المستقبلَ والمبشر عن قريب إذ يقول: بل أرجو أن يخرج اللهُ من أصلابهم من يعبد اللهَ لا يشرك به شيئًا وقد كان .. وأكرم اللهُ محمدًا ﷺ والمسلمين برؤية جنود أفذاذٍ .. وقادةٍ أبطال أخرجهم اللهُ من حيث لم يحتسبوا هم .. أو يحتسب آباؤهم .. أو يحتسب المسلمون خروجهم بعد فترةٍ وجيزة من الصراعِ الدامِي والعداوة والبغضاء.
أجل لقد أخرج اللهُ خالد بنَ الوليد وعكرمة بن أبي جهل، وعمرو بن العاص من أصلاب آباءٍ طالما فتنوا المسلمين وآذوا رسولَ الله ﷺ وماتوا وهم يحملون رايةَ الحربِ .. ويؤلبون الناسَ من حولهم على المضي قدمًا على دين الآباء والتمسك بشعارات الجاهلية، بل لقد شاركهم هؤلاء الأبناءُ مهمتهم حينًا من الدهر ..
وأدركت السعادةُ بعضَهم فشملت الآباءَ مع الأبناء .. وكان من تباشير النصر للإسلام وفَرَحِ المسلمين أن ينخرط أبو سفيان (مثلًا) وابنُه معاويةُ في سلك قافلة المسلمين .. بعد حينٍ من الدهرِ تسلموا فيها راية المجابهة للمسلمين ..
إنه المستقبلُ المُغيَّبُ يُخلف الظنون .. ويبدد الأوهام ويقضي على السلبية والإحباط .. وهو وعدٌ قائمٌ متجددٌ للمسلمين في كل زمان ومكان بشرط أن يصدقوا مع ربِّهم ويخلصوا في جهادهم .. لا أن يلزموا المسكنةَ والضعف ويتعلقوا بالمستقبل ويُمنُّوا أنفسهم بمستقبل زاهرٍ لم يعملوا له .. ولم يجاهدوا لتحقيقه.
إن اللحظاتِ الحاضرة قد تأسرُ الإنسان، وقد تحجبه عن مجردِ التفكير في واقعٍ مستقبليٍ أحسنَ للإسلام والمسلمين وهو لا يرى في الأفق إلا مزيدًا من الفرقةِ والشقاق والضعفِ والخلافِ، وحرب الإبادةِ الفردية والجماعية توجه من اليهود أو النصارى أو من أهل النفاقِ والعلمنة لأهلِ الإسلام.
стр. 1227
وبقدر ما يتألم المسلمُ لهذا الواقعِ المستهدفِ للمسلمين فعليه أن لا ييأس وأن لا يقعد عن الجهاد والدعوة فالحقُّ أصيلٌ في هذا الكون- والله أغيرُ لدينه، وأرحمُ بخلقه عمومًا .. والمسلمين منهم خصوصًا .. وأمره بين الكاف والنون .. ولكنه حكيم عليم خبير .. ومن حكمتِه وعلمه تقديرُ النصر في وقتِه، ورفعُ أو استِدامةُ المحنِ على خلقه، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين* إنهم هم لمنصورون* وإن جندنا لهم الغالبون﴾ (١).
стр. 1228
الخطبة الثانية
الحمد لله ربِّ العالمين قدَّر الأرزاقَ والآجال، وكتب على ابن آدم من الفقر والغنى والسعادة والشقاء، وكلٌّ ميسرٌ لما خلق له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كلُّ شيء في هذا الكون بأمره وتقديره، وما يعزب عنه مثقال ذرةٍ في الأرضِ ولا في السماء، يُديل على المسلمين تارة ويدليهم على غيرهم أخرى، وربك يخلق ما يشاء ويختار، ويحكم ولا معقب لحكمه، وهو الكبيرُ المتعال.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أبان للأمةِ طريقَ الرشدِ والهدى، وحذرهم من أسبابِ الغواية والعمى، وترك أمتَه على المحجةِ البيضاء .. اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء.
أيها المسلمون! حين نستحضر في مخيلتنا خريطةَ العالم الإسلامي يروعك الأمر، وتبصر عجبًا، فعدوٌّ غاشم يحتل رقعة مهمة من بلاد المسلمين، ويسئ إلى مقدساتهم وشعوبهم، وينظر إلى خصومه نظرة الغالب للمغلوب، ويتعامل مع قضيتهم تعامل الساخرِ المستكبر.
وترى حربًا عقائديةً مسيسةً كلما انطفأت في بقعة من بلاد المسلمين اشتعلت في بقعة أخرى، والهدف منها طمسُ الهوية .. وإبادة الشعوب المسلمة وهي محاولاتٌ عابثة لتحجيم هذا الانبثاق الجديد للإسلام والمسلمين، في معقل الشيوعية والنصرانية، ويأبى الله إلا أن يتم نوره .. ومن البوسنا والهرسك إلى سربنا إلى كوسوفو حاليًا حيث الصرب النصارى والحرب الصليبية الجديدة ضد الشعوب المسلمة.
стр. 1229
ومن قبلُ ومن بعدُ قضايا المسلمين في كشمير، والهند والفلبين، والصومال .. وما نسينا جرحَنَا في صبرا وشاتيلا، والخليل .. وغيرها.
ولا تزال الكوارثُ تتوالى يومًا بعد يوم وفي مناطق مختلفةٍ من العالم حتى تجاوز عددُ المنكوبين ستين مليونًا مسلمًا، هم ضحايا الحروب من اللاجئين والنازحين ..
وإذا كانت الأنظار متجهةً- هذه الأيام- نحو إقليم كوسوفو الألباني، فثمة وباءُ الكوليرا يتفشى في جمهورية جزر القمر وثمة زلازل شديدة في مناطق شمال أفغانستان أدت إلى مقتل أكثر من ستة آلافِ شخص، ودمرت أكثر من ستٍّ وثلاثين قرية، وإصابة ما يقرب من عشرين ألفِ شخص، وأصبح أكثر من خمسين ألف شخص بلا مأوى.
يا أخا الإسلام! ما موقفك من هذا الأحداثِ المؤلمة والنكبات الموجعة النازلة بإخوانِك المسلمين، والواقعة في البلاد المسلمة؟ أي جُهدٍ قدمته لهؤلاء المنكوبين، فإن أعوزك المالُ، ففي اللسانِ والقلبِ متسعٌ للدعوة والدعاء والحبِّ والنصرة والولاء للمسلمين والبغض والمعاداة للكافرين، لا يسوغ لك بحال أن تسمع أخبار المسلمين وكأنها لا تعنيك .. بل ربما كنتَ في شغل عنها في رؤية القنوات المثيرة .. أو متابعة رياضيةٍ ملهيةٍ، أو فنٍّ رخيص.
إن من المؤسف أن ينشغل المسلمون عن قضاياهم المصيرية ويُشغَلوا عن حروب الإبادة العقائدية التي يمارسها اليهود والنصارى ضد إخوانهم ..
وعالمُ اليوم لغته القوة والمتفوق فيه من استخدم فكره وعقلَه، ولم تسيطرْ عليه الشهوة أو يغرقْ في الأنانية، واستثمارُ الوقتِ بما ينفع سباقٌ بين الأممِ، وإذا أردت تقييم جهدِ الأممِ والدول فانظر مدى الجديةِ في برامِجها المستقبلية .. وانظر كيف
стр. 1230
يُخطط لشبابها وكيف يدار الوقتُ في مؤسساتها وبين شعوبها إنني أخاطبك أيها المسلمُ الغيور .. وكأني بك تتحسر على هذه الواقع المرِّ .. بل وكأني بك تنتظر النصرَ القريب فماذا أعددتَ له؟ وما نوعُ مساهمتِك في التغيير؟ بل ربما كنتَ في ذات نفسك مضيعًا للصلوات، متبعًا للشهوات، لا فرق عندك بين الحلالِ والحرام.
وأقول لك بكل صراحة: ابدأ الرحلة بتغير ذاتِكَ، واعلم أن دنوَّ همتِك، أو ضعفَ سلوكياتك وإضاعة وقتِك بما لا ينفع، فضلًا عما يضر كلُّ ذلك يُثقل كاهلَ أمتِك فوق ما هي مثقلة، ويؤخر زمنَ النصرِ المرتقب، ويزيد في المآسي فالله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وأنت عضو فاعلٌ في مجتمعك وأمتك، بحياتك وجديتك ترتفع هممُ الآخرين، وبموتِك- وإن كنت حيَّا- أو ضعفِ إرادتك وإن كنتَ خيِّرًا، يموت آخرون، ويتثاقل آخرون حاسبْ نفسك ولمها فأنت الملوم، ولا يكن شغلُك لومَ الآخرين، إن مجردَ التلاوم والتحسرِ على واقع المسلمين دون إرادة فاعلة وهمٌّ خادع، لا يُعبر عن صدق، ولا ينبئ عن عزيمة، ولا يؤهل لنصر .. ومأساة أن يعملَ غير المسلمين أكثر مما يتحدثون ويعرف المسلمون بالإنكار والشجب وكثرة اللقاءات والمؤتمرات، ثم تكون الجعجعةُ لهم، والطحنُ لغيرهم. وأعظمُ من ذلك أن تروّض الشعوب المسلمة على هذه السلوكيات المنهزمة الخادعة، وتعوزها القيادات الناصحةُ الحازمة التي تفكر في التغيير بوسائل أخرى أكثر جدية وفاعلية.
стр. 1231
في أعقاب شهر الصيام (١)
الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارضَ اللهم علن الصحابةِ أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد فاتقوا الله معاشر المسلمين، فإن تقوى اللهِ أقومُ وأقوى وتوكلوا على الله ومن توكل على الله كفاه وأغناه، وادعوا خوفًا وطمعًا إن رحمة الله قريب من المحسنين: ﴿واتقوا يومًا ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون﴾ (٢).
أيها المسلمون! في الأيام الماضية ودَّعنا شهرَ الصيام، ولكن ألسنتنا لا تزالُ طريةً بالقرآنِ، وقلوبنا عامرةً بالتقوى والإيمان .. أو هكذا ينبغي أن تكون آثارُ شهرِ الصيامِ والقيامِ وتلاوةِ القرآنِ، ومن المفترض أن لا تحيط الغشاوة بأبصارنا فتمنَعها من رؤية المحتاج وتُقبضَ أيدينا عن وجوهِ الإنفاقِ والبرِّ والإحسان، تُرى أتستطيعُ الشياطينُ بعد أن أطلقت قيودُها أن تحجبنَا عن حضورِ جماعات المسلمين أناءِ الليلِ وأطرافِ النهار، وقد كنا في رمضان من المبادرين إلى الصلوات وفي مقدمتها
стр. 1232
صلاةِ الفجرِ وصلاةِ العشاء، وإذا كان من فضل الله علينا في رمضان أن تبعدنا عن سماتِ المنافقين أفنتخبط في الظلمة في شوال أو غيره من أشهر العام، فننامُ عن بعض الصلوات المكتوبة ونُفرطُ في صلاة الجماعة.
وإني سائل نفسي وإياك- يا أخا الإسلام- كم جزءًا من كتابِ اللهِ قرأنا بعد انقضاء شهر الصيام؟ وكم ركعةً للهِ من غيرِ الفريضة ركعناها بعد انقضاء شَهرِ القيام، وهل صمنا شيئًا من ستِ شوالِ التي جاء في فضلها ما نعلَم، بعد انقضاءِ شهر الصيام إلى غير ذلكم من أعمالٍ عَمرتْ بها قلوبنا واستقامتْ بها حياتنا في شهر رمضان .. فإن قلنا: إن تقصيرنا هذه الأيام لفرحةِ العيد وظروفِه وهو معوضٌ بصلة الأرحامِ وزيارةِ الأصحاب والإخوان .. ولا يزالُ في الشهر متسعٌ للصيام أو التلاوة أو غيره من الطاعات والإحسان فيرد السؤالُ الآخر عاجلًا .. وهل أضمرنا نيّةَ الخير ومواصلة الطاعةِ وعدم الركونِ للكسل بعد شهر رمضانَ؟ وهل سنأخذ أنفسنا بالعزيمةِ أم يمضي العمرُ بالأماني الفارغة وركوبِ بحرِ التّمني؟ وهو البحرُ الذي لا ساحل له، وهو ما قيل-مركبُ مفاليسِ العالم- وبضاعةُ ركَّابهِ مواعيدُ الشيطان وخيالاتُ المحالِ والبهتان، وهي كما يقول ابنُ القيم ﵀ بضاعةُ كلَّ نفسٍ مهينةٍ خسيسةٍ سُفلية، ليست لها همَّةٌ تَنال بها الحقائقَ الخارجية، بل اعتاضت عنها بالأماني الذهنية (١).
عبادَ اللهِ إذا كنا قد عزمنا على التوبة في شهر التوبة والغفران فمن الفهومِ الخاطئةِ أن نقصرَ التوبة على شهر رمضان ومن الخطأ كذلك أن نقصر التوبة على الإقلاعِ عن الذنبِ والندم عليه، وعدم الرجوعِ إليه مرةً أخرى فهذا جزءٌ من التوبة، وجزؤها الآخر يبسطه لنا الإمامُ ابن القيم ﵀ من خلال نصوصِ الوحيين، فيقول
стр. 1233
مجليًا للصورة وموضحًا لحقيقة التوبة- وهو كلام نفيسٌ فاعقلوه-: ((وكثيرٌ من الناسِ إنما يُفسر التوبة بالعزم على أن لا يعاودَ الذنبَ، وبالإقلاع عنه في الحالِ، وبالندم عليه في الماضي، وإن كان في حقِّ آدمي فلابد من أمر رابع وهو التحلل منه، وهذا الذي ذكروه بعضُ مُسمى التوبة بل شرطها، وإلا فالتوبةُ في كلامِ اللهِ ورسولهِ- كما تتضمن ذلك- تتضمن العزم على فعلِ المأمور والتزامهِ فلا يكون بمجرد الإقلاع والعزمِ والندمِ تائبًا، حتى يوجدَ منه العزمُ الجازم على فعلِ المأمورِ، والإتيانِ به، هذا حقيقةُ التوبة، وهي اسمٌ لمجموع الأمرين .. ثم يقول فإن حقيقة التوبةِ الرجوعُ إلى اللهِ بالتزامِ فعلِ ما يُحِب، وترك ما يكره، فهي رجوعٌ من مكروه إلى محبوب، فالرجوع إلى المحبوبِ جزء مسماها، والرجوعُ عن المكروه الجزءُ الآخر، ولذا علّق سبحانه الفلاحَ المطلقَ على فعل المأمور وتركِ المحظورِ بها فقال: ﴿وتوبوا إلى الله جميعًا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون﴾ (١) فكلُّ تائبٍ مفلح ولا يكون مفلحًا إلا من فَعل ما أمر به وتركَ ما نهى عنه، وقال تعالى: ﴿ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون﴾ (٢) وتاركُ المأمور ظالم، كما أن فاعلَ المحظور ظالمٌ، وزوالُ اسمِ الظلمِ عنه إنما يكون بالتوبةِ الجامعةِ للأمرين ..
إلى أن يقول ﵀ فالتوبةُ إذًا هي حقيقة دينِ الإسلام، والدين كلُّه داخلٌ في مسمى التوبة وبهذا استحق التائبُ أن يكون حبيبَ اللهِ، فإن الله يُحب التوابين ويحب المتطهرين، وإنما يُحب اللهُ من فعَل ما أُمر به وتركَ ما نُهيَ عنه، والتوبةُ هي الرجوعُ مما يكرهه اللهُ ظاهرًا وباطنًا إلى ما يحبه الله ظاهرًا وباطنًا، ويدخل في مسماها الإسلامُ والإيمانُ والإحسان. لهذا كانت غايةَ كلِّ مؤمن، وبدايةَ الأمر وخاتمتَه، ثم يختم حديثه بالقول: وأكثرُ
стр. 1234
الناسِ لا يعرفون قدرَ التوبةِ ولا حقيقتَها فضلًا عن القيام بها عملًا وحالًا .. ولولا أن التوبةَ اسمٌ جامعٌ لشرائع الإسلامِ وحقائقِ الإيمان لم يكن الربُّ ﵎ يفرح بتوبةِ عبده ذلك الفرحَ العظيم فجميعُ ما يتكلم فيه الناسُ من المقاماتِ والأحوال هو تفاصيلُ التوبةِ وآثارُها (١).
أيها المسلمون! إذا كان هذا معنى التوبةِ وقدرِها، فاعلم أن التوبةَ محفوفةٌ بتوبةٍ من الله على العبد قبلها، وتوبةٍ منه بعدها، فتوبته بين توبتين من ربِّه سابقةٍ ولاحقةٍ، فإنه تاب عليه أولًا إذنًا وتوفيقًا وإلهامًا، فتاب العبدُ فتاب اللهُ عليه قبولًا وإثابةً وتأملوا قولَ الله سبحانه: ﴿لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم﴾ (٢).
فأخبر سبحانه أن توبَته عليهم سبقت توبتُهم، وإنها هي التي جعلتهم تائبين فكانت سببًا مقتضيًا لتوبتهم، فدل على أنهم ما تابوا حتى تابَ اللهُ عليهم، والحكمُ ينتفي لانتفاء علته (٣).
فبادر إلى التوبةِ بمفهومِها الشاملِ- يا أخا الإيمان- عاجلًا، واسأل الله أن يوفقَك إليها ابتداءً وأن يقبلها منك ويُثيبَك عليها انتهاءً والزم الاستغفار، وهو غيرُ التوبةِ، إذا ورد في موضع واحد فالاستغفارُ طلبُ وقاية شرِّ ما مضى، والتوبةُ الرجوعُ وطلبُ وقاية شرِّ ما يخافه في المستقبل من سيئاتِ أعماله، والاستغفارُ من باب إزالة الضرر، والتوبةُ طلبِ جلبِ المنفعة، ولهذا جاء الأمرُ بها مرتبًا بقوله:
стр. 1235
﴿استغفروا ربكم ثم توبوا إليه﴾ فإنه الرجوعُ إلى طريقِ الحقِّ بعد مفارقةِ الباطل (١).
أيها المسلمون! مداواةُ القلوبِ بهذه الأدوية الناجعة لا يتوقف على رمضان. فمصيبةٌ أن يفئ المسلمون إلى ربهم في رمضان ويظلوا شاردين عن هداه في سائر العام، مصيبة عظمى أن يقصرَ المسلمُ إجابته لداعي القرآن في شهر رمضان يظل هاجرًا للقرآنِ طوال العام.
إن التوبة إلى الله إن فضلت في زمانٍ دون زمان فهي باقيةٌ صمامَ الأمانِ لمن ابتغى الأمنَ ورضا الرحمن، ولستَ تدري يا أخا الإيمان متى يحينُ الرحيلُ فتنتقلُ من دار الفناءِ إلى دار المقام.
وإن الإنابة إلى الله ليست محدودةً بزمانٍ ولا مكان، بل دُعيت إليها قبل حلولِ العذاب، وحينها يعزُّ الناصرُ وتنتهي فترةُ الإمهال، وإذا أنبتَ بها صادقًا فأظهر من الذلِ والافتقارِ بين يديه ما يشهد بعبوديتك للواحدِ الديان، يُحكى عن بعض العارفين أنه قال: دخلتُ على اللهِ من أبوابِ الطاعاتِ كلها، فما دخلتُ من باب إلا رأيتُ عليه الزحام، فلم أتمكن من الدخولِ حتى جئتُ بابَ الذلِّ والافتقار، فإذا هو أقرب بابٍ إليه وأوسعُه فلا مزاحمَ فيه ولا معوّق.
وكان شيخ الإسلامِ ابنُ تيمية ﵀ يقول: ((من أرادَ السعادةَ الأبديةَ فليلزم عتبة العبودية)) (٢).
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم * وأنيبوا إلى
стр. 1236
ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون﴾ (١).
نفعني الله وإياكم بهدي القرآن وسنة محمدٍ ﷺ .
стр. 1237
الخطبة الثانية
الحمد للهِ المستحق للعبادةِ على الدوام، وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له ربُّ الشهورِ والأعوام، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسوله جاءه الوحي من ربّه ﴿واعبد ربك حتى يأتيك اليقين﴾ اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر المرسلين.
أما بعد: إخوةَ الإسلام فقد عودكم شهرُ الصيام على الاقتصاد في الطعام والشراب، ومدرسةُ الصوم علمتكم الإقلالَ من الكلام الفارغ معوضين عن ذلك بكثرة الذكر وتلاوةِ القرآن، كما كان من نسماتِ رمضان التخلصِ من خلطةِ السوءِ التي لا يَسلمُ الصوم معها من اللغو والرفث والفسوق والعصيان، كما أحوجكم طولُ القيام إلى تقليلِ ساعات النوم حتى قلَّ معدلُ النومِ في شهرِ رمضانَ عنه في غيرِ رمضان .. تُرى أيُّ نَصيبٍ يُحافظ عليه من هذه بعد انقضاء شهر الصيام .. والعارفون يقولون: إن مفسداتِ القلب على الدوام خمسةُ أشياء هي: كثرةُ الخلطة، والتمني، والتعلقُ بغير اللهِ والشبعُ، والمنام، فهذه الخمسةُ من أكبر مفسداتِ القلب.
فأما كثرةُ الخلطةِ فتملأُ القلبَ من دُخانِ أنفاسِ بني آدم حتى يَسودَّ، ويوجبُ له تشتتًا وتفرقًا، وهمًّا وغمًّا، وضعفًا، وحملًا لما يعجز عن حمله من مؤنةِ قرناءِ السوءِ، وإضاعة مصالحه، والاشتغالِ عنها بهم وبأمورهم، وتَقَسُّم فكرهِ في أوديةِ مطالبِهم وإرادتهم، فماذا يبقى منه للهِ والدارِ الآخرة؟ وكم جلبت خلطةُ الناسِ- من أجلِ الدنيا- من نقمةٍ ودفعت من نعمة.
والضابطُ النافع في أمرِ الخلطةِ أن يخالطَ الناسَ في الخيرِ، كالجمعة والجماعة، والأعياد والحج، وتعلمِ العلم، والجهادِ والنصيحة، ويعتزلهم في الشرِّ
стр. 1238
وفضولِ المباحات، فإن دعت الحاجةُ إلى خلطتهم في الشر ولم يمكنهُ اعتزالُهم فالحذرَ الحذرَ أن يوافقَهم، وليصبر على أذاهم، فإنهم لابد أن يؤذوه إن لم له قوةٌ ولا ناصر، ولكنه أذىً يعقبه عزٌّ ومحبةٌ له وتعظيم وثناءٌ عليه منهم ومن المؤمنين ومن ربّ العالمين، وموافقتُهم يعقبه ذُلٌّ وبغضٌ له ومقتٌ وذمٌ منهم ومن المؤمنين ومن ربِّ العالمين.
أما المُفسدُ الثاني هو التعلق بغيرِ الله ﵎، وهذا أعظمُ مفسداتِ القلب على الإطلاق، فإن من تعلق بغير اللهِ وكله اللهُ إلى ما تعلق بهِ، وخذله من جهةِ ما تعلقَ به، وفاته تحصيلُ مقصوده من اللهِ ، فلا على نصيبه من الله حصل ولا إلى ما أمَّله ممن تعلق به وصل، قال تعالى: ﴿واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا* كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدًا﴾ (١).
قال تعالى: ﴿واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون * لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون﴾ (٢).
ومثلُ المتعلقِ بغير اللهِ كمثلِ المستظلِّ من الحرَّ والبرد ببيت العنكبوت، ﴿وإن أوهن البيوت العنكبوت لو كانوا يعلمون﴾، وكيف لا يكون ذلك كذلك وأساسُ الشركِ وقاعدتهُ التي بُنيَ عليها التعلقُ بغيرِ الله، ولصاحبه الذمُّ والخذلان، كما قال تعالى: ﴿لا تجعل مع الله إلهًا آخر فتقعد مذمومًا مخذولّا﴾ (٣).
أيها المؤمنون! من مفسدات القلب كثرةُ الطعامِ، والمفسدُ له من ذلك نوعان: أحدُهما ما يُفسده لعينهِ وذاته كالمحرمات كالميتةِ والدم ولحم الخنزير، والمسروق
стр. 1239
والمغصوب ونحوها، والثاني ما يُفسده بقدره وتعدي حدِّه كالإسرافِ في الحلالِ والشبعِ المُفرطِ، فإنه يُثقله عن الطاعات، ويشغله بمزاولةِ مؤنةِ البطنةِ حتى يظفر بها، فإذا ظفر بها شغله بمزاولةِ تصرفها ووقايةِ ضررها، وقوى عليه موادَّ الشهوة، ووسع مجاري الشيطان، وقد قيل: من أكل كثيرًا، شربَ كثيرًا، فنام كثيرًا، فخسر كثيرًا، من مشكاة النبوة قبسٌ يهدي ويقول ﵊: ((ما ملأ آدميٌّ وعاءً شرًّا من بطنه، فحسب ابنِ آدمَ لقيماتٌ يقمن صلبه، فإن كان لابد فاعلًا فثلثٌ لطعامه، وثلث لشرابه وثلثٌ لِنَفَسِه)).
أيها المسلم والمسلمة أما المفسدُ الرابعُ من مفسداتِ القلب فهو كثرةُ النومِ، فإنه- كما قال العارفون- يميت القلب، ويثقل البدن، ويضيع الوَقت، ويورث كثرةَ الغفلةِ والكسل، ومنه المكروهُ جدًّا، ومنه الضارُّ غيرُ النافعِ للبدن، وأنفعُ النوم: ما كان من شدةِ الحاجةِ إليه، ونومُ أول الليلِ أحمدُ وأنفعُ من آخره، ونومُ وسطِ النهارِ أنفعُ من طرفيه، وكلما قربَ النومُ من الطرفين قلَّ نفعهُ، لا سيما نومَ العصرِ وأولِ النهارِ إلا لسهران، ومن المكروهِ عندهم النومُ بين صلاة الصبح وطلوع الشمس، فإنه وقتُ غنيمةٍ، وللسيرِ ذلك الوقت عند السالكين مزيةٌ عظيمةٌ، لو ساروا طولَ ليلهم لو يسمحوا بالقعودِ عن السيرِ ذلك الوقتِ حتى تطلعَ الشمس، فإنه أولُ النهارِ ومفتاحُه، ووقتُ نزولِ الأرزاقِ، وحصولُ القسم، وحلولُ البركة، ومنه نشأ النهار .. كما قالوا: إن أعدلَ النومِ وأنفعه نومُ نصفِ الليلِ الأولِ، وسدسه الأخير، وهو مقدار ثمانِ ساعات، وذلك بعد أن تذهب فحمةُ العشاءِ وإذا كانت كثرةُ النومِ تورد هذه الآفات، فمدافعتهُ وهجره تورث آفاتٍ أخرى عظامًا من سوءِ المزاج وانحرافِ النفسِ، وجفافِ الرطوباتِ المعينةِ على الفهمِ والعملِ، وأمراضٍ أخرى، وما قام الوجودُ إلا بالعدل، وكلا طرفي قصد الأمورِ ذميم.
стр. 1240
أما المفسدُ الخامسُ للقلب فهو التمني، وسبقت الإشارة إليه (١).
عبادَ الله يا من روضتم أنفسكم خلال شهرِ الصوم على كثيرٍ من خلالِ الخير إياكم أن تعفوا أثرَها بعد، ويا من خرجتم من شهرِ رمضان وصحائفكم بيضاء إياكم أن تسودوها فيما تستقبلون من أيام، أجل لقد هذّب الصيامُ نفوسَكم وساهم قيامُ الليل في إصلاحِ قلوبكم، فلا تفسدوها بالبطر والأشرِ ولا تدنسوها بالفسادِ وسيءِ الأخلاقِ ..
توسطوا في مطعمكم ومشربكم ومنامكم واعتصموا تعكم، وأديموا الصلةَ بكتابِ ربِّكم، ولا يقعدن بكم الشيطانُ عن الصلواتِ المكتوبة ويمسك بأيديكم عن النفقاتِ الواجبةِ أو المستحبةِ، استحضروا التوبةَ في كلِّ أوان وزمانٍ في حياتكم واعملوا بها بمفهومها الواسع (تركًا للمحظور، وفعلًا للمأمور) وأكثروا من الاستغفار فمن أكثر منه جعل الله له من كلِّ همٍّ مخرجًا، ومن كلِّ ضيقٍ فرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب كذلك ورد الخبرُ عن نبيّكم ﷺ (٢).
وأتبعوا السيئةَ الحسنةَ تمحُها، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: ((مثلُ الذي عمل السيئاتِ ثم يعملُ الحسناتِ كمثلِ رجلٍ عليه درعٌ ضيقةٌ قد خنقته، فكلما عمل سنةً انتقضت حلقةٌ ثم أخرى حتى يخرج إلى الأرض)) (٣).
اللهم إنا نسألُك بأنا نشهدُ أنك أنت اللهُ الذي لا إله إلا أنت، الأحدُ الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد أن تتقبل صيامنا وقيامنا وتصلح فسادَ
стр. 1241
قلوبنا واحفظنا في سائر أيامنا وأحوالنا، وألا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وأن تفتح لنا خزائنك ما به تغنينا وتصلح أحوالنا، وأن تفيء على إخواننا المسلمين من جودك ما تفرج به همومهم وتطعم جائعهم وتكسي عراهم وتفك أسراهم.
стр. 1242
بناء الأسرة المسلمة (١)
الخطبة الأولى
الحمد لله ربِّ العالمين خلق فسوّى وقدّر فهدى، وخلق الزوجين الذكرَ والأنثى من نطفةٍ إذا تُمنى، وأن عليه النشأةَ الأخرى، وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له، آلاؤه لا تُعدُّ ولا تُحصى ﴿وأن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ ومن آلائه جعل للناسِ من أنفسِهم أزوجًا ليسكنوا إليها وجعل بينهم مودةً ورحمةً، وأشهدُ أن محمدًا عبدهُ ورسولُه جاءت رسالتهُ بالخير والهدى وأقامت في المجتمعِ بناءً تقومُ أواصره على البرِّ والإحسان والمودةِ والتُّقى، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارضَ اللهم عن آل بيته والمؤمنين وصحابته الخيرين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.
فأما بعد فأوصي نفسي وإياكم-معاشر المسلمين- بتقوى الله، وتلك وصيةُ الله للأولين والآخرين ﴿ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله﴾ (٢).
﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا﴾ (٣).
أيها المسلمون! يُعنى الإسلامُ عنايةً عظمى ببناءِ الأسرةِ وصونِها من أي سهامٍ
стр. 1243
توجَه إليها، ذلكم أن الأسرةَ قاعدةُ المجتمعِ، ومدرسةُ الأجيال، وسبيلُ العفةِ وصونٌ للشهوةِ، والطريقُ المشروعُ لإيجاد البنين والأحفاد وانتشارُ الأنسابِ والأصهار فبالزواج المشروع تنشأ الأسرة الكريمة وتنشأ معها المودة والرحمة، ويتوفر السكنُ واللباس، إنها آيةٌ من آياتِ الله يُذكرنا القرآنُ بها ويدعونا للتفكرِ في آثارها وما ينشأ عنها ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون﴾ (١).
وهى ما يتفرع منها نعمةٌ ومنةٌ ينبغي أن نشكر الله عليها ﴿والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزوجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمت الله هم يكفرون﴾ (٢).
عبادَ الله إن الأسرةَ في الإسلام لوحةٌ مضيئةٌ ومرآةٌ عاكسةٌ لسموِّ تعاليمِ القرآنِ، وهي شاهدٌ ملموس على علوَّ شأنِ الإسلام تعجز الأنظمةُ البشريةُ- مهما بلغت- أن تبلغَ مبلغه، وأفلست الأديانُ القديمةُ والحضاراتُ المعاصرةُ أن تصل مستواه، والواقعُ يشهدُ بتفككِ الأسرِ وضياعِ المجتمعات في مشرقِ الأرضِ ومغربها حين يغيب عنها الإسلام أو تضلُّ عن توجيهات القرآن!
أجل إن من هدي الإسلام في بناءِ الأسرةِ الأمرَ بالعشرةِ بالمعروف ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ (٣).
ويقول عز من قائل: ﴿فإمساك بمعروف﴾ (٤).
стр. 1244
وخلاصةُ العشرةِ بالمعروف: تطييبُ الأقوال وتحسينُ الأفعالِ والهيئاتِ- حسب القدرة- واستدامة البشر ومداعبة الأهل وتوسيع النفقة دون إسراف وقيامُ كلٍّ من الزوجين بما يحبُّ أن يقوم له الآخر فيؤثر عن ابن عباس ﵄ أنه قال: إني أحبُّ أن أتزين لامرأتي كما أحبُّ أن تتزين لي (١).
يا أخا الإيمان لا يقف هديُ الإسلام في العشرة بالمعروف عند حدودِ الأمرِ واعتبارها من المروءة والدين، بل يرتب عليها من الخيريةِ والجزاء ما يدعو للعناية بها والاهتمام، ويقول ﵊: ((أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خُلُقًا، وخيارُكم خيارُكم لنسائهم)) (٢).
وفي مقابل ذلك تقلُّ خيريةُ من تشتكي منه النساء.
وفي الخبر ((لقد أطافَ بآلِ محمدٍ نساءٌ كثير يشكون أزواجَهنَّ ليس أولئك بخياركم)) (٣).
وفي محمدٍ ﷺ أسوةٌ حسنة وهو القائل: ((خيرُكم خيرُكم لأهله وأنا خيرُكم لأهلي)) (٤).
أيها المسلمُ والمسلمةِ بناءُ الأسرةِ في الإسلام متينُ القواعدِ عميقُ الجذور، لا ينبغي أن يُهدمَ كيانُهُ لسببٍ يسير، حتى ولو شعرت النفسُ بالكره أحيانًا فلربما كان فيما تكره النفوسُ خيرًا، كثيرًا، وتأمل هديَ القرآنِ والله يقول: ﴿فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا﴾ (٥).
стр. 1245
يقول القرطبي ﵀: ((فإن كرهتموهن أي لدمامةٍ أو سوءِ خلقٍ من غيرِ ارتكابِ فاحشةٍ أو نشوز، فهذا يُندب فيه إلى الاحتمال فعسى أن يؤول الأمرُ إلى أن يرزق اللهُ منها أولادًا صالحين)) (١).
وقال مكحولٌ: سمعتُ ابنَ عمر ﵄ يقول: إن الرجلَ ليستخيرُ الله تعالى فيُخارُ له، فيسخطُ على ربِّه فلا يلبث أن ينظر في العاقبةِ، فإذا هو قد خير له (٢).
وعقدُ الزوجية في الإسلامِ أكبرُ من النزوات العاطفية، وأجلُّ من ضغطِ الميلِ الحيواني المسعور، ولا يليقُ أن تعصفَ به الأمزجةُ الطارئة، فيتخلى الزوجُ عن زوجتهِ لمجرد خُلُقٍ كرهه منها، أو ناحيةٍ من نواحي الجمال افتقدها فيها، فعساه أن يجدَ أخلاقًا أخرى يرضاها، ولن يُعدم نوعًا من الجمالِ يتوفرُ فيها، وإلى هذا يرشد المصطفى ﷺ وهو ينهى عن استدامةِ البغضِ الكلى للمرأة ويقول: ((لا يفركْ مؤمنٌ مؤمنةً إن كره منها خُلُقًا رضي منها آخر)) (٣).
والمعنى: لا يبغضها بُغضًا كليًّا يحمله على فراقِها، بل يغفر سيئتها لحسنتِها، ويتغاضى عما يكره لما يُحب (٤).
أيها المسلمون! إذا كان هذا منطقَ الشّرع، فمنطقُ العقلِ يقول: إن الواقعَ يشهدُ بالعواقبِ الحميدةِ لأسرٍ تجاوزت الخلافاتِ في بدايةِ حياتِها، وتغلبت على المكارِه والمصاعبِ أولَ نشأتِها، ومن يتقِ اللهَ يجعل له مخرجًا، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، وعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل اللهُ فيه خيرًا كثيرًا.
стр. 1246
إخوةَ الإيمان! وإن في المسلمِ الحقِّ من المروءةِ والنبلِ والتجمُّلِ والاحتمالِ وسعة الصدرِ، وسموِّ الخلقِ ما يجعله يرتفع في تعامله مع زوجته التي يكرهها بعيدًا عن نزواتِ البهيمةِ وطمع التاجر، وتفاهةِ الفارغ.
وإذا كانت المودّةُ أحدَ دعائمِ الزوجيةِ وسببًا كبيرًا لبقائها، فإن الرحمةَ هي الأخرى دعامةٌ مهمةٌ لبقاءِ الزوجين وارتباطهما، حتى وإن عُدم الحُبُّ أو قلت المودّةُ، هكذا يوجه القرآن ويدعو للتفكر ﴿وجعل بينكم مودة ورحمة﴾.
قال المفسرون: إن الرجلَ يُمسكُ المرأةَ إما لمحبته لها أو لرحمةٍ بها بأن يكون لها منه ولدٌ، أو محتاجةٌ إليه في الإنفاق أو للألفةِ بينهما وغير ذلك ﴿إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون﴾.
أيها المؤمنون! إذا كانت العشرة بالمعروف بين الزوجين من دعائم بناء الأسرة، فإن الإيمان بالله قمة المعروف وعمل الصالحات سبيل الوفاق بين الزوجين، فالإيمانُ وعملُ الصالحاتِ يشيعان في البيوتِ السكينة، وبهما تتحقق السعادة ويتطلعُ الزوجانِ بهما إلى منازل الآخرة، وتتوجه الهممُ عندها إلى رضوان الله والجنة، وهاكم نموذجًا لهذين الزوجين يترحم عليهما ﷺ قال: ((رحم الله رجلًا قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته فصلت، فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها فصلى، فإن أبى نضحت في وجهه الماء)) (١).
وينبغي أن تستمر جذوةُ الإيمان، ولباسُ التقوي بين الزوجين حتى وإن وقع
стр. 1247
الطلاقُ وحصل الفراق، فلعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا، وتأملوا قول الله تعالى: ﴿فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرًا﴾ (١).
اللهم انفعنا بهدي القرآن ووفقنا للاقتداء بسيد الأنام، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 1248
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أمر بالتعاون على البرِّ والتقوى ونهى عن الإثم والعدوان، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله خيرُ الناسِ للناس، وخيرُ الأزواجِ للزوجات، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين.
إخوة الإسلام! من دعائم بناء الأسرةِ المسلمة وقايتها من النار، قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة﴾ (١).
عن ابن عباسٍ ﵄: قوا أنفسكم، وأمروا أهليكم بالذكر والدعاءِ حتى يقيَهم اللهُ بكم، ويروى عن عمر ﵁ أنه لما نزلت هذه الآيةُ قال: يا رسولَ الله: نقي أنفسنا، فكيف لنا بأهلينا، فقال: تنهونهم عما نهاكم الله وتأمرونهم بما أمر الله. وقال بعضُ المفسرين- تعليقًا على هذه الآية: علينا تعليمُ أولادنا وأهلينا الدين والخير، وما لا يُستغنى عنه من الأدب، وهو قوله تعالى: ﴿وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها﴾ ونحو قوله: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ (٢).
أيها الراعي مسئوليتك في الرعاية عظيمة يعنيك منها قوله ﷺ : ((والرجل راع في أهله ومسئولٌ عن رعيته، والمرأة راعيةٌ في بيت زوجها ومسئولةٌ عن رعيتها)) (٣).
أيها المسلمون! مع كلِّ ما سبق من دعائم لبناء الأسرة المسلمة فثمة دعامة رابعة تحتاج إليها الأسرة لتماسكها وضمان مسيرتها، الإصلاح حين نشوءِ الخلاف،
стр. 1249
ورأبُ الصدع قبل تصدع البنيان، وليس الناسُ وملائكةً معصومين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فكلُّ ابن آدم خطّاء، ولو قُدِّر لبيت أن يسلم من خلافٍ أو خطأ لسلم بيت رسول الله ﷺ وحين نزل قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم﴾ الآيات (١)، علم المسلمون أن الخطأ من طبع البشر، وأن التوبة تطلب من أزواجه ﷺ ، وأن الطلاق قد يقع منه ﷺ كما في قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ ووقوعه من غيره من باب أولى.
ومع اعتبار ذلك كله فيندب إلى الإصلاح بين الزوجين المتخالفين: ﴿وإن امرأة خافت من بغلها نشوزًا أو إعراضًا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير﴾ (٢).
ويؤمر الأزواج ممن يخافون نشوزهن بالموعظة والهجر في المضاجع والضرب غير مبرح: ﴿والتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا﴾ (٣).
ولابد للزوجين المريدين للإصلاح أن يصلحا ويوفق اللهُ بينهما كما قال تعالى: ﴿إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرًا﴾ (٤).
ألا يا أيها الزوج المريد للفراق ترفق وتأمل في العواقب قبل أن تقدم على الفراق. ويا صاحب القرار رويدك حتى تهدأ النفس الثائرة، وتسكن العواطف
стр. 1250
المتأججة، وتنطفئ نيران الغضب المحرقة .. ويا أيتها النساء اتقين الله في طاعة أزواجكن، وإياكن أن تخرجن الأزواج عن أطوارهم بسلوك مشين أو منطق سقيم، وإياكن أن تفهمن حسن العشرة من الأزواج ضعفًا، والعفو عن الزلة غفلةً وبلهًا، والرفق بالقوارير جهلًا. كلا .. إنها أخلاق الكرماء، ومروءة النبلاء والحقوق الواجبةُ تؤدَّى .. وتضعها النساءُ العاقلاتُ موضعها اللائق بها، والصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله.
أيها المسلمون! ليس من مستلزمات دعائم الأسرة أن تستنوق الجمال، ولا تترجل النساء، ولا أن تضيع قوامة الرجال على النساء، وكفى بالقرآن حكمًا: ﴿الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم﴾ (١).
ومصيبة أن تستلب النساء حقوق الرجال في الرعاية والتوجيه والأمر والنهي واتخاذ القرار، وتسترخي في حقوقها اللازمة لها من حسن العشرة أو واجباتها المنزلية، أو المساهمة في إصلاح الذرية. وهنا يطيب عرض نموذجين للأسرة المسلمة فيها عبرة وقدوة في الأسرة الأولى سيدة من سادات نساء العالمين وبنت سيد المرسلين وزوجها رابع الخلفاء الراشدين، أخرج ابنُ سعدٍ بسنده عن علي ﵁ أنه قال يومًا لزوجته فاطمة بنتِ محمدٍ ﷺ : لقد سنوتُ حتى اشتكيتُ صدري، وقد جاء الله بسبي فاذهبي فاستخدمي، فقالت فاطمة: وأنا والله قد طحنتُ حتى مجلت يداي، فأتت النبي ﷺ فقال: ((ما جاء بكِ يا بنيَّة؟ )) فقالت: جئت لأسلم عليك، واستحيت أن تسأله، ورجعت، فأتياه جميعًا، فذكر له عليٌّ حالهما، قال: ((لا والله لا أعطيكما وأدعُ أهل الصفة تتلوى بطونهم، لا أجد ما
стр. 1251
أنفق عليهم، ولكن أبيع وأنفق عليهم أثمانهم)) فرجعا فأتاهما، وقد دخلا على قطيفتهما، إذا غطيا رؤوسهما بدت أقدامهما، وإذا غطيا أقدامهما انكشفت رؤوسهما، فثارا، فقال: ((مكانكما، ألا أخبركما بخير مما سألتماني؟ )) فقالا بلى، فقال: ((كلمات علمنيهن جبريل: تسبحان في دبر كل صلاة عشرًا، وتحمدان عشرًا، وتكبران عشرًا، وإذا أوتيما إلى فراشكما تسبحان ثلاثًا وثلاثين، واحمدا ثلاثًا وثلاثين، وكبرا أربعًا وثلاثين))، قال عليٌّ: فوالله ما تركتهما منذ علمنيهن، قيل له: ولا ليلة صفين، قال: ولا ليلة صفين (١).
أما النموذج الآخر ففيه بنتُ الصديق، ذات النطاقين، وزوجها حواري رسول الله ﷺ وأحد العشرة المبشرين بالجنة ﵃ أجمعين. أخرج ابن سعدٍ أيضًا بسنده عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: تزوجني الزبير وما له في الأرض مالٌ، ولا مملوك، ولا شيء غير فرسه قالت: فكنت أعلف فرسه، وأكفيه مؤنته، وأسوسه وأدق لناضحه، وكنتُ أنقل النوى من أرض الزبير ... الحديث (٢).
هذه نماذج لأسر كريمة عاشت سعيدة وماتت كريمة، عرف الأزواج واجباتهم قاموا بها، وعلمت النساء ما عليهن فأدينها لم تلههم طغيانُ الدنيا عن الحياة الأخرى، ولم يستكبروا عن الخدمة وهم من خير البرية.
أيها المسلمون! هناك مخاطرُ تحيط بالأسرة المسلمة وتهدد بخلخلة البناء العظيم، منها مخاطر من ذوات أنفسنا، ومنها ما هو من كيد أعدائنا .. ولأهميتها وحاجتنا إلى الوعي بها أستبقي الحديث عنها في الجمعة القادمة بإذن الله ..
стр. 1252
اللهم احفظ علينا أمننا وإيماننا وأصلحنا وأصلح لنا، وهب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إمامًا .. هذا وصلوا.
стр. 1253
مخاطر تهدد الأسرة (١)
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجًا، وكان فيما أنزل قوله تعالى: ﴿والله جعل لكم من بيوتكم سكنا﴾ (٢).
أحمده تعالى وأشكره إذ جعل البيوتَ سكنًا نأوي إليها ونستتر بها وننتفع بها سائر وجوه الانتفاع، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شاءَ وقدَّر أن تكون البيوتُ مكان ستر المرأة وصيانتها، فقال تعالى: ﴿وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى﴾ (٣)، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أخبر عن مسئولية الرجل في رعاية أهل بيته فقال: ((إن الله تعالى سائلٌ كل راع عما استراعاه، أحفظ ذلك أم ضيعه، حتى يسأل الرجل عن أهل بيته)) (٤).
اللهم صلَّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارضَ اللهم عن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ألا فاتقوا الله عبادَ الله، وارعوا الواجبات التي استرعاكم الله إياها، وهو يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ (٥).
عبادَ الله! حديثُ اليومِ استكمالٌ للحديث السابق، وإذا كان الحديث فيما مضى
стр. 1254
عن بناءِ الأسرةِ المُسلمة، فحديث ليوم عن المخاطر التي تحيط بهذه الأسرة وسبل الوقاية منها.
ولا شك أن هذه المخاطر منها ما نتسبب فيها لأنفسنا، ومنها ما هو من كيد أعدائِنا ويندرج ضمن محاربتهم لعقيدتنا وأخلاقنا، ولا يسوغ لنا دائمًا أن نبرر لأخطائنا، أو نحيل على عدونا في أمورٍ نعلم أن بإمكاننا علاجها والوقاية منها بقوة إرادتنا، كما لا يسوغ لنا أن نستسلم لكيد الأعداء وننفذ عالمين أو جاهلين مخططات المكر والفساد التي يصدرون لنا، ونحن أمة يفترض فينا أن نؤثر في الآخرين وأن نزرع فيهم الخير، بدل أن تكون بلاد المسلمين سوقًا تروج فيها البضاعة الكاسدة، أو تصدر إليها زبالات الأفكار، ونتن الحضارات الفاسدة.
أيها المسلمون! من هذه المخاطر الداخلية ضعفُ الدين وتضييع الأمانة وإذا ضاع الإيمانُ فلا أمان ولا دنيا لمن لم يحي دينًا، وإذا كانت المرأة تنكح لعدةِ أغراضٍ: لجمالها ومالها، ولحسبها ولدينها، فوصية الرسول ﷺ واضحة لذات الدين، هو يقول: ((فاظفر بذات الدين تربت يداك)) (١) والتحذير واردٌ من ((خضراءِ الدمن)) وهي المرأة الحسناءُ في منبت السوء.
وقد ينبت المرعي على دمن الثرى ... وتبقى حزازات النفوس كما هي (٢)
وضعف الدين، وتضييع الأمانة، والإعراض عن ذكر الله خطرٌ عظيم يهدد الأسرة بالضياع، وتضيع معه التربية النافعة للأسرة من بنين وبنات وننسى الأهداف الجليلة لقيام الأسرة المسلمة، وهو سببٌ لحياة الضنك والشقاء، سواء كان ذلك
стр. 1255
من قبل الرجال أو النساء: ﴿ومن أعرض عن ذكري فإن له عيشة ضنكًا﴾ (١)
وتتحقق السعادة الأسرية بالإيمان وعملِ الصالحات، ذلك وعدٌ غيرُ مكذوب ﴿من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾ (٢).
وفي الخبر الصحيح: ((قلبٌ شاكر، ولسانٌ ذاكر، وزوجة صالحة تعينك على أمر دنياك ودينك، خير ما اكتنز الناس)) (٣).
أيها المؤمنون! إذا اجتمع إلى ضعفِ الدين توفير أسباب الفساد كان الخطر أعظم والبلية آكد، فالمجلة الوافدة الخليعة سهمٌ طائش موجه لهدم الأسر، والشريط الذي يحمل صورًا ماجنة، أو يحتوي على كلمات الحب والغرام لا يشك عاقل أو عاقلة في تدميرهما للخلق والفضيلة والحياء، وهاك تحذيرًا صادقًا من ابن القيم وهو يُعلق على أحاديث الغناء وأثره، مع فارق الصورة قديمًا وحديثًا، يقول ﵀: ((ولا ريب أن كلَّ غيورٍ يجنِّب أهله سماع الغناء، كما يجنبهن أسباب الرِّيب، ومن طرَّق أهله إلى سماع رقية الزنا فهو أعلم بالإثم الذي يستحقه)) (٤). إلى أن يقول: أما إذا اجتمع إلى هذه الرقية الدفُّ، والشبابةُ والرقص بالتخنث والتكسر، فلو حبلت المرأة من غناءٍ لحبلت من هذا الغناء، فلعمر الله كم حُرَّةٍ صارت بالغناء من البغايا! وكم من حرٍّ أصبح به عبدًا للصبيان والصبايا، وكم من غيورٍ تبدل به اسمًا قبيحًا بين البرايا، وكم من ذي غني وثروة أصبح بسببه على
стр. 1256
الأرض بعد المطارف والحشايا، وكم من معافى تعرض له فأمسى وقد حلَّت به أنواعُ البلايا، وكم جرَّع من غصة، وأزال من نعمة، وجلب من نقمة، وذلك منه من أحدى العطايا وكم خبَّأ لأهله من آلام منتظرة، وغموم متوقعة، وهمومٍ مستقبلية .. (١).
أيها المسلمون! تُشكل صويحبات السوء خطرًا تهدد الأسرة بالانهيار، وذلك بما تهديه من عطايا محرمة، أو تبثه من كلام مسموم وإن بدا ظاهره النصح، أو تبادل الهدايا، وسواء كان ذلك عبر صديقة العمل، أو زميلة الدراسة، أو مُفْسدة بالغيبة والنميمة وقالةِ السوء عبر سماعة الهاتف، فكل ذلك خطر لابد من الحصانة منه، كما يُشكل الهاتف خطرًا آخر حين يُساء استخدامه، وتضعف الرقابة عليه، وتترك الفرصة لأصحاب المعاكسات والمغازلات يتصلون كيف شاءوا، وربما اصطادوا المرأة البريئة عبر تسجيل حكاياتٍ فارغةٍ لم تتنبه لها فكانت سببًا في الضغط عليها وجرها إلى فسادٍ أكبر جرَّ عارًا على الأسرة كلها وصدَّع أركانها، فتنبهوا لهذا الخطرِ الغادر، وقوا نسائكم وأبناءكم وبناتكم آثاره المدمرة.
عباد الله! خلاف الزوجين دون تبصر، وتحميل الأمور ما لا تحتمل وتعظيم الصغائر، وتوسيع دائرة الشقاق وإدخال أكثر من طرفٍ في الخلاف .. كل ذلك يهدم الأسر ولا يبنيها، ويعجل بانفراط عقدها وتشاحن أفرادها، والشديد ليس بالصرعة ولكن من يملك نفسه عند الغضبِ، والحلمُ والصفح والعفو أخلاق كريمة دعا إليها القرآن، وليست مؤشرًا للضعف أو دليلًا على الهزيمة في الخصومة كما قد يوسوس بها الشيطان.
стр. 1257
ألا وإن خير الناس بطيء الغضب، سريع الفيء، وشرهم سريع الغضب بطيء الفيء. ويسوءُ الخلاف ويشتد خطره إذا انتهى إلى كسر.
أيها المسلمُ والمسلمة، ثمة داءٌ يهدد الأسر، إنه الإسراف الذي يثقل كواهل الرجال بكثرة طلبات النساء، أو البخل الذي تضيق به عاقلات النساء لشح القادرين من الرجال.
وبشكل عام فإن شدة بعض الأزواج دون مبرر، أو عصيان بعض الزوجات وعدم قيامهن بحقوق الزوجية، كلّ ذلك يُفرق ولا يجمع، ويهدم ولا يبني. وتنساب الحياة الزوجية هادئة مطمئنة إذا عرف كلٌّ من الزوجين واجباته وحقوقه، فأدى ما عليه راضيًا محتسبًا وترفق في طلب حقِّه صابرًا مقتصدًا في هذه الجوِّ المتآخي يعترف بالقوامة للرجل دون أن تمتهن المرأة أو تحتقر ..
أيها المؤمنون! إن الإسلام الذي طلب من الرجل أن يُحسن صحبة المرأة، ويستوصي بها خيرًا ويعاشرها بالمعروف، هو الذي أمر المرأة أن تسمع له وتطيع في حدود ما أحل الله- فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق- ولقد أكد الله هذه القوامة في القرآن، وبلغ الرسول ﷺ في تشديد طاعة الزوجة زوجها أن يقول: ((لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحدٍ، لأمرتُ المرأة أن تسجد لزوجها)) (١).
وفي حديث آخر: (( .. والذي نفسُ محمدٍ بيده لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها كله، حتى لو سألها نفسها وهي على قَتبٍ لم تمنعه)) (٢).
أيها المسلمون! يُقال هذا عن أهمية قوامة الرجال على النساء وضرورة الطاعة
стр. 1258
بالمعروف؛ لأن غياب القوامة من الرجال، وتفرد النساء بالأمر والنهي يحدث خللًا بيِّنًا في البيوت، وهو أحد المخاطر التي تهددها، ولا يفلح قومٌ ولوا أمرَهم امرأة، والنساءُ ناقصات عقلٍ ودين، وتحميلهن فوق طاقتهن ظلمٌ لهن وجناية على المجتمع من حولهن، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا﴾ (١).
стр. 1259
الخطبة الثانية
الحمد لله ربِّ العالمين نبّه المسلمين لعداوة الكافرين وخطرهم فقال: ﴿ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم﴾ (١)، ونهى عن اتخاذهم أولياء فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوى وعدوكم أولياء﴾ (٢).
وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له أرشد إلى أن الصبر والتقوى مبطل لكيد الأعداء: ﴿وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط﴾ (٣).
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله حذر أمته من اتباع سنن من كان قبلهم من الأمم الكافرة حتى وإن دخلوا جحر ضبٍّ لدخلوه معهم، وأوحى الله إليه فيما أوحى: ﴿ولتستبين سبيل المجرمين﴾ (٤).
اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر المرسلين، وارضَ اللهم عن الصحابة أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فمن المخاطر الداخلية التي تهدد الأسرة المسلمة إلى المخاطر الخارجية أحدثكم عن شيء من كيد الأعداء وسهامهم الطائشة لهدم كيان الأسرة بشكل عام، وإفساد المرأة المسلمة على الخصوص.
فمن وسائلهم في ذلك وسائل الإعلام بكافة قنواتها وأجهزتها، ويأتي البث
стр. 1260
المباشر والقنوات الفضائية في طليعتها، وبالله كم هدمت هذه البرامجُ الإعلامية المخربة من أسرةٍ! وكم حطمت من كيان! وكم سلخت من خلقٍ ووارت عفةً وحياءً! ولست أدري كيف رضي البعض منا باحتضان العدوِّ داخل عقر بيته، بل وفي غرفة نومه، وقد كنا عبر القرون نجالدهم بالسيوف ونفدي إسلامنا وقيمنا بأرواح آبائنا وأبنائنا، ونستشرف الدماء تراق من أجل الحفاظ على عقيدتنا وأصالتنا.
فيا أيها المسلمُ والمسلمةُ! أيسركما أن يكون منزلكما مسرحًا يستقبل عبر الشاشة الكفر والإلحاد، وتشاهد من خلالها الأفلامُ الداعرة والقنوات المتحللة الساقطة، وتُعرض فيها كؤوسُ الخمر، وصورُ العاهرات الفاجرات من خلال المسلسلات وعرض الأزياء؟ أترضون بذلك لأنفسكما ومن تحت أيديكما من الذرية (١).
إنني أذكركم الله في الأمانة التي تحملتموها وأبت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها، وأذكركم الله في المسئولية التي استرعاكم الله إياها وسوف يسألكم عنها، وليس سرًّا أن يُقال لكم إن هذه البرامج المنتجة مدعومة من الكفار لإفساد أخلاقكم وهدم عقيدتكم، ودونكم الدليل:
فقد عُقد مؤتمرٌ في دولة نصرانية ضم أكثر من مئةِ دولةٍ وحضره أكثر من ثمانية آلاف مُنصِّر، وكلّف أكثر من إحدى وعشرين مليون دولار؟ أتدرون لماذا؟ لدراسة كيفية الاستفادة من البث المباشر في تنصير العالم (٢).
وإذا كان هذا جهد النصارى فلا تسأل عن جهد اليهود هم أربابُ المالِ
стр. 1261
وأصحابُ الإعلام؟ ولا تسأل عن النحل والملل والأيدولوجيات الفاسدة الأخرى وعلى سبيل المثال:
فهذه ((جولد مائير)) رئيسة حكومة الكيان الصهيوني السابق تقول: ((تنتابني هواجسُ ويجتاحُني الذعر قبل نومي كلَّ ليلة عندما أتخيلُ عدد الأطفال الفلسطينيين الذين سيولدون في اليوم الثاني)) (١).
إنها المؤامرة على العالم والرِّهان على إفساد القيم والأخلاق للشعوب، وليس يُلام الذئبُ في عدوانه .. ولكن المأساة حين تغيبُ عقول المسلمين عن مخططات الكافرين أو تأسرهم الشهوات ولو كانت على حساب العقائدِ والمكرمات.
أيها المسلمون أما الخطرُ الخارجي الآخر على الأسرة المسلمة، فهو: تحديد النسل، هذا الداء الذي يسري فينا دون أن ننتبه له، ويُخطط له أعداؤنا ونحن في غفلةٍ عنهم، ولربما بلغ بنا الأثرُ مبلغه فتصور بعضنا أن قلة الأولاد تحضرًا، وأن تحديد النسل أسلوبًا راقيًا، وتضيع في زحمة الأفكار الدخيلة وصية الرسول ﷺ لنا: ((تزوجوا الودودَ الولودَ فإني مكاثرٌ بكم الأمم يوم القيامة)) (٢).
ولربما أرهبنا الأعداء، أو وسوس إلينا الشيطان بصعوبة النفقة أو خشينا الفقر مع كثرة الذرية، والله ينهانا عن ذلك، بل يقدم رزقهم على رزقنا، ويقول: ﴿ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئا كبيرا﴾ (٣).
عباد الله! إن كثرة المسلمين شبحٌ مخيفٌ للكافرين، وإن تحديد نسلهم وسيلة
стр. 1262
من وسائل القضاء عليهم، سواء أكان ذلك بكثرة تعاطي الحبوب المانعة للحمل، أو بوسائل وعمليات أخرى لا تزال تُصدر إلى العالم الإسلامي، والمصيبة حين يسري هذه الداء في مجتمعات المسلمين، وهم في غفلة عن كيد الكافرين، وأسوق لكم شيئا من مخططاتهم في هذا السبيل.
عقدت هيئة اليونسكو مؤتمرها الثالث عشر في ((سان فرانسيسكو)) بحضور مائةٍ من المفكرين لبحث مشكلة التضخم السكاني في الدول النامية للحدِّ منه، وكان من بين المقترحات مقترحٌ تقدم به (بولس أرليس) أستاذ في جامعة (ستانفورد) الأمريكية، ويقضي بوضع مُركبات منع حمل في الغذاء المرسل للدول النامية، وأعجب من ذلك أن أعلن الدكتور (لي دوبر يدج) المستشار العلمي للرئيس نيكسون في المؤتمر نفسه أن الولايات المتحدة تُفكر في قطع معونتها الاقتصادية عن الدول التي لا توقف تزايد سكانها، وقال إن استخدام مركبات منع الحمل في مياه الشرب والطعام قد يكون حلًّا لهذه المشكلة في الدول النامية (١).
فهل يستيقظ النائمون .. وهل يرعوي المخدوعون، وهل يقتصد المروجون لأفكار الآخرين .. ، ومما يلفت النظر أن هذه الأفكار والمخططات التي تروج في بلاد المسلمين، يُحذِّر منها الكافرون، ويُشجعون أسرهم على تزايد النسل، فقد أعلن البابا (بولس السادس) أن استخدام وسائل تحديد النسل إثم، وإن مستخدميها آثمون)) أما الرئيس الفرنسي النصراني (ديستان) فقد ناشد شعبه ليزيد نسله، وأعلن عن مكافأة ماليةٍ للأسرة التي يزيدُ أفرادُها عن ثلاثة.
إذا كان هذه شأن النصارى، فاليهود لا يعترفون بتنظيم النسل، بل إن
стр. 1263
الحاخامات يمنحون أبناء الزنا ولو من غير اليهود الصفة اليهودية ويهتمون بهم، ويعتبر العقم عند اليهود لعنة كبيرة (١).
وبالجملة فكم يخسر المسلمون وهم يجهلون تعاليم دينهم، وواقع عدوهم، ويجهلون مكرَ أعدائهم وينفذون بسذاجة مخططاتهم، فيساهمون معهم في المؤامرة على الأسرة المسلمة.
أيها المسلمون! هناك وسائل أخرى من أعدائنا لهدم أسرنا، كعقد المؤتمرات المشبوهة والخروج منها بتوصيات فاجرة، وما مؤتمر الإسكان بالقاهرة وبكين إلا نماذج صارخة لهذه المؤامرة العالمية على الأسرة المسلمة. ومنها غزو الأفكار الوافدة وتغيير المفاهيم الصحيحة.
فالحجاب الشرعي تخلفٌ ورجعيةٌ، والاختلاط في التعليم أو العمل تقدم وحضارة، وتعددُ الزوجات ظلمٌ للمرأة، وقرار المرأة في بيتها عودةٌ بها إلى القرون المظلمة، ﴿كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا﴾ (٢)، وفي ظل هذه الفتنة العمياء، تصور المرأة الكافرة على أنها النموذج المحتذى، ويُسخر بالدين، وتنحر الفضيلة والحياء على مرأى ومسمع الغفلاء، وإلى الله المشتكى وهو وحده المُستعان.
أيها المسلمون! برغم ذلك كله فكيدُ الشيطان ضعيف، ويأبى الله إلا أن يتم نوره، ولكن لابد أنت يصدق المسلمون مع ربهم ويحاسبوا أنفسهم، ويبدءوا بإصلاح بيوتهم فلابد لهم منها، ثم يتناصحوا فيما بينهم ويتواصوا بالحقِّ والصبر
стр. 1264
على ما يصيبهم، حتى يصلح الله حالهم أو يتوفاهم وهو راضٍ عنهم، وصدق الله: ﴿ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم﴾ (١). وصدق الله إذ يقول: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾ (٢).
اللهم اصلح أحوالنا وبصرنا بمواطن الضعف في نفوسنا، واكفنا شرَّ أعدائنا، وأصلح ذات بيننا.
أيها المسلمون! وما دام الحديث عن المخاطر التي تهدد الأسر ..
فلا شك أن مما يهددها في عصرنا الحاضر حوادث السيارات المفزعة، ولا شك أن من أبرز أسبابها السرعةُ المتهورة، أو التساهل في قطع الإشارة المرورية؛ وما ينجم عنه من حوادث مروعة، وإني أوصيكم ونفسي بأن نجنب أنفسنا هذه المخاطر بسبب سوء صنيعنا، فالسرعة الجنونية والاستهانة بالإشارات المرورية، كل ذلك طريق للهلاك وإهلاك الآخرين والله يقول: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما﴾، ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾، والانضباط في القيادة دليلُ العقلِ والرُّشدِ، واحترام قواعد السير المُنظمة دليلُ الوعي وحسن الذوق، وإذا استرخصت نفسك فاعلم أن أنفس الآخرين غالية، وكن قدوة صالحة لغيرك، واعلم أن الإسلام وضع آدابًا للطريق وحقوقًا للآخرين عليك أن ترعاها، وهذا لا ينبغي أن يكتفى بالتنبيه عليه في أسابيع المرور فحسب بل ينبغي أن يكون محلَّ اهتمام في كلِّ وقت. هذا وصلوا.
стр. 1265
أيام العشر وأحكام العيد والأضاحي (١)
الخطبة الأولى:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين.
اللهم لك الحمد إذ بلغتنا هذه الأيام الفضيلة، اللهم وكما بلغتنا فأعنا على استثمارها بعمل الصالحات، وتقبل منا ومن إخواننا المسلمين سائر الطاعات، وكفِّر عنا السيئات، وارفع لنا الدرجات.
اتقوا الله وعظموا أمره أيها المسلمون، وأنتم في أيام يذكر فيها اسمُ الله، وتُعظم شعائره، ويفد الحجيجُ إلى بيته ابتغاء مرضاته.
أيها المسلمون! كم نُضيِّع من الأوقات هدرًا، وسيندم كل مفرط غدًا، وإذا كنا قد فرطنا فيما مضى، فها هي فرصة سانحةٌ تُتاح لنا، ويُعظم الله فيها الأجور لنا، فهل من مسابقٍ للخيرات، والله تعالى يقول: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾.
ودونكم هذا الحديث في فضل عشر ذي الحجة فاعقلوه، أخرج الإمام أحمدُ وغيره بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: كنتُ عند رسول الله ﷺ ، قال: فذُكرت له الأعمال فقال: ((ما من أيام العمل فيهن أفضل من هذه العشر))، قالوا: يا رسول الله الجهاد في سبيل الله؟ فأكبره، فقال: ((ولا