← Джавами‘

Джавами‘ · id 20948

شعاع من المحراب

سليمان بن حمد العودة

Полный текст (3 545 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

وأصحابُ الإعلام؟ ولا تسأل عن النحل والملل والأيدولوجيات الفاسدة الأخرى وعلى سبيل المثال: فهذه ((جولد مائير)) رئيسة حكومة الكيان الصهيوني السابق تقول: ((تنتابني هواجسُ ويجتاحُني الذعر قبل نومي كلَّ ليلة عندما أتخيلُ عدد الأطفال الفلسطينيين الذين سيولدون في اليوم الثاني)) (١). إنها المؤامرة على العالم والرِّهان على إفساد القيم والأخلاق للشعوب، وليس يُلام الذئبُ في عدوانه .. ولكن المأساة حين تغيبُ عقول المسلمين عن مخططات الكافرين أو تأسرهم الشهوات ولو كانت على حساب العقائدِ والمكرمات. أيها المسلمون أما الخطرُ الخارجي الآخر على الأسرة المسلمة، فهو: تحديد النسل، هذا الداء الذي يسري فينا دون أن ننتبه له، ويُخطط له أعداؤنا ونحن في غفلةٍ عنهم، ولربما بلغ بنا الأثرُ مبلغه فتصور بعضنا أن قلة الأولاد تحضرًا، وأن تحديد النسل أسلوبًا راقيًا، وتضيع في زحمة الأفكار الدخيلة وصية الرسول ﷺ لنا: ((تزوجوا الودودَ الولودَ فإني مكاثرٌ بكم الأمم يوم القيامة)) (٢). ولربما أرهبنا الأعداء، أو وسوس إلينا الشيطان بصعوبة النفقة أو خشينا الفقر مع كثرة الذرية، والله ينهانا عن ذلك، بل يقدم رزقهم على رزقنا، ويقول: ﴿ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئا كبيرا﴾ (٣). عباد الله! إن كثرة المسلمين شبحٌ مخيفٌ للكافرين، وإن تحديد نسلهم وسيلة

стр. 1262

من وسائل القضاء عليهم، سواء أكان ذلك بكثرة تعاطي الحبوب المانعة للحمل، أو بوسائل وعمليات أخرى لا تزال تُصدر إلى العالم الإسلامي، والمصيبة حين يسري هذه الداء في مجتمعات المسلمين، وهم في غفلة عن كيد الكافرين، وأسوق لكم شيئا من مخططاتهم في هذا السبيل. عقدت هيئة اليونسكو مؤتمرها الثالث عشر في ((سان فرانسيسكو)) بحضور مائةٍ من المفكرين لبحث مشكلة التضخم السكاني في الدول النامية للحدِّ منه، وكان من بين المقترحات مقترحٌ تقدم به (بولس أرليس) أستاذ في جامعة (ستانفورد) الأمريكية، ويقضي بوضع مُركبات منع حمل في الغذاء المرسل للدول النامية، وأعجب من ذلك أن أعلن الدكتور (لي دوبر يدج) المستشار العلمي للرئيس نيكسون في المؤتمر نفسه أن الولايات المتحدة تُفكر في قطع معونتها الاقتصادية عن الدول التي لا توقف تزايد سكانها، وقال إن استخدام مركبات منع الحمل في مياه الشرب والطعام قد يكون حلًّا لهذه المشكلة في الدول النامية (١). فهل يستيقظ النائمون .. وهل يرعوي المخدوعون، وهل يقتصد المروجون لأفكار الآخرين .. ، ومما يلفت النظر أن هذه الأفكار والمخططات التي تروج في بلاد المسلمين، يُحذِّر منها الكافرون، ويُشجعون أسرهم على تزايد النسل، فقد أعلن البابا (بولس السادس) أن استخدام وسائل تحديد النسل إثم، وإن مستخدميها آثمون)) أما الرئيس الفرنسي النصراني (ديستان) فقد ناشد شعبه ليزيد نسله، وأعلن عن مكافأة ماليةٍ للأسرة التي يزيدُ أفرادُها عن ثلاثة. إذا كان هذه شأن النصارى، فاليهود لا يعترفون بتنظيم النسل، بل إن

стр. 1263

الحاخامات يمنحون أبناء الزنا ولو من غير اليهود الصفة اليهودية ويهتمون بهم، ويعتبر العقم عند اليهود لعنة كبيرة (١). وبالجملة فكم يخسر المسلمون وهم يجهلون تعاليم دينهم، وواقع عدوهم، ويجهلون مكرَ أعدائهم وينفذون بسذاجة مخططاتهم، فيساهمون معهم في المؤامرة على الأسرة المسلمة. أيها المسلمون! هناك وسائل أخرى من أعدائنا لهدم أسرنا، كعقد المؤتمرات المشبوهة والخروج منها بتوصيات فاجرة، وما مؤتمر الإسكان بالقاهرة وبكين إلا نماذج صارخة لهذه المؤامرة العالمية على الأسرة المسلمة. ومنها غزو الأفكار الوافدة وتغيير المفاهيم الصحيحة. فالحجاب الشرعي تخلفٌ ورجعيةٌ، والاختلاط في التعليم أو العمل تقدم وحضارة، وتعددُ الزوجات ظلمٌ للمرأة، وقرار المرأة في بيتها عودةٌ بها إلى القرون المظلمة، ﴿كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا﴾ (٢)، وفي ظل هذه الفتنة العمياء، تصور المرأة الكافرة على أنها النموذج المحتذى، ويُسخر بالدين، وتنحر الفضيلة والحياء على مرأى ومسمع الغفلاء، وإلى الله المشتكى وهو وحده المُستعان. أيها المسلمون! برغم ذلك كله فكيدُ الشيطان ضعيف، ويأبى الله إلا أن يتم نوره، ولكن لابد أنت يصدق المسلمون مع ربهم ويحاسبوا أنفسهم، ويبدءوا بإصلاح بيوتهم فلابد لهم منها، ثم يتناصحوا فيما بينهم ويتواصوا بالحقِّ والصبر

стр. 1264

على ما يصيبهم، حتى يصلح الله حالهم أو يتوفاهم وهو راضٍ عنهم، وصدق الله: ﴿ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم﴾ (١). وصدق الله إذ يقول: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾ (٢). اللهم اصلح أحوالنا وبصرنا بمواطن الضعف في نفوسنا، واكفنا شرَّ أعدائنا، وأصلح ذات بيننا. أيها المسلمون! وما دام الحديث عن المخاطر التي تهدد الأسر .. فلا شك أن مما يهددها في عصرنا الحاضر حوادث السيارات المفزعة، ولا شك أن من أبرز أسبابها السرعةُ المتهورة، أو التساهل في قطع الإشارة المرورية؛ وما ينجم عنه من حوادث مروعة، وإني أوصيكم ونفسي بأن نجنب أنفسنا هذه المخاطر بسبب سوء صنيعنا، فالسرعة الجنونية والاستهانة بالإشارات المرورية، كل ذلك طريق للهلاك وإهلاك الآخرين والله يقول: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما﴾، ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾، والانضباط في القيادة دليلُ العقلِ والرُّشدِ، واحترام قواعد السير المُنظمة دليلُ الوعي وحسن الذوق، وإذا استرخصت نفسك فاعلم أن أنفس الآخرين غالية، وكن قدوة صالحة لغيرك، واعلم أن الإسلام وضع آدابًا للطريق وحقوقًا للآخرين عليك أن ترعاها، وهذا لا ينبغي أن يكتفى بالتنبيه عليه في أسابيع المرور فحسب بل ينبغي أن يكون محلَّ اهتمام في كلِّ وقت. هذا وصلوا.

стр. 1265

أيام العشر وأحكام العيد والأضاحي (١) الخطبة الأولى: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. اللهم لك الحمد إذ بلغتنا هذه الأيام الفضيلة، اللهم وكما بلغتنا فأعنا على استثمارها بعمل الصالحات، وتقبل منا ومن إخواننا المسلمين سائر الطاعات، وكفِّر عنا السيئات، وارفع لنا الدرجات. اتقوا الله وعظموا أمره أيها المسلمون، وأنتم في أيام يذكر فيها اسمُ الله، وتُعظم شعائره، ويفد الحجيجُ إلى بيته ابتغاء مرضاته. أيها المسلمون! كم نُضيِّع من الأوقات هدرًا، وسيندم كل مفرط غدًا، وإذا كنا قد فرطنا فيما مضى، فها هي فرصة سانحةٌ تُتاح لنا، ويُعظم الله فيها الأجور لنا، فهل من مسابقٍ للخيرات، والله تعالى يقول: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾. ودونكم هذا الحديث في فضل عشر ذي الحجة فاعقلوه، أخرج الإمام أحمدُ وغيره بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: كنتُ عند رسول الله ﷺ ، قال: فذُكرت له الأعمال فقال: ((ما من أيام العمل فيهن أفضل من هذه العشر))، قالوا: يا رسول الله الجهاد في سبيل الله؟ فأكبره، فقال: ((ولا

стр. 1266

الجهاد، إلا أن يخرج رجلٌ بنفسه وماله في سبيل الله ثم تكون مهجةَ نفسه فيه)) (١). يا أخا الإسلام! قف، وسائل نفسك: ماذا قدمت لآخرتك في هذه الأيام الفاضلة، وبماذا خَصَصتها؟ وهل أيام الدهر عندك سواء؟ هل صمت أو تنوي الصيام فيها؟ هل تصدقت؟ هل وصلت؟ هل أكثرت من ذكر الله؟ وتلاوة كتابه؟ هل ابتهلت إلى الله بالدعاء؟ وإني سائلك ونفسي، فاستحضر السؤال، وفكِّر في الجواب. أما السؤال فمهم وهو يقول: كيف يجتمع التصديق الجازمُ الذي لا شك فيه بالمعاد والجنة والنار، ويتخلف العمل، وهل في الطباع البشرية أن يعلم العبد أنه مطلوبٌ غدًا بين يدي بعض الملوك ليعاقبه أشدَّ عقوبة، أو يكرمَه أتمّ كرامة، ويبيت ساهيًا غافلًا .. ؟ قال ابن القيم ﵀: هذه لعمرُ اللهِ سؤال صحيح واردٌ على أكثر هذا الخلق، فاجتماع هذين الأمرين (يعني التصديق بالمعاد، وعدم الاستعداد له) من أعجب الأشياء، ثم حدد يرحمه الله أسباب ذلك بعدةِ أمورٍ، فافهموها، وحاولوا الخلاصَ منها، قال: أحدُها: ضعف العلم ونقصان اليقين، فإذا اجتمع إلى ضعف العلم عدم استحضاره، وغيبته عن القلب في كثير من أوقاته وأكثرها لاشتغاله بما يُضاده، وانضم إلى ذلك تقاضي الطبع وغلبات الهوى، واستيلاء الشهوة، وتسويل النفس، وغرور الشيطان، واستبطاءُ الوعد، وطول الأمل، ورقدة الغفلة، وحب العاجلة، ورُخص التأويل، وإلف العوائد، فهناك لا يمسك الإيمان، إلا الذي يمسك

стр. 1267

السماوات والأرض أن تزولا، ولهذا السبب يتفاوت الناسُ في الإيمان والأعمال، حتى ينتهي إلى أدنى مثقال ذرةٍ في القلب (١). أيها المسلمون! ومع عظمة هذه الأيام فقد أمر الرسولُ ﷺ الأمة وحثها على كثرة الذكر والتسبيح والتهليل في هذه العشرة فقال: ((ما من أيامٍ أعظمُ عند اللهِ ولا أحب إليه العملُ فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد)) (٢). ومن الصفات المشروعة في التكبير: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا اللهُ واللهُ أكبر، الله أكبر ولله الحمد (٣) قال في سبل الإسلام: وفي الشرع صفاتٌ كثيرةٌ واستحساناتٌ عن عدة من الأئمة، وهو يدل على التوسعة في الأمر، وإطلاق الآية يقتضي ذلك، يعني قوله تعالى: ﴿ويذكروا اسم الله في أيام معلومات﴾ (٤). فأحيوا هذه السنة، وليكن لكم في سلف الأمة أسوة فقد أخرج البخاري في صحيحه (معلقًا مجزومًا به) أن ابن عمر وأبا هريرة ﵄ كانا يخرجان إلى السوق أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما (٥). والمراد أنهما يذكران الناس فيتذكرون ويذكرون، ولا يعني التكبير بصوتٍ واحدٍ جماعي، فهذا غير مشروع، قال ابن الحجاج في المدخل: ((قد مضت السنة أن كل

стр. 1268

واحد يكبر لنفسه ولا يمشي على صوت غيره، فإن ذلك من البدع، وفيه خرق حرمة المسجد والمُصلى، برفع الأصوات والتشويش على من به من العابدين والتالين والذاكرين)) (١). أيها المؤمنون! قال أهل العلم: فالتكبير مطلقٌ ومقيد، فالمقيد عقيب الصلوات، والمطلق في كل حال في الأسواق وفي كل زمان (٢). وإذا كان التكبير المطلق يبدأ من دخول العشر، فإن المقيد- عقب الصلوات المكتوبة- يبدأ من فجر يوم عرفة إلى نهاية أيام التشريق، ومع أن الحافظ ابن حجر- يرحمه الله- قال: ولم يثبت في شيء من ذلك عن النبي ﷺ حديث، وأصح ما ورد فيه عن الصحابة قولُ عليٍّ وابن مسعود أنه من صبح يوم عرفة إلى آخر أيام منى .. (٣). إلا أن شيخ الإسلام ابن تيمية قال: ((أصح الأقوال في التكبير الذي عليه جمهور السلف الفقهاء من الصحابة والأئمة أن يكبر من فجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق عقب كلِّ صلاة)) (٤). وقال ابن كثير: ((وهذا أشهر الأقوال وعليه العمل)) (٥). وهناك من العلماء من يرى أن التكبير أيام التشريق ليس مقيدًا بأدبار الصلوات، بل هو مطلقٌ في سائر الأحوال .. (٦).

стр. 1269

الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرةً وأصيلًا. إخوة الإسلام! يومُ عرفة يوم عظيم فاضلٌ من أيام الله، يوم أكمل الله فيه الدين وأتم النعمة فيه على المسلمين، حيث أنزل فيه قوله: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾ (١)، فيه يكثر العتق من النار، وفيه يكفر الله الخطايا والآثام، عن أم المؤمنين عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: ((ما من يوم أكثرُ من أن يُعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وأنه ليدنو ثم يُباهي الملائكة فيقول: ((ما أراد هؤلاء؟ )) (٢). قال ابن عبد البر: ((وهذا يدل على أنهم مغفور لهم؛ لأنه لا يُباهي بأهل الخطايا إلا بعد التوبة والغفران والله أعلم)) (٣). ومن فضائل يوم عرفة خيرية الدعاء فيه، وله فيه مزية على غيره، حتى قال ﵊: ((خير الدعاء دعاءُ يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير)) (٤). قال ابن عبد البر- معلقًا على هذا الحديث-: ((وفيه من الفقه أن دعاء يوم عرفة أفضل من غيره، وفي ذلك دليلٌ على فضل يوم عرفة على غيره ... وفي الحديث

стр. 1270

أيضًا دليلٌ على أن دعاء يوم عرفة مجابٌ في الأغلب .. )) (١). إخوة الإسلام! لا يُظن أن هذه الأفضلية بيوم عرفة خاصةٌ بالحجاج فالدعاء للحاج وغيرهم، بل ورد ما يخص غير الحجاج في يوم عرفة ألا وهو الصيام الذي ورد في فضله ((يكفر السنة الماضية والسنة القابلة)) (٢). فإذا اجتمع أفضلية اليوم، وكان المرءُ صائمًا .. كان الداعي حريًّا بالإجابة، فاحرصوا على صيام هذا اليوم واحرصوا فيه على الدعاء وشاركوا الحجاج في دعائهم وابتهالهم عسى اللهُ أن يتقبل منكم ويغفر لكم ذنوبكم. أيها المسلمون! كما تحرصون على استثمار هذه الأيام الفاضلة بالأعمال الصالحة، فاحذروا المعاصي، وبادروا بالتوبة النصوح، وللتوبة في الأزمنة الفاضلة شأن عظيم، وإن كان باب التوبة مفتوحًا على الدوام، وإذا كان العقل السليم ينفر من المعاصي على الدوام، فنفرته منها في وقت المواسم والفضائل أشد. وقد ذكر بعض أهل العلم تغليظ عقوبة المعصية في الأيام المباركة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((وقد سئل عن إثم المعصية وحدِّ الزنا هل تزداد في الأيام المباركة أم لا؟ فأجاب: نعم، المعاصي في الأيام المفضلة والأمكنة المفضلة تغلظ، وعقابُها بقدر فضيلة الزمان والمكان)) (٣). أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور﴾ (٤). نفعني الله وإياكم بهدي كتابه.

стр. 1271

الخطبة الثانية: الحمد لله رب العالمين فضَّل الشهور والأيام، واسبغ على الخلق من آلائه ونعمه ما يشهد به أولو البصائر والأفهام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أفضل من صلى وحج وصام، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر المرسلين. أيها المسلمون! كما هي فاضلة أيام العشر كلها، ويوم عرفة على الخصوص، فثمة يومٌ فاضلٌ من أيام الله، إنه يومُ الحجِّ الأكبر، يومُ النحر، عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ : قال: «يومُ الحجِّ الأكبر يومُ النحر» (١)، وهو أفضل أيام العام لحديث عبد الله بن قرط ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن أعظم الأيام عند الله تعالى يومُ النحر ثم يوم القرِّ» (٢). وبهذا كان يُفتي شيخ الإسلام ابن تيمية يرحمه الله، وقد سئل عن يوم الجمعة ويوم النحر أيهما أفضل؟ فأجاب: يومُ الجمعة أفضل أيام الأسبوع، ويوم النحر أفضل أيام العام، ووافقه ابن القيم فقال: «وغير هذا الجواب لا يسلم صاحبُه من الاعتراض الذي لا حيلة له في دفعه» (٣)، «ولقد فضل العلماء عيد النحر على عيد الفطر» (٤). إخوة الإسلام! إذا عُلم فضل هذا اليوم -أعني عيد الأضحى- أفيسوغ التكاسل

стр. 1272

فيه عن الطاعة، أم يسوغ فيه اللهو المحرم من الملة، إن بعض الناس يتراخون في حضور صلاة العيد وهي سنة مؤكدة لا ينبغي لمسلم قادرٍ تركُها، ومن أهل العلم من يرى وجوبها كابن تيمية وابن القيم، قال ابن تيمية: ((وقولُ من قال: لا تجبُ في غاية البعد، فإنها من أعظمِ شعائر الإسلام، والناس يجتمعون لها أعظمَ من الجمعة وقد شُرع فيها التكبير، وقول من قال: هي فرض على الكفاية لا ينضبط)) (١). وقال ابن القيم عن وجوبها: ((وهذا هو الصحيحُ في الدليل)) (٢). وهناك غيرهم قال بالوجوب، واستدل العلامةُ صديق حسن خان على وجوب صلاة العيدين بأنها مسقطة للجمعة إذا اتفقتا في يومٍ وأحد، وما ليس بواجب لا يسقط ما كان واجبًا .. )) (٣). يا أخا الإسلام! إذا كان رسولُ الهدى ﷺ أمر النساء العواتق وذوات الخدور والحيض -مع اعتزالهن للصلاة- بالخروج لصلاة العيدين، أفيليق بك أن تتأخر عنها، أو تترك أهلك وأولادك عن حضورها مع المسلمين! إنها أعيادُنا المشروعة في الإسلام ((عيد الفطر وعيد الأضحى)) يعظم فيها ذكر الله، ويجتمع المسلمون توحدهم رابطة العقيدة وإن اختلفت بلادهم، أو تعددت لغاتهم، أو تباينت ألوانهم .. وإذا لزم إظهارُ هذه الشعيرة في كلِّ حالٍ، فهي في حال ضعف المسلمين وهوانِهم أحرى وأولى .. وكم فيها من غيظ للأعداء .. وكم في اجتماع المسلمين بشكلٍ عام من قوة تُرهب الأعداء لو عقل المسلمون قيمة اجتماعِهم

стр. 1273

وتوحدت قلوبهم كما اجتمعت أبدانهم. أيها المسلم! السنة أن تتنظف وتتطيب وتلبس أحسن ثيابك لصلاة العيد، وأن تخرج إليها مبكرًا، مُكبرًا، وألا تأكل شيئًا في عيد الأضحى قبل الصلاة، فقد كان رسول الله ﷺ لا يطعمُ في عيد الأضحى حتى يرجع من الصلاة فيأكل من أضحيته (١). عباد الله! الأضحية مشروعة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، وقد اختلف العلماءُ هل هي واجبة أم سنة، والأكثرون على أنها سنة مؤكدة في حقِّ الموسر، ومن أهل العلم من قال بوجوبها .. (٢). وقد جاء في فضلها ما يدعو إلى المسارعة والمسابقة فيها ابتغاء فضل الله، بل لقد جعل الله لكلِّ أمةٍ منسكًا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام كما في آية الحج (٣٤) قال ابن كثير وحمة الله: يخبر تعالى أنه لم يزلْ ذبحُ المناسك وإراقة الدماء على اسم الله مشروعًا في جميع الملل (٣). أيها المسلمون! اختاروا أضاحيكم وطيبوا بها نفسًا، وكلما كانت أغلى وأكمل فهي أحب إلى الله، قال ابن تيمية يرحمه الله: ((والأجرُ في الأضحية على قدر القيمة مطلقًا)) (٤). وتحققوا من خلوها من العيوبّ المانعة للإجزاء، وقد قال رسول الله ﷺ : ((أربع لا تجوز في الأضاحي -وفى رواية: لا تجزئ- العوراء البينُ عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ضلعها، والكسيرة التي لا

стр. 1274

تنقي)) (١)، ويقاس على هذه العيوب ما كان مثلها أو أشد. قال الإمام النووي: ((وأجمعوا على أن العيوب الأربعة المذكورة لا تجزئ التضحية بها، وكذا ما كان في معناها أو أقبح منها كالعمى، وقطع الرجل وشبهه)) (٢). يا أيها المؤمنون! قال العلماء: والأصل في الأضحية أنها مشروعة في حقّ الأحياء، أما عن الأموات فهي على ثلاثة أقسام: الأولى أن يُضحى عنهم تبعًا للأحياء بأن يشركوا مع الأحياء في ثوابها- كما فعل رسول الله ﷺ عنه وعن أهل بيته ومنهم من مات قبله، الثاني: التضحية عن الأموات بمقتضى وصاياهم تنفيذاٌ لها، وقد قال تعالى عن الوصية: ﴿فمن بدل بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه﴾ (٣)، الثالث: أن نضحي عن الأموات تبرعًا مستقلين عن الأحياء، فهذه جائزة كذلك، ولكن قال بعض أهل العلم: لا نرى أن تخصيص الميت بالأضحية من السنة؛ لأن النبي ﷺ لم يضح عن أحدٍ من أمواته بخصوصه، ولم يرد عن أحد! من أصحابه في عهده أن أحدًا منهم ضحى عن أحدٍ من أمواته، ومن الخطأ أيضًا ما يفعله بعض الناس ممن يضحون عن الميت أول سنة يموت أضحية يسمونها (أضحية المقرة)، أو يضحون عن أمواتهم تبرعًا ولا يضحون عن أنفسهم، وأضحية الرجل تكفي عنه وعن أهل بيته، الأحياء والأموات وذلك من فضل الله ورحمته (٤).

стр. 1275

عباد الله! سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض .. وتعرضوا لنفحات الله في هذه الأيام الفاضلة، فإن الثواء قليل، والرحيل قريب، والطريق مخوف، والاغترار غالب، والخطر عظيم، والناقد بصير وربك بالمرصاد ولا يظلم ربك أحدًا ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾ (١) اللهم اسلك بنا طريق المتقين الأبرار، وأعذنا من خزي الدنيا وعذاب النار .. وتقبل منا واغفر لنا يا كريم يا غفار. هذا وصلوا.

стр. 1276

مقاصد السفر في الإسلام (١) الخطبة الأولى: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله .. اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارض اللهم عن أصحابه أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا. ﴿ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ (٢). ﴿ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون﴾ (٣). عباد الله! انقضت أيام الامتحانات، ونجح من نجح، وأخفق من أخفق .. وكما طويت هذه الصفحة من الحياة، وانتهت هذه المدة من العمر كلمح البصر، فستطوى صفحةُ العمرِ كلها وسيؤول الناس كلهم إلى امتحان صعب، الخسارة فيه لا تعوض .. والنجاح فيه خلود في النعيم إلى الأبد، وكم هم الذين تغرهم الأماني .. ويطول عليهم المد وتمتد بهم حبال الأمل والرجاء في هذه الحياة فينسون أو يغفلون عن هذه الحقائق الكبرى والمشاهد العظمى ليوم القيامة .. وإن يومًا عند وبك كألف سنة مما تعدون ..

стр. 1277

أيها المسلم! أما وقد انتهت الامتحانات وابتدأت الإجازة فكأني بك تفكر بالرحيل وتحزم أمتعةِ السفر، ناويًا لرحلة هنا أو هناك .. بمفردك أو بصحبة عائلتك، وإنني بهذه المناسبة أخاطبك مذكرًا .. وأُسائلك ناصحًا لا مُشهرًا، وأقول: لماذا، وإلى أين السفر؟ فذانك سؤالان مهمان قبل السفر، ولابد من استصحابهما أثناء السفر، وإنني إذ أدعو الله أن يحفظك ومن بصحبتك في حال حلِّك وترحالك فإنني أدعوك للتعرف على شيء من مقاصد السفر وأنواعه كشفها العلماء قديمًا. قال أبو بكر بن العربي- ﵀ عند قوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ (١). المسألة الرابعة: في السفر في الأرض، تتعدد أقسامه من جهات مختلفة، فتنقسم من جهة المقصود به إلى هربٍ أو طلب، وتنقسم من جهة الأحكام إلى خمسة: واجبٍ، ومندوب، ومباح، ومكروه، وحرام، وينقسم من جهة التنويع في المقاصد إلى أقسام، ثم ذكر أنواعًا ستةً- داخلة ضمن سفر الهرب- وهي كما ذكرها ابن العربي ونقلها محنه القرطبي: الأول: الهجرة، وهي الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام، وكانت فرضًا في أيام النبي ﷺ ، وهي باقية مفروضة إلى يوم القيامة. الثاني: الخروج من أرض البدعة، قال ابن القاسم: سمعت مالكًا يقول: لا يحل لأحد أن يقيم بأرض يُسبُّ فيها السلفُ، قال ابن العربي: وهذا صحيح فإن

стр. 1278

المنكر إذا لم تقدر أن تُغيره فزل عنه، قال تعالى: ﴿وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم﴾ الآية (١). الثالث: الخروج من أرضٍ غلب عليها الحرام، فإن طلب الحلال فرض. الرابع: الفرارُ من الأذية في البدن، وذلك فضل من الله أرخص فيه، فإذا خشي على نفسه فقد أذن الله في الخروج عنه والفرار بنفسه لتخليصها من ذلك المحذور، وأول من فعله إبراهيم ﵇، فإنه لما خاف من قومه قال: ﴿إني مهاجر إلى ربي﴾، وقال: ﴿إني ذاهب إلى ربي سيهدين﴾، وقال مخبرًا عن موسى: ﴿فخرج منها خائفًا يترقب﴾. الخامس: خوفُ المرض في البلاد الوخمة، والخروجُ منها إلى الأرض النَّزهة، فقد أذن الرسول ﷺ للرعاة حين استوخموا المدينة أن يخرجوا إلى المسرح فيكونوا فيه حتى يصحوا، وقد استُثني من ذلك الخروج من الطاعون .. كما جاء في الحديث الصحيح. السادس: الفرارُ خوف الأذية في المال، فإن حرمة مالِ المسلم كحرمةِ دمه، والأهلُ مثلُه وأوكد. أيها المسلمون! وإذا كان ما مضى في أنواع قسم سفر الهرب فقد قال العلماء: وأما قسم الطلب فينقسم إلى قسمين: طلب دين وطلب دنيا، فأما طلب الدين فيتعدد بتعدد أنواعه إلى تسعة أقسام، وهي مهمة فتأملوها، هي: أولًا: سفر العبرة، قال الله تعالى: ﴿أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم﴾ (٢)، وهذا كثير في القرآن، ويقال إن ذا القرنين إنما طاف الأرض ليرى عجائبها، وقيل لينفذ الحق فيها،

стр. 1279

الثاني: سفر الحج وهذا فرض، الثالث: سفر الجهاد وله أحكامه، الرابع: سفر المعاش، فقد يتعذر على الرجل معاشه مع الإقامة فيخرج في طلبه لا يزيد عليه، الخامس: سفر التجارة والكسب الزائد على القوت، وذلك جائز بفضل الله، فإذا كانت نعمة منَّ الله بها في سفر الحج فكيف إذا انفردت. السادس: السفر في طلب العلم وهو مشهور، السابع: قصد البقاع الكريمة، قال ﷺ : ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد؛ مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى)) فك الله أسره من الاحتلال الصهيوني. الثامن: الثغور للرباط بها، وتكثير سوادها للذب عنها. التاسع: السفر لزيارة الإخوان في الله تعالى، قال رسول الله ﷺ : ((زار رجل أخًا له في قرية فأرسل الله على مدرجته مَلكًا فقال: أين تريد؟ قال: أريد أخي في هذه القرية، قال: هل لك من نعمة تربها عليه؟ قال: لا، غير أني أحببته في الله ، قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه)) (١). يا أخا الإسلام! واسأل نفسك لأي من هذه الأغراض الطلبية تطلب السفر؟ ولا يفوتنك أن للنية أثرًا في ثواب السفر أو عقابه .. وفي كونه محرمًا أو واجبًا أو مندوبًا .. فقد يمكث الرجلُ في أرض بدعة أو مكان يطغى فيه الشر وينتشر

стр. 1280

الحرام .. ولكن قصده مدافعة الشر والدعوة للخير .. فذلك مأجور على مجاهدته ودعوته. ودونك هذا الحوار فتأمله، يقول أبو بكر بن العربي: قد كنت قلتُ لشيخنا الإمام الزاهد أبي بكر الفهري: ارحل عن أرض مصرَ إلى بلادك، فيقول: لا أحبُّ أن أدخل بلادًا غلب عليها كثرةُ الجهل، وقلةُ العقل، فأقول له: فارتحلْ إلى مكة أقم في جوار الله وجوار رسوله، فقد علمتَ أن الخروج عن هذه الأرض فرضٌ لما فيها من البدعة والحرام، فيقولُ: وعلى يدي فيها هدى كثير، وإرشاد للخلق، وتوحيد، وصدّ عن العقائد السيئة، ودعا إلى الله . وتعالى الكلامُ بيني وبينه .. قال أبو بكر مبينًا أهمية النية في السفر إثر تعداده أنواع السفر: وبعد هذا فالنية تقلب الواجب من هذا حرامًا، والحرام حلالًا بحسب حسن القصد، وإخلاص السرِّ عن الشوائب (١). إخوة الإسلام! من عجب أنكم لا ترون عند هؤلاء الأئمة ذكرًا للسفر من أجل المتعة المحرمة، أو النزهة المتحللة .. أفكان في المسلمين شغل عنها في زمنهم؟ أم أن أحوال المسلمين لم تنحدر إلى ما نراه اليوم في الواقع المنظور .. وأغراض السفر عند نفرٍ من أبناء المسلمين كما تعلمون إلى حدٍّ باتت الإعلانات تشهر لسفر مجموعة من النساء لأغراض تجارية .. وفي ثنايا الخبر لا يُستحى من ذكر الاحتفالات لهن واللقاءات المختلطة معهن في أكثر بلاد الدنيا تحررًا من الفضيلة وتمرغًا في أوحال الرذيلة .. بل وفي أشهر المدن بكثرة الجرائم والسطو على

стр. 1281

مستوى العالم، وإذا خرجتما النساءُ عن قيود السفر المباحة، فلا تسأل عن سفر فئة من الشباب والرجال .. اللهم احفظ علينا ديننا وأمننا وإيماننا. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور﴾ (١).

стр. 1282

الخطبة الثانية: الحمد لله القائل في محكم التنزيل ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب﴾ (١). وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين .. أيها الإخوة المؤمنون! إذا تعددت أغراض السفر واختلفت نوايا المسافرين، فالمسلمُ الحق هو الذي يعبد الله حيث كان، ويراقبه في اجتماعه خلواته وحيث حلَّ أو ارتحل؛ لأنه مدرك لعظمة الله وسعة علمه، ومحاسبته لعبده- يوم الحساب- وفي كتاب الله يقرأ المسلم: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم﴾ (٢). أخي المسافر استصحب في سفرك عظمة الله، وليكن قصدك من سفرك حسنًا، فقد تنتهي أيامُك من هذه الحياة قبل عودتك من السفر، فإن مِت مُت سعيدًا، وإن بقيت عشت حميدًا كريمًا. يا أخا الإيمان! في الأسفار تبدو عظمة الخالق من خلال رؤية ما خلق، والتأمل في الكون الفسيح، وتنوع الحياة وانتشار الأحياء .. وذلك ضمن إطار سفر العبرة التي تحدث عنه العلماء، وأفاضت في ذكره آيات الكتاب الحميد. أخي المسافر! لا تنس عبودية الشكر إن رأيت في سفرك أصحاب بلاء ومحنة أو فقر ومسغبة ومن الشكر المساهمة في دفع المكروه عن إخوانك المسلمين،

стр. 1283

واستصحب وسيلة الدعوة علاجًا لما تراه من انحراف في المعتقد والأخلاق، أو جهلٍ في الفرائض والسنن المشروعة في الإسلام .. ولا يكن همُّك النقد للآخرين أو مجرد التأسف على واقع المسلمين! ! لا تحقرن من المعروف شيئًا بالكلمة الطيبة، والهدية المُفرحة، والكتيب أو الأشرطة المعلمة .. فكم يحتاج الآخرون إلى ما تراه أنت أمرًا عاديًّا. أخي المسافر! لك دعوةٌ مستجابة في السفر فلا تحرم نفسك وذويك والمسلمين منها .. وإذا أخلصت الدعاء ولم تتجاوز فيه .. فلا تستعجل الإجابة .. ولا يفوتنك هذا الخير العميم في الدعاء في ابتداء السفر حين تقول: «اللهم إني أسألك في سفري هذا البرَّ والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، اللهم هوّن عليَّ سفري هذا واطو عني بعده، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنظر وسوء المنقلب في المال والأهل .. ». ويا لها من دعواتٍ لو تأملها واعتصم بها المسافرون. أخي المسافر! احفظ نفسك ومن يصحبك في السفر من مقارفةِ المحرمات .. أو مشاهدة المنكرات .. أو تضييع الواجبات، ولا تنس أن السفر فرصة لتنفيذ البرامج المفيدة، فقد تتقبل النفوس في حال السفر والنزهة أكثر مما تتقبل في حالة الإقامة على القراءة النافعة لكتاب الله .. وسير الأعلام النبلاء .. والتأمل في أحاديث المصطفى أو نحو ذلك من أنواع المعرفة المفيدة، مما يبقى رصيدًا للمرء في هذه الحياة وبعد الممات. عباد الله! في هذا الصدد - كم نحن بحاجة إلى الوعي في أمور ديننا كما نحن بحاجة إلى الوعي في أمور دنيانا .. إننا نعيش اليوم في عالم يختلط فيه الحق بالباطل، وربما روّج للرذيلة باسم الفضيلة، ولا أظنك ممن تنطلي عليه وصف

стр. 1284

الخيرين أهل الصلاح بالرجعية والتطرف أو نحوها .. وصف أهل الفساد بالتحرر والتنور ودعاة الإصلاح .. والله أعلم بما يكتمون .. إن الخداع والتزوير بات يملأ الكون فيه جعجعة أهل الريب والشهوة والنفاق ومن في قلوبهم مرض بشكل عام، وبدأ يتعاظم منه شأن المرأة في هذه الأيام، فكثرت المطالبة باسمهن .. وكثرت الأصوات المشبوهة الداعية إلى تحررهن من العفة والفضيلة والحياء. ويدرك العقلاء وأهل الغيرة والشهامة فضلًا عن أهل العلم والمعرفة .. أن المرأة بوابة واسعة للفساد يُراهن عليها الموتورون .. ويرونها أقصر الطرق لإفساد المجتمع بأسره .. فما من فتنة أضرَّ على الرجال من النساء .. وأول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء كذا قال المصطفى ﷺ ، وما ترك الإسلام في نظرته للمرأة وتكريمها مجالًا ينفذ منه المفسدون باسم الدين يتوقع أن تؤول إليه .. متمثلين قوله تعالى: ﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض﴾ (١). وحين تستغل المرأة بالمطالبة حينًا .. وبالدعوات المشبوهة حينًا فذلك مؤشر إلى أن وراء الأكمة ما وراءها .. وإذا هانت على فئة من أهل الريب أخلاقهم وكرامةُ نسائهم، وما تتميز به بلادهم ومجتمعهم عن الآخرين .. فينبغي أن يقف المجتمع بأسره سدًّا منيعًا تجاه أفكارهم ومخططاتهم .. فالفساد إذا بدأ ولم يُستنكر استشرى، ولا تقف آثاره عند مريديه، بل تحصل الفتنة للظالمين وغيرهم، ولا يقف مخطط الفساد وشهوات المفسدين عند حدٍّ، وصدق الله ﴿وَيُرِيدُ الَّذِين يَتبِعُونَ الشهَوَاتِ أَن تِمَيلُوا مَيلًا عَظِيمًا﴾ (٢). عباد الله! ألا فتنبهوا، وقوموا بواجب الله عليكم، ولتكن غيرتكم لدينكم

стр. 1285

ومحارمكم وبلادكم والمسلمين من حولكم غيرة أساسها الدين .. ومبعثها الوعيُ بحقائق الأمور، وقد حان الأوان للتربية الجادة للأسرة عمومًا، وللمرأة خصوصًا وتذكيرها بتكريم الإسلام لها، وبالهدف الحقيقي من وجوده، وتبصيرها بما يخططه الأعداء لها .. كل ذلك بإذن الله سيقف سدًّا منيعًا وسيفشل خطط الماكرين ويرد مكرهم عليهم. عباد الله! تذكروا الآثار المترتبة على عدم إنكار المنكر، فالله حكم بنجاة الناهين عن السوء، وهلاك من سواهم فقال تعالى: ﴿وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون * فبما نسوا ما ذكروا به نجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون﴾ (١). اللهم احفظ بلادنا ونساءنا من كل مكروهٍ وفتنة، اللهم وفق ولاة الأمر للأخذ على أيدي السفهاء والمفسدين، اللهم أعن علماءنا ورجال الفكر فينا لقيادة الأمة لكل خير، والوقوف في وجه أهل الفساد والريب .. اللهم احفظ علينا أمننا وإيماننا، وأبق سلطان الدين حيًّا قويًّا في نفوسنا، اللهم ومن أراد تفريق جمعنا أو الإفساد في مجتمعنا فأشغله بنفسه واجعل كيده في نحره .. اللهم اجعل تدبيرهم تدميرًا عليهم يا حي يا قيوم .. هذا وصلوا.

стр. 1286

وباء المسكرات والمخدرات (تاريخ وتحذير) (١) الخطبة الأولى: الحمد لله رب العالمين كرّم بنى آدم وفضلهم على كثير ممن خلق ﴿ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا﴾ (٢). وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، نعمه ظاهرة وباطنة .. ومن أجلِّها- بعد نعمة الإسلام- نعمة العقل المبصر، فبه يميز المرءُ بين الخير والشر، والضار والنافع، وبه يرتقي العبد وتتقدم الأمم وتنتظم الحياة. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله جاءت شريعته لتخلص العقل من أوضار الجاهلية، وترتفع به من دركات التفكير وتعطيل القدرات .. إلى أسمى الغايات وأعلى المقامات .. اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. ﴿ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ (٣). ﴿فَاتَّقُوا الله يا أولِي الأَلباب لَعَلَّكم تُفلحون﴾ (٤). أيها المسلمون وإذا كان العقل من أكبر نعم الله على الإنسان فالموفق من

стр. 1287

استثمر هذا العقل فيما يصلح دينه ودنياه، وإن المرء ينحدر عن مقام الأنعام حين لا يستثمر هذا العقل فيما خلق الله، قال الله تعالى: ﴿ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون﴾ (١). وإذا كانت الغفلة عن الهدف الذي من أجله خلق الإنسان واحدة من أنماط عدم استثمار العقل- وليس هذا موطن الحديث عنها- فثمة نمطٌ آخر أكثر سوءًا يُزهق به العقلُ، وتقتل به الإرادة الحية .. وينتحر المرءُ وإن كان بعدُ حيًّا، وذلكم بتعاطي المسكرات والمخدرات. لقد قيل: إن المخدرات ما هي إلا لُغمٌ يفجر حضارات الشعوب ويهدد قيمها بالزوال، وأخلاقها بالدمار. وقيل: إن إدمان المخدرات والمسكرات ما هو إلا وحشٌ كاسر، أنشب مخالب الموتِ في عنقِ مجتمعاتنا الإسلامية (٢). وقالوا: إن خطر المخدرات على الأمم والشعوب، وتأثيرها المدمِّر عليها أشد من الحروب التي تأكل الأخضر واليابس، وتدمر الحضارات، وتقضي على القدرات، ولذا جندت حكومات العالم كل إمكاناتها لمحاربتها والحدِّ من انتشارها (٣). أيها المسلمون! إن انتشار المسكرات والمخدرات سمةٌ من سمات الجاهلية قديمًا وحديثًا، ففي الجاهلية الأولى تغنى الشعراء بالخمرة، وصُدرت أعظم معلقات العرب في جاهليتهم بذكرها، وقال شاعرهم (عمرو بن كلثوم):

стр. 1288

ألا هُبي بصحنك فأصبحينا ... ولا تبقي خمورَ الأندرينا وكان ذلك من مفاخرهم، ومما أضاع عقولهم وأوقاتهم حتى شعَّ نور الإسلام في أرضهم، وجاء محمد ﷺ محررًا لعقولهم، ومستدركًا لما بقي من طاقتهم، ومعلنًا لهم ولغيرهم «ألا إن كلَّ شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع» (١). جاء محمدٌ ﷺ ليهدي الناس إلى فطرة الله التي فطرهم عليها .. وجاء ليُنهي عهد الغواية ويحفظ الطاقة، ثبتا في الصحيحين -في حادثة الإسراء- أنه ﷺ قال: «وأُتيت بإنائين في أحدهما لبن، وفي الآخر خمر قيل لي: خذ أيهما شئت، فأخذت اللبن فشربت فقيل لي: هُديت الفطرة، أو أصبت الفطرة، أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتُك». وإذا كانت تلك إطلالة على الجاهلية الأولى وكيف استنقذت منها، فالجاهلية الحديثة أعتى وأشد وهي جاهلية مقننة .. وذات خطط وأهداف بعيدة المدى .. وقد اتخذت من المخدرات والمسكرات وسيلةً للسيطرة والعدوان، واستلاب العقول والأموال فضلًا عن مصادرة الدين وما يتبعه من خُلق أو حياء، لقد قام المستعمرُ البريطاني بإدخال القاتِ وشجع زراعته باليمن، وكانوا ينقلونه فترة من الزمن يوميًّا من أثيوبيا والصومال إلى أرض اليمن السعيد كما قامت بريطانيا بالعمل على إيجاده بين مواطني الهند والصين. وقامت دول أخرى بإدخال المخدرات إلى بعض الدول لتحطيمها اجتماعيًّا واقتصاديًّا حتى تتم السيطرة عليها. وإذا كان هذا قبل عقودٍ من الزمن .. فلا يزال

стр. 1289

الخطرُ يستشري، والداء يُنقل، والحربُ قائمة حتى أضحت حربُ المخدرات أحدَ أنواع الحروب المعاصرة الخطيرة .. ولئن لم تتوقف الدول الكافرة الكبرى عن هجومها بالمخدرات لمن سواها، ولا سيما بلاد المسلمين .. فقد زادت الطين بلة، حين غرست في عمق بلاد المسلمين ربيبة لها تنفذ مخططاتها، وتستولي على جزء من مقدسات المسلمين، ويشرد شعوبهم وفوق ذلك كله تنشر وباء المخدرات في دول المنطقة المحيطة بها .. أجل إن إسرائيل عانت من عزلتها الاقتصادية زمنًا وكسْرُ هذا الطوق .. يمهد السبيل لتجارة المخدرات التي تراهن عليها إسرائيل في إفساد الشعوب العربية والإسلامية .. ولقد أثار تهريبُ إسرائيل للمخدرات قبل فترة قلقًا للشعوب المسلمة، وتنادت وسائل الإعلام كاشفة هذا الخطر، ويكفي أن أحد المقالات كان عنوانه: إمبراطورية الحشيش (١). وهذه لفتة ينبغي أن ندركها .. وإن نظمها إلى أهداف دولة بني صهيون في عمق العالم الإسلامي، وأن نعي أن تعاطي أحد أبناء المسلمين لوباء المخدرات، أو تهريبها إنما ينسجم ويخدم أهداف الدول الكافرة المستعمرة وهو قبل ذلك واقع في مصيدة الشيطان، ومغضب للرحمن. إخوة الإسلام! إذا كان من أبرز أسباب انتشار المسكرات والمخدرات وتعاطيها الفساد المستشري في سبل الحياة كلها، حتى ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، وزادت الهموم وانتشر القلق فظن البعض -مخطئًا- أن الخلاص من

стр. 1290

نكد العيش وقسوة الحياة يكون في شرب كأسة خمرٍ، أو جرعةِ مخدر، أو استنشاق مسكر أو شرب مفتر .. فإذا السراب يزول، وإذا الهم يتجدد ويزداد، بل ويبدأ مسلسل القلق والضياع، ويبدأ المرء حينها طريق الانحراف. وظن آخرون أن في الكأس متعةً .. وفي المخدر راحةً وهدوء بال، وتجديدًا للحيوية والنشاط، وإذا بالإحصاءات تكشف وتفضح عن تزايد أعداد المجرمين، وكثرة المرضى والمصابين بالأزمات النفسية فضلًا عن الأمراض العضوية. وتردي الأوضاع الاقتصادية، والتشرذم وتفكك الأسرة .. وعاد العقلاء يدركون عظمة الإسلام فيما حرم، ويقفون متأملين في النص القرآني المحكم: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون * إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون﴾ (١).

стр. 1291

الخطبة الثانية: الحمد لله أحل الحلال وفضله، وبيّن الحرام وحذر منه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له لم يجعل دواء الأمة وعافيتها وأنسها فيما حرم عليها، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله بُعث بأكرم الأخلاق وأتمِّها .. ونهى عن السفاسف صغيرها وكبيرها، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. عباد الله! حين تتنادى الأمم والدولُ كلها مسلمها وكافرُها، غنيُّها وفقيرها محذرةً من وباء المخدرات، ومتخذة الوسائل في محاربتها، وحماية الشعوب منها -على اختلافٍ في صدقها وفي أهدافها- فإن ذلك واحدٌ من مؤشرات عظمة هذا الدين، وسمو رسالة محمد ﵊ حيث نزل القرآن وجاءت السنة بالنهي والتحذير من وباء الخمر، وما يندرج تحته من مسكرٍ أو مفترٍ أو مخدر، قبل ما يقرب من ألف وخمسمائة عام. أيها المسلمون! لقد جاء حديث القرآن حريصًا عن الخمر في أكثر من آية، ولم يكن للمخدرات حينها وجود يذكر، وهذا يعني أن هذا الداءَ العُضال، والشبحَ المخيف لم يوجد في البيئة الإسلامية إلا متأخرًا، فابن كثير مثلًا يذكر في حوادث سنة (٤٩٤ هـ) أربع وتسعين وأربعمائة، أن الحسن بن الصباح، زعيم الطائفة المعروفة بالحشاشين كان يستعمل مادتي الجوز والشونيز ممزوجتين بالعسل فيطعم بذلك من اتجه لدعوته من الناس حتى يحرق مزاجه ويفسد دماغه حتى يستجيب له، ويصير أطوع له من أمه وأبيه (١).

стр. 1292

وهذا يعني أن نوعًا من المخدرات عُرف في ذلك الوقت الذي ظهرت فيه هذه الطائفة (١). ويرى ابنُ تيمية أن الحشيشة دخلت بلاد المسلمين حين اجتاح التترُ بلاد المسلمين ويقول: وهذه الحشيشة كان أول ما بلغنا أنها ظهرت بين المسلمين في أواخر المائة السادسة وأوائل السابعة حين ظهرت دولة التتر، وكانت هذه الحشيشة الملعونة من أعظم المنكرات، وهي شرّ من الشراب المسكر من بعض الوجوه، والمسكرُ شرٌّ منها من وجه آخر .. (٢) عبادَ الله! في زماننا المعاصر تفنن المجرمون في إنتاج أنواع المخدرات، واستُخدم العقلُ لتدمير العقل وكان تصديرُ المخدرات -بأنواعها المختلفة- أحدَ الوجوه الكالحة لجاهلية القرن العشرين؟ ومع ذلك كله يبقى النصُّ القرآني عظيمًا وشاملًا في حرمته لكلِّ ما خامر العقل وغطاه .. وإن لم يُذكر بنصه .. وجاءت نصوص السنة النبوية شاملة في التحريم للخمر وجميع أنواع المسكرات لقوله ﷺ : «كلُّ مسكر خمر، وكلُّ مسكر حرام» (٣). ثم جاء كلام الأئمة الأعلام شاملًا في الحكم والتحريم لكل ما يندرج تحت مسمى الخمر، حتى قال ابن القيم يرحمه الله: «إن الخمر يدخل فيها كلُّ مسكرٍ مائعًا كان أو جامدًا عصيرًا أو مطبوخًا .. إلى أن قال: فقد صح عنه ﷺ أنه قال: كل مسكرٍ خمر، وصحِّ عن أصحابه الذين هم أعلم الأمة بخطابه ومراده أن الخمر: ما خامر العقل على أنه لو لم يتناول لفظه ﷺ كلَّ مسكر، لكان القياس

стр. 1293

الصريحُ الذي استوى فيه الأصلُ والفرعُ من كل وجهٍ، حاكمًا بالتسوية بين أنواع المسكر، فالتفريق بين نوعٍ ونوع تفريق بين متماثلين من جميع الوجوه (١). يا أخا الإسلام يا من تُقاد بأمر الإسلام، وتنتهي عند حدوده كفاك تحذير القرآن وأنها رجس من عمل الشيطان .. وموقعة للعداوة والبغضاء بين الخلان .. ويكفي من شؤمها أنها تصدُّ عن ذكر الله وعن الصلاة، فهل أنت منتهي؟ يا أخا الإيمان! في السنة المطهرة بيان أن الإيمان وشرب الخمر لا يجتمعان: «فلا يشرب الخمرة حين يشربها وهو مؤمن». وهل ترضى أن تلقى الله كعابد وثن، قال ﷺ : «مدمنُ الخمر إن مات لقي الله كعابد وثن» (٢). وهل ترضى بحرمان نفسك لذةً دائمة لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون، بلذة عابرة، بعضها حسرة وندامة في الدنيا، يقول ﷺ : « .. ومن شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يدمنها لم يتبْ، لم يشربها في الآخرة» (٣). أم ترضى بسببها أن تسقى من عرق أهل النار، ففي صحيح مسلم قال ﷺ : «كلُّ مسكر حرام، إن على الله عهدًا لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال». قيل يا رسول الله: وما طينة الخبال؟ قال: «عرقُ أهل النار أو عصارة أهل النار». يا عبدَ الله! حين لا يهون عليك دينُك، فعقلك حريّ بالعناية، وهو جوهرة ثمينة لا أخالك تفرط فيها لأتفه الأسباب، قال الحسن البصري -يرحمه الله-: لو كان العقل يُشترى لتغالي الناس في ثمنه، فالعجب ممن يشتري بماله ما يفسده (٤).

стр. 1294

احذر يا عبد الله من كل ما يهضم الدين والعقل، قال الضحاك بن مزاحم يرحمه الله لرجلٍ: ما تصنع بالخمر؟ قال: يهضم من طعامي، قال: أما إنه يهضم من دينك وعقلكِ أكثر (١). أيها المسلمون! لا يقف الحديث عن المسكرات والمخدرات عند هذا الحد .. فثمة أسباب لتعاطيها وانتشارها، وثمة أضرار مختلفة لمتعاطيها ومروجيها .. وسبل لوقاية الفرد والمجتمع فيها، وأمور أخرى أرجئ الحديث عنها لخطبة لاحقة بإذن الله. أسأله تعالى أن يلهمنا رشدنا .. وأن يحفظ علينا ديننا ويصلح عقولنا .. وأن يجنبنا وإخواننا المسلمين مواطن الزلل ومواقع الخطر .. إنه ولي ذلك والقادر عليه ..

стр. 1295

(٢) وباء المسكرات والمخدرات (١) الخطبة الأولى: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا * يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما﴾ (٢). ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا﴾ (٣). أيها المسلمون! حديث اليوم استكمال للحديث السابق عن وباء المسكرات والمخدرات، وتركيز أكثر على أسباب تعاطيها وانتشارها، وما شهد به الشرعُ والعقل والواقع من أضرارها وآثارها، وسبل الوقاية منها، ومشروبات أو مأكولات أخرى تعد مقدمة لها. إن من أعظم أسباب انتشار المسكرات والمخدرات وتعاطيها الأزمة الروحية التي يعيشها بعضُ المسلمين بعيدًا عن هدي الله وذكره مما سبب ضعفا في الوازع

стр. 1296

الديني والمستوى الأخلاقي، إنها أزمةُ صلةٍ بين الخالق والمخلوق تهوّن على المرء ارتكاب أي محظور .. وترك أي واجب وعدم التفكير مليًّا في العواقب، وضعف التخوف من عذاب الله في الآخرة، إن سلم من عذابه في الدنيا. والمصيبة أن متعاطي المخدرات والمسكرات ينتقل من أزمة إلى أزمة أعظم منها، إلا أن يتداركه الله منه برحمةٍ وتوبةٍ صادقة. والفراغ القاتل سبب مهم آخر في الإطلال على نافدة المسكرات والمخدرات، ولاسيما عند فئة الشباب وتزداد المشكلة ويقترب الشاب أكثر من هذه المشكلة إذا اقترن برفقة سيئة، وأصدقاء سوء، يهونون عليه الأمر، ويدعونه إلى مجاراتهم في ورطتهم، أو يتهمونه بالجبن والبخل إذا لم يستجب لمطالبهم. وآفات صديق السوء كثيرة، ليست هذه إلا واحدة منها، وكثرة العمالة الوافدة ذات الأهداف السيئة في ترويج المخدرات .. سبب كبيرٌ في انتشارها عند من لا يستطيعون جلبها ولا السفر إليها، وتؤكد الإحصاءات المتعلقة بالمقبوض عليهم في جرائم التهريب والترويج على دور هذه العمالة في انتشار هذا الوباء، فكيف إذا انتشرت هذه العمالة في الأحياء السكنية وكانت الغالبية منهم عُزابًا، وتيسر لهم الاتصال والاختلاط بشباب أغرار، يسهل اصطيادهم والتأثير عليهم، إنها مشكلة لابد من التفطن لها. وفي السفر للخارج، مع توفر المادة، وضعف الرقيب وكثرة المغريات، ما يدعو ضعفاء النفوس لتعاطي المسكرات والمخدرات، في البداية بعيدًا عن الأهل والوطن .. ثم يستفحل الأمرُ، ويقود الإدمان إلى تعاطيها وجلبها في أي مكان وجدها بأي ثمن اشتراها (١). إخوة الإسلام! تأتي العوامل السياسية بين الدول نتيجة الاضطهاد والاستعمار

стр. 1297

والرغبة في الإفساد سببًا مهما من أسباب انتشار المسكرات والمخدرات، وقد استخدم الفيتناميون سلاح المخدرات في إضعاف قوة الجنود الأمريكان في حرب فيتنام، ولعب الاستعمار الإنجليزي والفرنسي -فيما مضى- دورًا بارزًا في نشر المخدرات في العالم العربي، ثم استلمت الراية إسرائيل ولا تزال جاهدة في إفساد شعوب المنطقة بهذا الداء العضال، إلى غير ذلكم من أسباب، لا شك أن لوسائل الإعلام الفاسدة وكثرة القنوات الفضائية الغازية دورًا في الدعوة إليها وعدم التحذير منها. إخوة الإيمان! وتُخلِّف هذه المسكرات والمخدرات آثارًا سيئة على الفرد والمجتمع، وعلى دين المتعاطي ودنياه، كيف لا وقد حكم الإلهُ أنها موقعة للعداوة والبغضاء، صادةٌ عن ذكر الله وعن الصلاة .. وهذه الأهداف التي يريدها الشيطان أمور واقعة يستطيع المسلمون أن يروها في عالم الواقع بعد تصديقها من خلال القول الإلهي الصادق بذاته، وقد قيل: إن الخمرَ ينسي والميسر يلهي. ويقف الطب الحديث معترفًا بعظمة القرآن ومؤكدًا الآثار السيئة والأضرار الصحية لهذا الوباء، ومؤكدًا تأثيرها على المخِّ والجهاز العصبي، والهضمي، والكبد والبنكرياس، وعلى القلب والدورة الدموية، وحدوث الأورام الخبيثة، بل جاوز الأطباءُ أثره على الأجنة والمواليد. إن في ذلك لآية .. وما يعقلها إلا العالمون؟ وآثارها الأمنية لا تخفى، والعلاقة بين تفشي الجريمة وبين السكر وتعاطي المخدرات يكشفها نسبُ المقبوض عليهم وتؤكدها البحوث والدراسات التي كتبت عن صلة الجريمة بالمخدرات .. (١).

стр. 1298

أما آثارها الاقتصادية. فيأبى الله أن يكون الثراءُ فيما حرم الله، ومع ارتفاع أسعار المخدرات فمروجُها من أفقر الناس .. أما المتعاطون فلا تزالُ يستنزف أموالهم حتى يضيقوا بالنفقة الواجبة لأهليهم وأولادهم، وربما أصبحت عوائلهم عالةً يتكففون الناس، نسأل الله السلامة والعافية لنا ولإخواننا المسلمين. وللمسكرات والمخدرات آثارها الاجتماعية المدمرة، فهي سبيل لانعدام الأخلاق، وتفكك الأسر، وهي طريق لانعدام القيم، وانتشار الكسل، وربما كانت نهايتها القتل من قبل سلطة رادعة .. بل قبل ذلك من الشخص المدمن أو من أقرب الناس إليه، ودونكم قصةً ذات مغزى (١)، وهي قصة أمٍّ انتهى النزاعُ مع ابنها المدمن على المخدرات، والذي كان يُلح عليها في الحصول على مبلغ يستطيع به أن يشتري جرعته المعتادة، إلى الانتحار بمسدس أمام نظر أمه، ولما رأته الأم لم يمت لتوه تناولت المسدس من يده المرتعشة وأطلقت على رأَسه ما تبقى من رصاصات، لترديه قتيلًا وتسارع بموته، ثم تذهب لتسلم نفسها (٢). عباد الله! هل من قلوب تعي، أو عقول تفكر في النهاية الموحشة والآثار المدمرة لهذه المسكرات والمخدرات. كيف وقد ذكر أهل العلم .. أن الحشيشة -وهي نوعٌ من المخدرات- توجب الفتور والذلة، وفيها فساد للمزاج والعقل، وفتحُ باب الشهوة، وموجبة للدياثة .. (٣)، بل قالوا: إنها رشوة الشيطان يرشو بها المبطلين ليطيعوه، وهي مورثة لقلة الغيرة -على المحارم- وزوال الحمية، وآكلها يعني الحشيشة -إما أن

стр. 1299

يصير ديوثًا، أو مأبونا، أو كلاهما، كذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية يرحمه الله (١). إخوة الإيمان! كفى بالمسكرات والمخدرات سوءًا أنها أمُّ الخبائث، خطب عثمان ﵁ يومًا فقال: أيها الناس، اتقوا الخمر فإنها أمُّ الخبائث، وأن رجلًا مما كان قبلكم من العباد كان يختلف إلى المسجد فلقيته امرأةُ سوءٍ، فأمرت جاريتها فأدخلته المنزل فأغلقت الباب، وعندها باطية من خمر، وعندها صبي فقالت له: لا تفارقني حتى تشرب كأسًا من هذا الخمر، أو تواقعني، أو تقتل الصبي، وإلا صِحتُ وقلت: دخل عليَّ في بيتي فمن الذي يُصدقك؟ فضعف الرجل عند ذلك وقال: أما الفاحشة فلا آتيها، وأما النفس فلا أقتلها، فشرب كأسًا من الخمر، فقال: زيديني، فزادته، فوالله ما برح حتى واقع المرأة وقتل الصبي، قال عثمان ﵁: فاجتنبوها فإنها أمُّ الخبائث، وإنه والله لا يجتمع الإيمان والخمر في قلب رجل إلا يوشك أحدهما أن يذهب بالآخر (٢). عباد الله! أرأيتم كيف تدعو هذه الفاحشة لغيرها من المنكرات .. فكيف وقد ذكر فيها أكثرُ من مائةٍ وعشرين مضرةً دينيةً ودنيوية. ألا فالتزموا حدود الله وقوا أنفسكم وأهليكم ومجتمعكم الشرور والآثام: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب﴾ (٣). نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وسنة نبيه ﷺ ..

стр. 1300

الخطبة الثانية: الحمد لله رب العالمين ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى إخوانه وآله .. معاشر المسلمين! أما عن سُبل الوقاية من هذه الأوبئة الفتاكة لابد أولا من صدق العزيمة -بالنسبة للفرد المُبتلى- ولابد من تعاون فئات المجتمع على محاربة هذا الداء ومشاركة الجهات المسؤولة مهمتها .. فالداءُ يتجاوز الفرد إلى المجتمع إذا لم يُسارع بالدواء. ولابد من تكثيف التوعية بأضرار المسكرات والمخدرات والتركيز في ذلك على المناهج الدراسية، وفي وسائل الإعلام المختلفة، ولابد من تأكيد دور الأسرة في رعاية أبنائها والحفاظ عليهم، ولابد من الجدية في ردع المجرمين وتطبيق حدود الشرع في المتعاطين والمروجين والمهربين، ولقد كان للقرار الحكيم الذي صدر في هذه البلاد ويقضي بقتل المهربين، أو المروجين الذين يتكرر منهم ذلك أثره في الحدِّ من انتشار هذا الوباء، ونأمل المزيد من العناية به وتعميمه، ففي القصاص حياة، ويزع الله بالسلطان ما لا يزع بالقرآن. ولابد -في سبيل وقاية الشباب من هذا الداء، من العناية بتربيتهم وملء وقت فراغهم بما يفيدهم ويفيد مجتمعهم وأمتهم. ولابد من رعايتهم وحفظهم عن قرناء السوء، وأبالسة الإنس، ووقايتهم من وسائل الدمار الخُلقي بكافة أنواعها (المرئي منها، والمقروء، والمسموع)، ولابد -في سبيل الوقاية من وباء المخدرات- من
следующие страницы →