← Джавами‘

Джавами‘ · id 20948

شعاع من المحراب

سليمان بن حمد العودة

Полный текст (3 545 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

الخطبة الثانية الحمد لله ناصرِ دينهِ، ومعلي كلمته، ومعزِّ أوليائه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، حكم بنصرةِ رسلهِ والمؤمنين لا معقب لحكمه. ولكن نَصره مستلزمٌ لنصرة دينه والإيمان به ﴿إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم﴾ (١)، ﴿وكان حقا علينا نصر المؤمنين﴾ (٢). وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله ابتلاه ربُّه وأصحابَه، ثم أنزل عليهم النصر حين اكتملت أسبابُه، ومكن لهم في الأرض بعد أن صدقوا وصبروا في جهاده، ولو شاء ربُّك لنصرهم ومكنهم من قبل، ولكن سنةَ الله ماضيةٌ في الأولين والآخرين. ﴿أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون* ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين﴾ (٣). اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. عبداَ الله .. لا ينفك شهرُ اللهِ المحرم، وعاشوراء على الأخص، عن قصةِ موسى ﵇ وليس في القرآن أعظمُ وأطولُ منها- وليس في أنبياءِ بني إسرائيل أعظمُ من موسى ولا أكثرُ أتباعً منه، وله من القوة العظيمة في إقامةِ دين الله والدعوة إليه، والغيرةِ العظيمة ما ليس لغيره، وزمانُه الذي عاش فيه من أشدِّ الأزمان، وفرعونُ المعاصرُ من أشدِّ الطغاة. وهنا لابد من وقفة عند بعضِ الفوائد المستنبطةِ نصًّا، أو ظاهرًا، أو تعميمًا، أو

стр. 1192

تعليلًا، من قصة موسى ﵊. وهذه هي الوقفة الخامسة: فقد استخرج الشيخُ السعديُّ يرحمه الله في كتابه (تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن) (وهو خلاصةُ تفسيره المشهور) ما يقرب من أربعين فائدة، أسوق لكم شيئًا منها، قال الشيخ السعديُّ يرحمه الله: ومن هذه الفوائد: أن آياتِ اللهِ وعبرَه في الأمم السابقة، إنما يستفيد منها ويستنير بها المؤمنون، واللهُ يسوق القَصصَ لأجلهم كما قال تعالى في هذه القصة: ﴿نتلوا عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون﴾ (١). - ومنها أن الأمة المستضعفة لو بلغت في الضعف ما بلغت لا ينبغي أن يستولي عليها الكسلُ عن السعيِّ في حقوقها، ولا اليأس من الارتقاءِ على أعلى الأمور، خصوصًا إذا كانوا مظلومين كما استنقذ اللهُ بني إسرائيل على ضعفها واستعبادها لفرعون وملئه فيهم، ومكنهم في الأرض وملكهم بلادَهم. - ومنها أن الأمةَ مادامت ذليلةً مقهورةً لا تُطالب بحقها، لا يقوم لها أمرُ دينها، كما لا يقوم لها أمرُ دنياها. - ومنها أن قتلَ الكافرِ الذي له عهدٌ بعقدٍ أو عرفٍ لا يجوز، فإن موسى ندم على قتله القبطي واستغفر اللهَ منه وتاب إليه. - ومنها أن العبدَ وإن عرف أن القضاءَ والقدرَ حقٌ، وأن قدر اللهِ نافذٌ لابد منه، فإنه لا يهملُ فعلَ الأسبابِ التي تقع فإن الأسباب والسعي فيها من قدر الله، فإذن الله قد وعد أم موسى أن يرده عليها، ومع ذلك لما التقطه آلُ فرعونَ سعت

стр. 1193

بالأسباب، وأرسلت أختَه لتقصَ، وتعملَ لأسباب المناسبةَ كتلك الحال. - ومنها جوازُ خروج المرأةِ في حوائجها وتكليمها للرجل إذا انتفى المحذورُ، كما صنعت أختُ موسى، وابنتا صاحب مدين. - ومنها أن إخبارَ الغير بما قيل فيه وعنه على وجه التحذيرِ له من شرٍّ يقَعُ به لا يكونُ نميمةً، بل قد يكون واجبًا، كما ساق اللهُ خبرَ ذلك الرجلِ الذي جاء من أقصى المدينةِ يسعى محذرًا لموسى على وجه الثناء عليه. - ومنها أن اللهَ كما يُحبُّ من الداعي أن يتوسل إليه بأسمائه وصفاته ونعمه العامةِ والخاصةِ، فإنه يُحبُّ منه أن يتوسلَ إليه بضعفه وعجزه وفقرِه وعدمِ قدرته على تحصيل مصالحِه ودفع الأضرارِ عن نفسه، كما قال موسى- ﵇: ﴿رب إني لما أنزلت إلى من خير فقير﴾ (١). - ومنها أن من أعظم العقوبات على العبدِ أن يكون إمامًا في الشرِّ، وداعيًا إليه، كما أن من أعظم نعم الله على العبد أن يجعله إمامًا في الخير هاديًا مهديًّا، قال تعالى في فرعون وملئه: ﴿وجعلناهم أئمة يدعون على النار﴾ (٢) وقال عن بني إسرائيل: ﴿وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا﴾ (٣). - ومنها أن قوله جلَّ ذكرهُ ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ أي أن الذكر العبد لربِّه هو الذي خلق له العبدُ، وبه صلاحه وفلاحه، وأن المقصود من إقامة الصلاة إقامة هذا المقصود الأعظم، ولولا الصلاةُ التي تتكرر على المؤمنين في اليوم والليلة لتذكرهم بالله ويتعاهدون فيها قراءة القرآن، والثناءَ على الله ودعاءَه والخضوع له

стр. 1194

الذي هو روحُ الذِّكر، لولا هذه النعمة لكانوا من الغافلين. - ومنها أن قوله تعالى: ﴿وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى﴾ استوعب اللهُ بها الأسباب التي تدرك بها مغفرة الله: وهي التوبةُ، والإيمانُ، والعمل الصالح والاستمرارُ على الإيمان والهداية والازديادُ منها. على غير ذلك من فوائد ذكرها الشيخ في كتابه الآنف ص ١٣٠ - ١٣٦. وبعدُ إخوة الإيمان، فشهرُ الله المحرم، وعاشوراء مناسبةُ للذكر والشكرِ، وسببٌ من أسباب التأمل في قصص القرآنِ، وزيادة الإيمان وأنى هذا من ممارساتٍ خاطئةٍ تُلطم بها الخدود، وتُخَدش بها الوجوه ويُجتمع فيها للبكاء والعويل، وربما سالت منها الدماء، واختلط فيها الرجالُ بالنساء، وظهر فيها المنكر، وكل ذلك ما أنزل اللهُ به من سلطان، بل هو من تلاعب الشيطان، وهل يُعقل إقامةُ ذكريات للموتى على حساب تعاسةِ وإلحاق الضرر بالأحياء. اللهم اهد ضالنا، وثبت هداتنا.

стр. 1195

ذكرى العيد (١) الحمد لله الذي هدانا للإسلام وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، والحمد لله الذي أعان على الصيام والقيام، لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، اللهم وكما هديت فثبت على الحق، وكما يسرت لطاعة فتقبلها يا ذا الجلال والإكرام. وأشهد أن لا إله إلا الله بنعمته تتم الصالحات وبيده أمرُ الكائنات، ﴿وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين﴾ (٢). وأشهد أن محمدًا عبدهُ ورسولهُ أفضلُ من صلى وصام وقام للهِ بأمره وكان عبدًا شكورًا، اللهم صلِّ وسلم عليه، وعلى سائر أنبياءِ اللهِ ورسله، وارض اللهم عن أصحابهِ الأخيار، والتابعين ومن تبعهم بإحسان. اتقوا اللهَ معاشرَ المسلمين، ولباسُ التقوى خير، ومن يتق الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب. ﴿يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم﴾ (٣). الله أكبر، اللهُ أكبر، اللهُ أكبر، ولله الحمد، الله أكبر كبيرًا والحمُد لله كثيرًا وسبحان الله بكرةً وأصيلًا. اللهُ أكبر عدد ما ذكره أبيضُ وأسودُ وأسمرُ، وأكرمُ الخلق على الله أتقاهم،

стр. 1196

واللهُ أكبر عدد ما لاحت بوارقُ النصرِ، ورفرفت رايةُ التوحيد في الجبال والوهاد وفي كل سهلٍ أو وعر، الله أكبر عدد ما هلل مُهَللٌ وكبر مكبرٌ. الله أكبر كلما صام صائمٌ وافطر، وكلما تلا قارئُ كتابَ ربه وتدبر، وطاف طائفٌ بالبيت العتيق فذكر الله وكبر. اللهُ أكبر كلما استغفره المستغفرون في ساعةٍ من ليل أو نهار أو حين السحر، وكلما فاضت عيونُ المحبين واكتحلتَ بالبكاء مُقلُ الخاشعين. عبادَ الله يومُكم هذا يومٌ عظيمٌ من أيام الله يومُ عيدٍ وفرحة، ويومُ غبطةٍ في الدين والطاعة، يفرح المؤمنون به لأن الله تعالى وفقهم لإكمال العدة وأعانهم فيه على الطاعة، وهم ينتظرون من الكريم المثوبة والجائزة، ويستغفرون الله عن الخطأ والزلة، وليس الفرحُ بسبب إنهاءِ الصيام الذي يعده ضعفاءُ النفوس عبئًا ثقيلًا عليهم. العيدُ في الإسلام مظهرٌ من مظاهر القوةِ والمحبة والإخاء، وهو مُذكرٌ بيوم البعث والجزاء .. ولذا فليس العيدُ من لبس الجديد أو تفاخر بالعدد والعديد، ولكن العيدَ الحقَّ لمن خاف يومَ الوعيد، واتقى ذا العرش المجيد. فالوعدُ حقٌّ، والموقف رهيب، والعذابُ شديد، والقرآنُ مذكر للغافلين ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم * يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد﴾ (١). وفي البعثِ بعد الموت نشر صحائفٍ ... وميزانُ قسطٍ طائشٌ أو مُثَقَّلُ ونشرٌ يشيب الطفلُ من عُظمِ هولهِ ... ومنه الجبالُ الراسيات تزلزلُ

стр. 1197

ونارٌ تلظى في لظاها سلاسلٌ ... يُغلّ بها الفجارُ ثم يُسلسلُ عليها صراطٌ مدحضٌ ومزلةٌ ... عليه البرايا في القيامة تُحملُ وفيه كلاليبٌ تَعلَّقُ بالورى ... فهذا نجا منها وهذا مخردلُ فلا مجرمٌ يفديه ما يفتدي به ... وإن يعتذرْ يومًا فلا عُذر يقبلُ (١). أيها المسلمون! قوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكةٌ غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وذلك بالحمل على طاعةِ الله، والجدية في السيرِ إلى الله، والتذكيرِ بمقام العرض على الله. عن عدي بنِ حاتم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما منكم من أحدٍ إلا سيكلمه ربُّه ليس بينه وبينه تُرجمان، ينظرُ أيمنَ فلا يرى إلا ما قدَّ من عمله، وينظرُ أشأمَ منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظرُ بين يديه فلا يرى إلا النارَ تلقاءَ وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة)) (٢). وإياكم- عباد الله- والغفلة عما خُلقتم له، ففي الغفلة العطب، واجعلوا من فرحةِ الدنيا سبيلًا للفرحة العظمى في جناتٍ ونهرٍ في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر. ولا تستوحشوا من ذكرِ هادمِ اللذات، فوصيةُ نبيكم ﷺ : ((أكثروا ذكرَ هادم اللذات)). قال القرطبي ﵀: قال الدقّاقُ: من أكثرَ من ذكر الموت أكرم بثلاثة: تعجيلُ التوبةِ، وقناعةُ القلبِ، ونشاطُ العبادة. ومن نسي الموت عوجل بثلاثة: تسويفُ التوبةِ، وتركُ الرضا بالكفاف، والتكاسلُ في العبادة.

стр. 1198

عباد الله! لا يعني ذكرُ الموت أن تتحولَ الحياةُ إلى أحزانٍ ولا إلى ظلمات مهلكة، وانطوائية مؤذية. لكن الموازنة بين نصيب الدنيا والآخرة، والمراقبةُ الدائمةُ والتحوُّطُ في المطعم والمشربِ والمنكح والملبس، والنطقِ والصمت اللهُ أكبر، الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد. أمةَ الإسلام! يومُ العيد يومُ أُنس وصلةٍ لما أمر اللهُ به أن يوصل، ويوم مواساةٍ لمن به حاجة، يُمسح رأسُ اليتيم، ويُتصدق على الفقراء والمساكين، ويُدعى فيه للمرضى، ويُترحم على الموتى، ويُدعى بفكاكِ الأسرى ورفع الضرِّ عن المتضررين من المسلمين. هو يومٌ تبرز فيه أخلاقُ الأمةِ المسلمة على سجيتها، وتبرز فيه العواطفُ والميول والعوائدُ على حقيقتها تمتد مشاعرُ الإخاءِ إلى أبعد مدى، ويبدو المجتمعُ في العيد متماسكًا متعاونًا متراحمًا، تخفق فيه القلوبُ بالحبِّ والودِّ والبرِّ والصفاء. أمةَ القرآن، مع أفراحِنا وأشواقنا .. فلا ينبغي أن تنسينا فرحةُ العيد مآسينا، وأحوالَ أمتِنا، فالقدسُ أسير، والمسلمون أشلاء ممزقة هنا وهناك. ويومُ العيد مناسبةٌ كبرى للمسلمين للمراجعةِ، وطرح الأسئلةِ المهمة، فإلى أين تسيرُ مناهجُ الإعلام والتعليم، وما هي الأسسُ التي يُبنى عليها الحكمُ والاقتصاد في بلاد المسلمين؟ ما وضعُ المرأةِ في مجتمعات المسلمين، وإلى أين تسيرُ قضيتها؟ كيف تستثمر طاقات الشباب؟ وما مقدارُ مكاسبُ الأمةِ ومغانمها وما حجمُ مآسيها ومغارمها؟ إن ما يعيبُ الأمةَ، جهلَ أبنائها، وغفلة علمائها، وتسلطَ قادتها، ويُضعفُ

стр. 1199

قدرتها ويُفرِّق كلمتَها شيوعُ النفاق بين مثقفيها، ووجودُ الخلافِ النكد بين أبنائها وبروزُ العلمنةِ في أي منحى من مناحي حياتها، وقيادةُ العلمانيين لركبها .. ؟ ! إخوة الإسلام لن يفلحَ المسلمون في ذواتِ أنفسهم أو صراعهم مع الأمم الأخرى إذا نُحِّي شرعُ الله وساد تطبيقُ القوانينِ الوضعية فيما أنزل اللهُ حكمه من السماء وجاءت به شرائعُ الأنبياء ﵈ ولن تُفلح الأمةُ ونخبةٌ من أبنائها يرون الدين مظهرًا من مظاهر التخلفِ والرجعية، لا فرق في ذلك بين من يُعلنه، ومن يُسره لكنه يتمثله واقعًا عمليًّا. ولن تسود الأمةُ وفيها من يرون تقليدَ المرأةِ المسلمة للمرأةِ الكافرة أنسب الطرق لحريتها وكرامتها، والحشمة والعفاف والحياءَ تقاليدَ بالية؟ ! ولن ترشدَ أمةٌ أضاعت طاقة شبابها في اللهو واللعب الفارغ، وأنَّى للأمة المسلمة أن تُفلح إذا كان قادتها من يلزمون أنفسهم وشعوبهم دخول جحر الضبّ الخرب تقليدًا ومجاراةً للأمم الكافرةِ الأخرى. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم بالبينات والله لا يهدي القوم الظالمين﴾ (١).

стр. 1200

الخبطة الثانية: الله أكبر، الله أكبر .. الله أكبرُ كبيرًا والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا، وأشهد أن لا إله إلا اله إعظامًا وتجليلًا، وأشهد أن محمدً عبده ورسوله. اللهم لك الحمد ربنّا، أطعمتنا من جوع، وأمنتنا من خوف، أتممت علينا شهرَ الصيام، وشرعت لن عيدين في الإسلام، .. والخسارةُ لمن حاد عن الدين أو ابتدع مَا لم يأذن به الله. أيها المسلمون! اشكروا الله على ما أسبغ عليكم من نعم يزدكم، واذكروه في الملأ يذكركم .. وحافظوا على رصيد الخير الذي جمعتموه في شهر رمضان، واعملوا أن عملَ الصالحات ليس لها حدٌّ دون الموت. قال الحسنُ البصريُّ يرحمه الله: إن اللهَ لم يجعلْ لعملِ المؤمنِ أجلًا دون الموت، ثم قرأ ﴿واعبد ربك حتى يأتيك اليقين﴾ (١). ألا ما أجمل الطاعةَ تعقبها الطاعات والحسنةَ تعقبها الحسنات، وَأكرم بأعمال البرِّ في ترادف الحلقات وفي يوم المعادِ يغتبط العاملون للصالحات، وصدق الله ﴿والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا﴾ (٢). ومع اتباع السيئة الحسنة تمحها، لازموا الاستغفارَ فهم مُذيبٌ للخطايا كما يذوب الجليدُ على الصفا، وأحدثوا لله توبةً كلما حدثت منكم معصية، وإياكم أن تقنطوا من رحمة الله، فالله يغفر الذنوب جميعًا، وراغموا الشيطان في معترك الحياة، واستعيذوا بالله من همزات الشياطين وحضورهم، وتجملوا بالأخلاق

стр. 1201

الفاضلة فبها يبلغ المسلمُ درجة الصائم القائم، وإنما كانت بعثة محمد ﷺ لإتمامِ مكارم الأخلاق! مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر تتحقق لكم الخيريةُ والفلاحُ، وادعوا الله على بصيرة فلا أحسن قولًا ممن دعا إلى الله وعمل صالحًا، وقال إنني من المسلمين، تحققوا من طيب مطعمكم، واستعملوا جوارحكم في مرضاة الله، وارعوا الأمانة في أهليكم وأولادكم. أختاه في الإسلام هناك من يكيد لك كيدًا، ويريد بك شرًّا، فاحذري مروجي البضاعةِ المزجاة، وإن تظاهروا بزي الناصحين. إياكن أن تخضعن بالقولِ فيطمعَ الذي في قلبه مرض، وقلن قولًا معروفًا، وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى، وأقمن الصلاة وآتين الزكاة، وأطعن الله ورسوله، أدنين الجلباب، واغضضن البصر، واحفظن الفروج، ولا تبدين ما يخفى من زينة، ولا تستثمرن طاقاتكن في غير ما أحل الله لكنَّ. فذلك هديُ السماء، وأدبُ اللهِ للنساء. معاشر الشباب احفظوا أوقاتكم، واستثمروا طاقاتكم فيما ينفعكم ويعود بالخير على أمتكم، فالفراغ يعقبه الانشغال، والقوة ستتحول يومًا إلى ضعف، ومن فرّط في حالِ القدرةِ والقوة ندم حين الضعفِ والشيخوخة. معاشر الأخوة المقيمين، صلوا أرحامكم وإن نأت الديارُ بكم فالرسالةُ اللطيفة والمكالمةُ الحانية تطيب في كل وقت. ولها وقعُها في المناسبات والأعياد المشروعة واستأنسوا بذكر الله وطاعتهِ على آلام الغربة (١)، واحفظوا الله في

стр. 1202

أنفسِكم يحفظكم في أهليكم، ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرًا. الله أكبر .. الله أكبر .. الله أكبر ولله الحمد. اللهم إنا نسألك بأنا نشهد أنك أنت اللهُ لا إله إلا أنت الأحدُ الصمدُ الذي لم يلد ولم يولد ولم يكون له كفوًا أحد أن تجبر كسرنا، وتقبلَ صيامنا وقيامنا، وسائرَ أعمالنا، اللهم اجعلنا من الفائزين، ومن عتقائك من النار، اللهم احفظنا بالإسلام ما أبقيتنا، وحبب إلينا الإيمانَ وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين. لإله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين .. اللهم اغفر ذنوبنا واستر عيوبنا، واختم بالصالحات أعمالنا، وأدم شكرنا وذكرنا، اللهم يا فارج الكربات، ويا مجيب الدعوات أصلح أحوال أمتنا، ورد المسلمين إليك ردًّ جميلًا، اللهم حكِّم فيهم كتابك وأعلي سنةَ نبيك، ومكِّن للصالحين، واقمع أهلَ الزيغ والبدعِ والفساد يا ذا الجلال والإكرام، اللهم أصلح نياتنا وذرياتنا، واغفر اللهم لنا ولوالدينا واشف مرضانا وارحم موتانا، وهب لنا من أزواجنا قرة عين، وعاف مبتلانا، واهدِ ضلالنا، وثبت على الحق هداتنا، اللهم أصلح ووفق حكامنا وأمراءنا ووزراءنا للخير، اللهم ولِّ على المسلمين خيارهم واكفهم شرَّ شرارهم يا رب العالمين .. سبحان ربك ربَّ العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العاملين، وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد.

стр. 1203

المسلمون والإدالة عليهم الخطبة الأولى إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، اللهم صلِّ وسلم عليه، وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارضَ اللهم عن أصحابه أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أيها الناس! أوصي نفسي وإياكم بتقوى الله، ومن يتق الله يجعل له مخرجًا .. ومن يتق الله يكفرْ عنه سيئاته ويعظم له أجرًا. ﴿يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم﴾ (١). عباد الله! كتب اللهُ أن الغلبة والعزةَ والنُصرةَ للمؤمنين، وأن الذلَّ والصغار والمهانةَ للكافرين. تجدون ذلك مبثوثًا في أكثر من آية في كتاب الله العزيز، الذي لا يأتيه الباطلُ من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، ومن ذلك قولُه تعالى: ﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وإن جندنا لهم الغالبون﴾ (٣)،

стр. 1204

وقوله: ﴿والعاقبة للمتقين﴾ (١). ومثل ذلك كثيرٌ في كتاب الله. وبعضُ الناس حين يقرأ هذه الآيات وأمثالها، وينظرُ في واقع المسلمين اليوم وما هم فيه من ذلَّةٍ وضعفٍ وتشرذمٍ وما يتمتع به عدوُّهم من قوةٍ وغلبةٍ وتمكينٍ، يظنُ أن هذه الوعود للمؤمنين في الآخرة دون الدنيا، ويظن كذلك أن النعيم في الدنيا لا يكونُ إلا للكفار والفجار، وأن حظ المؤمنين من ذلك في الدنيا قليلٌ، قد يعتقدُ أن العزة والنصرة في الدنيا تستقر للكفار والمنافقين على المؤمنين (٢). وهذه ظنون كاذبة، وفيها تزكيةٌ للنفوس غيرُ عادلة وغفلةٌ عن شروط النصر والتمكين لهذه الأمة. وأين الذين يفهمون أن هذه الوعود للمؤمنين خاصةٌ بالآخرة دون الدنيا- أين هم من قوله تعالى: ﴿إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد﴾ (٣). فالوعدُ للحاضر والمستقبل- فضلًا عن الماضي- والنصرة في الحياة الدنيا وفي الآخرة ظاهرٌ لا يحتمل التأويل. فكيف يُجمع بين الوعدِ والواقع؟ وهل من تعارض بين واقع الأمة وما وُعدت به؟ وما الحكمُ من رواء الإدالة على أهل الإسلام في فتراتٍ من حياتهم؟ أيها المسلمون! ولا تعارض بين واقع الأمة المسلمة وما وعدت به، فوعدُ الله

стр. 1205

حقٌّ، وسنته ثابتةٌ لا تتغير، فهو حسبُ المؤمنين وكافيهم ﴿يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين﴾ (١). وهو يدافع عن المؤمنين بنص القرآن: ﴿إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور﴾ (٢). ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا﴾ (٣). ولكن السؤال المهم: هل تحقق الشرطُ، وتخلف الوعدُ؟ كلا والعالمون يقولون: إن هذه الآياتِ وهذه الوعود إنما هي لأهلِ الإيمان الكامل، فإذا ضعف الإيمانُ صار لعدوهم عليهم من السبيل بما تركوا من طاعةِ الله. وكفايتهُ لهم إنما هي بحسب اتباعِهم لرسوله ﷺ ، وانقيادهم له، وطاعتهم له، فما نقص من الإيمان عاد بنُقصان ذلك كلِّه، وكذلك المدافعة مشروطةٌ بالإيمان، فإذا ضعف الدفعُ عنه فهو من نقصِ إيمانه. فيا قارئ القرآن! تأمل هذه الضماناتِ لعدم الهوان، أو الدعوةِ للسلم في آيتين من كتاب الله، هما: ولا تهنوا ولاتحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين﴾ (٤). وقوله تعالى: ﴿فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وانتم الأعلون الله معكم ولن يتركم أعمالكم﴾ (٥). فهذا الضمانُ إنما هو بإيمانهم وأعمالهم، التي هي جند من جنود الله يحفظهم بها (٦).

стр. 1206

وفي حالة غيابها أو ضعفها تسوء أحوالُهم ويُسلط عليهم أعداؤهم. إخوةَ الإسلام! من الخطأ ومعوقات النصر أن يحسن العبدُ ظنه بنفسه وبدينه- مع ما هو فيه من مخالفاتٍ وتقصير وضعفٍ وهوى، وحب للدنيا- ثم تراه بعد ذلك يتحسر ويقول: لماذا يُذل المسلمون، ويُديل الله عليهم الكافرين؟ ! ولماذا يتفرق المسلمون، ويجتمعُ عليهم الكفرة والمنافقون؟ ! وفي هذا المقام يقول ابنُ القيم يرحمه الله موضحُا جوانب من تقصير العبدِ في دينه: فإن العبدَ كثيرًا ما يترك واجباتٍ لا يعلمُ بها، ولا بوجوبها فيكون مقصرًا في العلم، وكثيرًا ما يتركها بعد العلمِ بوجوبها، إما كسلًا أو تهاونًا، وإما لنوع تأويلٍ باطلٍ، أو تقليد، أو لظنه أنه مشتغلٌ بما هو أوجب منها، أو لغير ذلك، فواجبات القلوب أشدُّ وجوبًا من واجبات الأبدان وآكدُ منها، وكأنها ليست من واجبات الدين عند كثيرٍ من الناس، بل هي من باب الفضائل والمستحبات .. ثم يضرب ابنُ القيم نموذجًا لهذا التقصير في الواجبات فيقول: ما أكثرَ من يتعبدُ الله يترك ما أوجب عليه، فيتخلى وينقطعُ عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع قدرته عليه، ويزعم أنه متقربٌ إلى الله تعالى بذلك مجتمعٌ على ربه ﵎، تارك ما لا يعنيه، فهذا من أمقتِ الخلقِ إلى الله، وأبغضِهم إليه، ومع ظنه أنه قائم بحقائق الإيمان وشرائع الإسلام وأنه من خواص أوليائه وحزبه (١). عباد الله! إذا كان ما ذكره ابنُ القيم نموذجًا لتقصير الخيرين ومن يزعمون أنهم أولياءُ الله .. فكيف وفي المسلمين من يستسهل تركَ الواجباتِ المهمةِ في الدين .. وفيهم من لا يتورع عن إتيان المحرمات صباحًا ومساءً، وفيهم من لا يهمه شأنُ

стр. 1207

الإسلام، ولا يعنيه أمرُ المسلمين عزوا أم ذلوا مُكِّن لهم في الأرض أم مكن لغيرهم .. ؟ وفيهم وفيهم .. بل وكيف الحال وفي المسلمين من يدل الكفار على العورات .. أو يتولى بفكره وقلمه هدمَ بناءِ الإسلام، أو يشكك في أصوله ومعتقدات أبنائه، ويدعو لتمجيد عقائد الكفار، ويروج لأفكارهم في بلاد المسلمين؟ أيها المؤمنون! كيف يعز المسلمون ويُنصروا على عدوهم والخلافاتُ والبغضاء والشحناء تعلو رايتها بينهم، وكلُّ حزب بما لديهم فرحون، ولربما بلغت شدة الخصومة بينهم حدًّا رأى الخصمُ فيها محاسنَ خصمِه مساوئ وإيجابياته سلبيات، وكأن الشاعر عناهم بقول: نظروا بعين عداوةٍ ولو أنها ... عينُ الرضا لا تستحسنوا ما استقبحوا إنها راياتُ الهوى .. والتعصبِ، والظلم ينصبها الشيطانُ ويُخيَّلُ لصاحبها أنه محقُّ وغيرُه مبطل، وهو المصيبُ وغيرُه مخطئ .. وما ذاك من العدل الذي أُمر به المسلمون: ﴿وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى﴾ (١)، ﴿فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى﴾ (٢). بالعدل قامت السماواتُ والأرض، ولأجله أرسل الرسل وأنزلت الكتب .. ومصيبةٌ أن يتخلى أهلُ العدلِ عن عدلهم أو عن شيء منه .. ويتشبث به ولو بنوع منه أعداؤهم. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب

стр. 1208

والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز﴾ (١).

стр. 1209

الخطبة الثانية الحمد لله ربِّ العالمين يعز من يشاء ويذل من يشاء وهو العزيز الحكيم، وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له مالكُ الملك يؤتيه من يشاء وينزعه عمن يشاء وهو الحكيمُ الخبير. وأشهد أن محمدًا عبدهُ ورسولهُ عاش وأصحابهُ فترة من حياتهم مشردين مطاردين .. ثم مكن الله لهم وأذلَّ عدوَّهم والعاقبة للتقوى. اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر من أرسلهم الله رحمةً للعالمين. إخوةَ الإسلام! في فترات ضعفِ الأمةِ المسلمة حريٌّ بها أن تراجعَ نفسَها وأن تبحث عن أسباب الضعفِ، وتسعى إلى إصلاح الأخطاء .. وعلى كل فردٍ مسلمٍ أن يراجعَ إيمانَه بالله وأنبيائِه وكتبه وحقائقِ اليوم الآخر، وأن يصححوا ما فسد من أخلاقهم أو اعوج من سلوكياتهم. وحريٌّ بالمسلمِ أن يتهم نفسَه بالتقصير في واجبات الله وحقوقه، وألا يزكيها ويغترَّ بالعملِ القليل يؤديه .. وإذا قال قائلنا في هذا الزمان: نحنُ ونحن وفعلنا وفعلنا .. وكأننا بذلك نستكثرُ ما عملنا. فأسلافُنا- الذين هم خيرٌ منا- كانوا مع قوتهم في الحق وجهادهم في سبيل الله، ومجاهدةِ أنفسهم عن مزالق الردى كانوا مع ذلك يتهمون أنفسهم ويشعرون بالتقصير في ذات الله، ويقول قائلهم: نشدتك الله يا حذيفة هل عدني رسول الله ﷺ في المنافقين؟ وإذا قال هذا أحد العشرة المبشرين بالجنة خائفًا وجلًا، فهل يأمنُ أمثالنا؟

стр. 1210

عبادَ الله! وفي فتراتِ ضعفِ الأمةِ المسلمة يتميز الصفُّ المسلمُ، وينكشفُ من اندس بين المسلمين وليس منهم، ومن كان يستطيع الانضمامَ إليهم في فتراتِ قوتهم، ويعجز عن مواصلةِ السير معهم في حال ضعفِهم وغلبة عدوهم عليهم. وقد قصَّ اللهُ علينا في كتابه نبأ طائفةٍ من الناس يتربصون بالمسلمين الدوائر، وهم مع من غلب، فقال تعالى فاضحًا المنافقين: ﴿الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب اقلوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا﴾ (١). وإذا استُثني المنافقون ومن في قلوبهم مرضٌ، فإن مرحلةَ الضعفِ حَرِيَّةٌ بأن تزيدَ في تماسكِ الصفِ المسلمِ، وتأليفِ قلوبهم، وحَرِيَّةٌ بأن تدعوهم إلى الانكسار والتضرع لله في رفع النازلةِ وكشفِ الغمة، لا أن تقسوَ قلوبُهم، أو ما يستمرءوا ما هم فيه من ذلةٍ ومهانة، وهذه الأمةُ كغيرها من الأمم تُمتحن بالسراء والضراء، ويذكرون بمن أخذ من الأممِ ليعتبروا بها، ويقول تعالى لنبيه ﷺ : ﴿ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون* فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون* فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون﴾ (٢). ويذكرنا القرآنُ بقيمةِ التوبة والذكرى في حالِ الفتنِ المتلاحقة يقول تعالى مُنكرًا على فئةٍ من الناس في قلوبهم مرض: ﴿أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة

стр. 1211

أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون﴾ (١). ويُذكرنا بقوم آخرين لا تزيدهم الرحمةُ والنعمةُ إلا طغيانًا وإعراضًا، ولا هم في حال الشدةِ والعذابِ لربهم يستكينون ويتضرعون، ويقول تعالى عن قريش في حال كفرها وعنادها: ﴿ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون* ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون﴾ (٢). عبادَ الله! إذا استوجب على المسلمين مراجعةُ أنفسهم، ومحاسبتُها واتهامُها، واستصلاحُها، والتضرعُ لله، والتوبةُ لله- في كل الأحوال فالحاجة لذلك في حال الشدائدِ والمحن أكبر-، وإذا كانت هذه من دروس المحن وحكمتها، فثمة حِكمٌ في ابتلاء المؤمنين بغلبة عدوِّهم لهم وقهرهم وكسرهم أحيانًا، لا يعلمها على التفصيل إلا الله، ومما ذكره العالمون منها: استخراجُ عبوديَتهم وذلِّهم لله وانكسارهم له وافتقارهم إليه، وسؤاله نصرَهم على أعدائهم، ولو كانوا دائمًا منصورين غالبين لبطروا وأشِروا ولو كانوا دائمًا مقهورين مغلوبين لما قامت للدين قائمة. ومنها أنه تعالى يُحبُّ من عباده تكميل عبوديتهم على السراءِ والضراءِ وفي حال العافية والبلاء، وفي حال إدالتِهم والإدالة عليهم، فتلك المحنُ والبلايا شرطٌ في حصول الكمالِ الإنساني والاستقامةِ المطلوبة منه، ووجودُ الملزومِ بدون لازمه ممتنع. ومنها أن امتحانَهم بإدالة عدوهم يُمحصهم ويُخلصهم ويهذبهم كما قال تعالى فيما حصل للمسلمين يوم أحد: ﴿إن يمسسك قرح فقد مس القوم قرح مثله

стр. 1212

وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين* وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين* أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين﴾ (١). عبادَ الله! ألا إن الصبرَ مفتاحُ الفرج، والثباتُ على الحق يعقبه الظفر .. واستمرارُ المجاهدةِ، وحملُ دين الله، وتبليغه لا يبوء صاحبُها بالخسارة، فإما أن ينصره الله في الدنيا وإما أن يُوفي أجره يومَ القدوم على الله. احرصوا على تغيير ما بأنفسكم يُغَيِّر اللهُ أحوالكم، فاللهُ لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. وثقوا أن النصرَ قرينُ الإيمان، وشرطٌ للمؤمنين ﴿وكان حقًا علينا نصر المؤمنين﴾. وبغير هدى الله واتباع رسوله ﷺ سيظل المسلمون يتنقلون في البيداء المهلكة حتى يقيض الله لدينه ناصرًا. اللهم انصر دينك.

стр. 1213

من معاني الإسراء والمعراج (١) الخطبة الأولى إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله .. اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارضَ اللهم على الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون﴾ (٢). ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منها رجالًا كثيرًا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبًا﴾ (٣). أيها المسلمون! ما اشتد كربٌ إلا وجاء الفرج بعده من الله (٤)، وفي سيرة المصطفى ﷺ دروسٌ معلّمة للأمة، ففي حدود السنةِ العاشرة للبعثة بلغ الكربُ والهمُّ بالرسول ﷺ مبلغَه.

стр. 1214

فمكةُ تضيق بدعوته، وقريش تتابعه حتى تخرجَه من أرضه وأهلهِ وعشيرته، وأهل الطائفِ يغرون به السفهاءَ، ويستهزئ به الكبراءُ، تُدمى عقباه الشريفتان ويزيدُ من إيلامهِ أن الناسَ يرفضون هديَ السماء، فيخرجُ النبيُّ ﷺ مهمومًا على وجهه ولم يستفق إلا بقرن الثعالب وما عساه أن يَجدَ بمكة بعد أن تُوفيت زوجه أمُّ المؤمنين خديجةُ ﵂ نعم الصاحبُ والمؤنس وزيرة الصدق في الإسلام يسكن إليها عند الشدائدُ كما توفي عمُّه أبو طالب الذي سخره اللهُ لحمايته رغم كفره وبقائه حتى الممات على دين قومِه، ولا غرو أن يهتم الرسولُ ﷺ ويحزن لموتِ هذين الركنين .. ولا غرابةَ أن تشتدَ قريشٌ في أذاها بعد انفراده عنهما .. ولكن المحن النازلةَ على الحبيب المصطفى ﷺ لا تَدلُّ بحالٍ عن تخلي الله عنه- وهل يتَخَلى اللهُ عن أوليائِه وقت الشدائد-؟ وإنما هي السنةُ الربانيةُ تمضي على الأنبياء ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين .. تبدأ المحنُ ثم تشتد ويعلمُ الله الصادقين من الكاذبين، ثم تكون العاقبةُ للمتقينَ. عبادَ الله! والمتأمل في أحداث السيرةِ النبوية يرى كيف يكون الفرجُ بعد الشدة، وكيف يكون النصرُ بعد الصبر، وفي حادثةِ الإسراء والمعراج وقفاتٌ تستحق التأملَ والاعتبار .. وما أعظمَ السيرةَ حين تُرى بهذا المنظار أجل إن حادثة الإسراء والمعراج وقعت لتؤكد أن المستقبل لهذا الدينِ المطاردِ في السهولِ والوهاد، وأن الإمامةَ العظمى-وعلى سائر الأنبياء- لمحمد ﷺ ، وإن بلغ به الأذى والسخريةُ كلَّ مبلغ. لقد أبانت حادثةُ الإسراءِ والمعراج أن الأرضَ إذا ضاقت في وقتٍ فإن السماءَ

стр. 1215

تفتح أبوابَها لتستقبله، ولئن أذاه بعض أهلِ الأرضِ في وقتٍ فإن أهل السماء يقفون له مستقبيلن ومرحبين (١). أيها المسلمون! لقد كانت حادثةُ الإسراءِ والمعراجِ حدثًا عجيبًا في هذا الكون، مجّد اللهُ به نفسَه، وعظّمَ شأنَه، لقدرته على ما يقدر عليه أحدٌ سواه، فقال جلَّ من قائل عليمًا: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله﴾ (٢). وكانت الحادثةُ تكريمًا وإيناسًا وتسريةً للنبي ﷺ إذ أسري بجسده وروحه في ليلةٍ واحدةٍ من مكة بأرضِ الحجاز إلى بيت المقدسِ بالشام، وهيأ ذلك الجسدَ المادي حتى صار قابلًا لحياةِ الملكوتِ، وَرَفع له الحجبَ، ورقى به إلى الملأ الأعلى، وسار به من سماءٍ إلى سماء، وأري من آيات الله الكبرى ما أُري .. دل ذلك على التكريم من جانب والإيناسِ والتسريةِ من جانب آخر. إن من يتأملُ حديثَ القرآنِ عن هذه الحادثة يجدُ أن أعظمَ وأوجزَ ما ورد من تعليل لها هو قولهُ تعالى: ﴿لنريه من آياتنا﴾ (٣). وقوله: ﴿لقد رأى من آيات ربه الكبرى﴾ (٤). وهذه سنة اللهِ في الأنبياء-﵈ ﴿وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين﴾ (٥).

стр. 1216

وقال لموسى- ﵇: ﴿لنريك من آياتنا الكبرى﴾ (١). فإذا أبصر الأنبياءُ ﵈ من آيات ربهم- ما لم يبصره غيرُهم، حصل لهم من علم اليقين ما لم يحصل لغيرهم، وتحملوا في ذات الله ما لا يتحملُه غيرُهم، وكان ذلك عونًا للأمة على تصديقهم والإيمانِ برسالاتِهم، والانقيادِ لدعوتهم، إنها رحلةٌ عجيبةٌ حقًّا لكنها تليقُ بمقامِ الأنبياء-﵈ وهاكم شيئًا من عجائبها لقد أُسري به يقظةً لا منامًا وبروحِه وجسدِه كما قرر العلماء. من مكة إلى بيت المقدس راكبًا البُراق، فلما انتهى إلى باب المسجد ربط الدابَة عند الباب، ودخل فصلى في قبلته تحيةَ المسجد ركعتين، ثم أتى المعراج وهو كالسُّلمِ ذو درج رقي فيه، فصعد إلى السماء الدنيا، ثم إلى بقية السماواتِ السبع فتلقاه من كلِّ سماءٍ مقربوها، وسلم عليه الأنبياءُ الذين في السماوات بحسب منازلهم ودرجاتهم، حتى مرَّ بموسى الكليم في السادسة وإبراهيم الخليلِ في السابعة، ثم جاوز منزلتَهما ﷺ وعليهما على سائرِ الأنبياء حتى انتهى إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام أي أقلامَ القِدر بما هو كائن، ورأى سدرةَ المنتهى، وغشيَها من أمرِ اللهِ تعالى عظمةً عظيمة من فَراشٍ من ذهبٍ وألوانٍ متعددةٍ وغشيتها الملائكةُ، ورأى هناك جبريلَ على صورتِه، له ستمائةُ جناح ورأى رفرفًا أخضرَ قد سدَّ الأفق، ورأى البيتَ المعمور- وهو الكعبة السماويةُ يدخله كلَّ يوم سبعون ألفًا من الملائكة يتعبدون فيه ثم لا يعودون إليه إلى يوم القيامة، ورأى الجنةَ والنار، وفرض اللهُ عليه هناك الصلوات خمسين، ثم خففها إلى خمس رحمةً منه ولطفًا على عباده وفي هذا اعتناءٌ عظيم بشرف الصلاة وعظمتها .. ثم هبط إلى بيتِ المقدس وهبطَ معه الأنبياءُ فصلى بهم لما حانت الصلاة، ويحتمل أنها صلاة الصبح- كما ساقه ابن كثير- وأظهر له من شرفه

стр. 1217

وفضله عليهم بتقديمه في الإمامة .. ثم خرج من بيت المقدسِ وركب البراق وعاد إلى مكة بغلس (١). أيها المسلمون! هذا جزءٌ من عظمةِ حادثة الإسراء والمعراج التي تضافرت نصوص القرآنِ والسنةِ على ذكرها، وكما أن فيها كرامةً للنبي ﷺ ففيها كرامةٌ لأمته أمةِ الإسلام، فالقيادةُ ينبغي أن تنتقلَ إليها حينما تخلت الأمم السالفة عن قيادتها، والمقدساتُ الإسلامية ينبغي أن تكون مسئولةً عنها حينما قصرت الأممُ الأخرى في رعايتها .. والمتأمل في سورة الإسراءِ يرى أن الله ذكر قصةَ الإسراءِ في آيةٍ واحدةٍ فقط ثم أخذ في ذكر فضائح اليهود وجرائمهم، ثم نبههم بأن هذا القرآنَ يهدي للتي هي أقوم، وربما ظنَّ بعضُ الناس أن الآيات ليس بينهما ترابط، والأمرُ ليس لذلك، فإن الله تعالى يُشير بهذا الأسلوب إلى أن الإسراءَ إنما وقع إلى بيت المقدسِ لأن اليهودَ سيعزلون عن منصب قيادةِ الأمةِ الإنسانية لما ارتكبوا من الجرائم التي لم يبق معها مجالٌ لبقائهم على هذا المنصب، وأن اللهَ سينقلُ هذا المنصب إلى رسولِ اللهِ ﷺ والمؤمنين به، ويجمع له مركزي الدعوة الإبراهيمية كليهما، فقد آن الأوانُ أن تنتقلَ القيادةُ من أمة إلى أمةٍ، من أمةٍ ملأت تاريخها بالغدر والخيانةِ والإثم والعدوان، إلى أمةٍ تتدفق بالبرِّ والخيرات، ولا يزال رسولُها يتمتع بوحي القرآنِ الذي يهدي للتي هي أقوم (٢). أيها المسلمون! وليس بين اللهِ وبين أحدٍ من خلقِه نسبٌ، وأكرمُ الخلق عند الله أتقاهم، وحينما تتخلى أمةٌ-أي أمةٍ- عن رسالتها ومنهج ربَّها يُذِلُّها الله ويستبدلُها

стр. 1218

بغيرها- ويمتحنُ بالقيادةِ غيرَها ويظلُّ ممكنًا لها ما لم تنحرفْ عن المنهجِ أو تضعفْ في حمل الأمانة .. وإذا كان المسلمون بالأمس تولوا قيادةَ العالم بأسره، وكانوا الرَعاةَ والحماةَ للمقدسات فذلك لصدقهم مع ربهم وطاعتهم لنبيهم، وجدِّهم وجهادِهم في سبيل معتقداتِهم، وحين ضعفوا وتفرقوا، واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، سلط اللهُ عليهم من يسومهم سوءَ العذاب، فشردوا في أوطانهم، وسيطر الغاصبون المعتدون على مقدساتهم .. ولن يزالوا كذلك حتى يفيئوا إلى دينهم، ويستمسكوا بكتاب ربِّهم وصدق الله القائل: ﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا * وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذابًا أليما﴾ (١). نفعني الله وإياكم بما نقول ونسمع.

стр. 1219

الخطبة الثانية الحمد لله وكفى، والصلاةُ والسلام على عباده الذين اصطفى، أما بعد أخوة الإيمان فكثيرةٌ هي المعاني التي ينبغي أن تعلمها الأمةُ المسلمةُ من حادث الإسراء والمعراج. ومن هذه المعاني أن الإسلام الذي كلفت به هذه الأمةُ هو دينُ الأنبياء-﵈-قبلها، بيانًا لقوله تعالى: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ (١)، وقوله: ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك ما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه﴾ (٢). فقد ربطت هذه الرحلة المباركةُ بين المسجدِ الحرامِ بمكة، حيثُ شهد دعوةَ محمد ﷺ ، ورفع قواعدَه إبراهيمُ وإسماعيلُ ﵉ وبين المسجدِ الأقصى الذي شهد دعوةَ كثير من الأنبياء-عيسى ويحيى وزكريا وغيرهم- ﵈، وكان قبلةَ محمدٍ الأولى. فالإسلامُ هو الدين الذي يَضمُّ دعوةَ الرسلِ جميعًا، والأنبياء ﵈ إخوةٌ وإن تفاضلوا، ولذا صلى بهم الرسول ﷺ جميعًا (٣). أيها المسلمون! ينبغي أن تعلمَ الأمةُ من حادثةِ الإسراء والمعراج قيمة الذكرِ وأهميتَه، وأن تعيَ رسالةَ الخليلِ ﵇ إليها وتعملَ بها، والرسولُ ﷺ هو ناقلُ الرسالةِ ومبلغها، وفيها يقول: لقيتُ ليلَة أسري بي إبراهيم ﵇، فقال: يا محمد:

стр. 1220

أقْرِئ أمتَك مني السلام، وأخبرهم أن الجنةَ طيبةُ التربةِ، عذبةُ الماء، وأنها قيعانٌ، وأن غراسَها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. فأين الزارعون، وأين المستثمرون لهذه الوصية العظمى؟ عبادَ الله! حريٌّ بالمسلمين قاطبةً أن يتذكروا قدرَ الصلاةِ ومنزلتَها عند الله في كلِّ آن، وكلما قرءوا أو سمعوا عن حادثةِ الإسراء والمعراج، أجل لقد فُرضتِ الصلاةُ ليلةَ الإسراءِ والمعراج أمرًا مباشرًا من الله تعالى وهو في السماء، أما بقية أوامرِ الإسلام فقد نزل بها جبريلُ ﵇ على محمد ﵊ وهو في الأرض، وفي ذلك دلالةٌ على أهميةِ هذا الركنِ من أركان الإسلام- بعد كلمةِ الإخلاص- أن الصلاة رحلةُ الأرواحِ إلى اللهِ في كل يوم خمس مراتٍ، وليست مجردَ حركاتٍ لا لبَّ فيها ولا خشوع .. إنها فواصلَ في رحلة العمرِ يقف بها العبدُ بين يدي اللهِ معلنًا عن عبوديتهِ بلسانه وقلبهِ وعملهِ ((إياك نعبد وإياك نستعين)) فإذا سها العبدُ عن هذه العبوديةِ في وقت من الأوقات، كانت الصلاةُ وسيلتَه للنظافة من هذه الأدرانِ التي علقت به (١). ألا ما أسعَد الذين يستشعرون هذه المعاني في الصلاة فيؤدونها في أوقاتِها، محافظين على أركانها وواجباتِها وسننها-وويلٌ لمن فرّط في هذه الصلاةِ وَأضاعها وهي فريضةُ اللهِ على محمدٍ ﷺ وأمتهِ وهو في السماء، وهي آخرُ وصيةٍ لمحمدٍ ﷺ لأمته وهو يودع الدنيا ((الصلاة الصلاةَ وما ملك أيمانُكم)). معاشرَ المسلمين! لابد- رابعًا- أن تعيَ الأمةُ المسلمةُ قدرَ المعجزاتِ الربانية، وتدركَ أن في دينها قدرًا من المغيبات يستلزم الإيمانَ والتسليم، ويقفُ أبو بكرٍ

стр. 1221

الصديقُ في طليعةِ الأمةِ حاملًا مشعلَ الإيمان دون ترددٍ أو ارتياب، ضاربًا أروعَ الأمثلةِ في التصديق واليقين فحين بلغه خبرُ الإسراءِ والمعراج لم يمنعه من التصديقِ إلا التوثق من صحة نسبته للرسولِ ﷺ ((والله لئن كان قاله لقد صدق، وما يعجبكم من ذلك؟ فو الله إنه ليخبرني أن الخبرَ يأتيه من السماءِ إلى الأرض في ساعةٍ من ليلٍ أو نهار، فهذا أبعد مما تعجبون منه))، ثم أقبل على رسول الله ﷺ يسألُه عن وصفِه، وكلما ذكر شيئًا قال: صدقت، أشهد أنك رسولُ الله، فقال ﷺ وأنت يا أبا بكر الصديق، فيومئذٍ سماه الصديق (١). إنه الصديقُ لم يسبق الأمة بكثير صومٍ ولا صلاة، ولكن بشيءٍ وقر في قلبه، فأثمرَ الإيمان واليقين- واستحق به فضلَ الصحبةِ والقرب من النبيِّ الكريم، عرف ذلك له المسلمون، وأفصح عنها الرسولُ ﷺ : ((لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا)). ألا ما أحوجنا إلى إيمانٍ كإيمان أبي بكر يحمينا به اللهُ من الشكوكِ والارتياب ويدفعنا إلى عمل الصالحات بأنفس راضيةٍ مطمئنة. وحين نذكر هذا الموقف الكريم للصديق فلا ينبغي أن يغيب عنا موقفُ الملأ من قريش، حين اتخذت من حادثةِ الإسراء والمعراج فرصةً للسخريةِ والاستهزاء، والسعي لصدِّ الناسِ وفتنتهم عن دين الله، وهو نموذج يتكرر مع كلِّ مستكبر أثيم، يسمع آيات الله تتلى عليه، ثم يصر مستكبرًا كأن لم يسمَعها .. وإذا طويت صفحةُ المستهزئين وجعل اللهُ العاقبةَ للمتقين فينبغي أن يكون ذلك تسريةً وتسليةً للمؤمنينَ في كل زمان ومكان، فلا يضيقوا ذرعًا بالمستهزئين الساخرين ولا يزيدهم ذلك إلا

стр. 1222

ثباتًا على الحقِّ حتى يأتيهم اليقين. عبادَ الله .. تلك وقفاتٌ ومعانٍ عاجلةٌ من النظرِ في حادثةِ الإسراء والمعراج، وذلك ومثلهُ خيرٌ وأنفعُ من التعلقِ بأمورٍ بدعيةٍ ما أنزل الله بها من سلطان، إذ يعتقد بعضُ الناسِ أفضليةً لرجب ليست لسواه، لوقوع حادثةِ الإسراء والمعراج فيه- ولم يثبت ذلك بطريق صحيح، ولو ثبت لما كان هذا مبررًا لتخصيصه بأنواع من العبادات إذا لم يثبت شيء من ذلك عن رسولِ الهدى ﷺ ولا صحابته الكرام وهم بمواطنِ الخير أدرى، ولربهم منا أحبُّ وأتقى، بل جاء البلاغُ محذرًا عن الابتداع في دين الله ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)). ألا فاستمسكوا معاشرَ المسلمين بسنة المصطفى ﷺ وسنةِ الخلفاءِ الراشدين المهديين من بعده، عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثاتِ الأمور، فإن كل محدثةٍ في دين الله بدعة وكل بدعةٍ ضلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النار. عصمني الله وإياكم من الابتداع، وهدانا للاتباع، وألهمنا رشدنا، ونفعنا بما علمنا .. هذا وصلوا ..

стр. 1223

الواقع المرُّ (١) الخطبة الأولى إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدهُ ورسولُه، اللهم صلِّ وسلم عليه، وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارضَ اللهم عن أصحابه أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ (٢). ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منها رجالا كثيرًا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبًا﴾ (٣). إخوة الإسلام! في مسارب الحياةِ وأطوارها المختلفة ينتقل المرء من امتحانٍ إلى آخر، ويتجاوز محنةً ثم تعترضه أخرى، ويزول عنه همٌّ ثم يواجه همًّا آخر .. وهكذا .. يبتلى الناسُ في السراءِ والضراء فتنة، ويُعرضون للخير والشر تارة وتارة .. ولا يدري المرءُ آلخيرُ في السراء التي وهبت له، أم في الضراء التي قدرها الله عليه. وهذه الهمومُ والنوازلُ الحاصلةُ للإنسان في هذه الحياة جزءٌ من الكبد الذي قدر

стр. 1224

الله خَلْقَ الإنسانِ فيه بقوله: ﴿لقد خلقنا الإنسان في كبد﴾ (١). وهو منسجمٌ مع طبيعة هذه الحياة المتاع والموصوفة باللهو واللعب والتكاثرِ والمفاخرة، والمرادُ الامتحانُ، وبروزُ المجاهدة، ولتظهر فروقُ الصبر والمصابرة والمرابطةِ والتقوى لله من خلقه وإن كان غنيًّا بذاته عنهم، غير مفتقر إلى أعمالهم الصالحة .. ولا ينقصُ من ملكه شيء لو كانوا كلُّهم على أفجر قلب رجلٍ منهم. عبادَ الله! مع ما يمر به الإنسانُ من أطوار وأحوال فمن رحمةِ الله بخلقه أن الشدةَ- وإن وقعت- لا تدوم فالعسرُ يعقبه اليسر- ولن يغلبَ عسرٌ يسرين كما قال تعالى ﴿فإن مع العسر يسرًا * إن مع العسر يسرًا﴾ (٢). وعُقدَةُ الذنبِ لا تلازم المسلم وتعوقه عن المسيرة في الخير، ومهما ظلم الإنسان نفسَه، ثم التفت إلى الله مستغفرًا تائبًا غفر الله له ﴿ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما﴾ (٣). ومهما أسرف المرءُ على نفسهِ بالمعاصي فلا مجال في شريعة الإسلام للإحباط والقنوط .. بل يُفتح بابُ الأمل والرجاء على مصراعيه ويُدعى العباد إلى الإنابة لخالقهم والإسلامِ له. ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم * وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له﴾ الآيات (٤). عبادَ الله إذا ضاقت أرضٌ بشخصٍ أو أشخاص لضيق عيشهم الدنيوي فيها .. أو

стр. 1225

لكثرةِ الفتنِ والمضايقات الواقعة لهم في دينهم، ففي أرض الله الواسعة الأخرى متسعٌ لتغير الحال وسعةِ الرزق وهدوء البال .. كذا وجه القرآنُ وهو يهدي للتي هي أقوم، ويقول تعالى: ﴿ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورا رحيما﴾ (١). إن هذه الآية الكريمة نزلت أول ما نزلت تحكي واقعَ العصبة الأولى في الإسلام- أولئك الذين ضيق عليهم المشركون في دينهم وحاصروهم في عيشهم .. فهاجر من هاجر منهم وبقي صابرًا محتسبًا من بقي منهم .. حتى أذن الله بالفرجِ وانتصر المسلمون، وشعّت أنوار الإسلامِ في كلِّ مكان ترى أيَّ شعورٍ كان يُخامر أفئدةَ المسلمين الذين هاجروا إلى أرض الحبشة فرارًا بدينهم، وكيف كان تفكيرُهم بمستقبلِ الإسلام وهم في أوج ظروف المحنة للإسلام والمسلمين؟ وتجيب الرواياتُ التاريخيةُ التي تحكي حالهم وحوارَهم وهم في أرض الغربة عن كلِّ معاني الثباتِ والثقةِ بالنصرِ إن عاجلًا أو آجلًا وقد كان .. وأكرمهم اللهُ برؤية الانتصار للدين الحقِّ وأفولِ نجمِ الباطل وهلاكِ المبطلين. وتبلغ العظمةُ والثقةُ بنصرة الدين ومحمدٌ ﷺ يذهب الطائف ملتمسًا النصرة من أهلها ومؤملًا استجابتها للدعوة التي أنكرها جيرانُهم .. فيكون الصدود والإعراض .. بل والمطاردة إلى حدٍّ أدميت عقبا رسولِ الله ﷺ .. حتى إذا عاد وكان قريبًا من مكة أرسل إليه ملكُ الجبال وعَرض عليه أن يُطبق على المكذبين المعاندين الأخشبين .. فلا يبقى لهم أثر فتكون الإجابة الواثقةُ بنصر الله من منظور متفائل يرى أسبابَ النصر من خلال سُحب الإيذاء وأنواع البلاء .. ويترقب

стр. 1226

المستقبلَ والمبشر عن قريب إذ يقول: بل أرجو أن يخرج اللهُ من أصلابهم من يعبد اللهَ لا يشرك به شيئًا وقد كان .. وأكرم اللهُ محمدًا ﷺ والمسلمين برؤية جنود أفذاذٍ .. وقادةٍ أبطال أخرجهم اللهُ من حيث لم يحتسبوا هم .. أو يحتسب آباؤهم .. أو يحتسب المسلمون خروجهم بعد فترةٍ وجيزة من الصراعِ الدامِي والعداوة والبغضاء. أجل لقد أخرج اللهُ خالد بنَ الوليد وعكرمة بن أبي جهل، وعمرو بن العاص من أصلاب آباءٍ طالما فتنوا المسلمين وآذوا رسولَ الله ﷺ وماتوا وهم يحملون رايةَ الحربِ .. ويؤلبون الناسَ من حولهم على المضي قدمًا على دين الآباء والتمسك بشعارات الجاهلية، بل لقد شاركهم هؤلاء الأبناءُ مهمتهم حينًا من الدهر .. وأدركت السعادةُ بعضَهم فشملت الآباءَ مع الأبناء .. وكان من تباشير النصر للإسلام وفَرَحِ المسلمين أن ينخرط أبو سفيان (مثلًا) وابنُه معاويةُ في سلك قافلة المسلمين .. بعد حينٍ من الدهرِ تسلموا فيها راية المجابهة للمسلمين .. إنه المستقبلُ المُغيَّبُ يُخلف الظنون .. ويبدد الأوهام ويقضي على السلبية والإحباط .. وهو وعدٌ قائمٌ متجددٌ للمسلمين في كل زمان ومكان بشرط أن يصدقوا مع ربِّهم ويخلصوا في جهادهم .. لا أن يلزموا المسكنةَ والضعف ويتعلقوا بالمستقبل ويُمنُّوا أنفسهم بمستقبل زاهرٍ لم يعملوا له .. ولم يجاهدوا لتحقيقه. إن اللحظاتِ الحاضرة قد تأسرُ الإنسان، وقد تحجبه عن مجردِ التفكير في واقعٍ مستقبليٍ أحسنَ للإسلام والمسلمين وهو لا يرى في الأفق إلا مزيدًا من الفرقةِ والشقاق والضعفِ والخلافِ، وحرب الإبادةِ الفردية والجماعية توجه من اليهود أو النصارى أو من أهل النفاقِ والعلمنة لأهلِ الإسلام.

стр. 1227

وبقدر ما يتألم المسلمُ لهذا الواقعِ المستهدفِ للمسلمين فعليه أن لا ييأس وأن لا يقعد عن الجهاد والدعوة فالحقُّ أصيلٌ في هذا الكون- والله أغيرُ لدينه، وأرحمُ بخلقه عمومًا .. والمسلمين منهم خصوصًا .. وأمره بين الكاف والنون .. ولكنه حكيم عليم خبير .. ومن حكمتِه وعلمه تقديرُ النصر في وقتِه، ورفعُ أو استِدامةُ المحنِ على خلقه، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين* إنهم هم لمنصورون* وإن جندنا لهم الغالبون﴾ (١).

стр. 1228

الخطبة الثانية الحمد لله ربِّ العالمين قدَّر الأرزاقَ والآجال، وكتب على ابن آدم من الفقر والغنى والسعادة والشقاء، وكلٌّ ميسرٌ لما خلق له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كلُّ شيء في هذا الكون بأمره وتقديره، وما يعزب عنه مثقال ذرةٍ في الأرضِ ولا في السماء، يُديل على المسلمين تارة ويدليهم على غيرهم أخرى، وربك يخلق ما يشاء ويختار، ويحكم ولا معقب لحكمه، وهو الكبيرُ المتعال. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أبان للأمةِ طريقَ الرشدِ والهدى، وحذرهم من أسبابِ الغواية والعمى، وترك أمتَه على المحجةِ البيضاء .. اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء. أيها المسلمون! حين نستحضر في مخيلتنا خريطةَ العالم الإسلامي يروعك الأمر، وتبصر عجبًا، فعدوٌّ غاشم يحتل رقعة مهمة من بلاد المسلمين، ويسئ إلى مقدساتهم وشعوبهم، وينظر إلى خصومه نظرة الغالب للمغلوب، ويتعامل مع قضيتهم تعامل الساخرِ المستكبر. وترى حربًا عقائديةً مسيسةً كلما انطفأت في بقعة من بلاد المسلمين اشتعلت في بقعة أخرى، والهدف منها طمسُ الهوية .. وإبادة الشعوب المسلمة وهي محاولاتٌ عابثة لتحجيم هذا الانبثاق الجديد للإسلام والمسلمين، في معقل الشيوعية والنصرانية، ويأبى الله إلا أن يتم نوره .. ومن البوسنا والهرسك إلى سربنا إلى كوسوفو حاليًا حيث الصرب النصارى والحرب الصليبية الجديدة ضد الشعوب المسلمة.

стр. 1229

ومن قبلُ ومن بعدُ قضايا المسلمين في كشمير، والهند والفلبين، والصومال .. وما نسينا جرحَنَا في صبرا وشاتيلا، والخليل .. وغيرها. ولا تزال الكوارثُ تتوالى يومًا بعد يوم وفي مناطق مختلفةٍ من العالم حتى تجاوز عددُ المنكوبين ستين مليونًا مسلمًا، هم ضحايا الحروب من اللاجئين والنازحين .. وإذا كانت الأنظار متجهةً- هذه الأيام- نحو إقليم كوسوفو الألباني، فثمة وباءُ الكوليرا يتفشى في جمهورية جزر القمر وثمة زلازل شديدة في مناطق شمال أفغانستان أدت إلى مقتل أكثر من ستة آلافِ شخص، ودمرت أكثر من ستٍّ وثلاثين قرية، وإصابة ما يقرب من عشرين ألفِ شخص، وأصبح أكثر من خمسين ألف شخص بلا مأوى. يا أخا الإسلام! ما موقفك من هذا الأحداثِ المؤلمة والنكبات الموجعة النازلة بإخوانِك المسلمين، والواقعة في البلاد المسلمة؟ أي جُهدٍ قدمته لهؤلاء المنكوبين، فإن أعوزك المالُ، ففي اللسانِ والقلبِ متسعٌ للدعوة والدعاء والحبِّ والنصرة والولاء للمسلمين والبغض والمعاداة للكافرين، لا يسوغ لك بحال أن تسمع أخبار المسلمين وكأنها لا تعنيك .. بل ربما كنتَ في شغل عنها في رؤية القنوات المثيرة .. أو متابعة رياضيةٍ ملهيةٍ، أو فنٍّ رخيص. إن من المؤسف أن ينشغل المسلمون عن قضاياهم المصيرية ويُشغَلوا عن حروب الإبادة العقائدية التي يمارسها اليهود والنصارى ضد إخوانهم .. وعالمُ اليوم لغته القوة والمتفوق فيه من استخدم فكره وعقلَه، ولم تسيطرْ عليه الشهوة أو يغرقْ في الأنانية، واستثمارُ الوقتِ بما ينفع سباقٌ بين الأممِ، وإذا أردت تقييم جهدِ الأممِ والدول فانظر مدى الجديةِ في برامِجها المستقبلية .. وانظر كيف

стр. 1230

يُخطط لشبابها وكيف يدار الوقتُ في مؤسساتها وبين شعوبها إنني أخاطبك أيها المسلمُ الغيور .. وكأني بك تتحسر على هذه الواقع المرِّ .. بل وكأني بك تنتظر النصرَ القريب فماذا أعددتَ له؟ وما نوعُ مساهمتِك في التغيير؟ بل ربما كنتَ في ذات نفسك مضيعًا للصلوات، متبعًا للشهوات، لا فرق عندك بين الحلالِ والحرام. وأقول لك بكل صراحة: ابدأ الرحلة بتغير ذاتِكَ، واعلم أن دنوَّ همتِك، أو ضعفَ سلوكياتك وإضاعة وقتِك بما لا ينفع، فضلًا عما يضر كلُّ ذلك يُثقل كاهلَ أمتِك فوق ما هي مثقلة، ويؤخر زمنَ النصرِ المرتقب، ويزيد في المآسي فالله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وأنت عضو فاعلٌ في مجتمعك وأمتك، بحياتك وجديتك ترتفع هممُ الآخرين، وبموتِك- وإن كنت حيَّا- أو ضعفِ إرادتك وإن كنتَ خيِّرًا، يموت آخرون، ويتثاقل آخرون حاسبْ نفسك ولمها فأنت الملوم، ولا يكن شغلُك لومَ الآخرين، إن مجردَ التلاوم والتحسرِ على واقع المسلمين دون إرادة فاعلة وهمٌّ خادع، لا يُعبر عن صدق، ولا ينبئ عن عزيمة، ولا يؤهل لنصر .. ومأساة أن يعملَ غير المسلمين أكثر مما يتحدثون ويعرف المسلمون بالإنكار والشجب وكثرة اللقاءات والمؤتمرات، ثم تكون الجعجعةُ لهم، والطحنُ لغيرهم. وأعظمُ من ذلك أن تروّض الشعوب المسلمة على هذه السلوكيات المنهزمة الخادعة، وتعوزها القيادات الناصحةُ الحازمة التي تفكر في التغيير بوسائل أخرى أكثر جدية وفاعلية.
следующие страницы →