وتذهب وتضمحل عمن لم يلتفت إليها ولا ألقى إليها باله ولا شغل بها نفسه وفكره ..
أيها المسلمون يدعو المسلم كذلك للبعد عن التطير والتشاؤم قطعُ وساوس الشيطان، وبعده عما يُفسد عليه دينه، وينكد عليه عيشه وتأمل هذا الوصف الرائع من عالمٍ فقيه، لحال المتطير المتشائم يقول ابن القيم ﵀: «واعلم أن من كان معتنيًا بها- يعني الطيرة- قائلًا بها كانت إليه أسرع من السيل إلى منحدره، وتفتحت له أبوابُ الوساوس فيما يسمعه ويراه ويعطاه، ويفتح له الشيطان فيها من المناسبات البعيدة والقريبة في اللفظ والمعنى ما يُفسد عليه دينه، وينكدُ عليه عيشه .. إلى أن يقول: وحال من تطير وتشاءم كحال من غلبته الوساوس في الطهارة فلا يلتفت إلى علمٍ ولا إلى ناصح، وهذه حالُ من تقطعت به أسباب التوكل وتقلص عنه لباسه، بل تعدى منه، ومن كان هكذا فالبلايا إليه أسرع، والمصائب به أعلق، والمحنُ له ألزم، ثم ينتهي إلى توصيفه بقوله والمتطيرُ مُتْعبُ القلب، منكرُ الصدر، كاسف البال، سيءُ الخلق يتخيل من كل ما يراه أو يسمعه، أشد الناس خوفًا، وأنكدهم عيشًا وأضيق الناس صدرًا وأحزنهم قلبًا، كثيرُ الاحتراز والمراعاة لما لا يضره ولا ينفعه، وكم قد حرم نفسه بذلك من حظٍ، ومنعها من رزقٍ، وقطع عليها من فائدة» (١).
أيها المسلمُ ربما ندم المتطير مما تطير منه، واعتذر استحياءً ممن تطير به، ومن طريف ما يُروى عن بعض الولاة أنه خرج في بعض الأيام لبعض مهماته، فاستقبله رجل أعور، فتطير به وأمر به إلى الحبس، فلما رجع من مهمته ولم يلق شرًا أمر بإطلاقه، فقال له (المحبوس) سألتك بالله ما كان جرمي الذي حبستني
стр. 1157
لأجله؟ فقالت له الوالي: لم يكن لك عندنا جرمٌ، ولكن تطيرتُ بك لما رأيتك، فقال: ما أصبت في يومك برؤيتي؟ فقال الوالي: لم ألق إلا خيرًا، فقال الرجل، أيها الأمير: أنا خرجت من منزلي فرأيتك فلقيت في يومي الشرَّ والحبس، وأنت رأيتني فلقيت في يومك الخير والسرور فمن أشأمُنا، والطيرة بمن كانت؟ فاستحيا منه الوالي ووصله (١).
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (٢).
نفعني الله وإياكم بهدي الكتاب.
стр. 1158
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين خلق فسوى وقدر فهدى، وأشهد أن لا إله إلا الله في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخيرته من خلقه- اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء.
أيها المؤمنون ربما تساءل البعض وبماذا يقع التطير وما أكثر ما يتطير منه قديمًا وحديثًا؟ ولئن كانت الطيرة تختلف باختلاف الزمان والمكان والأشخاص، فمما يقع من التطير:
١ - الطيور كالغراب والأخيل، والبومة بشكل أخص، وهي التي جاء ذكرها في الحديث باسم (الهامة) قال ﵊: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر» (١).
قال ابن الأعرابي: كانوا يتشاءمون بها إذا وقعت على بيت أحدهم يقول نعت إليَّ نفسي أو أحدًا من أهل داري، ومعنى الحديث السابق لا شؤم بالبومة ونحوها (٢).
٢ - الشهور: وخاصة صفر .. إذ كان أهل الجاهلية يتشاءمون بصفر ويقولون إنه شهرٌ مشؤوم، وربما امتنعوا عن النكاح فيه، قاله ابن رجب: وكثيرٌ من الجهال يتشاءم بصفر، وربما ينتهي عن السفر فيه، والتشاؤم فيه هو من جنس الطيرة المنهي عنها (٣).
стр. 1159
٣ - الأيام: فهناك من يتشاءم ببعض الأيام وينسب إليها النحس والشؤم، كمن يتشاءم بيوم الأربعاء، وذلك من تلاعب الشيطان بالجهال (١).
٤ - وهناك من يتشاءم بالأعداد، كما تكره الرافضة لفظ العشرة، أو فعل شيء يكون فيه عشرة فلا يبنون بعشرة أعمد مثلًا، قال ابن تيمية وذلك لكونهم يبغضون خيار الصحابة وهم العشرة المشهود لهم بالجنة (٢). وكثيرٌ من الناس في الغرب يتشاءمون برقم ثلاثة عشر، وربما حذفته بعض شركات الطيران في ترقيم المقاعد (٣).
٥ - التشاؤم في المركب والمسكن والمرأة .. وربما تعلق هؤلاء بقوله ﷺ : «إن كان الشؤم ففي الدار والمرأة والفرس» (٤). وقد أجاب العلماءُ على هذا الحديث بأجوبةٍ عدة، ومن أجملها ما قاله ابن القيم: أن إخباره ﷺ بالشؤم في هذه الثلاث ليس فيه إثبات الطيرة التي نفاها الله، وإنما غايته أن الله سبحانه قد يخلق أعيانًا منها مشؤومة على من قاربها وساكنها، وأعيانًا مباركة لا يلحق من قاربها منها شؤون ولا شر، والله خلق الخير والشر والسعود والنحوس، فيخلق بعض هذه الأعيان سعودًا مباركة يسعد بها من قاربها، ويخلق بوضعها نحوسًا ينحس بها من قاربها، وكل ذلك بقضاء الله وقدره .. والفرق بين النوعين مدركٌ بالحس فكذلك في الديار والنساء والخيل، فهذا لونٌ والطيرة لون .. أهـ (٥).
стр. 1160
فإن قيل هذا جارٍ في كل مشؤوم فما وجهُ خصوصية هذه الثلاثة بالذكر؟ فجوابه: أن أكثر ما يقع التطير في هذه الثلاثة فخصَّت بالذكر (١).
٦ - الاستقسام بالأزلام، وهي القداح، كان الرجل في الجاهلية إذا أراد سفرًا أو زواجًا أو أمرًا مهمًا أدخل يده في وعاء يضع فيها القدح، فأخرج منه (زلمًا) فإن خرج الأمر مضى لشأنه وإن خرج النهي كف ولم يفعل (٢).
وذلك نوعٌ من التطير المنهي عنه، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾، وفي الحديث عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لن يلج الدرجات العلى من تكهن، أو استسقم، أو رجع من سفرٍ تطيرًا» (٣).
إخوة الإسلام: ومن الاستسقام بالأزلام في هذا العصر: ضربُ الرمل والودع (٤)، وفتح الكتاب والكوتشينة، وقراءة الفنجال، وكلُّ ما كان من هذا القبيل حرام منكر في الإسلام (٥).
إخوة الإيمان احذروا التطير والتشاؤم في أمور حياتكم كلِّها فإنه مفسدة للدين والدنيا، ولما لم يكن في ترك التطير إلا تحقيق التوحيد لكان هذا كافيًا، ودونكم هذا الحديث العظيم فتأملوه، واحرصوا على العمل به، أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن حُصين بن عبد الرحمن قال: «كنت عند سعيد بن جبير فقال: أيكم
стр. 1161
رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ قلتُ: أنا، ثم قلت أما إني لم أكن في صلاة ولكن لُدغت، قال: فماذا صنعت؟ قلتُ: استرقيت، قال: فما حملك على ذلك؟ قلتُ: حديثٌ حدثناه الشعبي فقال: وما حدثكم الشعبي؟ قلتُ: حدثنا عن بُريدة بن حصيب الأسلمي أنه قال: «لا رقية إلا من عَيْنٍ أو حُمةٍ» فقال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «عُرضت عليَّ الأمم، فرأيت النبيَّ ومعه الرهط (دون العشرة)، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي ليس معه أحد، إذ رُفع لي سواد عظيمٌ فظننت أنهم أمتي، فقيل لي هذا موسى ﷺ وقومُه ولكن انظر إلى الأفق فنظرت فإذا سوادٌ عظيمٌ، فقيل لي انظر إلى الأفق الآخر، فإذا سوادٌ عظيمٌ، فقيل لي هذه أمتُك، ومعهم سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب»، ثم نهض فدخل منزله، فخاض الناس في أولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله ﷺ ، وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام ولم يُشركوا بالله، وذكروا أشياء، فخرج عليهم رسول الله ﷺ فقال: «ما الذي تخوضون فيه؟ » فأخبروه، فقال: «هم الذين لا يرقون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون» فقام عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: «أنت منهم» ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: «سبقك بها عكاشة» (١).
وهكذا يحققُ التوحيد من لا يتطيرون .. ويكونون ضمن من يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب .. جعلنا الله منهم والمسلمين ..
على أن شيخ الإسلام ابن تيميه يرحمه الله ضعف قوله في الحديث «لا
стр. 1162
يرقون» وقال إنها وهمٌ من الراوي ولم يقلها النبي ﷺ لأن الراقي محسنٌ إلى أخيه، وكذلك ضعفها تلميذه ابن القيم رحمهما الله، ومما يؤيد ذلك أنها لم ترد في رواية البخاري، بل ولا في الروايات الأخرى عند مسلم، وإنما الثابتة في الصحيحين «لا يسترقون» فقط والله أعلم (١).
أيها المؤمنون ويبقى بعد ذلك حديث عن دفع التطير، ووسائل الخلاص منه، وحديث عن الفألِ ومعناه وأثره في حياة المسلم، وهذه وتلك مجال الحديث في الجمعة القادمة بإذن الله.
стр. 1163
(٢) بين التطير والتفاؤل (١)
الخطبة الأولى:
الحمد لله رب العالمين من توكل عليه كفاه ومن لاذ به سلمه وعافاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له خلق كل شيء بقدر، لا مانع لما أعطى ولا مُعطي لما منع. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله دعا الأمة إلى كل خير وحذرها من كل شر، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وآل بيته الطاهرين، ورضي عن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٢). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٣).
إخوة الإسلام، وسبق الحديث عن التطير والتشاؤم، وما فيهما من خلل في المعتقد والسلوك، دون أن يدفعا مكروهًا أو يجلبا محبوبًا.
ومن حق الذين سمعوا التحذير والنهي عن باب من أبواب الشرك وسلوك يُعِّقد الحياة، ويشل حركة الأحياء، ويصيبهم بنوع من الإحباط والضيق .. من حق هؤلاء أن يسمعوا وسائل دفع التطير وكيف يتقون التشاؤم، ألا وإن من أعظم الأسباب التي يدفع بها التطير:
стр. 1164
١ - التوكل على الله، قال أبو السعادات: يُقال: توكل بالأمر إذا ضمن القيام به، ووكلت أمري إلى فلان، أي: ألجأته واعتمدت عليه فيه، ووكل فلانٌ فلانًا إذا استكفأه أمره ثقةً بكفايته، أو عجز عن القيام بأمر نفسه، والتوكل المشروع فريضة يجب إخلاصه لله تعالى، لأنه من أفضل العبادات وأعلى مقامات التوحيد .. ، ولقد أمر الله به في غير آية، وأعظم مما أمر بالوضوء والغسل من الجنابة، بل جعله شرطًا في الإيمان والإسلام كما في قوله تعالى: ﴿إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ﴾ (١).
وكلما قوي إيمان العبد كان توكله أقوى، وإذا ضعف الإيمان ضعف التوكل، والمتأمل يلحظ أن الله يجمع بين التوكل والعبادة وبين التوكل والإيمان، وبين التوكل والتقوى، وبين التوكل والإسلام وبين التوكل والهداية، فظهر أن التوكل أصلٌ لجميع مقامات الإيمان والإحسان، ولجميع أعمال الإسلام، وأن منزلته منها كمنزلة الجسد من الرأس، فكما لا يقوم الرأس إلا على البدن فكذلك لا يقوم الإيمان ومقوماته إلا على ساق التوكل (٢).
وكيف يتطير أو يتشاءم من يعي قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (٣)، أي كافيه قال بعض السلف: جعل الله لكل عمل جزاءً من نفسه، وجعل جزاء التوكل عليه نفس كفايته فقال: ومن يتوكل على الله فهو حسبه، ولم يقل فله كذا وكذا من الأجر، كما قال في الأعمال، بل جعل نفسه سبحانه كافي عبده المتوكل عليه، وحسبه، وواقيه فلو توكل العبد على الله حق توكله وكادته
стр. 1165
السماوات والأرض وما فيهن لجعل له مخرجًا وكفاه ونصره (١).
يا أخا الإسلام، إذا انفتح عليك بابٌ للتطير والتشاؤم وأوغر الشيطان صدرك بالقلق والوساوس، فافتح على نفسك باب التوكل على الله ثقةً بما عنده، ورضًا بما يقسمه، واعتمادًا عليه في تفريج الكربات ومن توكل على الله كفاه.
٢ - العلم بأن كل شيء يسير بقدر الله، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (٣). ومن حكم ذلك حتى لا يشتد فرح الإنسان لما آتاه الله فقد يكون فيه حتفه، ولا تذهب نفسه حسرات على ما فاته، فقد يكون فيه نجاته وهنا تنقطع مادة التطير ويحس المسلمُ بالطمأنينة والرضا، يقول ﵊: «كلُّ شيء بقدر حتى العَجْزُ والكَيْسُ» والمعنى أن كل شيء بتقدير الله في الأزل ولابد أن يقع ما قدره الله، والمرادُ بالعَجْزِ: التقصير فيما يجب فعله بالتسويف، وهو عامٌ في أمور الدنيا والدين (٤).
والكيس: هو النشاط والحذق، أو كمال العقل وشدة معرفة الأمور أو تمييز ما فيه الضر والنفع (٥). وهذا الشعور بتقدير الله الأزلي لما يحدث في هذا الكون ينبغي أن يشعره بالرضا واليقين وأن يدفع عنه الطيرة والتشاؤم، دون أن
стр. 1166
يقعدَ به عن فعل الأسباب المأمور بها شرعًا، فالعلم والتوكل شيء، والجهل والتواكل شيء آخر فليعلم.
٣ - ومما يعين على دفع التطير- بإذن الله- أن يدافع ما يجدُ في نفسه من تطير أخبر عنه النبي ﷺ بقوله: «الطيرة شرك، الطيرة شرك، والطيرة شرك، وما منا إلا، ولكن يذهبه الله بالتوكل» (١)، والمعنى: وما منا إلا ويعتريه التطير، ولكن من وقع له ذلك وسلَّم لله، ولم يعبأ بالطيرة. فلا يؤاخذ بما عرض له (٢).
وعلى المسلم في سبيل علاج التطير ألا يتابع هذه الخطرات، ولا يستسلم للوساوس وألا تصده عما همَّ به، فقد جاء في صحيح مسلم عن معاوية بن الحكم السلمي ﵁ قال: قلتُ يا رسوله: كنا نتطير، قال: ذاك شيءٌ يجده أحدكم في نفسه فلا يصدنكم» (٣).
٤ - والاستخارة المشروعة يدفع الله بها وينفع، وهي من تمام التوكل على الله وتفويض الأمر إليه، وهي خيرُ بديلٍ عن الطيرة والتشاؤم، والمراد بالاستخارة: طلب خير الأمرين لما احتاج إلى أحدهما (٤)، وهي مشروعةٌ في الأمور التي لا يدري العبدُ وجه الصواب فيها أما ما هو معروفٌ خيره كالعبادات وصنائع المعروف فلا حاجة لاستخارة فيها (٥).
عباد الله مع عظيم فضل الله علينا في هذه الاستخارة، وشدة حاجتنا إليها في
стр. 1167
كثير من أمورنا، فما أعظم تفريط بعض الخلق فيها، وزهدهم في دعائها، وهذا جابر بن عبد الله ﵄ يقول: كان النبي ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: «إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم يقول: اللهم إني استخيرك بعلمك، واستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب، اللهم أن كنت تعلم أن هذا الأمر- ويسميه- خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري- أو قال في عاجل أمري وآجله- قاقدره لي. وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري- أو قال في عاجل أمري وآجله- فاصرفه عني واصرفني عنه، وأقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به، ويسمى حاجته» (١) قاله النووي يرحمه الله: وإذا استخار مضى بعدها لما ينشرح له صدره (٢).
٥ - أيها المسلم والمسلمة، الدعاء بشكل عام عبادة مشروعة، ولا يرد القضاء إلا الدعاء- كما قال النبي ﷺ (٣) وهو طريق من طرق دفع التطير، كيف لا، وقد علمنا النبي ﷺ دعاءً ندعو به، لدفع التطير في المرأة، والدابة، والخادم، فقد روى البخاري في خلق أفعال العباد، والنسائي في عمل اليوم والليلة والبغوي في شرح السنة، وابن ماجه في سننه، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي والنووي في الأذكار وصححه، وجود إسناده العراقي، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: إذا تزوج أحدُكم امرأة: أو اشترى
стр. 1168
خادمًا فليقل: اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه، وإذا اشترى بعيرًا فليأخذ بذروة سنامه وليقل مثل ذلك» (١).
٦ - الانتقالُ من المكان الذي يظن أنه مشؤوم، وذلك لإبطال الوهم بالشؤم، فعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رجلٌ يا رسول الله إنا كنا في دار كثيرٌ فيها عددنا، كثيرةٌ فيها أموالنا، فتحولنا إلى دارٍ أخرى فقل فيها عددُنا، وقلَّت فيها أموالنا، فقال رسول الله ﷺ : «ذروها ذميمةً» (٢)، قال ابن عبد البر: وعندي أنه إنما قاله خشية عليهم التزام الطيرة (٣).
стр. 1169
الخطبة الثانية:
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا طاهرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخيرته من خلقه .. اللهم صل وسلم عليه وعلى إخوانه من الأنبياء.
إخوة الإسلام يبقى بعد ذلك علاج عملي لدفع الطيرة والتشاؤم ألا وهو الفأل الحسن فحين نهى الشارع عن الطيرة والشؤم جعل الفأل البديل والعلاج، والسبب في ذلك أن الطيرة سوءُ ظن بالله تعالى، والفأل حسنُ ظن بالله، والمسلمُ مأمورٌ بحسن الظنِّ بربه، والفأل خلقٌ من أخلاق النبي ﷺ تمثله في حياته ودعى الناسَ إليه، وفي الحديث: كان ﷺ يحب الفأل ويكره الطيرة» (١). والفأل هو الكلمة الحسنة يسمعُها الإنسان ويستبشر بها وكان ﷺ يعجبه الفأل، ففي الحديث المتفق على صحته عن أنس بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل»، قالوا: وما الفأل: قال: «كلمة طيبة»، وفي لفظ: «الكلمة الحسنة» (٢).
والمتأمل في سيرة الرسول ﷺ يجد فيها نماذج للفأل، والبعد عن التشاؤم والتطير، وعلى سبيل المثال لا الحصر قال ﵊ عن جبل أحد «هذا جبلٌ يُحبنا ونحبه» (٣)، ومن المعلوم أن وقعة أحدٍ الشهيرة كانت عند هذا الجبل، وبها أصيب المسلمون كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ﴾ (٤)، فقد انجلت المعركة عن
стр. 1170
سبعين شهيدًا من المسلمين (١)، ولم يسلم رسولُ الله ﷺ من أذى المشركين في هذه الغزوة إذ كُسرت رباعيته، وشُج في وجهه، وسال دمه، وكسرت البيضية على رأسه، كما ثبت ذلك في الأخبار الصحاح (٢). ومع ذلك كلِّه فلم يتشاءم الرسول ﷺ أو يتطير من هذا المكان- بل قال حين رجع من الحج، أو حين عاد من تبوك وأشرف على المدينة «هذا جبل يُحبنا ونُحبه» (٣).
قال السهيلي يرحمه الله، كان ﷺ يحب الفأل الحسن والاسم الحسن ولا اسم أحسن من اسم مُشتق من «الأحدية» قال: ومع كونه مشتقًا من الأحدية، فحركات حروفه الرفع أُحُد، وذلك يشعر بارتفاع دين الأحد وعلوه، فتعلق الحب من النبي ﷺ به لفظًا ومعنى فخُصَّ من بين الجبال بذلك والله أعلم (٤).
إخوة الإسلام، قد يسأل سائلٌ عن الفرق بين الفأل والتطير عن السرِّ في استحباب الأول وتحريم الثاني، وقد أجاب عن ذلك ابن الأثير يرحمه الله (٥) فقال: الفألُ فيما يُرجي وقوعه من الخير، ويَحسُن ظاهره ويَسُر والطيرة لا تكون إلا فيما يسوء، وإنما أحبَّ النبي ﷺ الفأل لأن الناس إذا أمَّلوا فائدة من الله ورجوا عائدته عند كلِّ سببٍ ضعيفٍ أو قوي، فهم على خير، وإن لم يدركوا ما أملوا فقد أصابوا في الرجاء من الله وطلب ما عنده، وفي الرجاء لهم خيرٌ مُعجَّل، ألا ترى أنهم إذا قطعوا أملهم ورجاءهم من الله كان ذلك من الشر؟
فأما الطيرة فإن فيها سوءَ الظنِّ، وقطعَ الرجاءِ، وتوقع البلاء، وقنوط النفسِ
стр. 1171
من الخير، وذلك مذموم بين العقلاء، منهي عنه من جهة الشرع. أهـ.
ألا فتفاءلوا معاشر المسلمين وأملوا خيرًا وأحسنوا الظنَّ بربكم، وقدموا بين يدي هذا الفأل عملًا صالحًا تتقربون به إلى بارئكم، ومهما أظلمت الدنيا في وجوهكم أو حاول الشيطان أن يُقنِّطَكم .. فثقوا أن فرجَ الله قريب، وأن مع العسر يسرًا، ولن يغلب عسرٌ يُسرين، وأن الله يبلو الناس بالشر والخير فتنة ليعلم الصابرين والشاكرين، وليميز الخبيث من الطيب ..
وإذا اغترَّ بعض الخلق برحمات الخلق وأعطياتهم، انفرد المؤمنون بالتعلق برحمة الله ووثقوا بحسن عطائه فالله هو المعطي وهو المانع، والله يقول وهو أصدق القائلين: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١)، ويقول جل شأنه: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (٢).
إخوة الإيمان بالفأل الحسن والعمل الصالح يُشرق وجهُ الحياة، وترفرف راياتُ السعادة على الأحياء، بهدف الفأل الصالح تنشرحُ الصدور، وتزول الكآبة عن النفوس، وبه ينجلي الضيق، وتنقشع سحبُ الوهم والتشاؤم، ويكون ذلك عونًا لحسنِ علاقة العبد مع ربه، وعلاقة الخلق مع بعضهم .. وكلُّ ذلك طرفٌ من هدي الإسلام، ولونٌ من ألوان خلق المصطفى ﵊، ولذا فالمسلمون أحقُّ بهذا الفأل من غيرهم من شعوب الأمم الأخرى، فهل يفقه المسلمون دينهم، وهل يتجنبون مواطن الخلل في عقائدهم وسلوكياتهم ذلك المرتجى- والله من وراء القصد وهو حسبنا ونعم الوكيل- هذا وصلوا ...
стр. 1172
شعاع من المحراب
الجزء الخامس
إعداد
د. سليمان بن حمد العودة
стр. 1173
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 1174
شعاع من الحراب
стр. 1175
زلزلة الساعة (١)
الخطبة الأولى:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارضَ اللهم عن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور﴾ (٢).
﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم * يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد﴾ (٣).
عباد الله ما أعظم الهول .. وما أشدَّ الفزعَ لأحداثِ الساعة، والنداءُ هنا شاملٌ للناس جميعًا يُخوفون بحادثٍ سيقع .. ولا نجاةَ من الفزعِ إلا بالتقوى .. إنه الأمرُ العظيم، والخطبُ الجلل والطارقُ المفظع، والكائن العجيب؛ والشيء العظيم:
стр. 1176
﴿إن زلزلة الساعة شيء عظيم﴾ (١).
وما تذهل المرضعةُ عن طفلها وفي فمه ثديُها إلا للهول لا يدع بقيةً من وعي .. كيف لا والمشهدُ يصورها لذهولها وكأنها تنظر ولا ترى، وتتحركُ ولا تعي، وهذا الذي ذُهلت عنه أحبُّ الناس إليها، وهي أشفق الناس عليه ..
أما الحوامل فتُسقط حَملها قبل تمام مِدتها لشدة الهول، والناسُ كلُّهم لهولِ الصدمة وشدة الأمر كالسكارى قد دهشت عقولُهم، وغابت أذهانُهم .. وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد.
روى الترمذيُّ بسنده عن عمران بن حصين ﵁ أن النبي ﷺ قال: لما نزلت: ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم * يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد﴾ (٢) قال: أُنزلت عليه هذه الآية وهو في سفر، فقال: ((أتدرون أي يومٍ ذلك؟ )) قالوا: اللهُ ورسولهُ أعلم، قال: ((ذاك يوم يقول اللهُ لآدم: ابعث بعثَ النار قال: يا ربِّ وما بعثُ النار؟ قال: تسعمائة وتسعةٌ وتسعون إلى النار، وواحدٌ إلى الجنة)) فأنشأ المسلمون يبكون فقال رسول الله ﷺ : ((قاربوا وسددوا، فإنها لم تكن نبوةٌ قطُّ إلا كان بين يديها جاهليةٌ))، قال: ((فيُؤخذ العددُ من الجاهلية، فإن تمَّت وإلا كملت من المنافقين، وما مثلكُم ومثلُ الأمم إلا كمثلِ الرقمةِ في ذراع الدابة وكالشامةِ في جنب البعير))، ثم قال: (٣) (إني لأرجو أن تكونوا ربعَ أهل الجنة)) فكبروا، ثم قال: ((إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة))،
стр. 1177
فكبروا، ثم قال: ((إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة))، فكبروا قال: ولا أدري قال الثلثين أم لا (١).
وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : ((يقول الله تعالى يا آدمُ، فيقول لبيك وسعديك والخيرُ في يديك، قال يقول: أخرج بعثَ النار، قال: وما بعثُ النار؟ قال: من كلِّ ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، قال فذاك حين يشيبُ الصغيرُ وتضعُ كلُّ ذات حملٍ حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذابَ الله شديد))، قال: فاشتد ذلك عليهم، قالوا: يا رسولَ الله أينا ذلك الرجل؟ فقال: ((أبشروا، فإن من يأجوجَ ومأجوجَ ألفًا ومنكم رجل)) .. ثم ذكر الحديث ..
أيها المسلمون، الساعةُ غيبٌ لا يعلمها إلا علاَّمُ الغيوب -وهي آتيةٌ لا ريب فيها- ولكن مجيئها بغتةً وذلك يستدعي الحذرَ والحيطة، والتأهبَ الدائمَ والاستعدادَ بالعملِ الصالح.
وإذا كان أولو العزم من الرسلِ لا يعلمون وقتَ مجيئها، فغيرُهم من باب أولى، روى الإمام أحمدُ وابنُ ماجه، والحاكم -بإسناد صحيح- عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((لقيتُ ليلة أسري بي إبراهيمَ وموسى وعيسى، فتذاكروا أمرَ الساعة يردُّوا أمرهم إلى إبراهيم، فقال: لا علم لي بها، فردوا الأمر إلى موسى فقال: لا علم لي بها، فردوا الأمر إلى عيسى، فقال: أما وجْبتُها فلا يعلمها أحدٌ إلا اللهُ ، وفيما عَهِد إليَّ ربي أن الدجالَ خارجٌ. قال: ومعي قضيبان، فإذا رآني ذاب كما يذوب الرصاص قال: فيهلكه الله)) (٢).
стр. 1178
قال ابنُ كثير ﵀: فهؤلاء أكابرُ أولي العزم من الرسل ليس عندهم علم بوقت الساعةِ على التعيين، وإنما ردُّوا الأمر إلى عيسى ﵇، فتكلم على أشراطها؛ لأنه ينزلُ في آخر هذه الأمة مُنفِّذًا لأحكام رسول الله ﷺ ويقتلُ المسيحَ الدجال، ويجعلُ اللهُ هلاكَ يأجوج ومأجوج ببركة دعائه، فأخبر بما أعلمه اللهُ به (١).
بل أن علمَ الساعة ثقل على أهل السموات والأرض، كما قال تعالى: ﴿يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ (٢).
واختار ذلك التفسير ابنُ جرير ووافقه ابنُ كثير (٣).
وهذا كلُّه مبطل لأي تقولٍ بعلم الغيب عمومًا، وخبر الساعة خصوصًا، وهو كذلك مبطلٌ لأي زعم بالعلم بنهاية الدنيا .. فلا يعلم ذلك كلَّه إلا الله: ﴿قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون * بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم منها عمون﴾ (٤).
أيها المسلمون لقد أخبر الصادقُ المصدوق ﷺ : ((أن الساعةَ تقوم حين تقوم، وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعان ولا يطويانه، ولتقومن الساعةُ وقد انصرف الرجلُ بلبن لقحته فلا يطعمُه، ولتقومن الساعةُ وهو يليط حوضه فلا يسقي
стр. 1179
فيه، ولتقومن الساعة، والرجلُ قد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمُها)) (١).
وأخبر تعالى أن الساعة أدهى وأمر، وبها توعد اللهُ المجرمين ﴿بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر﴾ (٢).
فهي أعظم واشق، وأكبر من كل ما يُتوهم، أو يدور في الخيال (٣).
والساعةُ موعدُ الجزاء والعدل ﴿إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى﴾ (٤).
وهي واحدةٌ من خمسٍ اختص اللهُ بعلمها: ﴿إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير﴾ (٥).
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه.
стр. 1180
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين يقص الحقَّ وهو خيرُ الفاصلين، وأشهد أن لا إله إلا الله لا شريك له بيده المقاديرُ والأجيال، وما يعزب عن ربك من مثقال ذرةٍ في الأرضِ ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبرَ إلا في كتاب مبين، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله بعثه اللهُ بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا، فمن اتبعه فقد رشد ونجى، ومن عصاه فقد خاب وخسر خسرانًا مبينًا. اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر النبيين، وما من نبي إلا وذكَّر أمته بالآخرةِ وأهوالِ يوم القيامة.
أيها المسلمون: إذا كانت الساعةُ حقًّا لا مرية فيها، وأن اللهَ يبعث من في القبور، ودلائلُ قدرةِ الله على ذلك ظاهرةٌ للعيان لمن تأمل في أحداثِ الحياةِ الدنيا، من ابتداء الخلق وأطوار الجنين، وإحياءِ الأرض بعد موتها .. مما لا تخطئه العين ولا يخفى على ذي عقل، وما يكابر في ذلك إلا كلُّ كفارٍ عنيد.
وحجةُ اللهِ في القرآن دامغةٌ، وآياتهُ ظاهرة والعلاقة بين هذه الآيات الباهرة والبعثِ والنشور ظاهرة: ﴿ياأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج * ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير * وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور﴾ (١)، وأعجبُ من ذلك كله قدرةُ الله على خلقِ ما هو أعظم من
стр. 1181
الإنسان كالسموات والأرض. وفيه دليل على قدرته على إعادة الإنسانِ بعد موته فذاك من باب أولى: ﴿أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم * إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون﴾ (١).
وإذا كان هذا طرفًا من قدرة الله، في خلق الناس كلهم وأطوار حياتهم .. فأعجب منه ما استثنى اللهُ من خلقه، فخلقه من غير أبٍ ولا أم كآدم ﵇، أو خلقه من أب دون أم كحواء، أو خلقه من أمٍ دون أب كعيسى ﵇ .. ولهذا جاء ذكرُ عيسى ﵇ علمًا بين يدي الساعة، ودليلًا عليها قال تعالى: ﴿وإنه لعلم للساعة فلا تمترون بها واتبعون هذا صراط مستقيم﴾ (٢).
وأحدُ المعاني في تأويل هذه الآية: أن القادر على إيجاد عيسى من أمٍّ بلا أب قادر على بعث الموتى من قبورهم .. (٣).
بل يدرك العقلاء ويؤمن أولو الألباب بالبعث من خلال معرفتهم بحكمة الله في خلقه، والحكيم لا يترك الناسَ سدى، ولا يخلقهم عبثًا، بل لحكمة جليلة يُجازي المحسنَ بإحسانه والمسيءَ بإساءته: ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون * فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم﴾ (٤).
﴿وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين * ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون﴾ (٥).
стр. 1182
عباد الله! الناسُ في هذه الدنيا وفي الآخرة من الساعة صنفان، فصنفٌ غافلون لاهون، آمنون، لا يؤمنون ببعث ولا نشور، أولئك تضيع أعمارُهم في البحث عن اللذة العاجلة، ولا يؤمنون إلا بالمادة المحسوسة، تنتهي مداركهمُ عند حدود الدنيا، فلها يحبون ومن أجلها يبغضون، وعندها تقف طموحاتهمُ وآمالُهم وأولئك هم الخاسرون في الآخرة .. وهم المبلسون عند قيام الساعة، ولهم الويلُ والثبور عند البعث والنشور.
وعنهم قال تعالى: ﴿ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون﴾ (١).
﴿ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون﴾ (٢).
﴿قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون﴾ (٣).
وأما النصفُ الآخرة فهم المؤمنون بقيام الساعة، والمشفقون منها في الدنيا، لعلمهم أنها حق .. أولئك عرفوا الله فخافوه وراقبوه بما يأتون أو يدعون، وخافوا الآخرة فعملوا لها .. وهانت عليهم الدنيا فلم تلههم ولم تفتنهم بزخرفها .. وأولئك هم الآمنون عند قيامها .. ومنازلهم في الجنان والرياض بها يتنعمون، وبإيمانهم وخوفهم وعملهم يجازون، ولا يظلم ربك أحدًا، تأمل يا أخا الإسلام حال الفريقين في الدنيا في قوله تعالى: ﴿يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين ءامنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق إلا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد﴾ (٤).
стр. 1183
تأمل يا عبد الله مصير الفريقين وفروق الجزاءِ بين الصنفين في الآخرة وقوله تعالى: ﴿ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون* فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون* وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون﴾ (١).
إنه الفرق بين الإيمان والكفر، واليقين والشك، ولئن كانت الساعةُ غيبًا، فهي كالمشاهد عند المؤمنين، فهم كما يؤمنون بالله وإن لم يروه يؤمنون بالساعة وإن لم يروها- ولذا جاء الربط في القرآن كثيرًا بين الإيمان بالله والإيمان بالغيب من مثل قوله تعالى: ﴿ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر﴾ (٢).
وإذا تساوى الناسُ في تصديقهم بالمشاهد المحسوس لديهم تميز أهلُ الإيمان وأولو الألباب بالتصديق بالغيب الذي يرون دلائله وينظرون في شواهده، وإن غاب عنهم كنههُ وحقيقتهُ.
إخوة الإيمان كم نحن بحاجة إلى غرسِ هذا الإيمانِ بالغيب ودلائِله في نفوسنا صغارًا وكبارًا، عالمين ومتعلمين وأميين رجالًا، ونساء، في مؤسساتنا التعليمية والإعلامية حتى تنحسر بقايا المدُّ الإلحادي الذي تهاوت دولتهُ قبل سنين، وبقيت بقيةٌ من أفكار أتباعه وهي في طريقها إلى الانقراض، فالعلمُ يدعو إلى الإيمان، ودلائل الإيمان بالغيب تحاصر المتشككين في ذوات أنفسهم وفي كون الله الواسع من حولهم، وفي كل شيء له آيةٌ تدل على أنه واحدٌ .. وتلاشت مقولةُ ((من يحيي العظام وهي رميم)) بقوله تعالى: ﴿قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق
стр. 1184
عليم* الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارًا فإذا أنتم منه توقدون* أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم* إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون* فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون﴾ (١).
عباد الله! أعمال الناس في الدنيا نابعة من درجة إيمانهم بالغيب وقيام الساعة، فأشدُّ الناس إيمانًا بها أكثرهم استعدادًا لها، وأقلهم إيمانًا بها أكثرهم غفلةً عن الاستعداد لها، وليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكنه شيء يستقر في القلب وتنبعث له الجوارحُ مصدقة.
اللهم ارزقنا صدق الإيمان بك والاستعداد للبعث والنشور، اللهم حاسبنا حسابًا يسيرًا اللهم ارحم ضعفنا، وفرج كربنا .. ولا تخزنا يوم يبعثون ..
стр. 1185
وقفات في شهر الله المحرم (١)
الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدهُ ورسوله، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارض اللهم عن آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد فاتقوا الله أيها الناس، واعلموا أنكم ملاقوه ﴿واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون﴾ (٢).
﴿يأيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون﴾ (٣).
إخوة الإسلام، وكما فضل اللهُ بعض الأماكنِ على بعضٍ فقد فضَّل أزمانًا على أزمانٍ أخرى، وله الحكمةُ البالغة وهو الحكيم الخبير.
ولا ينتهي فضلُ الزمانِ عند رمضانَ، وعشرِ ذي الحجة، ويوم عرفة، ويوم الجمعة، وأيام العيد والتشريق، ونحوها ففي شهرِ الله المحرم (شهركم هذا) يومٌ عَظيمٌ من أيام الله، ألا وهو يومُ عاشوراء، والشهرُ كلُّه كانَ من الأشهر التي
стр. 1186
يخصها الرسولُ ﷺ بنوعٍ من العبادة، إذ كان يُفضل صيامَه عن غيرهِ بعد صيامِ رمضان.
إن شهرَ اللهِ المحرم كان له شأنٌ في تاريخ الأنبياءِ ﵈.
وبين تعظيم هذا الشهرِ، وما نُدب فيه من العبادة، وارتباطهِ بتاريخ الأنبياء- وخاصة موسى ﵇ أقف خمس وقفاتٍ، مذكرًا بها نفسي وإياكم.
الوقفة الأولى: هو شهرُ الانتصار للمؤمنين والاستعلاء للإيمان، أخرج البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄ قال: قدم رسولُ الله ﷺ المدينةَ فرأى اليهود تصومُ يومَ عاشوراء، فقال: ((ما هذا؟ )) قالوا: هذا يومٌ صالحٌ، هذا يومٌ نجَّى اللهُ بني إسرائيلَ من عدوِّهم (١).
وفي صحيح مسلم: ((هذا يومٌ عظيم أنجى اللهُ فيه موسى وقومَه وغرق فرعونُ وقومه)) (٢).
وإذا كان هذا في شأن موسى وقومه، فقد أخرج الإمامُ أحمدُ الحديثَ السابق وزاد فيه: ((وهو اليومُ الذي استوت فيه السفينةُ على الجودي فصامه نوحُ شكرًا)) (٣).
بل ورد القول بأن النصارى كانت تُعظم هذا اليوم، وقيل احتمال صيام عيسى ﵇ له على اعتبار أنه مما لم ينسخ من شريعةِ موسى ﵇؛ لأن كثيرًا منها نُسخ بشريعة عيسى كما قال تعالى: ﴿ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم﴾ (٤).
стр. 1187
ولو لم يثبت إلا تعظيمَ موسى ومحمدٍ عليهما الصلاة والسلام، لكفى لتعظيمِ هذا الشهرِ، ويكفي أن يتذكر المسلمون انتصار فئةٍ من المؤمنين واستعلائهم بالإيمان، وهلاكَ الطغاةِ- ورمزُهم فرعون - وهزيمة جندِهم المبطلين.
الوقفة الثانية: ومع تعظيمِ الأنبياء لعاشوراء من شهرِ الله المحرم، فقد كان الجاهليون يُعظمون هذا اليومَ أيضًا، جاء في صحيح البخاري من حديث عائشة رضي لله عنها قالت: كان يومُ عاشوراء تصومه قريشٌ في الجاهلية وكان رسولُ الله ﷺ يصومه في الجاهلية، فلما قدم المدينةَ صامه وأمر بصيامه، فلما فُرض رمضانُ ترك يوم عاشوراء، فمن شاء صامه ومن شاء تركه (١).
فما السرُّ يا تُرى في صوم قريش الوثنية لعاشوراء ولم يكونوا أهل كتاب، وصلتُهم ضعيفةٌ بأهل الكتاب؟
قال القرطبي يرحمه الله: لعل قريشًا كانوا يستندون في صومه إلى شرعِ من مضى كإبراهيم، وصومُ رسول الله ﷺ يحتمل أن يكون بحكم الموافقةِ لهم كما في الحج، أو أذن اللهُ له في صيامه على أنه فعلُ خير .. ويحتمل غيرَ ذلك (٢).
وقال ابنُ حجر: وأما صيامُ قريشٍ لعاشوراء فلعلهم تلقوه من الشرعِ السالف، ولهذا كانوا يعظمون بكسوةِ الكعبةِ فيه وغير ذلك، قال: ثم رأيتُ في المجلس الثالث من مجالس الباغندي الكبير عن عكرمة أنه سُئل عن ذلك فقال: أذنبت قريش ذنبًا في الجاهلية فعظم في صدورهم، فقيل لهم: صوموا عاشوراء، يُكفرْ ذلك- هذا أو معناه- اهـ (٣).
стр. 1188
تُرى يا أخا الإسلام- إذا عظمت اليهودُ، وقريشٌ هذا اليوم، وهم كفرةٌ ووثنيون .. أفلست الأولى بتعظيم هذا اليوم منهم، وأنت المسلمُ تربطك بالمؤمنين الناجين رابطةُ العقيدة والإيمان، وإن حجزت فواصلُ الزمان والمكان؟ فأمتكم أمةٌ واحدةٌ بنصِّ القرآنِ.
الوقفة الثالثة: ومن شكرِ اللهِ وتعظيمِ هذا الشهرِ صيامُه، أو صيامُ عاشوراء منه.
فقد أخرج الإمام مسلمٌ في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسولَ الله ﷺ قال: ((أفضلُ الصيام بعد شهرِ رمضان شهرُ اللهِ المحرم، وأفضل الصلاة بعد المكتوبةِ صلاة الليل)) (١).
فإن قيل: فما الجمعُ بين ما ورد في فضل صيامِ شهرِ الله المحرم، وما ورد في فضل صيام شعبان، وإكثاره ﷺ من الصوم فيه، حيث ورد في صحيح البخاري عن عائشة ﵂ قالت: وما رأيتهُ ﷺ أكثرَ صيامًا منه في شعبان، وفي رواية أخرى له: ((وكان يصوم شعبان كلَّه)) (٢).
فقد أجاب على ذلك النوويُّ بقوله: يحتمل أن يكون ما علم بفضل صومِ محرم إلا في آخرِ عمره فلم يتمكن من كثرة الصومِ في المحرم، أو أنه اتفق له فيه من الأعذار بالسفر والمرض مثلًا ما منعه من كثرةِ الصومِ في محرم (٣).
وبكل حالٍ فإن شقَّ عليك كثرةُ الصوم في شهرِ الله المحرم فحنانيك أن تُغلب على صيامِ عاشوراء منه، فقد ورد في فضله ((وصيام عاشوراء أحتسب على الله أن
стр. 1189
يكفر السنة التي قبله)) كذا قال المصطفى ﷺ (١).
وفي لفظ: (( .. وصوم عاشوراء يكفر سنةً ماضية)) (٢).
ومن السُّنة صيامُ التاسع مع العاشر مخالفةً لليهود، كما في صحيح مسلم قوله ﷺ : ((لئن عشتُ إلى قابل لأصومن التاسع)).
وكمالُ ذلك أن تصوم التاسع والعاشر والحادي عشر، فقد ذكر العلماءُ ثلاث مراتبَ لصيام عاشوراء:
أدناه أن يُصام وحده، وفوقه أن يُصامَ التاسعُ معه، وفوقه أن يصام التاسعُ والحادي عشر (٣).
ولا يفوتنك حال الصيام استشعارُ فضلِ الصيامِ عمومًا، وتكفيرُ يوم عاشوراء لسنة ماضية خصوصًا، كما لا يفوتنك حالَ الصيامِ أن تتذكر عظمةَ هذا اليوم وما حصل فيه نصر للإسلام وعِزةٍ للمؤمنين في الماضي، واسأل ربَّك وأنت صائمٌ أن ينصر الإسلام ويعز المسلمين في الحاضر.
الوقفةُ الرابعة: وهي فائدةٌ جليلةٌ حريةٌ بالوقفةِ والتأمل فهي وإن كانت بمناسبة الصيام فهي صالحةٌ للعبادات بشكل عام.
وهي: التوفيقُ بين التأسي بالرسولِ ﷺ في فضائل الأعمال وبين المداومة على الطاعة وإن قَلَّتْ، فقد ورد على إثر قول عائشةَ ﵂ (وكان يصوم شعبان كلَّه) قولُها (وكان ﷺ يقول: خذوا من العمل ما تُطيقون، فإن اللهَ لا يَملُّ حتى تملوا، وأحبُّ
стр. 1190
الصلاة إلى النبيِّ ﷺ ما دُووم عليه وإن قلت، وكان إذا صلى صلاةً داوم عليها) هكذا جاءت هذه التوجيهاتُ كلُّها في حديث واحد كما في صحيح البخاري (١).
حتى قال ابنُ حجر ﵀: ومناسبةُ ذلك للحديث الإشارةُ إلى أن صيامَه ﷺ لا ينبغي أن يتأسى به فيه إلا من أطاق ما كان يطيق، وأن من أجهد نفسه في شيء من العبادة خُشي عليه أن يملَّ فيُفضي إلى تركه، والمداومةُ على العبادة وإن قلت أولى من جهد النفس في كثرتها إذا انقطعت، فالقليلُ الدائم أفضلُ من الكثير المنقطع غالبًا (٢).
стр. 1191
الخطبة الثانية
الحمد لله ناصرِ دينهِ، ومعلي كلمته، ومعزِّ أوليائه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، حكم بنصرةِ رسلهِ والمؤمنين لا معقب لحكمه. ولكن نَصره مستلزمٌ لنصرة دينه والإيمان به ﴿إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم﴾ (١)، ﴿وكان حقا علينا نصر المؤمنين﴾ (٢).
وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله ابتلاه ربُّه وأصحابَه، ثم أنزل عليهم النصر حين اكتملت أسبابُه، ومكن لهم في الأرض بعد أن صدقوا وصبروا في جهاده، ولو شاء ربُّك لنصرهم ومكنهم من قبل، ولكن سنةَ الله ماضيةٌ في الأولين والآخرين.
﴿أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون* ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين﴾ (٣).
اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين.
عبداَ الله .. لا ينفك شهرُ اللهِ المحرم، وعاشوراء على الأخص، عن قصةِ موسى ﵇ وليس في القرآن أعظمُ وأطولُ منها- وليس في أنبياءِ بني إسرائيل أعظمُ من موسى ولا أكثرُ أتباعً منه، وله من القوة العظيمة في إقامةِ دين الله والدعوة إليه، والغيرةِ العظيمة ما ليس لغيره، وزمانُه الذي عاش فيه من أشدِّ الأزمان، وفرعونُ المعاصرُ من أشدِّ الطغاة.
وهنا لابد من وقفة عند بعضِ الفوائد المستنبطةِ نصًّا، أو ظاهرًا، أو تعميمًا، أو
стр. 1192
تعليلًا، من قصة موسى ﵊.
وهذه هي الوقفة الخامسة: فقد استخرج الشيخُ السعديُّ يرحمه الله في كتابه (تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن) (وهو خلاصةُ تفسيره المشهور) ما يقرب من أربعين فائدة، أسوق لكم شيئًا منها، قال الشيخ السعديُّ يرحمه الله:
ومن هذه الفوائد: أن آياتِ اللهِ وعبرَه في الأمم السابقة، إنما يستفيد منها ويستنير بها المؤمنون، واللهُ يسوق القَصصَ لأجلهم كما قال تعالى في هذه القصة: ﴿نتلوا عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون﴾ (١).
- ومنها أن الأمة المستضعفة لو بلغت في الضعف ما بلغت لا ينبغي أن يستولي عليها الكسلُ عن السعيِّ في حقوقها، ولا اليأس من الارتقاءِ على أعلى الأمور، خصوصًا إذا كانوا مظلومين كما استنقذ اللهُ بني إسرائيل على ضعفها واستعبادها لفرعون وملئه فيهم، ومكنهم في الأرض وملكهم بلادَهم.
- ومنها أن الأمةَ مادامت ذليلةً مقهورةً لا تُطالب بحقها، لا يقوم لها أمرُ دينها، كما لا يقوم لها أمرُ دنياها.
- ومنها أن قتلَ الكافرِ الذي له عهدٌ بعقدٍ أو عرفٍ لا يجوز، فإن موسى ندم على قتله القبطي واستغفر اللهَ منه وتاب إليه.
- ومنها أن العبدَ وإن عرف أن القضاءَ والقدرَ حقٌ، وأن قدر اللهِ نافذٌ لابد منه، فإنه لا يهملُ فعلَ الأسبابِ التي تقع فإن الأسباب والسعي فيها من قدر الله، فإذن الله قد وعد أم موسى أن يرده عليها، ومع ذلك لما التقطه آلُ فرعونَ سعت
стр. 1193
بالأسباب، وأرسلت أختَه لتقصَ، وتعملَ لأسباب المناسبةَ كتلك الحال.
- ومنها جوازُ خروج المرأةِ في حوائجها وتكليمها للرجل إذا انتفى المحذورُ، كما صنعت أختُ موسى، وابنتا صاحب مدين.
- ومنها أن إخبارَ الغير بما قيل فيه وعنه على وجه التحذيرِ له من شرٍّ يقَعُ به لا يكونُ نميمةً، بل قد يكون واجبًا، كما ساق اللهُ خبرَ ذلك الرجلِ الذي جاء من أقصى المدينةِ يسعى محذرًا لموسى على وجه الثناء عليه.
- ومنها أن اللهَ كما يُحبُّ من الداعي أن يتوسل إليه بأسمائه وصفاته ونعمه العامةِ والخاصةِ، فإنه يُحبُّ منه أن يتوسلَ إليه بضعفه وعجزه وفقرِه وعدمِ قدرته على تحصيل مصالحِه ودفع الأضرارِ عن نفسه، كما قال موسى- ﵇: ﴿رب إني لما أنزلت إلى من خير فقير﴾ (١).
- ومنها أن من أعظم العقوبات على العبدِ أن يكون إمامًا في الشرِّ، وداعيًا إليه، كما أن من أعظم نعم الله على العبد أن يجعله إمامًا في الخير هاديًا مهديًّا، قال تعالى في فرعون وملئه: ﴿وجعلناهم أئمة يدعون على النار﴾ (٢) وقال عن بني إسرائيل: ﴿وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا﴾ (٣).
- ومنها أن قوله جلَّ ذكرهُ ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ أي أن الذكر العبد لربِّه هو الذي خلق له العبدُ، وبه صلاحه وفلاحه، وأن المقصود من إقامة الصلاة إقامة هذا المقصود الأعظم، ولولا الصلاةُ التي تتكرر على المؤمنين في اليوم والليلة لتذكرهم بالله ويتعاهدون فيها قراءة القرآن، والثناءَ على الله ودعاءَه والخضوع له
стр. 1194
الذي هو روحُ الذِّكر، لولا هذه النعمة لكانوا من الغافلين.
- ومنها أن قوله تعالى: ﴿وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى﴾ استوعب اللهُ بها الأسباب التي تدرك بها مغفرة الله: وهي التوبةُ، والإيمانُ، والعمل الصالح والاستمرارُ على الإيمان والهداية والازديادُ منها.
على غير ذلك من فوائد ذكرها الشيخ في كتابه الآنف ص ١٣٠ - ١٣٦.
وبعدُ إخوة الإيمان، فشهرُ الله المحرم، وعاشوراء مناسبةُ للذكر والشكرِ، وسببٌ من أسباب التأمل في قصص القرآنِ، وزيادة الإيمان وأنى هذا من ممارساتٍ خاطئةٍ تُلطم بها الخدود، وتُخَدش بها الوجوه ويُجتمع فيها للبكاء والعويل، وربما سالت منها الدماء، واختلط فيها الرجالُ بالنساء، وظهر فيها المنكر، وكل ذلك ما أنزل اللهُ به من سلطان، بل هو من تلاعب الشيطان، وهل يُعقل إقامةُ ذكريات للموتى على حساب تعاسةِ وإلحاق الضرر بالأحياء. اللهم اهد ضالنا، وثبت هداتنا.
стр. 1195
ذكرى العيد (١)
الحمد لله الذي هدانا للإسلام وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، والحمد لله الذي أعان على الصيام والقيام، لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، اللهم وكما هديت فثبت على الحق، وكما يسرت لطاعة فتقبلها يا ذا الجلال والإكرام.
وأشهد أن لا إله إلا الله بنعمته تتم الصالحات وبيده أمرُ الكائنات، ﴿وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين﴾ (٢).
وأشهد أن محمدًا عبدهُ ورسولهُ أفضلُ من صلى وصام وقام للهِ بأمره وكان عبدًا شكورًا، اللهم صلِّ وسلم عليه، وعلى سائر أنبياءِ اللهِ ورسله، وارض اللهم عن أصحابهِ الأخيار، والتابعين ومن تبعهم بإحسان. اتقوا اللهَ معاشرَ المسلمين، ولباسُ التقوى خير، ومن يتق الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب.
﴿يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم﴾ (٣).
الله أكبر، اللهُ أكبر، اللهُ أكبر، ولله الحمد، الله أكبر كبيرًا والحمُد لله كثيرًا وسبحان الله بكرةً وأصيلًا.
اللهُ أكبر عدد ما ذكره أبيضُ وأسودُ وأسمرُ، وأكرمُ الخلق على الله أتقاهم،