← Джавами‘

Джавами‘ · id 20948

شعاع من المحراب

سليمان بن حمد العودة

Полный текст (3 545 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

الديني والمستوى الأخلاقي، إنها أزمةُ صلةٍ بين الخالق والمخلوق تهوّن على المرء ارتكاب أي محظور .. وترك أي واجب وعدم التفكير مليًّا في العواقب، وضعف التخوف من عذاب الله في الآخرة، إن سلم من عذابه في الدنيا. والمصيبة أن متعاطي المخدرات والمسكرات ينتقل من أزمة إلى أزمة أعظم منها، إلا أن يتداركه الله منه برحمةٍ وتوبةٍ صادقة. والفراغ القاتل سبب مهم آخر في الإطلال على نافدة المسكرات والمخدرات، ولاسيما عند فئة الشباب وتزداد المشكلة ويقترب الشاب أكثر من هذه المشكلة إذا اقترن برفقة سيئة، وأصدقاء سوء، يهونون عليه الأمر، ويدعونه إلى مجاراتهم في ورطتهم، أو يتهمونه بالجبن والبخل إذا لم يستجب لمطالبهم. وآفات صديق السوء كثيرة، ليست هذه إلا واحدة منها، وكثرة العمالة الوافدة ذات الأهداف السيئة في ترويج المخدرات .. سبب كبيرٌ في انتشارها عند من لا يستطيعون جلبها ولا السفر إليها، وتؤكد الإحصاءات المتعلقة بالمقبوض عليهم في جرائم التهريب والترويج على دور هذه العمالة في انتشار هذا الوباء، فكيف إذا انتشرت هذه العمالة في الأحياء السكنية وكانت الغالبية منهم عُزابًا، وتيسر لهم الاتصال والاختلاط بشباب أغرار، يسهل اصطيادهم والتأثير عليهم، إنها مشكلة لابد من التفطن لها. وفي السفر للخارج، مع توفر المادة، وضعف الرقيب وكثرة المغريات، ما يدعو ضعفاء النفوس لتعاطي المسكرات والمخدرات، في البداية بعيدًا عن الأهل والوطن .. ثم يستفحل الأمرُ، ويقود الإدمان إلى تعاطيها وجلبها في أي مكان وجدها بأي ثمن اشتراها (١). إخوة الإسلام! تأتي العوامل السياسية بين الدول نتيجة الاضطهاد والاستعمار

стр. 1297

والرغبة في الإفساد سببًا مهما من أسباب انتشار المسكرات والمخدرات، وقد استخدم الفيتناميون سلاح المخدرات في إضعاف قوة الجنود الأمريكان في حرب فيتنام، ولعب الاستعمار الإنجليزي والفرنسي -فيما مضى- دورًا بارزًا في نشر المخدرات في العالم العربي، ثم استلمت الراية إسرائيل ولا تزال جاهدة في إفساد شعوب المنطقة بهذا الداء العضال، إلى غير ذلكم من أسباب، لا شك أن لوسائل الإعلام الفاسدة وكثرة القنوات الفضائية الغازية دورًا في الدعوة إليها وعدم التحذير منها. إخوة الإيمان! وتُخلِّف هذه المسكرات والمخدرات آثارًا سيئة على الفرد والمجتمع، وعلى دين المتعاطي ودنياه، كيف لا وقد حكم الإلهُ أنها موقعة للعداوة والبغضاء، صادةٌ عن ذكر الله وعن الصلاة .. وهذه الأهداف التي يريدها الشيطان أمور واقعة يستطيع المسلمون أن يروها في عالم الواقع بعد تصديقها من خلال القول الإلهي الصادق بذاته، وقد قيل: إن الخمرَ ينسي والميسر يلهي. ويقف الطب الحديث معترفًا بعظمة القرآن ومؤكدًا الآثار السيئة والأضرار الصحية لهذا الوباء، ومؤكدًا تأثيرها على المخِّ والجهاز العصبي، والهضمي، والكبد والبنكرياس، وعلى القلب والدورة الدموية، وحدوث الأورام الخبيثة، بل جاوز الأطباءُ أثره على الأجنة والمواليد. إن في ذلك لآية .. وما يعقلها إلا العالمون؟ وآثارها الأمنية لا تخفى، والعلاقة بين تفشي الجريمة وبين السكر وتعاطي المخدرات يكشفها نسبُ المقبوض عليهم وتؤكدها البحوث والدراسات التي كتبت عن صلة الجريمة بالمخدرات .. (١).

стр. 1298

أما آثارها الاقتصادية. فيأبى الله أن يكون الثراءُ فيما حرم الله، ومع ارتفاع أسعار المخدرات فمروجُها من أفقر الناس .. أما المتعاطون فلا تزالُ يستنزف أموالهم حتى يضيقوا بالنفقة الواجبة لأهليهم وأولادهم، وربما أصبحت عوائلهم عالةً يتكففون الناس، نسأل الله السلامة والعافية لنا ولإخواننا المسلمين. وللمسكرات والمخدرات آثارها الاجتماعية المدمرة، فهي سبيل لانعدام الأخلاق، وتفكك الأسر، وهي طريق لانعدام القيم، وانتشار الكسل، وربما كانت نهايتها القتل من قبل سلطة رادعة .. بل قبل ذلك من الشخص المدمن أو من أقرب الناس إليه، ودونكم قصةً ذات مغزى (١)، وهي قصة أمٍّ انتهى النزاعُ مع ابنها المدمن على المخدرات، والذي كان يُلح عليها في الحصول على مبلغ يستطيع به أن يشتري جرعته المعتادة، إلى الانتحار بمسدس أمام نظر أمه، ولما رأته الأم لم يمت لتوه تناولت المسدس من يده المرتعشة وأطلقت على رأَسه ما تبقى من رصاصات، لترديه قتيلًا وتسارع بموته، ثم تذهب لتسلم نفسها (٢). عباد الله! هل من قلوب تعي، أو عقول تفكر في النهاية الموحشة والآثار المدمرة لهذه المسكرات والمخدرات. كيف وقد ذكر أهل العلم .. أن الحشيشة -وهي نوعٌ من المخدرات- توجب الفتور والذلة، وفيها فساد للمزاج والعقل، وفتحُ باب الشهوة، وموجبة للدياثة .. (٣)، بل قالوا: إنها رشوة الشيطان يرشو بها المبطلين ليطيعوه، وهي مورثة لقلة الغيرة -على المحارم- وزوال الحمية، وآكلها يعني الحشيشة -إما أن

стр. 1299

يصير ديوثًا، أو مأبونا، أو كلاهما، كذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية يرحمه الله (١). إخوة الإيمان! كفى بالمسكرات والمخدرات سوءًا أنها أمُّ الخبائث، خطب عثمان ﵁ يومًا فقال: أيها الناس، اتقوا الخمر فإنها أمُّ الخبائث، وأن رجلًا مما كان قبلكم من العباد كان يختلف إلى المسجد فلقيته امرأةُ سوءٍ، فأمرت جاريتها فأدخلته المنزل فأغلقت الباب، وعندها باطية من خمر، وعندها صبي فقالت له: لا تفارقني حتى تشرب كأسًا من هذا الخمر، أو تواقعني، أو تقتل الصبي، وإلا صِحتُ وقلت: دخل عليَّ في بيتي فمن الذي يُصدقك؟ فضعف الرجل عند ذلك وقال: أما الفاحشة فلا آتيها، وأما النفس فلا أقتلها، فشرب كأسًا من الخمر، فقال: زيديني، فزادته، فوالله ما برح حتى واقع المرأة وقتل الصبي، قال عثمان ﵁: فاجتنبوها فإنها أمُّ الخبائث، وإنه والله لا يجتمع الإيمان والخمر في قلب رجل إلا يوشك أحدهما أن يذهب بالآخر (٢). عباد الله! أرأيتم كيف تدعو هذه الفاحشة لغيرها من المنكرات .. فكيف وقد ذكر فيها أكثرُ من مائةٍ وعشرين مضرةً دينيةً ودنيوية. ألا فالتزموا حدود الله وقوا أنفسكم وأهليكم ومجتمعكم الشرور والآثام: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب﴾ (٣). نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وسنة نبيه ﷺ ..

стр. 1300

الخطبة الثانية: الحمد لله رب العالمين ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى إخوانه وآله .. معاشر المسلمين! أما عن سُبل الوقاية من هذه الأوبئة الفتاكة لابد أولا من صدق العزيمة -بالنسبة للفرد المُبتلى- ولابد من تعاون فئات المجتمع على محاربة هذا الداء ومشاركة الجهات المسؤولة مهمتها .. فالداءُ يتجاوز الفرد إلى المجتمع إذا لم يُسارع بالدواء. ولابد من تكثيف التوعية بأضرار المسكرات والمخدرات والتركيز في ذلك على المناهج الدراسية، وفي وسائل الإعلام المختلفة، ولابد من تأكيد دور الأسرة في رعاية أبنائها والحفاظ عليهم، ولابد من الجدية في ردع المجرمين وتطبيق حدود الشرع في المتعاطين والمروجين والمهربين، ولقد كان للقرار الحكيم الذي صدر في هذه البلاد ويقضي بقتل المهربين، أو المروجين الذين يتكرر منهم ذلك أثره في الحدِّ من انتشار هذا الوباء، ونأمل المزيد من العناية به وتعميمه، ففي القصاص حياة، ويزع الله بالسلطان ما لا يزع بالقرآن. ولابد -في سبيل وقاية الشباب من هذا الداء، من العناية بتربيتهم وملء وقت فراغهم بما يفيدهم ويفيد مجتمعهم وأمتهم. ولابد من رعايتهم وحفظهم عن قرناء السوء، وأبالسة الإنس، ووقايتهم من وسائل الدمار الخُلقي بكافة أنواعها (المرئي منها، والمقروء، والمسموع)، ولابد -في سبيل الوقاية من وباء المخدرات- من

стр. 1301

التحذير من السفر للخارج ولاسيما للشباب المراهقين الذين لا هدف ولا منفعة لهم من وراء السفر. ومع ذلك كله فكم هو جميل لو درست حالات المتعاطين والمروجين وعرفت الأسبابُ والدوافع ثم قُدم العلاج المناسب لها، ووضعت الاحتياطات المستقبلية حتى لا يقع غيرُهم فيما وقعوا فيه -فالوقاية خير من العلاج-. إخوة الإيمان! حين يكون الحديث عن المسكرات والمخدرات فلابد من همسةٍ عن بعض المُفترات التي عمت البلوى بها إلا من رحم الله، وضررها على الدين والمال والبدن ظاهرٌ لا يحتاج إلى كثير عناء .. فمن يجهل آثارَ الدخان على المدخنين، ومن يشك في كونه هدر للمال، واعتداء على الصحة .. وحيث توجد عيادات للمدخنين فذلك شعور واعٍ من أهل الصحة لأضرارها وضرورة معالجة أصحابها، أما فتاوى العلمَاء، وأدلتهم على تحريمها فتلك تُجيب على أسئلة السائلين عن حكمها، وتوقظ بصائر الجاهلين بحكم الشرع ورأي أهل العلم في تحريمها. إن مشكلة التدخين -فوق ما فيها من أضرار لا تخفى- فهي سبيل لاختيار رفقة السوء، والوحشة من رفقة أهل الخير .. وتلك سيئة كبرى من مساوئها .. وسيئة أخرى أنها داعية للكسل عن الطاعات، وربما كانت مقدمةً لأنواع من المحرمات. وتلك سيئة أخرى، فإياك أيها الشهمُ وإياها، وبادر أيها المبتلى بالإقلاع عنها قبل أن يستفحل فيك خطرُها، وتعظم آثارُها. والحديث عنها محتاج لمزيد بسط وبيان وليس هذا موضعها -أما القاتُ- فهو بلية أخرى مفترٌ وملهٍ عن ذكر الله، ولها أضرار ومضاعفات ذكرها العارفون، وهي لا تخفى، ولكن انتشاره أقلُّ بكثير من انتشار التدخين، ومن مخاطره على المدى

стр. 1302

البعيد سوءُ الهضم، وتليفُ الكبد، وإضعاف القدرة الجنسية والتعرض بسهولة لمرض السل .. (١) عباد الله! من الخمور الحسية إلى الخمور المعنوية أنقلكم، فللخمور الفكرية آثارٌ سيئة، وتلك هي التي تنشأ عن تعظيم العقل وإعطائه حجمًا أكبر مما أراده الله له، فيجعل أحيانًا مساويًا للنص، ولربما قُدم على النص، وذلك سبب ضلال المعتزلة فيما مضى، ومحلُّ فتنة العقلانيين في هذا الزمن .. وليت الآخرون يعتبرون بما انتهى إليه السابقون وأحدُهم يقول بعد طول تجربة وعناء في تعظيم العقل: نهاية إقدام العقولِ عقالُ ... وأكثر سعي العالمين ضلال ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا قيل وقالوا إن الإسلام يقدر العقل ويعتني به، بل ويحرم كلَّ ما يؤثر عليه، ولكنه يجعل له حدودًا ينتهي عليها حتى لا يتيه أصحابه في بيداء مهلكة لا نهاية لها .. وكم زلت أقدامٌ ونشأت نحل ضلت وأضلت بسبب زيغ العقل .. وكم زل آخرون وهم يظنون أنهم أصحابُ فكرٍ مستنيرٍ، زعموا أنه لابد من تحرير العقول، فطالت آثارُهم النصوص الثابتة المحكمة فأولوها أو أنكروها. وعلماء الإسلام الربانيون لم يتجاهلوا دور العقل، ولكنهم لم يعتدوا على النقل، وكتب أحدهم كتابًا سماه «درء تعارض العقل والنقل» ثم خلفت خلوف رأت أن بإمكانها -وفى ديار المسلمين- أن تتخلص من أي تقييد على العقل، فراحوا يسخّرون بالدين ونالت سخريتهم الذات الإلهية ومقام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وآخر ما أحدت ضجةً ذلك الرسمُ الكاريكتوري في جريدة القبس الكويتية، ويحمل نكتةً ساخرةً تقول: «إن آدم وحواء طردا من الجنة لأنهما لم يدفعا

стр. 1303

الإيجار» وأعوذ بالله مما قالوا .. وأستغفره وأنزهه عما يقول الظالمون، وأتذكر سخرية المنافقين في عصر الرسالة ونزول القرآن حاكمًا بكفرهم في قوله تعالى: ﴿ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم﴾ (١). عباد الله! حين صدر حكم بسجن رئيس التحرير ستة أشهر، وإيقاف الصحيفة عن الصدور لمدة أسبوع .. تنادت أقلام موتورة، تستغرب الحكم وتتخوف على مستقبل الحرية في الكويت، وجاءت عناوين مقالات بعض صحفنا تقول: لأول مرة في الكويت، ونسي هؤلاء أن يقولوا ليست هذه المرة الأولى التي يسخر بها من الدين، فقد سبق للسياسة سخرية أخرى .. وأين حرية الرأي من الاعتداء على الحرمات، بل والتطاول على قيم الإسلام الكبرى في بلد يحكم بالإسلام وتدين شعوبه بالإسلام .. إنها مأساة. بل زمن الوقاحة الإعلامية، كما عبر أحد كتابنا -وهو يتحدث عن تخوفنا من البث الإعلاني الغربي- وكيف نواجهه، حيث قال: غير أننا بعد أن هطلت علينا سحائب البث الفضائي الغربي وغمرتنا ذبذباته وموجاته اكتشفنا حقيقة مرةً مذهلة هي أن الخطر الذي كنا نظنه آتيًا من بعيد قد تفجّر من تحت أقدامنا، وأن ما كنا نظنه قادمًا من الغرب بصلفه الحضاري قد قام به أبناء جلدتنا، وبدل من أن نكون نحن وأبناءُ عمنا على الغريب -في هذا المجال- أصبح أبناءُ عمنا والغريبُ من خلالهم علينا جميعًا (٢). ومن عجب أن هذا المقال كتبه د. أحمد الضبيب، قبل ما حصل من جريدة القبس، فماذا تراه يقول أو يقول غيره بعد ما حصل.

стр. 1304

١٠ ملاحظات في أيام الامتحانات (١) الخطبة الأولى: الحمد لله خلق الموتَ والحياة ليبلوكم أيُّكم أحسن عملًا .. ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل هذه الدار دار امتحان وبلاء وعمل، والآخرة دار جزاء وقرار إلى الأبد .. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله بلغ البلاغ المبين وجاهد في الله حتى أتاه اليقين .. اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن أصحابه الغرِّ الميامين وعن التابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون﴾ (٢). ﴿يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم﴾ (٣). إخوة الإسلام! غدًا موعدُ الامتحان لمعظم الطلاب والطالبات .. وللامتحان رهبة وهيبة .. والنفوس بطبعها تخاف من مساءلتها .. وتقلق من غيبٍ لا تدري ما الله صانع فيه لها .. ولكن القلق أو التخوف الذي يعقبه الطمأنينة والنجاح سرعان ما ينتهي، وتشعر النفس معه بلذة الراحة بعد التعب، والسرور بعد الكبد. وما أتعس عيش الذين يتواصل كبدهم قبل الامتحان وبعده .. وأشدُّ تعاسة الذين يستمر كبدُهم في تلك الحياة الدنيا وفي الآخرة .. ألا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين.

стр. 1305

أيها الطلبةُ والطالبات .. وأولياء الأمور آباء كانوا وأمهات، إخوانًا كانوا أو أخوات .. وإليكم جميعًا أوجه هذه النصائح الملاحظات العشر بمناسبة أيام الامتحانات: الملاحظة الأولى: ومع رهبة الامتحان فمما يخفف من هذه الرهبة قوة اليقين والتوكل على الله بعد فعل الأسباب المطلوبة شرعًا من حسن المذاكرة والتركيز في الفهم. وكن واثقًا مطمئنا لقضاء الله وقدره، فما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك .. دافع القلق وكثرة الهموم فلربما كانت هذه وتلك أسبابًا لضياع معلوماتك وفشلك في الامتحان. الملحوظة الثانية: إياك وكثرة السهر المفضي إلى الإعياء وعدم القدرة على التركيز أثناء الإجابة .. وإياك أن يطول سهرُك إلى قرب الفجر ثم تنام عن الصلاة، وربما استيقظت متأخرًا فأتيت إلى قاعة الامتحان ولم تصلِّ فرض الله بعدُ، متأولًا أن الله غفور رحيم، وناسيًا أَن الله شديد العقاب .. ولا خير فيك إن فوَّتَ شيئًا من الصلوات أثناء الامتحانات، ولا خير أيضًا إن لم تصل إلا أيام الامتحانات. الملحوظة الثالثة: وهناك من يعمد من الطلبة أو الطالبات إلى تعاطي المنبهات أو المخدرات أيام الامتحانات، وذلك لدفع النوم -كما يظنون- ولكنها البداية النكدة لو كانوا يعلمون .. وهي مورثة لخلل التفكر وتعب الجسد فيما بعد .. الأمر الذي يدعو إلى كثرة النوم بعد وضياع أوقات مضاعفة .. لو كانوا يعلقون. الملحوظة الرابعة: وهى همسةٌ لأولياء الأمور، وتنبيه من لم يبتل بعد بهذا الداء .. ذلكم أنّ هناك أشرارًا يصيدون في الماء العكر، فيلقون سمومهم إلى غيرهم .. وربما فتنوا بالمخدرات شابًا أو شابة لا علم لهم بمثل هذه الأمراض الفتاكة، مستغلين ظروف الامتحانات .. ومُسوّلين للطالب أو الطالبة أن تعاطي حبةً

стр. 1306

مخدرة كفيل بالحيوية والنشاط ومن ثمَّ النجاح في الامتحان .. ومن هنا تبدأ المشكلة ويتلوث الأبرياء بأدواء الخبثاء .. ولربما تطور الأمر إلى ما هو أعظم من ذلك، فراودوا المتعاطي عن نفسه، إذا اعتاد جسمه عليها ولم تتوفر في حينها .. فباعوها له بأغلى الأثمان .. وربما كان الثمن انتهاك العرض ووأد الفضيلة والحياء ولا حول ولا قوة إلا بالله .. فانتبهوا لهذه المخاطر وبداياتها في كل حين .. ولاسيما في أيام الامتحانات. الملحوظة الخامسة: وهى قريبة من سابقتها .. ولكنها بلون آخر من الإغراء .. فقد تخدع هذه الذئاب المفترسة شابًّا غِرًّا .. فتعرض عليه الركوب معهم في السيارة لسرعة إيصاله إلى بيت أهله أو إلى مدرسته .. فإذا استجاب وركب بدأ مسلسل الإغراء والعروض أولًا .. فإن لم يستجب الشابُّ بدأ مسلسل التهديد والوعيد .. ولربما كاد من وسائلهم تهديدُ الشاب بعدم تمكينه من الامتحان إن لم يستجب لمطالبهم الخبيثة .. ولربما استجاب الشاب المسكين في البداية خشية فوات الامتحان عليه ولوم الأهل له، ثم كانت هذه الفضيحة ورقةً يُهدد بها إذا لم يستجب لمثلها .. وكل ذلك يقع في غيبة ولي الأمر وغفلة المدرسة .. وسببها الأول الاستجابة للركوب مع هذه الشلل الفاسدة .. فاحذر أخي الشاب من الركوب مع من لا تعرفه معرفةً جيدةً وتثق بدينه وخلقه، وتنبه أيها الولي لمسيرة ابنك وذهابه وإيابه من المدرسة .. وعلى المدرسة ورجالات الشرطة والحسبة ثقل من المسؤولية ومتابعة هذه الحالات الشاذة. الملحوظة السادسة: وثمة ظاهرة يغفل عنها كثير من الناس، وهي مقلقة لرجالات الحسبة والدوريات وتحتاج إلى يقظة وحزم وحسم يقطع دابر الفتنة ويحفظ بنات المسلمين من أوغاد قل حياؤهم واستطار شرُّهم، وجعلوا مهمتهم

стр. 1307

التحرش بالطالبات، إنها ظاهر مؤلمة تقع عند مدارس البنات -وتكثر أيام الامتحانات- والذئابُ ترصد خروجهن فتبدأ المضايقة بكلمة أحيانًا أو برسالة مختصرة أحيانًا أخرى وبرمي رقم هاتف تتم المحادثة والمهاتفة عليه فيما بعد .. وكم خَدع هؤلاء الذئاب بوسائلهم المختلفة عددًا من الفتيات فأصابهن من لوثة العرضِ ما دنَّس حياءَهن .. وجاء بالفضيحة على عوائلهن. أيها الأولياء! ربما كان الخلل من الفتاة أحيانًا .. فالطالبة مثلًا حين تُنهي امتحانها يكون هناك زمن بين نهاية الامتحان ووصولها إلى منزلها .. ويظن الأهل أنها في المدرسة، وتعتقد المدرسة أنها في بيت أهلها .. وهي خلال هذه المدة متعرضة للفتنة وربما ضربت مواعيد مع أولئك الفساق، فكانت بدايات النكدِ والشقاء لها ولأسرتها وللمجتمع من حولها. أيها الأولياء .. أباءً كنتم أو أمهاتٍ أو إخوانًا أو أخوات. هل تأكدتم من ذهاب الطالبة إلى المدرسة ومجيئها عن طريق النقل الرسمي، أو عن طريقكم؟ أم خاطرتم بذهابها على رجليها .. ولا تدرون ما يحدث لها؟ هل تنبهتم للمكالمات الهاتفية المثيرة من الفتيات، وهل احتطتم في مكان الهاتف .. وأكدتم على عدم استخدامه إلا للضرورة وفي مكان بارز .. وليس في غرفة مختصة؟ هل تسامحتم في مذاكرة الطالبة مع زميلتها .. ثم لا تعلمون ما يحدث في هذه المذاكرة؟ هل نتعاون جميعًا في معرفة من يدورون حول المدارس وبلغنا الجهات الرسمية بهم أو برقم سياراتهم .. إنها فتن يشيب لهولها الولدان .. وفضائح إذا ما وقعت -لا قدر الله- طأطأت رؤوس الرجال، وتسري الفتن لتعم الظالم وغيره، وصدق الله: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب﴾ (١).

стр. 1308

الخطبة الثانية: الحمد لله رب العالمين .. وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله إمام المتقين .. اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر المرسلين. إخوة الإيمان! حين نذكر مظاهر سلبية فللحذر منها .. وحين نومئ إلى نماذج فاسدة فلا يعني أنها شاملة .. ولا يزال في الناس خير.، فتيانًا كانوا أم فتيات .. أولياء .. أو معلمين أو معلمات. ولكن الظاهرة إذا بدأت فلم تعالج سريعًا ولم يتنبه الناس لمخاطرها .. اتسعت رقعتها وكثرُ أعداد المتضررين بها، وصعب علاجُها، وبعض الناس يخلطون بين الثقة والاحتياط، فالثقة أصل والاحتياط مطلوب .. وبعض الناس لديهم ثقة زائدة .. وإن شئت فقل سطحية وإهمال، وقد تجري الأمور على غير ما يريدون وهم في غفلتهم وثقتهم يترددون .. فالتربية أمانة والمسئولية كبيرة، والوقاية خير من العلاج، والسعيد من وعظ بغيره، ومن عوفي فليحمد الله، ومن ابتلي فليستعن بالله وليسارع بالعلاج. أيتها المعلمات .. وقبل أن تذبل الزهرةُ، عليكن كفل كبير من المسؤولية -فتداول الصور، أو أرقام الهواتف، أو الأشرطة الماجنة -أو الرسائل المثيرة، أو غير ذلك من ممنوعات .. لابد من مراقبة الطالبات وأخذهن بالحزم .. ولابد من جولات تفتيشية مفاجئة أحيانًا .. ولابد من تكثيف المراقبة أيام الامتحانات خصوصًا. ولا بد من كلمات مضيئة تحذر من صديق أو صديقات السوء .. وتكشف لهن المخاطر المترتبة على ذلك مستقبلًا، ولابد من التحذير من سماعة الهاتف لغير حاجة، ومثل ذلك يُقال للمعلمين أو أزيد فحركة الشباب أكثر، وأبعدُ للريب من حركة الفتيات.

стр. 1309

أيها المسلمون .. إنما أطلت في هذه الظاهرة لكثرة ما حدثت أو قرأت عن هذه الظواهر .. وكم حذر الخيرون من هذه المظاهر ورغبوا في التحذير عنها .. فلننتبه جميعًا .. ولنكن يدًا واحدةً في محاصرة الفساد والتضييق على المفسدين .. ولنتعاون مع الجهات الرسمية في المتابعة والعلاج، فالله أمر بالتعاون على البرِّ والتقى ونهانا عن التعاون على الإثم والعدوان .. الملحوظة السابعة: بعض البيوت مبتلاة بوجود عدد من وسائل الفساد عبر قناة مثيرة .. أو مجلة ساقطة -أو شريط ماجن- والعجب إنك تراهم يدركون خطر هذه الوسائل على الأبناء والبنات أيام الامتحانات، فيغلقون ما يغلقون منها، ويمنعون الأبناء والبنات من تداولها .. وحجتهم في ذلك حتى لا تؤثر هذه وتلك عن مذاكرتهم وتحصيلهم ونتائج امتحاناتهم، وهذا أمر يوافقون عليهم، ولكن السؤال المهم كيف يقتنع هؤلاء بضررها عليهم في أيام الامتحانات فقط؟ أوليس التأثير على المعتقد والدين والخلق أولى بالعناية وأحوج إلى الاستمرار .. هل نسينا أنهم قد ينجحون في امتحان الدنيا .. ولكنهم معرضون للإخفاق في الامتحان الأكبر .. ما حجتُك أيها الولي إذا وقفت بين يدي الله وأنت مدرك لأضرار هذه الوسائل الهادمة ولكنك اكتفيت بوقايتهم منها لغرضٍ زائل من أغراض الدنيا .. وأهملت وقايتهم منها في سائر الأيام، فلوثت فكرهم، وخدشت حياءهم، وجعلتهم كالأيتام على موائد اللئام .. ثم أنت بعدُ ترجو برَّهم وصلاحهم؟ إنها مسؤولية سترد على الله مسؤولًا عنها فأعد للسؤال جوابًا صوابًا. الملحوظة الثامنة: ويحدث عند بعض الطلاب والطالبات فصام نكد بين المفاهيم التربوية التي تعلموها، وبين الواقع السلوكي الذي يمارسونه .. فقد ربوا طويلًا على الإحسان، وهو أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك،

стр. 1310

وربوا على أن العبادة مفهوم شامل لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال .. وربوا على المراقبة الدائمة لله .. وعلى التوكل عليه، والخوف منه .. إلى غير ذلك من مفاهيم جليلة .. ولكن أين هذا مثلًا من ظاهرة الغش في الامتحان وبعض الطلبة قد لا يمنعهم من مزاولتها إلا عدم القدرة عليها. فإذا وجد فرصة سارع إليها، وأين هذه المفاهيم من مقارفة بعض السلوكيات الخاطئة وترك الواجبات .. وفعل المحرمات .. إن هذه المفاهيم وغيرها لا يُراد منها التلقين والأداء في الامتحان، وإنما القصدُ بناء شخصية الطالب عليها داخل المدرسة وخارجها وفي أيام الامتحانات وغيرها. وإذا ما نجحنا في التوفيق بين ما يحصله الطالب والطالبة من معلومات وبين التطبيق السلوكي لها .. فذلك المؤشر الحقيقي لنجاح العملية التربوية .. وإلا فلنبحث عن الخلل حيث يكون ولنسارع بالعلاج. الملحوظة التاسعة: ووصيتي إليكم معاشر الطلبة والطالبات ألا يبدأ الاستذكار عندكم أيام الامتحانات فقط، فهذه مع كونها سببًا للقلق، فالمحصلة العلمية فيها قليلة، والعلمُ ليس ثقلًا يرمى في ورقة الإجابة ثم ينسى، بل هو رصيد يستحق العناية والحفظ .. أما أنتم معاشر الأولياء فلا يسوغ لكم إهمال أبنائكم وبناتكم طوال العام، فإذا خرجت النتيجة على غير ما تشتهون كانت المخاصمة والسبابُ لإدارة المدرسة ومعلميها. الملحوظة العاشرة والأخيرة: -وهي أهمها- وهي موجهة للممتحَنين وللممتحِنين بل لنا جميعًا .. فليت هذه الامتحانات الصغرى تذكرنا بالامتحان الأكبر، وهناك لا فرصة للمحاولة بعد الفشل، ولا محيص للغش والتدليس، لا

стр. 1311

واسطة ولا شفاعة إلا لمن أذن له الرحمن ورضي له قولًا، النجاحُ هناك إلى الأبد، والمستقر في جنات ونهر ما دامت السموات والأرض، والعطاء غير مجذوذ، والنعيم لا يوصف، والسعادة لا تحد .. أما الخسران فخلود في النار إلى الأبد .. النهاية إلى الهاوية حيث الزفيرُ والشهيق والزقوم ومقامع الحديد، ولك أن تتصور هذا المشهد والجلود كلما نضجت أبدلوا غيرها ليستمر الإحساس بالعذاب، فماذا أعددنا لهذا الامتحان الصعب .. وليختر كلّ منا لنفسه إحدى المنزلتين .. ﴿ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا﴾ (١).

стр. 1312

المحاسبة على مستوى المجتمع والأمة (١) الخطبة الأولى . إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أَعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر المرسلين، وارض اللهم عن أصحابه أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا﴾ (٢). ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون * واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون﴾ (٣). أيها المسلمون! مع في دورة الأفلاك، وتعاقب الليل والنهار وانصرام الشهر، ومجيء العام بعد العام، ومع تذكر الموت واستحضار الحشر والمعاد .. لابد من المحاسبة اليوم .. لأنه لا مفرَّ من المُساءلة غدًا، فالقرآن مذكر للأمة، لكن

стр. 1313

سيسألون عنه: ﴿وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون﴾ (١)، والسؤال شامل لمن أرسل إليهم والمرسلين: ﴿فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين﴾ (٢). وإذا كان الصادقون يسألون، فما الظنُّ بمن دونهم؟ ﴿ليسأل الصادقين عن صدقهم وأعد للكافرين عذابا أليما﴾ (٣). وإذا لم تُنس الموءودة بالسؤال وهي لا تملك من أمرها شيئًا، فكيف سيكون السؤال لمن وأدها. ﴿وإذا الموءودة سئلت * بأي ذنب قتلت﴾ (٤). لابد من المساءلة يا عباد الله عن النقير، والقطمير، ولابد من المجازاة على العمل ولو كان مثقال ذرة، ولا يخفى على الله شيء في الأرض ولا في السماء، حتى ولو كانت ﴿مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير﴾ (٥). عباد الله! إذا سبق الحديث عن المحاسبة للنفس على مستوى الفرد، فثمة حساب ينبغي أن نعيه على حساب المجتمع والأمة. وإذا أعطى الله قومًا نعمةً حاسبهم علي شكرها أو كفرها. ومن أعظم النعم في مجتمع المسلمين نعمة اجتماع الكلمة، والألفة والمحبة، والقيام بحقوق الأخوة الإسلامية. هذه نعمة يُذكَّرُ بها المؤمنون، ويذكرون بما يُضادُّها من الفرقة والشحناء والبغضاء، وهذه النعمة أساسُها التقوى وعمادها

стр. 1314

الاعتصام بالكتاب والسنة، كما قال جلَّ من قائل عليمًا: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون * واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون﴾ (١). وهذه النعمة لا يستطيع البشر أن يوفروها لأنفسهم مهما أوتوا من العلم، ومهما بلغت بهم الحضارة، إذا كانوا بمنأى عن تعاليم السماء، وهم عاجزون عن جلبها بأغراض الدنيا ولو أنفِقوا في ذلك ما أنفقوا، إنها منحة إلهية وكفى ﴿وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم (٦٣) يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين﴾ (٢). تُرى كم يخسر المسلمون وهم يُفرطون في هذه النعمة الكبرى، حين تنشأ في صفوفهم الإحن، وتسود القطيعة، وتتسع دائرة الخلاف والفرقة، وكم تضعف المجتمعات المسلمة من قوتها حين يُساء الجوار، ويُتنابز بالألقاب، كم تهدر من طاقة وتهدُّ أركان بالحق قائمة، وتشل قوى متربصة، ويختلط النفاق بالإيمان، ويغيب الحقُّ أو يكاد، وتظلل الرؤية أصواتُ المبطلين، والله لا يغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴿ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم﴾ (٣). أيها المسلمون! لابد أن نحاسب أنفسنا على نعمة الأخوة واجتماع الكلمة حتى لا تتقطع أوصالنا، وتذهب ريحنا، ونكون محل شماتة الأعداء وفساد في ديننا، لا

стр. 1315

بد من معرفة الداء ولابد من الدواء، وابدأ بنفسك أيها المسلم فعالج ما تجد فيها من بُغض أو نُفرة أو حقد أو حسد لأي من إخوانك المسلمين دون سبب مشروع. إخوة الإسلام! المسلمون أمة واحد، وقوة ضاربة في أعماق الزمن، لا يدانيهم في ذلك أمة من الأمم، كيف لا؟ والمسلمون مهما تباعدت ديارهم، واختلفت ألسنتهم وألوانهم، ومهما علت أو قلّت مراتبهم يلتقون تحت شعار (لا إله إلا الله محمد رسول الله) وتمتد مسيرة الأمة الواحدة في أعماق الزمن لتشمل جموع المؤمنين من أتباع الأنبياء والمرسلين منذ بُعث أول نبي وحتى ختِمت الرسالات بمحمدٍ ﷺ ، كذلك أراد الله لنا، وكذلك قص القرآن علينا: ﴿إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون﴾ (١)، ﴿وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون﴾ (٢). فهل يدرك المسلمون سرَّ هذه القوة، هذه الأمة أمة عقيدة ودعوة .. عقيدة صادقة صافية تعتز بها، ودعوة إلى الخير يتشرف كلُّ من انضوى تحت لوائها ومع خيرية الأمم السابقة، فأمة محمد ﷺ خيرها على الإطلاق .. ولكن هذه الخيرية مشروطة بعدة أمور، ومن أبرزها القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال تعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون﴾ (٣). وهذه الخيرية مسؤولية ونعمة أخرى لابد أن يحاسب المسلمون أنفسهم عليها،

стр. 1316

هل قاموا بواجبها، ما العقبات التي تعترض سبيلها، ما أنسب الوسائل والطرق لتحقيقها. إن أمم الأرض كلَّها تنتظر من المسلمين أن يفيئوا عليهم من هذه الخيرية، وقد لجَّت بهم المذاهب والأفكار والنحل الباطلة فهل يقود المسلمون زمام السفينة وينقذوا أهلها من الغرق المحتمل بين عشية أو ضحاها. تلك -وربي- مسؤولية وتبعة، وسوف يسأل عنها المسلمون. أيها المؤمنون! مع خيرية أمة الإسلام فهي أمة وسط وهي شاهدة يوم القيامة على الأمم الأخرى .. يقول تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا﴾ (١). والوسط هنا - كما قال أهلُ التفسير (٢) الخيار والأجود، ووسطيتها تشمل المنهج والسلوك، فقد خصها اللهُ بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأوضح المذاهب، فلا رهبانية في الإسلام، ولا حرج في الدين ﴿ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس﴾ (٣). أيها المسلمون! إن من الخزي والعار أن تشهد الأمم الكافرة في الدنيا على أمة الإسلام بالضعف والتفكك والتبعية، وكيف لأمة مغلوبة، ومهزومة نفسيًّا أن تقود ركب الأمم؟ وهذه الانهزامية ليست من طبيعة منهجها، وهذا التفكك والضعف ليس من سمات تاريخها .. فلقد ملكنا هذه الدنيا قرونًا ... وأخضعها جدودٌ خالدونا

стр. 1317

وسطرنا صحائف من ضياءٍ ... فما نسي الزمان ولا نسينا عباد الله! هذه المعالم الثلاثة: الأخوةُ الإسلامية، وخيرية هذه الأمة بعقيدتها ودعوتها، ووسطيتها بمنهجها، مُسَلَّمات لابد أن تحاسب الأمة نفسها عليها بين الفينة والأخرى، ولئن أصابها شيءٌ من الضمور أحيانًا، أو تخلف أثرها في الواقع، أو قصر المسلمون في الوصول إلى مستواها حينًا من الدهر، فينبغي أن تكون حقائق مستقرة في الأذهان، وهدفًا يُسعى إلى تحقيقه في واقع الحياة، ومما يُسلِّي ويسرِّي أن الأمة المسلمة تمر أحيانًا بمراحل ضعف، لكنها لا تلبث أن تفيء إلى دينها، وتجدد ما اندثر من حضارتها، وتسدد ما أصابه الخللُ من قيمها، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير * الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز * الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور﴾ (١). نفعني الله وإياكم.

стр. 1318

الخطبة الثانية: الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا مثيل، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله بعثه الله بالحنيفية السمحة ليتمم مكارم الأخلاق فكانت بعثته رحمةً للعالمين، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر المرسلين. إخوة الإسلام! من الأمور التي ينبغي للمجتمع المسلم أن يحاسب نفسه عليها، المسؤولية الخلقية والجزاء عليها، إذ إن الإسلام أمر بجملة من الأخلاق الفاضلة ورتب الجزاء لها، ونهى عن جملة من الأخلاق السيئة وشرع العقوبة عليها، ووضع الحدود لمرتكبيها، ويظن بعض الناس ظنًّا خاطئًا أن آثار الخلق الحسن لا يستفيد منها غير صاحبها، وأن شؤم المعصية لا تمتد إلى المجتمع، وآثار الخلق المشين لا يتضرر منها المجتمع من حوله، صحيح أن هناك مسؤولية فردية «فكل نفس بما كسبت رهينة»، ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ (١). ولكن المسؤولية الجماعية تُعد امتدادًا للمسؤولية الذاتية فحينما نسأل عن أعمال غيرنا إنما نسأل عن انعكاسات مواقفنا الإيجابية أو السلبية، ولولا ذلك لما قام سوقُ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولما مُيزت به هذه الأمة عن غيرها من الأمم وأُمرت به ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون﴾ (٢). ولولاه لما قام واجبُ الإصلاح بين أفراد المجتمع وجاء الأمر به بعد التقوى ﴿فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم﴾ (٣).

стр. 1319

والإصلاح من صفات المؤمنين ومن لوازم الأخوة ﴿إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم﴾ (١). وتأملوا وقفة ابن العربي يرحمه الله حول تفسير قوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ وما فيها من إشارة وفهم للمسؤولية الفردية والجماعية يقول ﵀: «هذا حكمٌ من الله تعالى نافذٌ في الدنيا والآخرة وهو ألا يُؤاخذ أحدٌ بجرم أحدٍ، بيد أنه يتعلق ببعض الناس من بعض أحكام في مصالح الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر .. إلى أن يقول: والأصلح في ذلك كله أن المرء كما يُفترض عليه أن يُصلح نفسه باكتساب الخير، فواجب عليه أن يصلح غيره بالأمر به، والدعاء إليه، والحمل عليه، وهذه فائدة الصحبة، وثمرة المعاشرة، وبركة المخالطة، وحسن المجاورة، فإن أحسن في ذلك كله كان معافًى في الدنيا والآخرة، وإن قصَّر في ذلك كلِّه كان معاقبًا في الدنيا والآخرة، فعليه أولًا إصلاح أهله وولده، ثم إصلاح خليطه وجاره، ثم سائر الناس بعده بما بيناه من أمرهم ودعائهم وحملهم، فإن فعلوا وإلا استعان بالخليفة لله في الأرض عليهم، فهو يحملهم على ذلك قسرًا، (ثم يقول): ومتى أغفل الخلقُ هذا فسدت المصالح وتشتت الأمر، واتسع الخرق، وفات الترقيع، وانتشر التدمير» (٢). أيها المسلمون! ! خذوا على سبيل المثال لا الحصر، أمرين نهى عنهما الإسلام وحذر من آثارهما على الفرد والمجتمع، يتعلق أحدهما بحفظ الأنساب وسلامة الأعراض، ويتعلق الآخر بحفظ الأموال وصيانتها عن الحرام: الزنا، والربا. تضافرت نصوص الكتاب والسنة على تحريمهما، بما لا يخفى، ولكن السؤال

стр. 1320

المهم: هل تتجاوز آثارُهما الفرد إلى المجتمع؟ يقول ﵊: «لا تزال أمتي بخير ما لم يَفشُ فيهم ولد الزنا، فإذا فشا فيهم ولد الزنا أوشك أن يعمهم الله بعذاب» (١). وفي حديث آخر قال ﵊: «إذا ظهر الزنا والربا في قرية فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله» (٢). عباد الله! لا عجب أن تكون عقوبة الزنا حارسًا يحفظ أعراض الناس من أن تمس باطلًا، ويصون ألسنتهم من أن تقول زورًا، ويقي حياتهم من أن تعيش شقاءً وتمزقًا (٣). ولا عجب أن يُعظم الله أمرَ الربا ويُعلن الحرب على من لم ينتهوا، ففيه دمار للبلاد والعباد، وفيه ظلم للمحاويج والفقراء، وبه تورم وهمي وتكثر ظاهري للأغنياء .. لكن عاقبته إلى قلةٍ كما أخبر المصطفى ﷺ ، وكفى بإعلان الحرب من الله على مرتكبيه إثمًا مبينًا، وهل يرغب مسلم أن يخرج من دائرة الإيمان بسبب الربا، قفوا عند قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين * فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون﴾ (٤). أيها المسلمون! كذلك ينبغي أن يحاسب المجتمع بعضه بعضًا، فيُعلَّمُ الجاهلُ،

стр. 1321

ويُذكَّر الناسي، ويُردع المتطاول، فسلامةُ سفينة المجتمع هدفٌ أرشد إليه الإسلام، وحذّر المصطفى ﷺ من آثاره السلبية وترك الأمر والنهي كما في حديث القوم الذين استهموا السفينة فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، ولو ترك الجاهلون يخرقون السفينة من أسفلها لهلكوا وأهلكوا من فوقهم .. ألا فلنحافظ جميعًا على أمن وسلامة مجتمعنا، ولنكن أوفياء لأمتنا ونماذج صالحة لتعاليم ديننا، لنبادر إلى الخير بأنفسنا، ولنرغبه وندعوا إليه بالحسنى غيرنا، وننتهي عن الشر والفجور قدر طاقتنا ولنُحذِّر منه الآخرين، فذلك جزءٌ من مسؤوليتنا، وأمانة في أعناقنا ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين﴾ (١).

стр. 1322

البيوت الوهمية (١) الخطبة الأولى: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله .. اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارضَ اللهم عن آله المؤمنين وصحابته الميامين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. فأما بعد: فاتقوا الله معاشر المسلمين، ومن يتق الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب، ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرًا، ومن يتق الله يُكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرًا. عبادَ الله! يظن بعض الناس ظنًّا خاطئًا أن الحياة الدنيا لهو ولعب وزينة وتفاخر وتكاثر في المال والولد لا أكثر، ولئن جاء وصفها كذلك في كتاب الله فإنما جاء ذلك توهينًا لأمرها وبيانًا لحقارتها، ولكنها ليست كذلك بالنسبة للمسلم، والذي يراها مزرعةً للآخرة، ويعلمُ علمَ اليقين أن عاقبتها إما إلى مغفرة ورضوان أو عذاب شديدٍ ونيران ﴿وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور﴾ (٢). وحين يُخيل لآخرين أن الحياة طيشٌ وعبث، وضياع للأوقات وانتهاك

стр. 1323

للمحرمات، وزهدٌ في العبادات والطاعات .. يراها آخرون ميدانًا للتنافس في الطاعات، وسُلَّمًا للجنان وأعالي الدرجات يراها العالِمون العبودية الحقة لربِّ العالمين، وقد جاءهم من ربهم اليقين ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ (١)، ورد عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿إلا ليعبدون﴾ أي: إلا ليُقروا بعبادتي طوعًا أو كرهًا، وهذا اختيارُ ابن جرير ﵀ (٢). كما ورد في بعض الكتب الإلهية يقول الله تعالى: «ابن آدم خلقتك لعبادتي فلا تلعب، وتكفَّلتُ برزقك فلا تتعب، فاطلبني تجدني فإن وجدتني وجدت كلَّ شيء، وإن فتك فاتك كلّ شيء، وأنا أحب إليك من كلِّ شيء» (٣). أيها المسلمون! يتسعُ مفهوم العبادة في الإسلام ليشمل أمور الدنيا والآخرة، ويدخل فيها مع حسن القصد والنية رعاية الأهل والولد، والبحث عن الأسباب المشروعة للرزق، وفي شريعة الإسلام يُسأل العبدُ عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه .. (٤). وليس للمسلم أن يُطلق لعينيه النظر كيف يشاء، ولا لأذنيه السمع كيفما اتفق، فكل أولئك كان عنه مسؤولًا. عباد الله! نُذكر بهذا تنبيهًا وتحذيرًا من ظاهرة بدأت تسري في المجتمع، وانساق لها عدد من الشباب والرجال، تُهلك بها الأوقات، وتضيع فيها الحقوق والواجبات، ويغيب فيها القيِّمون على الأهل والأبناء والبنات. حديث اليوم عن

стр. 1324

البيوت الوهمية لبعض الناس وعن العزلة عن الأهل والعشيرة -إنه حديث عن الجلسات المطوّلة في الأحواش وتحذير عن طول المكوث والسهر بلا فائدة في الاستراحات. إنها ظاهرة تستحق الوقفة والعلاج حين يُسرف فيها المسرفون، وتكون سلوكًا مستديمًا يحجب الزوج عن أهله وأولاده، أو يغيب فيها الابن طويلًا عن بيته وأبويه وإخوانه، أو تشلُّ الموظف عن إتمام عمله، أو تعيق المعلم عن الوفاء بمتطلبات وظيفته، أو تقطع المتسبب عن البحث عن مواطن رزقه أو تكون على الأقل مادةً للاجتماع على أمورٍ محرمة، إن الحديث موجه لأولئك الذين يقضون معظم أوقاتهم في هذه الاستراحات وبشكل مستديم دونما فائدة، ولا يعني الحديث أولئك الذين ربما خرجوا للاستجمام والنزهة أحيانًا، أو مصطحبين معهم أهليهم وأولادهم لمامًا وفي مناسبات معينة. أيها المسلمون! كم ضاعت أسرٌ حين غاب عنها القيِّمون وما ظنكم ببيت يغيب عنه الولي شطرًا من النهار، وزلفًا من الليل وإلى ساعاتٍ متأخرة في الليل .. أين القوامة وأين الشعور بالمسؤولية .. وهل يظن أولئك المفرطون أن البيوت مشتملة على قطعانٍ من المواشي والأنعام، ليس لها إلا أن يُوفر لها الماء والمرعى؟ كلا فالمسؤولية عظيمة ودور الرجل في البيت لا يُعوض، وكيف يطيب طول المكوث والأُنس بعيدًا عن الأهل والوالد والولد، ولو قُدر عليهم حادثٌ لضاقت بهم المهاجر .. وهل ترضى أيها العاقلُ الحرُّ الكريم أن يقضي الناس حوائج أهلك وأنت في سهر ولهو ولعب؟ وأسوأ من هذا لو وقع انحراف في بيتك لا قدر الله -نظرًا لطول غيبتك وضعفِ رقابتك- فهل ترى غيرك مسؤولًا أمام الله عنها؟ إننا كثيرًا ما نتحدث عن فساد الزمان وضياع الشباب، وانحراف الفتيات،

стр. 1325

ونجيد في إلقاء اللوم على غيرنا، وننسى أننا نُسهم أحيانًا في هذا الفساد والضياع بضعف أدوارنا في بيوتنا وبين أبنائنا وأهلينا وعشيرتنا، وهل يستطيع العدو أن يخترق البيوت المحصَّنة؟ عباد الله! المسلم مسؤول أمام الله عن ضياع الأوقات بلا فائدة، فليس الوقت عبئًا ثقيلًا يلقيه المرءُ عن كاهله كيفما اتفق بل هو في حسِّ المسلم مزرعة للآخرة .. وطريق موصل إلى الجنة أو النار، ويرحم الله أقوامًا كانوا ولا زالوا يشحُّون بأوقاتهم أكثر من شحِّ أحدنا بماله، فلا يضيعونها بدون فائدة. وكيف يطيب لك يا أخا الإسلام أن تضيع زهرة شبابك أو دهرًا من عمرك فيما لا يعود بالأثر الحميد عليك وعلى مجتمعك وأمتك .. وإذا لم تستطع أن تسهم في حلِّ مشكلات إخوانك المسلمين فلا تكن على الأقل يدًا شلاء تُعيق المجتمع عن النهوض وبلوغ المبتغى من أمور الدين والدنيا .. وهل بلغ بك تبلدُ الإحساس وعدم الشعور بالمسؤولية إلى درجةٍ استطاع الأعداءُ فيها أن يشغلوك بسفاسف الأمور عن أوضاع أمتك؟ إخوة الإسلام! إنني أربأ بكم عن ضياع أوقاتكم سدى، سواء في هذه البيوت الوهمية أو في بيوتكم الحقيقية .. لكنني سائلكم عن رأيكم في هذا الموظف الذي أمضى سحابة ليلة ساهرًا أترونه يأتي لعمله مبكرًا، وإن كان فما نوع المعاملة التي سيتعامل بها مع مراجعيه؟ إنها مزيج من مدافعةِ السهر والإعياء، يرافقها ضيق في النفس وتقصير في الأداء، وتعطيل لمصالح الناس، وانشغال الفكر بأحاديث الصحبة وبرامج السهرة؟ وما ظنكم بالمعلم الذي اتخذ له من هذه البيوت الوهمية سكنًا أترونة يأتي للدرس مُحضرًا، وللطلبة موجهًا مربيًا، أم ترونه كسولًا مهملًا، يتوارى من القوم

стр. 1326

من سوء ما صنع، يضيق ذرعًا بالطالب النجيب يسأله وبالحائر المتردد يتطلع إلى توجيهه، وضيقُه أشد مع المسؤول حين يكلفه بنوع من النشاط يسهمُ في تربية الجيل ويوسع مداركه ويعمق وعيه بقضايا أمته، والواجبات التي تنتظره. أيها المسلمون! ثمة ملحظ اقتصادي يخطئ فيها البعض منا وهو لا يشعر، وكم رأيت شابًا صعلوكًا لا يملك منزلًا يأوي به نفسه ويستر به أولاده. ولكنك تراه ينفق في الاستراحة كلَّ ما جمع ويظل يكدُّ ويكدحُ وتستوعب الاستراحة كلَّ ما جمع، وتنتهي مهمة هذه الاستراحةِ عند اجتماع الخلِّ والأصحاب بها، والسهر واللعب داخل أسوارها .. ويبقى الأهلُ والولد في مكانٍ ضيق، والمسكين يدفع الأجرة لمن أجر .. وهكذا يُصرف المالُ دون مواربة .. ولا غرو أن يضيع المال إذا ضاعت الأوقات، وماتت الهمم. وما لجرح بميت إيلام. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما (٧٢) والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا (٧٣) والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما (٧٤) أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما﴾ (١).

стр. 1327

الخطبة الثانية: الحمد لله رب العالمين وفَّق من شاء لطاعته باغتنام الأوقات والمسارعة للخيرات، أحمده تعالى وأشكره وهو أهل للحمد والثناء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين .. إخوة الإسلام! إذا كان التحذيرُ عن مجرد إضاعةِ الأوقات والتقصير في أداء الواجبات في هذه الأحواش والاستراحات فالأمرُ أعظم وأخطر حين يصاحبها المنكرات، ويكون الاجتماع على المحرمات من سماعٍ للغناء، أو مشاهدة لأفلام العُهر والخنا، أو شرب ما حرم الله أو مقارفة للفساد بأي لون من ألوان الفساد، وإن لم يكن هذا ولا ذاك لم تسلم هذه الاجتماعات المطوَّلة من غيبة أو نميمة تُنتهك بها الأعراض، وتحمل على الظهور الأوزار .. وكم هو عزيز أن يكون القرآنُ وسنةُ المصطفى ﷺ والقراءة في كتب السلف وسير الصالحين، مادةً لهذه الاجتماعات وغيرها فتحف بالمكان الملائكة وتغشى المجتمعين السكينة وبذكرهم لله يذكرهم في الملأ عنده .. وكم هو عظيم أن تكون اجتماعاتنا تعاونًا على البرِّ والتقوى كما أمر بذلك ربُّنا لا تعاونًا على الإثم والعدوان وهو محذورٌ في ديننا. عباد الله! ما أتعس حياة الساهرين إذا كان السهر سبيلًا لقطعهم عن شهود الصلاة مع المسلمين، وهل ترضى يا أخا الإسلام أن تحشر نفسك في زمرة المنافقين، والرسول ﷺ يقول: «أثقل الصلاة على المنافقين صلاة الفجر والعشاء ولو يعلمون ما فيهما من الأجر لأتوهما ولو حبوًا». وما أنكد حياة الخِلاَّن إذا كانت على الفسق والفجور، ومثلك خبير بلعن

стр. 1328

بعضهم بعضًا، وهذا جزاء مقدم في الدنيا، أما في الأخرى فتذكر جيدًا قول ربِّنا ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ (١). يا أخا الإيمان! إني مذكرك ونفسي برقابة الله إن كنت ممن يستترون بهذه البيوت الوهمية أو غيرها عن أعين الخلق ليمارسوا ما شاءوا من الفواحش والآثام -بعيدًا عن الرقيب في ظنِّهم، ورقابة الله فوق كلِّ رقابة، وهو الذي يعلم السرَّ وأخفى ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٢). إذا ما خلوت الدهر يومًا فلا تقل ... خلوتُ ولكن قل عليَّ رقيب يا أخا الإيمان! أتُراك بعد هذا محتاجًا للفتوى في حكم الانعزال بهذه الاستراحات التي تزاول فيها المنكرات؟ استفت قلبك والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس، وإن أصررت على سماع الفتوى فهاك السؤال مقرونًا بالإجابة الشافية من فضيلة الشيخ محمد العثيمين ﵀: وقد سئل: فضيلة الشيخ الوالد: محمد بن صالح العثيمين ﵀ كثرت في الآونة الأخيرة ظاهرة الجلوس في الأحواش والاستراحات والسهر بها لأوقات طويلة ويكون بعض هذه الاجتماعات على أمورٍ مفسدة كالاجتماع على الدخان والشيشة ورؤية السيء في القنوات الفضائية عبر جهاز الاستقبال (الدّش) فما حكم ذلك؟ وإذا كان يغلب على ظن صاحب الملكِ (المؤجِّر) أن استخدام حوشِه أو استراحته سيكون لهذه الأغراض السابق ذكرُها أو أن تكون وسيلةً لتجمعات بعض المراهقين فيها فهل يجوز له تأجيرُها. نرجو من فضيلتكم الإجابة والتوجيه مشكورين.

стр. 1329

فأجاب فضيلته فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته: أولًا: ننصح إخواننا المسلمين عن طول السهر فيما ليس مصلحة دينية أو دنيوية، سواءٌ في هذه الاستراحات أو في بيوتهم؛ لأن من هدي النبي ﷺ أنه كان يكره النوم قبل صلاة العشاء والحديث بعدها، ولأن طول السهر يفضي إلى النوم عن قيام الليل لمن كان له حظٌّ من قيام الليل، ويفضي إلى ثقل صلاة الفجر، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا». ولأن طول السهر في الليل يُفضي إلى أن ينامَ الإنسان في النهارَ طويلًا، ويقابل كدحه وعمله بفتور، ومن المعلوم عند جميع الناس أن نوم الليل أصحُّ وأقومُ للبدن؛ لأن الليل محل السكون والنهار وقت المعاش، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٢)، وقال: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ (٣). ثانيًا: الاجتماع على أمور مُفسدة كالاجتماع على الدخان والشيشة وما يسمع من الأغاني الماجنة أو يشاهد من المرئيات السافلة التي تثير كوامن الشهوات وتدعو إلى الشَّهوات والمنكرات اجتماع محرمٌ، سواء كان في الأحواش والاستراحات أو البيوت.

стр. 1330

وتأجير الأحواش والاستراحات على من يُظن منه الجلوس فيها على هذه المنكرات تأجير محرم وأخذ الأجرةِ على ذلك حرام؛ لأنه أجرة على محرم، وأجرةُ المحرم حرامٌ وإعانة على الإثم والعدوان، قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا الله إِنَّ الله شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (١). أسأل الله تعالى أن يجعلنا من المتعاونين على البر والتقوى المتناهين عن الإثم والعدوان، إنه جواد كريم، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين (٢). يا أخا الإسلام! إياك أن يتلاعب بك الشيطان فتقول: أنا لا أجتمع وأسهر في هذه البيوت الوهمية، إذ أوفر جهاز الدّش في بيتي وأتحكم فيما يُبث فيه بنفسي، وتلك مخادعة للنفس، ونقل للمصيبة في البيت، وغشّ للرعية التي استرعاك الله إياها من النساء والذرية، وهاك الفتوى الأخرى صريحةً وموقظةً لمن كان له قلبٌ أو ألقى السمعَ وهو شهيد، وذلك في سياق حديث الشيخ (محمد) عن الدشوش وحكمها. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد: هذا مقطع من خطبة فضيلة الشيخ/ محمد بن صالح العثيمين، في التحذير من البث المباشر (الدش) وذلك في الخطبة الثانية من يوم الجمعة ٢٥/ ٣/ ١٤١٧ هـ. قال النبي ﷺ : «ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة» (٣)، وهذه الرعاية تشل الرعاية الكبرى الواسعة والرعاية

стр. 1331

الصغرى، وتشمل رعاية الرجل في أهله لقول النبي ﷺ : «الرجل راعٍ في أهله ومسؤول عن رعيته». وعلى هذا فمن مات وقد خلّف في بيته شيئًا من صحون الاستقبال (الدشوش) فإنه قد مات وهو غاش لرعيته وسوف يُحرم من الجنة كما جاء في الحديث. ولهذا نقول: إن أي معصية تترتب على هذا (الدش) الذي ركّبه الإنسان قبل موته، فإن عليه وزرها بعد موته وإن طال الزمن وكثُرت المعاصي. فاحذر أخي المسلم، احذر أن تُخلّف بعدك ما يكون إثمًا عليك في قبرك. وما كان عندك من هذه (الدشوش) فإن الواجب عليك أن تُكسِّره و (تحطمه) لأنه لا يمكن الانتفاع به إلا على وجه محرم غالبًا، لا يمكن بيعه لأنك إذا بعته سلّطت المشتري على استعماله في معصية الله، وحينئذ تكون ممن أعان على الإثم والعدوان، وكذلك إن وهبته فأنت معين على الإثم والعدوان. ولا طريق للتوبة من ذلك قبل الموت إلا بتكسير هذه الآلة (الدش). التي حصل فيها من الشر والبلاء، ما هو معلوم اليوم للعام والخاص. احذر يا أخي أن يفجأك الموت وفي بيتك هذه الآلة الخبيثة، احذر .. احذر .. احذر. فإن إثمها ستبوء به وسوف يجري عليك بعد موتك. نسأل الله السلامة والعافية. وأن يهدينا وإخواننا المسلمين صراطه المستقيم، وأن يتولانا بعنايته، وأن يحفظنا من الزلل برعايته، إنه جواد كريم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين (١). أيها الآباء، أيها الأولياء الفضلاء! إني أُجلُّكم عن ضياع أوقاتكم في هذه

стр. 1332

البيوت الوهمية، وأترفع بكل عاقلٍ عن إضاعة الدين والدنيا في هذه الأحواش والاستراحات، ولكني أنبهكم ناصحًا مشفقًا على أبنائكم وإخوانكم الشباب فهل تأملتم في غيابهم حين يغيبون وهل تعرفتم على أصدقائهم حين يروحون ويجيئون .. إننا نخشى أن تكون بعض هذه الاستراحات والأحواش مصيدة للشباب، بها يَفسدون ويُفسدون، ومن خلالها يبدأ خط الانحراف الخُلقي في غياب من الموجه والرقيب، فتنبهوا رحمكم الله لمكمن الخطر، وصلوهم بالرفقة الصالحة التي تعينكم على تربيتهم، ورغبوهم في حلق التحفيظ، ومجالس العلماء، شاركوا رجالات الأمن والحسبة مسؤوليتهم في الرقابة وكشف أوكار الفساد أنَّى كانت وفي هذه الاستراحات أو غيرها، فالأمرُ جدُّ خطير، والمسؤولية عظيمة، وقد سمعتم أثر التهاون بها. وبعد إخوة الإيمان فهذا نداءٌ أخوي أوجهه للمبتلين بالجلوس طويلًا في هذه الاستراحات أذكرهم فيه برقابة الله أولًا فيما يعملون أو يدعون، وأذكرهم -إن كانوا متزوجين- بشكاوى نسائهم، وحنين أطفالهم وحاجة أبنائهم وبناتهم إلى توجيههم حين يمسون وحين يصبحون. وإن كانوا شبابًا عزبًا فبالبرِّ بوالديهم، وحفظ أوقاتهم، والاستعداد لمستقبل حياتهم .. أنصح الجميع بعدم الإسراف في المكوث في هذه البيوت الوهمية، والعودة إلى بيوتهم الحقيقية، فالعافية مطلب، والسلامة لا يعدلها شيء، والفضيحة -لا قدر الله- تسيء إلى البيوت الشريفة وإن كان لابد من الجلوس فيها للأنس والراحة فليختر الرفقة، وليكن ذلك أحيانًا، وبعد التأكد من سلامتها من كلِّ ما يخدش المروءة والدين. إنني على ثقة أن بعضًا من مرتادي هذه الاستراحات عقلاءُ في تصرفاتهم،

стр. 1333

حريصون على دينهم، ولكنهم ربما في خضم القافلة ساروا، وإذا ذُكِّروا تذكروا وأنابوا، وفيها -كذلك- شباب أحداث غُرِّر بهم وبمشورة غيرهم انقادوا، والأمل معقود بعد الله على استجابتهم لنصح الناصحين ومشورة المربين وحنانيكم أيها الناصحون وأيها الآباء، والمربون .. حنانيكم الرفق والحكمة، ولا تنظروا لمن ابتلي على أنه عضوٌ فاسد لا يصلحُ الجسدُ إلا بقطعه .. كلا فبالكلمة الطيبة تنفتح المغاليق وبالهدية تتقارب القلوب وبالزيارة والنصيحة تُردم الفجوة .. والهداية أولًا وآخرًا بيد الله يعلم من يستحقها وهو لها أهل .. ومن هو في ضلال مبين. اللهم اهدنا فيمن هديت وعافنا فيمن عافيت، اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتباعه .. اللهم احفظ علينا أمننا وإيماننا وبارك لنا في أعمارنا وتقبل أعمالنا.

стр. 1334

عبر من قصص السابقين (١) المهاجر الطيار (١) الخطبة الأولى: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر المرسلين، وارض اللهم عن أصحابه أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أوصي نفسي وإياكم معاشر المسلمين بتقوى الله، ومن يتق الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب .. ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرًا. إخوة الإيمان! يروعك في قصص السابقين الأولين من المسلمين .. الصدق في إيمان أصحابها .. وعلوّ الهمم في حياتهم، والتضحية بالغالي والرخيص في سبيل نُصرة هذا الدين. وبين أيدينا اليوم أنموذج فذّ .. انخرط في سلك المؤمنين وهو بعدُ في ريعان الشباب، فعاش في مكة ظروف الدعوة الصعبة في أيامها الأولى ثم كانت الهجرة الأولى في الإسلام .. فكان في طليعة المهاجرين .. وأي غم بعد الشقة. وآلام الغربة .. فقد أمضى المهاجر الشهيدُ الطيار أربعة عشر عامًا في بلاد الحبشة .. أي ما يؤيد على ثلث عمره ﵁ وأرضاه .. أو ما يقرب من نصف عمره على

стр. 1335

القول بأنه استشهد يوم أن استشهد في مؤته وعمره ثلاث وثلاثون سنة (١)، عرفته بلاد الحبشة مهاجرًا دائمًا .. وعرفه الأحباش خطيبًا صادق اللهجة، قوي الحجة، داعيًا إلى الله، مدافعًا كذب الخصوم على رسول الله ﷺ . ولِمَ يعجب المرء من قريش وقادتها وهم لا يكتفون بإخراج المؤمنين من مكة .. ويضطروهم للهجرة من ديارهم .. بل تظل مطاردتهم خارج بلادهم .. فما أن استقرَّ أصحابُ الهجرة في الحبشة حتى بعثت قريش في إثرهم وفدًا يشي بهم عند النجاشي، ويشوه صورتهم، قائلين: إن أناسًا من أرضنا رغبوا عن ديننا وهم في أرضك .. وقد بعثنا إلى الملك أشراف قومهم ليردوهم إليهم (٢). ولكن الأعجب من ذلك موقف المؤمنين وثباتهم، وقناعتهم ودفاعهم عن عقيدتهم، وجعفر بن أبي طالب ﵁ خطيبهم .. فلا يتلعثم ولا يتردد في شرح مفاهيم الدين الحق، ووصف الرسول المبعوث بالحق -حتى إذا أكمل جعفر حديثه لم يتمالك النجاشي نفسه من إظهار الإعجاب بحديثه، والاعتراف بصدق مقولته. وحين نجح المسلمون .. بقيادة -جعفر ﵁ في هذا الامتحان الصعب .. فثمة موقف أصعب .. وعمرو بن العاص داهية العرب، ومبعوث قريش حينها، يحاول جاهدًا إثارة الوقيعة بين الأحباش النصارى .. وبين وفد المهاجرين المسلمين في قضية عقدية، الخلاف فيها بين المسلمين والنصارى كبير جدًّا .. تلك هي: عقيدة المسلمين الحقة في المسيح عيسى ابن مريم .. وعقيدة النصارى الكافرة وعيسى ابن مريم .. كما قال تعالى: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم﴾ (٣).
следующие страницы →