← Джавами‘

Джавами‘ · id 20948

شعاع من المحراب

سليمان بن حمد العودة

Полный текст (3 545 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

مقابل إنشاء مستعمرة قرب القدس، فيجابههم بالرفض التام والتحقير والتوبيخ كما في الوثيقة الشهيرة. ثم يدرك اليهود أن لا وسيلة لهم لتحقيق أغراضهم إلا القضاء على هذه الدولة بالتآمر مع الدول الكبرى وقد كان، فليهود الدونمة دور كبير في القضاء على الدولة واختيار الزعماء المناسبين لهم. ويستمر العداء، ويؤكد الخلف ما بدأه السلف فليست عداوتهم تاريخًا مضى وانتهى إنما هي عقيدة يلقنها الآباء للأبناء. فهذا «مناحيم بيجن» يقول: (أنتم أيها الإسرائيليون لا يجب أن تشعروا بالشفقة حتى تقضوا على عدوكم، ولا عطف ولا رثاء حتى تنتهوا من إبادة ما يسمى بالحضارة الإسلامية، التي سنبني على أنقاضها حضارتنا) (١). وهذا «شامير» يقول في حفل استقبال اليهود السوفيت المهاجرين إلى إسرائيل (إن إسرائيل الكبرى من البحر إلى النهر هي عقيدتي وحلمي شخصيًا، وبدون هذا الكيان لن تكتمل الهجرة ولا الصعود إلى أرض المعاد، ولن يتحقق أمر الإسرائيليين ولا سلامتهم). ويقول ابن غوريون (نحن لا نخش الاشتراكيات ولا الثوريات ولا الديمقراطيات في المنطقة، نحن فقط نخشى الإسلام هذا المارد الذي نام طويلاً وبدأ يتململ) (٢). هكذا يحدد اليهود أعداءهم، وكذلك تستمر العداوة، ويتحقق إعجاز القرآن ﴿لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا .... ﴾ (٣).

стр. 107

أيها المسلمون المعلم الثاني والبارز في تاريخ اليهود هو نقضهم العهود، قال تعالى ﴿الذين عاهدت منهم ثم ينقدون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون﴾ (١). وقال تعالى ﴿أو كلما عاهدوا عهدًا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون﴾ (٢). فهذه شهادة القرآن، فما هي شهادة الواقع على هؤلاء الأقوام؟ لقد عاهدهم الرسول ﷺ وكتب بينه وبينهم كتابًا حين وصل المدينة، فهل التزم اليهود العهد واحترموا الميثاق؟ كلا فقد غدر يهود بني قينقاع بعد غزوة بدر وانتصار المسلمين على المشركين، والمعاهدة لم يمض عليها إلا سنة (٣). وغدرت يهود بني النضير بعد غزوة أحد وتجرأوا على المسلمين بعد ما أصابهم في غزوة أحد. وغدرت بنو قريظة عهدهم في أشدّ الظروف وأحلكها على المسلمين يوم الأحزاب، فإذا كانت هذه أخلاقهم مع من يعلمون صدقه، ويعتقدون نبوته، فهل يرجى منهم حفظ العهود مع الآخرين، هل يتوقع صدق اليهود في معاهداتهم مع من يرونهم أضعف وأقل شأنًا؟ إن اليهود قوم بهت، كلما قال عبد الله بن سلام ﵁ الذي كان يهوديًا فأسلم، وهم ينظرون إلى العهود والمواثيق التي يوقعونها مع غيرهم أنها للضرورة ولغرض مرحلي ولمقتضيات مصلحة آنية، فإذا استنفد الغرض المرحلي نقض اليهود الميثاق من غير استشعار بأي اعتبار خلقي أو التزام أدبي (٤).

стр. 108

فإذا كانت تلك شهادة القرآن، وشهادة الواقع التاريخي على اليهود، فإن من الجهل والبلاهة والحمق الثقة بأيّ معاهدة يبرمها اليهود، وبأي اتفاق يتم مع اليهود. إخوة العقيدة والإيمان يأبى الله إلا أن ينتقم من هذه الطغمة الفاسدة في الحياة الدنيا وقبل أن يقوم الأشهاد، وذلك بتسليط شعوب الأرض وأممها على اليهود، كلما اشتد فسادهم في الأرض، تحقيقًا لقوله ﴿وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب .. ﴾ (١). وذلك معلم ثالث من معالم تاريخهم وذلك راجع- والله أعلم- إلى فسادهم، وإلى علوهم واستكبارهم، وتحريف كتبهم، وحقدهم وعدائهم، فليس لهم صديق دائم، بل المصلحة والمنفعة الذاتية هي التي تخلق لهم الأصدقاء أو تجلب لهم العداوة والبغضاء، ولذلك فما من شعب جاوره اليهود إلا ويبغضهم ويحاول التخلص منهم، وإليكم هذه النماذج من شهادات التاريخ. ففي سنة ١٢٩٠ للميلاد قضى الإنجليز على اليهود جميعًا بالنفي وتبعهم في ذلك الفرنسيون وفي عامي ١٣٤٨، ١٣٤٩ م انتشر الموت الأسود في أوربا، واتهم اليهود بأنهم سمموا الآبار ومجاري المياه، فاشتدت حملة القتل والتنكيل والتشريد بهم، بالرغم من محاولة البابا «كليمنس السادس» الدفاع عنهم ولكن دون جدوى. وفي ١٤٩٣ م أصدر فرديناند وإيزابيلا بأسبانيا مرسومها الرهيب بالفتك باليهود والمسلمين فهام اليهود على وجوههم، ولم يجدوا ملاذًا آمنًا إلا بلاد المسلمين.

стр. 109

وفي سنة ١٨٨١ م كانت أعمدة الدخان تتصاعد حول بحر البلطيق إلى البحر الأسود حيث كانت عمليات حرق اليهود وبيوتهم وكتبهم مستمرة وحددت لهم روسيا مناطق لا يخرجون منها وألزمتهم الخدمة العسكرية خمسة عشر عامًا). إخوة الإسلام إذا كان النصارى والعلمانيون، والأوربيون والأمريكان أقرب الشعوب إلى اليهود فاسمعوا وجهة نظرهم فيهم، يقول «باكس» وهو أحد النصارى ( .. وكان في ذاكرة عامة أوربا أن اليهود يمتصون جهود البلاد الاقتصادية، ويمثلون الطرف الخبيث الخطر الذي يسعى أبد الدهر لتحطيم المسيحية). وفي أمريكا ألقى الرئيس الأمريكي الأسبق «بنيامين فرانكلين» أول خطاب في الاجتماع التأسيسي للولايات المتحدة بعد استقلالها عام ١٧٧٩ م قال فيه: (إن هؤلاء اليهود هم أبالسة الجحيم، وخفافيش الليل، ومصاصو دماء الشعوب. أيها السادة: اطردوا هذه الطغمة الفاجرة من بلادنا قبل فوات الأوان، ضمانًا لمصلحة الأمة وأجيالها القادمة، وإلا فإنكم سترون بعد قرن واحد أنهم أخطر مما تفكرون، وثقوا أنهم لن يرحموا أحفادنا، بل سيجلعونهم عبيدًا في خدمتهم .. إلى أن يقول: أيها السادة: ثقوا أنكم إذا لم تتخذوا هذا القرار فورًا، فإن الأجيال الأمريكية القادمة ستلاحقكم بلعناتها وهي تئن تحت أقدام اليهود .. ) (١). إخوة الإيمان، إذا كان هذا حكم القرآن فيهم، وتلك وجهات نظر أقرب الناس إليهم، فكم هو مؤلم ومؤسف أن تختل هذه النظرة عند بعض المنتسبين للإسلام، وينسوا أو يتناسوا هذا التأريخ البعيد والقريب لليهود فيطمعوا في صلح دائم معهم ويثقوا بعهودهم والله المستعان.

стр. 110

الخطبة الثانية الحمد لله رب العالمين ولا عدوان إلا على الظالمين والعاقبة للمتقين، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أيها المسلمون، من المعالم القرآنية التي حكم الله بها على اليهود: التفرق والشتات والخلاف ماض فيهم إلى يوم القيامة، يقول تعالى: ﴿وقطعناهم في الأرض أممًا﴾ (١) ويقول تعالى: ﴿وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة﴾ (٢) ويقول تعالى: ﴿تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون﴾ (٣). فهذه سنة ماضية من سنن الله في اليهود، يعلمها من يقرأ تاريخهم قديمًا وحديثًا، ودعونا نطوي صفحة الماضي حتى لا يظن أننا نتعلق دائمًا بالماضي، ففي عصرنا الحاضر وفي دولة إسرائيل اليوم من التفرقة العنصرية بين اليهود الغربيين الذين دون «الأشكنازيم» وبين اليهود الشرقيين الذين يسمون «السفارديم» من العداوة والبغضاء والكره ما الله به عليم، وليست تلك عداوة عنصرية لاختلاف المواقع، لكنها طبع، وتحقيق لموعود الله فيهم، وإليك هذا النص المؤكد لاستمرار عداوتهم، تقول يهودية روسية ذات ثقافة أكاديمية: «صحيح أننا نكرههم- تقصد اليهود الغربيين- وصحيح أنهم يكرهوننا، إننا إسرائيليون وهم إسرائيليون، يبدو أن سورًا كبيرًا يفصل بيننا، إننا نعيش في مستويات مختلفة ومفاهيم مختلفة، إننا نتحدث بشكل آخر ونفكر بشكل آخر، وينظر الواحد منا إلى الثاني بشكل آخر، إن هذا لأكثر من طائفتين

стр. 111

مختلفتين، هذا بمثابة شعبين مختلفين، صدقني هذه ليست عنصرية، إن ذلك ليس مسألة لون جلد، ولا مسألة البلد الأصلي، إن الذي يحدث ناجم عن الكراهة الثقافية، إنني أكرههم فإنني أتخوف من الانتقال ليلاً في تلك الشوارع التي يتجولون فيها، إنني أكرههم بسبب نظرتهم، بسبب كلماتهم البذيئة التي يطلقونها خلفنا، وبسبب جميع الأعمال الخسيسة التي يحاولون القيام بها ضدنا. إلى آخر مقالها الذي يعبر عن الكره بين طوائف اليهود وصدق الله: ﴿وتحسبهم جميعًا وقلوبهم شتى﴾ (١). إخوة الإيمان فلا تظنوا والحالة تلك أن يهود اليوم صف واحد وبنيان مرصوص، كلا فبنيانهم أوهى من بيت العنكبوت وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت، وما يخيل لبعض المسلمين اليوم من هيبة اليهود وقوة اليهود واجتماع كلمتهم إنما يبرز بسبب واقع المسلمين من الضعف والفرقة والشتات، وسيبصر المسلمون حقيقة الحال ويتأكدون من وصف القرآن إذا صلحت أحوالهم وعادوا إلى كتاب ربهم والتزموا شريعته، هناك يزول السراب الخادع، وتذهب الغشاوة عن العيون، ويأذن الله بنصر المسلمين، ويفر اليهود كما تفر الفئران من أرض المعركة، يحتمون بالقصور والحصون، غير قادرين على مواجهة المسلمين وحينها يعلم السلمون مصداق قوله تعالى ﴿لا يقاتلونكم جميعًا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون﴾. إخوة الإسلام إن المعالم في تاريخ اليهود كثيرة، وإن آيات القرآن عنهم

стр. 112

بليغة، وليس هذا حصرًا لها بقدر ما هو إشارة إلى بعض منها، وللمزيد من العلم أنصح بالاطلاع على عدد من الكتب عن اليهود ومنها: أ- جذور البلاء (عبد الله التل) ٢ - صراعنا مع اليهود (محمد ماضي) ٣ - صراعنا مع اليهود (محمد عثمان شير) ٤ - مكائد يهودية عبر التاريخ (عبد الرحمن حبنكة الميداني) ٥ - اليهود في القرآن (محمد عزة دروزه) ٦ - اليهود وراء كل جريمة (وليم كارل) ٧ - اليهود والماسونية (الشيخ عبد الرحمن الدوسري .. ﵀ ٨ - وأخيرًا صدر كتاب جيد بعنوان: معالم قرآنية في الصراع مع اليهود (الدكتور/ مصطفى مسلم .. ) ولا شك أن العلم والوعي بهذه الحقائق مهم في كل زمان ومكان، وهو في هذا الزمان أهم، وقد قيل إن معرفة المؤمنين بحالهم وحال أعدائهم نصف المعركة (١). ويبقى الشقّ الآخر وهو العمل والاستعداد فمجرد العلم وحده لا يكفي، وليست هذه المعرفة خاصة بطبقة دون أخرى، ولا بحاكم دون محكوم، ولا بذكر دون أنثى، فكل عليه كفله من المسؤولية، فليبدأ بإصلاح نفسه وتسديد عيوبه وتنمية معارفه، وليحذر من الخداع والتزوير وليجعل الكتاب والسنة دليله في هذه الحياة. اللهم أصلح أحوال المسلمين وردهم إليك ردًّا جميلاً يا كريم.

стр. 113

المعركة مع اليهود لماذا وإلى أين ؟ (١) الخطبة الأولى إن الحمد لله نحمده ونستعينه .. إخوة الإسلام وهناك ظاهرة تلفت النظر في كتاب الله لمن تدبر وتأمل، فعلى الرغم من ذكره للأمم والشعوب البائدة، وحديثه عن الشرائع والرسالات السابقة، فقد كان له تركيز أكثر واهتمام أكبر ببني إسرائيل وأنبيائهم عامة، وبأمة اليهود ونبي الله موسى ﵇ خاصة. فما من أمة من الأمم تناول القرآن تفصيل نشأتها وتاريخ تكوينها وبيان أحوالها ودقائق مواقفها، ودخائل نفوس أفرادها وخصائص شخصيتها مثل أمة اليهود. فأول ما يبدأ الحديث عن البشر بعد هبوط آدم من الجنة في سورة البقرة يبدأ عن بني إسرائيل ﴿يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون﴾ (٢) ويشمر الحديث عنهم في نيف وثمانين آية، وتتكرر قصصهم في أكثر من ثلث سور القرآن، وفي أول سورة (الفاتحة) والتي يكررها المسلمون يوميًّا في كل فريضة من فرائضهم، ونوافلهم ما شاء الله، «ولا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» في هذه السور يرد البيان الإلهي عن انحراف اليهود والنصارى، ويلتجأ المؤمنون إلى ربهم ألا يسلك بهم سبيلهم ﴿اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾.

стр. 114

وأول سورة بعد الفاتحة تسمى سورة البقرة، وهي بقرة بني إسرائيل، وتسمى السورة الثالثة بآل عمران، وآل عمران أسرة من أسر بني إسرائيل- وإن كانت تختلف عن بني إسرائيل في طاعتها وصدقها وعبادتها، ولذلك اصطفاها الله من بين من اصطفى ﴿إن الله اصطفى آدم ونوحًا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين﴾ (١). والسورة الرابعة تسمى سورة المائدة، وهي المائدة التي طلبها بنو إسرائيل، بل وخصصت سورة باسمهم هي سورة الإسراء التي تسمى سورة «بني إسرائيل» أيضا. وليس هناك من نبي ورد التفصيل عنه أكثر من موسى ﵇ مع اليهود، فما السر وراء هذا التركيز والاهتمام؟ ألكثرتهم؟ فقد كان اليهود ولا يزالوا أقلية في العالم لا يؤبه لعددهم. أم لأن لهم كيانًا معتبرًا ودولة كبيرةً حين نزل القرآن؟ فالحق أنهم ليسوا كذلك كما كان الفرس والروم وسائر الدول الوثنية الأخرى. إذن فما وراء هذا الاهتمام؟ قد يكون لكثرة تعنتهم وشدة صبر أنبيائهم عليهم، فيُنهى المسلمون عن محاكاتهم ويسلي النبي ويصبر على ما يلقى من أذى وعناد قومه .. قد يكون ذلك من أسرار هذا التكرار، وقد يكون السر في ذلك أن كتابهم المنزل (التوراة) فيه من العقائد والأحكام ما ينشئ أمةً ويكون سلطة ودولة، وكانت مواقفهم من هذه التشريعات والأحكام مجالاً لبيان الحق والصواب فيها. وقد يكون وراء ذلك جوارهم لمهبط الوحي، وشدة احتكاكهم بالعرب والمسلمين.

стр. 115

كل ذلك وغيره وارد أن يكون وراء الاهتمام بهم بهذا القدر، وهناك من خلص إلى سبب آخر فوق ما ذكر واعتبره الأهم، ألا وهو: أن الصراع بين اليهود والمسلمين سيبقى إلى يوم القيامة، وكلما خمدت جذوة الصراع في منطقة أو في عصر من العصور ستتجدد في مكان آخر وفي أزمنة متلاحقة وفي صور شتى فلا غرابة إذن أن يكثر الحديث عنهم، وأن يكشف القرآن أحوالهم (١). والمتأمل في آيات القرآن الكريم وأحاديث النبي الكريم ﵊ يجد ما يعضد ذلك، فالله تعالى أخبر في كتابه أن إشعالهم للحروب دائمة، وكذلك إفسادهم، ولكن الله تعالى تولى إخماد حربهم، وكره إفسادهم ﴿كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادًا والله لا يحب المفسدين﴾ (٢). كما تكفل الله تعالى ببعثها جند من جنده لتقليم أظافر اليهود كلما تطاولت إلى يوم القيامة ﴿وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم﴾ (٣). وأخبر الله بني إسرائيل في الكتاب الذي أنزل عليهم أنهم سيفسدون في الأرض مرتين، وسيسلط عليهم من يجوس ديارهم، ويستبيح بيضتهم ﴿وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوًا كبيرًا، فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادًا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدًا مفعولاً﴾ (٤) وسواء كان المسلط عليهم في الأولى جالوت أو بختنصر أو غيرهما، وفي الأخرى محمد ﷺ وأصحابه أو غيرهم. فقد حكم الله عليهم

стр. 116

بالهزيمة في الدنيا متى عادوا للإفساد، مع ما يذكره لهم في الآخرة من العذاب والنكال ﴿عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرًا﴾ (١). هذا في القرآن وفي صحيح السنة أخبر المصطفى ﷺ عن الملاحم التي تكون في آخر الزمان، ومن بينها الحرب مع اليهود (وأن الساعة لا تقوم حتى يقاتل المسلمون اليهود فينادي الحجر والشجر: يا مسلم يا عبد الله إن خلفي يهوديًّا فتعال فاقتله إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود) (٢). وأخبر النبي ﷺ في حديث آخر- أن اليهود يستمر خبثهم ويمتد كفرهم حتى يكونوا من جند المسيح الدجال في آخر الزمان، يقول ﵊ «يتبع الدجال من يهود أصفهان سبعون ألفًا عليهم الطيالسة» (٣). والفرق كبير والمسافة بعيدة بين من يستعيذ من فتنة الدجال كل يوم عدة مرات، وبين من يكون من جنده وأتباعه حتى الممات؟ وإذا انتكست المفاهيم والقيم، وانطمست الحقائق فلا حول ولا قوة إلا بالله، ولا يغير ذلك من الحق شيئًا. إخوة الإسلام إذن هذه أمة هذا شأنها وتلك بعض أخبارها في القرآن والسنة فلا عجب أن يهتم القرآن بذكرها. بل ولعل المطلع في القرآن يعجب حين يلحظ تقدم ذكر اليهود في القرآن، فلم يتأخر حديث القرآن عن اليهود إلى الفترة المدنية حيث جاوروا المسلمين وبدأ الاحتكاك والعداء ينشب بينهم، وإنما تقدم الحديث عنهم في الفترة

стр. 117

المكية، فلماذا كان الحديث عنهم في مكة ولم يكن لهم بها شأن يذكر، وقد شغل المسلمون بأذى كفار قريش وعداوتهم، ومع ذلك جاء الحديث عن معتقداتهم ومواقفهم مع أنبيائهم كما في سورتي الأعراف وطه المكيتين؟ لو كان الأمر متروكًا للاجتهاد البشري لقيل أن الأولى عدم التعرض لليهود في المرحلة المكية، لعدم كثرة اليهود في مكة، وعدم الاحتكاك مع المسلمين، ولا داعي لفتح هذه الجبهة والجبهة قائمة لمجابهة المشركين، خاصة وأن المسلمين كانوا مستضعفين في مكة يخافون أن يتخطفهم الناس من حولهم؟ أما وإن الوحي إلهي، والتخطيط للمعركة وتحديد الجبهات رباني، فلا شك أنها لحكمة عظيمة وغايات كبيرة، ولعل من أبرز هذه الحكم أن تعلم الأجيال الإسلامية اللاحقة من آيات الكتاب الحكيم أن معركة المسلمين مع اليهود معركة مستمرة بغض النظر عن المواقع التي يحتلها كل من الطرفين قوةً وضعفًا. إخوة الإيمان وتأملوا في قوله تعالى ﴿وأعدوا لهم ها استطعتم من قوة﴾، والآيات قبلها وبعدها ولعله من اللطائف القرآنية الدقيقة أن يأتي الأمر بإعداد القوة لإدخال الرعب والرهبة إلى قلوب الأعداء في سياق الحديث عن المعاهدات ونقض اليهود لها في كل مرة، فإن المعاهدة ليست سوى حبر على ورق لا أثر لها في الواقع إن لم تكن مدعمةً بالقوة التي ترتعد لها فرائص العدو، كلما فكر في نقضها أو إبطال مفعولها، وبعد الأمر بإعداد القوة الرهيبة يأتي الحديث عن السلم لأن السلم إن لم يكن من موطن القوة والعزة فهو تنازل للعدو وخضوع لشروطه فيكون استسلامًا لا سلامًا. اقرأ ذلك كله في قوله تعالى ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون وإن جنحوا للسلم

стр. 118

فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم﴾ (١). وليستشفوا من خلال الآيات القرآنية أن المعركة معركة المنهج الرباني والصراط المستقيم ضد المناهج البشرية الجاهلية المحرفة لشرع الله ووحيه والساعية للإفساد في أرضه! هذا كله فضلاً عن بناء الشخصية الإسلامية بناءً متميزًا بتوضيح الحق ورسم ملامحه، وفضح الباطل وكشف رموزه، ورغبة في سد الباب على المتقولين أن محمدًا أخذ من اليهود ما احتاج إليه ثم حسدهم وناصبهم العداء بعد الاحتكاك بهم، لو تأخر كشف باطلهم إلى الفترة المدنية. كما أن المؤمن قد أعطى علاجًا وقائيًا لما قد يتعرض له عند الاطلاع على عقائد اليهود، وعند التعامل مع يهود (٢). إخوة الإسلام هذه وتلك- أعني مزيد اهتمام القرآن باليهود في سوره وآياته، وتقدم الحديث عنهم في السور المكية قبل أن يبدأ الاحتكاك معهم في المدينة. تلك معالم قرآنية في الصراع مع اليهود وهي تستدعي منا وقفة متأنية متأملة، تدعونا إلى العلم بطبيعة هؤلاء اليهود، وتعرفنا بحجم المعركة بيننا وبينهم، ويجب أن تهدينا إلى أخذ الحذر والحيطة والاستعداد لهم بكل ما أوتينا من قوة، ولا يدري إلا الله من ذا الذي سيسلط عليهم في الجولة التالية وما بعدها إلى يوم القيامة .. وليس أصدق من كلام الرحمن ﴿ومن أصدق من الله قيلاً﴾ وليس أهدى من القرآن ﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم﴾ فهل يعي المسلمون حقائق القرآن، وهل يأخذون بتوجيهاته وأحكامه.

стр. 119

الخطبة الثانية الحمد لله رب العالمين يعز من يشاء ويذل من يشاء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ما يشاء ويحكم ما يريد، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخيرته من خلقه، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وتركها على محجة بيضاء، لا يزيغ عنها إلا هالك .. اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر المنذرين. أما بعد أيها المسلمون فإذا كانت هذه بعض معالم القرآن عن اليهود، فثمة معالم أخرى تكشف حقيقة وتاريخ اليهود، وتبين من جانب من إعجاز القرآن الكريم، وتحقق نبوة النبي ﷺ في هؤلاء الأقوام. ومن هذه المعالم: نقض العهود والمواثيق من جبلتهم والحرص على الحياة والتخاذل عند اللقاء طبع فيهم، عداوتهم للإنسانية عامة وللمؤمنين خاصة، وتسليط الشعوب والأمم عليهم كلما اشتد فسادهم، والتفرق والشتات والخلاف ماض في اليهود .. إلى غير ذلك من معالم أرجأ الحديث عنها إلى خطبة لاحقة بإذن الله. ويبقى السؤال المهم: متى يتحقق وعد الله الصادق في اليهود؟ وأستعجل الإجابة عليه قبل إكمال حقيقة اليهود، واستيفاء المعالم الأخرى حتى تنشرح الصدور، ويذهب ركام اليأس والإحباط المسيطر على بعض القلوب، وأرجو أن يكون ذلك داعيًا ومهيئًا لاستكمال الحديث عنهم لاحقًا. وأبدأ إجابة السؤال بوقفة إيمانية جميلة لصاحب الظلال وهو يقف عند معنى قوله تعالى ﴿وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب﴾ .. الآية، حيث قال سيد قطب ﵀: ولقد يبدو أحيانًا أن اللعنة قد

стр. 120

توقفت، وأن يهود قد عزّت واستطالت! وإن هي إلا فترة عارضة من فترات التاريخ ولا يدري إلا الله من ذا الذي سيسلط عليهم في الجولة القادمة (١). ويقول صاحب كتاب (مكائد يهودية عبر التاريخ): في دوامة الأحداث الجسام التي خطط لها اليهود في العالم، وعملوا على تنفيذها بما عرف عنهم من مكر وخبث ودهاء، وعمل دائب في الظلام بعيدًا عن الأنوار الكاشفة، ومع الظفر الذي حققوه في العالم لقسط كبير من أهدافهم، ومع الأشواط التي قطعوها في مراحل سيرهم لفرض سلطانهم على العالم، وضمن هذه الزوبعة التاريخية التي مشت في صالح اليهودية العالمية وضد المسلمين طوال حقبة من الزمن، نجد الذين لا خبرة لهم بمفاجآت الأحداث التاريخية التي يجريها الله وفق سننه الدائمة، ولا الإيمان عندهم بما يقضيه الله ويقدره كلما احلولك على الإنسانية ليل الفساد المستشري، قد يخيل إليهم أن نجم اليهود سيظل في صعود مطرد حتى يحققوا أحلامهم البعيدة دون أن ينقلب عليهم ظهر المجن، ودون أن تحل بهم نقمة الله، ويبعث عليهم من يسومهم سوء العذاب، جزاء ما اقترفوه من إثم الإفساد والتضليل في حق جميع الأمم والشعوب. إن هذه التخيلات لا بد أن تتبدد في قلوب المؤمنين، ليحل محلها الثقة بعدل الله، والأمل بنصره المبين لأوليائه على أعدائه، مهما طالت فترة الابتلاء، ومهما امتد أجل العقوبة الربانية للمسلمين الذين تنكبوا طريق الهداية، واستجابوا لدعاة الضلال، وتأثروا بزخرف الحياة الدنيا وزينتها، ومظاهرها الفاتنة، فسلط الله عليهم بذنوبهم أمةً طردها الله من رحمته وغضب عليها،

стр. 121

بسبب ما كان منها من إثم عظيم، وإفساد في الأرض جسيم، تأديبًا لهم وعظة قاسية، حتى يصلحوا نفوسهم، ويصححوا إسلامهم وينظفوا صفوفهم من الدخلاء فيهم. ومتى حقق المسلمون الشروط الربانية التي جعلها الله أساسًا لنيلهم تاج النصر على عدوهم فتح الله لهم مغاليق الأبواب، وهيأ لهم أفضل الوسائل وأكرم الأسباب، وحقق لهم وعد رسوله في قوله صلوات الله عليه «لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، وحتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر والشجر: يا مسلم هذا يهودي خلفي تعال فاقتله، إلا الغرقد، فإنه من شجر اليهود» (١). فلقد أخبرنا الرسول ﷺ بهذه النبوءة المستقبلة قبل نيف وثلاثة عشر قرنًا، حينما لم يكن لليهود قوة تذكر في الأرض، وظل اليهود في الضعف والتشتت منبثين في كل أمة عبر قرون، ومرت هذه القرون، وظل التاريخ صامتًا لا يحدثنا بتحقيق نبوءة رسول الله صلوات الله عليه، حتى دخل القرن الرابع عشر الهجري، الذي بدأت فيه إنذارات المعركة الفاصلة بين المسلمين واليهود تلوح في أفق المستقبل، منذ بدأت تطفو على سطح السياسة العالمية ظواهر المؤامرات والدسائس اليهودية التي تجري في أعماق محيطاتها، وحينما أخذت الأحداث العالمية تهييء لليهود هجرة إلى قلب البلاد الإسلامية، لينشئوا فيها الدولة النواة لدولة يهودية كبيرة ذات علو في الأرض، تطمع حشدًا كبيرًا من اليهود المنبثين في العالم أن يهاجروا إليها، ويتخذوا في أرضها إقامة لهم، مدعمة بالقوى المسلحة التي تمدهم بها أمم ذات قوة كبرى في الأرض.

стр. 122

وقد كان من الأمور المتحتمة لتحقيق النبوءة النبوية أن يتفاقم أمر اليهود على المسلمين، وأن يتحقق لهم بعض الظفر الصوري في عدة معارك، وذلك لأمرين: أحدهما: عقوبة المسلمين على انحرافهم عن صراط الله في عقيدتهم وعملهم وتأديبهم حتى يراجعوا دينهم ويصلحوا أعمالهم ويطهروا صفوفهم من أعدائهم ... ثانيهما: تيسير السبل أمام أكبر قدر من اليهود المقضي عليهم بحلول نقمة الله، وذلك بإغراءات الظفر المؤقت ليهاجروا إلى موطن المعركة القادمة، حتى يلاقوا مصيرهم المنتظر، الذي هو قادم لا محالة بإذن الله تحقيقًا من الله لنبوءة رسوله، ولا بد مع ذلك أن تجري الأحداث وفق سنن الله الدائمة في كونه. ولكن لن يكتب الظفر الموعود به على لسان الرسول صلوات الله عليه ما دامت الأمة الموعودة به تسير في متعرجات مظلمة من الطرق، بعيدة عن صراط الإسلام في مفاهيمها الاعتقادية، وأنظمتها الاجتماعية، وسلوكها المجافي لتعاليم الإسلام، والعدو يعرف هذا فلا يزال همه أن يبعد الشعوب الإسلامية عن عقائد الإسلام وتطبيقاته، ليطيل أمد بقائه. ووعد الرسول بالنصر لم يكن لقوم ضد قوم، ولا لعنصر ضد عنصر، ولا لإلحاد ضد دين محرف مزيف، ولكنه وعد للمسلمين ولن يتحقق هذا الوعد لمن لبسوا صفة أخرى غير صفة الإسلام، ولن يكون هذا الظفر ظفر معركة فحسب، ولكنه ظفر شامل، ينكشف اليهود فيه داخل معظم مخابئهم، حتى تنزل فيهم عقوبة الله على أيدي المسلمين الصادقين، ولن يفلت منهم إلا قليل قليل، تقدر نسبته بنسبة شجر الغرقد إلى سائر الأشجار والمخابئ والحصون.

стр. 123

فمن تكون هذه الفئة التي تتبنى الإسلام بصدق، وتخوض المعركة بإخلاص حتى تنال مجد النصر على العدو الرابض في ديارنا؟ طوبى لمن كان رائد هذه الفئة، طوبى لمن كان قائدًا فيها، طوبى لمن كان جنديًّا من جنودها (١). طوبى لمن شرفه الله بالجهاد الحق تحت راية الإسلام الناصعة بعيدًا عن رايات الجاهلية، بعيدًا عن المزايدات السياسية، والخيانات المؤلمة، ودون جعجعة إعلامية مضللة. ﴿كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال﴾ (٢).

стр. 124

(١) ثروة الأمة والفاحشة الآثمة (١) الخطبة الأولى إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ... إخوة الإسلام حديثي إليكم اليوم من القلب وأرجو أن يكون موقعه القلب منكم أيضًا .. حديثي إليكم عن قرة العيون، وفلذات الأكباد .. إنهم الشباب ثروة الأمة الكبرى في حاضرها، وأملها المرتقب في المستقبل الاهتمام بهذه النوعية علامة وعي الأمة ومؤشر لحضارتها وتقدمها، والالتفات إلى أساليب تربيتهم والنظر في مشكلاتهم يجنب الفرد والمجتمع غوائل الدهر وفاجعات الزمن ويبني جيلاً قادرًا على الإسهام والعطاء. أما نسيانهم أو تناسي مشاكلهم، وعدم تقدير موقعهم فهو علامة الانحطاط والضياع والفوضى، ومنذ بزغت شمس الإسلام وهو يولي عنايته بالشباب، وكان في طليعة أوائل المؤمنين أمثال علي بن أبي طالب ﵁ الذي أحتضنه النبي ﷺ منذ الصغر ورباه على عينه، وزيد بن حارثة ﵁ الذي رغب الرق على الحرية في سبيل العيش بين يدي محمد ﷺ وفي كنفه. وما زال النبي ﷺ يولي عنايته بالشباب ويعدهم للنائبات ويبعثهم في المهمات، وكانوا نعم المبلغين، وأثبتوا أنهم تربة خصبة للدعوة آتت أكلها وثمارها بعد حين، فهذا مصعب بن عمير ﵁ يبعثه النبي ﷺ معلمًا وموجهًا للأنصار في المدينة قبل هجرته إليها وكان نعم الداعي ونعم المبلغ.

стр. 125

وهذا عمرو بن حزم بن زيد بن لوذان الخزرجي استعمله رسول الله ﷺ على أهل نجران، وهو ابن سبع عشرة سنة ليفقههم في الدين ويعلمهم القرآن ويأخذ الصدقات (١). أما أسامة بن زيد ﵄ فيؤمره على جيش فيه كبار الصحابة أمثال أبي بكر وعمر ﵃. إلى غير ذلكم من أحداث السيرة التي تؤكد اهتمام النبي ﷺ بالشباب. وما كان لهذه النوعية من الشباب أن تتسنم القيادة، وتكون علي مستوى الثقة إلا بالتربية والإعداد والمتابعة والاهتمام، وكذلك ينبغي أن توجه الجهود لتربية الشباب وإعدادهم ورفع هممهم وإشراكهم في المسؤوليات وفرق بين جيل يشكل الشباب فيه ركنًا مهمًا لحمل أعباء الدعوة وتبليغ الرسالة، ويكون الواحد منهم عنصرًا مشعًا لحمل المعرفة وتعليم الجهلة، أو جنديًا صادقًا يذب عن حياض الأمة ويفلق هام الطغاة والمعاندين، ويفتح الأفاق ويقود الجيوش وبين جيل يشكل الشباب فيه عقبة أمام تطلعات الأمة وتحقيق أهدافها .. ويكون هؤلاء الشباب مشكلة بأخلاقهم وسلوكياتهم تأخذ حيزًا من فكر المجتمع وطاقاته لإيجاد الحلول المناسبة لهم وتفادي أضرارهم. إن الأمة التي إذا التفتت إلى الشباب وجدت فيهم ضالتها المنشودة، وسهامها الرامية، وعدتها الحاضرة هي الأمة الجديرة بالبقاء، والمؤهلة لقيادة العالم. وتخطيء الأمة طريق الإصلاح إذا تباهت أنها أخرجت شبابًا عقولها في أقدامها، أو شبابًا لا يتجاوز همها حدود المطعم والمشرب والوظيفة والمرتب؟ وما أسرع تسلل العدو للأمة إذا خدر شبابها، وأهدرت طاقاتها، ونحرت

стр. 126

على قارعة الطريق جدية الشباب وتطلعاتهم المثمرة، وكفنت أخلاق الشباب ولم تجد من يصلي عليها ويبعث العزاء لأهلهم والمسؤولين عنهم! ! إخوة الإيمان ولا يزال الخير في مجتمعنا، فقد نبتت في أرضنا نابتة خير من الشباب، عرفت طريقها، وآمنت بعقيدتها، وأدركت أهمية الوقت في حياتها، ونسأل الله لهم المزيد والثبات، كما نسأله تعالى أن يجزي كل مسؤول وكل عالم أو مرب أسهم في إصلاح هؤلاء الشباب وعرفهم طريق الخير والفلاح. ولكننا مع ذلك ينبغي أن نلتفت للبقية الباقية من شبابنا، ويجب أن نتحسس دائمًا أحوال أبنائنا وبناتنا، فثمة أمراض خفية أو ظاهرة تحيط بنا، وثمة أخلاق وسلوكيات غير مرضية يتلبس بها بعض شبابنا، وهي لا تليق بهم ولا بنا. واستفحال الدواء قبل استعمال الداء واجب يحتمه علينا ديننا، وتمليه علينا مسؤوليتنا وقوامتنا .. وإذ كان المطلع بعمق على واقع الشباب يمكن أن يرصد أكثر من خطأ، ويمكن أن يشاهد أكثر من عيب، فسأركز الحديث في هذه الخطبة على واحد من هذه السلوكيات المتحركة طالما غفل عنه الخطباء استحياء لذكره، وطالما غفل عنه الآباء جهلاً منهم بواقعه وآثاره. إنه الانحراف الخلقي وممارسة بعض السلوكيات الشاذة نتيجة اتصال الشباب ببعضهم وتغرير بعضهم ببعض. وهذا الانحراف لا يمكن أن يعمم كل كافة الشباب ولكنها فئة قليلة تتلبس به، ولولا مخافة تأثيرها على غيرهما والرغبة في حمايتها هي منه لما كان هذا الحديث. ويبدأ المسلسل الآثم بصداقة غير نزيهة بين شابين يكبر أحدهما الآخر سنًا وتجربة، وما يزال الكبير يغوي الصغير بالخروج معه والركوب في سيارته إن كان ممن وفر له سيارة وهو ليس لها بأهل، وهكذا تترسخ الصداقة وتقوى الصلة، والأهل في غيبة عن هذا كله، والابن لا يسأل عنه إن راح أو غدى، وأين ذهب

стр. 127

ومتى جاء؟ هذا حال البيت، أما المدرسة فقد لا يلفت نظرها هذه الصداقة الجائرة، وقد تغيب عن بعض المربين في المدرسة أن تلك من أولويات مسؤولياتهم، وهكذا يستمرئ المجتمع هذه العلاقات ولا يسأل عن هذه الصلات، فيصبح الأبناء ضحيتها- ولا يفيق الجميع إلا على صوت النذير من بعض الجهات الرسمية الناصحة التي وقفت على المشكلة وحاولت سترها حفاظًا على سمعة الشاب وأسرته .. ولكن قرناء السوء الذين يتخلون عن صاحبهم وقت الأزمات سرعان ما أشاعوا الخبر وأفشوا السر المكنون .. فأين موقعك أيها الأب في تلك الحال، وهلا أعددت لهذا السؤال الجائر من جواب؟ وما هي وسائلك الأولى لوقاية أبنائك من هذه الأمراض الخطيرة؟ . إخوة الإسلام: ويقص علينا القرآن الكريم كيف تشبث قوم لوط ﵇ بجريمة اللواط، وكيف كانت عقوبتهم، وكيف كانت نهايتهم؟ يقول الحق ﵎ ﴿ولوطًا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون﴾ إلى قوله: ﴿فأمطرنا عليهم مطرًا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين﴾ (١). قال المفسرون إن أهل سدوم- وهم القوم الذي أرسل إليهم لوط- أول أهل الأرض في ممارسة هذه الجريمة البشعة، ولم يكن بنو آدم يعهدونه يألفونه، قال عمرو بن دينار: مانزا ذكر على ذكر حتى كان قوم لوط، وقال الوليد بن عبد الملك: لولا أن الله قص علينا خبر قوم لوط ما ظننت أن ذكرًا يعلو ذكرًا (٢).

стр. 128

ولعظم هذه الفاحشة كانت عقوبة أهلها أن رفع الله قرى قوم لوط إلى عنان السماء حتى سمع أهل السماء أصوات الناس والكلاب، ثم أرسلها إلى الأرض منكوسة، ودمدم بعضها على بعض، فجعل عاليها سافلها، ثم أتبعها حجارة من سجيل، قال تعالى ﴿فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل منضود، مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد﴾ (١). وهكذا كانت القرى اللوطية وأهلها خبرًا بعد عين، وعبرة لكل ذي عقل وعينين، ولا يظلم ربك أحدٌ، ولم ينج منهم أحدًا ومن لم يمت حين سقط للأرض أمطر الله عليه وهو تحت الأرض الحجارة، ومن كان منهم شاذًا في الأرض يتبعهم في القرى، فكان الرجل يتحدث فيأتيه الحجر فيقتله فذلك قوله ﴿وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك﴾ أي معلمة مختومة مكتوب عليها أسماء أصحابها (٢) ومعنى قوله تعالى ﴿وما هي من الظالمين ببعيد﴾ أي وما هذه النقمة ممن تشبه بهم في ظلمهم ببعيد عنه (٣). نسأل الله العفو والعافية والمعافاة الدائمة من كل فتنة وبلية ...

стр. 129

الخطبة الثانية الحمد لله رب العالمين فطر الخلق على الحنيفية السمحة لا فساد في المعتقد ولا شذوذ في الأخلاق ولا انحراف في السلوك، فاجتالتهم الشياطين، فحسنت لهم القبيح وزينت لهم المكروه، فوقع في حبائلهم من وقع، ونجا من وساوسهم من أراد الله له الخير والفلاح، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر عباده بالعدل والإحسان والتقى، ونهاهم عن الفحشاء والمنكر والبغي لعلهم يتذكرون، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ما فتئ يقص على الأمة من أخبار الماضين ما فيه عظة وعبرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحابته والتابعين ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين. إخوة الإيمان .. إن جريمة اللواط فساد في الفطرة، ونقص في الشهامة والرجولة، وهي خدش لقيمة الحياء، واعتداء صارخ على الفضيلة، كما أن اللواط بداية للضياع والانحراف والعزلة .. إذ يحس صاحب الفاحشة أنه دون مستوى الآخرين في فكره وسلوكه فيجد صعوبة في العيش معهم، ويضطر للانزواء والعيش مع نظرائه وأشباهه، بعكس من تربى منذ صغره على الشهامة والرجولة ورفض كل أنواع الإغراء والفتنة، فهو جاد في دراسته، مطيع لوالديه محترم بين أهله وعشيرته، كاره أشد الكره لمن يسمع عنه أخلاقًا سيئة أو يقترف مثل هذه السلوكيات المشينة. إخوة الإسلام ولما لهذه الجريمة من أضرار وآثار فقد عظم الشرع المطهر حكمها وغلظ في عقوبتها أتدرون ما الحكم الشرعي في هذه الفاحشة المستنكرة؟

стр. 130

لقد ذهب الإمام أبو حنيفة ﵀ إلى أن اللائط يلقى من شاهق ويتبع الحجارة كما فعل بقوم لوط. وذهب آخرون من العلماء إلى أنه يرجم، سواء كان محصنًا أو غير محصن، وحجتهم في ذلك قوله ﷺ : «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به» (١). وقد رجح الشوكاني مذهب القائلين بالقتل، وهو الذي عليه الصحابة (٢). وقال آخرون: هو كالزاني فإن كان محصنًا رجم، وإن لم يكن محصنًا جلد مائة جلدة (٣). ماذا تدل عليه هذه العقوبات في فاحشة اللواط؟ إنها دليل على عظمه عند الله، وعلى شناعة فاعله، فهو مستحق للرجم أو للقتل أو للجلد في أقل الأحوال، وتغليظ العقوبة دليل على عظم الجريمة وبشاعتها، وقاني الله وإياكم وأبناء المسلمين منها ومن كل فتنة ومكروه سواها. إخوة الإسلام وحتى تعلموا شيئًا من حكم التشريع الإسلامي في محاربة هذه العادة المفسدة للخلق والفطرة والدين والدنيا أسوق لكم بعض ما ذكره العلماء من أضرار طبية واجتماعية للواط فمنها: ١ - التأثير في الأعصاب تأثيرًا خاصًا، أحد نتائجه الإصابة بالانعكاس النفسي في خلق الفرد فيشعر في صميم فؤاده بأنه ما خلق ليكون رجلاً، وينقلب الشعور إلى شذوذ به ينعكس شعور اللائط انعكاسًا غريبًا، ومن هذا تستطيع أن

стр. 131

تتبين العلة في إسراف بعض الشباب الساقطين في التزين وتقليد النساء في مساحيقهن وصف شعورهن والتمايل في مشيتهن .. وهذه المشاعر كلها تحدث في النهاية أمراضًا عصبية ونفسية لدى مقترفي هذه الجريمة، ومن هذه الأمراض السادية، والماسوشية، والفيتشزم وغيرها. ٢ - التأثير على المخ، واللواط بجانب ذلك يسبب اختلالاً كبيرًا في توازن عقل المرء وارتباكًا عامًا في تفكيره، وبلاهة واضحةً في عقله، وضعفًا شديدًا في إرادته، وذلك راجع إلى قلة الإفرازات الداخلية التي تفرزها الغدة الدرقية والغدد فوق الكلى وغيرها مما يتأثر باللواط تأثرًا مباشرًا ويقول المختصون إن هناك علاقة وثيقة بين (النيورستانيا) واللواط، فيصاب اللائط بالبله والعبط وشرود الفكر وضياع العقل والرشاد. ٣ - مرض السويداء فاللواط إما أن يكون سببًا في ظهور هذا المرض أو يغدو عاملاً قويًا على ظهوره، وذلك بسبب الشذوذ الوظيفي لهذه الفاحشة المنكرة وسوء تأثيرها على أعصاب الجسم. ٤ - ويمكن القول إن اللواط لسبب في انتقال العدوى بحمى التيفود، والدوسنطاريا وغيرها مما ينتقل بطريق التلوث بالمواد البرازية ونحوها المزودة بمختلف الجراثيم، فضلاً عن إمكانية إصابته بأمراض الزنا كالزهري والسيلان. ٥ - ويضعف اللواط مراكز الإنزال الرئيسة في الجسم ويعمل على القضاء على الحيوية المنوية، وينتهي الأمر إلى الضعف ثم إلى العقم. ٦ - ومن شأن اللواط أن يصرف الرجل عن زوجته بعد حين وقد يبلغ به الأمر إلى العجز عن مباشرتها، وقد تكون زوجة اللوطي ضحية لجريمته الشنعاء، فلا تظفر منه بمودة، ولا يستطيع لها معاشرة، فتنشأ المشاكل أو يكون الفراق هو الخيار.

стр. 132

٧ - وفوق ما ذكر فاللواط يصيب مقترفيه بضيق الصدر، ويرزؤهم بخفقان القلب، ويتركهم بحال من الضعف العام، يعرضهم للإصابة بشتى الأمراض، ويجعلهم نهبة لمختلف العلل والأعصاب (١). تلك معاشر المسلمين عقوبات معجلة في الدنيا، والعقوبة في الآخرة أشد وأنكى .. وهنا يرد السؤال ما هي أسباب الوقوع في هذه الفاحشة، وما هي أسباب الوقاية منها؟ وما دور الأسرة والمدرسة والمجتمع فيها؟ كل هذه وتلك موضعها في الخطبة القادمة بإذن الله.

стр. 133

(٢) أسباب الفاحشة ومحاورها الرئيسة (١) الخطبة الأولى إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره .... إخوة الإسلام سبق لنا بعض الحديث عن جريمة اللواط وحري بنا أن نستكمل الحديث عنها، ونعنى بهذه الظاهرة التي تخوف النبي ﷺ على أمته من فعلها أشد التخوف فقال: «إن أخوف ما أخاف على أمتي عمل قوم لوط» (٢). وكيف لا نعنى بهذه الظاهرة وندرس أسبابها ونبحث في أنسب الوسائل لعلاجها، ونجنب الناشئة مخاطرها والمصطفى ﷺ يحشر اللوطي في قائمة الملعونين (المطرودين من رحمة الله) فيقول ﵊: «ملعون من سب أباه، ملعون من سب أمه، ملعون من ذبح لغير الله، ملعون من غير تخوم الأرض، ملعون من كمه أعمى عن الطريق، ملعون من وقع على بهيمة، ملعون من عمل بعمل قوم لوط» (٣). فما هي أهم الأسباب المؤدية إلى الوقوع في هذه الفاحشة، وكيف يقع الشباب ضحية لها؟ وقبل الحديث عن هذه الأسباب أنبه إلى أمرين هامين: ١ - إن هذه الأسباب لا يلزم توفرها كلها في الشاب حتى تقوده إلى هذه الجريمة المنكرة، بل وجود أحدها أو بعضها كفيل بجر الشاب من حيث يشعر

стр. 134

أو لا يشعر إلى هذا المزلق الخطر، وهذا يستدعي الانتباه والاحتياط وسد كل منفذ أو وسيلة تقود للخطر، وعدم التهاون فمعظم النار من مستصغر الشرر. ٢ - إن هذا الحديث ليس موجهًا لأحد بعينه، ولا ينبغي لأحد أن يعفي نفسه من مسؤوليته فالوقاية أنسب الوسائل للعلاج، ومقابلة المشكلة بحزم وعزم وجدية وصراحة أولى من تغافلها وإغضاب الطرف عنها، وتجاهل المشكلات لا يعنى عدم وجودها، ولا يسهم بكل حال في حلها. إخوة الإيمان يمكن حصر الأسباب المؤدية للوقوع في اللواط (حمانا الله وإياكم وذرارينا المسلمين) في أربع محاور رئيسة هي كما يلي: أولاً: البيت، ثانيًا: المدرسة، ثالثًا: المجتمع، رابعًا: وسائل التأثير الأخرى. وكل واحدة من هذه وتلك تحتاج إلى بيان وتفصيل. أولاً: أما البيت فهو اللبنة الأساسية والمنطلق الأول لتربية الشاب، وتسهم حالة الغنى المفرط أو الفقر المدقع في انحراف الشاب أحيانًا، أما الغنى- غير المنضبط فيوفر فيه للشاب كل وسائل الراحة واللهو واللعب دون تفريق بين الضار والنافع، فقد يوفر له من وسائل اللهو ما يثير غريزته، ويوفر له من المال ما لا يحسن التحكم فيه، ويوفر له سيارة ليس أهلاً لاستخدامها في أغراضها الصحيحة، فإذا اجتمع إلى الشاب مع ذلك صحة موفورة، وفراغ قاتل، مع حيوية الشباب وقلة تفكيره في العواقب قادته هذه الأمور إلى عمل كل محظور ليس اللواط إلا واحدًا منها. إن الشباب والفراغ والجدة ... مفسدة للمرء أي مفسدة وبعكس ذلك تكون بيوت الفقراء حيث لا يجد فيها الشاب حاجته الأساسية، ولا تتوفر له أموره الضرورية، والمجتمع والجيران في غفلة عن حاجات جيرانهم فيضطر الشاب للخروج بحثًا عما يحتاجه فيجد اللصوص المحترفين

стр. 135

لاصطياده وإطماعه بتوفير كل ما يحتاج إليه فتنشأ العلاقات المشبوهة، ويقع الشاب في جريمة اللواط وغيرها من الفواحش والآثام. ثانيًا: كما تسهم حالة اليتم (لاسيما يتم الأب) في ضياع الشباب وانحرافهم أحيانًا، إذ تعجز الأم عن متابعة بعض الأبناء، ولا تلتفت بقية البيوت لهذه النوعية من بيوت الأيتام: إما لعدم اهتمامهم أو لانشغالهم، فيهيم هؤلاء الشباب على وجوههم، وتكون المقاهي والطرقات وأماكن التجمعات العامة موطنًا لهم، وتتيح لهم هذه وتلك الاختلاط بغيرهم ممن يحسنون لهم القبيح، ويهونون عليهم العسير، فلا يستقيظ الشاب المسكين إلا وهو في شراك المجرمين، وضمن زمرة الفاسدين، وتكون جريمة اللواط واحدة من سلوكياته المنحرفة، وما خفي أعظم وأكبر. ثالثًا: وأشد ضراوة وأثرًا على الشباب يتم العلم والأدب كما قيل: ليس اليتم الذي قد مات والده ... بل اليتم يتم العلم والأدب وإذ كنا نشيد ببعض الأمهات اللائي يربين أبناءهن على الخير ويحرصن على سلوكياتهم من كل عفن، حتى وإن كان الآباء تحت الثرى، ونقدم التحية معطرة لأولئك الآباء الذين يعنون بأبنائهم ويهتمون بتربيتهم. فإننا نرثي لحال أولئك الآباء الأموات وإن كانوا في عداد الأحياء، هذه النوعية من الآباء التي لا تهتم بالأبناء، ولا تعيرهم من الاهتمام ما يستحقون فهم إما مشغولون بتجارتهم أو غارقون في لهوهم، أو على الأقل لا يهتمون كثيرًا بأبنائهم ولا يسألون عن مدخل أبنائهم أو مخرجهم ولا يعرفون من يرافقون ولا فيمن يتصلون، هؤلاء يسرح أبناؤهم ويمرحون كيف شاؤوا، وإذا كان الصنف السابق يمكن أن يعطف عليهم المجتمع ليتمهم، فهؤلاء يتكل الناس على تربية واهتمام آبائهم فلا يعيرونهم كبير اهتمام، فينضمون إلى قائمة الضائعين، ولا يفيق الأب إلا حين

стр. 136

يستدعى للغرامة أو للكفالة أو لأخذ التعهد، أو لإشعاره أن ابنه من نزلاء السجن لا قدر الله. رابعًا: تساهل البيوت بشكل عام في تربية الأبناء وتوجيههم وتعليمهم ما ينفعهم، وتحذيرهم من آثار صحبة الأشرار وعدم تشجيعهم على مصاحبة الأخيار، كل ذلك يجعل الأبناء مرتعًا خصبًا لكل دعوة مهما كان سوءها، ولكل داع مهما كان مساره وخطره. خامسًا: وتسهم الخلافات الحادة بين الزوجين في ضياع الأبناء أحيانًا، إذ ينشغلون في خلافاتهم عن تربية أبنائهم فينشأ الأبناء بعيدًا عن رقابة الوالدين، ويفضلون العيش بعيدًا عن أجواء البيت، وتكون هذه بداية الانحراف- «لا سمح الله. سادسًا: وهناك أسلوبان مختلفان في التربية، وعلى طرفي نقيض، وربما أسهما في ضياع الشباب، الأول أسلوب التعنيف والتقريع والتوبيخ دائمًا وربما الضرب لأدنى سبب، وهذا يخلق شابًا كارهًا للبيت يبحث عن البديل ولو كان سيئًا ويبحث عن الأصدقاء ولو كانوا غير أسوياء، وتبدأ حينها المشكلة. والثاني أسلوب الثقة المفرط الذي يجعل البيت واثقًا بكل تصرفات الابن، محسنًا الظن دائمًا بكل حركاته، حتى وإن كان الشاب في مرحلة المراهقة وإن كان لديه بعض الملاحظات الجديرة بالاهتمام والمتابعة، بل وإن كان الشاب في هذه المرحلة محتاجًا إلى التوجيه والعناية، والكلمة الناصحة. ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها كفي المرء نبلاً أن تعد معايبه فهذه الثقة الطلقة، وتفسير بعض سلوكيات الأبناء المثيرة على حسن الظن ربما قادت الشاب هي الأخرى إلى الانحراف، والبيت غافل عن هذا في البداية عاجز عن حلها في النهاية.

стр. 137

أيها الإخوة إنما أطلت الحديث عن البيت لأهمية دوره، ولأنه قلعة التحصين الأولى إذا قدر الأبوان موقعهما، ولأن تأثيره في العملية التربوية مهم سلبًا كان أو إيجابًا، وبقدر ما نشكر الله على اهتمام ويقظة البيوت لدورهم في استصلاح أبنائهم، فإنما أردنا بذلك التنبيه على بيوت لا زال أصحابها في غفلتهم سادرين وعن أبنائهم غافلين، نسأل أن يصبح شأننا وأن يهدي ضالنا، وأن يثبت هداتنا.

стр. 138

الخطبة الثانية الحمد لله رب العالمين، أيقظ بصائر المؤمنين لما ينفعهم في دينهم ودنياهم، وأعمى آخرين، فزين لهم الشيطان سوء أعمالهم، وصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين. أيها المسلمون .. أما المدرسة فهي البيت الثاني للأبناء، يخرجون منها إلى مجتمع جديد، وتنشأ منها علاقات وصداقات، وهي كالبيت مكان للإصلاح والتربية إذا أحس القائمون عليها بواجبهم، وتنشأ المشكلة على حين غفلة من المدرسين والمسؤولين في المدارس إذا فتحت العلاقات دون رقيب بين الصغار والكبار، ولم ترقب سلوكيات الطلاب باستمرار، وأتيحت الفرصة لخروج بعض الطلاب من المدرسة دون حاجة ملحة، أو تسرب إلى المدرسة شباب من خارجها قصدهم الاتصال بشباب المدرسة وعقد صلات معهم، أو وجد في المدرسة نماذج من المدرسين ليسوا على مستوى المسؤولية في أخلاقهم وسلوكياتهم أو فرض على الطلاب في التربية البدنية ملابس تكشف عوراتهم، أو تصف بشكل مثير للفتنة ملامح أجسادهم. وبشكل عام فقلة التوعية في المدارس عن هذه السلوكيات، والغفلة عن متابعة حركات الطلاب في حال تجمعهم أو حال خلوتهم كل ذلك يسهم في خلق سلوكيات غير مهذبة عند الشباب، وقد يكون اللواط واحدًا منها. وكذا الغفلة عن مساءلة ومتابعة من يتأخرون صباحًا للمدرسة فيكونون خارج البيت وليسوا في المدرسة، أو من يتأخرون أو يتأخر عنهم آباؤهم بعد خروجهم من المدرسة فلا يصلون إلى بيوتهم إلا في نحر الظهيرة، فهذه كذلك تتيح لهم

стр. 139

فرصة الاختلاط وتتيح للمتسكعين في الشوارع فرصة اصطيادهم وعلى المدرسة والآباء أن ينتبهوا لهذا جيدًا. أما المجتمع فنعنى به أماكن التجمع الأخرى خارج إطار البيت والمدرسة، فالشارع مثلاً بيت لعدد من الشباب يقضون به كل أوقاتهم بعيدًا عن رقابة الأهل ومتابعتهم، وإني لأعجب من أناس يتركون أبناءهم معظم الوقت يسرحون ويمرحون كيف شاؤوا في الشوارع والمقاهي والمطاعم ولا يسأل الأب أين ذهبوا ولا من خالطوا، وهل تربي الشوارع الأبناء، بل وهل يأمن الأب على ابنه من فتن الأحياء؟ إن هناك صنفًا من الشباب المراهقين الشغال التجول الدائم بسياراتهم داخل الأحياء، فهل ترضى أيها الأب أن يكون ابنك فريسة لهؤلاء؟ - ونوادي الحواري وتجمع الشباب بها لا تسهم في إصلاح الشباب بحال، بل هي موطن للريبة وسوء الخلق والنزاع والمشاجرة في أقل الأحوال فاحذروها معاشر الآباء وامنعوا أبناءكم عن المشاركة فيها. والنوادي الكبرى التي تخلو من المربين المخلصين وتجمع أشتات الشباب الضائعين هم أعظم خطرًا وأولى بالمنع والمراقبة من قبل المسؤولين. ومناسبات الزواج في قصور الأفراح مكان بهجة وفرحة للأسرة الواحدة، ولكن ينبغي الحذر من مجيء شباب خارج إطار الأسرة لأغراض سيئة، وينبغي كذلك التنبه لعدم خلوة الشباب الكبار مع الصغار حتى ولو كانوا من أسرة واحدة، وتلك مواطن ينسى فيها الآباء أبناءهم. وأماكن البيع والشراء للأحداث حري بمراقبة الأولياء والجهات المسؤولة، ويشير العارفون أن سوق الحمام- مثلاً- مكان للاختلاط والاحتكاك بين صغار الشباب وكبارهم جدير باليقظة والاهتمام والمتابعة.

стр. 140

إخوة الإيمان أيها الآباء، أيها المسؤولون- أما وسائل التأثير الأخرى فنعنى بها تلك الوسائل التي تلعب دورًا في صناعة أفكار الشباب وتخاطب عقولهم وغرائزهم، فوسائل الإعلام المختلفة قادرة على الإسهام بشكل فاعل وجيد في صياغة عقول الشباب وتهذيب غرائزهم إذا وسد الأمر فيها إلى أهله من النصحة والغيورين والمفكرين العقلاء وهي أداة هدم ووسيلة فساد إذا قام عليها من لا يحسنون اختيار موادها، واصطفاء برامجها فتثير الصورة الفاضحة غريزة الشباب- ذكرانًا وإناثًا- وتدعو المسلسلات الهابطة إلى احتراف الجريمة ومحاكاة الممثلين الساقطين، وتنشئ الدعايات والإعلانات الإعلامية الرخيصة حبًّا في الشباب للذي هو أدنى وينسون الذي هو خير، فجنبوا معاشر الأولياء أبناءكم كل وسيلة تهدم الخلق والدين وتثير الغرائز وتعلم الشباب ما يضرهم. والجمعيات المشبوهة- سواء كانت للرجال أو للنساء- والتي تعنى بتربية الشباب على الموسيقى والغناء وتجمع صغار الشباب إلى المراهقين في أعمارهم أو عقولهم أو تلك التي تدرب الفتيات على الرقص وأنواع القص للشعور، والجديد من المكيجة ونحوها- كل هذه وتلك لا تسهم في استصلاح الفتيان والفتيات في وقت غدت الأمة فيه أحوج ما تكون إلى التربية الجادة والاستفادة من كل طاقة. إخوة الإسلام هذه أبرز المحاور التي حضرتني ولا يعني ذلك الحصر بقدر ما يعني الإشارة .. وربما تساءل البعض- وما هي طرق العلاج؟ طرق العلاج ولهؤلاء أقول: إن من أهم وسائل العلاج معرفة أسباب المشكلة والوعي بها والعمل على سد كل المنافذ المؤدية إليها.

стр. 141

وتبقى بعد ذلك وسائل أخرى للعلاج لا تخص هذه الظاهرة الخلقية فحسب، بل هي أساس لعلاج أي ظاهرة شاذة توجد عند الشباب أتعرض لها في الخطبة القادمة بإذن الله. وأختتم الحديث بتنبيه مهم وهو أن حديثي في هذه الخطبة عن البيت أو المدرسة أو أمثالها لا يعفي التقييم لها، وليس حديثًا عن رسالتها التربوية وإلا لقلت غير هذا من الآثار الإيجابية لهذه المحاضن من محاضن التربية، لكنه حديث عن نقاط ضعف قليلة في بحر حسنات كثيرة أردت بها أن تكتمل جوانب التربية وأن تسد الثغرات المهمة حتى تكتمل لهذه المحاض أداتها في التربية ولئلا تؤتي الأبناء من ثغراتها السلبية ولست بمبالغ إذا قلت إن بعض البيوت قلعة من قلاع العلم والتربية والأدب، وعددًا من المدارس قمة شامخة في التربية والمتابعة والمتابعة والتعليم والتوجيه. ذلك من التحدث بنعمة الله ﴿وأما بنعمة ربك فحدث﴾ لكن الملاحظة الناصحة، والاستمرار في المتابعة لا تزيد البنيان إلا شموخًا .. وعساها أن تكون موقظة لمواقع يكاد السوس أن ينخر فيها .. ولبنيان يكاد أن تتصدع جدرانه .. والله الهادي والموفق.

стр. 142

(٣) طرق العلاج وقنوات الإصلاح في إصلاح الشباب (١) الخطبة الأولى إن الحمد لله نحمده ونستعينه ... إخوة الإيمان حين يتحدث المتحدث عن ظاهرة سلوكية سيئة- كاللواط مثلاً- فلا يعني ذلك إغفال غيرها من الظواهر السلوكية المنحرفة الأخرى لدى الشباب، كالتهاون بالصلاة أو تعاطي المخدرات، أو عقوق الوالدين، أو ضياع الأوقات والتسكع في الطرقات، وإيذاء الناس وتكدير صفو عيشهم أو غير ذلك من مظاهر تحتاج كل واحدة منها إلى وقفة وتأمل وعلاج. ومن هنا فعلينا ونحن نرغب في علاج ظاهرة أن نربطها بغيرها، وأن نتأمل في جملة الأسباب والعوامل المؤدية للانحراف لتلافيها، وأن نبحث في جملة العناصر والمؤسسات القادرة على العلاج والإصلاح لنشملها ونذكر بواجبها ومسؤوليتها ولا يمنع بعد ذلك أن نعالج كل ظاهرة بحسبها، لكن التنبه أساسًا لعوامل البناء والتربية يعفي المجتمع كثيرًا من هذه الأمراض، ويقلل ابتداءً من أعداد المنحرفين والشواذ، ومن هنا فسأعود في هذه الخطبة إلى التذكير بعدد من الجهات والأشخاص الذين يجب أن يكون لهم دورهم في استصلاح المجتمع بعامة، ومجتمع الشباب خاصة، ولست متعجلاً في الحكم إن قلت: إن قيام هذه الجهات بمسؤوليتها كفيل بقطع دابر الفساد والرذيلة، بل وسبب- بإذن الله- في رفع همم الشباب، ونقلة كبرى في أساليب تفكيرهم يدعوهم إلى عدم

стр. 143

النظر والتفكير في هده السواقط والرذائل من الأخلاق فضلاً عن مقارفتها أو الوقوع في حبائلها. هذه الجهات والمؤسسات أكتفي بذكر أربع منها: ١ - البيت .. وليس البيت- إخوة الإيمان- مطعمًا ومقهى يتناول فيه الشاب ما لذ وطاب من المطعم والمشرب وكفى بذلك بناء للجسد على حساب الروح، وذلك تورم في الأطراف على حساب بناء العقول وتنوير الفكر، وقولوا لي بربكم: كم هي البيوت التي تعنى ببناء عقل الشباب، وتعنى بتربية فكره، وتجتهد في سبيل تهذيب سلوكه، وتعطيه مع جرعة الطعام جرعات أخرى في الإيمان والأخلاق والآداب؟ وليست البيوت معرضًا للأزياء يجد فيها الشاب والشابة ما جد في عالم اللباس والزينة بكافة أنواعها، فتكون هذه وتلك شغله الشاغل وهمه الأوحد، ينتهي فكره عن حدودها، وتنقطع آماله حين لا يجد عناءً في سبيل الحصول عليها، وقولوا لي بربكم: أيهما أعلى نسبة في البيوت الاهتمام إلى حد الإسراف في هذه الزينة الظاهرة، أم الاهتمام بلباس التقوى الذي قال الله عنه ﴿ولباس التقوى ذلك خير﴾ (١). وليست البيوت مهاجع يوفر فيها للشاب والشابة ما رق وارتفع من الفرش الوثيرة ووسائل الراحة الكاملة، فينام فيها الأبناء والبنات معظم الليل وسحابة النهار يتقلبون على ظهورهم وجنوبهم، والصلاة تجمع إلى الصلاة، والأشكال لطول النوم متغيرة، والقدرة عند هؤلاء لتحمل المسؤوليات ضعيفة .. صحيح أن على البيوت مسؤولية توفير المطعم والمشرب والملبس، وجميل أن تكون

стр. 144

البيوت المقر لراحة الأبناء ونومهم .. ولكن ذلك بقدر لا يصل حد السرف وثمة مسؤولية تغيب عن عدد من البيوت، وعلى أرباب البيوت أن يدركوا أن البيت ينبغي أن يكون مدرسة يتعلم فيها الأبناء الأخلاق الفاضلة، ويزرع في نفوسهم الإيمان والحياء، وأن يذكروا فيه بقضايا البعث والجزاء، ويصور لهم بالقدر الذي يعوه نعيم الجنة وعذاب النار، وأن يؤكد البيت على أهمية الوقت واستثماره بما ينفع من أمور الدين والدنيا. وليس عيبًا أيها الأب أن تحطم كبرياءك وتنزل من برجك العاجي لتخاطب الأبناء والبنات، وتشعرهم أنك صديق محب لهم فضلاً عن الأبوة والعاطفة تجاههم وسيسهل ذلك عليك تعليمهم الخير وتحذيرهم من الشر، وجميل أن تروح عن قلوبهم أحيانًا بالنكتة اللطيفة، أو اللعبة المسلية، أو الرحلة الهادفة، وأن تستصحبهم معك إلى مجتمعات الخير، ودوريات الأقارب والجيران والأحباب والأصحاب الخيرين، وأجمل من ذلك أن تنشئ لهم في البيت مكتبة طيبة تحوي من الكتب المفيدة والأشرطة النافعة ما يوسع مداركهم ويعينك على تربيتهم، وأن تجعل فيها أو في أي ناحية من البيت جلسة معهم تحفظهم شيئًا من كتاب الله أو تقص عليهم ما فيه عبرة لهم، أو تقرأ عليهم من سير الصالحين وأحاديث النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم. أيتها الأم فإذا كان الأب أكثر هيبة عند الأولاد منك فلا تنسي أنك أكثر قربًا للأولاد منه، فساهمي في نصحهم وتوجيههم وتعرفي على أحوالهم وما لا يبدونه لأبيهم، وكوني خير معين للأب على تربيتهم، فالنفع لكما، والمستفيد الأول كلاكما، وما أجمل أسرة يفهم كل واحد من الزوجين دوره فيؤديه. أعتقد أن بيوتنا حين تبلغ هذه المنزلة وحين تفكر بهذه العقلية قادرة- بإذن الله- على إخراج أجيال صالحة وعناصر فاعلة ومؤثرة سينفع الله بها الآخرين،

стр. 145

بدل أن تكون مشكلة يتأذى منها الأهل والجيران وينال قسط من قدرها الآخرين. ٢ - المؤسسات التربوية وأهمها المدارس والجامعات، ودور المدرسة يتمثل في التوجيه والتربية والدعوة لمكارم الأخلاق والتحذير من سيئها، وتنظيم اللقاءات الطلابية والرحلات الهادفة المفيدة كل ذلك- ولا شك- يسهم إسهامًا جيدًا في استصلاح الشباب وتوجيههم واستثمار وقت فراغهم، وقبل ذلك سلوك المعلم وشخصيته وحديثه فهي منارة يهتدي بها الدارسون ويحاول الطلاب والطالبات محاكاة معلميهم ومعلماتهم، وعلى قدر همم وأخلاق الكبار يدرج الصغر، وحري بالإدارات المعنية أن يشجعوا الجادين المخلصين، وأن يلفتوا نظر من يقصرون في واجبهم أو لا يكون على مستوى المسؤولية في التربية والمتابعة. أما الجامعات فهي مستودع للعقول ومركز للمعلومات يؤهلها ذلك لعقد الدورات، وتنظيم المحاضرات والندوات، ومن ضمن واجباتها التعرف على المشكلات واقتراح الحلول الناسبة لها، والنظر بين الفينة والأخرى في المناهج الدراسية واستصلاحها وتطويرها بما يخدم أهداف الأمة ويعمق أصالتها، ويحفظ عليها كرامتها ويؤهلها لقيادة العالم من حولها. وليست وظيفة المدرسة والجامعة أن تحفظ الطلبة والطالبات مجموعة من النصوص وتلقنهم كمًّا من المعلومات لا يستفيدون منها في حياتهم العملية، ولا ينبغي أن يكون الهدف من الدراسة مجرد نقل الطالب من مرحلة إلى أخرى، ومنحه في النهاية شهادة تؤهله للعمل وتصله بأسباب الرزق ليس إلا، بل أساس التعليم العمل، والتربية والتهذيب ونصاعة الفكر وارتفاع الذوق والشعور بالمسؤولية والتضحية في سبيل خدمة الآخرين وقيادة المجتمع إلى الخير كل
следующие страницы →