سلطان آخر ألا وهو الصالح إسماعيل الذي أخرج العز من الشام بسبب إنكاره عليه تسليم (صغد، والثقيف) إلى الفرنج، وأخرج معه كذلك العالم أبا عمر بن الحاجب المالكي، فقصد أبو عمر صاحب الكرك فأكرمه، وقصد العز صاحب مصر فأكرمه، وولاه قضاء مصر وخطابة الجامع العتيق، ثم انتزعهما منه وأقره على تدريس الصالحية (١).
حتى تولى قطز أمر مصر فصار ما صار مع من استشاره العز في عين جالوت. ألا ما أحوج المسلمين إلى قراءة تاريخهم والاستفادة من أحداثه وعبره، ويوم يُقرأ التاريخ بتجرد فستكون تجارب السابقين رصيدًا يستفيد منه اللاحقون، وسوف تكون أحداث التأريخ ومروياته مادةً يجمع الله بها شمل المسلمين، ويوم أن تصح النوايا، وتصبح الحاكمية المطلقة لشرع الله في الأرض يسود المسلمون وتسلم ديارهم من نهب المعتدين، وتتهاوى بإذن الله مخططات الكافرين والمنافقين، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
стр. 72
(١) حصائد الألسن (١)
الخطبة الأولى
إن الله نحمده ونستعينه ونستغفره ..
أيها الإخوة المسلمون .. عن حصائد الألسن، وآفاتها الخطيرة، وغوائلها المهلكة حديث من الأهمية بمكان، وهي لكثرتها ربما لا يحس الناس بها أو يقدرون خطر بعضها دون البعض الآخر. أما العارفون فقد عدوا اللسان عشرين آفة، يتعامل الخلق بها كلها لكن ما بين مقل ومستكثر، وما بين محتاط مقتصد فيما يقول، وبين متعد مفرط يرى أنه ما دام بإمكان لسانه أن يتحرك فلا عليه أن يطلقه، حتى ولو كان ذلك الإطلاق على حساب دينه وكرمه ومروءته، وليت هؤلاء بل ليتنا جميعًا نفقه قول المصطفى ﷺ «من صمت نجا» (٢) إذ لا نجاة لمن لا يحسن استخدام اللسان بالمعروف إلا بالصمت، ولا شك أن الصمت يحتاج إلى مجاهدة نفس وطول مران، لكن الكف عن الشرور والآثام طريق موصل إلى الله وجنته، فهذا أعرابي- كما في حديث البراء ابن عازب ﵄ جاء إلى النبي ﷺ فقال: دلني على عمل يدخلني الجنة قال: «أطعم الجائع واسق الظمآن، وأمر بالمعروف وأنه عن النكر، فإن لم تطق فكف لسانك إلا من خير» (٣).
إخوة الإسلام .. فهذه الآفات العشرون للسان تختلف في حريتها، وتتفاوت في
стр. 73
عقوباتها، لكن بعضها يجر إلى بعض، وإذا تجاوز اللسان آفة سهل عليه مقارفة الآفة الأخرى، وهكذا يكون للسان نصيب من هذه الآفات لها فيهلكه لسانه.
تعالوا بنا معاشر المسلمين نتذكر هذه الآفات مبتدئين بأخفها ومترقين إلى الأغلظ قليلاً، ونؤخر الكلام في الغيبة النميمة والكذب، فإن النظر فيها أطول، والعقاب فيها أشد.
وأوصي نفسي والسامعين- ونحن نستمع لهذه الآفات - أن نحاكم واقعنا إليها، وأن نحاسب أنفسنا على ضوئها، فتلك ثمرة المواعظ والخطب، وتلك صفات المؤمنين الذي يستمعون القول فيتبعون أحسنه، الذين قالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير أولئك الذين هدى الله وأولئك هم أولو الألباب.
وأول هذه الآفات اللسان: الكلام فيما لا يعني المتكلم إذ هو ضياع للعمر والوقت فيما لا فائدة فيه، وهل هناك أغلى على الإنسان من وقته وعمره، وفوق بين من يزرع بكل كلمة يقولها شجرة له في الجنة وبين من يجني الأشواك على نفسه بسبب كثرة كلام لا فائدة فيه، وربما جره إلى مكروه أو حرم.
قال العلماء: وحد الكلام أن تتكلم بكلام لو سكت عنه لم تأثم، ولم تستضر به في حال ولا مال (١).
فإذا علمت هذا فاعلم أن من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه. وتأمل هذه النصيحة من حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس ﵄، فقد روى عنه مجاهد ﵀ قال: سمعت ابن عباس يقول: خمس لمن أحب إلى من الدهم الموقوفة -وهي العدد الكثير من الإبل أو الخيل-: لا تتكلم فيما لا يعنيك، فإنه
стр. 74
فضل، ولا آمن عليك الوزر، ولا تتكلم فيما يعنيك حتى تجد له موضعًا، فإنه رب متكلم في أمر يعنيه قد وضعه في غير موضعه فعنت، ولا تمار حليمًا ولا سفيهًا فإن الحليم يقلبك والسفيه يؤذيك، واذكر أخاك إذا غاب عنك بما تحب أن يذكرك به واعفه مما تحب أن يعفيك منه، وعامل أخاك بما تحب أن يعاملك به، واعمل عمل رجل يعلم أنه مجازى بالإحسان مأخوذ بالإجرام (١).
الآفة الثانية من آفات اللسان فضول الكلام، ويتناول الخوض فيما لا يعني، والزيادة فيما يعني على قدر الحاجة، فمن أنهى مقصوده بكلمة، فالكلمة الثانية فضول .. فكيف بمن يتحدث الساعات الطوال بكلام فضول؟ والحق ﵎ يقول ﴿لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس﴾ (٢).
ولا شك أن فضول الكلام يجر إلى مزالق ومخاطر وكان عمر بن عبد العزيز- ﵀ يقول: إنه ليمنعني من كثير فضول الكلام، وفضول المال (٣).
أيها المؤمنون إذا كان هذا في شأن فضول الكلام وما لا يعني فلا تعجبوا إن رأيتم ثلة من الصالحين يندر حديثهم ويقل خلطتهم للناس إلا بخير وما بهم من علة لكنه الفقه في الدين، والاستحضار الدائم للعرض على رب العالمين، والبكاء على الخطايا ورجاء التكفير، ولهؤلاء وأمثالهم تزف البشرى فالنبي ﷺ يقول: «طوبى لمن ملك لسانه، ووسعه بيته، وبكى على خطيئته» (٤).
стр. 75
الآفة الثالثة: الخوض في الباطل وهو الكلام في المعاصي كحكاية أحوال النساء، ومجالس الخمر، ومقامات الفساق وتكبر الجبابرة ومراسمهم المذمومة. إلى غير ذلك من الخوض في الباطل، والخليق بالمسلم أن يرفع نفسه عن الدنايا، وما يكون سببًا لاقتراف المحرمات أما أهل النار فيعترفون أن خوضهم في الباطل من أسباب دخولهم النار ﴿ما سلككم في سقر؟ قالوا لم نك من المصلين، ولم نك نطعم المسكين، وكنا نخوض مع الخائضين﴾ (١).
الآفة الرابعة: المراء والجدل، وهو كل اعتراض على كلام الغير بإظهار خلل فيه، إما في اللفظ، وإما في المعنى، وإما في قصد المتكلم. وترك المراء بترك الإنكار والاعتراض، فكل كلام سمعته فإن كان حقًا فصدق به، وإن كلام باطلاً أو كذبًا ولم يكن متعلقًا بأمور الدين فاسكت عنه (٢).
فإياك أخي المسلم والمراء والجدل فهما مظنة للضغائن والأحقاد، وقساوة القلوب وتنافرها، وحضور الشياطين وانفلات زمام الألسن، وربما تكلم الإنسان في تلك الحال بكلام ندم عليه، لكنه كان يرغب الانتصار به على من يماري ليس إلا.
إخوة الإسلام ليس الإحجام عن المراء، أو الصمت حين تتطاول ألسنة الآخرين نوعًا من الضعف والهزيمة كلا .. وإن بدا ذلك لضعاف العقول. بل هو نوع من التعقل والحكمة وضبط للنفس حين تتأزم وقلة هم الرجال الذي يملكون أنفسهم عند الغضب، وليس الشديد بالصرعة، ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب - كلما أخبر الصادق المصدوق ﵊.
стр. 76
ويكفي أن يتصور المسلم ما أعده الله لمن ترك المراء وإن كان محقًا من الأجر والمغنم، والرسول ﷺ يقول «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك الراء وإن كان محقًا، وبيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وأن كان مازحًا، وبيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه» (١).
الآفة الخامسة: الخصومة بالباطل، وهي وراء الجدل والمراء لأنها مدعاة لأكل أموال الناس بالباطل، أو على الأقل فيها اعتداء على الأعراض وإثارة لمشاعرهم مما يستوجب الحقد والبغضاء بين المسلمين.
قال الله تعالى: ﴿ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام﴾ (٢).
وهل علمت أخي المسلم «إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم» كما أخبر بذلك النبي ﷺ في الحديث الصحيح (٣).
والألد هو الأعوج، قال تعالى ﴿وتنذر به قومًا لُدًّا﴾ أي عوجًا (٤). فاحذروا المراء ودعوا الخصومات بالباطل، فإن ذلك أسلم لدينكم وأصلح لدنياكم.
الآفة السادسة: التقعر في الكلام، وهو التشدق وتكلف السجع والفصاحة والتصنع فيه، فإنه من التكلف الممقوت إذ ينبغي أن يقتصر في كل شيء على مقصوده، ومقصود الكلام التفهيم، وما زال عنه يقصد إظهار الفصاحة لا ينبغي إلا ما دخل في تحسين ألفاظ التذكير والخطابة لغرض التأثير واختيار الألفاظ الحسنة لدواعي القبول فذلك يختلف عن المنهي عنه.
стр. 77
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿قل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوًا مبينًا﴾ (١).
стр. 78
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين أمر عباده بالحسنى فقال: ﴿وقولوا للناس حسنًا﴾ ونهى عن الفحشاء في الأقوال والأفعال ما ظهر منها وما بطن، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له يحب التوابين ويحب المتطهرين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أزكى البشر خلقًا وأعفهم لسانًا.
اللهم صل وسلم عليه وعلى إخوانه المرسلين، وعلى آله وصحابته والتابعين ومن تبعهم وسار على هداهم إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد .. إخوة الإسلام، فإن الآفة السابعة من آفات اللسان: الفحش والسب وبذاءة اللسان، وحد الفحش هو التعبير عن الأمور المستقبحة بالعبارات الصريحة (١).
ومن أدب الإسلام ومن كمال مروءة المسلم أن يكني عنها، ويذكرها بعبارات أو رموز تفهم المقصود دون ذكر للفظ المستكره الفاحش، والرسول ﷺ وهو قدوة الخلق جاء في صفته- أنه لم يكن فاحشًا ولا متفحشًا ولا صخابًا في الأسواق (٢).
أما السب فلا ينبغي أن يصدر من المسلم لأي بشر كان، فإن كلام مسلمًا فقد جاء في الحديث أن «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» وإن كان غير ذلك فلا يزيده السب إلا عتوًا وإعراضًا والله تعالى يقول ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ (٣) والمسلم طاهر اللسان عفيف
стр. 79
القول بعيد عن البذاءة وإيذاء الخلق باللسان، فهذا رسول الله ﷺ يرسم المنهج في تعامل المسلم مع غيره، ويقول للرجل الذي جاءه يقول: أوصني يا رسول الله: فقال: «عليك بتقوى الله، وإن امرؤ عيرك بشيء يعلمه فيك فلا تعيره بشيء تعلمه فيه، يكن وباله عليه وأجره لك، ولا تسبن شيئًا» قال الرجل: فما سببت شيئًا بعده (١).
أخي المسلم أختي المسلمة، والآفة الثامنة آفة اللعن وما أسهلها عند بعض الناس، وما أكثرها على ألسنة بعض العوام، سواء كان اللعن لإنسان أو حيوان أو حمار، والمؤمن- كما جاء في الحديث- ليس بالطعان، ولا اللعان، ولا الفاحش، ولا البذي (٢) وهل يرضى أحد لنفسه أن يبعد يوم القيامة عن الشفاعة والشهادة، والرسول ﷺ يقول «لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة» (٣) - وحتى تعلموا أثر اللعن للحيوان فضلاً عن الإنسان أسوق لكم هذه الحادثة التي وقعت في زمن النبي ﷺ ، فعن أبي بردة الأسلمي ﵁ قال: بينما جارية على ناقة عليها بعض متاع القوم إذ بصرت بالنبي ﷺ ، وتضايق بهم الجبل، فقالت حَل اللهم العنها، فقال النبي ﷺ : «لا تصاحبنا ناقة فيها لعنة» (٤) فتأملوا معاشر المسلمين في هذه النصوص وكفوا ألسنتكم عن السب والشتم واللعن، وقوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة، وأدبوا أولادكم وأهليكم بأدب الإسلام.
стр. 80
الآفة التاسعة الغناء والشعر المذموم. وهذا وربي يحتاج إلى كلام طويل نظرًا لافتتان الناس به وكثرة رواجه، سواء بقوله أو الاستماع إليه، ولاسيما رديء الكلام وسواقط العبارات والتشبب بالنساء، ومغازلة الحبيب والبكاء على الحبيبة، وما شابه ذلك من عبارات الحب والغرام التي لا يكاد يخرج عنها غناء اليوم، وهل يستحمل واقع المسلمين اليوم مثل هذه العبارات والمئات منهم يموتون جوعًا، وأفواج أخرى تموت تحت مطارق المجرمين، وفي مكان ثالث تغتصب النساء وتشرد الأطفال، وتهدم البيوت والمساجد، وتخد الأخاديد وتحفر القبور الجماعية للمسلمين أفيسوغ لنا أن نلهو ونعبث ونبكي على الحبيبة والحبيب، وتلك حال إخواننا المسلمين .. حتى ولو كان النصر حليفنا والعزة والتمكين شعارنا فما ينبغي أن نقترف ما حرم الله، وهناك رسائل عدة ألفها العلماء في تحريم الغناء ليس هذا موضع بسطها- ويكفي هنا أن أشير إلى قوله تعالى: ﴿ومن الناس من يتخذ لهو الحديث ليضل عن سبيل الله﴾ (١) وكالة بعض الصحابة يقسم ثلاثًا: والله إن لهو الحديث لهو الغناء. ويكفي لذلك أن نذكر بالحديث الصحيح الذي رواه البخاري في حرمة الغناء والنبي ﷺ يقول: «يستحل قوم من أمتي الحر والحرير والمعازف» .. الحديث.
والنص واضح في حرمتها لكن هناك من يستحلونها .. فتنبهوا لذلك معاشر المسلمين، وتوبوا إلى ربكم توبة نصوحًا وترفعوا عن الدنايا ترشدوا.
أيها المسلمون هذه طائفة من حصائد الألسن وآفاتها، وهناك آفات غيرها .. وسيتبع الحديث عنها بإذن الله- والسعيد من استفاد من يومه لغده/ والعاقل من استبرأ لدينه وعرضه، والمؤمن من آمن بما جاء من عند الله، وصدق وامتثل ما
стр. 81
قاله رسول الله، جعلني الله وإياكم من المؤمنين المصدقين .. وسلك بنا طريقه المستقيم، وعصمنا من مضلات الفتن.
هذا وصلوا
стр. 82
(٢) حصائد الألسن (١)
الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ...
إخوة الإسلام لست بمستكثر إطالة الحديث عن حصائد الألسن، وذلك لكثرتها في واقع الناس من جانب، وغفلتهم عن آثارها من جانب آخر، ولأن اللسان- غالبًا- ترجمان للجوارح، فمن كان قلبه طاهرًا نقيًا لم يتفوه لسانه إلا بخير، ومن كان قلبه دون ذلك كشفه لسانه وفضحه على رؤوس الأشهاد، مثل فضيحة يوم المعاد، وهكذا الشأن في العينين والأذنين والىدين والرجلين، فهي جوارح متحركة، واللسان معبر عن حركاتها.
وحيث سبق الحديث عن أنواع من آفات وحصائد الألسن، فنستكمل اليوم آفات أخر .. ومنها:
كثرة المزاح والمداومة عليه، لأنه نوع من الغفلة عن الآخرة وتزجية للوقف بما لا ينفع، فضلاً عن كونه مفضيًا لكثرة الضحك، وكثرة الضحك تميت القلب، والرسول ﷺ يقول: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيرًا» (٢).
وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: من كثر ضحكه قلت هيبته، ومن مزح استخف به، ومن أكثر من شيء عرف به، ومن كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه قل حياؤه، ومن قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه (٣).
стр. 83
وليس بغائب عن ذهنك- يا أخا الإسلام- أن قليل المزاح مشروع، بل هو سنة من سنن المصطفى ﷺ لكن بقدر وبضوابط الشرع. فالصدق شرط للمزاح، والعفة هي الأخرى قيد في المزاح فمن الناس من يبيح لنفسه- حال المزاح- فعل المحرم إما بقول أو فعل، وكل ذلك لا يجوز شرعًا، ولا يسوِّغه كون صاحبه مازحًا.
والرسول ﷺ كان يمزح أحيانًا ويداعب الآخرين، لكنه لا يقول ولا يفعل إلا الحق، وربما هدف من مزاحه إلى إدخال السرور على من يمازح، وأحيانًا يهدف من مزاحه إلى الدعوة للإسلام والترغيب في الإيمان، وهاك نموذجًا يؤكد ما أقول:
فقد روى الطبراني في الكبير بسند رجاله ثقات: أن خوات بن جبير الأنصاري ﵁ كان جالسًا إلى نسوة من بني كعب بطريق مكة، طلع عليه رسول الله ﷺ فقال: يا أبا عبد الله مالك مع النسوة؟ فقال: يفتلن ضفيرًا لجما لي شرود، قال فمضى رسول الله ﷺ لحاجته، ثم عاد، فقال: يا أبا عبد الله: أما ترك ذلك الجمل الشراد بعد؟ قال: فسكتُّ واستحييت، وكنت بعد ذلك أتفرر منه كلما رأيته حياءً منه، حتى قدمت المدينة، فرآني يومًا في المسجد أصلي، فجلس إليّ فطولت فقال: لا تطول فإني أنتظرك، فلما سلمت قال: يا أبا عبد الله أما ترك ذلك الجمل الشراد بعد؟ قال: فسكت واستحييت فقام، وكنت بعد ذلك أتفرر منه حتى لحقني يومًا وهو على حمار- وقد جعل رجليه في شقّ واحد فقال: يا أبا عبد الله أما ترك ذلك الجمل الشراد بعد؟
فقلت: والذي بعثك بالحق ما شرد منذ أسلمت فقال: الله أكبر الله أكبر، اللهم اهد أبا عبد الله، قال: فحسن إسلامه وهداه الله» (١).
стр. 84
وهذا يدلك على كريم خلقه ﷺ وطيب معشره، وممازحته لأصحابه، وليست ذلك إلا نموذجًا من نماذج مزاحه ﵊ وهي مشعرة بأن هذا الدين لا تعقيد فيه ولا تعبيس، ولا يراد لأتباعه أن يكونوا متبلدي الإحساس، ثقال النفوس، ولكنها مشعرة في الوقت نفسه بضوابط وحدود المزاح، ومن أعظم ما ينبغي التنبيه عليه في المزاح التفوه بكلمات بذيئة سيئة يريد صاحبها إضحاك القوم بها، فهذه ينبغي الحذر منها، والإنكار على قائلها وتذكيره بقول النبي ﷺ «إن العبد يتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يعني يتفكر في أنها خير أم لا- يزل بها إلى النار أبعد مما بين المشرق والمغرب» (١).
وينبغي كذلك ألا يزيد المزاح عن الحد فينقلب إلى الضد، وألا يتجاوز القول الحق إلى القول المنكر، أو يتجاوز اللسان كثيرًا إلى بقية الجوارح والأركان .. فذلك كله مدعاة للتنافر والبغضاء وجالب للحزازات والقطيعة بين الأخلاء.
أيها المؤمنون .. ومن حصائد الألسن السخرية والاستهزاء، وتلك قاصمة الظهر مثيرة الأحقاد، ومدعاة للمخيلة والاحتقار، وما يدريك أيها المستهزئ أن من استهزأت به خير مقامًا منك عند الله وأرفع ذكرًا، وهلا وقفت أيها المستهزئ متأملاً في كتاب الله، ومستمعًا إلى توجيه الله، وهو يقول ﴿يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرًا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرًا منهن﴾ (٢).
стр. 85
فإن كنت أقل ممن استهزأت به أفلا يكفيك التأمل في عيوب نفسك وإصلاحها قبل انتقاد الآخرين والاستهزاء بهم، وإن كنت خيرًا فما ذاك صنيع الشاكرين، ولست بآمن أن يسلخك الله ما أعطاك، ويمنح غيرك ما كان بك من نعمة، فاشكر الله على النعماء وإياك إياك والسخرية والاستهزاء، وتفطن دائمًا وأبدًا لحديث الرسول ﷺ « ... المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى ها هنا- ويشير إلى صدره ثلاث مرات- بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه» (١) قال الإمام النووي: ما أعظم نفع هذا الحديث وأكثر فوائده لمن تدبره (٢).
ولا يفوتك- أخي المسلم- أن الاستهزاء ربما كان بكلمة، أو نظرة، أو محاكاة أو إشارة أو إيماء، والأصل في ذلك كله ما يجول في القلب، فطهر قلبك من احتقار المسلمين والتقليل من شأنهم، وإياك والعجب بنفسك فإن العجب مهلكة، وجاهد نفسك على فعل الخير ودفع الشر ما أمكنك ذلك.
إخوة الإسلام ... ومن حصائد الألسن الوعد الكاذب، إذ اللسان سباق إلى الوعد والنفس ربما لا تسمح بالوفاء، فيصير الوعد خلفًا، وذلك من أمارات النفاق، كما قال النبي ﷺ : «ثلاث من كن فيه فهو منافق، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان» (٣).
وما أكثر ما يتسامح بعض الناس بالوعود، ويخلفون الميعاد دون عذر شرعي يخولهم لذلك .. وتلك آفة .. بل مرض خليق بالمسلم أن يعالج نفسه عن الوقوع فيه، وهو مدعاة لضياع الحقوق أحيانًا، ولضياع الأوقات على الآخرين
стр. 86
أحيانا أخرى، وموجب للسخط والبغضاء في أحيان ثالثة .. وهل علمت أيها المسلم أن الوفاء بالعقود من صفات المؤمنين، والله تعالى يقول ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ (١) وهل علمت أن الوفاء بالوعد كلام ومروءة، وأن الخلف في المواعيد بخل بالجاه أو بالمال أو بالوقت وكلها مذمومة، وهو استخفاف بالآخرين لا مبرر له.
وإليك نموذجًا من الوفاء لو لم تستطع الكرماء الوفاء به إلا على فراش الموت لفعلوا، فهذا عبد الله بن عمر ﵄ حين حضرته الوفاة قال: إنه كان خطب إلي ابنتي رجل من قريش، وقد كان مني إليه شبه الوعد، فوالله لا ألقى الله بثلث النفاق، أشهدكم أني قد زوجته ابنتي» (٢).
إخوة الإيمان .. وثمة آفة من آفات اللسان ينبغي التنبه لها، ألا وهي كثرة المدح في الوجه، وهي مهلكة للمادح والممدوح خاصة إذا كان الممدوح أقل مما امتدح به، أما المادح فهي تفضي به إلى الكذب، وقد قال خالد بن معدان- ﵀ من مدح إمامًا أو أحدًا بما ليس فيه على رؤوس الأشهاد بعثه الله يوم القيامة يتعثر بلسانه (٣).
وقد يفضي به المدح الكاذب إلى الرياء، فإنه بالمدح مظهر للحب وقد لا يكون معتقدًا لكل ما يقوله فيصير بذلك مرائيًا منافقًا، إلا أن يكون لذلك ضرورة أو مقصد شرعي طيب فتلك تقدر بقدرها. والمدح الكاذب له أثره السيء على الممدوح، فقد يؤدي به إلى الكبر والعجب وقد يقعد به عن العمل والتشمير في
стр. 87
الجد. ولهذا قال ﵊ لرجل مدح رجلاً عنده: «ويحك قطعت عنق صاحبك لو سمعها ها أفلح» (١) وفي لفظ: «ويلك قطعت عنق صاحبك، من كان منكم مادحًا أخاه لا محالة فليقل: أحسب فلانًا والله حسيبه، ولا أزكى على الله أحدًا، أحسبه كذا وكذا إن كان يعلم ذلك منه» (٢).
ولما في المدح من آفات، قال أبو حفص عمر بن الخطاب ﵁: «المدح هو الذبح، وذلك لأن الممدوح هو الذي يفتر عن العمل، والمدح يوجب الفتور، أو لأن المدح يورث العجب والكبر وهذا مهلكان كالذبح فلذلك شبهه به» (٣).
ومن هنا قال ﵊: «إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب» (٤).
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿ .. وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون﴾ (٥).
стр. 88
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضاه، وأشهد ألا إله إلا الله، هو الأول والآخر والظاهر والباطن، وهو بكل شيء عليم، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخيرته من خلقه .. اللهم صل وسلم عليه وعلى إخوانه وآله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فأصل بكم معشر الإخوة بعد ذكر عدد من آفات وحصائد الألسن إلى آفة عظيمة هي في عداد قبائح الذنوب وفواحش العيوب .. ألا وهي الكذب الذي سرى في هذا الزمان سريان النار في الهشيم، وابتليت به العامة والخاصة إلا من رحم الله، وأصبحت له مؤسسات وأجهزة تنشره وتصبغ الناس بصبغته، وتصيبهم من أثره .. ألا وهي وسائل الإعلام، ووكالات الأنباء .. التي يمتلك الجزء الأكبر منها أمم وشعوب كافرة، لا تصدر للأمم المسلمة من الأخبار إلا ما تريد .. فتتلقفها الوكالات الأخرى غافلة عن مصدرها، ومتأثرة في الغالب بما جاء فيها .. فتختلط الحقائق بالأباطيل، ويروج الكذب، وتذوب القيم، ويمدح الفجار وتعلى مكانتهم، ويشهّر بالأخيار ويوصمون بالنقيصة والتطرف أو غيرها من رديء العبارات وسوء الألقاب .. وما ربك بغافل عما يعملون، حتى لقد سئم الناس هذه العبارات، وربما أدرك بعضهم السر من ورائها، وعلموا أنها وسيلة لإطفاء نور الله، وتعبير عن الحسرة التي قطعت قلوب الكفار والمنافقين، وهم يرون الإسلام ينتفض من جديد، ويرون المسلمين يعودون إلى ربهم في كل صقع من أصقاع المعمورة، وهو نور الله يملأ الوجود، وهل تستطيع قوة أن تطفئ نور الله ﴿يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون﴾ (١) ألا إنها الحماقة والسفه ليس إلا.
стр. 89
إخوة الإسلام للكذب آثاره وغوائله السيئة، وقد خطب أبو بكر الصديق ﵁ بعد وفاة النبي ﷺ وقال: قام فينا رسول الله ﷺ مقامي هذا عام أول ثم بكى، وقال: «إياكم والكذب فإنه مع الفجور وهما في النار» (١) والكذبة يعذبون في قبورهم قبل يوم القيامة، والرسول ﷺ يقول: «رأيت كأن رجلاً جاءني فقال لي: قم. فقمت معه، فإذا أنا برجلين، أحدهما قائم والآخر جالس، بيد القائم كلوب من حديد يلقمه في شدق الجالس فيجذبه حتى يبلغ كاهله، ثم يجذ به فيلقمه الجانب الآخر فيمده فإذا مده رجع الآخر كما كان، فقلت للذي أقامني: ما هذا؟ فقال هذا رجل كذاب، يعذب في قبره إلى يوم القيامة» (٢).
إخوة الإسلام ما زال رسول الله ﷺ يحذر من الكذب حتى جعله طريقًا إلى النار وقال: «إن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما زال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا».
ولهذا وغيره من آثار الكذب السيئة، لم يكن شيء أشد على صحابة رسول الله ﷺ من الكذب، كما تقول أم المؤمنين عائشة ﵂: «ما كان من خلق أشد على أصحاب رسول الله ﷺ من الكذب، ولقد كان رسول الله ﷺ يطلع على الرجل من أصحابه على الكذب فما ينجلي من صدره حتى يعلم أنه قد أحدث توبة لله منها» (٣).
فاحذروا الكذب معاشر المسلمين واصدقوا التوبة مما بدر منكم يغفر الله لكم، واعلم أخي المسلم أن الصدق أمانة والكذب خيانة، واحذر أن تحدث
стр. 90
أخاك المسلم بحديث هو لك به مصدق وأنت به كاذب، فقد جاء في الخبر «كبرت خيانةً أن تحدث أخاك حديثًا هو لك به مصدق وأنت له كاذب» (١).
ولا تحقرون من الكذب شيئًا، ولا تعودن لسانك حتى على اليسير منه، وهل علمت أنك إذا استدعيت غلامك أو جاريتك، وقلت: تعال أعطك. ولم تعطه شيئًا كتبت عليك كذبة، فهذا عبد الله بن عامر ﵁ يحدث ويقول جاء رسول الله ﷺ إلى بيتنا وأنا صبي صغير فذهبت لألعب، فقالت أمي: يا عبد الله تعال حتى أعطيك، فقال ﷺ : وما أردت أن تعطيه؟ قالت: تمرًا، فقال: «أما إنك لو لم تفعلي لكتبت عليك كذبة» (٢).
وكلما تعاظم الكذب أو صدر مما لا ينبغي صدوره منه كان الوعيد أشد، ولهذا قال ﵊ «ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر» (٣).
أيها المسلمون هناك نصوص كثيرة وآثار عظيمة تبين لك آثار الكذب، وتحذر منه، يجدها في مظانها من أراد البحث عنها، وإنما أردت الإشارة إلى بعضها.
ويبقى الاستثناء في الكذب الذي أبيح للمسلم أن يفعله، وقد حدده الشرع المطهر كما في حديث الرسول ﷺ : «ليس الكذاب الذي يصلح بين اثنين أو قال بين الناس فيقول خيرًا أو ينمى خيرًا» (٤).
стр. 91
وزاد مسلم عن أم كلثوم بنت عقبة ﵂ قالت: «ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس إلا في ثلاث: يعي الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل زوجته، وحديث المرأة زوجها» (١).
قال الإمام النووي ﵀ فهذا الحديث صريح في إباحة بعض الكذب للمصلحة، وقد ضبط العلماء ما يباح منه، وأحسن ما رأيته في ضبطه ما ذكره الإمام الغزالي ﵀ فقد قال: الكلام وسيلة إلى المقاصد، فكل مقصود محمود يمكن التوصل إليه بالصدق والكذب جميعًا فالكذب فيه حرام لعدم الحاجة إليه، وإن أمكن التوصيل إليه بالكذب ولم يمكن بالصدق فالكذب فيه مباح إن كان تحصيل ذلك المقصود مباحًا، وواجب إن كان المقصود واجبًا، فإذا اختفي مسلم من ظالم وسأل عنه وجب الكذب بإخفائه .. الخ كلامه وهو كلام نفيس» (٢).
أخي المسلم كما تحذر الكذب بنفسك فاحذر كذلك أن يروج عليك كذب الآخرين، وما أجمل ما قاله حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس ﵄ إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلاً يقول قال رسوله الله ﷺ ابتدرته أبصارنا، وأصغينا إليه بأسماعنا، فلما ركب الناس الصعبة والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف، وفي رواية: فأما إذ ركبتم كل صعبة وذلول فهيهات» (٣).
وأراد بالصعبة والذلول: شدائد الأمور وسهلها، والمراد: أنه ترك المبالاة بالأمور والاحتراز في القول والفعل.
стр. 92
فإذا كان ذلك في تلك القرون .. فما ظنك أخي المسلم بالناس في هذه الأزمان والعصور .. ألا فاحتاطوا فيما تقولون، وتريثوا وتثبتوا فيما تسمعون، والحق ﵎ يقول لكم ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قومًا بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين﴾ (١).
اللهم اعصمنا من الكذب، ووفقنا للصدق في القول والفعل .. هذا وصلوا.
стр. 93
(٣) حصائد الألسن (١)
الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ...
أما بعد إخوة الإسلام فنختم حديثنا- في حصاد الألسن- بالحديث عن خصلتين قبيحتين، وعادتين سيئتين قل من ينجو منهما، يستصغرهما بعض الناس، وشأنهما عظيم عند الله، وطالما تصدرا حديث الناس، وأصبحتا فاكهة المجالس ولا حول ولا قوة إلا بالله. ذلك الداء العضال، والمرض الذي يفتك في الناس فتك الذئاب الجائعة في الأغنام الهائمة. بل أشد هو داء الغيبة والنميمة .. حذر منهما القرآن وزجر ولكن بعض الناس لم يزدجر، وهل بعد زواجر القرآن من مزدجر؟ ، ونهى النبي ﷺ عن التلبس بهما وشدد، وهو الناصح الكريم، والمرشد الأمين فافتح قلبك- يا أخا الإسلام- لآي القرآن، وأصغ سمعك لتوجيه المصطفى ﵊، قال الله تعالى ﴿ولا يغتب بعضكم بعضًا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه﴾ (٢) وقال تعالى ﴿ويل لكل همزة لمزة﴾ (٣) وقال في وصف أحد الكافرين ﴿هماز مشاء بنميم﴾ (٤) وما أكثر ما وجه الرسول ﷺ بشأنهما وشدد، ويكفيك أن تعلم أنه ﵊ جمع بين الاعتداء على الدماء والأموال والأعراض في
стр. 94
حديث واحد فقال في خطبة حجة الوداع «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟ » (١).
وإذا كان شأن الدماء والأموال في حسنا عظيم، فينبغي أن يعلم أن شأن الأعراض عظيم كذلك.
وهل علمت- يا من تستعيذ بالله صباح مساء من عذاب القبر أن الغيبة والنميمة من أسباب عذاب القبر، فقد جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس-﵄ أن رسوله الله ﷺ مر بقبرين فقال: «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير»، وفي رواية البخاري «بلى إنه كبير أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله» - وفي رواية لا يستنزه من بوله - الحديث قال العلماء: معنى: وما يعذبان في كبير: أي في كبير في زعمهما، أو في كبير تركه عليهما (٢).
وإذا كانت النميمة وردت في هذا الحديث سببًا في عذاب القبر فقد جاء ذكر (الغيبة) بدلاً منها في حديث أو رواية أخرى رواها الطيالسي، وأحمد والطبراني، وابن أبي الدنيا بسند جيد (٣).
وهو مؤشر إلى أن الغيبة والنميمة سببان موجبان لعذاب القبر وقانا الله وإياكم والمسلمين عذاب القبر وما بعده.
أيها المسلمون .. والذين يقعون في أعراض المسلمين ويتتبعون عوراتهم حريون بعقوبة الله العاجلة، وعليهم ألا يأمنوا الفضيحة في عقر دارهم، قال
стр. 95
البراء بن عازب ﵁: خطبنا رسولنا الله ﷺ حتى أسمع العواتق في بيوتهن فقال: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه في جوف بيته» (١).
يا أخا الإسلام .. وإذا كنت تستنكف من المشاهد المؤذية، وتشمئز للروائح الخبيثة- وهذا أمر طبيعي فيك- فعليك أن تترفع عن إيذاء إخوانك المسلمين وأكل لحومهم، فشأنك حين تعمل هذا في حق إخوانك المسلمين؟ كشأنك حين تأكل الميتة أو تكره الروائح المنتنة، فضع نفسك في الوضع الذي ترغبه لها، وقد سمعت الحق ﵎ يقول ﴿أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا فكرهتموه﴾ (٢).
وخذ نموذجًا عمليًا قرره النبي ﷺ مع أحد أصحابه، فحين رجم (ماعزًا) في الزنا قال رجل لصاحبه: هذا أقعص كما يقعص الكلب .. فمر رسول الله ﷺ وهما معه بجيفة فقال: «انهشا منها»، فقالا: يا رسول الله ننهش جيفة؟ فقال: «ما أصبتما من أخيكما أنتن من هذه» (٣).
أيها المؤمنون الأمر عظيم والخطب جسيم، والبراءة من أعراض المسلمين عزيزة والخطورة تكمن في الجهل أو التجاهل بحقيقة الغيبة، وبعض الناس يظن أنه حين يتحدث في عرض أخيه المسلم بأمر واقعي لكنه مكروه لديه أن ذلك ليس من الغيبة، وإنما الغيبة- في ظن هؤلاء- في الزيادة في الكلام في المتحدث فيه بما ليس فيه، وهذا رسول الله ﷺ يكشف الحقيقة ويبين المسألة ويقول:
стр. 96
«أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته» (١).
ومن هنا يتبين لك حرمة الحديث في عرض أخيك المسلم بما يكره حتى ولو كان واقعًا ولمزيد من الإيضاح: قال العلماء: الغيبة ذكرك الإنسان بما فيه مما يكره، سواء كان في بدنه، أو دينه، أو دنياه، أو نفسه، أو خلقه، أو خلقه أو ماله، أو ولده، أو والده، أو زوجه، أو خادمه، أو مملوكه، أو نحو ذلك وسواء ذكرته بلفظك أو كتابك، أو رمزت، أو أشرت إليه بعينيك أو يدك أو رأسك، أو نحو ذلك (٢).
ألا ما أعظم هذا الدين وهو يحفظ الحرمات، ويستر العورات وما أجمل المؤمن وهو يتحلى بحلية الإيمان، ويتخلق بأخلاق الإسلام، وما أنظف المجتمع الذي يحافظ فيه كل فرد على حقوق الآخرين .. ويتداعى البنيان أو ينهار إذا تناوشته السهام من كل مكان، وما أحوجنا إلى البناء ورص الصفوف بعيدًا عن السخرية والاستهزاء، والغيبة والنميمة، تلك الجبهات الداخلية التي أشغلتنا عن الجبهات الخارجية فتسلل العدو إلى أرضنا.
أمة الإسلام .. وحتى نقلع عن هذه الظاهرة السيئة، لابد لنا من التعرف على الأسباب الداعية للغيبة، ومحاولة تجاوزها وسد أبوابها.
فمن أسباب الغيبة: شفاء الغيظ، فهو إذا هاج غضبه تشفى بذكر مساوئ من أغضبه، وربما تحول الغضب إلى حقد دفين، فصار الحقد والغضب من
стр. 97
البواعث العظيمة على الغيبة .. فجاهد نفسك على ألا تحقد ولا تغضب، واسأل الله في ذلك فهو خير معين.
السبب الثاني: موافقة الأقران ومجاملة الأصحاب، فهو يرى أنه لو أنكر عليهم- في تفكههم في الأعراض- استثقلوه ونفروا من صحبته، فيضطر لمجاراتهم، وذلك علامة الضعف في الدين، وإلا فالواجب نصرة المسلم والذب عن عرضه، وفي ذلك عظيم الأجر عند الله، وقد قال ﷺ «ما من امرئ يخذل امرءً مسلمًا في موطن ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا خذله الله تعالى في موطن يحب فيه نصرته، وما من أحد ينصر مسلمًا في موطن ينتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته إلا نصره في موطن يحب فيه نصرته» (١).
فضعوا هذا الحديث نصب أعينكم حين تختلط الأحاديث في المجالس، وتكون أعراض المسلمين فاكهة لها، واسألوا الله العون على ذلك.
الباعث الثالث على الغيبة: أن يستشعر من إنسان أنه سيقصده بالحديث، فيسبقه إلى ذلك ويتقدمه بالغيبة، وفي هذا المقام ينبغي أن يتذكر السلم ما أعده الله للكاظمين الغيظ والعافين عن الناس فيحفظ لسانه حتى وإن كان الحق له. ولا شك أن تلك منزلة تحتاج إلى صبر وطول مجاهدة للنفس وفقني الله وإياكم لبلوغها.
الباعث الرابع: أن ينسب إلى شيء فيريد أن يتبرأ منه فيذكر الذي فعله، وكان من حقه أن يبرئ نفسه ولا يذكر الذي فعل.
الباعث الخامس: إرادة التصنع والمباهاة، وهو أن يرفع نفسه بتنقيص غيره،
стр. 98
كأن يقول: فلان جاهل، وفهمه ركيك، وكلامه ضعيف، وهو إنما يريد إثبات الفضل لنفسه.
الباعث السادس للغيبة: الحسد وهو أنه ربما يحسد من يثني الناس عليه ويحبونه، فيريد زوال تلك النعمة عنه، فلا يجد سبيلاً إلى ذلك إلا بالقدح فيه لإسقاطه عند الآخرين، وذلك عين الحسد، وهو غير الحقد والغضب الذي يستدعي جناية من المغضوب عليه، أما الحسد فقد يكون مع الصديق المحسن والرفيق الموافق، نسأل الله السلامة من الحسد.
الباعث السابع: اللعب والهزل والمطايبة وتزكية الوقت بالضحك، فيذكر عيوب غيره بما يضحك الناس على سبيل المحاكاة، ومنشؤه التكبر والعجب.
الباعث الثامن: السخرية والاستهزاء استحقارًا له، فإن ذلك قد يجري في الحضور، ويجري في الغيبة، ومنشؤه التكبر واستصغار المستهزأ به (١).
إخوة الإيمان ثمة مدخل خفي للغيبة جدير بالناس عمومًا أن يعلموه، وأهل الدين والصلاح خصوصًا أن يفقهوه .. ذلك هو ما سمي بغيبة القلب أو سوء الظن الذي ينعقد به القلب ويصدقه ثم ينطق به اللسان، لا مجرد الخواطر وحديث النفس، فهذا إذا لم يستقر ويستمر عليه صاحبه فمعفو عنه باتفاق العلماء، وقد قال ﵊ كما ثبت في الصحيحين: «إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل» (٢).
أما ما نحن بصدده من غيبة القلب التي ينعقد عليها فقد حرره العلماء وضبطوه، بكلام نفيس، فقالوا: إذا وقع في قلبك ظن السوء فهو من وسوسة
стр. 99
الشيطان يلقيه إليك، فينبغي أن تكذبه، فإنه أفسق الفساق، وقد قال الله تعالى ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا .. ﴾ فلا يجوز تصديق إبليس، فإن كان هناك قرينة تدل على فساد واحتمل خلافه لم تجز إساءة الظن، ومن علامة إساءة الظن أن يتغير قلبك فيه عما كان عليه، فتنفر منه، وتستثقله وتفتر عن مراعاته وإكرامه والاغتمام بسيئته، فإن الشيطان قد يقرب إلى القلب بأدنى خيال مساوئ الناس ويلقي إليه إن هذا من فطنتك وذكائك وسرعة تنبهك، وأن المؤمن ينظر بنور الله، وإنما هو على التحقيق ناطق بغرور الشيطان وظلمته، وإن أخبرك عدل بذلك فلا تصدقه ولا تكذبه، لئلا تسيء الظن بأحدهما، ومهما خطر لك سوء في مسلم فزد في مراعاته وإكرامه، فإن ذلك يغيظ الشيطان ويدفعه عنك، فلا يلقى إليك مثله خيفة من اشتغالك بالدعاء له، ومهما عرفت هفوة مسلم بحجة لا شك فيها فانصحه في السر، ولا يخدعنك الشيطان فيدعوك إلى اغتيابه، وإذا وعظته فلا تعظه وأنت مسرور باطلاعك على نقصه، فينظر إليك بعين التعظم وتنظر إليه بالاستصغار، ولكن أقصد تخليصه من الإثم وأنت حزين كما تحزن على نفسك إذا دخلك نقص، وينبغي أن يكون تركه لذلك النقص بغير وعظك أحب إليك من تركه بوعظك .. ) (١).
هذه كلمات تفيض منها النور والبهاء .. تلك مقامات الأوفياء النجباء جعلنا الله منهم بمنه وكرمه.
стр. 100
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالين أحمده تعالى وأشكره وأثني عليه الخير كله، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخيرته من خلقه اللهم صل وسلم عليه.
أما بعد: فاعلموا معاشر المسلمين أنه كما يحرم على المغتاب ذكر الغيبة يحرم على السامع استماعها وإقرارها، فيجب على من سمع إنسانًا يبتدئ بغيبة محرمة أن ينهاه إن لم يخف ضررًا ظاهرًا، فإن خافه وجب عليه الإنكار بقلبه ومفارقة ذلك المجلس إن تمكن من مفارقته، فإن قدر على الإنكار بلسانه أو على قطع الغيبة بكلام آخر لزمه ذلك .. وما قيل في هذا المعنى:
وسمعك صن عن سماع القبيح ... كصون اللسان عن النطق به
فإنك عند سماع القبيح ... شريك لقائله فانتبه (١)
إخوة الإسلام مصيبتنا في المجالس المجاملة الزائدة عن الحدود الشرعية، فقد يتكلم أحد الحاضرين بكلام لا قيمة فيه، بل ربما كان فيه ضرر على الآخرين فلا يجد- أحيانًا- من ينكر عليه، أو يصرف الحديث إلي ما هو أولى وأحرى بعيدًا عن أعراض المسلمين وتجريحهم والتشهير بهم، ويرحم الله عمر وهو القائل: عليكم بذكر الله تعالى فإنه شفاء وإياكم وذكر الناس فإنه داء.
وتنبهوا- معاشر الصالحين- لمقولة الحسن يرحمه الله: «والله للغيبة أسرع في دين الرجل المؤمن من الأكلة في الجسدي» (٢).
стр. 101
أيها المسلمون كما ورد الاستثناء في الكذب، فقد ورد الاستثناء في الغيبة كذلك، وقال أهل العلم تباح الغيبة إذا كان المسوغ لا غرضًا شرعيًا صحيحًا لا يمكن الوصول إليه إلا بها، وهو أحد ستة أسباب:
الأول: التظلم، فيجوز للمظلوم أدن يتظلم إلى السلطان والقاضي وغيرهما ممن له ولاية فيذكر أن فلانًا ظلمه وفعل به كذا وكذا.
الثاني: الاستعانة على تغيير المنكر ورد العاصي إلى الصواب فيقول لمن يرجو قدرته: فلان يعمل كذا فازجره أو نحو ذلك.
الثالث: الاستفتاء بأن يقول للمفتي: ظلمني فلان أو أبي أو أخي أو زوجي بكذا، فهل له ذلك؟ وما طريقي في الخلاص منه ورفع ظلمه عني؟ ونحو ذلك، فالتعيين جائز والتعميم أحوط.
الرابع: تحذير المسلمين من الشر، وذلك من وجوه منها جرح المجروحين من رواة الحديث وبيان حالهم، ومنها الاستشارة في مصاهرة أو مشاركة أو نحو ذلك من المعاملات، فيباح للمستفتي لهذا الغرض أن يذكر ما يعلمه في الشخص على وجه النصح للمستشير وبيان ما يخفى عليه من أمره.
الخامس: أن يكون مجاهرًا بفسقه أو بدعته كالمجاهر بشرب الخمر ومصادرة الناس وأخذ المكس وجباية الأموال ظلمًا، وتولي الأمور الباطلة فيجوز- والحالة تلك- ذكره بما يجاهر به.
السادس: التعريف فإذا كان الإنسان معروفًا بلقب كالأعمش والأعرج والأعمى ونحوها جاز تعريفه بذلك بنية التعريف لا على وجه التنقص فإن ذلك حرام، وإن أمكن تعريفه بغيرها فهو أولى (١).
стр. 102
أيها المسلم والمسلمة اتقوا الله فيما تعملون وما تدعون، وراقبوه في حركاتكم وسكناتكم واعلموا أن طريقكم إلى التوبة من الغيبة هو طريقكم في التوبة من بقية المعاصي: الإقلاع عن المعصية، والندم على فعلها، والعزم على عدم العودة، ولكن تزيد الغيبة شرطًا رابعًا، وهو التحلل ممن اغتبته فذلك من حقوق الآدميين التي لابد من إستحلالهم عنها، والرسول ﷺ يقول: «من كانت لأخيه عنده مظلمة من عرض أو مال، فليتحلله اليوم قبل أن يؤخذ منه يوم لا دينار ولا درهم، فإن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم يكن له عمل أخذ من سيئات صاحبه فجعلت عليه» (١).
أما صاحب الحق فيستحب له الصفح عن أخيه إذا جاءه معتذرًا فذلك من كرم المؤمن وطيب خلقه، ودخوله في زمرة المحسنين، الذين أثنى الله عليهم بقوله ﴿والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين﴾ (٢).
والرسول ﷺ أثنى على الرجل الذي كان يصفح عن إخوانه المسلمين فقال: «أيعجز أحدكم أن يكون مثل أبى ضيعم أو أبي ضمضم، كان إذا أصبح، وفي رواية إذا خرج من بيته- قال: اللهم إني قد تصدقت بعرضي على عبادك- أو على الناس-» (٣).
أيها المسلمون .. وإذا كانت الغيبة هي الغالبة في أحاديث الناس، فإن النميمة لا تقل خطرًا، بل هي أشد إذ هي نقل كلام الناس بعضهم إلى بعض على وجه الإفساد (٤).
стр. 103
وهي لا تصدر إلا من مرضى القلوب، وضعاف النفوس .. وكم ثارت الحزازات بين قريبين أو صديقين بسبب نمام أشعل فتيل العداوة بينهما، ولا غرو أن يقول الرسول ﷺ في حق النمام «لا يدخل الجنة نمام» (١) وفي رواية «لا يدخل الجنة قتات» (٢).
ويقال: إن رجلاً ذكر لعمر بن عبد العزيز يرحمه الله رجلاً بشيء فقال عمر: إن شئت نظرنا في أمرك فإن كنت كاذبًا فأنت من أهل هذه الآية ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾ وإن كنت صادقًا فأنت من أهل هذه الآية ﴿هماز مشاء بنميم﴾ وإن شئت عفونا عنك، فقال: العفو يا أمير المؤمنين لا أعود إليه أبدًا (٣).
فترفعوا معاشر المسلمين عن الدنايا وعن كل ما يخدم المكروه أو يسيء إلى المسلمين، واطلبوا معالي الأمور، وانشدوا الإصلاح، وإحسان الظن ففي ذلكم الفلاح والنجاح .. وهو طريق إلى سلامة الصدور وطهارة القلوب .. أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يرزقني وإياكم والمسلمين سلامة الصدر وطهارة القلب، وأن يجنبنا الغلّ والحقد والحسد وسوء الأخلاق ... هذا وصلوا وسلموا على نبي الهدى والرحمة.
стр. 104
معالم في تاريخ اليهود (١)
الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ..
إخوة الإسلام قد سبق الحديث عن طرف من معالم المعركة مع اليهود وحديث القرآن الكريم عنهم، ووعدت باستكمال الموضوع لأهميته وحاجة المسلمين لمعرفته.
ومن أبرز المعالم التي جاءت في القرآن عن اليهود عداوتهم للإنسانية عامة والمؤمنين خاصة، قال الله تعالى ﴿لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا .. ﴾ (٢).
وعداوة اليهود هذه مبكرة تشهد بخستها القرون الغابرة، وتؤيدها القرون اللاحقة، فأنبياؤهم فريقًا كذبوا وفريقًا يقتلون، ولا غرابة أن يتطاولوا على محمد ﷺ ويحاولوا قتله وهو بعد طفل رضيع، فقد روى ابن سعد (٣): أن أم النبي ﷺ لما دفعته إلى حليمة السعدية لترضعه قالت لها: احفظي ابني وأخبرتها بما رأت من المعجزات، فمر بها اليهود فقالت: ألا تحدثوني عن ابني هذا، فإني حملته كذا ووضعته كذا، فقال بعضهم لبعض: اقتلوه، ثم قالوا: أيتيم هو؟ قالت لا، هذا أبوه وأنا أمه .. وكأنها أحست منهم شيئًا .. فقالوا: لو كان يتيمًا لقتلناه.
стр. 105
ثم تستمر محاولة اليهود في قتله حين ذهب مع عمه أبي طالب إلى الشام وهو بعد في رعيان الشباب، ومقولة بحيرى لعمه إني أخشى عليه من اليهود فارجع به إلى بلده. هذا كله قبل النبوة.
ثم تشتد العداوة بعد النبوة، ويحاول اليهود أكثر من مرة قتل النبي ﷺ فلم يفلحوا، وسموا الطعام الذي قدموه له، وآذوه وألبّوا الأعداء عليه وتعاونوا مع المنافقين والمشركين لحربه، وأعلنوا العداوة له بكل وقاحة وصراحة، إذ هم يعترفون بنبوته ويعلنون كرهه وعداوته حتى الممات، وهذا حيي بن أخطب زعيم يهود بني النضير يسأله أخوه أبو ياسر: أهو هو؟ قال: نعم والله، قال: أتعرفه وتثبته؟ قال: نعم، قال فما في نفسك منه؟ قال: عداوته والله ما بقيت) (١).
وحين أمكن الله من عدو الله حيي وجيء به مجموعةً يداه إلى عنقه بحبل، قال له رسول الله ﷺ : ألم يمكن الله منك يا عدو الله؟ قال: بلى، أبى الله إلا تمكينك منِّي، أما والله ما لمت نفسي في عداوتك ولكنه من يَخْذِل الله يُخْذل.
واستمرت عداوة اليهود للمسلمين وفي أيام الخلفاء الراشدين خرج عبد الله بن سبأ اليهودي ليشعل الفتنة ويبذر الخلاف بين المسلمين وكانت الفتنة وكانت الحروب، ونتجاوز الزمن قليلاً ونقف عند الدولة العثمانية مليًّا إذ كانت محاولات اليهود للعثمانيين للسماح لهم بالهجرة إلى أرض فلسطين والاستيطان فيها، فأصدر السلطان عبد المجيد خان أمرًا بمنع اليهود القادمين لزيارة بيت المقدس من الإقامة في القدس أكثر من ثلاثة أشهر (٢).
ثم يعيدون الكرة مع السلطان عبد الحميد ويعدوه ويمنوه بالهبات والأموال
стр. 106
مقابل إنشاء مستعمرة قرب القدس، فيجابههم بالرفض التام والتحقير والتوبيخ كما في الوثيقة الشهيرة.
ثم يدرك اليهود أن لا وسيلة لهم لتحقيق أغراضهم إلا القضاء على هذه الدولة بالتآمر مع الدول الكبرى وقد كان، فليهود الدونمة دور كبير في القضاء على الدولة واختيار الزعماء المناسبين لهم.
ويستمر العداء، ويؤكد الخلف ما بدأه السلف فليست عداوتهم تاريخًا مضى وانتهى إنما هي عقيدة يلقنها الآباء للأبناء.
فهذا «مناحيم بيجن» يقول: (أنتم أيها الإسرائيليون لا يجب أن تشعروا بالشفقة حتى تقضوا على عدوكم، ولا عطف ولا رثاء حتى تنتهوا من إبادة ما يسمى بالحضارة الإسلامية، التي سنبني على أنقاضها حضارتنا) (١).
وهذا «شامير» يقول في حفل استقبال اليهود السوفيت المهاجرين إلى إسرائيل (إن إسرائيل الكبرى من البحر إلى النهر هي عقيدتي وحلمي شخصيًا، وبدون هذا الكيان لن تكتمل الهجرة ولا الصعود إلى أرض المعاد، ولن يتحقق أمر الإسرائيليين ولا سلامتهم).
ويقول ابن غوريون (نحن لا نخش الاشتراكيات ولا الثوريات ولا الديمقراطيات في المنطقة، نحن فقط نخشى الإسلام هذا المارد الذي نام طويلاً وبدأ يتململ) (٢).
هكذا يحدد اليهود أعداءهم، وكذلك تستمر العداوة، ويتحقق إعجاز القرآن ﴿لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا .... ﴾ (٣).
стр. 107
أيها المسلمون المعلم الثاني والبارز في تاريخ اليهود هو نقضهم العهود، قال تعالى ﴿الذين عاهدت منهم ثم ينقدون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون﴾ (١).
وقال تعالى ﴿أو كلما عاهدوا عهدًا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون﴾ (٢).
فهذه شهادة القرآن، فما هي شهادة الواقع على هؤلاء الأقوام؟ لقد عاهدهم الرسول ﷺ وكتب بينه وبينهم كتابًا حين وصل المدينة، فهل التزم اليهود العهد واحترموا الميثاق؟ كلا فقد غدر يهود بني قينقاع بعد غزوة بدر وانتصار المسلمين على المشركين، والمعاهدة لم يمض عليها إلا سنة (٣).
وغدرت يهود بني النضير بعد غزوة أحد وتجرأوا على المسلمين بعد ما أصابهم في غزوة أحد.
وغدرت بنو قريظة عهدهم في أشدّ الظروف وأحلكها على المسلمين يوم الأحزاب، فإذا كانت هذه أخلاقهم مع من يعلمون صدقه، ويعتقدون نبوته، فهل يرجى منهم حفظ العهود مع الآخرين، هل يتوقع صدق اليهود في معاهداتهم مع من يرونهم أضعف وأقل شأنًا؟
إن اليهود قوم بهت، كلما قال عبد الله بن سلام ﵁ الذي كان يهوديًا فأسلم، وهم ينظرون إلى العهود والمواثيق التي يوقعونها مع غيرهم أنها للضرورة ولغرض مرحلي ولمقتضيات مصلحة آنية، فإذا استنفد الغرض المرحلي نقض اليهود الميثاق من غير استشعار بأي اعتبار خلقي أو التزام أدبي (٤).
стр. 108
فإذا كانت تلك شهادة القرآن، وشهادة الواقع التاريخي على اليهود، فإن من الجهل والبلاهة والحمق الثقة بأيّ معاهدة يبرمها اليهود، وبأي اتفاق يتم مع اليهود.
إخوة العقيدة والإيمان يأبى الله إلا أن ينتقم من هذه الطغمة الفاسدة في الحياة الدنيا وقبل أن يقوم الأشهاد، وذلك بتسليط شعوب الأرض وأممها على اليهود، كلما اشتد فسادهم في الأرض، تحقيقًا لقوله ﴿وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب .. ﴾ (١).
وذلك معلم ثالث من معالم تاريخهم وذلك راجع- والله أعلم- إلى فسادهم، وإلى علوهم واستكبارهم، وتحريف كتبهم، وحقدهم وعدائهم، فليس لهم صديق دائم، بل المصلحة والمنفعة الذاتية هي التي تخلق لهم الأصدقاء أو تجلب لهم العداوة والبغضاء، ولذلك فما من شعب جاوره اليهود إلا ويبغضهم ويحاول التخلص منهم، وإليكم هذه النماذج من شهادات التاريخ.
ففي سنة ١٢٩٠ للميلاد قضى الإنجليز على اليهود جميعًا بالنفي وتبعهم في ذلك الفرنسيون وفي عامي ١٣٤٨، ١٣٤٩ م انتشر الموت الأسود في أوربا، واتهم اليهود بأنهم سمموا الآبار ومجاري المياه، فاشتدت حملة القتل والتنكيل والتشريد بهم، بالرغم من محاولة البابا «كليمنس السادس» الدفاع عنهم ولكن دون جدوى.
وفي ١٤٩٣ م أصدر فرديناند وإيزابيلا بأسبانيا مرسومها الرهيب بالفتك باليهود والمسلمين فهام اليهود على وجوههم، ولم يجدوا ملاذًا آمنًا إلا بلاد المسلمين.
стр. 109
وفي سنة ١٨٨١ م كانت أعمدة الدخان تتصاعد حول بحر البلطيق إلى البحر الأسود حيث كانت عمليات حرق اليهود وبيوتهم وكتبهم مستمرة وحددت لهم روسيا مناطق لا يخرجون منها وألزمتهم الخدمة العسكرية خمسة عشر عامًا).
إخوة الإسلام إذا كان النصارى والعلمانيون، والأوربيون والأمريكان أقرب الشعوب إلى اليهود فاسمعوا وجهة نظرهم فيهم، يقول «باكس» وهو أحد النصارى ( .. وكان في ذاكرة عامة أوربا أن اليهود يمتصون جهود البلاد الاقتصادية، ويمثلون الطرف الخبيث الخطر الذي يسعى أبد الدهر لتحطيم المسيحية).
وفي أمريكا ألقى الرئيس الأمريكي الأسبق «بنيامين فرانكلين» أول خطاب في الاجتماع التأسيسي للولايات المتحدة بعد استقلالها عام ١٧٧٩ م قال فيه: (إن هؤلاء اليهود هم أبالسة الجحيم، وخفافيش الليل، ومصاصو دماء الشعوب. أيها السادة: اطردوا هذه الطغمة الفاجرة من بلادنا قبل فوات الأوان، ضمانًا لمصلحة الأمة وأجيالها القادمة، وإلا فإنكم سترون بعد قرن واحد أنهم أخطر مما تفكرون، وثقوا أنهم لن يرحموا أحفادنا، بل سيجلعونهم عبيدًا في خدمتهم .. إلى أن يقول: أيها السادة: ثقوا أنكم إذا لم تتخذوا هذا القرار فورًا، فإن الأجيال الأمريكية القادمة ستلاحقكم بلعناتها وهي تئن تحت أقدام اليهود .. ) (١).
إخوة الإيمان، إذا كان هذا حكم القرآن فيهم، وتلك وجهات نظر أقرب الناس إليهم، فكم هو مؤلم ومؤسف أن تختل هذه النظرة عند بعض المنتسبين للإسلام، وينسوا أو يتناسوا هذا التأريخ البعيد والقريب لليهود فيطمعوا في صلح دائم معهم ويثقوا بعهودهم والله المستعان.
стр. 110
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين ولا عدوان إلا على الظالمين والعاقبة للمتقين، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أيها المسلمون، من المعالم القرآنية التي حكم الله بها على اليهود: التفرق والشتات والخلاف ماض فيهم إلى يوم القيامة، يقول تعالى: ﴿وقطعناهم في الأرض أممًا﴾ (١) ويقول تعالى: ﴿وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة﴾ (٢) ويقول تعالى: ﴿تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون﴾ (٣).
فهذه سنة ماضية من سنن الله في اليهود، يعلمها من يقرأ تاريخهم قديمًا وحديثًا، ودعونا نطوي صفحة الماضي حتى لا يظن أننا نتعلق دائمًا بالماضي، ففي عصرنا الحاضر وفي دولة إسرائيل اليوم من التفرقة العنصرية بين اليهود الغربيين الذين دون «الأشكنازيم» وبين اليهود الشرقيين الذين يسمون «السفارديم» من العداوة والبغضاء والكره ما الله به عليم، وليست تلك عداوة عنصرية لاختلاف المواقع، لكنها طبع، وتحقيق لموعود الله فيهم، وإليك هذا النص المؤكد لاستمرار عداوتهم، تقول يهودية روسية ذات ثقافة أكاديمية: «صحيح أننا نكرههم- تقصد اليهود الغربيين- وصحيح أنهم يكرهوننا، إننا إسرائيليون وهم إسرائيليون، يبدو أن سورًا كبيرًا يفصل بيننا، إننا نعيش في مستويات مختلفة ومفاهيم مختلفة، إننا نتحدث بشكل آخر ونفكر بشكل آخر، وينظر الواحد منا إلى الثاني بشكل آخر، إن هذا لأكثر من طائفتين