← Джавами‘

Джавами‘ · id 20948

شعاع من المحراب

سليمان بن حمد العودة

Полный текст (3 545 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

أيها المستأجرون! ((أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه)) كذا أمركم المصطفى ﷺ في الحديث الحسن الذي أخرجه ابن ماجه، وأبو يعلى، والطبراني (١) وإياكم أن تستوفوا منهم عملهم ولا توفوهم أجرهم، فالله خصمهم يوم القيامة، فقد أخرج البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة رجلٌ أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًّا ثم أكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا واستوفى منه العمل ولم يوفّه أجره)) (٢). أيها المستأجرون والأجراء وضِّحوا- فيما بينكم- نوع العمل ومقدار الأجر، واتقوا الله جميعًا في الوفاء، وليكن هديكم هدي الأنبياء ﵈ ومن تبعهم بإحسان وضوحا ووفاء، ورفقًا. قال تعالى: ﴿قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين * قال ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي والله على ما نقول وكيل﴾ (٣). أيها المستأجرون! أنصفوا العمال وإياكم وظلمهم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، وإذا سوّلت لك نفسك أنك قادر على ظلم العامل أو بخسه حقَّه فتذكر رقابة الله عليك، وإياك أن تسيء إلى الإسلام من حيث تشعر أو لا تشعر، فيتصور الجهلة أن هذه الأخلاق أخلاق الإسلام، وأن تلك سمات المسلمين، والواقع أنه خطؤك والإسلام منه براء، وليس كلُّ المستقدمين يدرك هذا.

стр. 1367

ويتعاظم الخطأ ويكبر الخطر إذا ألزمت العامل بالعمل وقت الصلاة أو أرهقته بالعمل وقت الصيام، أو كنت السبب في منعه من أداء فرض الحج والعمرة، أو حملته مفاهيم خاطئة عن الإسلام وسلوكيات المسلمين، فأضعفت صلته بربه، أو أفسدت عليه شيئًا من دينه ولربما كنت حجر عثرة في سبيل اعتناقه للإسلام إن كان كافرًا. وفرق بين هؤلاء وبين فئة أخرى من الكفلاء، اهتدى مكفولوهم إلى الإسلام على أيديهم، وذلك لحسن أخلاقهم وطيب تعاملهم، وكما قسم الله أرزاق العباد بينهم، فقد قسم أخلاقهم، وفضل الله يؤتيه من يشاء. إنني أذكِّر وأحذر كلَّ مسلم أن تقع الفتنة في الدين على يديه، ولا سيما مع نوعية من العمالة قد لا تفهم الإسلام إلا من خلال سلوكيات المسلمين بشكل عام، وسلوكيات الكفيل على الخصوص، فهل نقدر هذه المسئولية حقَّ قدرها؟ وهل نرعى الأمانة التي استرعانا الله إياها، فيعود هؤلاء الوافدون إلى بلادهم وقد انشرحت صدورهم للإسلِام، وتأخذون على عاتقهم دعوة بني قومهم لهذا الدين ويعود الاستقدام فرصة لتأليف المسلمين وتعارفهم، ودعوة غير المسلمين للدخول في دينهم، ذلك نوع من إيجابيات الاستقدام، وهناك غيرها لو تأملناها. والمهم ألا تكون الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، اللهم اهدنا واهد بنا، اللهم احفظنا واحفظ لنا، اللهم إنا نعوذ بك من فتنة القول كما نعوذ بك من فتنة العمل، أقول كما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 1368

الخطبة الثانية: الحمد لله ربِّ العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر النبيين والمرسلين. وبعد .. إخوة الإسلام: فإذا أخذ العامل أجره غير منقوص ووفَّى له المستقدم حقَّه دون تدليس .. كان، عليه عدد من الواجبات لابد له عن الوفاء بها، وفاءً بالأمانة التي أمر الله بها ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ (١)، ورعاية للعهد ﴿والذين هم لأماناتهم راعون﴾ (٢)، ووفاءً بالعقود ﴿ياأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ (٣)، وتحقيقًا لأداء التقوى ﴿فإن أمن بعضكم بعضًا فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه﴾ (٤). أيها الأجير المسلم أيًّا كان موقعك، ومهما كان حجم مسئوليتك لابد من رعاية الأمانة التي اؤتمنت عليها، وأشفقت من حملها السموات والأرض، سواء كان ذلك في حال رقابة الناس أو غفلتهم، فرقابة الله أولى وأعظم من رقابة البشر .. وإذا خلوت يومًا فلا تقل خلوت ولكن قل عليَّ رقيب. وليكن هذا شأنك في حقوق الله أو حقوق الخلق، وتلك مسألة نحتاجها جميعًا .. مستأجرين وأجراء، كفلاء ومكفولين، ومن الواجبات المناطة بك في العمل .. الإتقان، فإن الله يحبُّ إذا عمل العبد عملا أن يتقنه، فالإنهاء شيء

стр. 1369

والإتقان شيء آخر، والإخلاص في العمل سبيل لرضاء الله أولًا، وطريق لإتقانه ثانيًا. أيها العامل هل تعلم أنك مسئولٌ عما استرعيت عليه، وفي حديث ((كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته)) قال ﵊: ((والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته)) (١). أيها المستَقْدَمون المسلمون! حين نتحدث عن أخوَّة الإسلام وحقوقكم فيها، فلابد أن تشملكم الواجبات، فأنتم شركاء لأهل البلد الذي تفدون إليه في المسئولية، وينبغي أن تكونوا أعضاء مساهمين في كلِّ ما يحقق الخير لمجتمعكم الثاني، فتساهمون في نشر الفضيلة وتساهمون في كشف أوكار الفساد والرذيلة، وتنظرون إلى العمل الذي تقومون به على أنه عمل في بلد من بلادكم ولإخوة لكم. وأعيذكم من طغيان الأنانية المفرطة، فلا يبقى لأحدكم هم إلا جمع بضع دريهمات في جيبه، دودت النظر إلى حجم ونوعية العطاء الذي قدمه لمجتمع المسلمين؟ وإياك إياك أيها العامل المسلم أن تعطي الفرصة لأحد أن يتهم العمالة المسلمة بالتقصير من خلال سلوكياتك أو ترسخ بسلوكياتك الخاطئة مفهومًا خاطئًا عند بعض الناس بأن استقدام غير المسلمين أجدى من استقدام المسلمين. أيها العامل المسلم! وأنت مأجور في بحثك عن لقمة العيش لتستغني بها وتغني من وراءك، فهلا سألت نفسك عن حجم العوائد لك .. لاسيما إذا يسر الله لك المكوث حينًا من الدهر في أرض الحرمين، ومنبع الرسالة؟ إن بإمكانك أن تضيف إلى رصيدك المالي أرصدة أخرى لا تقل أهمية عن

стр. 1370

غيرها، وليس مستحيلًا ولا صعبًا أن تشمل رغبتك في طلب الرزق الهجرة في سبيل الله لطلب العلم ومعرفة العقيدة الحقة، وتصحيح الأخطاء الماضية، وليس عيبًا أن تصحح مفهومًا خاطئًا، أو تعدّل سلوكًا معوجًا، إنما العيب أن تعلم الخطأ وتستمر عليه، أو يبدو لك الحقُّ ثم تحيد عنه! أيتها العمالة المسلمة! ما جمعتموه من عرق الجبين يعد من أطيب الكسب الحلال، وأعيذكم والمسلمين أن تفسدوا هذا الكسب الحلال بكسب محرمٍ بأي شكل من الأشكال؟ أيها الوافد المسلم! رسالتك لا تنتهي عند استفادتك في ذات نفسك، فلإخوانك الوافدين معك حقُّ الدعوة إلى الخير، وظروف الغربة وطول الوقت، ووجودك في بلد تُرعى فيه الآداب الإسلامية، وتغيب فيه مظاهر الرذيلة- أكثر من غيره- قد يعينك على تقديم الخير والنهي عن الشر، ((ولأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم)). أيها الوافد المسلم! أنصحك بالصبر على مشاق العمل، وظروف الغربة وتقوى الله خير معين لك على تجاور العقبات كلها ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا﴾، احفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وتذكر الموت والبلى، احفظ الله في نفسك يحفظك في أهلك، وأدِّ للناس الذي ترغب في أن يؤدوه لك، ولا تغترَّ بستر الله عليك في الدنيا، فالفضيحة يوم القيامة على الملأ أشد وأنكى، وتذكر بسفرك في الدنيا السفر إلى الله، ولم يُكتب الخلود لأحد في الدنيا، ولكن الشأن في نوعية ومقدار الزاد الذي يرحل به المسافرون. أخي كلنا مسافرون .. والسفر بعيد، والعقبة كؤد، والناقد بصير. فلنرحل بخير زاد، ولنتخفف من الأوزار، ولنحذر الفساد أو الإفساد .. ومن عمل صالحًا فلنفسه ومن أساء فعليها.

стр. 1371

الوفاء بالعهود (١) الخطبة الأولى: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. أما بعد .. عباد الله، فإن خير الزاد التقوى، ورأس الحكمة مخافة الله. ﴿ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير﴾ (٢). ﴿ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون﴾ (٣). أيها المسلمون! الأخلاق الفاضلة عماد الأمم وأساس قيام الدول، ويكتب على الأمة الفناء إذا تهاوت أخلاقها .. وتلاشت فضائلها وقيمها .. وإن عُمرت حينًا من الدهر. فالأمم الأخلاق ما بقيت ... فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا وإذا تباهت الأمم بأخلاقها كان لأمة الإسلام قدحها المُعلى في فضائل الأعمال ومكارم الأخلاق.

стр. 1372

وحين تتأكد حاجة المجتمعات إلى مكارم الأخلاق في كل حين فحاجتها لذلك أشد حين يقلُّ الوفاء، وتطغى الماديات وتسود الإحن، وتظهر الخلافات، وتبرز الأنانيات وتكثر الخيانات، ويصبح الغدر والمكر سياسة ودهاء. وليس بخافٍ أن الحياة الكريمة تبنى على أساس من الصدق والعدل والمروءة والكرم، والبرِّ، والوفاء والإحسان. ويوم يتباهى الناس بالمكر والخديعة، ويروج الغدر والكذب، ويسود البخل ويطوى بساط المروءة والحياء، ولا يكاد يذكر الوفاء إلا نزرًا. تصبح الحياة جحيمًا لا يطاق .. وتقود هذه الخلال إلى طريق الهاوية في الدنيا والجزاء من جنس العمل يوم المعاد. إخوة الإيمان! خُلُقُ الوفاء واحد من مكارم الأخلاق جاءت نصوص الشرع حاثة عليه، ومؤكدة الوفاء بالعقود والعهود. ﴿ياأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ (١)، ﴿وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا﴾ (٢). إن الوفاء بالعهد أمر ومسئولية، والوفاء بزّ وإحسان ﴿والموفون بعهدهم إذا عاهدوا﴾ (٣)، ومن صفات المؤمنين ﴿والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون﴾ (٤). أما الغدر والتنكر للجميل والخلف في المواعيد، فتلك من سيما المنافقين ﴿ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين * فلما

стр. 1373

آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون * فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون﴾ (١) وفي الحديث من صفات المنافق ((وإذا عاهد غدر)). إخوة الإسلام! لابد من الوفاء بالعهود مع البرِّ والفاجر، ولقد كان الوفاء بالعهود والعقود خُلُقًا كريما من أخلاق محمد ﷺ . عرفه له العدو والصديق والتزم هو به مع المسلمين والكفار .. وما وفاؤه ﷺ بصلح الحديبية إلا نموذج للوفاء مع غير المسلمين .. فما الظنّ بوفائه مع المسلمين. ولقد تعلم أصحابه منه الوفاء. والتزموه في حياتهم ومع غير أبناء ملتهم، فهذا حذيفة بن اليمان ﵄ يحدثنا عن عدم شهوده بدرًا ويقول: ما منعني أن أشهد بدرًا إلا أني خرجت أنا وأبي، فأخذنا كفارُ قريش، فقالوا: إنكم تريدون محمدًا، فقلنا: ما نريد إلا المدينة، فأخذوا العهد علينا لننصرفنَّ إلى المدينة ولا نقاتل معه، فأخبرنا النبي ﷺ فقال: ((نفي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم)) (٢). ولذا فلا بد للمسلم إذا أبرم عقدًا أن يحترمه، وإذا أعطى عهدًا أن يلتزم به، وقد قيل. إن الوفاء بالعهد يحتاج إلى عنصرين إذا اكتملا في النفس سهُل عليها أن تنجز ما التزمت به: الذكر الدائم للعهد، والعزيمة المتجددة على الوفاء به، أما ضعف الذاكرة وضعف العزيمة فهما عائقان كثيفان عن الوفاء بالواجب. قال تعالى في قصة أكل آدم ﵇ من الشجرة: ﴿ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما﴾ (٣).

стр. 1374

أيها المسلمون! العهود التي يرتبط بها المسلم درجات وأعلاها وأهمها العهد الذي بين العبد وربِّه، فإن هذا إذا صلح فهو كفيل بإصلاح ما بعده، من عهود بينه وبين نفسه، أو بينه وبين الخلق من حوله، إن العبودية الحقة لله ربِّ العالمين هي أساس العهد، ولا يحصل النقض في العهود إلا نتيجة ميل الإنسان لهواه، أو طاعته للشيطان. والله تعالى يذكرنا بهذا العهد في قوله تعالى: ﴿ألم أعهد إليكم يابني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين * وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم﴾ (١). والعبودية الحقة تعني الطاعة والتسليم والرضى بما أمر الله أو عنه نهى، وهل تخرج العهود عن هذه؟ ومن الوفاء بالعهد مع النفس أن يظل المرء يتذكر ماضيه الذاهب لينتفع به في حاضره ومستقبله، فإن كان معسرًا فأغناه الله، أو مريضًا فشفاه الله، أو ضعيفًا فقواه الله، فليس يسوغ له أن يفصل بين أمسه ويومه وغده بسورٍ غليظ، فينسى الماضي ويستقبل الحاضر والمستقبل بمسلك الفظاظة والجحود، ولربما كان وهو في أحوال الضعف والبؤس يتمنى زوالها، ويأخذ على نفسه العهود على التزام الشكر والذكر والإحسان لو تغيرت الأحوال وتحسنت الأوضاع، ودونكم نموذجًا للوفاء وعكسه مع النفس في قصة الثلاثة الذين ابتلاهم الله بالبرص والقرع والعمى، فبعث إليهم ملكًا، فأتى الأبرص فقال: أيُّ شيء أحب إليك؟ قال: لون حسن، وجلد حسن ويذهب عنِي الذي قذرني الناس، فمسحه فذهب عنه قذره وأعطي لونًا وجلدًا حسنًا، فقال أيّ المال أحب إليك؟ قال: الإبل، فأعطاه ناقة

стр. 1375

عشراء وقال بارك الله لك فيها .. ثم أتى الأقرع فقال: أي شيءُّ أحب إليك؟ قال: شعر حسن ويذهب عني هذا الذي قذرني الناس، فمسحه فذهب عنه، وأعطي شعرًا حسنًا، قال: فأي المال أحبُّ إليك؟ قال: البقر، فأعطي بقرة حاملًا، وقال: بارك الله لك فيها. ثم أتى الأعمى فقال: أي شيء أحبُّ إليك؟ قال: أن يرد الله عليّ بصري، فمسحه، فرد الله عليه بصره، قال: فأي المال أحبُّ إليك قال. الغنم، فأعطي شاةً والدًا .. فأنتج هذان وولد هذا، فكان لهذا واد من الإبل، ولهذا وادٍ من البقر، ولهذا واد من الغنم. ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته وسأله بالذي أعطاه اللون الحسن والجلد الحسن بعيرًا يتبلغ به سفره، فاعتذر قائلًا: الحقوق كثيرة، ثم قال له كأني أعرفك ألم تكن أبرص يقذرك الناس، فقيرًا فأعطاك الله؟ (فأنكر) وقال: إنما ورثت هذا المال كابرًا عن كابر .. ثم قال له: إن كنت كاذبًا فصيرك الله إلى ما كنت، وأتى الأقرع في صورته فقال له مثل ذلك، ورد عليه مثل ما ردَّ على الأول، فقال: إن كنت كاذبًا فصيرك الله إلى ما كنت. ثم أتى الأعمى في صورته وهيئته فقال له مثل ما قال لصاحبيه، فرد الأعمى. لقد كنت أعمى فردَّ الله عليّ بصري، فخذ ما شئت ودع ما شئت، فوالله لا أجهدك اليوم لشيء أخذته لله؟ فقال: أمسك مالك فإنما ابتليتم فقد رضي عنك وسخط على صاحبيك (١). فهل رأيتم عاقبة نقض العهد، وأثر الوفاء ذلك فضلُ الله يؤتيه من يشاء ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه، ومن كفر فإن الله غني عن العالمين، نفعني الله وإياكم بهدي القرآن.

стр. 1376

الخطبة الثانية: الحمد لله رب العالمين صاحب الفضل والإحسان، يعطي ويمنع ويقبض ويبسط، ولا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الحمد في الأولى والآخرة وهو الحكيم الخبير، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. أيها المسلمون! كما يحتاج المرءُ إلى الوفاء بعهده مع الله ومع نفسه، فهو محتاج للوفاء مع الآخرين، وأولى الناس بالوفاء الوالدان وحقهما مقرون بالعبودية لله والإحسان إليهما جاء في أكثر من آية في كتاب الله، وتضافرت نصوص السنة على تأكيده- وليس هذا موضع البيان- ومن أعظم اللؤم والعقوق أن يتنكر الإنسان لوالديه أو لأحدهما إذ أغناه الله، أو أصبحا شيخين عاجزين وهما أشد حاجة إليه .. ومن كان له فضل عليك من الأقربين أو الأبعدين فلابد من الوفاء معه وردِّ الجميل إليه فما جزاء الإحسان إلا الإحسان، ومن اللؤم أن تتعرف على الناس حال حاجتك وتتنكر لهم حين غناك وعلوِّ منزلتك، ولقد كان من نهج الصالحين الوفاء مع أهل السابقة والفضل ولو كان فضلهم لغيرهم، فهذا ابن عباس وضي الله عنهما يتمثل الوفاء لأبي أيوب الأنصاري ﵄ لقاء وفائه مع النبي ﷺ ، فحين قدم أبو أيوب البصرة على ابن عباس، فرّغ له بيته وقال: لأصنعنَّ بك كما صنعت برسول الله ﷺ ، كم عليك؟ قال: عشرون ألفًا، فأعطاه أربعين ألفًا، وعشرين مملوكًا، ومتاع البيت (١).

стр. 1377

أما شاعر الأندلس ابن عمار المهْري فيذكر أنه مدح فلاحًا فأعطاه مخلاة شعير لحماره، فلما آل بابن عمارٍ الحال إلى الإمرة ملأ للفلاح مخلاته دراهم وقالط: لو ملأها برًّا لملأناها تبرًا (١). أيها المؤمنون! تطيب الحياة ويسعد الأحياء مع الوفاء، ويبين حجم الوفاء عن معدن الرجال .. وإذا كان الوفاء مطلبًا في كلِّ الأحوال فهو يطيب في ظروف المحن والشدائد حين يتنكر الناس، ويبلغ الضعف والهوان مبلغهما ويقل الناصر ويندر المعين وهنا يسود في المجتمع أصحاب الجود والإقدام، حين يبخل الآخرون ويتراجعون: لولا المشقة ساد الناس كلُّهم ... الجود يفقر والإقدام قتال عباد الله! حين يأمر الله بالوفاء بالعهد يبين الآثار السيئة المترتبة عليه فيقول تعالى: ﴿وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون * ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون﴾ (٢). قيل في آثار الغدر أنه ينزع الثقة، ويثير الفوضى، ويمزق الأواصر، ويرد الأقوياء ضعفاء واهنين، ويصد عن الدخول في الدين، والدِّين الحق يكره أن تُداس الفضائل في سوق المنفعة العاجلة، كما يكره أنه تنطوي دخائل الناس على نوع من النيات المغشوشة، ويوجب الشرف على الفرد والجماعة حتى تصان العقود على الفقر والغنى، وعلى النصر والهزيمة.

стр. 1378

ولذا قال تعالى بعد الأمر بالوفاء بالعهد ﴿ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم * ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون﴾ (١). احذروا عباد الله أن تشتروا بعهد الله ثمنًا قليلًا، والله يذكرنا أن ما عنده خير وأبقى، وإياكم أن تتخذوا الأيمان بينكم دخلًا، أي خديعة ومكرًا فتزل الأقدام بعد ثبوتها وينتكس الغادر ويصد بهذه الأخلاق عن الدخول في دين الله (٢). أمة الإسلام! ومن آثار التخلي عن العهود فناءُ الأمم، وإهلاك القرى الظالمة كما في قوله تعالى: ﴿وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين﴾ (٣). ومما يجدر التنبيه إليه الغدر في أداء الحقوق المالية سواءً كانت قرضًا أو دينًا .. (ولأهميتها سأفردها بحديث خاص بإذن الله تعالى). أيها المسلمون اتقوا الله في عهودكم ومواثيقكم وأيمانكم، ولا تفتنكم الحياة الدنيا وتنسوا عقاب الآخرة. تمثلوا الوفاء في حياتكم كلِّها وروّضوا أنفسكم على ذلك، تذكروا عظيم نعمةِ الله عليكم فقابلوها بالشكر والطاعة والإحسان، وتذكروا فضل من له فضل عليكم فجازوهم بالشكر والإحسان .. ولا تَمُتْ فيكم مشاعر الوفاء والرحمة .. وتطغى عليكم الأنانية والغفلة. على الوالدين أن يربوا أولادهم على الوفاء، وعلى المعلمين والمعلمات أن يعلموا الطلاب والطالبات معاني الوفاء، إن الشكر للناس

стр. 1379

أدب إسلامي، وهو الطريق للشكر لله، وفي الحديث: ((لا يشكر الله من لا يشكر الناس)) (١). والدعاء باب من أبواب الوفاء لمن لم يستطع غيره ((ومن صنع إليكم معروفًا فكافئوه فإن لم تجدوا ما تكافئوه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه)) (٢). وفي الحديث الآخر ((من صنع إلية معروف فقال لفاعله: جزاك الله خيرًا. فقد أبلغ في الثناء)) (٣). كذا علمنا الإسلام وأدبنا القرآن فلتحافظ على الوفاء بالعهود ولتذكر لأهل الفضل فضلهم. والله يحب الشاكرين ويحب المحسنين.

стр. 1380

(٢) حسن الوفاء وقضاء الحقوق (١) الخطبة الأولى: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشدًا. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. ﴿ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ (٢) ﴿ياأيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم﴾ (٣). إخوة الإسلام! لا يزال الحديث متصلًا عن الوفاء بالعهود واحترام العقود، فتلك الشعيرة من شعائر الدين، والخلق النبيل من أخلاق أهل المروءة والدين، أجل لقد كان الوفاء وصدق الوعد واحدًا من أخلاق الأنبياء ﵈ ﴿وذاكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا﴾ (٤). والوفاء جزء من الإيمان، فقد جاء في الحديث الذي رواه الحاكم وصححه وأقره الذهبي أن النبيَّ ﷺ قال. ((إن حسن العهد من الإيمان)).

стр. 1381

وجاء في كلام العرب: من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كملت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت إخوته (١). ويظل الوفاء يلازم المؤمنين وهم يُحتضرون، فقد ورد أن عبد الله بن عمر ﵄، حين حضرته الوفاة قال: إنه خطب إليَّ ابنتي رجل من قريش، وقد كان مني إليه شبه الوعد، فوالله لا ألقى الله بثلث النفاق، أشهدكم أني قد زوجته ابنتي. وهو بذلك يشير إلى حديث: ((ثلاث من كن فيه فهو منافق .. )) (٢). أيها المسلمون! هذا ومما مضى هو ميزان الحقِّ والدين في الوفاء بالعهود واحترام العقود، وإن وجد في دنيا الناس أن الغدر والمماطلة ونقض العهود نوع من الحنكة والدهاء والألمعية والشطارة؟ ولكن يظل الحقُّ مطلبًا، والأوفياء نماذج تُحتذى. عباد الله! هناك ممارسات خاطئة في أدب المعاملة، فقد تجد جاهلًا يحسب أن الدين علاقة بين العبد وربِّه فحسب، فتراه يُقيم الفرائض وربما أتبعها النوافل، لكنه لا يقيم وزنًا للتعامل مع عباد الله، لا يرعى حقوقهم، ولا يؤدي لهم واجباتهم، يعتدي على حقِّ هذا، ويُماطل في حقِّ آخر، ويشتم ثالثًا، ويضرب رابعًا .. الحلالُ ما حلَّ بيده، والحرام عنده ما عجز عن الحصول عليه ذلك صنف حُكم عليهم بالإفلاس وسماهم الر سول ﷺ بالمفلسين، كما جاء في حديث: ((أتدرون من المفلس؟ )) إنها مفاهيم خاطئة لا يسأل عنها الدين، وسلوكيات منحرفة من الظلم أن يشوه بها تاريخ المسلمين.

стр. 1382

أين هؤلاء من قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون﴾ (١)، والخطاب بهذه الآية- كما يقول القرطبي يرحمه الله- يتضمن جميع أمة محمد ﷺ ، والمعنى: لا يأكل بعضكم مال بعض بغير حق، فيدخل في هذا: القمار، والخداع، والمغصوب، وجحد الحقوق، وما لا تطيب به نفس مالكه، وما حرمته الشريعة وإن طابت به نفس مالكه، كمهر البغي، وحُلوان الكاهن، وأثمان الخمور والخنازير، وغير ذلك (٢). أيها المسلمون .. من الفهوم الخاطئة في المعاملات والحقوق الآدمية ظنُّ بعض الناس أن حكم القاضي له على خصمه يُصيِّر الحرام حلالًا، والباطل حقًّا، وليس الأمر كذلك. قال العلماء: ومن الأكل بالباطل أن يقضي القاضي لك وأنت تعلم أنك مبطل، فالحرام لا يصير حلالًا بقضاء القاضي؛ لأنه يقضي بالظاهر، فقد يكون أحدُ الخصمين ألحن بحجته من الآخر، وهذا رسول الله ﷺ يُحذر من هذا المسلك الخطر ويقول: ((إنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو مما أسمع، فمن قطعت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من نار))، وفي رواية: ((فليحملها أو يذرها)). قال القرطبي: وعلى القول بهذا الحديث جمهور العلماء، وأئمة الفقهاء (٣). عباد الله! أين المتأكلون للأموال بالباطل من قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا

стр. 1383

لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما﴾ (١). إن هذه الآية كما ترد على من أنكر طلب الأقوات بالتجارات والصناعات المباحة كالمتصوفة الجهلة. ففيها كذلك حد لأولئك الشرهين الآكلين للأموال بالباطل وهل يقتل العقلاء أنفسهم؟ ذلك شأن الذين يتجاوزون الحلال إلى الحرام، ويقتلون أنفسهم بالحرص على الدنيا وطلب المال بطرق غير مشروعة (٢). عباد الله! لأهمية المعاملة بالحسنى في البيع والشراء والقضاء والاقتضاء، ورد الثناء على التجار الصادقين الأمناء وجاء الذم للتجار الفجار، الآثمين في حلفهم، الكاذبين في حديثهم، روى الترمذي، والدارقطني عن أبي سعيد، وابن عمر ﵃ قال رسول الله ﷺ : ((التاجر الصدوق الأمين المسلم مع النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة))، والحديث وإن كان فيه ضعف فقد قواه العلماء بأحاديث أخرى (٣). وروى الإمام أحمد من حديث عبد الرحمن بن شبل مرفوعًا ((إن التجار هم الفجار))، قالوا: يا رسول الله: أليس الله قد أحلَّ البيع؟ قال. ((بلى؟ ولكنهم يحلفون فيأثمون، ويحدثون فيكذبون)) (٤). وجاء الدعاء لأهل السماحة في البيع والشراء بقوله ﷺ ((رحم الله عبدًا سمحًا إذا باع، سمحًا إذا اشترى، سمحًا إذا قضى، سمحًا إذا اقتضى)) (٥).

стр. 1384

أيها التاجر! اختر لنفسك ما تشاء، وأنت خليق بأن تكون من التجار الأمناء، ويكفيك فخرًا رفقة الأنبياء، وإياك أن تبخل على نفسك بالأجر، وإن احتاج الأمر منك إلى مجاهدة وذلك بأن تنظر المعسر وتُقيل المستقيل، وتيسر على الموسر، فقد أخرج البخاري ومسلم عن حذيفة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن رجلا ممن كان قبلكم أتاه الملك ليقبض روحه فقال: هل عملت من خير؟ قال. ما أعلم، قيل له: انظر، قال: ما أعلم شيئًا، غير أني كنت أُبايع الناس في الدنيا فأنظر الموسر، وأتجاوز عن المعسر، فأدخله الله الجنة)) (١). أما فضل الإقالة والتفريج على من ندم على اتفاق أبرمه ورغب بالحسنى إقالته، ففد أخرج أبو داود بسند صحيح عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((من أقال مسلما أقال الله عثرته)) (٢). أيها المسلمون! أغنياء أو فقراء كنتم، ودونكم وصية محمد ﷺ فاعلموها واعملوا بمقتضاها، وهو القائل: ((أيها الناس اتقوا الله وأجملوا في الطلب، فإن نفسًا لن تموت حتى تستوفي رزقها، وإن أبطأ عنها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، خذوا ما حلَّ ودعوا ما حرَّم)) (٣). أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون﴾ (٤) نفعني الله وإياكم بما سمعنا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 1385

الخطبة الثانية . الحمد لله ربِّ العالمين، أحمده تعالى على نعمه التي لا تعد ولا تحصى وأشكره وهو أهل الفضل والثناء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء. عباد الله! لقد أثنى الله على الموفين بعقودهم وعهودهم ووعدهم بجنات عدن فقال تعالى: ﴿الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق * والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب * والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ويدرأون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار﴾ (١). وفي المقابل حذّر من نقض العهود، ورتب الخسران عليها، واللعنة وسوء الدار فقال تعالى: ﴿الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون﴾ (٢). وقال في الآية الأخرى: ﴿والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار﴾ (٣). أيها المؤمنون! من الأمور التي تساهل بها كثير من الناس الديون والقروض (أيا كانت هذه ما دامت مباحة)، فتراهم يتسامحون في الاستدانة والاستقراض، ويتساهلون في الأداء والوفاء، وقد جاءت نصوص الشريعة محذرة، من التلاعب والتهاون بحقوق الغير.

стр. 1386

فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((من أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله)) (١). وعن صهيب الخير عن رسول الله ﷺ قال: ((أيُّما رجل تدين دينًا، وهو مجمع ألا يوفيه إياه، لقي الله سارقًا)) (٢). يا ابن آدم! أليست الجنة مبتغاك. إذ خلو الذمة من الدين سبب من أسباب دخول الجنة. فقد ورد عن ثوبان عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((من فارق الروح الجسد وهو بريء من ثلاث دخل الجنة: من الكبر، والغلول، والدين)) (٣). ومن أين لك الوفاء يا عبد الله إذا فارقت الروح الجسد وأنت مصر على المماطلة وحبس حقوق الآخرين، وهل ترضى أن يكون القضاء من الحسنات في وقتٍ أنت أشدَّ ما تكون حاجة إليها؟ فقد ورد عن النبي ﷺ من حديث ابن عمر ﵄: ((من مات وعليه دينار أو درهم قُضي من حسناته، ليس ثمَّ دينار ولا درهمٌ)) (٤). وليس يخفى أن: ((نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يُقضى عنه)) ويكفي في عظم الدين أن رسول الهدى والرحمة ﷺ لا يُصلي على من مات وعليه دين لم يترك له قضاء، فعن أبي هريرة ﵁ أنه كان يقول: إذا توفي المؤمن في عهد رسول الله ﷺ وعليه الدين فيسأل رسول الله ﷺ : ((هل ترك لدينه من قضاء؟ )) فإن قالوا: نعم صلى عليه، وإن قالوا: لا، قال: ((صلوا على صاحبكم)) (٥).

стр. 1387

ولذا ينبغي على أهل الميت أن يولوا هذا الأمر ما يستحق من العناية والوفاء فيبدأون- أول ما يبدأون- بسداد دينه، وفكاك ذمته. أيها المسلمون! مع التأكيد على أن لا يستدين المسلم أو يقترض إلا لحاجة، فقد يضطر المسلم للدين أو للقرض، وهنا ينبغي أن يأخذ ما يكفي حاجته وأن يقدم نية الوفاء وألا يطلع الله منه على نية الغدر وإتلاف الأموال. إن الذي يقدم نية الخير على الوفاء يعينه الله في الدنيا، وقد صحّ الخبرُ عن النبي ﷺ : ((ما من مسلم يدَّان دينًا، يعلم الله منه أنه يريد أداءه إلا أداه الله عنه في الدنيا)) (١). وإن نوفي المدين وهو على نية الوفاء لكنه عاجز عن التسديد فاعل للأسباب المشروعة للأداء لكنه لم يقدر، فالرسول ﷺ وليُّه، ولم يبخس الله من حسناته بعد مماته. روى الطبراني عن ابن عمر ﵄ أن النبيَّ ﷺ قال: ((الدَّين دينان، فمن مات وهو ينوي قضاءه فأنا وليُّه، ومن مات ولا ينوي قضاءه فذاك الذي يؤخذ من حسناته، ليس يومئذ دينار ولا درهم)) (٢). عباد الله! ماذا بعد هذه النصوص وأمثالها؟ إن علينا جميعًا أن نتحرز من الدَّين، وأن نسلِّم ذممنا في الحياة قبل الممات، وإذا استدنا واستقرضنا بالحسنى- ومن أي جهة كانت- أن نردَّ الدين أو القرض بالحسنى، وأن نؤدي للناس الذي نرغب أن يؤدوه إلينا، فما جزاء الإحسان إلا الإحسان، وأذكِّرك يا أخا الإسلام وأحذرك

стр. 1388

أن تكون سببًا لقطع الإحسان عن غيرك بسبب سوء سلوكك ومماطلتك، بل ومن أدب الإسلام أن تدعو لمن استلفك، ولست خيرًا من محمد ﷺ ، وقد استلف من رجل سلفًا- يوم حنين- فلما قضاه قال له: ((بارك الله لك في أهلك ومالك، إنما جزاء السلف الوفاء والحمد)) (١). أيها المسلم! تأمل في أدب الرسول ﷺ وحسن خلقه ووفائه، وحقُّه على الأمة كبير، والسلف الذي يستلفه لا لمصلحته الخاصة، بل لمصلحة المسلمين والجهاد في سبيل الله .. ومع ذلك لا يؤخر ردَّ السلف بل لما قدم من الغزوة قضى لصاحب السلف، وأعظم من ذلك كلِّه دعاؤه لمن أسلفه، ((بارك الله لك في أهلك ومالك)) ثم يضع معلمًا بارزًا للأمة في الوفاء ورد الحقوق حين يقول: ((إنما جزاء السلف الوفاء والحمد)) فهل نتمثل هذه الأخلاق في حياتنا ومعاملاتنا ونتخذه ﷺ قدوة لنا في أمورنا كلها، إن ذلك من علائم الإيمان ومن سيما الذين يرجون الله واليوم الآخر، ويذكرون الله ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا﴾ (٢).

стр. 1389

(١) من مظاهر الإسراف في حياتنا (١) الخطبة الأولى: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر النبيين وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أيها الناس! اتقوا الله واخشوا يومًا ترجعون فيه إلى الله، ثم توفى كل نفس بما كسبتما وهم لا يظلمون. ﴿ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ (٢) ﴿ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ (٣). عباد الله! حديثي إليكم اليوم عن موضوع نشترك جميعًا في كُرهه، ونشارك معًا في بقائه، نعترف فيه بخطئنا، وتغلبنا عليه عوائدنا وشهواتنا، يُمارس الخطأ فيه من قبل الرجال والنساء والفقراء والأغنياء، وتسري آثاره في الحضر والبوادي، نزاوله ونحق له كارهون، وننتقده ونحن له فاعلون؟ ! ينهى عنه ديننا، وتعجُّ به دنيانا، نحمل أثقاله على كواهلنا، ونظل بعده في حيرة وقلق مما صنعنا؟

стр. 1390

تُرى أي ظاهرة تلك التي بلغت مبلغها من الحرج في حياتنا، ولربما تراكمت الديون- بسببها- في ذممنا؟ إنه الإسراف، والإسراف في أكثر من مظهر: في المطعم والمشرب، والملبس والمسكن، في الكلام أو الصمت، وفي المدح أو الذم، في السهر والنوم، وفي المناسبات والأفراح، الإسراف في إهدار الطاقات وليس الماء إلا نموذج لها، وإضاعة الأوقات، وهي من أغلى ما نملكه في هذه الحياة، والإسراف في نقد الآخرين، أو تزكية الذات، إسراف حسي، وإسراف معنوي، وظاهر وخفي .. إلى غير ذلكم من مظاهر الإسراف الأخرى. وما من شك أن الإسراف في العنف يولد أضرارً وآثارًا سيئة أول من يتضرر منها المسرفون أنفسهم. وفي أرض فلسطين المحتلة خلصها الله من ظلم المحتلين تشهد الساحة إراقة الدماء على أيدي اليهود ونتيجة إسرافهم في ظلم الآخرين. والمصيبة أن مثل هذه الظواهر، أو بعضها يقع فيها المتعلم والأمي، ولا يكاد ينجو منها العالم، وغيره من باب أولى، وتتحدث عنها وسائل الإعلام محذرة ولربما ساهمت مساهمة فاعلة في انتشارها. ويتحسر لها العقلاء ولكنهم واقعون في شراكها، ويبلغ الحرج مبلغه فيها حين يتحدث المتحدثون محذرين وهم- كغيرهم من الناس- في المحذور واقعون، ولكنها قضية لابد أن نصارح أنفسنا بها، ولابد أن نتعاون جميعًا في تشخيصها وعلاجها، ونرفع أكفَّ الضراعة لمولانا للعفو عن أَخطائنا، وإعانتنا على إصلاح أحوالنا ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ (١)، ﴿ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا﴾ (٢).

стр. 1391

إخوة الإسلام! المتأمل في نصوص شريعتنا الغرَّاء يجدها ناصعة البيان في النهي عن الإسراف والتبذير والأمر بالتوسط والاعتدال، فلا تُغلُّ الأيدي إلى الأعناق بُخلًا وتقتيرًا، ولا تُبسط كلَّ البسط إسرافًا وتبذيرًا ﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا﴾ (١). ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما﴾ (٢). ومشكلتنا- أحيانًا- عدمُ التفريق بين ما أمر به الإسلام، وما عنه نهى، وتختلط الأمور في حساباتنا فلا نكاد نُفرق بين كرم الضيافة، والرياء، وبين أخذ الزينة والخيلاء، وبين ما ينبغي أن يتسابق فيه المتسابقون من أعمال الخير ابتغاء مرضات الله، وبين ما ينفق وهو يحمل المنَّ والأذى؟ فرق بين من يقف عند المباحات في الدين، ومن يتجاوزها إلى المحرمات، ﴿كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون﴾ (٣). أيها المسلمون! هذه وقفة عند مظهر من مظاهر الإسراف، ربما يكون من أكثرها شيوعا .. وإن كان غيرها لا يقل عنها خطرًا، إنه الإسراف في حفلات الزواج وما يسبقها وما يعقبها. ويعلم الله كم يفرح المسلم بإعلان الزواج فذاك فرق بين النكاح المشروع، وفاحشة الزنا الممنوع. وكم يُسرُّ المسلم لوليمة النكاح تُحقق بها السنة، ويتقارب بها الأرحام، وإطعام الطعام من الإسلام، وهو طريق موصل إلى الجنة بسلام لمن ﵁ وقبله، ولكن المأساة حين يدخل الإسراف أفراحنا، ويعكر علينا صفو حياتنا. وهاكم نماذج من الإسراف في الزواج، فالمغالاة في المهور وإثقال كواهل الشاب بالديون إسراف

стр. 1392

لم يأذن به الله، وهو خلاف سنة محمد ﷺ ، الذي قال: ((إن من يُمن المرأة تيسير خطبتها، وتيسير صداقها، وتيسير رحمها)) (١). وفي سنن الترمذي وغيره قال عمر بن الخطاب ﵁. ((ألا لا تغالوا في صدقات النساء، فإن ذلك لو كان مكرمة في الدنيا، أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها نبي الله ﷺ ، ما علمت رسول الله ﷺ نكح شيئًا من نسائه، ولا أنكح شيئًا من بناته على أكثر من ثنتي عشرة أوقية)) (٢)، قال الترمذي: والوقية عند أهل العلم أربعون درهمًا وثنتا عشرة وقية: هو أربعمائة وثمانون دوهما (٣). وزاد النسائي: ((وإن الوجل ليُغلي بصدقة المرأة، حتى يكون لها عداوة في نفسه .. )) (٤). ومن الثابت أن رسول الله ﷺ أنكح رجلا امرأة بما معه من القرآن (٥). وقال لرجل يحفظ البقرة والتي تليها، ((قم فعلمها عشرين آية وهي امرأتك)) (٦). إخوة الإيمان! يعقب الإسراف في المهر- عند فئة من الناس- إسراف في وليمة العُرس والدعوة لها، ويبدأ المسلسل هكذا: طباعة أعداد كثيرة من البطاقات، وأحيانًا بأشكال غريبة وقيمة عالية، وربما تنافس أهل الزوجين في نوعيتها مهما غلا ثمنها، ثم يضطر الناس إلى توزيع ما طبعوا. فإذا امتلأت بيوت الأقارب

стр. 1393

والجيران والأصحاب والأحباب، وزملاء الدراسة، والوظيفة وبقي في العدد بقية وزعت على هؤلاء ليدعو كل منهم من شاء! وعلى قدر عوائل هذه الدعوات يبدأ الاستعداد للطعام والفاكهة والحلوى، والمقبلات والمشروبات .. ولا تسأل عن الإسراف في هذه الولائم وكثرة الإنفاق عليها وما يضيع منها هدرًا، وإن أحسن أهل المناسبة فدعوا لبقاياها جمعيات البر لتوزيعها على المحتاجين، وإلا كان مصيرها معروفًا .. ولله كم يخشى العقلاء وفي ديار المسلمين من يتضور جوعًا- وفيه من يمرض تخمة وإسرافًا؟ ! . فإذا ضاع بسبب هذه الوليمة ما يزيد على عشرين ألفًا على الأقل، فلك أن تعجب حين تعلم أن الشاب قد يمكث في جمع مادة هذه الوليمة ما يقرب من عام، وربما استدانها أو استلفها وقد حضرها من جاء إليها (مجاملة)، وحضرها من الأغنياء من لم يطعمها، ومنعها الفقراء فلم يدع إليها آصلا، وصدق رسول الله ﷺ : ((شر الطعام طعام الوليمة، يُدعى لها الأغنياء ويمنعها المساكين، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله)) (١). أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يابني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين﴾ (٢).

стр. 1394

الخطبة الثانية: الحمد لله رب العالمين، أمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، ونهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أهلك المسرفين، وأمر ألا يُطاع أمرُهم وأنزل في كتابه: ﴿وأن المسرفين هم أصحاب النار﴾ (١). وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، جاءت سنته القولية والفعلية بعدم الكُلفة، والنهي عن الإسراف، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر النبيين. إخوة الإسلام! تُسرف بعض النساء في زينة اللباس التي أمر الله بها، وسواء بارتفاع قيمتها أو في حرمتها، وما يسمى بـ (طرحة العروس) أو (التشريعة) نموذج لذلك، إذ تدفع لهذا الثوب مبالغ طائلة ثم لا يُستخدم بعد هذه الليلة، وربما أنفت بعض النساء من استعارة هذا الثوب من غيرها. وإذا كان هذا للعروسة فلا تسأل عن لباس الحاضرات، وفيه ما غلى ثمنه وضاق ملبسه، وفيه ما بدا عند المرأة كاسيًا وهو في الحقيقة عاريًا، أظهر لقصره الساقين، وأعلاه يكشف ما فوق المرفقين، وفتحاته تكشف النحر والظهر، وهو من الضيق بحيث يكشف ملامح المرأة ومفاتنها .. فماذا بقي من الحياء. ولربما تسامحت بعض الأسر في لباس البنطلون للمرأة .. وكذلك يتلاعب الشيطان بالنساء، ويتوارى الحياء، وللعلماء في أنواع هذه الملابس وحكمها (فتاوى) لا تخفى، والإثم ما حاك في النفس وكرهت أن يطلع عليه الناس، ومن

стр. 1395

وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى، ولا بارك الله في امرأة تلبس ثيابًا ساترة أمام زوجها، وتخفي ملابس أخرى، فإذا وصلت مكان الحفل استبدلت هذه بتلك، والله يعلم السرَّ وأخفى. ومن مظاهر الإسراف في ملابس النساء تلك النظرة عند بعضهن بأن ما رأته النساء لا ينبغي أن يكرر مرة أخرى .. وعلى النساء العاقلات- أن يقمن- بسلوكهن بتحطيم هذه النظرة الخاطئة المسرفة. أيها الرجال .. أيتها النساء! ثمة مظهر من مظاهر الإسراف في الحفلات أو المناسبات يتمثل بالمبالغة في اتخاذ الزينة والمكيجة وتسريح الشعور .. وسل (الكوفيرا) تنبئك عن أخبار النساء، وهناك يهدر الوقت، وتسلب الأموال، وتعترف النساء أنفسهن بالغبن .. ولكن قاتل الله التقليد الأبله، وغابت أو ضعفت قوامة الرجال على النساء، وإلى الله المشتكى؟ ! إن أخذ الزينة في الإسلام مطلب، وإن إعداد المرأة لزوجها كأحسن ما تكون النساء شكلًا، ورائحة، وأدبًا، كلُّ ذلك جاءت به شريعة الإسلام، لكن دون إسراف في المال أو هدر في الأوقات، أو تغيير لخلق الله. إخوة الإيمان! لا بأس بإعلان النكاح بالدُّف والصوت، فقد روى الترمذي بسند حسن عن محمد بن حاطب الجحمي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((فصل ما بين الحرام والحلال الدُّف والصوت)) (١)، وزاد النسائي ((في النكاح)) (٢). وفي صحيح البخاري عن عائشة ﵂ قالت: زففنا امرأة من الأنصار، فقال رسول الله ﷺ : ((يا عائشة أما يكون معكم لهوٌ، فإن الأنصار تعجبهم اللهو)) (٣).

стр. 1396

وفي البخاري -أيضًا- وغيره عن الرُّبيع بنت معوذ قالت: جاء رسول الله ﷺ فدخل عليَّ غداة بني بي، فجلس على فراشي وجويرات لنا يضربن بدفوفهن ويندبن من قتل من آبائي يوم بدر، إلى أن قالت إحداهن ((وفينا نبي يعلمُ ما في غدٍ)) فقال لها: ((اسكتي عن هذه، وقولي الذي كنت تقولين قبلها)). وروى النسائي بسند حسن عن عامر بن سعدٍ ﵁ أنه قال: دخلت على قرضة بن كعب، وأبي بن مسعود الأنصاري في عُرس، وإذا جوارٍ تُغنين فقلت: أيَّ صاحبي رسول الله ﷺ وأهل بدر يُفعل هذا عندكم؟ فقالا: اجلس إن شئت فاسمع معنا وإن شئت فاذهب، فإنه قد رُخص لنا في اللهو عند العُرس)) (١). ولكن الملاحظ هنا أن إشهار الزواج إنما هو بالدُّف، وأن اللائي يُغنين جوارٍ صغيرات، ثم هن إماء ليس فيهن عورة، أما الذي نسمعه هذه الأيام فشيء عجيب (والإسراف فيه ظاهر) توضع مكبرات الصوت، ويؤتى بالمطربات أو بالمغنيات ومعهن الطبول والمزامير والعود وتدفع لهن المبالغ، وإذا تعبت أو بُح صوتها فإلى جانبها آلة التسجيل تفتحها وتضعُ الموسيقى والأغاني الماجنة، وقد حرم الله لهو الحديث، كما في قوله تعالى: ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين * وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا فبشره بعذاب أليم﴾ (٢). والأحاديث في تحريم الغناء معلومة -وليس هذا موضع بسطها-. ومن هنا يتبين لك وسطية الإسلام في اللهو المباح في العُرس، بين المانعين لكل شيء، والمسرفين في كل شيء؟ ! .

стр. 1397

إخوة الإسلام هذه بعض مظاهر الإسراف في حفلات الزواج، وفي سبيل علاجها لابد أن تتضافر الجهود لمنعها، ولابد أن نستشعر تقوى الله في نسائنا وأموالنا، لابد من مزيد وعي المرأة بمضار الإسراف، ولابد من تخويفها عذاب الله حين تتجاوز حدود الله، لابد أن نشكر أنعم الله علينا، وأن نستحضر أحوال المسلمين الآخرين من حولنا، (١) وأن هذا المال مسئولية في أَعناقنا، لابد أن نشجع ونثني علي المقتصدين، ونلوم ونؤاخذ المسرفين، اقتصدوا في دعواتكم وضعوا ما يكفي لأضيافكم، وضعوا لطلبات النساء حدًّا، وأطروا السفهاء على الحقِّ أطرًا، ورحم الله أسرة كان لها فضل في السبق في الاقتصاد وتخفيف تكاليف الزواج في رجالها ونسائها، وتحية لأولئك الأغنياء الذين ضربوا مثالًا رائعًا في عدم الكلفة رغم قدرتهم عليها، وبارك الله في أم أو بنت ساهمت مع وليها في تخفيف الأعباء على الشباب أو بت في لباسها مثالا للحشمة والحياء أمام بنات جنسها؟ ويا ليت الجمعيات الخيرية لمساعدة المتزوجين، والموسرين الباذلين يشترطون مساعداتهم للشباب عدم الكلفة والإسراف في الزواج. اللهم اهدنا واهد بنا، اللهم أَعنا على أنفسنا وأَكفنا شرَّ شرارنا.

стр. 1398

(٢) من مظاهر الإسراف في حياتنا (١) الخطبة الأولى: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. فأما بعد فأوصيكم ونفسي بتقوى الله ﴿ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا﴾ (٢). ﴿ياأيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم﴾ (٣). ﴿ياأيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور﴾. أيها المسلمون! حديث اليوم استكمال للحديث قبله، عن الإسراف، وتعدد مظاهره في حياتنا، وآثاره في سلوكياتنا. وحيث مضى الحديث عن الإسراف في الأفراح والمناسبات، فليت الأمر كان قصرًا على هذا- مع سوئه- فأفراحنا موسمية ومناسباتنا عارضة .. مع ضرورة العلاج والكفِّ عن الإسراف فيه، ولكن أمر الإسراف أعظم من هذا وأكبر، وهو يستحوذ على جزءٍ كبير من حياتنا، وهاكم بعض مظاهره.

стр. 1399

وقبل هذا لابد أن يحرر مفهوم الإسراف، والعلماء يقولون: إن بذل المال في سبيل الخير والحق لا يعد إسرافًا ولو أنفق ماله كله، وبذله في غير وجه الحق يعد إسرافًا ولو كان المنفق قليلًا. فلدينا إسراف في المطعم والمشرب، فتجاوز اللقيمات اللاوتي يقمن الصلب، ونتعدى في الأنْصبة التي حددها الرسول ﷺ للطعام والشراب والنفس والراحة، حتى يستطيع المرء أن يذكر ربَّه وينشط لعبادته بيسر وراحة، قال ﵊: ((ما ملأ ابن آدم وعاءً شرًّا من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محاله فثلث لطعامه، وتلث لشرابه، وثلث لنفسه)). ونبالغ- أحيانًا- في اتباع ذلك لكميات من المشروبات، فتجتمع كلُّها في المعدة فتتعب في هضمها، ويطير منها ما يطير إلى الدماغ فيثقله عن التفكير ويسلمه للكسل والخمول، وإلى القلب فيقسيه. ومع ما في هذا الإسراف- في المطعم والمشرب- من أضرار، فالمصيبة أعظم حين يتجاوز المسلم في أكله وشربه الحلال إلى الحرام، ((وكل جسد نبت من سحت فالنار أولى به)) (١). ونسرف في الملبس حين نبالغ في جمع كمية من الملابس نلبس بعضها ولا نحتاج لبعضها الآخر، ولئن لم يسلم الرجال من الإسراف في الملبس، فالأمر عند النساء أعظم وأخطر، وبعضهن مشغوفة بكل موضة جديدة، وعلى علم بأحدث الموديلات الوافدة. ومحلات عرض الأزياء نموذج للإسراف في حياتنا، واعتقاد بعض النساء بضرورة الجديد الذي لم يُر من قبل لكل مناسبة- لا أساس له في

стр. 1400

الشرع، ولا مكان له في العقل؟ وقع ذلك فالإسراف في تجاوز الحلال إلى الحوام في الملبس أدهى وأمر- وهو في حقّ الرجال والنساء- فإسبال الثياب، والتختم بالذهب، ولباس ثياب الشهرة، كلُّ ذلك منهيّ عنه في حق الرجال. وفي حقِّ النساء ما وصف أو شفّ، وما شابهت المرأة فيه الرجال، أو قلدت به أهل الكفر والضلال. عباد الله ونُسرف- أحيانا في اتخاذ الزينة وتجميع الأثاث فنتخذ من التحف أغلاها، وتمتلئ بها أركان البيوت، ونظل نكدِّس من الأثاث والفُرُش ما نحتاج وما لا نحتاج. وقد لا يمضي عليها طويل وقت حتى نملَّ منها ونفكر في تغييرها، ولدى البعض نزعة موسمية لتغيير الأثاث ما أنزل الله بها من سلطان- فآلات التبريد، أو غرف النوم، أو نوع المفروشات تغير لا لفسادها وعدم صلاحها .. بل لتقادمها، والحاجة إلى التجديد فيها .. ﴿إنه لا يحب المسرفين﴾. والمصيبة أعظم حين يدخل الحرام في الزينة، فتُستخدم آنية الذهب والفضة، أو ما يطلى بشيء منهما في الأواني المستخدمة في بيوتنا ويكفينا أن نتذكر سويًّا قوله ﷺ ((الذي يأكل أو يشرب في إناء الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم)) (١). قال العلماء: والنهي يعمُّ ما كان من الذهب والفضة، وما كان مطليًّا بشيء منها (٢). إخوة الإسلام! إسرافنا في الماء ظاهر حين نستنزف كميات من الماء تفوق

стр. 1401

حاجتنا، ولا نتواصى في الاقتصاد من الماء قدر ما يكفينا، ولربما كانت رقابتنا للبشر وخوفنا منهم أشدَّ من رقابتنا لله حين طغى الإسراف في حياتنا. ومع ذلك فثمة إسراف في الماء قد يغيب عن أذهان البعض منّا، وتضافرت مدونات العلماء على تجليته لنا، إنه الإسراف في الوضوء والطهارة. وقد عقد الترمذي- يرحمه الله- في سننه بابا في كراهية الإسراف في الوضوء (١). وفي سنن ابن ماجه ((باب ما جاء في القصد في الوضوء وكراهية التعدي فيه)) وبه ساق حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فسأله عن الوضوء، فأراه ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال: ((هذا الوضوء، فمن زاد على هذا، فقد أساء أو تعدى أو ظلم)) (٢) حسنه ابن حجر وقال: ولكن عدَّه مسلم في جملة ما أنكر على عمرو بن شعيب لأن ظاهرها ذمُّ النقص من الثلاث، وأجيب. بأنه أمر سماوي والإساءة تتعلق بالنقص، والظلم بالزيادة. وقيل: فيه حذف تقديره (من نقص من واحدة) ويؤيده ما رواه نعيم بن حماد من طريق المطلب بن حنطب مرفوعًا: ((الوضوء مرة ومرتين وثلاثا، فإن نقص من واحدة أو زاد على ثلاث فقد أخطأ)) (٣). وقال البخاري- في صحيحه- في كتاب الوضوء: وكره أهل العلم الإسراف فيه وأن يُجاوز فعل النبي ﷺ (٤).

стр. 1402

وعد العلماء الإسراف في الوضوء من (الوسوسة) المنهي عنها، ومن (مصايد الشيطان) للإنسان، وساق ابن القيم يرحمه الله في فصل (الإسراف في الوضوء والغسل) أكثر من حديث في ذلك، فليراجعه من شاء (١). يا أخا الإيمان! ناهيك عن الإسراف في الشهوة، وتفريغ الطاقة في غير موضعها التي أمر الله بها، سواء كان ذلك عن طريق الزنا، أو اللواط .. عافانا الله والمسلمين من أسباب الردى، ومن صفات المؤمنين أنهم ﴿لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين * فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون﴾ (٢). وليس يخفاك مصير قوم لوط، وقد سمى الله جُرمهم إسرافًا، كما في قوله تعالى: ﴿أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين * إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون﴾ (٣). ونهى الله عن (الزنا) واعتبره ﴿فاحشة وساء سبيلا﴾ (٤). أيها المسلمون! ثمة إسراف عند فئة من الناس يحسن التنبيه عليه، إنه الإسراف في العزاء، حين يتكلف أهل الميِّت بإقامة الولائم للمعزين وربما خصوا اليوم الأول أو الثالث، أو الرابع، أو في الأربعين .. وكلُّ ذلك بدع منكرة لا أصل لها في شريعة الإسلام. قال جرير بن عبد الله البجلي ﵁: ((كنا نعدُّ الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة

стр. 1403

الطعام بعد الدفن من النياحة)) (١). والسُّنة أن يُصنع لأهل الميت طعامًا، لانشغالهم بميتهم، وليس العكس، فعليكم بالسنَّة واحذروا البدعة يرحمكم الله. ألا فالتزموا شرع الله- معاشر المسلمين- ودعوا الإسراف والمخيلة والبدع المنكرة ﴿وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إن الله لا يحب المسرفين﴾ كذا أمر ربُّكم، وحذركم من الإسراف وعواقبه في الدنيا والآخرة، فقال جلّ قائلًا عليمًا: ﴿وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى﴾ (٢). وقال ﵊: «كلوا وتصدقوا، والبسوا في غير سرفٍ ولا مخيلة» (٣). نفعني الله وإياكم.

стр. 1404

الخطبة الثانية: الحمد لله رب العالمين يقص الحقَّ وهو خير الفاصلين، أحمده تعالى وأشكره، وأثني عليه الخير كلَّه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخيرته من خلقه، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر النبيين. إخوة الإسلام! إذا كان لدينا إسراف حسي، فلدينا إسراف معنوي، وهو لا يقل عن سابقه خطرًا .. ومن مظاهر إسرافنا المعنوي، الإسراف في الحديث، والإسراف في الصمت. أما إسرافنا في الحديث فيتمثل في كثرة الحديث فيما لا يعنينا ((ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه». وفي الرغبة في الحديث بكل ما نسمع «وكفى بالمرء كذبًا أن يحدث لكل ما سمع» (١). وفي رواية أبي داود والحاكم «كفى بالمرء إثمًا أن يحدث بكل ما سمع» (٢). ونتساهل في رواية الأخبار، وبضاعاتنا: (يقولون) أو (زعموا) «وبئس مطية الرجل زعموا» كما قال ﵊ بسند صحيح (٣). والمصيبة أدهى حين يكون حديثنا غيبة أو نميمة أو سخرية، أو ظلمًا وعدوانًا، أو منكرًا وزورًا، أو كذبًا. وليست تخفى آيات القرآن، ونصوص السنة، نهيًا وتحذيرًا عن كل هذا.

стр. 1405

ونسرف في الصمت حين يقل ذكر الله على ألسنتنا، ويندر تعطير أفواهنا بكتاب ربِّنا، نرى المنكر ونغتاظ له، فلا ننكره بألسنتنا مع قدرتنا على ذلك، ونحبَّ المعروف ولا نأمر به مع قدرتنا عليه، ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾. وقد عقد ابن القيم يرحمه الله فصلًا في (الهدي) فيما يكره من الألفاظ مثل: زعموا، وذكروا، وقالوا .. ونحوه. تم عقد فصلًا آخر حذَّر فيه كلَّ الحذر من طغيان «أنا» و «لي» و «عندي» فإن هذه الألفاظ الثلاث ابتُلي بها: إبليس، وفرعون، وقارون، كما ورد في كتاب الله ﴿أنا خير منه﴾ و ﴿لي ملك مصر﴾ و ﴿إنما أوتيته على علم عندي﴾. ثم قال: وأحسن ما وضعت له ((أنا)) قول العبد: أنا العبد المذنب المخطئ المستغفر ... ، و ((لي)) في قوله: لي الذنب ولي المسكنة ونحوه، و ((عندي)) في قوله: اغفر لي جدي وهزلي وخطئي وعمدي وكلُّ ذلك عندي (١). أيها المسلمون! نسرف في المدح أحيانًا ونزيد في الثناء بما هو واقع وغير واقع، ونقطع أعناق من نمدح من حيث نشعر أو لا نشعر، ويسري المدح فينا إلى درجة تنسينا أخطاءنا، ولربما اتهمنا من اقتصد في الثناء علينا، وأنّى لنا أن نجترئ على رمي الحجارة في وجوه المدَّاحين، أو قطع النول عنهم، كما أرشدنا إلى ذلك ديننا، وجاء الهدي عن نبينا ﷺ : ((إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب)) (٢). قال ابن الأثير في النهاية ١/ ٣٣٩ - المعنى: أي ارموا، يقال حثا، يحثو، حثوًا
следующие страницы →