجازة محطة للتقوية والترويح البريء، الذي يُسهم في تقبلكم للمعلومة المفيدة، هل تحتاجون إلى من يُذكركم أدب طلب العلم، وهل تمارسون الأدب مع معلميكم وزملائكم وهل تتذكرون يوم أن تسعوا كلَّ صباح إلى أماكن الدراسة قول المصطفى ﷺ : «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة» وتستحضرون تقوى الله في طلبكم العلم والله يقول:

стр. 1015

﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ (١). أخي الطالب أختي الطالبة ما نوع الزملاء والأصدقاء الذين تختارونهم لرفقتكم أثناء الدراسة وخارجها، هل هم من النوع الذي يعينكم على الخير، ويساهم في تذليل المصاعب ويُشجع على الطموح؟ أم هم من النوع الذي يجركم إلى الوراء كلما حاولتم الصعود إلى الأمام، ويدعوكم إلى الرذيلة، ويسخر من الفضائل والمكارم .. ألا ففروا من المجذوم فراركم من الأسد .. واحرصوا على الجليس الصالح فهذا إن لم تبتعْ منه، أحذاك من رائحته الطيبة .. ويكفيك أنه محل وصية نبي الهدى والرحمة .. وأنت خبيرٌ بالفرق بين حامل المسك ونافخ الكير .. واختر لنفسك ما تشاء! ! أيها المعلمون والمرشدون وأيتها المعلمات والمرشدات .. وحين تتوافد عليكم هذه الجموع المتجددة من الطلبة والطالبات، فماذا أعددتم لهم وبم تستقبلونهم؟ وكيف وماذا ستعلمونهم؟ إنهم أمانة في أعناقكم فقدِّروا الكلمة التي تقولونها وزنوا الحركة قبل أن تتحركوها .. واعلموا أن الدارسين والدارسات يسمعون بأعينهم أكثر من سماعهم بآذانهم .. نعم إنها القدوة لا يكفي بها مجرد الكلام .. بل تحتاج إلى ممارسة الأفعال، والعلمُ ليس مجرد نصوص تُحفظ .. ولكنها الممارسة والتطبيق العملي الذي يجعل من النصوص أشكالًا تتحرك، وأشخاصًا تترجمها إلى واقع عملي فتنساب في أذهان الدارسين والدارسات ويتيسر عليهم هضمها والاستفادة منها. أيها المدرسون والمدرسات مهنتكم من أعزِّ المهن، وقد قيل: كاد المعلمُ أن يكون رسولًا، فجملوها بالإخلاص، واحموها بالجدِّ والمتابعة ومهما كان نوع

стр. 1016

رقابة البشر عليكم، فضعوا رقابة الله دائمًا نصب أعينكم وتذكروا دائمًا قوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. اعلموا أن الغرس الذي تغرسونه اليوم سيثمر غدًا، ولا يكن شبحُ الامتحان همكم الوحيد، أو معوقًا لرسالتكم التربوية النبيلة، واستثمروا فرص النشاط اللامنهجية التي تبعث بها إداراتكم إليكم، وبأخلاقكم العالية ومعاملتكم الطيبة تصلوا إلى قلوب الطلاب قبل أن تصل كلماتكم إلى أسماعهم. أيها المدراء الفضلاء أنتم على رأس المسؤولين في مدارسكم فكونوا عند حسن الظن بكم، وما أجمل الرئيس يجمع بين الحزم والحلم، وبين الضبط الإداري والمرونة في التطبيق، شجعوا المدرس والطالب المجد، وخذوا بأيدي الكسالى وساهموا في صعودهم إلى أعلى، وليكن أسوأ ما عندكم آخر سهمٍ في جعبتكم، عالجوا الأخطاء بحكمة، وإياكم والتساهل بعلاج الأخطاء أو الانحرافات فور وقوعها .. حتى لا تتسع دائرتُها، ويتعاظم خطرُها، اجمعوا بين اليقظة والثقة، وليكن لكم جولات ولقاءات متتابعة، أنصفوا المظلوم، وخذوا على أيدي الظالم .. وأشركوا البيت في مهمتكم، وتعاونوا ورجالات الحي في كل ما يحقق النجاح لرسالتكم، شكلوا من المدرسة أسرة صالحة بمعلميها وطلابها وإدارييهم .. واجعلوا من تقوى الله، والإخلاص لله سندًا يمدكم الله بعونه، ومن يتق الله يجعل له مخرجًا، ويجعل الله من أمره يسرًا. ومثل ذلك يقال للمديرات الفاضلات .. وكلٌّ بحسبه. معاشر الأولياء، أنتم شركاء للمدرسة في مسؤوليتها .. ولا ينتهي دوركم عند تأمين اللوازم المدرسية للطلبة والطالبات .. وإيقاظهم في الصباح ولا ينبغي أن يكون آخر عهدكم بالمدرسة تسجيلهم فيها .. لابد من متابعة الأبناء والبنات والسؤال عن حالهم وزيارة المدرسة بين الفينة والأخرى للسؤال عن الأبناء

стр. 1017

والمساهمة في رأي أو اقتراح مفيد لعموم الدارسين. معاشر الأولياء كم هو مؤلم أن تجد عناية من الأسرة لجانب من جوانب الطلبة، وترى إهمالًا في جوانب آخري .. وقولوا لي: بربكم هل أدى الأمانة من حرصه على استيقاظ ابنه للدراسة مقدمٌ على حرصه على الصلاة .. وتحسُره على فوته الدراسة أشدُّ من تحسره على فوت وقت الصلاة .. إنها ممارسات خاطئة يحس الطلبة والطالبات فيها بنوع من التناقض بين ما درسوه في المدرسة وما يجدونه في المنزل .. فعظموا أمر الله- معاشر الأولياء- في نفوس الناشئة، ومروهم بالصلاة لسبعٍ واضربوهم عليها لعشرٍ وفرقوا بينهم في المضاجع .. وإياكم وإشغالهم بمشاهد يطول سهرهم عليها فيأتون للمدارس وما بهم قدرة على التركيز والتحصيل وإن كانت هذه المشاهد محرمة فالأمر أدهى وأمر. معاشر الأولياء تشكو المدارس من ضعف قوامة بعض البيوت على أبنائهم وبناتهم. وتلك مصيبةٌ وداء عضال ولاسيما إذا كان منشأه قلة الاهتمام والانشغال بأمور الدنيا .. وكل ذلك له آثاره على ضعف الطلبة والطالبات دراسيًا .. وانحرافهم- لا قدر الله- خلقيًا فتنبهوا لذلك معاشر الأولياء، وتذكروا دائمًا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (١).

стр. 1018

الخطبة الثانية: الحمد لله رب العالمين خلق فسوى وقدر فهدى وأخرج المرعى فجعله غثاءً أحوى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، بيده مقاليد السماوات والأرض، وهو وحده الممسك لهما أن تزولا .. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ترك الناس على المحجة البيضاء .. فتفرقت ببعضهم السبل- لضعف في الثبات على طريق الهدى .. أو لغلبة الهوى- والموفق من عصمه الله من الفتن .. وسار على طريق محمدٍ ومن بسنته اقتفى .. اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. أيها المسلمون المباني الدراسية ذات شأن في العملية التعليمية، فتهيئة المكان المناسب، وتوفير وسائل التبريد والتدفئة- ووجود ساحات ينطلق فيها الطلاب يروحون عن أنفسهم، وتوفر المعامل اللازمة لتدريب الطلبة، ووجود مكتبة عامرة يأوي إليها الطلاب والطالبات وينهلون من علومها، ويستعيرون منه ما لا يسعفهم وقت المدرسة بقراءته .. إلى غير ذلك من أمورٍ تُسهم في مسيرة العملية التعليمية بحيوية وراحة ونشاط. أما المناهج الدراسية فهي والطالب المقصودة أساسًا بالتعليم ولهما يوفر المعلمون والمعلمات، ومن أجلهما تنشأ المباني وتوفر المعامل .. وتنفق النفقات. ولذا فحريٌّ بنا معاشر المدراء والمعلمين والأولياء والطلبة .. أن نوليها من العناية ما تستحق، وأن نهتم مع جهات الاختصاص دائمًا في مزيد العناية بها وتطويرها للأفضل. ومحور التطوير ينبغي أن يقوم على الأصول والثوابت وأن يبرز الهوية،

стр. 1019

ويصون القيم، وأن يقدر تأريخ الأمة في فترات عزها ويسعى لتحقيقه، ويسبر أغوار ضعف الأمة ويجنب الناشئة سلوكه كما ينبغي أن تقوم المناهج كذلك على استثمار وسائل التقنية الحديثة، وطرق التربية النافعة وأن تصل الطالب بماضيه ولا تفصله عن حاضره، وأن تَبْنيَ هذه المناهج في الدارسين قوة العلم واليقين، والقدرة على تحدي ومنافسة الآخرين، بسلاح العلم والثقافة وأن تُخرج أجيالًا قادرة على التفكير، مستعدة للعطاء، نافعة لنفسها وللمجتمع من حولها. أجل إن المناهج الدراسية بإلزاميتها للجميع قادرةٌ على رفع مستوى الأمة، إذا توفر لها مخططون مخلصون، يرون مواقع الضعف فيعالجونها .. ومواقع القوة الغائبة عن النشء فيعيدونها عبر المناهج بالوسائل المختلفة .. وإذا كان زماننا زمان صراع حضاري وعقائدي بين الأمم فإن من علائم إخلاص ووعي المعنيين بالمناهج .. اعتبار هذا التحدي والتركيز على المنطلقات العقدية والفكرية الصحيحة في بناء المناهج وصياغتها، وتوزيع التخصصات فيها، وحجم الساعات المقدرة لكل منها. وعلينا مدراء، ووكلاء ومعلمين، ومرشدين، وطلبة نابهين أن نُسهم بالرأي والمشورة، من خلال تجاربنا وتدريسها أو إشرافنا أو اطلاعنا على هذه المواد، وبوركت الأمةُ المتناصحة فيما بينها، وبوركت الجهود المبذولة من هنا وهناك والقرار في النهاية لأولي الأمر والعلم والاختصاص. كان الله في عونهم وسدد على طريق الخير خطاهم، وجنبهم الزلل وأقال عثرتهم، ونفع الأمة بجهودهم. أيها المسلمون بقيت همسةٌ لطيفة، فقد تشتد ظروف الحياة على بعض الدارسين أو الدارسات .. وقد يشق عليهم توفيرُ ما يستطيع نظراؤهم توفيره .. فهل يجد هؤلاء من المدرسة رعاية خاصة وبطريقة مناسبة، لا تجرح شعورًا ولا تقلل قدرًا .. لكنها تُحسن وتبر وتتخذ من المدرسة جسرًا للمحبة والوصال

стр. 1020

والنصيحة. بل وما أجمل المدرسة تكون مصدر إشعاع لأهل الحي تعين الضعيف، وتقوِّم المنحرف، وتعلم الجاهل، وتبصِّر الأسرة المحتاجة لسلوك الطريق القويم. إنها رسالة المدرسة التربوية المتكاملة، ينبغي أن يحسَّ بها ويعمل لها العاملون المخلصون .. والله لا يضيع أجر من أحسن عملًا وما فتئ المسؤولون في التعليم يقولون: إن من الخسارة ألا يستفاد من المباني المدرسية إلا بضع ساعات، ومن هنا جاء تأكيدهم على افتتاح مراكز الأحياء، وافتتاح المراكز الرمضانية في المدارس .. فهل نستفيد من المدارس بأكبر حجم ممكن- اللهم اهدنا لليسرى.
следующие страницы →