← Джавами‘

Джавами‘ · id 20948

شعاع من المحراب

سليمان بن حمد العودة

Полный текст (3 545 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

الصغرى، وتشمل رعاية الرجل في أهله لقول النبي ﷺ : «الرجل راعٍ في أهله ومسؤول عن رعيته». وعلى هذا فمن مات وقد خلّف في بيته شيئًا من صحون الاستقبال (الدشوش) فإنه قد مات وهو غاش لرعيته وسوف يُحرم من الجنة كما جاء في الحديث. ولهذا نقول: إن أي معصية تترتب على هذا (الدش) الذي ركّبه الإنسان قبل موته، فإن عليه وزرها بعد موته وإن طال الزمن وكثُرت المعاصي. فاحذر أخي المسلم، احذر أن تُخلّف بعدك ما يكون إثمًا عليك في قبرك. وما كان عندك من هذه (الدشوش) فإن الواجب عليك أن تُكسِّره و (تحطمه) لأنه لا يمكن الانتفاع به إلا على وجه محرم غالبًا، لا يمكن بيعه لأنك إذا بعته سلّطت المشتري على استعماله في معصية الله، وحينئذ تكون ممن أعان على الإثم والعدوان، وكذلك إن وهبته فأنت معين على الإثم والعدوان. ولا طريق للتوبة من ذلك قبل الموت إلا بتكسير هذه الآلة (الدش). التي حصل فيها من الشر والبلاء، ما هو معلوم اليوم للعام والخاص. احذر يا أخي أن يفجأك الموت وفي بيتك هذه الآلة الخبيثة، احذر .. احذر .. احذر. فإن إثمها ستبوء به وسوف يجري عليك بعد موتك. نسأل الله السلامة والعافية. وأن يهدينا وإخواننا المسلمين صراطه المستقيم، وأن يتولانا بعنايته، وأن يحفظنا من الزلل برعايته، إنه جواد كريم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين (١). أيها الآباء، أيها الأولياء الفضلاء! إني أُجلُّكم عن ضياع أوقاتكم في هذه

стр. 1332

البيوت الوهمية، وأترفع بكل عاقلٍ عن إضاعة الدين والدنيا في هذه الأحواش والاستراحات، ولكني أنبهكم ناصحًا مشفقًا على أبنائكم وإخوانكم الشباب فهل تأملتم في غيابهم حين يغيبون وهل تعرفتم على أصدقائهم حين يروحون ويجيئون .. إننا نخشى أن تكون بعض هذه الاستراحات والأحواش مصيدة للشباب، بها يَفسدون ويُفسدون، ومن خلالها يبدأ خط الانحراف الخُلقي في غياب من الموجه والرقيب، فتنبهوا رحمكم الله لمكمن الخطر، وصلوهم بالرفقة الصالحة التي تعينكم على تربيتهم، ورغبوهم في حلق التحفيظ، ومجالس العلماء، شاركوا رجالات الأمن والحسبة مسؤوليتهم في الرقابة وكشف أوكار الفساد أنَّى كانت وفي هذه الاستراحات أو غيرها، فالأمرُ جدُّ خطير، والمسؤولية عظيمة، وقد سمعتم أثر التهاون بها. وبعد إخوة الإيمان فهذا نداءٌ أخوي أوجهه للمبتلين بالجلوس طويلًا في هذه الاستراحات أذكرهم فيه برقابة الله أولًا فيما يعملون أو يدعون، وأذكرهم -إن كانوا متزوجين- بشكاوى نسائهم، وحنين أطفالهم وحاجة أبنائهم وبناتهم إلى توجيههم حين يمسون وحين يصبحون. وإن كانوا شبابًا عزبًا فبالبرِّ بوالديهم، وحفظ أوقاتهم، والاستعداد لمستقبل حياتهم .. أنصح الجميع بعدم الإسراف في المكوث في هذه البيوت الوهمية، والعودة إلى بيوتهم الحقيقية، فالعافية مطلب، والسلامة لا يعدلها شيء، والفضيحة -لا قدر الله- تسيء إلى البيوت الشريفة وإن كان لابد من الجلوس فيها للأنس والراحة فليختر الرفقة، وليكن ذلك أحيانًا، وبعد التأكد من سلامتها من كلِّ ما يخدش المروءة والدين. إنني على ثقة أن بعضًا من مرتادي هذه الاستراحات عقلاءُ في تصرفاتهم،

стр. 1333

حريصون على دينهم، ولكنهم ربما في خضم القافلة ساروا، وإذا ذُكِّروا تذكروا وأنابوا، وفيها -كذلك- شباب أحداث غُرِّر بهم وبمشورة غيرهم انقادوا، والأمل معقود بعد الله على استجابتهم لنصح الناصحين ومشورة المربين وحنانيكم أيها الناصحون وأيها الآباء، والمربون .. حنانيكم الرفق والحكمة، ولا تنظروا لمن ابتلي على أنه عضوٌ فاسد لا يصلحُ الجسدُ إلا بقطعه .. كلا فبالكلمة الطيبة تنفتح المغاليق وبالهدية تتقارب القلوب وبالزيارة والنصيحة تُردم الفجوة .. والهداية أولًا وآخرًا بيد الله يعلم من يستحقها وهو لها أهل .. ومن هو في ضلال مبين. اللهم اهدنا فيمن هديت وعافنا فيمن عافيت، اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتباعه .. اللهم احفظ علينا أمننا وإيماننا وبارك لنا في أعمارنا وتقبل أعمالنا.

стр. 1334

عبر من قصص السابقين (١) المهاجر الطيار (١) الخطبة الأولى: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر المرسلين، وارض اللهم عن أصحابه أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أوصي نفسي وإياكم معاشر المسلمين بتقوى الله، ومن يتق الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب .. ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرًا. إخوة الإيمان! يروعك في قصص السابقين الأولين من المسلمين .. الصدق في إيمان أصحابها .. وعلوّ الهمم في حياتهم، والتضحية بالغالي والرخيص في سبيل نُصرة هذا الدين. وبين أيدينا اليوم أنموذج فذّ .. انخرط في سلك المؤمنين وهو بعدُ في ريعان الشباب، فعاش في مكة ظروف الدعوة الصعبة في أيامها الأولى ثم كانت الهجرة الأولى في الإسلام .. فكان في طليعة المهاجرين .. وأي غم بعد الشقة. وآلام الغربة .. فقد أمضى المهاجر الشهيدُ الطيار أربعة عشر عامًا في بلاد الحبشة .. أي ما يؤيد على ثلث عمره ﵁ وأرضاه .. أو ما يقرب من نصف عمره على

стр. 1335

القول بأنه استشهد يوم أن استشهد في مؤته وعمره ثلاث وثلاثون سنة (١)، عرفته بلاد الحبشة مهاجرًا دائمًا .. وعرفه الأحباش خطيبًا صادق اللهجة، قوي الحجة، داعيًا إلى الله، مدافعًا كذب الخصوم على رسول الله ﷺ . ولِمَ يعجب المرء من قريش وقادتها وهم لا يكتفون بإخراج المؤمنين من مكة .. ويضطروهم للهجرة من ديارهم .. بل تظل مطاردتهم خارج بلادهم .. فما أن استقرَّ أصحابُ الهجرة في الحبشة حتى بعثت قريش في إثرهم وفدًا يشي بهم عند النجاشي، ويشوه صورتهم، قائلين: إن أناسًا من أرضنا رغبوا عن ديننا وهم في أرضك .. وقد بعثنا إلى الملك أشراف قومهم ليردوهم إليهم (٢). ولكن الأعجب من ذلك موقف المؤمنين وثباتهم، وقناعتهم ودفاعهم عن عقيدتهم، وجعفر بن أبي طالب ﵁ خطيبهم .. فلا يتلعثم ولا يتردد في شرح مفاهيم الدين الحق، ووصف الرسول المبعوث بالحق -حتى إذا أكمل جعفر حديثه لم يتمالك النجاشي نفسه من إظهار الإعجاب بحديثه، والاعتراف بصدق مقولته. وحين نجح المسلمون .. بقيادة -جعفر ﵁ في هذا الامتحان الصعب .. فثمة موقف أصعب .. وعمرو بن العاص داهية العرب، ومبعوث قريش حينها، يحاول جاهدًا إثارة الوقيعة بين الأحباش النصارى .. وبين وفد المهاجرين المسلمين في قضية عقدية، الخلاف فيها بين المسلمين والنصارى كبير جدًّا .. تلك هي: عقيدة المسلمين الحقة في المسيح عيسى ابن مريم .. وعقيدة النصارى الكافرة وعيسى ابن مريم .. كما قال تعالى: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم﴾ (٣).

стр. 1336

وهنا دُعي المسلمون المهاجرون للسؤال عن هذا الأمر العظيم، وبلغ بهم من الشدة والكرب ما عبروا عنه بقولهم: «ولم ينزل بنا مثلها قط»، واجتمعوا يتشاورون فيمَ يقولون؟ وتتفق الروايات كلها على صدق المسلمين في حديثهم، وثباتهم على معتقدهم رغم الظروف الصعبة، ويتفقون على القول: ونقول -والله- ما قال الله ، وما جاءنا به نبينا كائنًا في ذلك ما كان (١). ومن يتق الله يجعل له مخرجًا .. وعجبك يشتد حين تعلمُ أن الحبشة النصرانية في معتقدها .. يُذعن قادتها للحق، ويقول النجاشي، على إثر سماعه مقولة جعفر في معتقدهم في المسيح بأنه عبدالله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه .. وقد أخذ عودًا من الأرض فرفعه ثم قال: يا معشر الحبشة والقسيسين والرهبان، ما تريدون ما يسوؤني هذا، أشهد أنه رسول الله، وأنه الذي بشر به عيسى في الإنجيل، والله لولا ما أنا فيه من الملك لأتيته فأكون أنا الذي أحمل نعليه وأوضؤه، ثم قال للمهاجرين: انزلوا حيث شئتم، وأمر بهدية الآخرين -من قريش- فردت عليهم ورجع وفد قريش مقبوحين (٢). ورغم هذا النصر العظيم، ورغم الأنس بعدل النجاشي وجواره تظل الغربة عن الأهل والوطن هاجسًا للمهاجرين .. كيف لا وهم في منأى عن جوار الحبيب المصطفى ﷺ ، لا يسمعون حديثه، ولا يدرون عن حاله ولا يبلغهم في حينه ما يبلغ المسلمين من تشريعات نازلة، إلا ما تتناقله الرواة بعد حين من الدهر .. ومع ذلك كله ظل جعفر صابرًا محتسبًاه .. ويولد له في الحبشة عبدالله، ومحمد، وعون .. (٣).

стр. 1337

وتظل معه زوجته الوفية (أسماء بنتُ عميس ﵂ تشاركه المهمة .. وإن كانت تُحس بآلام الغربة، ولكنها وزوجها -والمهاجرين معهما- يحتسبون ذلك عند الله وتُعبر عن ذلك صراحة في حوارها مع الفاروق عمر ﵁ قائلة: كنتم مع رسول الله ﷺ ﷺ يُطعم جائعكم ويعلم جاهلكم، وكنا في دار البعداء البغضاء وذلك في الله وفي رسوله (١). أخوة الإسلام! حين يمتد بنا الحديث عن جوانب من حياة المهاجرين عامة، وحياة جعفر خاصة .. لا نرى أثرًا سلبيًّا للغربة في حياتهم، بل نجد حياتهم تُقضى في العبادة والدعوة .. والعلم والتعليم وكم في حياة جعفر ومن معه في الجيش من دروس موقظة وعبر تستحق الوقفة .. والفرق كبير بين جعفر في أداء مهمته في بلاد الحبشة .. وبين أعداد من شباب الأمة يذهب الذاهبُ منهم فترة من الزمن لا أقول غريبًا عن وطنه بل بعيدًا بعض الشيء عن أهله وخلانه، فيشعر بالغربة ويتطلع دائمًا للعودة .. وأنى له وهو في هذا الشعور أن ينتفع أو ينفع اللهُ به في تعليم كتاب الله، أو في الدعوة لدين الله - كما صنع جعفر والمهاجرون معه من قبلُ. ويكفي المهاجرين فخرًا .. أن تصل دعوتهم إلى بلاط النجاشي .. وفي مجلسه كتاب الله يُتلى .. وأمر الإسلام يُعظَّم في هذه البلاد النائية والنجاشي يُعلن إسلامه .. أو يُسر به لمصلحة لا تخفى، وتظل جهودُ المهاجرين في الحبشة ثمارًا يانعة يقتات منها الأفارقة .. والأشجار التي غرسوها ذات ظلال وارفة لا يزال أهل تلك الديار وما جاورها يستظلون بظلها .. وفي جوانب العلم والتعليم تحدثنا الروايات أنهم كانوا يجتمعون في الحبشة

стр. 1338

للفائدة .. وقد رُئي جعفر ﵁ وهو بين أظهر أصحابه يُحدثهم .. أجل لا مكان للدعة .. ولا مجال للفراغ عند هؤلاء المهاجرين المجاهدين .. فإذا لم تكن الفرصة لدعوة غيرهم للإسلام فلتكن الفرصة للمهاجرين بينهم للاجتماع لتقوية إيمانهم والتواصي بينهم بالحق والصبر. وهكذا يظل جعفر ومن معه ينتظرون إذن الرسول ﷺ لهم بالعودة .. حتى إذا وضعت الحرب أوزارها مع قريش، وكانت هدنة الحديبية مؤشرًا لضعف قريش واعترافها بقوة المسلمين التفت المسلمون بقيادة محمد ﷺ إلى تعميم الدعوة وإرساء قواعد الدولة -وهنا يحتاج المسلمون إلى كل طاقة- ولا يستغنون عن أي عنصر .. وحينها كتب الرسول ﷺ للنجاشي في طلب جعفر وأصحابه فحملهم النجاشي على سفينتين -وحين وصلوا المدينة كان المسلمون قد فتحوا خيبر- فلم يتمالك رسول الله ﷺ حينها أن يبدي سرورَه بمقدم جعفر وأصحابه وحين رآه قبّل ما بين عينيه وقال: «لا أدري بأيهما أُسر بفتح خيبر أم بقدوم جعفر». ورغم ما يمثله هذا الشعور الكريم من طيب خلقه ﷺ وحسن معاملته ومكافأته لأصحابه -فجعفر ومن معه يستحقون الحفاوة والتكريم، وقد خلفوا آثارًا طيبة في الحبشة- ويكفيهم أن غربتهم استمرت من السنة الخامسة أو السادسة للبعثة إلى أن كانت السنةُ السابعة للهجرة. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون﴾ (١).

стр. 1339

الخطبة الثانية: الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخيرته من خلقه، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. أيها المسلمون! عاد جعفر من الحبشة وبلغت فرحةُ النبي ﷺ بمقدمه مبلغها، ولم يشغله عنها فرحته بفتح خيبر وكسرِ شوكة عدوٍّ لدود للمسلمين، ألا وهم اليهود .. والاستيلاء على حصونهم المنيعة. فلماذا فرح رسول الهدى ﷺ بجعفر هذه الفرحة- ألأن جهاده ودعوته تستحق كل هذه الفرحة والتقدير؟ أم لأن صبره وطول غربته تستحق العناية والتقدير؟ أم لأنه قدم يوم قدم وقد كسرت شوكة قريش من قبل ثم تلاها كسرُ شوكة اليهود من بعد .. وبمجيء جعفر ومن معه يلتئم شمل المسلمين، ويجتمع ما تفرق منهم بسبب المطاردة والإيذاء من قبل أعداء الدين؟ وأيًّا ما كان السبب هذا أو ذاك أو لأسباب أخرى فالذي لا شك فيه أن الدرس الذي ينبغي أن نعيه هو أن جعفرًا ﵁ عاد يوم أن عاد من الحبشة إلى المدينة لا ليأخذ فترة نقاهة لطول غربته، ولا ليستلذَّ بالراحة - ولو لفترة من الزمن- إثر جهاده ودعوته في أرض الحبشة .. بل عاد جعفر ليواصل الجهاد والدعوة للدين الحق مع قافلةِ المؤمنين. فلم تمض سنة على مقدمه حتى كان أحد القادة الثلاثة في الجيش الإسلامي الذاهب لمنازلة الروم في مؤتة في السنة الثامنة للهجرة. وفي معركة غير متكافئة في العدد والعدة وقف المسلمون وعدتهم ثلاثة آلاف

стр. 1340

بإزاء الروم وجمعتهم يبلغ مائتي ألف مقاتل، الأمر الذي جعل المسلمين -في البداية- يتشاورون أيقدمون على قتال العدو رغم قلة عددهم وكثرة عدوهم، أم يكتبون للنبي ﷺ يخبرونه، فإما يمدهم بالرجال، أو يأمرهم بأمره .. ولكن أحدَ قادتهم شجعهما على القتال قائلًا: والله إن الذي تكرهون للذي خرجتم تطلبون: الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا، فإنما هي إحدى الحسنيين، إما ظفر وإما شهادة. فمضى الناس حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم الجموع بقرية يُقال لها: مَشارف، فدنا العدو، وانحاز المسلمون إلى (مؤتة) فالتقى الناس عندها، ثم اقتتلوا، والراية في يد زيد بن حارثة ﵁ فلم يزل يقاتل بها حتى شاط في رماح القوم وخرَّ صريعًا، وأخذ الراية جعفر ﵁ فقاتل بها حتى إذا أرهقه القتال اقتحم عن فرسه فعقرها ثم قاتل حتى قتل، فكان جعفر أولَّ من عقر فرسه في الإسلام عند القتال، ويقال إن جعفرًا حين قطعت يمينه أخذ الراية بشماله، فقطعت يساره فاحتضن الراية حتى قتل (١)، ثم أخذ الراية عبدالله بن رواحة وتقدم بها وهو على فرسه، فجعل يستنزل نفسه ويتردد بعض التردد، ثم نزل فقاتل حتى قتل ﵁. ثم أخذ الراية ثابت بن أقرم ﵁ فقال: يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجلٍ منكم -وقد استشهد الأمراءُ الثلاثة الذين عينهم رسول الله ﷺ فقالوا: أنت لها، قال ثابتٌ: ما أنا بفاعل، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد سيف من سيوف الله -كما قال عنه الرسول ﷺ في هذه الغزوة فدافع القوم، وحاش بهم، ونازل الأعداء وأوقع بهم حتى ثبت أنه انكسرت في يده يومئذ تسعة أسياف، وما بقي في

стр. 1341

يده إلا صفيحة يمانية (١)، ثم انحاز بالمسلمين وانصرف الناس .. (٢). إخوة الإيمان! نعود إلى جعفر خاصة .. وليس ذلك بمقللٍ لجهود المسلمين عامة فلئن عرفته أرضُ الحبشة صابرًا محتسبًا، عابدًا داعيًا، معلمًا .. فقد عرفته أرضُ مؤتة مجاهدًا صادقًا وشجاعًا ثابتًا .. تثخنه الجراح فيثبت وهو يتطلع إلى النصر أو الشهادة وقد كان له ما أراد، ولقبه الرسول ﷺ بلقب لم يعلمه في حياته الدنيا، وأخبر أن الله أبدله جناحين يطير بهما في الجنة حيث شاء (٣). وفي الصحيح عن ابن عمر ﵄ أنه كان إذا سلم على عبد الله بن جعفر قال له: السلام عليك يا ابن ذي الجناحين (٤). ولكم معاشر المسلمين أن تعلموا شجاعة جعفر وثباته في معركة مؤتة من خلال نصٍّ أورده البخاري في صحيحه عن ابن عمر ﵄ قال: كنت في الغزوة (مؤتة) فالتمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدناه في القتلى، ووجدنا ما في جسده بضعًا وتسعين من طعنة ورمية. وفي رواية أخرى في الصحيح قال ابن عمر: «وقفت على جعفر يومئذ وهو قتيل، فعددت به خمسين بين طعنة وضربة ليس منها شيء في دُبره يعني ظهره» (٥). قال ابن حجر وهو يجمع بين هذه الأقوال: وفي قوله: ليس شيء منها في دبره

стр. 1342

بيان فرط شجاعته وإقدامه (١). أيها المؤمنون! بقي أن نعلم من حياة جعفر بذله للخير وحبَّه للمساكين، وعنه حدَّث أبو هريرة ﵁ فقال: وكان جعفر خير الناس للمساكين، وكان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته، فإذا لم يجد لنا شيئًا أخرج إلينا عُكةً أثرُها عَسَلٌ فنشقها ونلعقها (٢). ويكفيه فخرًا ومن أجل مناقبه أن يقول الرسول ﷺ في شأنه: «أشبهت خَلقي وخُلُقي» (٣). رضي الله عن جعفر المهاجر الصابر، والمجاهد الصادق، والشهيد الطيار، والمنفق الجواد، أبي المساكين وأشبه الناس خَلقًا وخُلقًا بخير البرية أجمعين، اللهم إنا نشهدك على محبته ومحبة أصحابه وإن ضعفت هممنا عن اللحاق بهم، اللهم احشرنا معهم، واجمعنا بهم، وأكرمنا كما أكرمتهم، ووفقنا للخير كما وفقتهم.

стр. 1343

عبر من قصص السابقين (٢) المهاجر الدائم (١) الخطبة الأولى: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر المرسلين، وارض اللهم عن أصحابه أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا الله الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢). ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ (٣). عباد الله! قَصصُ السابقين الأولين من المهاجرين لا تمل، بل وفيها تقوية للعزائم وتجديد للهمم. ومن المهاجر الطيار إلى المهاجر الدائم أتحدت إليكم عن رجلٍ عداده في السابقين الأولين من المؤمنين ومن أوائل المهاجرين، لا إلى الحبشة وحدها، بل وإلى المدينة أيضًا.

стр. 1344

شاء الله أن تكون حياته قصيرةً نوعًا ما، ولكنها مليئة بالجهاد والدعوة، وختامُها مسك، إذ كان في غزوة أحدٍ في طليعة الشهداء. كان يوم أن دخل في دين الله صعيرًا في سنه، ولكنه كبير في عقله، ارتضى الإسلام دينًا، وتبع محمدًا ﷺ مقتنعًا، وصبر في سبيل ذلك على الأذى من أقرب الناس إليه، قال ابن عبد البر: أسلم مصعب بن عمير قديمًا، والنبي ﷺ في دار الأرقم، وكتم إسلامه خوفًا من أمه، فعلم به عثمان بن طلحة فأعلم أهله، فأوثقوه، فلم يزل محبوسًا إلى أن خرج مع من هاجر إلى الحبشة (١). صاغه الإسلام مجاهدًا صادقًا، ومهاجرًا دائمًا شغله في الجاهلية حسنُ الهندام، ونوع الحذاء، وأجود أنواع الطيب، وليس وراء ذلك هدفٌ إلا استكمال نضارة الشباب، والمفاخرة بأنواع الثياب والعطر. كان يوصف- قبل الإسلام- فيقال عنه: ما رؤي بمكة أحسنَ لمةً ولا أرق حُلةً، ولا أنعم نعمةً من مصعب بن عمير (٢). فجاء الإسلام ليرفع من همته .. ويتعالى بطموحاته واهتمامه واستطاع محمد ﷺ أن يستثمر طاقة الشباب فيه، وأن يوجه قدراته إلى حيث ينبغي أن توجه طاقات الشباب. لقد وجهه النبي ﷺ إلى المدينة، فكان أول من هاجر إليها، وذلك بعد أن قابل النبي ﷺ بعض رجالات المدينة في العقبة، وطلبوا منه أن يبعث إليهم من يعلمهم الإسلام ويُقرءوهم القرآن .. فوقع الاختيار على مصعب بن عمير ﵁ .. وكان رجل المهمة .. والغيث - بإذن الله- لأهل المدينة .. فتح الله عليه فيها ما ينوء

стр. 1345

بحمله الرجال، ولم يكن سلاحه الخيلَ والسيف- بل فتح الله عليه ما فتح .. وأسلم على يديه من أسلم بما معه من القرآن وهدي محمد ﵊، وبما وقر في قلبه من إيمان، وهمِّ لهذا الدين وأهل المدينة يعترفون له بالفضل. ويقرون له بالجهاد والصدق في الدعوة .. كيف لا؟ ولم يبق دار من دورهم إلا ودخل فيها الإسلام؟ هنيئًا لك يا مصعب بن عمير ما رأيت من ثمار الدعوة في حياتك، وحق لأهل المدينة أن يجلوك ويذكروك بالخير وإن لم ينصبوا لك ما يُخلد ذكراك .. فذاكرة التاريخ عبرَ القرون والأجيال .. والمسطور في الكتب قديمًا وحديثًا .. أعمق وأولى بالخلود من شكليات قد يراها جيل وتغيب عن أجيال أخرى. وأعظم من ذلك كله عظيم الجزاء عند الله- ورفعه الدرجات يوم يقوم الأشهاد- وأرواح الشهداء في حواصل طير تحوم بهم في الجنة .. ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون * فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ (١). إخوة الإسلام! مصعب بن عمير ﵁ .. ممن هانت عليه نفسه في سبيل الله، هاجر وجاهد في أيام الإسلام الأولى. حتى إذا استقر أمر الإسلام وأينعت الثمار للمسلمين .. كان مصعب قد رحل عن هذه الدنيا، فلم ينقص أجره شيئًا. حدّث خباب بن الأرت عن مصعب ﵄ فقال: «هاجرنا مع رسول الله ﷺ ونحن نبتغي وجه الله، فوقع أجرنا على الله، فمنا من مضى لسبيله لم يأكل مِن أجره شيئا، منهم: مصعب بن عمير قُتل يوم أحد ولم يترك إلا نمرةَ، كنا إذا غطينا

стр. 1346

رأسه بدت رجلاه وإذا غطينا رجليه بدا رأسه، فقال رسول الله ﷺ ((غطوا رأسه واجعلوا على رجليه من الإذخر))، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهد بها .. » (١). وبكى لذكره وذكرِ حمزة ﵄ عبدُ الرحمن بن عوف ﵁. ممن لم يوجد لهم ما يكفنون به. وهو يقول: أخشى أن تكون طيباتُنا عُجلت لنا في الحياة الدنيا .. (٢). بل لقد ذرفت عينا رسول الله ﷺ يوم أن رأى مصع بن عمير في بردةٍ له مرقوعة بفروة، وكاد قبل أنعم غلامٍ بمكة وأرفه، فلما رآه رسول الله ﷺ ذكر ما كان فيه من النعيم ورأى حالته التي هو عليها، فذرفت عيناه عليه، ثم قال: أنتم اليوم خير أم إذا غدي على أحدكم بحفنةٍ من خبز ولحم؟ فقلنا: نحن يومئذ خير، نكفى المؤنة ونتفرغ للعبادة، فقال: بل أنتم اليوم خير منكم يومئذ (٣). وفي الحلية عن عمر ﵁ قال: نظر النبي ﷺ إلى مصعب بن عمير مقبلًا وعليه إهابُ كبشٍ قد تنطق به، فقال النبي ﷺ : ((انظروا إلى هدا الرجل الذي قد نوَّر الله قلبه، لقد رأيته بين أبوين يغذوانه بأطيب الطعام والشراب، فدعاه حبُّ الله ورسوله إلى ما ترون)) (٤). إخوة الإسلام! حين ينصرف مصعب بن عمير عن ملاذ الدنيا فليس تحريمًا لما أحله الله منها .. ولكنه الانشغال عنها بما هو أهمُّ منها .. لقد أخذت عليه الدعوة لدين الله كل اهتمام، وبدل نفسه رخيصة في سبيل إحراج الناس من الظلمات إلى

стр. 1347

النور ولا يُنال ذلك براحةِ الجسد، ودونك نموذجًا لجهوده في سبيل الدعوة، وصبره على ما يلقاه من العنت والأذى في سبيلها، فقد روى أهل السير- بسند ليس سليمًا من الضعف- أن منزل مصعب في المدينة كان على أسعد بن زرارة ﵁، وكان له نعم العون في دعوة أهل المدينة .. وذات يوم خرج بمصعب يريد به دار بني عبد الأشهل وأسيد بن حضير، وسعد بن معاذ- سيدا بني عبد الأشهل، فقال سعدُ بن معاذ لأسيد بن حضير، لا أبا لك انطلق إلى هذين الرجلين -أسعد بن زرارة، ومصعب- اللذين قد أتيا ديارنا يُسفها ضعفاءنا، فازجرهما وانههما، فلولا أن سعدًا مني حيث قد علمت- وكان ابن خالته- لكفيتك ذلك، فأخذ أسيد حربته، ثم أقبل إليهما فلما رآه أسعدُ بن زرارة قال لمصعب: هذا سيد قومه قد جاءك فاصدق الله فيه، قال مصعب: إن يجلس أكلمه، فوقف عليهما متشمتًا وهو يقول: ما جاء بكما إلينا تُسفهان ضعفاءنا، اعتزلانا إن كانت بكما بأنفسكما حاجة، فقال له مصعب: أو تجلس فتسمع، فإن رضيت أمرًا قبلته، وإن كرهته كُفَّ عنك ما تكره؟ قال أسيد: أنصفت ثم ركز حربته وجلس إليهما، فكلمه مصعب بالإسلام، وقرأ عليه القرآن، ثم عرفا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم، فرق قلبه وحسن منطقه ثم سأل عن كيفية الدخول في الإسلام فعلماه فأسلم. ثم انصرف إلى صاحبه سعد بن معاذ، ورغب إليه أن يسمع منهما كما سمع ولم يشعره بإسلامه .. بل هيَّج سعدًا على الانتصار لابن خالته أسعد، فقام إليهما مغضبًا، فلما وصل إليهما عرف أنها حيلة من أسيد لكي يصل إليهما- فكلماه بالإسلام، وتلا عليه مصعب القرآن بمثل ما صنعوا مع صاحبه فدخل هو الآخر في دين الله- بل كانا فتحًا لقومهما، وهذا سعدُ بن معاذ- بعد أن أسلم- يأتي إلى قومه

стр. 1348

داعيًا لدين الله- فما أمسى في دار بني عبد الأشهل رجلٌ ولا امرأة إلا مسلمًا ومسلمة (١). أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا﴾ (٢).

стр. 1349

الخطبة الثانية: الحمد لله رب العالمين وفق من شاء لطاعته وتقواه .. وأضل آخرين، ومن يضلل الله فما له من هاد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى إخوانه وآله وأصحابه ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين. إخوة الإيمان! في سبيل صبر مصعب على الدعوة ومصابرته على الشدة واللؤى يحدثنا سعد بن أبي وقاص ﵁ فيقول: كنا قبل الهجرة يصيبنا ظلفُ العيش وشدته فلا نصبر عليه، فما هو إلا أن هاجرنا، فأصابنا الجوع والشدة فاستضلعنا بهما وقوينا عليهما، فأما مصعب بن عمير فإنه كان أترف غلام بمكة بين أبويه فيما بيننا، فلما أصابه ما أصابنا لم يقوَ على ذلك، فلقد رأيته وإن جلده ليتطاير عنه تطاير جلد الحية، ولقد رأيته ينقطع به فما يستطيع أن يمشي فنعرض له القسي ثم نحمله على عواتقنا .. (١). عباد الله! أولئك أقوام هانت الدنيا في عيونهم، عظموا أمرَ الله وامتثلوا أمر نبيه ﷺ وقدموه على من سواه كائنًا ما كان، ودونكم هذا الموقف من مصعب وما فيه من تقدير للنبي ﷺ على أقرب الناس له. فقد روى ابن سعدٍ أن مصعب بن عمير قدم من المدينة إلى مكة مع السبعين من الأنصار الذين وافوا رسول الله ﷺ في العقبة الثانية ليبايعوه، وقد قدم مصعب أول ما قدم على منزل رسول الله ﷺ يخبره عن الأنصار وإسلامهم وأحوالهم، فعلمت أمُّه بمقدمه فأرسلت إليه تقول: يا عاق أتقدم بلدًا أنا فيه لا تبدأ بي؟ فقال: ما كنت

стр. 1350

لأبدأ بأحدٍ قبل رسول الله ع ﷺ ، فلما سلم على رسول الله وأخبره خبره، ذهب إلى أمه فقالت: إنك لعلى ما أنت عليه من الصبأةِ بعد! قال: أنا على دين رسول الله ﷺ ، وهو الإسلام الذي رضيه الله لنفسه ولرسوله قالت: ما شكرت ما ريثتُك مرة بأرض الحبشة ومرة بيثرب، فقال- رضي الله عمه- أفرُّ بديني أن تفتنوني (١). أيها المسلمون! استمر المهاجر الدائم يواصل رسالته النبيلة وغايته الجليلة .. وكان له القدحُ المعلى في الغزوات التي شهدها مع رسول الله ع ﷺ ، حتى قال ابنُ عبد البر: ولم يختلف أهل السير أن راية رسول الله ﷺ يومَ بدر، ويوم أحدٍ كانت بيد مصعب بن عمير (٢)، حتى إذا كانت غزوة أُحد كان فيها المشهد الأخير لحياة هذا البطل المجاهد وكان استشهاده العظيم .. إذ استشهد وهو يدافع عن رسول الله ﷺ ، وقتله ابن قَمِئة الليثي وهو يظنه رسول الله ﷺ ، إذ رجع إلى قريش وهو يقول: قتلت محمدًا (٣). ويروى أن رسول الله ﷺ قال حين رآه مقتولًا: ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا﴾ (٤). وإذا كان مصعب بن عمير ﵁ في قائمة شهداء أحد .. فقد تأثر النبي ﷺ لقتلهم، وأمر بدفنهم بدمائهم ولم يُصلِّ عليهم، ولم يغسلوا وكان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحدٍ ثم يقول: أيهم أكثر أخذًا للقرآن؟ فإذا أُشير له

стр. 1351

إلى أحدٍ قدمه في اللحد، وقال: أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة (١). تلك عواقب التقوى .. يراها المسلم أو ترى له في الدنيا، وما عند الله خير وأبقى. عباد الله! كان مصعب بن عمير إلى جانب جهاده وصبره ودعوته للخير حسن الخلق، يذكره به من يعِرفه ويقول عامرُ بن ربيعة ﵁. كان مصعب بن عمير لي خِدنًا وصاحبا منذ يوم أسلم إلى أن قُتل ﵀ بأُحد، خرج معنا إلى الِهجرتين جميعًا بأرضٍ الحبشة وكاد رفيقي من بين القوم، فلم أرَ رجلا قطّ كان أحسن خُلُقا ولا أقلَّ خلافًا منه (٢). وكذلك ينبغي أن يُصلح الداعية نفسه إذا رام إصلاح الآخرين، وأن يكون قدوة طيبةً في أخلاقه وتعامله وشأنه كله. إخوة الإيمان! من سرد القصص إلى فقهها والعبر منها في الوقفات التالية: أولًا. كم هو عظيم أن يكون الوجل الواحد من المسلمين كالألف إن أمر عنى، وأعظم الجهود وأبركها ما وجه لخدمة دين الله، والله يقول: ﴿ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين﴾ (٣). وكم هو مؤلم أن ترى الغُثائية في مجتمعات المسلمين، وتهولك الأرقام والإحصاءات ولكن دون جدوى، كما قال ﷺ : ((الناس كإبل مائة لا تكاد تجدُ فيها راحلة)).

стр. 1352

ثانيًا: ما هذا الوهن الذي أصابنا عن الدعوة لدين الله، والبشرية جمعاء ظمئى لهدي السماء .. ولا منقذ لهم إلا شريعة محمدٍ ﷺ . ثالثًا: وإذا كان رجل واحد فتح الله به قلوب أمة من الناس كانت بعدُ سندًا لدين الله .. وكالت بلادهم منطلق الدعوة لدين الله، أفيعجز الجموع من المسلمين أن تفعل مثل ما فعله مصعب بن عمير في مدينة الرسول ﷺ ؟ رابعًا: والمصيبة أعظم إذا كانت مجتمعات المسلمين هدفًا لدعوات الآخرين المضللة .. وأصبحت بلادهم مطمعًا لكل مستكبر وحاقد، واتحد العدو من فرقة المسلمين وخلافهم وسيلةً للتحريش بينهم وضرب بعضهم ببعص .. وأيًّا ما كانت النتيجة فالعدو كاسب بكل حال! . خامسًا: وإذا تساوى الناس في علمهم أو قدراتهم فهم متفاوتون في صدقهم وإخلاصهم وهممهم. وتلك هي التي امتاز بها السابقون، وفتحوا بها البلاد وقلوب العباد .. وهي التي يحتاجها اللاحقون إن راموا نصرًا ومجدًا كأسلافهم المسلمين .. وإلا سيظل التلاوم ديدنهم، والعدو ماض في تحقيق أهدافه، وتجديد وسائله في القضاء عليهم وستحل الفتن فيهم، وصدق الله ﴿والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير﴾ (١). اللهم لا تفتنا في ديننا، اللهم ارحم ضعفنا وألف بين قلوبنا، هذا وصلوا.

стр. 1353

مثل الإسلام (١) الخطبة الأولى: الحمد لله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، ومن يضلل الله فما له من هاد وأشهد أن لا إله إلا الله، قلوب العباد بين إصبعين من أصابعه يقلبها كيف يشاء، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخيرته من خلقه، أنزل عليه من ربه ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين﴾ (٢). اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء، وعلى آل بيته السادة النجباء، وارض اللهم عن أصحابه أولي الأحلام والنهى والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الملتقى وإلى ربِّك المنتهى. أما بعد: فأوصيكم أيها الناسُ ونفسي بتقوى الله وتعظيم أمره، ﴿ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾، ﴿ياأيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم * يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد﴾ (٣). أيها المسلمون! نحتاج في سيرنا إلى الله إلى معرفة حقيقة الإسلام ومَثَله في الحياة، وأن نعلم حدود الله فلا نَهتك أستارها المُرخاة، وأن نتبين الداعي للحقِّ فنتبعه، وأن تستيقظ ضمائرنا لواعظ الله في أنفسنا فلا نلج الحرام وإن رغبته

стр. 1354

نفوسنا، ومالت إليه أهواؤنا، ولبيان ذلك كلِّه استمعوا وعوا حديث المصطفى ﷺ وهو يقول في الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده عن النواس بن سمعان ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((ضرب الله مثلًا صراطًا مستقيمًا، - وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبوابٌ مُفَتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: أيها الناس ادخلوا الصراط جميعًا ولا تعوجّوا، وداعٍ يدعو من جوف الصراط، فإذا أراد أن يفتح شيئًا من تلك الأبواب قال: ويحك لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تلجه، والصراط: الإسلام، والسوران: حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله، وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله ، والداعي من فوقه واعظ الله في قلب كلِّ مسلم)). هكذا أخرج الحديث أحمد في مسنده، وبنحوه أخرجه الترمذي وحسنه وخرجه الحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم لا أعلم له علةً، ووافقه الذهبي في تلخيصه (١) وأخرج الحديث غير هؤلاء، وحسن إسناده ابن كثير (٢). عباد الله! يدعونا هذا الحديث للتأمل في صراط الله، وكيف يُسلك وحدود الله ومحارمه كيف تُعرف وتُجتنب، وكتاب الله وكيف يهدي ويتَّبع، وواعظ الله في القلوب كيف يُنمى ويُستشعر. أما الصراط المستقيم فقد فسِّر بالإسلام وفسِّر بالقرآن، وفسِّر بالحقِّ، وفسر بالنبي ﷺ وصاحبيه من بعده، قال ابن كثير يرحمه الله: وكلُّ هذه الأقوال صحيحة وهي متلازمة، فإن من اتبع النبي ﷺ وافتدى باللذين من بعده أبي بكر

стр. 1355

وعمر، فقد اتبع الحق، ومن اتبع الحقَّ فقد اتَّبع الإسلام، ومن اتبع الإسلام فقد اتبع القرآن، وهو كتاب الله وحبله المتين وصراطه المستقيم، فكلّها صحيحة يُصدق بعضها بعضًا، ولله الحمد (١). وقد رُوي عن ابن مسعود ﵁ أنه سئل عن الصراط المستقيم قال: تَرَكنا محمد ﷺ في أدناه، وطرفه في الجنة، وعن يمينه جواد، وعن شماله جواد، وثمَّ رجال يدعون مَن مرَّ بهم، فمن أخذ في تلك الجواد انتهت به إلى النار، ومن أخذ على الصراط انتهى به إلى الجنة، ثم قرأ ابن مسعود ﴿وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه﴾ (٢) أيها المسلمون! إنما سمي الصراط صراطًا: لأنه طريق واسع سهل يوصل إلى المقصود، وهذا مثل دين الإسلام في سائر الأديان، فإنه يوصل إلى الله وإلى داره وجواره مع سهولته وسعته، وبقية الطرق وإن كانت كثيرة فإنها كلَّها مع ضيقها وعُسرها لا توصل إلى الله، بل تقطع عنه وتوصل إلى دار سخطه وغضبه ومجاورة أعدائه، ولهذا قال تعالى: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾ (٣). عباد الله! هذا الصراط المستقيمُ هو الذي يسأل المؤمنون ربَّهم صباح مساء أن يهديهم سلوكه، ﴿اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهن﴾ (٤).

стр. 1356

وهنا سؤال وجواب: فإن قيل: كيف يسأل المؤمن الهداية- للصراط المستقيم- في كلِّ وقت من صلاة وغيرها، وهو متَّصف بذلك، فهل ذلك من باب تحصيل الحاصل أم لا؟ والجواب- كما قال الحافظ ابن كثير يرحمه الله- أن لا ليس من تحصيل الحاصل، ولولا احتياجه ليلًا ونهارًا إلى سؤال الله الهداية لما أرشده الله إلى ذلك، فإن العبد مفتقر في كلِّ ساعة وحالة إلى الله تعالى في تثبيته على الهداية ورسوخه فيها، وتبصُّره، وازدياده منها، واستمراره عليها، فإن العبد لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا إلا ما شاء الله، فأرشده الله تعالى إلى أن يسأله في كلِّ وقت أن يمدَّه بالمعونة والثبات والتوفيق، فالسعيد من وفقه الله تعالى لسؤاله .. (١). يا عبد الله! مع سؤالك لله الهداية والثبات في كلِّ لحظة وحال فاشرح صدرك للإسلام، ووسع قلبك للتوحيد والإيمان، قال الله تعالى: ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون﴾ (٢). أيها المسلمون! من عجب أن يضيق هذا الصراط المستقيم بأقوام على سعته واستقامته، وتتسع لهم- في ظنِّهم- طرق أخرى مع ضيقها وعوجها، فيؤثرون الهوى على الهدى، ويستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير، وقد ورد في سعة صراط الله المستقيم أنه أوسعُ ما بين السماء والأرض (٣).

стр. 1357

ولكن صدق الله- وهو أصدق القائلين: ﴿أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون﴾ (١). إخوة الإيمان! حاذروا الشيطان فإنه قاعدٌ لكم- بإغوائه ووسوسته- عن سلوك الصراط المستقيم ﴿قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم * ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين * قال اخرج منها مذءوما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين﴾ (٢). وصحَّ عن ابن مسعود رضمي الله عنه أنه قال: ((إن هذا الصراط مُحتضر تحضره الشياطين، ينادون: يا عبد الله هذا الطريق، هلمَّ إلى الطريق ليصدوا عن سبيل الله، فاعتصموا بحبل الله، فإن حبل الله هو القرآن) (٣). عباد الله! جاهدوا أنفسكم على سلوك الصرِاط المستقيم، وروضوها على اتباعه .. فبذلك أمر ربُّكم وكذلك وصى، ﴿وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون﴾ (٤). ولا تستوحشوا من الحق لقلة السالكين، ولا تغتروا بالباطل لكثرة الهالكين، فمن صبر اليوم ظفر غدًا، ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه، والله غني عن العالمين، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم * وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون﴾ (٥).

стр. 1358

نفعني الله وإياكم بهدي القرآن وسنة محمد ﵊، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 1359

الخطبة الثانية: الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، إياك نعبد وإياك نستعين، اهدنا الصراط المستقيم، وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر المرسلين. أما بعد أيها المسلمون، فإن حدود الله هي أحكام الشرع، فكأن حدود الشرع فواصل بين الحلال والحرام (١). وقد جاء في الحديث السابق: ((وعلى جنبتي الصراط سوران)) ثم فسَّرها بحدود الله، والمراد أن الله تعالى حدَّ حدودًا ونهى عن تعديها، فمن تعداها فقد ظلم نفسه، وخرج عن الصراط المستقيم الذي أُمر بالثبات عليه، ولما كان السور يمنع من وراءه من تعديه ومجاوزتة سمّى حدود الله سورًا؛ لأنه يمنع من دخله من مجاوزته، وتعدي حدوده .. قال تعالى: ﴿تلك حدود الله فلا تعتدوها﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم * ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين﴾ (٣). يا أخا الإسلام! هكذا تُشبه حدود الله بالأسوار، وهذه الأسوار مع عظمتها وكفايتها للمنع عن الوقوع في المحرمات لمن عقل، فقد جعل الله فيها أبوابًا مفتحة

стр. 1360

وعليها ستور مرخاة، فيها مزدجر لمن أحيا الله قلبه فلا يَلجها، وفيها متسع للولوج لمن طغى وآثر الحياة الدنيا. وهكذا يُمتحن الناس بولوج هذه الأبواب ذات الستور المرخاة، أو الامتناع عن دخولها طمعًا في ثواب الله ورجاء موعوده، وكذلك تكون الشهوات المحرمة فإن النفوس متطلعة إليها وقادرة عليها، وإنما يمنع منها مانع الإيمان خاصة، قال العارفون: والمحرمات أمانة من الله عند عبده، والسمع أمانة، والبصر واللسان أمانة، والفرج أمانة وهو أعظمها، وكذلك الواجبات أمانات، كالطهارة والصلاة، والصيام وأداء الحقوق إلى أهلها (١). ومع ثقل هذه الأمانات وصعوبتها على النفس أحيانًا، إلا أن الله جعل الجزاء عليها عظيمًا والمغنم كبيرا ﴿وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى * فإن الجنة هي المأوى﴾ (٢). يا أخا الإسلام! في ظل هذه المعركة والجهاد مع النفس والهوى فقد أمدك الله بداعيين هما لك عون على الاستقامة على الصراط المستقيم، هما: القرآن وواعظ الله في قلب كلِّ مسلم- كما جاء بيان ذلك في الحديث السابق-. وكم في كتاب الله من موعظة وذكرى وترغيب وترهيب، وزواجر ونواهٍ، وأمثال مضروبة وقصص فيها عبرة ومثانٍ، تقشعر منه جلود الذين يخشون ربَّهم، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله، ولو نزِّل على جبل لرأيته خاشعًا متصدعًا من خشية الله، قال بعض السلف: من لم يردعه القرآن والموتُ لو تناطحت الجبال بين يديه لم يرتدع.

стр. 1361

وقال مالكٌ: فُتحت المدينة بالقرآن، والمعنى: أن أهلها إنما دخلوا في الإسلام بسماع القرآن (١). ألا فاتعظوا بالقرآن، واستمعوا لندائه حين يناديكم: ﴿ياأيها الذين آمنوا﴾ فإما خير تؤمرون به، أو شرّ تنهون عنه، تذكروا واعظ القرآن في مثل قوله تعالى: ﴿ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا * وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا * ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون ياويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا﴾ (٢). أيها المسلمون! عظموا واعظ الله في نفوسكم راقبوه في حال خلوتكم أو اجتماعكم، واجعلوا من أنفسكم عليكم رقيبًا، فالإسلام نقى فلا تدنسوه بآثامكم، والكرام الكاتبون شهود فلا تشهدوهم على سوآتكم والألسن والأيدي والأرجل ستنطق بما كسبتم فلا تفضحوا أنفسكم بأنفسكم ولا تظنوا أن الله غافل عما يعمل الظالمون، إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار. يا أخا الإسلام! يضعك هذا الحديث وأمثاله أمام رقابة ذاتية لله، وإن فتحت لك أبواب الشهوات والمحرمات -لكن المسلم- يتصور داعي الله يهتف به، ويستشعر واعظ الله في نفسه يردعه كلما ضعفت نفسه، فلا يهتك أبواب الحرام وإن لم يكن بينه وبينها إلا ستور مرخاة. يا أخا الإسلام! بإمكانك أن تعلم منزلة القرآن في قلبك إن كنت ممن استجاب لدعوته في سلوك الصراط المستقيم، وإن كانت الأخرى فعالج نفسك واستقم على

стр. 1362

أمر ربك، وإذا أردت امتحان واعظ الله فيك فانظر مدى وقوفك عند حدود الله معظما حتى وإن أتيحت لك الفرصة وخلا لك الجو أمنا. يا أخا الإيمان! إني أعظك ونفسي بلزوم الصراط المستقيم في هذه الحياة حتى وإن خيل لك الشيطان صعوبته أحيانا وضيقه أحيانا أخرى فذلك ضمان بإذن الله لمجاوزة الصراط الدقيق غدا. قال سهل التستري: من دق على الصراط في الدنيا عرض له في الآخرة، ومن عرض له في الدنيا الصراط دق عليه في الآخرة. والمعنى: أن من صبر نفسه على الاستقامة على الصراط، ولا كف شيئا من الستور المرخاة على جانبيه، وعبَّ من الشهوات ما شاءت نفسه دق عليه الصراط في الآخرة، فكان عليه أدق من الشعر. اللهم احفظنا بحفظك، واكلأنا برعايتك، واسلك بنا صراطك المستقيم يا رب العالمين.

стр. 1363

العمالة الوافدة حقوقها وواجباتها (١) الخطبة الأولى: الحمد لله رب العالمين يثيب العاملين المخلصين، ويجزي المتصدقين والمحسنين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، قسم المعيشة بين خلقه ليتخذ بعضهم بعضًا سخريًّا ورحمة ربِّك خير مما يجمعون. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله جاءت شريعته بالرأفة للمؤمنين، وأوصى بحسن المعاملة مع الخدم والمستأجرين، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر النبيين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. اتقوا الله عباد الله في ذوات أنفسكم وفيمن ولاكم الله أمرهم، ومن يتق الله يجعل له مخرجًا، إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين. إخوة الإسلام! سبق حديث خاص ولفئة خاصة من العمالة الوافدة، أما حديث اليوم فيتناول قطاعًا كبيرًا من العمالة الوافدة، إلى هذه البلاد المباركة، ولا شك أن وجود الحرمين الشريفين، ومناسك الحج والعمرة، وما أنعم الله به على أهل هذه البلاد من رغد العيش، وتوفر فرص العمل، وظلال الأمن ونحو ذلك. كل ذلك جعل هذه البلاد مأوى لأفئدة كثير من أبناء العالم الإسلامي، بل ولغيرهم. ولئن أحوجتهم ظروف الحياة إلى المقام معنا فترة من الزمن فلا شك أن من هؤلاء أصحاب شهادات عالية وتخصصات نادرة، ونفوس كبيرة، وقدرات علمية

стр. 1364

في شتى الحرف والصناعات، لا يسوغ لنا بحال أن نذلهم أو نغمطهم حقَّهم، ما بقوا مساهمين معنا في مساهمين التربية والتعليم، والصحة والهندسة، والزراعة والعمران، والصناعة والصيانة والنظافة. وغيرها من مجالات العمل. وقبل الحديث عن حقوقهم وواجباتهم، لابد من التفريق بين نوعين من العمالة (الأجنبية، وغير الأجنبية) وحتى نحرر المصطلح شرعًا، ونصحح مفهومًا خاطئًا يرد على ألسنتنا كثيرًا نقول: إن الأجنبي هو الكافر ولو كان من بلاد عربية أو إسلامية، أما المسلم فليس أجنبيًّا وإن وفد إلينا من بلاد كافرة وغير عربية. ففي شريعة الإسلام المسلمون أمة واحدة، ولو كانوا من آمم شتى، فكيف إذا كانوا جميعًا من أمة محمد ﷺ ، قال تعالى -في سياق الحديث عن الأنبياء ﵈ ﴿إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ (٢). وقال ﵊ (المسلم أخو المسلم) وإذا نجح المستعمر في تقطيع أوصال المسلمين وتفريق دولتهم، واختلاف كلمتهم على المستوى السياسي، فينبغي أن يستمر الشعور بين أبناء المسلمين برابطة العقيدة، وأخوة الإيمان مهما تباعدت أوطانهم، واختلفت ألوانهم أو لغاتهم، فاجتماع المسلمين سرُّ قوتهم، وتفرقهم بداية ضعفهم، ومفهوم أمة المسلمين ينبغي أن يتجاوز الحدود المصطنعة وألا تعيقه السدود الوهمية، يقال ذلك حتى نحرر المصطلح الأجنبي من جانب، ونفرق بين حقوق المسلم والكافر، ونحرص قدر الطاقة على استقدام العمالة المسلمة، لهذه البلاد الطاهرة فلا ينبغي أن يجتمع في جزيرة العرب دينان.

стр. 1365

ففي صحيح مسلم عن عمر ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ((لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب فلا أدع فيها إلا مسلمًا)) (١). وفي البخاري ومسلم: ((أن عمر بن الخطاب ﵁ أجلى اليهود والنصارى من أرض الحجا)) (٢) تنفيذا لوصية النبي ﷺ ، التي ورد في بعضها ((أخرجوا المشركين من جزيرة العرب .. )) (٣). أيها المؤمنون! أما حقوق العامل المستقدم، فيجمعها حسن التعامل معه، والرفق به، وعدم تكليفه ما لا يطيق، ومراعاة مشاعره، وإعطاؤه حقه قبل أن يجفَّ عرقه، والوضوح معه في نوع العمل، ومقدار الأجرة، وعدم التلبيس عليه، أو المماطلة في حقوقه، وألا نشعره بنوع من التفرقة في المعاملة لا داعي له .. وبذلك جاءت نصوص الشرع: سواء كان المستقدم مملوكًا أو مؤجرًا. ففي حديث أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم)) (٤). وفي البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: إذا أتى أحدكم خادمه بطعام فإن لم يجلسه معه فليناوله لقية أو لقمتين أو أكلة أو أكلتين فإنه ولي علاجه أي تعب في إعداده وتحضيره، فمن الأدب ألا يحرم من تذوقه إن لم يسمح له بالأكل منه (٥).

стр. 1366

أيها المستأجرون! ((أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه)) كذا أمركم المصطفى ﷺ في الحديث الحسن الذي أخرجه ابن ماجه، وأبو يعلى، والطبراني (١) وإياكم أن تستوفوا منهم عملهم ولا توفوهم أجرهم، فالله خصمهم يوم القيامة، فقد أخرج البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة رجلٌ أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًّا ثم أكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا واستوفى منه العمل ولم يوفّه أجره)) (٢). أيها المستأجرون والأجراء وضِّحوا- فيما بينكم- نوع العمل ومقدار الأجر، واتقوا الله جميعًا في الوفاء، وليكن هديكم هدي الأنبياء ﵈ ومن تبعهم بإحسان وضوحا ووفاء، ورفقًا. قال تعالى: ﴿قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين * قال ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي والله على ما نقول وكيل﴾ (٣). أيها المستأجرون! أنصفوا العمال وإياكم وظلمهم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، وإذا سوّلت لك نفسك أنك قادر على ظلم العامل أو بخسه حقَّه فتذكر رقابة الله عليك، وإياك أن تسيء إلى الإسلام من حيث تشعر أو لا تشعر، فيتصور الجهلة أن هذه الأخلاق أخلاق الإسلام، وأن تلك سمات المسلمين، والواقع أنه خطؤك والإسلام منه براء، وليس كلُّ المستقدمين يدرك هذا.

стр. 1367

ويتعاظم الخطأ ويكبر الخطر إذا ألزمت العامل بالعمل وقت الصلاة أو أرهقته بالعمل وقت الصيام، أو كنت السبب في منعه من أداء فرض الحج والعمرة، أو حملته مفاهيم خاطئة عن الإسلام وسلوكيات المسلمين، فأضعفت صلته بربه، أو أفسدت عليه شيئًا من دينه ولربما كنت حجر عثرة في سبيل اعتناقه للإسلام إن كان كافرًا. وفرق بين هؤلاء وبين فئة أخرى من الكفلاء، اهتدى مكفولوهم إلى الإسلام على أيديهم، وذلك لحسن أخلاقهم وطيب تعاملهم، وكما قسم الله أرزاق العباد بينهم، فقد قسم أخلاقهم، وفضل الله يؤتيه من يشاء. إنني أذكِّر وأحذر كلَّ مسلم أن تقع الفتنة في الدين على يديه، ولا سيما مع نوعية من العمالة قد لا تفهم الإسلام إلا من خلال سلوكيات المسلمين بشكل عام، وسلوكيات الكفيل على الخصوص، فهل نقدر هذه المسئولية حقَّ قدرها؟ وهل نرعى الأمانة التي استرعانا الله إياها، فيعود هؤلاء الوافدون إلى بلادهم وقد انشرحت صدورهم للإسلِام، وتأخذون على عاتقهم دعوة بني قومهم لهذا الدين ويعود الاستقدام فرصة لتأليف المسلمين وتعارفهم، ودعوة غير المسلمين للدخول في دينهم، ذلك نوع من إيجابيات الاستقدام، وهناك غيرها لو تأملناها. والمهم ألا تكون الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، اللهم اهدنا واهد بنا، اللهم احفظنا واحفظ لنا، اللهم إنا نعوذ بك من فتنة القول كما نعوذ بك من فتنة العمل، أقول كما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 1368

الخطبة الثانية: الحمد لله ربِّ العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر النبيين والمرسلين. وبعد .. إخوة الإسلام: فإذا أخذ العامل أجره غير منقوص ووفَّى له المستقدم حقَّه دون تدليس .. كان، عليه عدد من الواجبات لابد له عن الوفاء بها، وفاءً بالأمانة التي أمر الله بها ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ (١)، ورعاية للعهد ﴿والذين هم لأماناتهم راعون﴾ (٢)، ووفاءً بالعقود ﴿ياأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ (٣)، وتحقيقًا لأداء التقوى ﴿فإن أمن بعضكم بعضًا فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه﴾ (٤). أيها الأجير المسلم أيًّا كان موقعك، ومهما كان حجم مسئوليتك لابد من رعاية الأمانة التي اؤتمنت عليها، وأشفقت من حملها السموات والأرض، سواء كان ذلك في حال رقابة الناس أو غفلتهم، فرقابة الله أولى وأعظم من رقابة البشر .. وإذا خلوت يومًا فلا تقل خلوت ولكن قل عليَّ رقيب. وليكن هذا شأنك في حقوق الله أو حقوق الخلق، وتلك مسألة نحتاجها جميعًا .. مستأجرين وأجراء، كفلاء ومكفولين، ومن الواجبات المناطة بك في العمل .. الإتقان، فإن الله يحبُّ إذا عمل العبد عملا أن يتقنه، فالإنهاء شيء

стр. 1369

والإتقان شيء آخر، والإخلاص في العمل سبيل لرضاء الله أولًا، وطريق لإتقانه ثانيًا. أيها العامل هل تعلم أنك مسئولٌ عما استرعيت عليه، وفي حديث ((كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته)) قال ﵊: ((والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته)) (١). أيها المستَقْدَمون المسلمون! حين نتحدث عن أخوَّة الإسلام وحقوقكم فيها، فلابد أن تشملكم الواجبات، فأنتم شركاء لأهل البلد الذي تفدون إليه في المسئولية، وينبغي أن تكونوا أعضاء مساهمين في كلِّ ما يحقق الخير لمجتمعكم الثاني، فتساهمون في نشر الفضيلة وتساهمون في كشف أوكار الفساد والرذيلة، وتنظرون إلى العمل الذي تقومون به على أنه عمل في بلد من بلادكم ولإخوة لكم. وأعيذكم من طغيان الأنانية المفرطة، فلا يبقى لأحدكم هم إلا جمع بضع دريهمات في جيبه، دودت النظر إلى حجم ونوعية العطاء الذي قدمه لمجتمع المسلمين؟ وإياك إياك أيها العامل المسلم أن تعطي الفرصة لأحد أن يتهم العمالة المسلمة بالتقصير من خلال سلوكياتك أو ترسخ بسلوكياتك الخاطئة مفهومًا خاطئًا عند بعض الناس بأن استقدام غير المسلمين أجدى من استقدام المسلمين. أيها العامل المسلم! وأنت مأجور في بحثك عن لقمة العيش لتستغني بها وتغني من وراءك، فهلا سألت نفسك عن حجم العوائد لك .. لاسيما إذا يسر الله لك المكوث حينًا من الدهر في أرض الحرمين، ومنبع الرسالة؟ إن بإمكانك أن تضيف إلى رصيدك المالي أرصدة أخرى لا تقل أهمية عن

стр. 1370

غيرها، وليس مستحيلًا ولا صعبًا أن تشمل رغبتك في طلب الرزق الهجرة في سبيل الله لطلب العلم ومعرفة العقيدة الحقة، وتصحيح الأخطاء الماضية، وليس عيبًا أن تصحح مفهومًا خاطئًا، أو تعدّل سلوكًا معوجًا، إنما العيب أن تعلم الخطأ وتستمر عليه، أو يبدو لك الحقُّ ثم تحيد عنه! أيتها العمالة المسلمة! ما جمعتموه من عرق الجبين يعد من أطيب الكسب الحلال، وأعيذكم والمسلمين أن تفسدوا هذا الكسب الحلال بكسب محرمٍ بأي شكل من الأشكال؟ أيها الوافد المسلم! رسالتك لا تنتهي عند استفادتك في ذات نفسك، فلإخوانك الوافدين معك حقُّ الدعوة إلى الخير، وظروف الغربة وطول الوقت، ووجودك في بلد تُرعى فيه الآداب الإسلامية، وتغيب فيه مظاهر الرذيلة- أكثر من غيره- قد يعينك على تقديم الخير والنهي عن الشر، ((ولأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم)). أيها الوافد المسلم! أنصحك بالصبر على مشاق العمل، وظروف الغربة وتقوى الله خير معين لك على تجاور العقبات كلها ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا﴾، احفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وتذكر الموت والبلى، احفظ الله في نفسك يحفظك في أهلك، وأدِّ للناس الذي ترغب في أن يؤدوه لك، ولا تغترَّ بستر الله عليك في الدنيا، فالفضيحة يوم القيامة على الملأ أشد وأنكى، وتذكر بسفرك في الدنيا السفر إلى الله، ولم يُكتب الخلود لأحد في الدنيا، ولكن الشأن في نوعية ومقدار الزاد الذي يرحل به المسافرون. أخي كلنا مسافرون .. والسفر بعيد، والعقبة كؤد، والناقد بصير. فلنرحل بخير زاد، ولنتخفف من الأوزار، ولنحذر الفساد أو الإفساد .. ومن عمل صالحًا فلنفسه ومن أساء فعليها.
следующие страницы →