← Джавами‘

Джавами‘ · id 20948

شعاع من المحراب

سليمان بن حمد العودة

Полный текст (3 545 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

والعلمُ الشرعي بابٌ واسعٌ للسعادة وأهلُه أشرحُ الناسِ صدرًا، وأوسعُهم قلوبًا، وأحسنُهم أخلاقًا، وأطيبُهم عيشًا، أما الجهلُ فهو يورثُ الضيقَ والحصرَ والحبس وصدق الله «قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون». أيها المسلمون: من أسباب السعادة أيضًا دوام ذكرِ اللهِ على كل حال، فبذكر اللهِ تطمئن القلوب، وتورث الغفلةُ ألوانًا من الضيق والعذاب، وهي طريقٌ إلى موت القلوب «ومثل الذي يذكر اللهَ والذي لا يذكره كمثل الحي والميت» ومصيبة أن يُميتَ الإنسانُ نفسهَ وهو يعدُ في عداد الأحياء؟ وأعظمُ ممن ذلك أن يرضى المرءُ بقرين الشيطان عوضًا عن الأُنس بالله، والله يقول: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ (١). ونفعُ الخلقِ والإحسان إليهم بالمال أو الجاه أو البدن كلُّ ذلك يورث السعادة، فإن المحسنين الكرماءَ أشرحُ الناسِ صدرًا وأطيبُهم نفسًا، وأنعمُهم قلبًا، أما البخلاءُ فهم أضيقُ الناسِ صدرًا وأنكدُهم عيشًا .. عباد الله، إذا أورث الكرمُ السعادةَ وانشراحَ الصدر، فكذلك الشجاعةُ تورث السعادةَ، فالشجاعُ منشرحُ الصدر، واسعُ البطان، متسعٌ القلب، والجبانُ أضيقُ الناس صدرًا وأحصرهم قلبًا. أيها المؤمنون إن لَّذة الحياةِ وجمالَها وقمةَ السعادةِ وكمالَها لا تكونُ إلا في طاعةِ الله، ومهما ابتُغيت السعادةُ بغير ذلك فهي وهمٌ زائف، وما أهون الحياةَ الدنيا على الله وقد حكم على متاعِها بالقلة مهما تكاثر أو تطاول في أعين الجاهلية «قل متاعُ الدنيا قليل» وتأمل هوانَها على الله في قوله: ﴿وَلَوْلا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا

стр. 1087

يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِؤُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١). وحذار يا أخا الإسلام أن تغرك سعادةُ لحظة عن السعادةِ الأبدية، أو تُفتنَ بلذةٍ عاجلةٍ ندامةٌ آجلة، احذر أن تكونَ في حضيض طبعِك محبوسًا وقلبُك عما خُلق له مصدودًا منكوسًا، حذار أن ترعى مع الهملِ، أو تستطيبَ لقيعان الراحةِ والبطالةِ، وتستلين فراشَ العجزِ والكسل، فتبصرَ حين تبصر وإذا بجيادِ الآخرين قد استقرت في منازلها العالية وأنت دون ذلك بمراحل وتود الرجعة لتعوِّض ما فات ولكن هيهات. يا أخا الإيمان كيف ترجو السعادة وتأمل النجاة ولم تسلكْ مسالكها، وهل رأيت سفينةً تجري على اليبسِ؟ حاسب نفسَك على الصلاة ولا تأمل السعادة وأنت ساهٍ مضيعٌ لها والله يقول: «فويلٌ للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون». ولقد أخطأت الفهمَ حين قَدَّرت أن سماعَ الغناءِ المحرم وسيلةٌ للسعادة والأنسِ في هذه الحياة، وفي ذلك ضلالٌ عن طريق الهدى والله يقول: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ (٢). وكيف ترجو السعادةَ إن كنتَ من أهل الكسب الحرام، وإن خُيل لك ذلك وأنت تتعاطى الرِّبا مثلًا فاقرأ قوله تعالى «يمحق الله الربا .. ». وليست عقوبةُ الآخرةِ أقلَّ من الدنيا ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا

стр. 1088

يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (١). ابن آدم بشكل عام احذر خطوات الشيطانِ تكن سعيدًا في هذه الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، واتخذه عدوًّا .. تشعر بالسعادة عاجلًا وأنت واجدٌ ذلك آجلًا والله يقول: ﴿وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ (٢). يا ابن آدم في طباعِ النفس من الهلعِ والجزع والشح والبخل ما يقعد بها عن السعادة، وفي تعاليم الإسلام ووصايا القرآن ما يهذبها وتضمن سيرها إلى الله ﴿إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلاَّ الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ (٢٤) لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦) وَالَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ (٢٧) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (٢٨) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩) إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٣١) وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٣٢) وَالَّذِينَ هُم بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (٣٣) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٣٤) أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ﴾ (٣) اللهم اجعلنا من أهل الجنة.

стр. 1089

عبرة في هجرة الحبشة (١) الخطبة الأولى: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل، فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى وسائر الأنبياء والمرسلين وارض اللهم عن صحابته أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٢) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (٣). اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. أما بعد إخوةَ الإسلام فما أروع سيرةَ النبيِّ محمدٍ ﷺ وسير أصحابه، حين تُطالع أو تُروى، والمسلمون يجدون فيها في كلِّ زمَانٍ ومكان المرشدَ الهادي في حالِ عزِّهم وسؤددهم كما يجدون فيها السلوى وطرائق للثباتِ في حالِ ضعفِهم وتسلطِ الأعداء عليهم. ولاشك أن الحديث عن محمد ﷺ حديثٌ عن خير البرية والحديثُ عن صحابته حديثٌ عن خير القرون، وسأتذكر وإياكم نموذجًا للفتنة التي أصابت

стр. 1090

هؤلاء الصفوة، وكيف خرجوا منها سالمين منتصرين، وفي قصَصِهم عبرة، وفي حياتهم وجهادهم أسوةٌ للمسلمين. أخوةَ الإيمان وفي السنة الخامسة لبعثة محمد ﷺ جُنَّ جنون قريشٍ لظهورِ الإيمان وكثرةِ الداخلين في الإسلام، واشتدَّ أذاها على محمدٍ ﷺ والمؤمنين، وما من وسيلة ترى فيها حربًا للإسلام وتقليلًا من شأن المسلمين إلا واستخدمها -وليس هذا موطنَ التفصيل فيها- وتحدثُنا كتبُ السير أنها استخدمت فيما استخدمت -سلاح القبيلة- أسلوبًا في النكالِ بالمسلمين يقول الإمامُ الزهريُّ يرحمه الله: فلما كثر المسلمون وظهر الإيمان فتحدثَ به ثار المشركون من كفار قريش بمن آمن من قبائلهم يعذبونهم ويسجنونهم وأرادوا فتنتهم عن دينهم، فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ قال للذين آمنوا به تفرقوا في الأرض، قالوا: فأين نذهبُ يا رسول الله؟ قال: هاهنا وأشار بيده إلى أرض الحبشة (١). أيها المسلمون لقد كانت هجرةُ الحبشة فرارًا بالدين، كانت صعبةً على المهاجرين، وفي حوارٍ جرى بين أميرِ المؤمنين عمرَ بنِ الخطاب ﵁ وبين إحدى المهاجرات إلى الحبشة تتضح صورةُ المعاناة وألمُ الغربة، فقد روى البخاريُّ في صحيحه أن أسماءَ بنتَ عميسٍ ﵂ وكانت إحدى المهاجرات دخلت على حفصةَ زوج النبي ﷺ بعد قدومهم من الحبشة، فدخل عمرُ على حفصة وأسماءُ عندها فقال عمرُ لأسماء: سبقناكم بالهجرة -يعني إلى المدينة- فنحن أحقُّ برسول الله ﷺ منكم، فغضبت أسماء وقالت: كلا والله، كنتم مع رسول الله ﷺ يُطعم جائعكم ويعظُ جاهلكم، وكنا في دارِ أو في أرضِ البُعداء البغضاء بالحبشة، وذلك في الله وفي رسوله ﷺ .. الحديث (٢).

стр. 1091

وكيف لا تكون الهجرةُ صعبةً عليهم وهم يهاجرون إلى أرض لم يألفوها، لغةُ الأحباشِ غير لغتهم، وعوائدُهم تختلف عن عوائدهم، ودينُهم غير دينهم، وشوقُ الأهلِ وحنينُ الديار وغربةُ المقامِ كلُّ هذه وتلك تشكل ضغطًا نفسيًا عليهم، ولكن الأمنَ من الفتنةِ في الدين، والسلامةَ من أذى المشركين، والرغبة في نشرِ هذا الدين تُخفف من آلام غربتهم، وتحفزهم على البقاءِ في أرض البُعداءِ البغضاء. أيها المسلمون وبرغم ارتياح المهاجرين بالحبشة وطمأنينتهم وفي ظروف الفتنِ تروجُ الشائعات، ولم يطلْ مكثُ المسلمين بالحبشية حتى بلغهم أن قريشًا قد أسلمت، فرجعت طائفةٌ منهم إلى مكة .. ولكنهم أدركوا حين اقتربوا من مكةَ أن الخبرَ كاذب وأن قريشًا أشدُّ في أذاها بعد هجرتهم، ولم يستطع أحدٌ من هؤلاء العائدين من الحبشة أن يدخل مكة إلا بإجارة- أو كفالة- أحدِ المشركين، ومن بين هؤلاء عثمانُ بن مظعون ﵁ الذي دخل في جوار الوليد بن المغيرة، فلما رأى إيذاءَ المشركين للمسلمين- وهو آمنٌ- ردَّ على الوليدِ جوارَه ولم تطب نفسه أن يرى المسلمين يعذبون وهو آمن. وبينما هم في مجلس لقريش، وفَد عليهم لبيدُ بنُ ربيعة قبل إسلامه فقعد يُنشدهم من شعره فقال: ألا كلُّ شيءٍ ما خلا اللهَ باطل. فقال له عثمانُ: صدقت. ثم قال لبيد: وكلُّ نعيمٍ لا محالة زائلُ. فقال له عثمانُ: كذبت.

стр. 1092

نعيم الجنةِ لا يزول، فقال لبيد: متى كان يؤذى جليسُكم يا معشرَ قريش؟ فقام رجلٌ منهم فلطم عثمان فاخضرت عينه فلامه الوليدُ على رد جواره فقال: قد كنتَ في ذمةٍ منيعة فقال عثمان: إن عيني الأخرى إلى ما أصاب أختها في الله لفقيرة. فقال الوليد: فعد إلى جوارك، فقال: بل أرضى بجوار الله تعالى. إخوة الإيمان- قال بعضُ كتاب السيرة معلقًا على هذا الحديث: إن دعوة هذا بعضُ رصيدها من المفاهيمِ لن تُقهرَ ولن تُغلب وإن دينًا هذه بعضُ سمات رجاله لحريٌّ بالظهور والتمكين (١). إنه الثباتُ على دين الله رغم المحن واللؤى، وإنه الشعور بعزةِ الإسلام رغم المسكنةِ والضعف؟ ! وكم هو عجيبٌ هذا الجيل في صدقهِ مع الله وثباتِه على الدين الحق ويطول عجبُك حيث تعلمُ صورًا من ثبات المهاجرين للحبشة تجاوزت الرجالَ إلى النساء، وأمُّ حبيبة ﵂ ثبتت على إسلامها وهي في أرض الغربة رغم ردةِ زوجها عبيد الله بن جحش ودخوله في النصرانية، وهي بذلك تضرب نموذجًا رائعًا للمرأةِ المسلمة، وتستحق على ذلك عظيمَ المكافأة، فقد عقد عليها رسولُ الله ﷺ وهي بعدُ في أرض الحبشة، وكانت واحدةً من أمهات المؤمنين، فور انقضاء عدتها. وإذا رأيتَ ثم رأيت دلائل الصدق وعظيم الصبر من المهاجرين في أكثر من موقفٍ وحادثة زال عجبُك من تهاوي أركان الجاهلية على أيدي هؤلاء، ولم تستغرب تغيُّرَ قناعةِ قريش بهذا الدين وإعجابهم بالمسلمين حتى إذا أتيحت الفرصةُ المناسبةُ أعلن عددٌ من قادةِ قريشِ إسلامهم وانضموا إلى صفوف

стр. 1093

المسلمين وكان حدثًا عظيمًا في الزمان وتغيرًا كبيرًا في الأذهان يوم أن أسلم خالدُ بن الوليد وعكرمة بنُ أبي جهل وعمرو بن العاص وغيرُهم كثير، وما دام الحديث متصلًا عن هجرة الحبشة وآثارها فدونكم خبرَ إسلامِ عمرو بن العاص وهو سفيرُ قريش لردِّ المهاجرين أولًا، والمسلمُ على يد النجاشي آخرًا يقول عمروٌ عن نفسه: كنتُ للإسلام مُجانبًا معاندًا، حضرت بدرًا مع المشركين فنجوت، ثم حضرتُ أحدًا فنجوت، ثم حضرتُ الخندق فنجوت، فقلتُ في نفسي: كم أوضع؟ والله ليظهرنَّ محمدٌ على قريش، فلحقت بمالي بالرهط، ثم بدا لي فلحقت مع رفقةٍ لي بالحبشية بعد صلح الحديبية وقلت نلحق بالنجاشي فنكون معه فإن يظهر محمد كنا عند النجاشي أحبُّ إلينا أن نكون تحت يد محمد، وأن تظهر قريشٌ فنحن مَنْ قد عرفت، فلحقنا به، وذات يوم جاءه عمرو بنُ أمية الضمري بكتاب من عند رسول الله ﷺ ليزوجه أمَّ حبيبة، فلما خرج من عنده دخلتُ عليه وقلت: أيها الملك خرج من عندك رجلٌ هو رسولُ عدوٍّ لنا قد وترنا وقتل أشرافنا، فأعطنيه فأقتله- يقول عمرو وإنما أردتُ بذلك أن أتخذ يدًا عند قريش بقتل رسول محمد- فلما قلتُ له ذلك غضب النجاشي ورفع يده فضرب بها أنفي ضربة ظننتُ أنه كسره، فابتدرتَ منخراي، وجعلتُ أتلقى الدَّم بثيابي، فأصابني من الذلِّ ما لو انشقت بي الأرض لدخلتُ فيها فرقًا منه، ثم قلتُ أيها الملك لو ظننتُ أنك تكره ما قلتُ ما سألتُك، قال: فاستحيا، وقال: يا عمرو: تسألني أن أعطيك رسولَ من يأتيه الناموسُ الأكبرُ الذي كان يأتي موسى وعيسى لتقتله؟ قال عمرو فغيَّر اللهُ قلبي عما كنتُ عليه، وقلتُ في نفسي: عرف هذا الحقَّ العرب والعجمُ وتُخالف أنت؟ ثم قلت؟ أتشهد أيها الملكُ بهذا؟ قال: نعم أشهد به عند الله يا عمرو، فأطعني واتبعه، فواللهِ إنه لعلى الحق، وليظهرنَّ على من خالفه كما ظهر موسى على فرعون وجنوده،

стр. 1094

قلتُ: أتُبايعُني له على الإسلام؟ قال: نعم، فبسط يده فبايعني على الإسلام، ثم دعا بطست فغسل عني الدم وكساني ثيابه .. (١). أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ (٢).

стр. 1095

الخطبة الثانية: الحمد لله رب العالمين يهدي من يشاء ويضل من يشاء وهو العليم الخبير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، الملكُ ملكه، والدينُ دينه، والنصرُ من عنده، وهو مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخيرتُه من خلقه، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر المرسلين، وبعد: فلا تظنن -أيها المسلم- أن هجرةَ الحبشةِ كانت سياحةً يرغب المهاجرون فيها التنعمَ بالراحةِ والتلذذَ بشهوات الدنيا حيث ولا تتوفر مثيلُها في مكة. ولا يدور بخلدك أن المهاجرين استسلموا للراحة حيث ابتعدوا عن المحنة، بل وافتهم في أرض الحبشة صعوبات، وتعرضوا فيها أكثر من مرة لمخاطرَ ومساءلات- وكانت حواراتُهم صادقةً، يعظمون فيها الإسلام وإن لم يكن ثمة مسلمون غيرهم، ويلتزمون بهدي القرآن، وإن كان الحكمُ هناك للإنجيل، ويحافظون على صلواتهم وعباداتهم وإن لم يشاركهم فيها غيرُهم، بل تحدثنا كتب السير أن جعفرًا كان بالحبشة يجمع أصحابه ويحدثُهم (١)، كما نقل ذلك الذهبي. إخوة الإسلام الإسلامُ الذي هاجر المهاجرون من أجله، ظل في أرض الغربةِ عزيزًا عندهم، واستطاعوا بصدقهم وصبرهم وتوفيق اللهِ لهم أن يُدخلوا الآخرين فيها، ولو لم يكن من آثار هجرتهم إلا إسلامُ النجاشي ملكُ الحبشة لكان ذلك كافيًا وأثرًا عظيمًا، ولئن كان قارئُ السيرة يُعجب بعقلِ النجاشي وعدلِه، وهو الذي لم يأخذِ المسلمين بالظنة ولا صدق فيهم التهمَ الباطلة، التي

стр. 1096

روجتها قريشٌ ضدهم حتى استدعاهم وسمع منهم، وأعجبه حديث جعفر بن أبي طالب ﵁ عن أسباب هجرتهم واختيارهم أرضه حين قال: « ... فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلَم عندك أيها الملك فقال النجاشي: هل معك مما جاء به محمد عن اللهِ من شيء؟ قال: نعم فقرأ عليه جعفر صدرًا من (كهيعص) فبكى النجاشي حتى اخضلَّت لحيتُه وبكت أساقفتُه حتى أخْضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم ثم قال النجاشي: إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرجُ من مشكاةٍ واحدة» (١). يا أخا الإسلام إذا كان يُعجبكَ هذا الموقفُ المتعقلُ من النجاشي للمسلمين المهاجرين إليه، وتُسرُّ لإسلام النجاشي حين أصبح في عِداد المسلمين، وتغتبطُ إذ يُصلي عليه الرسولُ صلاة الغائب حين مات في أرض الحبشة ولم ير الرسول ﷺ ولم يره الرسول ﷺ . فيزداد عجَبُك بالنجاشي حين تعلمُ أن العدل مبدأ أرسى عليه دعائمَ ملكه منذ أن صار إليه أمرُ الأحباش، ولقد رد هدايا قريش عليهم حين تبين له صدقُ المسلمين، وما هم عليه من حق وتذكَّر أن الرشوةَ لم تُؤخذ منه من قبل فيأخذها هو، وقال قولته المشهورة: ردوا عليهما -يعني مبعوثي قريش- هداياهما، فلا حاجة لي بها، فوالله ما أخذ اللهُ مني الرشوةَ حين ردَّ عليَّ ملكي وآخذ الرشوةَ فيه، وما أطاع الناسَ فيَّ فأطيعهم فيه (٢). يا أخا الإسلام، النجاشيُّ بهذه المقولةِ يتذكر فضلَ الله عليه حين حسده

стр. 1097

الحاسدون وباعوه رقيقًا، ثم مكَّنه الله نتيجةَ صدقه وعدله وصلابته في دينه وتروي قصته العجيبة أمُّ المؤمنين عائشة ﵂ وتقول: إن أبا أصحمة النجاشي كان ملكَ قومِه، ولم يكن له من الولد إلا النجاشي (أصحمة) وكان له عمٌّ له من صلبه اثنا عشر رجلًا، وكانوا أهل بيتِ مملكةِ الحبشة، فقالت الحبشةُ بينها: لو أنا قتلنا أبا النجاشي وملكنا أخاه، فإنه لا ولدَ له غير هذا الغلام وإن لأخيه اثني عشر ولدًا فتوارثوا ملكه من بعده، فبقيتُ الحبشةُ بعده دهرًا، فعدوا على أبي النجاشي فقتلوه وملكوا أخاه، فمكثوا على ذلك، ونشأ (النجاشي، أصحمة) مع عمه، وكان لبيبًا حازمًا من الرجال، فغلب على أمرِ عمه ونزل منه بكل منزلة، فلما رأتِ الحبشة مكانَه مِنه قالت بينها: والله إنا لنتخوفُ أن يُملكه، ولئن ملكه علينا لَيَقتلَنا أجمعين لقد عرف أنا نحن قتلنا أباه، فمشوا إلى عمِّه فقالوا له: أما أن تقتل هذا الفتى، وأما أن تُخرجه من بين أظهرنا، فإنا قد خِفنا على أنفسنا منه، قال: ويلكم: قتلتم أباه بالأمس وأقتله اليوم؟ بل أخرجوه من بلادكم، فخرجوا به فباعوه من رجل تاجر بستِ مائةِ درهم، ثم قذفه في سفينة، فانطلق به حتى إذا جاء المساءُ من ذلك اليوم هاجت سحابةٌ من سحاب الخريف، فخرج عمُّه يستمطرُ تحتها، فأصابته صاعقةٌ فقتلته، ففزعت الحبشة إلى ولده، فإذا هم حمقى ليس في ولده خير، فمرجَ على الحبشة أمرُهم، فلما ضاق عليهم ما هم فيه من ذلك قال بعضُهم لبعض: تعلمون والله إن ملككم الذي لا يقيم أمركم غيرُه الذي بعتموه غدوةً، فإن كان لكم بأمرِ الحبشةِ حاجةٌ فأدركوه، قال: فخرجوا في طلبه حتى أدركوه فأخذوه من التاجر، ثم جاءوا به، وأقعدوه على سرير الملك وملكوه، فجاءهم التاجرُ فقال إما أن تعطوني مالي، وإما أن أكلمه في ذلك، فقالوا: لا نعطيك شيئًا، قال إذًا واللهِ لأُكلمنَّه، قالوا: فدونك، فجاءه فجلس بين يديه فقال أيها الملك ابتعت غلامًا

стр. 1098

من قومٍ بالسوق بست مائة درهم فأسلموه إليَّ وأخذوا دراهمي، حتى إذا سرتُ بغلامي أدركوني فأخذوا غلامي ومنعوني دراهمي، فقال لهم النجاشي لتعطينه دراهمه أو ليُسلمَنَّ غلامَه في يده، فليذهبن به حيثُ يشاء؟ قالوا: بل نعطيه دراهمَه .. فذلك حين يقول النجاشي: ما أخذ اللهُ مني الرشوة حين ردَّ عليَّ ملكي فآخذ الرشوة فيه (١). أيها المسلمون هذه وقفةٌ عاجلة عند حدثٍ من أحداثِ السيرة، وكم في قصص الماضين من عبرة وكم فيها من تسليةٍ للنفس وتسرية، وما أحوج المسلمين لقراءة السيرةِ النبوية قراءةً واعيةً وفيها دروسٌ عظيمة، وسيرةُ محمدٍ ﷺ وهديُه هي الطريقُ الآمنُ لمسيرةِ الأمة، وهي السبيلُ السويُّ لنشر هذا الدين، وقبل ذلك فهي النموذجُ الحي للثبات على هذا الدين وفهمِه فهمًا صحيحًا، اللهم ألهمنا رشدنا وبصرنا بمواطنِ الضعفِ في نفوسنا، وأعنّا على الاقتداءِ بسنة نبينا محمدٍ ﷺ ، هذا وصلوا ...

стр. 1099

الحج والتوحيد (١) الخطبة الأولى: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. عباد الله اتقوا الله حق التقوى واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانًا ألا وإن تقوى اللهِ أمانٌ من كل خوف، وغنى ما بعده فقر، وسعادة لا شقوة فيها -ومن يتق الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب- ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرًا. أيها المسلمون عاد حجاجُ بيت الله بعد أن طوفوا بالبيت العتيق، وقفوا على صعيد عرفات خاشعين متذللين مبتهلين إلى الله والله غنيٌّ كريم أفاضوا من حيث أفاض الناس وذكروا اللهَ عند المشعرِ الحرام، ورموا الجمار، وتقربوا إلى الله بالهدي وهم على يقين أن الله لن يناله شيء من لحومها ولا دمائها ولكن يناله التقوى مِنكم. ألا ما أعظم رحلةَ الحج حين تذكرُ المسلم بقضايا العقيدة الكبرى فالتوحيدُ الخالصُ شعارُ الحجاجِ من أولِ وهلة وهم يُلبون عند عقد الإحرام «لبيك اللهم

стр. 1100

لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمدَ والنعمةَ لك والملك، لا شريك لك لبيك». والتوحيدُ كذلك أساسُ بناءِ البيت العتيق، والهدفُ من بنائه ودعوةِ الناسِ للوفود إليه، كذلك أوحى اللهُ لخليله إبراهيم ﵇ وكذلك سار على خطاه محمدٌ ﵊: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (١). وذكرُ اللهِ في الحج وهو مظهر من مظاهر التوحيد لا يكاد يفارق الحجاج فهم يذكرون اللهَ ويكبرونه وهم يطوفون حول البيت، وحين يسعون بين الصفا والمروة وحين يُهلون بالحجِ أو العمرةِ أو كليهما، وخير ما قال النبيون الأولون والآخرون «لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير». ويذكرون الله ويكبرونه وهم يرمون الجمار، وينحرون الهدي والأضاحي وأدبارَ الصلوات المكتوبة، أو قبلها، وكذلك يرتفع اسمُ الله في مناسك الحج، وكذلك ينبغي أن يشهد الحجاجُ منافعَ الحج ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ (٢). ويبدو ذكر اللهِ واضحًا لمن تأمل في مناسك الحج كلها .. كيف لا والحقُّ ﵎ يقول في سياق آيات الحج ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ﴾ (٣).

стр. 1101

إنه التذكيرُ بالوحدانية لله وإدامةُ ذكره وحده، وتذكير كذلك بنعمة الله على من نزل عليهم القرآن حيث كانوا من قبل يتمرغون في أوحالِ الشرك والوثنية والضلالة «وإن كنتم من قبله لمن الضالين» وسواء أكان المقصودُ بذكر الله عند المشعر الحرام الصلاتين جميعًا أم ما هو أعمُّ من ذلك (١). فإن ذكر الله سمةٌ بارزة في الحج وهي مظهرٌ من مظاهر التوحيد ويستمر الحجاجُ يلهجون بذكر الله حتى يتموا حجهم كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ (٢). وهنا لفتة وخروجٌ عن تقاليد أهل الجاهلية في الذكر وهي تسيرُ في إطار التوحيد وتحقيق العبودية، فعن ابن عباس ﵄ قال: كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم فيقول الرجل منهم كان أبي يطعم ويحمل الحمالات، ويحمل الديات، ليس لهم ذكرٌ غير أفعال آبائهم، فأنزل اللهُ على محمد ﷺ ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ فحثوا على ذكر الله والتعلق به أشد من ذكرهم وتعلقهم بآبائهم .. » (٣). إنها نقلة في المفاهيم .. وتبعة من تبعات هذا الدين الحق، عقلها المسلمون أول ما نزلت وينبغي أن يعقلها المسلمون وهم يتلون كتاب الله، ويؤدون شعائر الحج، فيديموا ذكر الله ويتعلقون به أكثر من تعلقهم بغيره، ولو كان المتعلق به أقرب الناس نسبًا. عبادَ الله يلخص الرسول ﷺ أعمالَ الحج والهدف منها بإقامة ذكر الله ويقول

стр. 1102

عليه الصلاة والسلام: «إنما جعل الطواف بالبيت، وبين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله» (١). أيها المسلمون تظل ظاهرةُ الذكر معلمًا بارزًا في أيام الحج لمن تأمل والله يقول: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (٢). وفي سبيل الدعوة للتوحيد وإعلاء شأنه عاتب الله قريشًا يوم أن كانوا سدنة البيت فأشركوا معه في العبادة غيره، وصدوا الناس عنه ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ (٣). ونفى عنهم الولاية: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءهُ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (٤). أيها المسلمون حين تدرك أهمية التوحيد في شعيرة من شعائر الله، وركن من أركان الإسلام، فليس يخفى أثرُ التوحيد وأهميتهُ في شعائر الإسلام الأخرى وأركانه الأساسية أو ليست كلمة التوحيد هي الركن الأول من أركان الإسلام، وأَوَلسنا في كل قيام للصلاة نردد ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فضلًا عن إعلان التوحيد وإعلاءِ شأن الذكر في أعمال الصلاة كلها، وليس التشهد إلا مظهرًا من مظاهرها بل ويظهر التوحيد في مقدمات الصلاة من الأذان والوضوء، وهكذا الشأن في بقية أركان الإسلام أو لا يقودنا ذلك كله إلى تعظيم شأن

стр. 1103

التوحيد والاهتمام به والبعد عن الشرك دقيقه وجليله، أَوَليس الحق ﵎ يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ (١). ومن وصايا العبد الصالح لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (٢). وفي واحة التوحيد ورياض الإيمان يكون الهدى ويتوفر الأمن في الدنيا والآخرة وذلك ذكرى للذاكرين: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ (٣). أجل لقد أشكلت هذه الآية على الصحابة وقالوا: أيُّنا يا رسول الله لم يلبس إيمانه بظلم، قال: «ليس كما تقولون، ذاك الشرك». وتأمل يا أخا الإسلام عظيمَ فضلِ الله ومغفرته للذنوب، ما لم يقع العبدُ في الشرك، وفي ذلك أعظمُ دليلٍ على أهمية التوحيد في حياة المسلم يقول ﵊: «يقول الله : من جاء بالحسنة فله عشرُ أمثالها وأزيد، ومن جاء بالسيئة فجزاؤه سيئة مثلها أو أغفر، ومن تقرب مني شبرًا تقربت منه ذراعًا ومن تقرب مني ذراعًا تقربت منه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولةً ومن لقيني بقُراب الأرضِ خطيئةً لا يشرك بي شيئًا لقيتهُ بمثلها مغفرة» (٤). فتأملوا هذا الشرط «لا يشرك بي شيئًا». يقول ابن القيم ﵀ في معنى الحديث: ويُعفى لأهلِ التوحيد المحض الذي لم يشوبوه بالشرك ما لا يُعفى لمن ليس كذلك، فلو لقي الموحدُ الذي لم يشرك

стр. 1104

بالله شيئًا ربه بقراب الأرض خطايا، أتاه بقرابها مغفرة، ولا يحصل هذا لمن نقص توحيدُه، فإن التوحيد الخالصَ الذي لا يشوبه شركٌ لا يبقى معه ذنب، لأنه يتضمن من محبةِ الله وإجلاله وتعظيمه وخوفِه ورجائه وحده ما يوجب غسلَ الذنوب ولو كانت قرابَ الأرض، فالنجاسة عارضة، والدافع لها قوي (١). أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ (٨٨) إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (٢). اللهم سلم قلوبنا من الشرك قليله وكثيره صغيره وكبيره، اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئًا نعلمه ونستغفرك لما لا نعلمه .. أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 1105

الخطبة الثانية: الحمد لله رب العالمين أحمده تعالى وأشكره وأثني عليه الخيرَ كله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر المرسلين. أما بعد فاذكروا الله- معاشر المسلمين- يذكركم، اذكروه ذكرًا كثيرًا وسبحوه بكرة وأصيلًا، اذكروا الله بألسنتكم وقلوبكم، وتعرفوا إلى الله في حال الرخاء يعرفكم في حال الشدة إياكم والغفلة عن ذكره وشكره ﴿فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (١). ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ (٢). معاشر المسلمين استقيموا على طاعة ربكم، واتخذوا من فرص الخير ومواسمه محطاتٍ تتزودون بها للقاء ربكم، واعلموا أن الحياة الدنيا متاع وأن الآخرة هي دارُ القرار .. ما أهون الخلق على الله وما أضعف حيلهم إذا حزبت الأمور، وعصفت العواصف وحل بهم شيءٌ من أقدار الله .. ولقد عاد كثيرٌ من الناس بذاكرته إلى الوراء يتذكر ما قدَّم يوم أن وقع في اليوم الثامن ما وقع في منى .. وربما خيُل لبعضهم أن القيامة قاب قوسين أو أدنى، وبلغ الرعب والهلعُ أن قتل بعض الناس بعضًا ولقيت ربها نفوسٌ قد تجردت من الدنيا، ولم يكن عليها إلا لباس تُشبه أكفان الموتى، وسلم اللهُ من سلم ليمتحنهم في بقية أعمارهم في الدنيا، ونسأل الله أن يتغمد أموات المسلمين بواسع رحمته، وأن يجعلها تذكرة لمن أنجاه الله منها وأن يقي الجميع نار جهنم فهي أشد حرًا

стр. 1106

وأنكى .. ، كما نسأله تعالى أن يقي المسلمين الشرورَ والفتن وأن يكشف الباطل وأهله، وأن ينزل شفاءه العاجل على مرضي المسلمين. أيها المؤمنون ما فتئ القرآن يذكرنا بنار جهنم وشدة حرها وسمومها .. فهي نزاعةٌ للشوى، وهي لواحةٌ للبشر وأصحابها لا يقضي عليهم فيموتوا، ولا يخفف عنهم من عذابها وهم يصطرخون فيها ويستغيثون بمالك خازنها ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ﴾ (١). وكلما فنيت فيها الجلود أبدلوا بجلود غيرها ليذوقوا العذاب أي نفسٍ تطيق هذا العذاب -أي أقدام لها جلدٌ وصبرٌ على النار-. ألا فلننقذ أنفسنا من النار، ولنحملها على طاعة الله فما أصبر الكافرين على النار؟ وصدق الله ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِّلْمُقْوِينَ﴾. وصدق الله إذ يقول: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (٧٤) لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ (٢). عباد الله كم نركن إلى هذه الدنيا وهي غدارةٌ غرارة وكم نفسٍ حملت ما حملت من الأضغان والأحقاد وأضمرت من الشرور والفسوق والعصيان، وأنفاسها معدودة، ولربما كانت ورقتها ذابلة، وقد محيت من اللوح المحفوظ، وويل لمن لقي الله وهو غاشٌّ لنفسه، أو غاش لمن استرعاه الله عليه، تذكروا عبادَ الله هولَ المطلع يوم العرض على الله، وتذكروا سرعة النقلةِ وفجأة الموت فلا تدري نفس ماذا تكسب غدًا، وما تدري نفسٌ بأي أرض تموت، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا.

стр. 1107

وتأملوا هذه الوصية من الحسن إلى عمرَ بن عبد العزيز وقد كتب إليه يقول: أما بعد فإن الدنيا دارُ ظعن، ليست بدار إقامة إنما أُنزل إليها آدم عقوبةً فاحذرها يا أميرَ المؤمنين فإن الزادَ منها تركها، والغنى فيها فقرها، لها في كل حينٍ قتيل، تُذل من أعزها، وتُفقر من جمعها، هي كالسم يأكله من لا يعرفه وهو حتفه، فكن فيها كالمداوي جراحه يحتمي قليلًا مخافةَ ما يكره طويلًا، ويصبر على شدة الدواء مخافة طولِ البلاء، فاحذر هذه الدارَ الغرارة الخداعة الخيالة. إلخ كلامه يرحمه الله (١). أيها المسلمون حققوا التوحيد ولا تصرفوا شيئًا من أنواع العبادة لغير الله، فمن حقق التوحيد دخل الجنة. وخافوا على أنفسكم من الشرك كبيره وصغيره، وقد خافه ﷺ على أمته وقال: «أخوف ما أخاف عليكم الشركُ الأصغر، فسئل عنه فقال: «الرياء» (٢). وإذا كان الشركُ الأصغر مخوفًا على أصحاب رسول الله ﷺ مع كمال علمهم وقوة إيمانهم فكيف لا يخافه وما فوقه من هو دونهم في العلم والإيمان بمراتب؟ كذا قال العالمون (٣). حافظوا على الصلوات فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وأقيموا الواجبات، واجتنبوا المحرمات، ولا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله، ولا تنخدعوا بطول الأمد فتقسوَ قلوبكم .. معاشر المسلمين حجاجًا ومقيمين عادت صحائفهم بيضاء نقية، «فمن حج

стр. 1108

ولم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه» ومن صام عرفة كفر الله عنه سنة ماضية وقابلة .. ألا فحافظوا على هذه الصحائف بيضاء وتزودوا لآخرتكم فإن خيرَ الزادِ التقى .. اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم اغفر لنا ذنوبنا واستر عيوبنا، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب .. هذا وصلوا ..

стр. 1109

المرأة في الإسلام (١) الخطبة الأولى: الحمد لله الذي جعل الظلماتِ والنورَ ثم الذين كفروا بربهم يعدلون وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كل شيء هالكٌ إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخيرته من خلقه، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين وارض اللهم عن أصحابه وآله وأزواجه أمهاتِ المؤمنين، ومن تبعهم وسار على نهجهم إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد فاتقوا الله معاشر المسلمين والمسلمات فتلك وصية الله لكم ولمن سبقكم ﴿وَللَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ (٢). أيها الإخوة المؤمنون لا عجبَ أن يكثر الحديث عن المرأة، فهي تمثل نصف المجتمع أو تزيد، وهي الأم والبنت والزوج والأخت هي قمة شماء وصخرة صماء إذا صلحت واستقامت تحطمت على أسوارها المنيعة مكائد الكائدين، وهي نافذة واسعة، وبوابة مشرعة للفساد إذا خلص إليها المغرضون، أمر الله لها بحسن العشرة في محكم التنزيل فقال ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (٣). وأوصى النبي ﷺ بهن

стр. 1110

خيرًا وقال: «استوصوا بالنساء خيرًا .. » (١). ونزل القرآن الكريم معليًا شأنهن ومؤكدًا حقوقهن من مثل قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾ (٢). بل نزلت سورةٌ كاملة من القرآن تحمل اسمهن، وتعالج قضاياهن ومع ذلك كله فهن موضعٌ للفتنة، وأول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء، وخاف النبي ﷺ على أمته من النساء فقال: «ما تركت بعدي فتنةً أضر على الرجال من النساء» (٣). لا عجب والحالة تلك أن يكثر الحديث عنهن، وأن توضح الصورة المتميزة التي حددها الشرع لهن، ولا عجب أن يكثر الحديث عن المرأة في زمن كثرت أصوات الناعقين، وامتلأت الأجواء ضجيجًا وزورًا وباطلًا باسمهن ومخادعة لهن. ومع كثرة اللقاءات والمؤتمرات التي عُقدت فيما مضى أو تعقد اليوم، أو يخطط لعقدها مستقبلًا، سواء ما يسر به أو يعلن على الملأ .. فإنا على ثقة أن هذه الصيحات الفاجرة الظالمة التي تنادي بتحرير المرأة ومساواتها وتدعو إلى خروجها واختلاطها، وتَئِدُ كرامتها وعفتها بعد نزع حجابها والتخلي عن حيائها .. إنا على ثقة أنها لن تؤثر- إن أثرت- إلا على صنفين من النساء، الصنفِ الأول: امرأة عفيفةٍ في نفسها، لكنها جاهلةٌ بحقوقها ومكانتها في

стр. 1111

الإسلام، غافلة غائبة عما يريده لها أعداءُ الإسلام، فتلك يختلط عليها الحقُّ بالباطل، ولا تميز بين أصوات المؤمنين والمنافقين، يخدعها السراب وتبهرها الأنوار الكاشفة الكاذبة حتى إذا أطُفئت عنها فجأة وقعت في ظلمات بعضها فوق بعض، ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور. أما الصنفُ الآخر فهن نساءٌ لديهن حظ من العلم والمعرفة الدنيوية، لكنهن في سلوكهن متهتكاتٌ مستهترات، أو فيهن استعدادٌ لهذا وذاك. هؤلاء لا يرين في الاختلاط عيبًا، ولا في السفور بأسًا، قد فتنتهن وغرتهن الدنيا بزينتها فهي محلُّ تفكيرهن ومحط آمالهن وغايةُ طموحاتهن أما الآخرة بنعيمها وسرمديتها فتمر بهن أحيانًا كالطيف، حين العزاء أو في مناسبات إسلامية عامة كشهر رمضان والحج أو ما شابهها .. ومع ذلك فباب الهداية مفتوح غير موصد، وطريق الإنابة والرشد ميسور ليس دونه أبواب تغلق ... ومن أوسع أبوابه العلمُ والخشية فبالعلم النافع تكون الخشية ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. وبالخشية تحصل المنعة من الفتنة بإذن الله. أيها المؤمنون والمؤمنات على طريق العلم والمعرفة وحيث سبق الحديثُ عن نماذج من امتهان المرأة في الجاهليات الأولى، وما كانت تلاقيه من مسخ وخسفٍ وذلةٍ ومهانة، أعرض لكم اليوم شيئًا من عناية الإسلام بالمرأة وبيان مكانتها الحقيقية في شرع الله، بضددها تتميز الأشياء وأعتذر لكم سلفًا عن الاختصار بما يقتضيه المقام، ومن رام التفصيل فدونه مطولات الكتب، ومؤلفات أهل الإسلام ففيها الإيضاح والبيان فيقرر الإسلامُ ابتداءً وحدة الأصل بين الذكر والأنثى، وأن المرأة كالرجل في الإنسانية سواءً بسواء ويقول تعالى

стр. 1112

في محكم التنزيل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ (١). ويقول ﵊: «إنما النساء شقائق الرجال» (٢). ثانيًا: ضمن لها الإسلامُ الحياة الكريمة الطيبة في الدنيا والآخرة إن هي آمنت وعملت صالحًا وخوفها من الخزي في الدنيا والآخرة إن هي ضلت السبيل، كالرجل، فقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣). ثالثًا: كما ساوى الإسلامُ في تكليفها بالعبادات- مع الرجل- فلها ثواب الطاعة إن عملتها، وعليها عقوبة المعصية أن وقعت فيهما. ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٤). وقال تعالى- في الجانب الآخر- ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٥). وقال تعالى مخاطبًا الجنسين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن

стр. 1113

يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ﴾ (١). وفي سبيل وقاية النوعين من الوقوع في الرذيلة قال تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ (٢). رابعًا: حرم الإسلام التشاؤم بالمرأة والحزن لولادتها كما كان شائعًا عند العرب فقال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ ... أَلاَ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (٣). كما حرم وأدها وشنع على ذلك فقال: ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلاَدَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٥). خامسًا: كما ضمن الإسلامُ الأهلية للمرأة في الحقوق المالية، مهما كان نصيبها قال تعالى: ﴿لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾ (٦). قال سعيدُ بنُ جبير وقتادة: كان المشركون يجعلون المال للرجال الكبار ولا يورثون النساء ولا الأطفال شيئًا، فأنزل الله هذه الآية (٧).

стр. 1114

بل فوق ذلك جعل الإسلامُ للمرأة الرعاية في بيت زوجها وحملها مسؤولية رعايته «والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها». فأين ذلك من بعض تشريعات البشر وقوانينهم التي تعتبر المرأة مع الصغير والمجنون محجورًا عليهم؟ كما في القانون الروماني والفرنسي سابقا» (١). سادسًا: واعتنى الإسلام بتعليم المرأةِ، وقال لها وللرجل: «قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون». وخصص الرسول ﷺ للنساء يومًا يعلمهن مما علمه الله، وكن خير معينات على العلم والتعلم، ففي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله ذهب الرجالُ بحديثك، فاجعل لنا من نفسك يومًا نأتيك فيه تعلمنا مما علمك الله، فقال: اجتمعن في يوم كذا وكذا في مكان كذا، فاجتمعن فأتاهن مما علمه الله» (٢). وأفلح تعليم المرأة المسلمة في عصور الإسلام الزاهية فكانت نوابغ النساء في كافة الفنون، تشهده بذلك مدونات الإسلام، ويفتخر عددٌ من الرجال بمشيخة عددٍ من النساء، مع كمال الحشمة والعفة والوقار، وظلت المرأة المسلمة نموذجًا يحتذى في العلم والفقه والعزة بالإسلام، لا في عصر النبوة فحسب بل فيما تلاها من القرون أيضًا وإذا تجاوزنا أمثال عائشة ﵂ نموذج العلم والفقه الأول، فهذه بنتُ سعيد بن المسيب رحمهما الله. حين دخل بها زوجها وكان من طلبة والدها، وأصبح أخذ رداءه يريد أن يخرج قالت له زوجته -بنت سعيد-

стр. 1115

إلى أين تريد؟ قال: إلى مجلس سعيد أتعلم العلم، فقالت له: أجلس أعلمك علم سعيد (١). وهذه أم الشافعي رحمهما الله كانت باتفاق النقلة من العابدات القانتات، ومن أذكى الخلق فطرة، شهدت مع أم بشر المريسي بمكة عند القاضي، فأراد أن يفرق بينهما ليسألهما منفردتين عما شهدتا به استفسارًا، فاعترضت عليه أم الشافعي وقالت أيها القاضي ليس لك ذلك لأن الله يقول: ﴿أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ (٢) فلم يفرق بينهما (٣). تلك نماذج وغيرها كثير تفاخر بها المرأة المسلمة، ويعترف بها غير المسلمين وهذا غوستاف لوبون صاحب حضارة العرب- يذكر أنه كثر في العهد العباسي في المشرق، وفي ظل الأمويين في الأندلس اللواتي اشتهرن بمعارفهن العلمية والأدبية، وبعد ذلك من الأدلة على أهمية النساء أيام نضارة حضارة العرب» (٤). فهل تعيد المرأة المعاصرة تاريخ ومجد أسلافها من المؤمنات العاملات ليس ذلك على الله بعزيز، ولا يقف مد الإسلام وفي الأرض مسلم ومسلمة يقولان لا إله إلا الله محمد رسول الله، أعوذ بالله ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا (١٢٣) وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ (٥).

стр. 1116

هذه عناية الإسلام بالبنت حتى تغادر البيت معززة مكرمة فأين هذا من الحضارة المزعومة المعاصرة التي ترمي بالبنت في قارعة الطريق لتبحث عن مأوى آخر، وتهيم على وجهها في صحراء مهلكة تحيط بها الذئاب من كل جانب؟

стр. 1117

الخطبة الثانية: الحمد لله الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملًا، وجعل الليل والنهار خلفةً لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يهب لمن يشاء إناثًا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانًا وإناثًا ويجعل من يشاء عقيمًا إنه عليم قدير وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله علم الناس الخير ودعاهم إليه، وبين لهم الشر وحذرهم منه .. اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر النبيين والمرسلين وعلى الآل والأصحاب والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أيها المسلمون والمسلمات .. لا تقف عناية الإسلام بالمرأة عند هذه الحدود السابقة، بل يأمر الإسلام بإكرام المرأة أمًا، وبنتًا، وزوجة وأختًا، وعمةً، وخالة، منذ ولادتها وحتى مماتها. فعندما تكون بنتًا ضعيفة لا حول لها ولا طول يأمر أباها وأمها بحسن رعايتها وتوفير حاجاتها، ويرتب على ذلك من الأجر والمثوبة ما يدفع للخدمة والرعاية دون ضجر أو ملل، ويقول ﵊ فيما يقول- «من ولدت له أنثى فلم يئدها ولم يهنها ولم يؤثر ولده- يعني الذكر- عليها أدخله الله بها الجنة» (١). وفي الحديث الأخر: «من كن له ثلاث بنات فصبر على لأوائهن وضرائهن، أدخله اللهُ الجنة برحمته إياهن، فقال رجلٌ وابنتان يا رسول الله قال: وابنتان قال رجل يا رسول الله وواحدة، قال: وواحدة» (٢).

стр. 1118

ويبلغ عائل الجاريتين القمة والرسول ﷺ يقول له: «من عال جارتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين» وضمَّ أصابعه» (١). وحين تشب البنت عن الطوق وتصبح زوجة يوليها الإسلام عنايته، ويعتبر المتعة بها والأنس معها أفضل ما في الدنيا: «الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة» (٢). وجعل الإسلام الحياة الزوجية ترتكز على دعائم قوية من المودة والرحمة تعجز الأنظمة البشرية أن تبلغه بتشريعاتها فهو آية من آيات الله كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٣). وإذا كان أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، كما أخبر الصادق المصدوق ﷺ ففي بقية الحديث نفسه قال ﵊: «وخياركم خياركم لنسائهم» (٤). فإذا كانت المرأة أمًا، فهي المنزلة التي لا تدانيها منزلة، وهي أحق ما في الوجود بحسن الصحبة والرعاية، والإحسان لها وللأب يُقرن بحق الله في العبودية «وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانًا .. ». والوصية بهما تنزل من السماء ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا﴾. ويلفت النظر إلى حق الأم لزيادة مشقتها: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ (٥).

стр. 1119

والرسول ﷺ يرددها ثلاثًا: «رغم أنفُ، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كليهما فلم يدخل الجنة» (١). ولقد فقه سلف الأمة وخيارها هذه الحقوق فرعوها حق رعايتها بأقوالهم وأفعالهم فهذا ابن عباس ﵄ يقول (٢) «إني لا أعلمُ عملًا أقرب إلى الله من بر الوالدة» وهذا ابن عمر ﵄ يشهد رجلًا يمانيًا يطوف بالبيت وقد حمل أمه وراء ظهره ويقول: إني لها بعيُرها المذلل ... إن أُذعرتْ ركابها لم أُذْعرْ ثم قال: يا ابن عمر أتُراني جزيتُها؟ قال: لا، ولا بزفرة واحدة» (٣). وفي صحيح مسلم قال أبو هريرة ﵁: والذي نفسُ أبي هريرة بيده لولا الجهاد في سبيل الله، والحج، وبر أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك، قال أحد رواة مسلم: وبلغنا أن أبا هريرة ﵁ لم يكن يحج حتى ماتت أمه لصحبتها» (٤). فأي تشريع غير الإسلام يبلغ بالمرأة هذه المنزلة، وأي حقوق يمكن أن يهبها لها البشر فوق ما حباها به رب البشر؟ ولولا أن يطول الحديث لاستكملت عناية الإسلام بالمرأة أختًا، وعمةً وخالةً وقريبةً أم بعيدةً .. وألتفت بعد ذلك إلى صوتٍ نسائي منصفٍ تعد صاحبته في طليعة المتعلمين .. وإن كان كل أحدٍ يؤخذ من كلامه ويرد إلا صاحبَ القبر أعني رسول الله ﷺ كما ثبت عن مالك.

стр. 1120

- وتقول الدكتورة بنتُ الشاطئ (عائشة عبد الرحمن) عن قضية المرأة: إننا لم نكن في حاجةٍ إلى فهم هذه القضية ومثلها كما نحن الآن، إذ يعوز المرأة لكي تعرف حقيقة مكانها في عالم اليوم، وتميز دورها فيه- أن تستكمل وعيها لذاتها، وأن تفهم مقومات وجودها، وجوهر شخصيتها ومحالٌ أن يتحقق شيءٌ من ذلك إذا بُترنا من ماضٍ لنا بعيد طويل، وجهلنا ما تأصل في أعماقنا من تراثٍ لنا، فكري وروحي ومادي- ظل يتناقل جيلًا بعد جيل وخلفًا بعد سلف متغلغلًا في كياننا، متحكمًا في سلوكنا الفردي والجماعي، موجهًا أساليب تناولنا للحياة، وفهمنا لها، وسيرنا فيها .. إلى أن تقول: أجل لقد سمع اللهُ شكوى شاكيةٍ منا وغضب سبحانه لواحدة أخرى أفتري عليها ظلمًا وبهتانًا، فجعل براءتها آيةً تتلى وقرآنًا يتعبد به من يؤمن بالله واليوم الآخر ... إلى أن تقول: ولو لم يصنع الإسلام غير هذا لكان حسبنا نحن المسلمات، ولو لم يكن لنا من القرآن الكريم سوى هذه الآيات من سورة المجادلة والنور لرضينا بها حظًا ونصيبًا .. أي صنيع يمكن للإنسانية الكريمة أن تطمع فيه للأنثى أسمى من صون حصانتها، وحماية سمعتها من أراجيف المبطلين. وبعد عرضها لنماذج من حقوق النساء في الإسلام عادت لترد على المغرضين المتشبثين بقضايا زعموا أن فيها إجحافًا بحق المرأة. وتقول: «أفأحتاج بعد هذا إلى إطالةِ الوقوفِ عند الذين زعموه مجحفًا بنا من إباحة تعددِ الزوجات، والطلاق، واحتساب نصيب الأنثيين في الميراث كنصيب الذكر الواحد، وشهادة الأنثيين مكان شهادة الرجل؟ كلا فحكمة الإسلام في كل مسألة من هذه المسائل تبدو واضحة لا يجحدها إلا جاهلٌ أو مكابرٌ، تعدد الزوجات تقضي به أحيانًا ضرورةٌ قاهرة ويضبطه الإسلام بحدود ماديةٍ وأدبية

стр. 1121

-ولا يزال الكلام للكاتبة- والطلاق لا محيد عنه إذا لم تعد الحياةُ الزوجية مستطاعة ولا محتملة، وهو مع ذلك أبغض الحلالِ عند الله، وإعطاءُ الأنثى نصف الذكر من الميراث يقابله إعفاؤها من أعباء النفقة حتى مع ثرائها وفقر زوجها وشهادة الاثنتين بدلًا من شهادة رجل منظورٌ فيها إلى عاطفية المرأة التي هي جوهر أنوثتها (١). أيتها الأخت المسلمةُ مع الفارق في الحقوق التي منحها الحكيمُ الخبيرُ للمرأة، والتخبط المشين لأدعياء حقوق المرأة فإن هناك فارقًا آخر ألمح إليه الدكتور السباعي في كتابه «المرأة بين الفقه والقانون» وقال: كان التشريعُ الإسلاميُّ نبيلَ الغاية والهدف حين أعطى المرأة حقوقها من غير تملقٍ لها أو استغلالٍ لأنوثتها، ففي الحضارتين اليونانية والرومانية، وفي الحضارة الغربية الحديثة، سمح لها بالخروج وغشيان المجتمعات للاستمتاع بأنوثتها، لا اعترافًا بحقوقها وكرامتها بينما حد الإسلام من نطاق اختلاطها بالرجال وغشيانها المجتمعات حين أعطاها حقوقها وبعد أن أعطاها وصانها وأعلن كرامتها راعى في كل ما رغب إليها من عمل وما وجهها إليه من سلوك أن يكون ذلك منسجمًا مع فطرِتها وطبيعتها وأن لا يرهقها من أمرها عسرًا (٢). أما الحضارات المادية القائمة .. أما جهدُ المرأةِ وضياعها .. أما حسرتها وقلقها .. فلعلي أقص عليكم من نبأ ذلك في خطبة لاحقة بإذن الله. اللهم هيء لنا من أمرنا رشدًا .. وأرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه. هذا وصلوا.

стр. 1122

المرأة في الحضارة المادية المعاصرة (١) الخطبة الأولى: الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له قال- وهو أصدق القائلين: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ (٢). وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أوصى أبا ذرٍ ﵁ أن يتعوذ من شياطين الجن والإنس، فقال أبو ذرٍ: يا رسول الله وللإنس شياطين؟ قال: «نعم» (٣). اللهم صل على عبدك ورسولك نبينا محمد وعلى سائر المرسلين، وارض اللهم عن الآل الطيبين والصحابة أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (٤)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٥) ﴿وَللَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ (٦).

стр. 1123

أيها الإخوة المؤمنون .. أيتها الأخواتُ المؤمنات، قد آن الأوان للحديث عن وضع المرأة في ظل الحضارة المادية المعاصرة، بعد سبق الحديث عن وضع المرأة وكرامتها وصون حقوقها في الإسلام، وسبق الحديث كذلك عن وضع المرأة وقيمتها في ظل الجاهليات القديمة في شرق الأرض ومغربها ولست أدري من أين أبدأ حديثي عن المرأة في ظل الحضارة المادية المعاصرة أبدأه من صيحات أساتذة الجامعات؟ أم من تحذير الكاتبات الشهيرات؟ أم يكون الحديث دراسة واعية للأرقام المذهلة والإحصاءات ونتائج الدراسات؟ أم يكونُ جلاءً لانتكاسة دور السينما وانتحار أشتهر الممثلات أم يكون حديثًا عن بداية الضياع ورصيد خط الانحراف. أم يكون تشخيصًا للأسباب، ورصدًا للنتائج، وتوصيفًا للعلاج؟ ولئن لم يفِ الحديث بهذه أو تلك فمرد ذلك أن الخُطبة ليست للإسهاب والتفصيل بقدر ما هي للإشارة والتذكير، وهذا يعني أن وراء القليل المذكور الكثيرُ الذي لم يتسع المقام لذكره. وخلاصة القول أن المرأة في ظل هذه الحضارة المادية المعاصرة بدأت تشعر بحجم قضيتها، وفداحة وضعها، وخداع الرجال لها. لقد قيل لها- زورًا وبهتانًا- أنت إنسانة حرة يجب أن تتمتعي بحريتك وتهتمى بجمالك وتختلطي بالرجال في صداقات بريئة حتى لا تتعقدي ولا تكوني فريسة للأمراض النفسية والانهيارات العصبية فلما مشت في هذا الطريق عشرات السنين اكتشفت أخيرًا الفرية الكبرى والفضيحة العظمى من مراكز القيادة، واكتشفت أن حريتها لم تكن إلا لتصبح متعةً للرجل ومستقرًا لشهوته، إذ هو يخادعها في الخلوات، ويجلس معها في البارات، يراقصها في الحلبات، ويسبح معها على شواطئ الأنهار والبحار .. كل ذلك دون أن يرتبط معها

стр. 1124

بمسؤولية الحياة الزوجية والسكون العائلي. لقد اكتشفت المرأة بعد التجارب المريرة أنها غدت وردةً ذابلة تدوسها المادة ولا يشعر بمأساتها أحد؟ أجل لقد انهارت سعادتها البيتية، وضاعت أمومتها الحانية، وفقدت كيانها وإرادتها وشخصيتها، وغدت حامل الطفل اللقيط تبحث في شرق البلاد وغربها عن مستشفيات الوضع، تمزقها المأساة وتحمل مع آلام الحمل ظلم الرجال على كتفها ويزيد من لوعتها وحسرتها تأوهاتُ الطفل كلما صرخ: ماما أين أبي؟ لماذا ليس لي أبٌ كسائر الأطفال؟ (١). إخوة الإسلام إنها الصورة الحقيقية- باختصار- للمرأة في ظل ظلم وجور هذه الحضارة العصرية المزعومة للمرأة؟ هذا الظلم والجور للمرأة لم يعد سرًا، بل أزعج المنظمات والهيئات الدولية فقد بدأت لجنةُ حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة تشعر بهذا الانحراف الخطير فنشرت قبل ما يزيد على عشرين عامًا مشروع قانون جديد على الدول الأعضاء لإزالة التمييز ضد النساء بمناسبة عام المرأة العالمي عام خمسة وسبعين وتسعمائة وألف للميلاد (١٩٧٥ م) ومما جاء فيه أن أي مشروع يوضع لتنظيم قضايا المرأة في العالم ويحدد علاقتها بالرجل يجب أن يراعي الواجب الأساسي للمرأة في الحياة الاجتماعية، وهو الأمومة وتربية الأطفال، وتهيئة الجو المناسب لإنشاء البيت السعيد» (٢). مع ما في هذه التوصية من تخفيف لآلام المرأة وتقدير لمنزلتها قد جاء مؤتمر المرأة الأخير في بكين ليقضي على هذا الحلم للمرأة ولذلك حين يتخبط البشر

стр. 1125

في أنظمتهم يهدم اللاحقون ما استصلحه السابقون، ويخرب العابثون بيوتهم بأيديهم فاعتبروا يا أولي الأبصار! . إخوة الإسلام استمعوا إلى حصاد الحرية المزعومة تعلن قاضية سويدية كلفتها الأمم المتحدة بزيارة البلاد الغربية لدراسة مشاكلها والتعرف على أوضاعها الاجتماعية والقانونية .. فتحدثت القاضية السويدية (بريجيت أوف هاهر) عن المأساة التي خلفتها أوضاعُ الحرية في السويد- أرقى بلاد الحضارة الغربية- وتشير إلى زيادة نسبة الانتحار سنة بعد سنة بين النساء، ثم تقول: «إن المرأة السويدية فجأة اكتشفت أنها اشترت وهمًا هائلًا- هو الحرية- بثمن مفزع هو سعادتها الحقيقية، ولهذا فإنها تستقبل العام العالمي لحقوق المرأة (١٩٧٥) بفتور مهذب، وتحن إلى حياة الاستقرار العائلية المتوازنة جنسيًا وعاطفيًا ونفسيًا، فهي تريد أن تتنازل عن معظم حريتها في سبيل كلِّ سعادتها. وتذهب القاضية السويدية في تقريرها أبعد من هذا وتقول: «إن النتيجة على مستوى الأمة مذهلة حقًا وتذكر نسبًا مخيفة للمرضى النفسيين والمصابين عقليًا، والمصابين بأمراض الشذوذ الجنسي» (١). أيها المسلمون أيتها المسلمات .. أما ثمار الاختلاط فتتحدث عنه بمرارة الكاتبة الإنجليزية الشهيرة «أنارورد» حين تقول: «ألا ليت بلادنا كبلاد المسلمين فيها الحشمة والعفاف رداء، إنه عارٌ على بلاد الإنجليز أن نجعل بناتنا مثلًا للزائل بكثرة مخالطتهن للرجال فما لنا لا نسعى وراء ما يجعل البنات تعمل بما يوافق فطرتها الطبيعية بما يوافق القيام في البيت وترك أعمال الرجال للرجال
следующие страницы →