-ولا يزال الكلام للكاتبة- والطلاق لا محيد عنه إذا لم تعد الحياةُ الزوجية مستطاعة ولا محتملة، وهو مع ذلك أبغض الحلالِ عند الله، وإعطاءُ الأنثى نصف الذكر من الميراث يقابله إعفاؤها من أعباء النفقة حتى مع ثرائها وفقر زوجها وشهادة الاثنتين بدلًا من شهادة رجل منظورٌ فيها إلى عاطفية المرأة التي هي جوهر أنوثتها (١).
أيتها الأخت المسلمةُ مع الفارق في الحقوق التي منحها الحكيمُ الخبيرُ للمرأة، والتخبط المشين لأدعياء حقوق المرأة فإن هناك فارقًا آخر ألمح إليه الدكتور السباعي في كتابه «المرأة بين الفقه والقانون» وقال: كان التشريعُ الإسلاميُّ نبيلَ الغاية والهدف حين أعطى المرأة حقوقها من غير تملقٍ لها أو استغلالٍ لأنوثتها، ففي الحضارتين اليونانية والرومانية، وفي الحضارة الغربية الحديثة، سمح لها بالخروج وغشيان المجتمعات للاستمتاع بأنوثتها، لا اعترافًا بحقوقها وكرامتها بينما حد الإسلام من نطاق اختلاطها بالرجال وغشيانها المجتمعات حين أعطاها حقوقها وبعد أن أعطاها وصانها وأعلن كرامتها راعى في كل ما رغب إليها من عمل وما وجهها إليه من سلوك أن يكون ذلك منسجمًا مع فطرِتها وطبيعتها وأن لا يرهقها من أمرها عسرًا (٢).
أما الحضارات المادية القائمة .. أما جهدُ المرأةِ وضياعها .. أما حسرتها وقلقها .. فلعلي أقص عليكم من نبأ ذلك في خطبة لاحقة بإذن الله.
اللهم هيء لنا من أمرنا رشدًا .. وأرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه. هذا وصلوا.
стр. 1122
المرأة في الحضارة المادية المعاصرة (١)
الخطبة الأولى:
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له قال- وهو أصدق القائلين: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ (٢).
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أوصى أبا ذرٍ ﵁ أن يتعوذ من شياطين الجن والإنس، فقال أبو ذرٍ: يا رسول الله وللإنس شياطين؟ قال: «نعم» (٣).
اللهم صل على عبدك ورسولك نبينا محمد وعلى سائر المرسلين، وارض اللهم عن الآل الطيبين والصحابة أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (٤)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٥) ﴿وَللَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ (٦).
стр. 1123
أيها الإخوة المؤمنون .. أيتها الأخواتُ المؤمنات، قد آن الأوان للحديث عن وضع المرأة في ظل الحضارة المادية المعاصرة، بعد سبق الحديث عن وضع المرأة وكرامتها وصون حقوقها في الإسلام، وسبق الحديث كذلك عن وضع المرأة وقيمتها في ظل الجاهليات القديمة في شرق الأرض ومغربها ولست أدري من أين أبدأ حديثي عن المرأة في ظل الحضارة المادية المعاصرة أبدأه من صيحات أساتذة الجامعات؟ أم من تحذير الكاتبات الشهيرات؟ أم يكون الحديث دراسة واعية للأرقام المذهلة والإحصاءات ونتائج الدراسات؟
أم يكونُ جلاءً لانتكاسة دور السينما وانتحار أشتهر الممثلات أم يكون حديثًا عن بداية الضياع ورصيد خط الانحراف. أم يكون تشخيصًا للأسباب، ورصدًا للنتائج، وتوصيفًا للعلاج؟
ولئن لم يفِ الحديث بهذه أو تلك فمرد ذلك أن الخُطبة ليست للإسهاب والتفصيل بقدر ما هي للإشارة والتذكير، وهذا يعني أن وراء القليل المذكور الكثيرُ الذي لم يتسع المقام لذكره.
وخلاصة القول أن المرأة في ظل هذه الحضارة المادية المعاصرة بدأت تشعر بحجم قضيتها، وفداحة وضعها، وخداع الرجال لها.
لقد قيل لها- زورًا وبهتانًا- أنت إنسانة حرة يجب أن تتمتعي بحريتك وتهتمى بجمالك وتختلطي بالرجال في صداقات بريئة حتى لا تتعقدي ولا تكوني فريسة للأمراض النفسية والانهيارات العصبية فلما مشت في هذا الطريق عشرات السنين اكتشفت أخيرًا الفرية الكبرى والفضيحة العظمى من مراكز القيادة، واكتشفت أن حريتها لم تكن إلا لتصبح متعةً للرجل ومستقرًا لشهوته، إذ هو يخادعها في الخلوات، ويجلس معها في البارات، يراقصها في الحلبات، ويسبح معها على شواطئ الأنهار والبحار .. كل ذلك دون أن يرتبط معها
стр. 1124
بمسؤولية الحياة الزوجية والسكون العائلي.
لقد اكتشفت المرأة بعد التجارب المريرة أنها غدت وردةً ذابلة تدوسها المادة ولا يشعر بمأساتها أحد؟
أجل لقد انهارت سعادتها البيتية، وضاعت أمومتها الحانية، وفقدت كيانها وإرادتها وشخصيتها، وغدت حامل الطفل اللقيط تبحث في شرق البلاد وغربها عن مستشفيات الوضع، تمزقها المأساة وتحمل مع آلام الحمل ظلم الرجال على كتفها ويزيد من لوعتها وحسرتها تأوهاتُ الطفل كلما صرخ: ماما أين أبي؟ لماذا ليس لي أبٌ كسائر الأطفال؟ (١).
إخوة الإسلام إنها الصورة الحقيقية- باختصار- للمرأة في ظل ظلم وجور هذه الحضارة العصرية المزعومة للمرأة؟ هذا الظلم والجور للمرأة لم يعد سرًا، بل أزعج المنظمات والهيئات الدولية فقد بدأت لجنةُ حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة تشعر بهذا الانحراف الخطير فنشرت قبل ما يزيد على عشرين عامًا مشروع قانون جديد على الدول الأعضاء لإزالة التمييز ضد النساء بمناسبة عام المرأة العالمي عام خمسة وسبعين وتسعمائة وألف للميلاد (١٩٧٥ م) ومما جاء فيه أن أي مشروع يوضع لتنظيم قضايا المرأة في العالم ويحدد علاقتها بالرجل يجب أن يراعي الواجب الأساسي للمرأة في الحياة الاجتماعية، وهو الأمومة وتربية الأطفال، وتهيئة الجو المناسب لإنشاء البيت السعيد» (٢).
مع ما في هذه التوصية من تخفيف لآلام المرأة وتقدير لمنزلتها قد جاء مؤتمر المرأة الأخير في بكين ليقضي على هذا الحلم للمرأة ولذلك حين يتخبط البشر
стр. 1125
في أنظمتهم يهدم اللاحقون ما استصلحه السابقون، ويخرب العابثون بيوتهم بأيديهم فاعتبروا يا أولي الأبصار! .
إخوة الإسلام استمعوا إلى حصاد الحرية المزعومة تعلن قاضية سويدية كلفتها الأمم المتحدة بزيارة البلاد الغربية لدراسة مشاكلها والتعرف على أوضاعها الاجتماعية والقانونية ..
فتحدثت القاضية السويدية (بريجيت أوف هاهر) عن المأساة التي خلفتها أوضاعُ الحرية في السويد- أرقى بلاد الحضارة الغربية- وتشير إلى زيادة نسبة الانتحار سنة بعد سنة بين النساء، ثم تقول: «إن المرأة السويدية فجأة اكتشفت أنها اشترت وهمًا هائلًا- هو الحرية- بثمن مفزع هو سعادتها الحقيقية، ولهذا فإنها تستقبل العام العالمي لحقوق المرأة (١٩٧٥) بفتور مهذب، وتحن إلى حياة الاستقرار العائلية المتوازنة جنسيًا وعاطفيًا ونفسيًا، فهي تريد أن تتنازل عن معظم حريتها في سبيل كلِّ سعادتها.
وتذهب القاضية السويدية في تقريرها أبعد من هذا وتقول: «إن النتيجة على مستوى الأمة مذهلة حقًا وتذكر نسبًا مخيفة للمرضى النفسيين والمصابين عقليًا، والمصابين بأمراض الشذوذ الجنسي» (١).
أيها المسلمون أيتها المسلمات .. أما ثمار الاختلاط فتتحدث عنه بمرارة الكاتبة الإنجليزية الشهيرة «أنارورد» حين تقول: «ألا ليت بلادنا كبلاد المسلمين فيها الحشمة والعفاف رداء، إنه عارٌ على بلاد الإنجليز أن نجعل بناتنا مثلًا للزائل بكثرة مخالطتهن للرجال فما لنا لا نسعى وراء ما يجعل البنات تعمل بما يوافق فطرتها الطبيعية بما يوافق القيام في البيت وترك أعمال الرجال للرجال
стр. 1126
سلامة لشرفها وحفاظًا على أنوثتها ... » (١).
وفي، أمريكا تعترف الدكتورة «أيدي ألين» أن سبب الأزمات العائلية في أمريكا، وسبب كثرة الجرائم في المجتمع هو أن الزوجة تركت بيتها لتضاعف من دخل الأسرة، فزاد الدخل وانخفض مستوى الأخلاق .. إلى أن تقول الكاتبة: إن التجارب أثبتت أن عودة المرأة إلى بيتها هي الطريقة الوحيدة لإنقاذ الجيل من التدهور الذي يسير فيه.
وفي ألمانيا قامت مظاهرةٌ نسائية تدعو إلى تحرر المرأة من العمل وتفريغها للبيت وشؤونه، ونادت النساء الألمانيات في هذه المظاهرة أن يُنص عند عقد الزواج على عدم مزاولة المرأة للعمل وأن تكون رسالتها الزوجية والأمومة لا مزاحمة الرجال في المكاتب والمصانع والمرافق الحكومية» (٢).
تجتمع هذه النذر وتتلاقى هذه الصيحات لما نتج عن عمل المرأة وخروجها واختلاطها من انتكاسة في القيم والأخلاق، حتى قال العالم الإنجليزي (سامويل سمايلي) في كتابه «الأخلاق» «إن النظام الذي يقضي بأن تشتغل المرأة في المعامل ودور الصناعات مهما نشأ عنه من الثروة، فإن النتيجة هادمةٌ لبناء الحياة المنزلية ... » (٣).
أيها المسلمون والمسلمات- لماذا لا تُعلن الصيحات، ومأساةُ المرأة في الحضارة المادية المعاصرة لم تقف عند حدود المعمل والمصنع والشارع والشاطئ، بل حاصرت المرأة في دور العلم، ولم تسلم المرأة المتعلمة من
стр. 1127
حصار الرجل وظلمه حتى والمرأة تُحضر أعلى الدرجات العلمية، تقول إحدى الدارسات الحاصلات على درجة الدكتوراه في علم النفس أن رئيسها المباشر في الجامعة ابتدأ في معاكستها، وهي لا تستطيع أن ترفض طلبه لأن مستقبلها الدراسي بين يديه، تقول الدارسة: ولولا رضوخي لما كانت هناك امرأة في هذه الدرجة العلمية! ! (١).
أفبعد هذا يبقى مكانٌ للقيم والشيم؟ وقد شاعت الفاحشة في دور العلم، وشمل المثقفين، ووقع في شراكه المعلمون والمربون؟
إن الكارثة لا تنتهي عند هذا الحد، وسوسُ الفساد ينخر في المجتمع بسبب إفساد المرأة، وقد صدر كتابُ «الابتزاز الجنسي» لمؤلفه «لين فارلي» عام ١٩٧٨ م ليفضح استغلال الرجل للمرأة جنسيًا وفي الاستفتاء الذي قامت به جامعة «كورنل» بين عدد من العاملات في الخدمة المدنية، جاء من نتائج الاستفتاء أن سبعين في المائة من النساء تعرضن للاعتداء الجنسي عليهن، وأن ستة وخمسين بالمائة منهن اعتدي عليهن اعتداءاتٍ جسمانية .. إلخ التقرير الخطير (٢).
فأي حضارة تلك، وأي قيمة للمرأة في ظلها .. أين وقع المصطلحات الرنانة كالحرية، المساواة، وأين صيانة حقوق المرأة؟ !
стр. 1128
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين أسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، وأجلها نعمة الإسلام وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شرع لنا من الدين أحسنه وأنزل علينا أفضل كتبه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، به تمت رسالات السماء وكان خير المرسلين .. اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر النبيين.
إخوة الإسلام لضراوة الجاهلية المعاصرة، وظلم المرأة في ظل هذه الحضارة المادية المعاصرة، فقد استيقظت وتستيقظ أحيانًا فطرُ أكثر النساء لهوًا وضياعًا .. إنهن الممثلات العاريات، ورائدات دور السينما الفاتنات المفتونات .. تستيقظ أولئك النسوة على ضياعهن واستغلال الرجال لهن وفي فرنسا مثلًا- نشرت جرائد العالم في حينها- قصة الممثلة الفرنسية الداعرة، التي كانت تمثل مشهدًا عاريًا أمام الكاميرا، وفجأة ثارت ثورةً عارمةً وصاحت في وجه الممثل والمخرج تقول: أيها الكلاب، أنتم الرجال لا تريدون منا نحن النساء إلا أجسادنا، حتى تصبحوا من أصحاب الملايين على حسابنا، ثم انفجرت تبكي .. ».
وقبلها انتحرت الممثلةُ الأمريكية «مارلين ... » وكتبت كلمات تندب فيها حظها وتحذر بنات جنسها من مثل مصيرها (١).
أيها المسلمون والمسلمات أكتفي بهذه الإطلالة السريعة على واقع المرأة في الحضارة المادية المعاصرة لأقف مستنتجًا العبر والدروس الآتية:
أولًا: أن هذا الواقع المشين لم تبلغه المرأة دفعة واحدة، ولم تُجر إليه بين
стр. 1129
عشية أو ضحاها، وإنما كان هذا نتيجة تخطيط ماكرٍ مسبق استخدمت فيه الألفاظ البراقة الخادعة من جهة، وروجت له وسائل الإعلام وقنواتها المختلفة من جهة المرأة، ومع هذا الضجيج والخداع فقد اكتشفت المرأة أخيرًا اللعبة ولكن أنى لها الرجوع وقد أدخلت في النفق المظلم ولا تعلم طريق الخروج، فالاختلاط مثلًا عاد عليها بالويل والثبور وعرض أجسادهن لنهش الذئاب وفتك السباع، والحرية المزعومة لم تكن إلا غطاءً لخروجها دون حسيب أو رقيب وكان سببًا لتقويض بيت الزوجية الهانئة، ومعولًا لمشاعر الأم الحنونة، وسيفًا مصلتًا على العفة والكرامة والحياء أما المساواة فليس لها من المصطلح إلا رنينُ العبارة وجمال التسمية، وكيف تتاح المساواة مع الرجل في بيئات تشتد المنافسة في العمل بين جنس الرجال وأنى لهن أن يتحملن منافسة الجنس الآخر، والعطالة على أشدها، والانهيار الاقتصادي شبحٌ مخيفٌ!
ثانيًا: هذه الموجةُ الغازيةُ وهذا الفساد المستشري لم يقف عند حدود البلاد الكافرة ولو كان كذلك لهان الخطبُ وقيل هذه أمةٌ لا تهتدي بهدي الله ولا تظللها شريعة السماء، والمرأة هناك لا تستند على حقوق معتبرة كتلك التي ضمنتها الشريعة الإسلامية للمرأة المسلمة .. ولكن المصيبة أن يصل الخداع إلى المرأة المسلمة، فتنزع حجابها، وتختلط بالرجال، وتطالب بالحرية والمساواة وتحشر نفسها في النفق المظلم الذي دخلته المرأة الكافرة وهي الآن تصرخ باحثة عن المخرج، إنه عارٌ على المرأة المسلمة أن تستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير وإذا كان للمرأة الكافرة ما يفسر مطالبتها دون تبرير، فأي تفسير لانتهاك القيم ونزع الحياء والجلباب من المرأة المسلمة .. إن المرأة المسلمة أهلٌ للقيادة والريادة فكيف ترضى أن تُقاد، وكيف يسهل عليها أن تكون في مؤخرة القافلة، بدل أن تتصدرها؟
стр. 1130
ثالثًا: ينبغي أن يُعلم أن خط الانحراف في إفساد المرأة عمومًا والمرأة المسلمة خصوصًا لا يأتي جملة واحدة. ولا يُعلن المنفذون عن أهدافهم الحقيقية ببساطة، فالتدرجُ أسلوبٌ متبع والتذرعُ بالنصح للمرأة والمدافعة عن حقوقها بات وسيلة مكشوفة للمرأة قبل الرجل، فالحجاب مثلًا لا ينزع في البداية جملة، وإنما يكتفى بكشف الوجه ثم يتدرج إلى كشف شيء من الشعر ثم الذراعين، ثم الصدر وهكذا حتى يصل المخطط نهايته، والاختلاط لا ينبغي أن يصدم به المجتمع في الجامعات أو حتى في الثانويات والمتوسطات، على حد تعبير هؤلاء وإنما يطرح الاختلاط في الصفوف الأولى الابتدائية لتستمرأه النفوس وتخف النفرة من كلمة الاختلاط، فينتقل بعد حين إلى مرحلة أخرى وهكذا حتى يبلغ المخطط نهايته.
ومنافسة المرأة للرجل في الوظيفة ومشاركته في العمل تبدأ بافتتاح مجالات واسعةٍ لتعليم الفتاة في غير مجالها الذي يناسبها، ثم بعد ذلك حثها وحث وليها على المطالبة بتوظيفها، فتوفر وظائف كثيرة للنساء، حتى إذا امتلأت الأماكن الخاصة بالنساء، وبقيت طوابيرًا أخرى من النساء كانت الخطوة الجريئة بعد ذلك، بتوظيف المرأة بوظائف خاصة بالرجال والرجلُ أحوج ما يكون إليها، وربما كانت مع الرجل في مكتب واحد أو بينهما حجابٌ خفيف في البداية سرعان ما يخترق وتزال الحجب .. فتنبهوا معاشر المسلمين والمسلمات للخطر واستفيدوا من حصاد تجربة الآخرين والسعيد من وعظ بغيره.
رابعًا: أيتها المرأة المسلمة حذار أن يخدعك المنافقون، أو يؤثر فيك أصوات المأفونين، ولن تجدي أصدق من كتاب الله خطابًا إليك، ولا أرحم من شريعة الله بك، وليسعك ما وسع الأمهات الطيبات الطاهرات، ونساءُ المؤمنين الخيرات ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن
стр. 1131
جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (١).
ولقد قيل لمن هو خير منك وأزكى ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)﴾ (٢).
أما الناعقون بحريتك والمنادون بمساواتك، والحريصون على اختلاطك، ما أجد من أصدق العبارات التي قيلت بشأنهم «المرأة وذئاب تخنق ولا تأكل» وهو عنوان كتاب صدر لأبي عبد الرحمن بن عقيل الظاهري- عفا الله عنا وعنه- يقول في تحليل العنوان: الخنق رمزُ جوع جنس باعثه التداوي من الإثم بالإثم، وإيحاش القلب بالسلوك الرديء، وجبن وتقاعس عن الالتزام ومسؤليات الزواج» (٣).
إنني أحمل المرأة مسؤولية الدفاع عن نفسها، والاعتراف بدينها، واكتشاف النصحة من المتاجرين بقضيتها .. وأدعوها لمزيد من العلم بشريعة ربها، والوعي بإسلامها .. والتنبه لمخططات الأعداء لها .. ومن يتق الله يجعل له مخرجًا.
خامسًا: وفي سبيل وقاية نسائنا عما وصلت إليه المرأة الغربية من تعاسة وانتكاسة، أذكر بمسؤولية الجميع في الحفاظ على حياء وعفة المرأة المسلمة،
стр. 1132
وعدم اختلاطها، أو الاستجابة لنزع جلبابها تحت أي شعار، وبأي أسلوب خادع طرح، لابد من التنبه لمخاطر الطروحات المغلفة بغلاف المصلحة المزعومة، والحاجة القائمة .. ونحوها.
ومصيبة أن يُفاجأ الخيرون والخيرات بالستار يزاح عن مصيدة للمرأة حبكت فصولها في الخفاء، تلك مسؤولية العلماء والدعاة، ورجال الفكر، وأولي الأمر كافة.
стр. 1133
عبودية السراء (الشكر) (١)
الخطبة الأولى:
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢) يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ (٢).
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، نعمه لا تقدر ولا تحصى، وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها، يرضى لعباده الشكر ويكره منهم الكفر، وهو الغني الحميد، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله كان عبدًا شكورًا، وقام حتى تفطرت قدماه وهو المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر .. اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين وارض اللهم عن أصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
اتقوا الله عباد الله وبذلك أوصاكم كما أوصى الذين من قبلكم ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾.
إخوة الإسلام حديث اليوم عن عبادة قلبية وهي من مقامات القلوب وإن شملت الجوارح .. وهي يسيرة على من يسرها الله عليه، ولكنها في الخلق قليل، تمثلها الأنبياء ﵈ وانتفع بها السالكون لنهجهم، وأهلك الله بإنكارها
стр. 1134
أممًا، وقصم جبارين ما رعوها حق رعايتها، إنها عبودية السراء، قرنها الله بذكره فقال: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ﴾ (١).
أيها المسلمون ما أعظم الخطب حين يقول الله عن الشكر: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (٢) وحين يقول: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾ (٣). ويتعاظم الأمر حين تستمع آثار الشكر وعاقبة كفر النعم ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ (٤).
ترى من هم الفئة القليلة الشاكرة، وما معني الشكر وحقيقته، وما هي آثار الشكر، وعواقب الجحود، وهل من صور ونماذج للشكر والشاكرين، - وأخرى للجاحدين والمتكبرين .. وأمور أخرى سآتي على ذكرها في باب الشكر .. تذكيرًا بأنعم الله علينا، ودعوة للشكر لما أولانا، واستنقاذًا لأنفسنا من هلكة الجحود والبطر وإن لم نقلها بألسنتنا لكن واقع حالنا يشهد بها علينا.
إخوة الإيمان ولعظيم قدر الشكر قرنه الله بالإيمان وجعله سببًا مانعًا من عذابه فقال: ﴿مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ﴾ (٥).
وقال ابن مسعود ﵁: «الشكر نصف الإيمان» (٦).
وقال الشعبي: الشكر نصفُ الإيمان، واليقين الإيمان كله» (٧).
стр. 1135
وأخبر سبحانه أن الشكر هو الغاية من خلقه وأمره، بل هو الغاية التي خلق عبيده لأجلها ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١).
وإذا كان الشكرُ غاية الخلق، فهو غاية إرسال رسوله ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ﴾ (٢). كيف لا وقد أثنى اللهُ على أول رسول بعثه إلى أهل الأرض بالشكر فقال عن نوح ﵇ ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾.
قال ابن القيم: وفي تخصيص نوح هاهنا بالذكر، وخطاب العباد بأنهم ذريته إشارة إلى الاقتداء به، فإنه أبوهم الثاني، فإن الله لم يجعل للخلق بعد الغرق نسلًا إلا من ذريته كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ﴾ (٣)، فأمر الذرية أن يتشبهوا بأبيهم في الشكر فإنه كان عبدًا شكورًا (٤).
عباد الله كم من آية في كتاب الله عن الشكر نمرُّ عليها ونحن غافلون، فهل عقلنا إنما يعبد الله من شكره ﴿وَاشْكُرُوا لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (٥). وهل علمنا أن أول وصية وصى الله بها الإنسان بعد ما عقل عنه بالشكر له وللوالدين ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ (٦).
стр. 1136
ولعلو رتبة الشكر طعن اللعين في الخلق فقال: ﴿وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ (١).
وقطع الله بالمزيد مع الشكر ولم يستثن ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (٢).
والشكر خلق من أخلاق الربوبية ﴿وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ (٣)، وقد جعل الله الشكر مفتاح كلام أهل الجنة ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ (٤)، وقال ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٥).
أيها المسلم والمسلمة وتأمل معنى الشكر في اللغة، وهو: الظهور، من قولهم: دابة شكور إذا ظهر عليها من السِّمن فوق ما تُعطى من العلف.
ومن معانيه عند العلماء؛ الاجتهاد في بذل الطاعة مع الاجتناب للمعصية في السر والعلانية، وقيل: هو الاعتراف في تقصير الشكر للمنعم، وقيل: الشكر لمن فوقك بالطاعة ولنظيرك بالمكافأة، ولمن دونك بالإحسان والإفضال (٦).
ولابد للشكر من أركان ثلاثة، ولا يكون العبدُ شكورًا إلا بمجموعها: أحدها اعترافه بنعمة الله عليه، والثاني الثناء على الله بها، والثالث: الاستعانة بها على مرضاته (٧).
والشكر يتعلق بثلاثة أشياء، بالقلب للمعرفة والمحبة وباللسان للثناء
стр. 1137
والحمد، وبالجوارح لاستعماله في طاعة المشكور وكفِّها عن معاصيه، على حدِّ قول الشاعر:
أفادتكم النعماءُ منِّي ثلاثةً ... يدي ولساني والضمير المحجبا
وهذا يُصحح الفهم عند بعض الناس حين يظنون أن الشكر مجردُ حديث اللسان، فهذا مع أهميته فلابد من صدق القلب ومحبته لمن يشكره وخوفه من عقابه والجوارح تصدق هذا أو تكذبه.
يُروى أن وفدًا قدم على عمر بن عبد العزيز يرحمه الله، فقام شابٌ ليتكلم، فقال عمر: الكبر الكبر، فقال: يا أمير المؤمنين، لو كان الأمر بالسِّن لكان في المسلمين من هو أسنُّ منك، فقال تكلم، فقال: لسنا وفدُ الرغبة، ولا وفدُ الرهبة، أما الرغبة فقد أوصلها إلينا فضلك، وأما الرهبة فقد آمننا منها عدلك، وإنما نحن وفد الشكر، جئنا نشكرك باللسان وننصرف، قال الغزالي: فهذه هي أصول معاني الشكر المحيطة بمجموع حقيقته (١).
نعم إخوة الإيمان إن مجرد الثناء باللسان شكرٌ، وهو وإن كان وحده لا يكفي، والفرق كبيرٌ بينه وبين التشكي والتضجر وإظهار الحزن دائمًا، فهذا ازدراء لنعم الله ولذا كان من هدي السلف أنهم كانوا يتساءلون كلما التقوا- ولو كان العهدُ قريبًا- وذلك لإظهار نعمة الشكر، قال ابن عمر ﵄: «لعلنا نلتقي في اليوم مرارًا يسأل بعضُنا عن بعض، ولم يرد بذلك إلا ليحمد الله » (٢).
وهذه لطيفة حمالٍ فاعقلوها، رأى بكرُ بن عبد الله المزني حمالًا عليه حَمْله وهو يقول: الحمد لله، أستغفر الله، قال: فانتظرته حتى وضع ما على ظهره
стр. 1138
وقلت له: أما تحسن غير هذا؟ قال (الحمال) بلى، أحسن خيرًا كثيرًا أقرأ كتاب الله، غير أن العبد بين نعمةٍ وذنب فأحمد الله على نعمه السابغة وأستغفره لذنوبي، فقلت: الحّمال أفقه من بكر (١).
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الْدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢)﴾ (٢)، نفعني الله وإياكم.
стр. 1139
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين يستحق الحمد والثناء، اللهم لك الحمدُ بما خلقتنا ورزقتنا، وهديتنا وعلمتنا، وأنقذتنا وفرَّجت عنا، لك الحمد بالإسلام والقرآن، ولك الحمد بالأهل والمال والمعافاة، اللهم لك الحمد بكل نعمة أنعمت بها علينا في قديم أو حديث أو سرٍّ أو علانية أو خاصةٍ أو عامة، لك الحمد حتى ترضى ولك الحمد إذا رضيت.
وأشهد أن لا إله إلا الله في ربوبيته وإلاهيته وأسمائه وصفاته وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر النبيين.
أيها المؤمنون والشاكرون أطيب الناس قلبًا، وأهنأهم عيشًا، وأوصلهم لما أمر الله به أن يوصل الشاكرون يقنعون باليسير، ويستجلبون بالشكر المزيد، يعلم الشاكرون أنهم وإن حرموا شيئًا فقد أعطوا أشياء، وإن اشتكوا مرضًا في جانب من جسدهم فقد أصحَّ لهم جوانب كثيرة أخرى.
والشاكرون لا يشكون المصائب وينسون النعم، بل ينسون مصائبهم في مقابل ما وهبهم الله من نعم، ولسان حالهم يقول:
يا أيها الظالمُ في فعله ... والظلم مردود على من ظلم
إلى متى أنت وحتى متى ... تشكو المصيبات وتنسى النعم (١)
ويدرك الشاكرون أن الشكر سبيلٌ لرضى من يستحق الرضى والشكر، ثبت في صحيح مسلم عنه ﷺ قال: «إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده، ويشرب الشربة فيحمده عليها» (٢).
стр. 1140
وهو طريق للمزيد من النعم، كذا جاء الخبر مؤكدًا في كتاب الله ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ قال الحسن البصري: إن الله ليمتع بالنعمة ما شاء فإذا لم يُشكر عليها قلبها عذابًا».
ولهذا كانوا يُسمون الشكر بـ (الحافظ) لأنه يحفظ النعم الموجودة، و (الجالب) لأنه يجلب النعمَ المفقودة.
يا أخا الإيمان، الشكر وصية الرسول ﷺ لمن أحب، فقد قال النبي ﷺ لمعاذ: «والله إني أحبك فلا تنسَ أن تقول دبرَ كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك، وحسن عبادتكِ» (١).
والشكر سببٌ للثبات على الإيمان وعدم الانقلاب على الأعقاب حين تُزلزل الأقدام، وتأمل موقف الشاكرين حين ارتد من ارتد من العرب يوم توفي ﵊، قال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (٢).
إخوة الإسلام إن منزلة الشكر عظيمة، ويكفي أن صاحبها يبلغ الصائم الصابر، قال ﵊: «الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر» (٣).
ونقيض الشكر من الجحود وتناسي فضل المنعم يورد صاحبه موارد الهلكة، ولهذا السبب كانت النساء أكثر أهل النار، كما قال ﵊: «لو
стр. 1141
أحسنت إلى إحداهن الدهر، ثم رأت منك شيئًا قالت: ما رأيت منك خيرًا قط» (١).
فإذا كان هذا بترك شكر نعمة الزوج، وهي في الحقيقة من الله، فكيف بمن ترك شكر نعمة الله؟
يا ابن آدم كم لله عليك من نعمة تُدرك شيئًا وتغيب عنك أشياء، فبأي شيء تُراك قابلت هذه النعم؟
تنسَّك رجلٌ فقال: لا آكل الخبيص، لا أقوم بشكره فقال الحسن: هذا أحمق، وهل يقوم بشكر الماء البارد؟ (٢).
وجاء رجلٌ إلى يونس بن عبيد يشكو ضيق حاله فقال له يونس: «أيسرك ببصرك هذه مائة ألف درهم؟ قال الرجل: لا، قال: فبيديك مائة ألف؟ قال: لا، قال فبرجليك مائة ألف؟ قال: لا .. قال: فذكَّره نعم الله عليه ثم قال له يونس؟ أرى عندك مئين الألوف، وأنت تشكو الحاجة؟ ! (٣).
وقال أبو الدرداء ﵁: من لم يعرف نعمة الله عليه إلا في مطعمه ومشربه فقد قلَّ علمُه وحضر عذابه».
عباد الله وما بالنا ونعم الله تترى علينا نضيق بنازلةٍ يسيره، ونغتاظ لمرض يسير ألمَّ بنا، ونكره لفوات محبوب من ملاذ الدنيا فات علينا - ولئن حُرمنا القليل فقد أُعطينا الكثير، ولئن ألم بنا مرضٌ يسير فقد متعنا الله بالصحة عمرًا طويلًا.
стр. 1142
أين الشكر على نحو قوله ﵊: «من أصبح آمنًا في سربه معافًا في بدنه، عنده قوت يومه وليلته فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها».
أين الشكرُ على نعمةِ الجوارح وسلامتها؟ وأين الشكر على نعمة الأمن والرخاء، وأين الشكر على نعمة العقل والإرادة وأين الشكر على نعمةِ الأموال والأزواج والبنين .. وقبل ذلك وأين الشكر على نعمة الإسلام والإيمان .. إنها وغيرها نعمٌ تستحق الشكر باللسان والقلب والجوارح.
стр. 1143
وقفات من معركة القادسية (١)
الخطبة الأولى:
الحمد لله رب العالمين كتب العزة والغلبة له ولرسوله وللمؤمنين، وجعل الذلَّ والصغار على الكافرين والمنافقين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يُديل على المؤمنين فترة ثم ينصرهم، ويمكن للظالمين حينًا ثم يأخذهم وربك يحكم ما يشاء ويختار.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله استخرج الله به الأمة من عبادة العباد إلى عبادة ربِّ العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر المرسلين، وعلى آله المؤمنين وصحابته الغرِّ الميامين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (٢).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٣).
أما بعد إخوة الإيمان فيطيب لي أن أنتقل وإياكم نقلتين بعيدتي الزمان والمكان، إحداهما أبعد من الأخرى- أما الزمان فإلى ما يزيد على ألف وأربعمائة سنة- وبالتحديد ما بين أربعة عشر وستة عشر للهجرة، أما المكان فيتردد ما بين طابة الطيبة، وتخوم العراق حيث وقعت معركة القادسية.
стр. 1144
لقد بلغ الخليفة عمر بن الخطاب ﵁ هزيمةُ المسلمين في وقعة الجِسْرِ التي قُتل فيها خلق من المسلمين وفي مقدمتهم قائدهم أبو عبيد ﵏ جميعًا ورضي عنهم، كما بلغ الخليفة- أيضًا- انتظام شمل الفرس تحت قيادة يزدجرد، ونقض أهل الذمة بالعراق عهودهم، وإيذاء المؤمنين وإخراج العمال من بين أظهرهم .. وبلغت الغضبة العمرية لله مداها، وقرر الخروج بنفسه غازيًا للفرس في العراق، ولو كان يدير أمور الأمة كلها ومع أنه ركب ونزل على ماءٍ يُقال له صرار، واستصحب معه عثمان وسادات الصحابة، واستخلف عليًا على المدينة .. إلا أن بعض المسلمين أشار عليه أن يبعث غيره وأن يعود هو إلى المدينة، وفي هذا يقول عبد الرحمن بن عوف: إني أخشى إن كُسرت أن يضعف المسلمون في سائر أقطار الأرض .. فيرعوي عمر للمصلحة الكبرى ويقتنع المسلمون بمشورة ابن عوف ﵃ أجمعين، ويُنتدب لهذه المهمة العظيمة الأسد في براثنه - كما قال المشير ابن عوف: سعد بن أبي وقاص ﵁ مع سابقة سعدٍ وشريف نسبه، وصدق جهاده وبلائه، فقد أوصاه عمرُ وذكره الله قائلًا: يا سعد لا يغرنك من الله أن قيل خالُ رسول الله ﷺ وصاحبه، فإن الله لا يمحو السيئ بالسيئ ولكن يمحو السيئ بالحسن، وإن الله ليس بينه وبين أحدٍ نسبٌ إلا بطاعته، فالناس شريفهم ووضيعهم في ذات الله سواء، والله ربُّهم وهم عباده، يتفاضلون بالعافية، ويدركون ما عنده بالطاعة، فانظر الأمر الذي رأيت رسول الله ﷺ منذ بُعث إلى أن فارقنا عليه فالزمه، فإنه الأمر» (١).
ألا ما أعظمه من تجرد .. وأصدقها من نصيحة، وأصعبها من مهمة يستجيب سعدٌ للمهمة وهو يرى أنه سهم من سهام الإسلام مستعدٌ لأن يُرمى به في أي نحرِ من نحور الأعداء، ويقود المعركة العظيمة وإن بقي متكئًا على صدره فوق وسادة
стр. 1145
لا يستطيع الركوب ولا الجلوس، فقد أصيب بمرض عرق النساء، وأصاب جسده دمامل في فخذيه وإليته.
عباد الله إذا صدق القادة والأمراء انسحب ذلك على الجند وإن كانوا من أولي الأعذار والضعفاء، أوليس الأعمى من أولي الضرر الذين استثناهم الله في قوله: ﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١). مع ذلك أثبتت القادسية بطولاتٍ لرجالٍ كانوا من أولي الضرر قلَّ أن يجود الزمانُ بمثلها.
قال أنس بن مالك ﵁ رأيت يوم القادسية عبد الله بن أمِّ مكتوم ﵁ وعليه درعٌ يجزُّ أطرافها، وبيده راية سوداءُ، فقيل له: أليس قد أنزل الله عُذرك؟ قال: بلى، ولكني أُكَثِّر سواد المسلمين بنفسي» (٢). وهو الذي كان يقول: ادفعوا إلي اللواء فإني أعمى لا أستطيع أن أفر، وأقيموني بين الصفين» (٣).
يُقال إنه استشهد يوم القادسية (٤) ﵁ وأرضاه.
أمة الإسلام إذا قام أهل الأعذار بما أعفاهم اللهُ من القيام به، أفيليق بالأسوياء الأقوياء أن يفرطوا بما أوجب الله عليهم من تكاليف هذا الدين؟
ألا إنها الهممُ العالية لا ترضى بأصحابها دون أعالي الجنان وسيطرة الهوى والشهوة يوردان المرءَ موارد الردى.
أيها المسلمون وثمة مواقف وعبرُ تلفت نظر المتأمل في هذه الوقعةِ العظيمة،
стр. 1146
وما أولانا بالاستفادة منها فهل من مُدَّكر؟ وتحمل لنا الروايات التاريخية أنه كان عند سعدٍ في قصره رجلٌ مسجونٌ على الشراب، كان قد حُدَّ فيه مراتٍ متعددة .. فأمر به سعد فقيد وأودع في القصر، فلما رأى الخيول تجول حول حِمى القصر، وكان من الشجعان الأبطال قال:
كفى حزنًا أن تدحم الخيل بالفتى ... وأترك مشدودًا عليَّ وثاقيا
إذا قمتُ عناني الحديد وغُلِّقت ... مصاريع من دوني تُصِم المناديا
وقد كنت ذا مالٍ كثيرٍ وإخوةٍ ... وقد تركوني مفردًا لا أخاليا
ثم سأل من «زَبراء» أمِّ ولدِ سعدٍ أن تطلقه، وتعيره فرس سعد، وحلف لها أن يرجع آخر النهار، فيضع رجله في القيد، فأطلقته، وركب فرسَ سعدٍ وخرج فقاتل قتالًا شديدًا، وجعل سعدٌ ينظر إلى فرسه فيعرفها وينكرها ويُشبه الفارس بأبي محجن، ولكن يشكُّ لظنه أنه في القصر موثق، فلما كان آخر النهار رجع (الفارسُ الموثق) من رحلة الجهاد فوضع رجله في قيدها- وفاءً بالعهد ونزل سعدٌ فوجد فرسه يعرق، فقال: ما هذا؟ فذكروا له قصة أبي محجن، فرضي عنه وأطلقه ﵄» (١).
أيها المؤمنون .. وليست الخطيئة ضربة لازبٍ لا يستطيع المخطئ الفكاك عنها، وليس المخطئون عناصر فاسدة في المجتمع لا يمكن الاستفادة من طاقاتهم، ولا يُقال عثراتهم كلا، وليس يُكتب على المرء- في ظل شريعة الإسلام- الشقاوة أبد الدهر إن هو قصَّر يومًا أو استزله الشيطان وحثه فعمل محظورًا، فالخطيئة تُداوى بالتوبة، والسيئة تمحوها الحسنة بعدها، ومن مراغمة الشيطان عدم الاستسلام لنزغاته حين مقارنة الذنب، أو توهينه وتيئيسه بعد
стр. 1147
الوقوع في الذنب، فالله كريم يبسط يده بالنهار ليتوب مسيءُ الليل، ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ومن تمام عقل الإنسان وتوفيق الله له أن يزداد في الحسنات كلما أحسَّ من نفسه ضعفًا وارتكابًا للخطيئات، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ (١)، بل ربما تحولت السيئة إلى حسنة بفضل الندم على فعلها وكثرة الاستغفار منها، ومحاولة التعويض عنها، وعكس ذلك الحسنة التي يعجب بها صاحبها ويمن بها على الله وربما كانت سببًا لغروره وقعوده عن عمل الصالحات، ودونكم هذه المقولة لأحد السلف يقول سعيد بن جبير يرحمه الله: «إن العبد ليعمل الحسنة فيدخل بها النار، وإن العبد ليعمل السيئة فيدخل بها الجنة، وذلك أنه يعمل الحسنة فتكون نصب عينيه ويُعجب بها، ويعمل السيئة فتكون نصب عينيه فيستغفر الله ويتوب إليه منها .. » اهـ (٢).
ألا فلا تقعدَّن بكم الخطايا- معاشر المسلمين- عن عملِ الصالحات ولا يصدنكم الشيطان معاشر المخطئين عن المساهمة مع المسلمين في الدفاع عن حياض الدين ومجاهدة المشركين والمنافقين، فكل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون، وربما ارتفع سهمُ الغيرة لدين الله ومحارمه عند شخص يرى أنه مسرف على نفسه بالمعاصي، فكانت تلك الغيرةُ سببًا لانعتاقه من أسر الخطيئة أولًا، وطريقًا إلى سلوكه صراط الله المستقيم وثباته على شرعه القويم، ومجاهدتهم في سبيل الله بما يستطيع ثانيًا، وفضل الله يؤتيه من يشاء، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣).
стр. 1148
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله إمام المتقين وسيد ولد آدم أجمعين، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر النبيين.
أيها المسلمون، ومن وقفات معركة القادسية حديثٌ عن الأتقياء الأخفياء أولئك الذي وضعوا نصب أعينهم الآخرة ونعيمها فعملوا ما في وسعهم لها، واستشعروا محبة الله فعملوا بطاعته والبحث عن رضاه، لم تقعد بهم جراحات المعركة عن حزبهم من قيام الليل وتلاوة كتاب الله، ولم ينقص من جهادهم أن الخليفة لا يعرفهم بأعيانهم أولئك أقوامٌ يستشعرون رقابة الله فتكفيهم عن رقابة سواه، ويدركون دورهم في الحياة ومسؤوليتهم الفردية أمام الله فيدفعهم ذلك إلى أن يكونوا آسادًا بالنهار، رهبانًا بالليل .. يصفهم سعد ﵁ في رسالته التي بعث بها إلى الخليفة عمر يخبره بالفتح ثم يقول:
وأصيب من المسلمين سعدُ بن عبيد القارئ، وفلانٌ، وفلانٌ ورجالٌ من المسلمين لا يعلمهم إلا الله فإنه بهم عالم، كانوا يدوُّون بالقرآن إذا جنَّ عليهم الليل كدوي النحل، وهم آسادٌ في النهار لا تُشبههم الأسود، ولم يَفضُل من مضى منهم من بقي إلا بفضل الشهادة إذ لم يُكتب لهم» (١).
أيها المسلمون بهذه النوعية من الجند انتصر المسلمون وبهذه العناصر الجادة في الجهاد والعبادة فُتحت البلادُ والقلوب ودخل الناس في دين الله أفواجًا، وامتد رواقُ الإسلام شرقًا وغربًا، تلك من إيحاءات وقعة القادسية التي لم يكن
стр. 1149
عددُ جيش المسلمين فيها مقاربًا لجيش الفرس، فقد نُقل أن جيش المسلمين كانوا ما بين السبعة آلاف إلى الثمانية آلاف، وأن جيش الفرس كانوا أربعين أو ستين ألفًا، وقيل كانوا ثمانين ألفًا، وقيل كانوا في مائة ألف وعشرين ألفًا» (١). وأيًا ما كان العدد والفرق كبير بين الجيشين عددًا وعدة، ومع ذلك كتب الله النصر للمسلمين، وكانت بداية الأفول لإمبراطورية الفرس الكبرى.
وذلك يدعونا إلى الحديث عن الغثائية في مجتمع المسلمين في الأزمنة المتأخرة زمان التردي والضعف والانحسار حين يكثر عددهم ويقلُّ صدقهم، وتتفرق كلمتهم وتذهب ريحهم، فيسومهم العدو سوء العذاب، ويستولي على بلادهم، ويهيمنُ على مقدراتهم أين نحن من أهل القادسية، أين رجالاتنا من رجالاتهم، وأين نساؤنا وصبياننا من نسائهم وصبيانهم، وتلك هي الوقفة الأخيرة التي تتعلق بالمرأة وحشمتها وعفافها، مع مساهمتها في الجهاد ونكاية الأعداء، ودونكم هذه الرواية فتأملوها وحريٌّ بنسائنا وبناتنا وأخواتنا أن يفقهنها ويسرن علي منوالها.
عن أمِّ كثير امرأة همام بن الحارث النخعي قالت: «شهدنا القادسية مع سعدٍ مع أزواجنا، فلما أتانا أن قد فُرغ من الناس شددنا علينا ثيابنا، وأخذنا الهراوي ثم أتينا القتلى، فمن كان من المسلمين سقيناه ورفعناه، ومن كان من المشركين أجهزنا عليه، ومعنا الصبيانُ فنوليهم ذلك -تعنى استلابهم- لئلا يكشفن عن عورات الرجال» (٢).
وهكذا تُشكل المرأة المسلمة لبنة مهمة في كيان المجتمع المسلم، ويشارك
стр. 1150
الرجال همتهم في الجهاد ونكاية الأعداء، دون أن تتجاوز أنوثتها أو تتنازل عن شيءٍ من حشمتها وعفافها، فهي لم تشترك إلا حين فرغ الناسُ من القتال وانحازت الصفوف وبقي من يحتاج إلى المساعدة من المسلمين فيُسقى، ومن به رمقٌ من المشركين ولا يستطيع الحراك فينهى.
وقبل الإقدام على هذه الخطوة تُشدُّ الثياب فلا يبين منها عورة، ولا يطمعُ الذي في قلبه مرضٌ بنظرة أو شهوة وتترفع الحرائرُ العفيفات عن كشف عورات الرجال، وتترك للصبيان مهمة الاستلاب وأخذ ما مع الأعداء من عدة أو سلاح.
ألا ما أروع الصورة، وأنظف المسؤولية، ودقة الأداء مع كمال الحشمة والحياء ..
أين هذا من نساء يلهثن وراء الدعوة للاختلاط، ورجالٍ يرون الحشمة والحجاب مظهرًا من مظاهر التخلف وعهود الظلام؟ الفرق كبيرُ بين نساءٍ يساهمن في نشر الإسلام والتمكين لحضارة المسلمين والقضاء على الظلم والجهل والاستعباد وبين نساءٍ أو رجالٍ يتمنطقون بالعلمنة والتغريب ويريدون لأمتهم أن تكون ذيلًا في ركب الأمم التائهة في بيداء الظلام ويريدون لنسائهم أن يكن رقمًا ملحقًا بالغانيات الراقصات المائلات المميلات، وعلى الأقل يَكنَّ من النساء المترجلات فلا حشمة ولا حياء ولا عُزلة عن الرجال الأجانب يدفع الفتن والشرور ولا قرار في البيوت يتيح للمرأة إيجاد المحاضن المسلمة، إنه السُعار المحموم والتقليد الأبله وإفساد المرأة باسم المطالبة بحقوقها، وإذابة القيم باسم التقدم والحرية وليس يخفى فحيح الأفاعي على أولي الأحلام والنهى، ومن فضل الله علينا أن نساءَ هذه البلاد تربت وستظل بإذن الله على الحشمة والحياء رافضة موجات التقليد، ودعوات الاختلاط والسفور والناسُ
стр. 1151
بعمومهم يدركون الفرق بين المفسدين والمصلحين، وإن قال المفسدون إنما نحن مصلحون.
إخوة الإيمان أختم الحديث عن هذه الوقفات باهتمام الخليفة عمر بأمور الإسلام والمسلمين في نهاية المعركة كما كان مهتمًا في بدايتها .. رحمك الله يا عمر وأنت تخرج من المدينة إلى ناحية العراق تستنشق الخبر، وفي ذات يوم أبصر راكبًا يلوح من بعد، فاستقبله عمرُ واستخبره فأخبره أن الله فتح على المسلمين بالقادسية وغنموا غنائم كثيرة، وجعل الرجلُ يُحدث عمر وهو لا يعرفه، وعمر ماشٍ تحت راحلته، فلما اقتربا من المدينة جعل الناسُ يُحيون عمرَ بالإمارة فعرف الرجلُ عمر فقال: يرحمك الله يا أمير المؤمنين، هلا علمتني أنك الخليفة؟ فقالت عمر: لا عليك يا أخي» (١).
هكذا إخوة الإيمان تبدو صورة المجتمع المسلم في القادسية نموذجًا للصدق والإخلاص والجهاد والتفاني والتواضع والحشمة والحياء، بأمرائه ومأموريه، بقادته وجنده، برجاله ونسائه وصبيانه .. وإذا أراد المسلمون العزة اليوم فلابد أن يتخذوا من تاريخ المجاهدين الصادقين نموذجًا يحتذى به وسُلمًا للوصول .. اللهم أصلح أحوال المسلمين واجمع كلمتهم على الحق والدين ..
стр. 1152
(١) بين التطير والتفاؤل (١)
الخطبة الأولى:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى إخوانه وآله ورضي عن صحابته وأتباعهم إلى يوم الدين ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (٢).
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٣).
أما بعد فاتقوا الله أيها الناس وراقبوه في السِّر والعلن، وبتقوى الله تصلح الأمور، وتتلاشى الشرور، ويصلح للناس شؤون دينهم ودنياهم.
ألا وإن صلاح المعتقد سببٌ للصلاح والطمأنينة في الدنيا والفوز بالنعيم والسعادة في الآخرة.
وحين يكون الخللُ في العقيدة يبتدع الناس عوائد ما أنزل الله بها من سلطان، ويتلبسون بسلوكيات تنغص عليهم حياتهم وتجعلهم نهبًا لإيحاءات شياطين الجن والإنس.
لقد جاءنا الله بهذا الدين لتمتلئ قلوبنا بتعظيم الله، والتوكل عليه ولتقرَّ أعيننا
стр. 1153
بتطبيق شرائع الإسلام وأخلاقه العالية، في وقت كانت ولا زالت الجاهليات تُضربُ أطنابها وتضلل أتباعها، ويظل الفرد في ظل هذه الجاهليات نهبًا للأهواء، قلقًا حائرًا تطارده الهموم، ويسيطر عليه التشاؤم، وربما بلغ به القلقُ مبلغه، والتشاؤم نهايته فأنهى حياته بنفسه، ظن ليستريح والحق أنها بداية للشهوة الأبدية.
لقد كان العرب قبل بعثة محمد ﷺ في ظلام وشقوة ليست الطيرة إلا واحدة من سلوكياتها الخاطئة.
والطيرة هي التشاؤم واشتقاقها من الطير، إذا كانوا يتطيرون من الغراب والأخيل ونحوهما، وكان الواحدُ منهم إذا خرج لأمر ورأى الطير طار يمنة تيمن به واستمر، وإن رآه طار يسرة تشاءم به ورجع، وكانوا يُسمون الطائر ذات اليمين بالسانح ويستبشرون به ويستدلون به على نجاح سفرهم وقضاء حوائجهم، كما يسمون الذي يأخذ بالشمال (البارح) فيتشاءمون به، وقد يرجعون عن السفر بسببه، أو يتوقفون عن عمل بدؤوه (١).
وإذا كانت الجاهليات قديمًا وحديثًا تلتقي في كثير من صور الانحراف فإن التطير وُجد عند الأمم السابقة كما قص الله على نبيه ﷺ من أخبارهم في القرآن، منكرًا لها ومُشنِّعًا على معتقداتها وإذا كان التطير كلُّه مرفوضًا .. فإنه يتعاظم حين يكون الأمر خيرًا واقعًا .. أو يكون المُتطير منه نبيًا مرسلًا.
أجل لقد تطير فرعون وقومه المجرمون بموسى ومن معه من المؤمنين ﴿فَإِذَا جَاءتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَلا إِنَّمَا
стр. 1154
طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (١). كما تطير أهل القرية برسلهم الناصحين وهددوهم بالرجم والعذاب الأليم ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢). وتطيرت ثمود بنبيها صالح ﵇ وقد طلب إليهم ألا تستعجلوا للسيئة قبل الحسنة، وأوصاهم بالاستغفار لعلهم يرحمون: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ اللَّهِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ (٣).
عباد الله لم لا يكون التطير حرامًا وهو يصور لصاحبه الخير شرًا والحق باطلًا، وربما دفع بصاحبه إلى فعل المكروه أو الإحجام عن فعل المحبوب، وهو أولًا وآخرًا لا ينجي من المقدور، وليس بمقدور صاحبه أن يكتشف الغيب المستور ولذا رفضه بعض عقلاء الجاهلية وقال شاعرهم:
الزجر والطيب والكهانُ كلهم مُضللون ودون الغيب أقفال
وقال الرقشي:
ولقد غدوت وكنت لا ... أغدو على واقٍ وحاتم
فإذا الأشائم كالأيامن ... والأيامن كالأشائم
وكذلك لا خير ولا ... شرَّ على أحدٍ بدائم
لا يمنعنك من بغاء ... الخير تعقادُ التمائم (٤)
أما المسلم فيمنعه من التشاؤم عدة أمور رضاه بقضاء الله وقدره وثقتُه بأن ما يقدره الله له فيه خير فإن أصابته سراءُ شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراءُ صبر فكان خيرًا له.
стр. 1155
واعتقاده الجازم بأن المستقبل غيبٌ لا يعلمه إلا علام الغيوب ﴿قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ﴾، ومعرفته بأن الطيرة والتشاؤم نوعٌ من السحر، كما قال ﷺ : «العيافة والطرق والطيرة من الجبت» (١).
والجبت هو السحر عند جمع من أهل العلم، ووجه كون العيادة والطرق والطيرة سحرًا، لما فيها من دعوى علم الغيب، ومنازعة الله تعالى في ربوبيته .. إضافة إلى أن بعضهم يعتقد أن تلك الأشياء تنفعُ أو تضر بغير إذن الله تعالى (٢).
ومن أعظم ما يدعو المسلم للبعد عن التشاؤم والتطير خوفه من الشرك إذ هي بابٌ من أبوابه وطريقٌ موصلٌ إليه، وفي هذا يقول ﵊: «الطيرة شرك، الطيرة شرك» الحديث (٣).
وورد في حديث آخر: «من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك» قالوا فما كفارة ذلك قال: «أن تقول: اللهم لا خير إلا خيرك ولا طير إلا خيرك ولا إله غيرك» (٤).
يقول ابن القيم ﵀: فالطيرة بابٌ من الشرك وإلقاء الشيطان وتخويفه ووسوسته يكبر ويعظم شأنها على من أتبعها نفسه واشتغل بها وأكثر العناية بها،
стр. 1156
وتذهب وتضمحل عمن لم يلتفت إليها ولا ألقى إليها باله ولا شغل بها نفسه وفكره ..
أيها المسلمون يدعو المسلم كذلك للبعد عن التطير والتشاؤم قطعُ وساوس الشيطان، وبعده عما يُفسد عليه دينه، وينكد عليه عيشه وتأمل هذا الوصف الرائع من عالمٍ فقيه، لحال المتطير المتشائم يقول ابن القيم ﵀: «واعلم أن من كان معتنيًا بها- يعني الطيرة- قائلًا بها كانت إليه أسرع من السيل إلى منحدره، وتفتحت له أبوابُ الوساوس فيما يسمعه ويراه ويعطاه، ويفتح له الشيطان فيها من المناسبات البعيدة والقريبة في اللفظ والمعنى ما يُفسد عليه دينه، وينكدُ عليه عيشه .. إلى أن يقول: وحال من تطير وتشاءم كحال من غلبته الوساوس في الطهارة فلا يلتفت إلى علمٍ ولا إلى ناصح، وهذه حالُ من تقطعت به أسباب التوكل وتقلص عنه لباسه، بل تعدى منه، ومن كان هكذا فالبلايا إليه أسرع، والمصائب به أعلق، والمحنُ له ألزم، ثم ينتهي إلى توصيفه بقوله والمتطيرُ مُتْعبُ القلب، منكرُ الصدر، كاسف البال، سيءُ الخلق يتخيل من كل ما يراه أو يسمعه، أشد الناس خوفًا، وأنكدهم عيشًا وأضيق الناس صدرًا وأحزنهم قلبًا، كثيرُ الاحتراز والمراعاة لما لا يضره ولا ينفعه، وكم قد حرم نفسه بذلك من حظٍ، ومنعها من رزقٍ، وقطع عليها من فائدة» (١).
أيها المسلمُ ربما ندم المتطير مما تطير منه، واعتذر استحياءً ممن تطير به، ومن طريف ما يُروى عن بعض الولاة أنه خرج في بعض الأيام لبعض مهماته، فاستقبله رجل أعور، فتطير به وأمر به إلى الحبس، فلما رجع من مهمته ولم يلق شرًا أمر بإطلاقه، فقال له (المحبوس) سألتك بالله ما كان جرمي الذي حبستني
стр. 1157
لأجله؟ فقالت له الوالي: لم يكن لك عندنا جرمٌ، ولكن تطيرتُ بك لما رأيتك، فقال: ما أصبت في يومك برؤيتي؟ فقال الوالي: لم ألق إلا خيرًا، فقال الرجل، أيها الأمير: أنا خرجت من منزلي فرأيتك فلقيت في يومي الشرَّ والحبس، وأنت رأيتني فلقيت في يومك الخير والسرور فمن أشأمُنا، والطيرة بمن كانت؟ فاستحيا منه الوالي ووصله (١).
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (٢).
نفعني الله وإياكم بهدي الكتاب.
стр. 1158
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين خلق فسوى وقدر فهدى، وأشهد أن لا إله إلا الله في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخيرته من خلقه- اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء.
أيها المؤمنون ربما تساءل البعض وبماذا يقع التطير وما أكثر ما يتطير منه قديمًا وحديثًا؟ ولئن كانت الطيرة تختلف باختلاف الزمان والمكان والأشخاص، فمما يقع من التطير:
١ - الطيور كالغراب والأخيل، والبومة بشكل أخص، وهي التي جاء ذكرها في الحديث باسم (الهامة) قال ﵊: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر» (١).
قال ابن الأعرابي: كانوا يتشاءمون بها إذا وقعت على بيت أحدهم يقول نعت إليَّ نفسي أو أحدًا من أهل داري، ومعنى الحديث السابق لا شؤم بالبومة ونحوها (٢).
٢ - الشهور: وخاصة صفر .. إذ كان أهل الجاهلية يتشاءمون بصفر ويقولون إنه شهرٌ مشؤوم، وربما امتنعوا عن النكاح فيه، قاله ابن رجب: وكثيرٌ من الجهال يتشاءم بصفر، وربما ينتهي عن السفر فيه، والتشاؤم فيه هو من جنس الطيرة المنهي عنها (٣).
стр. 1159
٣ - الأيام: فهناك من يتشاءم ببعض الأيام وينسب إليها النحس والشؤم، كمن يتشاءم بيوم الأربعاء، وذلك من تلاعب الشيطان بالجهال (١).
٤ - وهناك من يتشاءم بالأعداد، كما تكره الرافضة لفظ العشرة، أو فعل شيء يكون فيه عشرة فلا يبنون بعشرة أعمد مثلًا، قال ابن تيمية وذلك لكونهم يبغضون خيار الصحابة وهم العشرة المشهود لهم بالجنة (٢). وكثيرٌ من الناس في الغرب يتشاءمون برقم ثلاثة عشر، وربما حذفته بعض شركات الطيران في ترقيم المقاعد (٣).
٥ - التشاؤم في المركب والمسكن والمرأة .. وربما تعلق هؤلاء بقوله ﷺ : «إن كان الشؤم ففي الدار والمرأة والفرس» (٤). وقد أجاب العلماءُ على هذا الحديث بأجوبةٍ عدة، ومن أجملها ما قاله ابن القيم: أن إخباره ﷺ بالشؤم في هذه الثلاث ليس فيه إثبات الطيرة التي نفاها الله، وإنما غايته أن الله سبحانه قد يخلق أعيانًا منها مشؤومة على من قاربها وساكنها، وأعيانًا مباركة لا يلحق من قاربها منها شؤون ولا شر، والله خلق الخير والشر والسعود والنحوس، فيخلق بعض هذه الأعيان سعودًا مباركة يسعد بها من قاربها، ويخلق بوضعها نحوسًا ينحس بها من قاربها، وكل ذلك بقضاء الله وقدره .. والفرق بين النوعين مدركٌ بالحس فكذلك في الديار والنساء والخيل، فهذا لونٌ والطيرة لون .. أهـ (٥).
стр. 1160
فإن قيل هذا جارٍ في كل مشؤوم فما وجهُ خصوصية هذه الثلاثة بالذكر؟ فجوابه: أن أكثر ما يقع التطير في هذه الثلاثة فخصَّت بالذكر (١).
٦ - الاستقسام بالأزلام، وهي القداح، كان الرجل في الجاهلية إذا أراد سفرًا أو زواجًا أو أمرًا مهمًا أدخل يده في وعاء يضع فيها القدح، فأخرج منه (زلمًا) فإن خرج الأمر مضى لشأنه وإن خرج النهي كف ولم يفعل (٢).
وذلك نوعٌ من التطير المنهي عنه، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾، وفي الحديث عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لن يلج الدرجات العلى من تكهن، أو استسقم، أو رجع من سفرٍ تطيرًا» (٣).
إخوة الإسلام: ومن الاستسقام بالأزلام في هذا العصر: ضربُ الرمل والودع (٤)، وفتح الكتاب والكوتشينة، وقراءة الفنجال، وكلُّ ما كان من هذا القبيل حرام منكر في الإسلام (٥).
إخوة الإيمان احذروا التطير والتشاؤم في أمور حياتكم كلِّها فإنه مفسدة للدين والدنيا، ولما لم يكن في ترك التطير إلا تحقيق التوحيد لكان هذا كافيًا، ودونكم هذا الحديث العظيم فتأملوه، واحرصوا على العمل به، أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن حُصين بن عبد الرحمن قال: «كنت عند سعيد بن جبير فقال: أيكم