وتبقى بعد ذلك وسائل أخرى للعلاج لا تخص هذه الظاهرة الخلقية فحسب، بل هي أساس لعلاج أي ظاهرة شاذة توجد عند الشباب أتعرض لها في الخطبة القادمة بإذن الله.
وأختتم الحديث بتنبيه مهم وهو أن حديثي في هذه الخطبة عن البيت أو المدرسة أو أمثالها لا يعفي التقييم لها، وليس حديثًا عن رسالتها التربوية وإلا لقلت غير هذا من الآثار الإيجابية لهذه المحاضن من محاضن التربية، لكنه حديث عن نقاط ضعف قليلة في بحر حسنات كثيرة أردت بها أن تكتمل جوانب التربية وأن تسد الثغرات المهمة حتى تكتمل لهذه المحاض أداتها في التربية ولئلا تؤتي الأبناء من ثغراتها السلبية ولست بمبالغ إذا قلت إن بعض البيوت قلعة من قلاع العلم والتربية والأدب، وعددًا من المدارس قمة شامخة في التربية والمتابعة والمتابعة والتعليم والتوجيه. ذلك من التحدث بنعمة الله ﴿وأما بنعمة ربك فحدث﴾ لكن الملاحظة الناصحة، والاستمرار في المتابعة لا تزيد البنيان إلا شموخًا .. وعساها أن تكون موقظة لمواقع يكاد السوس أن ينخر فيها .. ولبنيان يكاد أن تتصدع جدرانه .. والله الهادي والموفق.
стр. 142
(٣) طرق العلاج وقنوات الإصلاح في إصلاح الشباب (١)
الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ...
إخوة الإيمان حين يتحدث المتحدث عن ظاهرة سلوكية سيئة- كاللواط مثلاً- فلا يعني ذلك إغفال غيرها من الظواهر السلوكية المنحرفة الأخرى لدى الشباب، كالتهاون بالصلاة أو تعاطي المخدرات، أو عقوق الوالدين، أو ضياع الأوقات والتسكع في الطرقات، وإيذاء الناس وتكدير صفو عيشهم أو غير ذلك من مظاهر تحتاج كل واحدة منها إلى وقفة وتأمل وعلاج.
ومن هنا فعلينا ونحن نرغب في علاج ظاهرة أن نربطها بغيرها، وأن نتأمل في جملة الأسباب والعوامل المؤدية للانحراف لتلافيها، وأن نبحث في جملة العناصر والمؤسسات القادرة على العلاج والإصلاح لنشملها ونذكر بواجبها ومسؤوليتها ولا يمنع بعد ذلك أن نعالج كل ظاهرة بحسبها، لكن التنبه أساسًا لعوامل البناء والتربية يعفي المجتمع كثيرًا من هذه الأمراض، ويقلل ابتداءً من أعداد المنحرفين والشواذ، ومن هنا فسأعود في هذه الخطبة إلى التذكير بعدد من الجهات والأشخاص الذين يجب أن يكون لهم دورهم في استصلاح المجتمع بعامة، ومجتمع الشباب خاصة، ولست متعجلاً في الحكم إن قلت: إن قيام هذه الجهات بمسؤوليتها كفيل بقطع دابر الفساد والرذيلة، بل وسبب- بإذن الله- في رفع همم الشباب، ونقلة كبرى في أساليب تفكيرهم يدعوهم إلى عدم
стр. 143
النظر والتفكير في هده السواقط والرذائل من الأخلاق فضلاً عن مقارفتها أو الوقوع في حبائلها.
هذه الجهات والمؤسسات أكتفي بذكر أربع منها:
١ - البيت .. وليس البيت- إخوة الإيمان- مطعمًا ومقهى يتناول فيه الشاب ما لذ وطاب من المطعم والمشرب وكفى بذلك بناء للجسد على حساب الروح، وذلك تورم في الأطراف على حساب بناء العقول وتنوير الفكر، وقولوا لي بربكم: كم هي البيوت التي تعنى ببناء عقل الشباب، وتعنى بتربية فكره، وتجتهد في سبيل تهذيب سلوكه، وتعطيه مع جرعة الطعام جرعات أخرى في الإيمان والأخلاق والآداب؟
وليست البيوت معرضًا للأزياء يجد فيها الشاب والشابة ما جد في عالم اللباس والزينة بكافة أنواعها، فتكون هذه وتلك شغله الشاغل وهمه الأوحد، ينتهي فكره عن حدودها، وتنقطع آماله حين لا يجد عناءً في سبيل الحصول عليها، وقولوا لي بربكم: أيهما أعلى نسبة في البيوت الاهتمام إلى حد الإسراف في هذه الزينة الظاهرة، أم الاهتمام بلباس التقوى الذي قال الله عنه ﴿ولباس التقوى ذلك خير﴾ (١).
وليست البيوت مهاجع يوفر فيها للشاب والشابة ما رق وارتفع من الفرش الوثيرة ووسائل الراحة الكاملة، فينام فيها الأبناء والبنات معظم الليل وسحابة النهار يتقلبون على ظهورهم وجنوبهم، والصلاة تجمع إلى الصلاة، والأشكال لطول النوم متغيرة، والقدرة عند هؤلاء لتحمل المسؤوليات ضعيفة .. صحيح أن على البيوت مسؤولية توفير المطعم والمشرب والملبس، وجميل أن تكون
стр. 144
البيوت المقر لراحة الأبناء ونومهم .. ولكن ذلك بقدر لا يصل حد السرف وثمة مسؤولية تغيب عن عدد من البيوت، وعلى أرباب البيوت أن يدركوا أن البيت ينبغي أن يكون مدرسة يتعلم فيها الأبناء الأخلاق الفاضلة، ويزرع في نفوسهم الإيمان والحياء، وأن يذكروا فيه بقضايا البعث والجزاء، ويصور لهم بالقدر الذي يعوه نعيم الجنة وعذاب النار، وأن يؤكد البيت على أهمية الوقت واستثماره بما ينفع من أمور الدين والدنيا.
وليس عيبًا أيها الأب أن تحطم كبرياءك وتنزل من برجك العاجي لتخاطب الأبناء والبنات، وتشعرهم أنك صديق محب لهم فضلاً عن الأبوة والعاطفة تجاههم وسيسهل ذلك عليك تعليمهم الخير وتحذيرهم من الشر، وجميل أن تروح عن قلوبهم أحيانًا بالنكتة اللطيفة، أو اللعبة المسلية، أو الرحلة الهادفة، وأن تستصحبهم معك إلى مجتمعات الخير، ودوريات الأقارب والجيران والأحباب والأصحاب الخيرين، وأجمل من ذلك أن تنشئ لهم في البيت مكتبة طيبة تحوي من الكتب المفيدة والأشرطة النافعة ما يوسع مداركهم ويعينك على تربيتهم، وأن تجعل فيها أو في أي ناحية من البيت جلسة معهم تحفظهم شيئًا من كتاب الله أو تقص عليهم ما فيه عبرة لهم، أو تقرأ عليهم من سير الصالحين وأحاديث النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم. أيتها الأم فإذا كان الأب أكثر هيبة عند الأولاد منك فلا تنسي أنك أكثر قربًا للأولاد منه، فساهمي في نصحهم وتوجيههم وتعرفي على أحوالهم وما لا يبدونه لأبيهم، وكوني خير معين للأب على تربيتهم، فالنفع لكما، والمستفيد الأول كلاكما، وما أجمل أسرة يفهم كل واحد من الزوجين دوره فيؤديه.
أعتقد أن بيوتنا حين تبلغ هذه المنزلة وحين تفكر بهذه العقلية قادرة- بإذن الله- على إخراج أجيال صالحة وعناصر فاعلة ومؤثرة سينفع الله بها الآخرين،
стр. 145
بدل أن تكون مشكلة يتأذى منها الأهل والجيران وينال قسط من قدرها الآخرين.
٢ - المؤسسات التربوية وأهمها المدارس والجامعات، ودور المدرسة يتمثل في التوجيه والتربية والدعوة لمكارم الأخلاق والتحذير من سيئها، وتنظيم اللقاءات الطلابية والرحلات الهادفة المفيدة كل ذلك- ولا شك- يسهم إسهامًا جيدًا في استصلاح الشباب وتوجيههم واستثمار وقت فراغهم، وقبل ذلك سلوك المعلم وشخصيته وحديثه فهي منارة يهتدي بها الدارسون ويحاول الطلاب والطالبات محاكاة معلميهم ومعلماتهم، وعلى قدر همم وأخلاق الكبار يدرج الصغر، وحري بالإدارات المعنية أن يشجعوا الجادين المخلصين، وأن يلفتوا نظر من يقصرون في واجبهم أو لا يكون على مستوى المسؤولية في التربية والمتابعة.
أما الجامعات فهي مستودع للعقول ومركز للمعلومات يؤهلها ذلك لعقد الدورات، وتنظيم المحاضرات والندوات، ومن ضمن واجباتها التعرف على المشكلات واقتراح الحلول الناسبة لها، والنظر بين الفينة والأخرى في المناهج الدراسية واستصلاحها وتطويرها بما يخدم أهداف الأمة ويعمق أصالتها، ويحفظ عليها كرامتها ويؤهلها لقيادة العالم من حولها.
وليست وظيفة المدرسة والجامعة أن تحفظ الطلبة والطالبات مجموعة من النصوص وتلقنهم كمًّا من المعلومات لا يستفيدون منها في حياتهم العملية، ولا ينبغي أن يكون الهدف من الدراسة مجرد نقل الطالب من مرحلة إلى أخرى، ومنحه في النهاية شهادة تؤهله للعمل وتصله بأسباب الرزق ليس إلا، بل أساس التعليم العمل، والتربية والتهذيب ونصاعة الفكر وارتفاع الذوق والشعور بالمسؤولية والتضحية في سبيل خدمة الآخرين وقيادة المجتمع إلى الخير كل
стр. 146
ذلك أهداف سامية للتعليم ليس العمل والوظيفة إلا واحدًا منها. وكم هو خطاب واع ذلك التعميم الذي عممت به وزارة المعارف برقم ٣٢/ ٧/ ١/ ٤٦/ ٣٧٦ في ١٨/ ١٢/ ١٤١٤ هـ مشكورة على جميع المناطق التعليمية (مؤخرًا) بشأن دور المدرسة في تحقيق أهداف الإرشاد الوقائي وحماية أبنائنا الطلاب، وتضمن التعميم ثمان نقاط جديرة بتعاون المدراء والمدرسين والمرشدين والأولياء مع تحقيقها ولولا خشية الإطالة لقرأته عليكم.
هذه المؤسسات ينبغي ألا تتوقف رسالتها في الشتاء والصيف، فليست الإجازة الصيفية بأقل شأنًا في حياة الطلاب من أيام الدراسة، لكن ينبغي أن يروح عن الطلاب وألا يتصل كد الأذهان عليهم فيملوا، بل تكون الإجازة فرصة للإكثار من المراكز الصيفية التي تعنى بتنشيط الشباب وملء وقت فراغهم بوسائل الترفيه المفيدة واقتراح البرامج المناسبة.
ونجدها فرصة مناسبة لنزجي الشكر الجميل للجامعات وإدارات التعليم وهي تعنى بهذه المراكز الصيفية وتشجعها وتدعو الشباب للمشاركة فيها. وعلى الأولياء أن يقدروا أهميتها ويساهموا في تشجيع أبنائهم على التسجيل فيها إذ هي من أفضل الوسائل لحفظ أوقات الشباب وحمايتهم من الانحراف بإذن الله إذا توفر لها المربون المخلصون وتولى مسؤوليتها العارفون المجربون.
اللهم ارحمنا برحمتك يا رحيم، وأصلحنا شيبًا وشبابًا ذكرانًا وإناثًا يا رب العالمين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين.
стр. 147
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالين، أمر المؤمنين بالتعاون على البر والتقوى، ونهاهم عن التعاون على الإثم والعدوان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى سائر المرسلين وعلى آله الطيبين الطاهرين وارض اللهم عن أصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أيها السلمون ..
٣ - للجماعات والجمعيات الخيرية دورها في استصلاح الشباب، فجماعات تحفيظ القرآن الكريم تعنى بتعليم كتاب الله وتحفيظه وتجويده، ولا شك أن العكوف على حفظ كتاب الله والتفرغ له، وقضاء شطر من حياة الشاب في سبيله .. لا شك أن ذلك عنوان خير، وطريق للفلاح والسعادة، والقرآن يهدي للتي هي أقوم، وبقدر ما تنتشر الحلق في حي أو بلدة بقدر ما يتوفر الخير ويتقلص الشر.
وبقدر ما نشكر القائمين على هذه الجماعات ونسأل الله لهم المثوبة، فإننا نأمل أن تزيد من مناشطها فتخدم كتاب الله بالدروس النافعة التي توضح مجمل القرآن، وتكشف عن إعجازه، وتقرب معانيه وترسخ مفاهيمه في أذهان الشباب والشابات.
كما نأمل أن تضاعف الحلق مناشطها في الإجازات الصيفية، سواء على مستوى البنين أو على مستوى البنات، وأن تضع لذلك من الدورات والحوافز ما يستنهض همم الأبناء والبنات، ويدعوهم إلى استثمار أوقاتهم وبناء عقولهم وإصلاح قلوبهم.
стр. 148
أما جمعيات البر الخيرية فلها رسالة جليلة في خدمة الفقراء وسد حاجات المعوزين، والالتفات للفقراء والمساكين، وهو جهد يذكر فيشكر لهذه الجمعيات والقائمين عليها.
وما أجمل رسالة الجمعية حين تهدي للفقراء والمساكين الرسالة الطيبة، والكتيب النافع والشريط الجيد مع إهدائها للغذاء والملبس، وما أروع رسالة الجمعية وهي تعنى باليتامى والأرامل فتقدم لهم البرامج المفيدة، وتفكر في أساليب ربطهم بالحياة بعيدًا عن استجداء الآخرين أو تسولهم مع عامة المتسولين، وليست يخفى أن من رسالة الجمعية الاجتماعية تنظيم دورات مفيدة للشباب، تنفعهم في حياتهم العملية، والمساهمة في دعم المراكز الصيفية إلى غير ذلكم من أساليب ومناشط يقدرها المسؤولون عن هذه الجمعيات وهم يتحسسون حاجات المجتمع، ويشكرهم المجتمع حين يتولونها.
أما الجهة الرابعة القادرة على الإسهام في إصلاح الشباب بإذن الله فهم العلماء والدعاة والتجار، وأصحاب الرأي والفكر أيًّا كانت مواقعهم، فالعلماء والدعاة عليهم مسؤولية توجيه الشباب بدروسهم ولقاءاتهم ومؤلفاتهم ومحاضراتهم وندواتهم، وبوركت أمة يقود مسيرة الشباب فيها العلماء والدعاة والمربون.
أما التجار فلهم ميدان رحب في المساهمة في إصلاح الشباب بأموالهم، وذلك بدعمهم للمشاريع والبرامج والمراكز النافعة، وتحية ولأولئك التجار الذين فهموا دورهم واستثمروا أموالهم في دفع عجلة الخير، وفرق كبير بين هؤلاء وبه من طغت عليهم الأنانية، ولم يلتفتوا إلى مجتمعهم، ولم يساهموا في حماية أبناء المجتمع من حولهم، وكأن لسان حالة بعضهم يقول: إنما جمعت هذه الأموال بجهدي وعرق جبيني، فكيف أقدمها رخيصة سهلة للآخرين،
стр. 149
ويذكرنا هذا النوع الممسك من التجار بقصة الرجل الذي منع حق الله فيه وقال: إنما أوتيته على علم عندي؟
ولا يعفى من المسؤولية أصحاب الوجاهة والرأي، وأهل الفكر وأرباب المناصب، فكل يمكن أن يقدم شيئًا لمجتمعه، ولا يسعه السلبية في الحفاظ على أغلى ثروات الأمة- وهم الشباب- فالكلمة الطيبة صدقة، والرأي المستنير لبنة في البناء، والتفكير المستديم في قضايا الشباب علامة الوعي وهو الطريق الأمثل للعلاج ومجرد النقد لذات النقد ولي زمنه، وينبغي أن يترفع العقلاء عن مقارفته، إذ يوجد فئة من الناس لا هم لها إلا انتقاد هذا الشاب أو التقليل من قيمة هذا المشروع دون أن يقدموا بدائل مفيدة ومثمرة وبوركت يا شيخنا الجليل، ويا سماحة والدنا العزيز وأنت تكتب رسالة إلى جميع هذه الفئات مذكرًا الجميع بواجبهم ومسئولياتهم ولعل الجميع قد اطلع على الخطاب الذي وجهه سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز يحفظه الله إلى عموم العلماء والدعاة والتجار وأصحاب الوجاهة والرأي للمساهمة في إصلاح الشباب وتربيتهم بشكل عام وفي الإجازات الصيفية ودعم مراكزها بشكل خاص. وهو خطاب لا تبقي لأحد عذرًا في التخلي عن المساهمة بما يستطيع.
أيها السلمون أرأيتم لو قام كل فرد منا بدوره الذي يستطيع وأدت هذه المؤسسات والجهات رسالتها على الوجه المطلوب هل يوجد بيننا شاذ أو منحرف، بل وهل يوجد في مجتمع كهذا فرصة لشاب غير جاد يبحث عن قضاء وقته بأي شكل كان، وأنَّى لمنحرف أن ينحرف وهو يجد العناية والاهتمام تلازمه أينما حل، ويجد التربية والتوجيه يحيط به أينما رحل، ويجد الجدية شعارًا للمجتمع كله أينما نظر؟
стр. 150
إن تضافر المجتمع وتكامل المؤسسات في رسالتها عنوان وعي ودليل تحضر، وهو أنجح أسلوب للتربية المتكاملة فضلاً عن الوقاية من السلوكيات المنحرفة، فلنتق الله معاشر المسلمين ولنتعاون على البر والتقوى، وليدرك كل شخص منا أنه معني بالحديث بما يستطيع، ولا يكن دور أحدنا إلقاء اللائمة على الآخرين، أو التباكي على واقع الشباب المنحرفين، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل، إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السامع وهو شهيد.
стр. 151
دواعي التوبة في رمضان (١)
الخطبة الأولى
الحمد لله رب العالمين، يتوفى الأنفس حين موتها، فيمسك التي قضى عليها الموت، ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، بقدرته يتعاقب الجديدان، وتتكرر المواسم، وتطوى الأيام والليالي، وتفنى أمم وشعوب، وتنشأ أمم وشعوب أخرى، وما يعقل ذلك إلا العالمون، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أزكى البشرية وأبرها وأسبقها إلى الخيرات، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر المرسلين، الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون، وعلى الآل والأصحاب الطيبين الطاهرين، وعلى التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فاتقوا الله معاشر المسلمين فشهر الصيام موسم للبر والتقوى، قال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾ (٢).
إخوة الإيمان حل الضيف الكريم المنتظر، ومتع الله من شاء من عباده حتى بلغ شهر الصيام، وطويت صحائف أقوام، فغيبتهم اللحود، واخترمتهم المنايا قبل حلول هذا الشهر الكريم، ولن تزال المنايا تخترم النفوس، وقد قضى الله على أقوام باستكمال هذا الشهر وقضى على آخرين بالموت قبل بلوغ الشهر أجله، ولكل أجل كتاب، ومن أدركه هذا العام وإذا كانت تلك جزءً من أقدار
стр. 152
الله وتدبيره في العبيد فالمغبون حقًا من يدخل عليه الشهر ويخرج ولم يستفد شيئًا، ألا وكلنا ذاك المخطئ الذي يرجو مغفرة ربه وتكفير سيئاته، ورمضان فرصة لتكفير السيئات، ويجد المرء فيه من العون ما لا يجده في الأشهر الأخرى، ففرص الطاعة تتوفر، وأبواب الجنة تفتح، ودواعي الشر تضيق، وأبواب النار تغلق، به تنشرح صدور المؤمنين، وبه تصفد مردة الشياطين، فلا يخلصون إلى ما كانوا يخلصون إليه في غيره من الشهور، وهذه وتلك تعين المرء على تكفير سيئاته وتدفعه إلى عمل الصالحات التي بها يكفر الله السيئات، قال تعالى: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين﴾ (١) ومحروم من أدركه رمضان فلم يغفر له، فأي خسارة أعظم من أن يدخل المرء فيمن عناهم المصطفى ﷺ بحديثه على منبره في مساءلة بينه وبين جبريل ﵇، وقد جاء فيها: «من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له فدخل النار فأبعده الله، قل: آمين. فقلت: آمين».
وإذا كان الله يدعو عباده إلى التوبة النصوح الصادقة في كل زمان، ويقول جل ذكره: ﴿يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحًا﴾ ويقول تعالى: ﴿وتوبوا إلى الله جميعًا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون﴾.
فإن التوبة في رمضان أحرى وأولى، فهو شهر تسكب فيه العبرات، وتقال فيه العثرات، ويحصل به العتق من النار، ومن منا لا يتلبس بخطأ هو أدرى به من غيره، ومن منا لا يصر على معصيته كبرت أو صغرت .. أو ليس حريًّا بنا في رمضان أن نتخفف من الأوزار، ونقلع عن المعاصي والموبقات فيستشعر لذة رمضان ونحس بأثره في نفوسنا وسلوكياتنا، ولا يكن رمضان وغيره سواء.
стр. 153
إن رمضان فرصة لمحاسبة النفس، وينبغي أن يكون رمضان مذكرًا لنا بما اقترفنا طيلة العام فما وجدنا من خير حمدنا الله وازددنا، وما وجدنا عملنا فيه من سوء تبنا إلى الله واستغفرنا وتصدقنا، وأكثرنا من عمل الصالحات حتى تعفوا على السيئات، ووعدنا أنفسنا ألا تتكرر أخطاؤنا، وألا نرخي العنان لشهواتنا، فإذا حافظنا على ذلك وحافظنا قبله على الصلوات الخمس، والجمعة والجماعة، كنا ممن فقه قول المصطفى ﷺ «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لا بينهن إذا اجتنبت الكبائر» (١).
ومن دواعي التوبة في رمضان الصبر، فالصوم كما جاء في الحديث «نصف الصبر» (٢).
والصوم يربي النفس على الصبر وتحمل المشاق، وإذا كان الصائم يصبر نفسه عن ما أحل الله له من الطعام والشراب والمنكح، فلا شك أن صبره عن ما حرم الله عليه من باب أولى. وهكذا يخرج المسلم من شهر الصيام وقد تدرب على الصبر، وانتهي في حسبانه أي شيء كان يظنه مستحيلاً، أو ليس المدمن على التدخين مثلاً كان لا يطيق الصبر عنه بضع سويعات فإذا به في شهر الصيام يصبر عنه الساعات الطوال .. أو ليس في ذلك فرصة للإقلاع منه والخلاص من أسره بدءًا من شهر الصيام .. وهكذا فكل من فتن بشيء محرم وصبر نفسه عنه في شهر الصيام فجدير به أن يقلع عنه ويتوب إلى مولاه، وهذا من المستفيدين حقًّا من حكم الصيام ومثله يفقه حقيقة التقوى في الصيام، كما قال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾.
стр. 154
وينبغي أن يترفع الإنسان المكرم بصبره عن صبر البهائم التي تأكل حين تجد المرعى، وتصوم إجبارًا حين يعز المرعى، فما بالله حاجة أن يدع الإنسان طعامه وشرابه دون جدوى، لكنه السر العظيم يراد للإنسان أن يدركه فيشكر ربه على أن هيأ له ما يأكل منه ويشرب، وقد حرم منه آخرون، ويتوب إلى بارئه ويستغفره ويعبده حق عبادته.
لا ترد، كما قال ﵊: «ثلاثة لا ترد دعوتهم، الإمام العادل، والصائم حين يفطر، ودعوة المظلوم» (١).
وليحرص السلم على الدعاء عند الإفطار، فللصائم عند فطره دعوة لا ترد، كما صح بذلك الحديث (٢).
كما يحرص على الاستغفار بالأسحار قال تعالى: ﴿والمستغفرين بالأسحار﴾ ولا يخص أن حضور القلب والإلحاح في الدعاء والبدء بحمد الله والثناء عليه، والختم بالصلاة والسلام على نبيه ﷺ كل ذلك من آداب الدعاء .. وهل غاب عن ذهنك أيها المقصر أن الله تعالى يغفر الذنوب جميعًا مع التوبة وصدق التوجه، وأن لله تعالى نفحات في رمضان حري بك أن تستفيد منها، فقد روى الإمام أحمد ﵀ في مسنده بسند صحيح عن النبي ﷺ قال: «إن لله عتقاء في كل يوم وليلة، لكل عبد منهم دعوة مستجابة».
وفي الحديث الآخر عن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لله عند كل فطر عتقاء».
стр. 155
فتذكر ذلك جيدًا يا أخا الإسلام وادعُ الله بالتوبة النصوح، واسأله من خيري الدنيا والآخرة، وأرجه أن تكون من عتقائه من النار. وإنه لفرق بين من يتصور هذه المعاني وهو عند لحظات الإفطار، وبين من هو غافل شارد، لا يقطع حديثه المعتاد إلا سماع الأذان، وربما كان الكلام في محرم، فكانت الخسارة أعظم، فاستفيدوا من الصيام يا معاشر الصوام، وانتبهوا للحظات قبول الدعاء فهي حرية بالاهتمام.
إخوة الإيمان .. وثمة أمر يدعو إلى التوبة في كل حال، وهو في رمضان أحرى وأولى، ألا وهو كثرة الذكر وكثرة الصدقة، فكثرة الذكر تشرح الصدور وتطمئن بها القلوب، وتصبح النفوس متهيأة للتوبة ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾ والذكر طارد للشيطان جالب لملائكة الرحمن، هذا فضلاً عما في الذكر من تكفير الخطايا والذنوب وقد صح في الحديث عن النبي ﷺ «من قال: سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر» (١).
أما الصدقة فهي برهان على الرغبة في الخير، ولاسيما صدقة السر، التي قال النبي ﷺ في شأنها «صدقة السر تطفئ غضب الرب» (٢).
والصدقة- بشكل عام- تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار .. كما ثبت ذلك عن رسول الله ﷺ (٣).
وإذا كانت الصدقة- الأخرى- مستحبة في كل زمان، فلها في شهر الصيام مزية على سائر العام، وقد كان المصطفى ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما
стр. 156
يكون في رمضان، وقال الإمام الشافعي ﵀ «أحب للرجل الزيادة بالجود في شهر رمضان اقتداءً بالرسول ﷺ ، ولحاجة الناس فيه إلى مصالحهم، ولتشاغل كثير منهم بالصوم والصلاة عن مكاسبهم (١).
وهكذا يكون الذكر وتكون الصدقة من أسباب التوبة وتكفير السيئات، ولا تبقى الخطيئة في حس المسلم عقدة به تقعد عن المغفرة كحال أصحاب العقائد الفاسدة، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا إنه هو الغفور الرحيم﴾.
стр. 157
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين غافر الذنب وقابل التواب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخيرته من خلقه، اللهم صل وسلم عليه وعلى آله الأطهار وارض اللهم عن الصحابة الأخيار، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان ما تجدد الليل والنهار وتلاحقت المواسم والأعوام.
أيها الصائمون فمن دواعي التوبة في شهر رمضان كثرة تلاوة القرآن، من أسباب التوبة في رمضان لا شك أن تلاوة القرآن مستحبة في كل زمان، ولا شك أن للقرآن أثره على قارئه في كل حال، كيف لا وهو الكتاب العظيم المعجز الذي حكى الله أثره على صم الجبال لو أنزل عليها ﴿لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعًا متصدعًا من خشية الله﴾ وتبقى القلوب التي لا تلين أو تتأثر بالقرآن ﴿كالحجارة أو أشد قسوة، وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار، وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملون﴾ (١).
وللقرآن في رمضان مزية خاصة، ففيه أنزل، وبه كان جبريل ﵇ يلقى النبي ﷺ كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن (٢) وبه تزدان المساجد في رمضان تلاوة وصلاة، وخشوعًا، وبه يتهيأ لكثير من الناس القراءة أكثر من غيره، وإن كان حريًّا بالمسلم أن يداوم على قراءة القرآن في رمضان أو غير رمضان، لكن
стр. 158
فضل الزمان يدعو إلى كثرة التلاوة والتدبر للقرآن، وفي رمضان يجتمع الصيام مع تلاوة القرآن فيكون أسمى للروح وأخف للجوارح لعدم امتلاء البطن في الطعام.
وقارئ القرآن بتدبر وتمعن لابد أن ينتهي إلى التوبة، ولابد أن يعود إلى ربه ويستغفره من ذنوبه لعدة دواع منها: أنه يقرأ ما أعده الله للمتقين من النعيم والحبور الدائم مما تطرب له النفوس وتتعلق به القلوب، ويزداد شوقه إذا قرأ أن في ذلك النعيم ما لا يستوعبه الخيال أو تحيط به العيون والأسماع ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون﴾ (١).
ولا يكاد ينتهي من الأنس والشوق حتى تمر به المشاهد المغيبة للكافرين والفجار مما لا تطيق بعض النفوس سماع وعده ووعيده فضلاً على أن تصبر على شدة العذاب أو تطيق أن تكون من أهل النار والعياذ بالله وبين هذه المشاهد وتلك تأتي الدعوة الإلهية للتوبة فضلاً من الله وإحسانًا وإلا فربك الغني القهار، وجهنم لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم، وحين يقال لها: هل امتلأت؟ تجيب: هل من مزيد؟
وقارئ القرآن يستشعر التوبة لأنه يقرأ أخبار وقصص التائبين وفي مقدمتهم آدم ﵇، فلم تقعد به الخطيئة عن التوبة والاستغفار، ولم يتجبر أو يتكبر كحال إبليس الذي كان مصيره إلى النار وبئس القرار، وسيشعر من هذا أن كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون، فيتأمل في نفسه ويعقد العزم على التوبة، ويكون هذا الشهر الكريم بداية عتقه من النار، ويكون القرآن دليله إلى النجاة، وقاربه إلى بر الأمان.
стр. 159
بل إن قارئ القرآن يجول بطرفه ويسرح بفكره في أحوال الأمم الغابرة بين الطاعة والعصيان، وبين الرجوع إلى الله والجبروت والطغيان .. ويهديه القرآن إلى نهاية هؤلاء وأولئك، ويبصره كيف كانت العاقبة ولمن كانت النهاية في كل حال، فيدعوه ذلك إلى أن يكون من حزب الله المفلحين، وينأى بنفسه أن يكون ممن أخذهم الله بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون.
إخوة الإيمان: وقارئ القرآن لا يخدعه عن التوبة طول الأمل أو نضرة الشباب، أو توفر النعم فيسوف في التوبة حتى تقترب النهاية وتكون المفاجأة ﴿وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن﴾ (١).
ويهدي القرآن أصحابه كيف يتوبون وكيف يستغفرون ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين﴾ (٢).
أيها المسلمون توبوا إلى ربكم واستغفروه، واستفيدوا من تلاوة القرآن وشهر الصيام، ولا تتعاظموا على الله ذنبًا، فقد أذن لأهل الكفر بالمغفرة إن هم تابوا وانتهوا ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ (٣).
ودعا أهل التثليث وقتلة الأنبياء- ﵈ إلى التوبة فقال ﴿أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم﴾ (٤).
стр. 160
وفي الحديث جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله: أحدنا يذنب، قال «يكتب عليه»، قال: ثم يستغفر منه، قال: «يغفر له وتاب عليه» قال: فيعود فيذنب، قال: يكتب عليه، قال: ثم يستغفر منه ويتوب قال: يغفر له ويتاب عليه، ولا يمل الله حتى تملوا» (١).
وقيل للحسن يرحمه الله: ألا يستحي أحدنا من ربه يستغفر من ذنوبه، ثم يعود ثم يستغفر ثم يعود فقال: ود الشيطان لو ظفر منكم بهذا فلا تملوا من الاستغفار (٢).
ومع التوبة والاستغفار تجنبوا الموبقات، وأكثروا من الطاعات، عسى ربكم أن يرحمكم ويغفر لكم- إن في ذلك لذكرى لمن عقل شهر الصيام، وأدرك ما فيه والقرآن من أسرار ودعوة إلى الخير والإيمان، ومن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها.
стр. 161
التوبة النصوح (١).
الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ...
أما بعد: إخوة الإسلام فبشراكم شهر الصيام، وهنيئًا لكم إدراك شهر القرآن .. نزف البشرى للمستبشرين، ونذكر أصحاب الهمم العالية بموسم من مواسم الخيرات للناس أجمعين، اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام، هلال خير وبركة، ربنا وربك الله.
أيها المسلمون أنتم تشتركون مع الشمس والقمر، والجبال والشجر، والأنعام والليل والنهار ومن في السموات والأرض كلهم. تشتركون مع هؤلاء وأولئك بالعبودية لله رب العالمين. أمر القمر بالإهلال فأهل، ﴿والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم، والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم، لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون﴾. وأمرتم أنتم بالصيام والقيام في هذا الشهر الكريم فحققوا العبودية والطاعة لرب العالمين.
أمة الإسلام هذا هو الشهر الذي طالما انتظره المؤمنون، وهذا هو الضيف الذي طالما حل خفيفًا ثم ارتحل وأعين المؤمنين تذرف الدمع حزنًا لوداعه .. ولوعة لفراقه، فهل يسمع النداء من لا يزال قلبه لاهيًا منغلقًا، وهل يصدق التوبة من ظل طول العام في المعاصي والغفلة، وستر الله يظله، وعين الله تبصره، ﴿ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون أنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار﴾.
стр. 162
أيها المؤمنون استقبلوا هذا الشهر بالفرح والبشرى والعزيمة الصادقة على الرشد، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إثم .. وليكن هذا العام خيرًا من أعوام خلت، فلعل بعضكم يدركه هذا العام ويكون في العام القابل في عداد الموتى.
كم هي نعمة أن يدرك المرء شهر الصيام وهو موفور الصحة، قوي البنية، آمنًا في سربه، عنده قوت يومه وليلته، فضلاً أن يكون عنده ما يقتاته لبضع شهور- بل لبضع سنين، إنها نعمة ومغنم، ولكن لا يعقلها إلا العالمون، ولا يقدرها حق قدرها إلا الموقنون، ولا يحس بقيمتها إلا المجربون، تصور يا أخا الإسلام إخوانًا لك طالما شغلوا بمعاشهم وما يسد رمقهم، أو أشغلتهم الحروب المدمرة عن عبادة ربهم، أو أخل بطمأنينة العبادة لديهم انعدام الأمن في أرضهم وديارهم، ماذا لو كنت بجوارهم وحل بكم شهر الصيام- لا شك أنك ستتألم وتتمنى لو كنت من المصائب واللأواء سالمًا، وأنك قمت لله قانتًا- وصمت يومك لله خاشعًا شاكرًا، فاعقل ما أنت فيه من نعمة .. وتذكر ما أنت فيه من عافية، واسأل ربك دائمًا العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدنيا والآخرة، وكن لربك من الشاكرين، ولفرص الخير من المبادرين، وإياك إياك أن تحصد الشوك والشرور، وذلك ما اقترفت يداك وما ربك بظلام للعبيد، في وقت يحصد فيه غيرك ما لذ وطاب من الثمار، وتلك وربي هي الخسارة التي لا تعوض بثمن- ولا رجعة فيها ولا ينفع الندم.
إخوة الإسلام .. فطالما بدأت القلوب بوابل المعاصي، فطهروها بالقرآن وطالما تعفنت البطون بكثرة المطاعم والمشارب فأصلحوها بالصيام. وطالما غفلنا وفرطنا فلنعد إلى الله في شهر رمضان فأبواب السماء تفتح، ومردة الشياطين تصفد- يزين الله في هذا الشهر جنته .. وتنادي الحور أن هلموا
стр. 163
والثمن كثرة السجود ومداومة الذكر، ومراقبة المولى ﷻ .. والاستغفار حين طلوع الشمس وحين غروبها في الأسحار.
وما أعز التوبة وأغلاها في كل زمان .. ولكن المرء يعان عليها في شهر الصيام، وشهر رمضان شهر التوبة والإنابة إلى الملك العلام، وإذا هممت بالتوبة يا أخا الإسلام فلتكن توبة نصوحًا تلك التي قال عنها الجليل في محكم التنزيل وهو ينادي المؤمنين أجمع ﴿يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحًا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير﴾ (١).
أتدري أيها التائب ما التوبة النصوح؟ وما شروطها؟ وما علامتها؟
لقد ذكر العلماء عدة أقوال في التوبة النصوح أوصلها القرطبي يرحمه الله إلى ثلاثة وعشرين قولاً، أذكر لك بعضًا منها، فروي عن عمر وابن مسعود وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل ﵃: هي التي لا عودة بعدها، كما لا تعود اللبن إلى الضرع (٢).
وقال الحسن: النصوح أن يبغض الذنب الذي أحبه ويستغفر منه إذا ذكره.
وقال الجنيد: التوبة النصوح هو أن ينسى الذنب فلا يذكره أبدًا لأن من صحت توبته صار محبًّا لله، ومن أحب الله نسى ما دون الله.
وقال القرطبي: يجمعها أربعة أشياء: الاستغفار باللسان، والإقلاع بالأبدان، وإضمار ترك العود بالجنان، ومهاجرة سيء الخلان.
стр. 164
وعن أنس ﵁ (ذي الأذنين) هو أن يكون لصاحبها دمع مسفوح، وقلب عن المعاصي جموح.
أما شروط التوبة النصوح، فقد قال سعيد بن جبير ﵀: لا تقبل التوبة ما لم يكن فيها ثلاثة شروط: خوف ألا تقبل، ورجاء أن تقبل، وإدمان الطاعات.
وهل من شروط التوبة النصوح الاستمرار على ذلك إلى الممات؟ تساءل ابن كثير- يرحمه الله- هذا التساؤل .. فقال: (وهل من شرط التوبة النصوح الاستمرار على ذلك إلى الممات كما تقدم في الحديث وفي الأثر) (لا يعود منه أبدًا)، أو يكفي العزم على أن لا يعود في تكفير الماضي، بحيث لو وقع منه ذلك الذنب بعد ذلك لا يكون ذلك ضارًا في تكفير ما تقدم، لعموم قوله ﵇: «التوبة تجب ما قبلها»؟ - ثم قال- وللأول- معنى عدم العودة إلى الذنب أبدًا- أن يحتج بما ثبت في الصحيح أيضًا «من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر» (الحديث متفق عليه) فإذا كان هذا في الإسلام الذي هو أقوى من التوبة، فالتوبة بطريق الأولى والله أعلم (١) وعلى كل حال فمما ينبغي أن يعلم أن الندم توبة كما ورد ذلك عن المصطفى ﷺ .
وإذا لم يكن بمقدور الإنسان الخلاص من المعاصي، وكل ابن آدم خطاء .. فعليه أن يلازم التوبة وألا ييأس من المغفرة، حتى ولو كثر ذنبه .. ولو تكررت أخطاؤه .. ولو أعاد التوبة مرة ومرة، فقد أخرج البخاري ومسلم حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ فيما يحكيه عن ربه ﵎ (٢).
стр. 165
أخي المسلم ينبغي أن تحذر المعاصي ما ظهر منها وما بطن قدر طاقتك، فهي لا تزال بصاحبها حتى تورده المهالك .. ومع ذلك فينبغي ألا تيأس من روح الله ورحمته، وألا يصيبك الإحباط والقنوط مهما بلغت ذنوبك، شريطة أن تقبل على الله وأن تقف ببابه معترفًا مستغفرًا، وإليك قصة هذا الرجل الذي تكرر ذنبه وفي كل مرة يقف بباب الله سائلاً مستغفرًا فلم يخيب الله أمله. فقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ فيما يحكيه عن ربه ﵎ قال: «أذنب عبدي ذنباً فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، فقال تبارك فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال ﵎: عبدي أذنب ذنبًا فعلم أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب فقال: أي ربي أغفر لي ذنبي. فقال ﵎: أذنب عبدي ذنبًا فعلم أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، اعمل ما شئت فقد غفرت لك، قال عبد الأعلى: لا أدري أقال في الثالثة أو الرابعة اعمل ما شئت».
وفي رواية بمعناه وفي الثالثة قال «قد غفرت لعبدي فليفعل ما شاء» قال الحافظ في الفتح، قال القرطبي (وفائدة هذا الحديث أن العود إلى الذنب وإن كان أقبح من ابتدائه لأنه انضاف إلى ملابسة الذنب نقض التوبة، لكن العود إلى التوبة أحسن من ابتدائها لأنه انضاف إليها ملازمة الطلب من الكريم والإلحاح في سؤاله، والاعتراف أنه لا غافر للذنب سواه، ثم نقل الحافظ كذلك عن النووي قوله في الحديث: إن الذنوب ولو تكررت مائة مرة بل ألفًا فأكثر وتاب في كل مرة قبلت توبته أو تاب عن الجميع توبة واحدة صحت توبته) (١) تلك نعمة ومن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه.
стр. 166
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين غافر الذنب وقابل التوبة شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو.
أحمده تعالى، وأشكره، وأثني عليه الخير كله، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخيرته من خلقه .. اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأر ض اللهم عن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
إخوة الإسلام بقي أن تعلموا علامات التوبة النصوح، فقد قال سفيان الثوري يرحمه الله: علامة التوبة النصوح أربع: القلة، والعلة، والذلة، والغربة.
وقال ذو النون: علامتها ثلاث: قلة الكلام، وقلة الطعام، وقلة المنام، وقال شقيق: أن يكثر صاحبها لنفسه الملامة، ولا ينفك من الندامة، لينجو من آفاتها بالسلامة.
وقال السقطي: لا تصلح التوبة النصوح إلا بنصيحة النفس والمؤمنين لأن من صحت توبته أحب أن يكون الناس مثله (١).
يا أخا الإسلام وأينا معاشر البشر لا يخطئ، والرسول ﵊ يقول: (كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون) وأينا الذي ينفك عن ذنب أو عن عدد من الذنوب هو أدرى بها من غيره .. وإذا كان الأمر كذلك فإنني أدعو نفسي وأدعوكم معاشر المسلمين لتجديد التوبة مع الله في هذا الشهر الكريم، فهو فرصة للتوبة الصادقة النصوح، وهو معين على فعل الطاعات المكفرة لما
стр. 167
سلف من الذنوب، وأرشد نفسي وإياك إلى وسيلة من وسائل التوبة والاستغفار- علمًا بأن التوبة لا تنحصر في أسلوب واحد معين- فقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال: «ما من رجل يذنب ذنبًا فيتوضأ فيحسن الوضوء ثم يصلي ركعتين فيستغفر الله إلا غفر له» (١)، وقال الحافظ ابن كثير معلقًا عليه: ويتأكد الوضوء وصلاة ركعتين عند التوبة (٢).
ولا شهر أخا الإسلام أن للوضوء والصلاة أثرًا في تكفير الخطايا والسيئات، وإليك الحديث الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه مطولاً في قصة إسلام عمرو بن عبسة السلمي ﵁ وقد جاء في الوضوء أن عمرًا قال: يا نبي الله فالوضوء حدثني عنه قال: ما منكم وجل يقرب وضوءه فيتمضمض ويستنشق فينتثر إلا خرجت خطايا وجهه وفيه وخياشيمه، ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله إلا خرجت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثم يغسل يديه إلى المرفقين إلا خرجت خطايا يديه من أنامله مع الماء، ثم يمسح رأسه إلا خرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين إلا خرجت خطايا رجليه من أنامله مع الماء، فإن هو قام فصلى فحمد الله وأثنى عليه ومجده بالذي هو له أهل وفرغ قلبه لله إلا انصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمه .. » (٣).
فهل يعجز أحدنا أن يصنع ذلك كلما ارتكب خطيئة .. بل ولو لم يكن له خطيئة عسى الله أن يرحمه ويغفو له.
وثمة دعاء والاستغفار يحسن التذكير به بشكل عام وحال الخطيئة وعند التوبة
стр. 168
بشكل خاص، فقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: «من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه غفرت ذنوبه وإن كان قد فر من الزحف» (١).
إخوة الإيمان ليس يخفي أن الحسنات يذهبن السيئات، ذلك ذكرى للذاكرين، فتزودوا من الصالحات في شهر تضاعف فيه الحسنات فهو سبيل لتكفير سيئاتكم وأكثروا من الصلوات وتلاوة القرآن، والذكر، والصدقات وصلة الأرحام وغيرها من القربات واحفظوا جوارحكم عن الحرام فليس الصيام إمساكًا عن المطعم والمشرب والمنكح كلا وليس لله حاجة أن يدع الإنسان طعامه وشرابه دون جدوى، بل المقصود تزكية الجوارح وحفظها وتزكية النفوس وجلب النفع لها.
стр. 169
من عوامل الثبات على دين الله (١)
الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ..
إخوة الإيمان .. وكما يحرص المسلم على معرفة أسباب الهداية فهو حريص كذلك بل هو أحرص على معرفة عوامل الثبات على دين الله .. ذلك لأن الثبات على دين الله حتى الممات هو ثمرة الهداية، وهو الضمان بإذن الله للحصول على الجنة والمغفرة، وما أتعس المرء وأقل حظه حين يذوق طعم الإيمان ثم هو يرتد بعد إلى حماة الكفر بالله والعياذ بالله، ولذا كانت عاقبة المرتد وخيمة ونهايته أليمة، والنبي ﷺ يقول: «من بدل دينه فاقتلوه» (٢) الحديث رواه أحمد والبخاري وغيرهما عن ابن عباس ﵄ (صحيح الجامع ٥/ ٢٦٤).
وما أحوج المرء في زمان الغربة إلى التعرف على عوامل الثبات بعد معرفته لأسباب الهداية إلى الصراط المستقيم وذلك لفساد الزمان، وندرة الإخوان، وضعف المعين، وقلة الناصر، بل ولكثرة حوادث الردة والنكوص على الأعقاب .. وليس بالضرورة أن تكون الردة ردة معلنة صريحة عن الإسلام .. فإن قبول بعض أحكام الإسلام ورفض أحكام أخرى، أو الإيمان بشيء مما نزل على محمد ﷺ والعمل به، ورفض شيء آخر من دين الله هو ردة عن الدين، وهو نكوص عن الحق الذي نزل به المرسلون ﵈ والإسلام كل لا يتجزأ، والشريعة حق كلها وهي منظومة لا يمكن الفصل بينها .. وقد حكم الله بكفر
стр. 170
الذين يقبلون بعضها ويرفضون بعضًا آخر، فقال تعالى ﴿أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون﴾ (١).
إن العلمنة بكافة ألوانها وصورها- هي ردة عن دين الله .. وكيف لا يكون كذلك وهي أسلوب ماكر لتنحية الدين عن الحياة وأن العلمانيين مهما اختلفت أسماؤهم أو تباينت لغاتهم أو تباعدت ديارهم هم أولئك النفر الذين يحاولون فصل الأمة عن دينها وتاريخها، ويلبسون عليها دينها هم دعاة على أبواب جهنم.
وفي ظل هذا التشكيك الخفي في دين الله تبرز الحاجة إلى معرفة عوامل الثبات .. بل وفي ظل مغريات الحياة الدنيا واختلاط الحق بالباطل، وضعف اليقين وغلبة الدين، وندرة الصالحين تكون الحاجة أشد للوقوف على عوامل الثبات.
فإذا أضيف إلى هذه العوامل أن الهداية والثبات مردها بإذن الله إلى القلب، وهي متعلقة به، وهو من أكثر الجوارح تقلبًا، حتى قال فيه الصادق المصدوق ﷺ : «لقلب ابن آدم أشد انقلابًا من القدر إذا اجتمعت غليانً» (٢).
ويقول ﵊ في حديث آخر: «إنما سمي القلب من تقلبه، إنما مثل القلب كمثل ريشة في أصل شجرة يقلبها الريح ظهرًا لبطن» (٣).
إذا كان ذلك كذلك عدم مدى الحاجة إلى معرفة عوامل الثبات بعد معرفة أسباب الهداية .. وإليك أخي المسلم بعضًا من الأمور التي تعين بإذن الله على
стр. 171
الثبات على الحق .. أسأل الله أن يثبتني وإياكم وإخواننا المسلمين على الحق إنه جواد كريم.
١ - العامل الأول: الاعتصام بالكتاب والسنة، والتمسك بما فيهما علمًا وعملاً، فالقرآن الكريم حبل الله المتين، والسنة النبوية مكملة للقرآن وشارحة له، تفصل ما أجمل، وتفسر ما أشكل، وهما جميعًا نور وضاء يهتدي بنورهما أولو الألباب، وما فتئ المصطفى ﷺ يدعو أمته للتمسك بهما والرجوع إليهما حتى وافاه اليقين، ومما قاله ﵊ «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة رسوله» (١).
وهكذا فكلما كان التزام الأمة بالكتاب والسنة قويًا، كان ثباتها على الحق .. وكلما هجر القرآن اندرست السنة .. كان ذلك داعيًا للانحراف وباعثًا للضلال ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ويندرج تحت هذا الأصل الاقتداء بسلف الأمة الصالحين الذي صحبوا محمدًا ﷺ وأخذوا منه وتربوا على يديه، وفي طليعة هؤلاء الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ وعن سائر الصحابة أجمعين وفي هؤلاء جاءت وصية محمد بن عبد الله ﷺ «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور! فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» (٢).
أخي المسلم ومن هنا يتضح لك حاجتك في الثبات على دين الله على لزوم الكتاب والسنة وما فيهما من توجيه ولزوم سنة الخلفاء الراشدين، وهديهم .. ويتبين لك كذلك أن التمسك بالبدع المحدثة كأعياد المولد مثلاً، والتعبد
стр. 172
بالخرافات الشركية كالطواف حول القبور والتوسل بالأموات ونحوها كل ذلك مما يدعو إلى الانحراف عن صراط الله المستقيم، ويبعد المرء عن الثبات على دين الله ومنهجه القويم.
٢ - العامل الثاني: من عوامل الثبات استدامة الطاعة والاقتصاد فيها: قال الله تعالى: ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ (١) وقال في الآية الأخرى: ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ (٢).
فهذا وعد من الله أن يحفظ ويثبت الملتزمين بالطاعة والمحافظين على فعل ما جاءت به الشريعة في الحياة الدنيا وفي الآخرة إن الاستمرار على فعل الطاعات وترك المحرمات والعمل بما يوعظ به المرء أمر عزيز على النفس ويحتاج إلى مجاهدة وترويض، لكنه في النهاية عامل مهم في الثبات ﴿ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرًا لهم وأشد تثبيتًا﴾ (٣).
وقال تعالى: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء﴾ (٤).
قال قيادة وغي واحد من السلف: أما الحياة الدنيا فيثبتهم بالخير والعمل الصالح. وفي الآخرة في القبر (٥).
стр. 173
أما الكسالى والمفرطون .. والذين يقدمون عمى الطاعة حينًا ويتهاونون فيها حينًا آخر فهؤلاء على خطر .. وهل يضمنون أنفسهم أن تخترمهم المنية في حال تفريطهم فيحتم لهم بسوء الخاتمة ولا حول ولا قوة إلا بالله. فاحرص أخي المسلم على استدامة الطاعة، لأنك لا تدري متى الرحيل، واعلم أن من هدي النبي ﷺ المداومة على عمل الصالحات وإن كانت قليلة، وقال في ذلك «أحب الأعمال إلي الله أدومها وإن قل» (١) وبهذا نصح الأمة وأرشد الرعية، وفي الحديث الصحيح عن عائشة ﵂ قالت: كان للنبي ﷺ حصير، وكان يحجره بالليل فيصلي فيه، ويبسطه بالنهار فيجلس عليه، فجعل الناس يثوبون إلى النبي ﷺ يصلون بصلاته حتى كثروا، فأقبل فقالت فقال «يا أيها الناس خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملو، وأن أحب الأعمال إلى الله ما دام وإن قل» (٢).
زاد في رواية و «كان آل محمد إذا عملوا عملاً أثبتوه» (٣).
٣ - العامل الثالث من عوامل الثبات على دين الله .. الدعاء والإلحاح على الله بالثبات، وكما أن الدعاء سبب للهداية أصلاً- فهو عامل للثبات ثانيًا وإذا كانت القلوب هي أوعية الهداية .. أو هي السبب في الغواية- فهي بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف شاء عن نعيم بن همام الغطفاني ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من آدمي إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أن يزيغه أزاغه، وإن شاء أن يقيمه أقامه، وكل يوم الميزان بيد الله، يرفع أقوامًا، ويضع آخرين إلى يوم القيامة» (٤).
стр. 174
وثبت في الحديث الصحيح أن أكثر دعائه ﷺ «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» فقيل له في ذلك؟ قال: «إنه ليس آدمي إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الله فمن شاء أقام ومن شاء أزاغ» (١). وثبت أيضًا أن أكثر أيمانه كانت: «لا ومصرف القلوب» (٢) فألحوا على الله بذلك معاشر المسلمين ولاسيما في أوقات الإجابة، نسأل الله ألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسأله أن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب (٣).
أقول ما تسمعون وأستغفر الله ...
стр. 175
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين ...
العامل الرابع من عوامل الثبات .. الالتفاف حول العلماء الصالحين والدعاة الصادقين .. الذين يثبتون الناس حين الفتنة، ويؤمنونهم حين الخوف والرهبة أولئك مصابيح الدجى يحيي الله بهم قلوب العباد .. وينتشل بهم آخرين من الفساد .. ويتماسك على الطريق القويم بسببهم أمم وأقوام كادوا أن يقعوا في الهاوية، وهل نسى المسلمون دور أبي بكر ﵁ في الردة أو تناسى المؤمنون موقف الإمام أحمد يوم المحنة، وهذا الإمام علي بم المديني ﵀ يقول: أعز الله الدين بالصديق يوم الردة، وبأحمد يوم المحنة (١).
وتأمل ما قاله الإمام ابن القيم ﵀ عنه دور شيخيه ابن تيميه يرحمه الله في تثبيتهم على الحق، إذ يقول: وكنا إذا اشتد بنا الخوف وساءت بنا الظنون، وضاقت بنا الأرض أتيناه، فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله عنا (٢).
بل وتأمل ما في قصة الإمام أحمد يوم المحنة بخلق القرآن، وكيف توافد الصالحون على الإمام أحمد يهدأونه ويثبتونه، وهو الأمام الأشم، ومع ذلك يعترف بأثر كلامهم عليه، فقد روى الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أبي جعفر الأنباري قال: لما حمل أحمد إلى المأمون أخبرت، فعبرت الفرات، فإذا هو جالس في الخان، فسلمت عليه.
стр. 176
فقال: يا أبا جعفر تعنيت.
فقلت: يا هذا، أنت اليوم رأس والناس يقتدون بك، فوالله لئن أجبت إلى خلق القرآن ليجيبن خلق، وإن لم تجب ليمتنعن خلق من الناس كثير. ومع هذا فإن الرجل إن لم يقتلك، فإنك تموت، لابد من الموت، فاتق الله ولا تجب. فجعل أحمد يبكي ويقول: ما شاء الله.
ثم قال: يا أبا جعفر، أعد ..
فأعدت عليه وهو يقول: ما شاء الله .. أ. هـ (١).
وقال الإمام أحمد في سياق رحلته إلى المأمون: «صرنا إلى الرحبة، ورحلنا منها في جوف الليل، فعرض لنا رجل فقال: أيكم أحمد بن حنبل؟ .
فقيل له: هذا.
فقال للجمال: على رسلك .. ثم قال:
(يا هذا، ما عليك أن تقتل هاهنا، وتدخل الجنة.
ثم قال: أستودعك الله، ومضى.
فسألت عنه، فقيل لي، هذا رجل من العرب، من ربيعة، يعمل الصوف في البادية، يقال له: جابر بن عامر، يذكر بخير» (٢).
وفي البداية والنهاية: أن الأعرابي قال للإمام أحمد:
(يا هذا إنك وافد الناس فلا تكن شؤمًا عليهم، وإنك رأس الناس اليوم فإياك أن تجيبهم إلى ما يدعونك إليه، فيجيبوا، فتحمل أوزارهم يوم القيامة، وإن كنت تحب الله، فاصبر على ما أنت فيه، فإنه ما بينك وبين الجنة إلا أن تقتل).
стр. 177
قال الإمام أحمد: وكان كلامه مما قوى عزمي على ما أنا فيه من الامتناع عق ذلك الذي يدعونني إليه (١).
وفي رواية أن الإمام أحمد قال: (ما سمعت كلمة منذ وقعت في هذا الأمر أقوى من كلمة أعرابي كلمني بها في رحبة طوق). قال: (يا أحمد إن يقتلك الحق مت شهيدًا، وإن عشت، عشت حميدًا .. فقوي قلبي) (٢).
ويقول الإمام أحمد عن مرافقة الشاب (محمد بن نوح) الذي صمد معه في الفتنة.
ما رأيت أحدًا- على حداثة سنه، وقدر علمه- أقوم بأمر الله من محمد بن نوح، إني لأرجو أن يكون قد ختم له بخير.
قال لي ذات يوم: (يا أبا عبد الله، الله الله، إنك لست مثلي، أنت رجل يقتدى بك، قد مد الخلق أعناقهم إليك، لما يكون منك فاتق الله، واثبت لأمر الله.
فمات وصليت عليه ودفنته. (سير أعلام النبلاء ١١/ ٢٤٢).
وحتى أهل السجن الذين كان يصلي بهم الإمام أحمد وهو مقيد، قد ساهموا في تثبيته.
فقد قال الإمام أحمد مرة في الحبس: (لست أبالي بالحبس- ما هو ومنزلي إلا واحد- ولا قتلاً بالسيف وإنما أخاف فتنة السوط).
فسمعه بعض أهل الحبس فقالت: (لا عليك يا أبا عبد الله، فما هو إلا سوطان، ثم لا تدري أين يقع الباقي).
стр. 178
فكأنه سري عنه (١).
وهكذا يكون دور الأخيار في تثبيت المسلمين، فالزموا صحبتهم واطلبوا نصحهم.
إخوة الإسلام ويبقى بعد ذلك عوامل أخرى للثبات على دين الله .. منها الذكر .. وتأمل كيف قرن الله بين الذكر والثبات في آية واحدة فقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرًا لعلكم تفلحون﴾ (٢).
ومنها عدم الاغترار بالباطل وكثرة المبطلين ﴿لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد﴾ (٣) ﴿فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال﴾ (٤).
ومنها استجماع الأخلاق المعروفة على الثبات وفي مقدمتها الصبر والتقوى ﴿يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون﴾ (٥).
﴿والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين أمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾.
وفي الحديث الصحيح «وما أعطى أحدً عطاءً هو خير وأوسع من الصبر» (٦).
стр. 179
من أسباب الهداية (١)
الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخيرته من خلقه اللهم صل وسلم عليه وعلى إخوانه وآله وارض اللهم عن أصحابه وأتباعه إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرًا.
أما بعد: فاتقوا الله معاشر المسلمين، واخشوا يومًا ترجعون فيه إلى الله، ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون.
إخوة الإسلام وعدتكم في الجمعة الماضية أن يكون الحديث في هذه الجمعة عن أسباب الهداية وعوامل الثبات على دين الله.
ولا شك أن الهداية إلى الصراط المستقيم هدف ينشده كل مسلم مع تفاوت الناس في جدية الطلب، وصدق العزيمة وبلوغ الهدف وإلى كل راغب في الهداية، ومتجر لأسبابها ومتطلع للجنان العالية. عاشق لحورها ومؤمل في نعيمها، ومستجير من النار، وفار من حرها وزمهريرها ومر زقومها وسائر عذابها، أسوق الأسباب والعوامل التالية للهداية إلى الله بإذن الله:
أولاً: سعة الصدر وانشراحه للإسلام وتعاليمه قال الله تعالى: ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقًا حرجًا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون﴾ (٢).
стр. 180
ومفتاح شرح للإسلام التوحيد الذي لا يخالطه أدنى شك أو شرك مع الله، وإذا كان الهدى والتوحيد من أعظم أسباب شرح الصدر، فإن الشرك والضلال من أعظم أسباب ضيق الصدر وإنحراجه فحققوا التوحيد وعمقوا الإيمان-معاشر المسلمين- وإياكم والشرك أو الشك والخرافات أو البدع التي لم ينزل الله بها من سلطان.
قال ابن عباس ﵄ ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام﴾ يقول: يوسع قلبه للتوحيد والإيمان به (١).
سئل رسول الله ﷺ أي المؤمنين أكيس؟ قال «أكثرهم ذكرًا للموت، وأكثرهم لما بعده استعدادًا»، وسئل عن هذه الآية ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام﴾ قالوا: كيف يشرح صدره يا رسول الله؟ قال: «نور يقذف فيه فينشرح له وينفسح»، قالوا: فهل لذلك من أمارة يعرف بها؟ قال: «الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل لقاء الموت» (٢).
يا أخا الإسلام، وإذا كان التوحيد مفتاح الهداية، فإن عمل الصالحات والتقرب إلى الله بسائر الطاعات هي الأسنان لهذا المفتاح، ومن هنا فاحرص على أن يكون لك حظ من كل طاعة، ولك نصيب من كل قربة، فيدفع الله عنك بهذه الطاعة مصيبة أو نازلة، ويرفعك بالأخرى منزلة، ويكتب لك أجرًا وعافية، وتصير من هذه وتلك إلى انشراح في الصدر وسعة في القلب تحس من خلالهما بطعم الحياة الدنيا، قبل أن تصير إلى لذة الحياة الأخرى.