← Джавами‘

Джавами‘ · id 20948

شعاع من المحراب

سليمان بن حمد العودة

Полный текст (3 545 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

حاجتنا، ولا نتواصى في الاقتصاد من الماء قدر ما يكفينا، ولربما كانت رقابتنا للبشر وخوفنا منهم أشدَّ من رقابتنا لله حين طغى الإسراف في حياتنا. ومع ذلك فثمة إسراف في الماء قد يغيب عن أذهان البعض منّا، وتضافرت مدونات العلماء على تجليته لنا، إنه الإسراف في الوضوء والطهارة. وقد عقد الترمذي- يرحمه الله- في سننه بابا في كراهية الإسراف في الوضوء (١). وفي سنن ابن ماجه ((باب ما جاء في القصد في الوضوء وكراهية التعدي فيه)) وبه ساق حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فسأله عن الوضوء، فأراه ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال: ((هذا الوضوء، فمن زاد على هذا، فقد أساء أو تعدى أو ظلم)) (٢) حسنه ابن حجر وقال: ولكن عدَّه مسلم في جملة ما أنكر على عمرو بن شعيب لأن ظاهرها ذمُّ النقص من الثلاث، وأجيب. بأنه أمر سماوي والإساءة تتعلق بالنقص، والظلم بالزيادة. وقيل: فيه حذف تقديره (من نقص من واحدة) ويؤيده ما رواه نعيم بن حماد من طريق المطلب بن حنطب مرفوعًا: ((الوضوء مرة ومرتين وثلاثا، فإن نقص من واحدة أو زاد على ثلاث فقد أخطأ)) (٣). وقال البخاري- في صحيحه- في كتاب الوضوء: وكره أهل العلم الإسراف فيه وأن يُجاوز فعل النبي ﷺ (٤).

стр. 1402

وعد العلماء الإسراف في الوضوء من (الوسوسة) المنهي عنها، ومن (مصايد الشيطان) للإنسان، وساق ابن القيم يرحمه الله في فصل (الإسراف في الوضوء والغسل) أكثر من حديث في ذلك، فليراجعه من شاء (١). يا أخا الإيمان! ناهيك عن الإسراف في الشهوة، وتفريغ الطاقة في غير موضعها التي أمر الله بها، سواء كان ذلك عن طريق الزنا، أو اللواط .. عافانا الله والمسلمين من أسباب الردى، ومن صفات المؤمنين أنهم ﴿لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين * فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون﴾ (٢). وليس يخفاك مصير قوم لوط، وقد سمى الله جُرمهم إسرافًا، كما في قوله تعالى: ﴿أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين * إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون﴾ (٣). ونهى الله عن (الزنا) واعتبره ﴿فاحشة وساء سبيلا﴾ (٤). أيها المسلمون! ثمة إسراف عند فئة من الناس يحسن التنبيه عليه، إنه الإسراف في العزاء، حين يتكلف أهل الميِّت بإقامة الولائم للمعزين وربما خصوا اليوم الأول أو الثالث، أو الرابع، أو في الأربعين .. وكلُّ ذلك بدع منكرة لا أصل لها في شريعة الإسلام. قال جرير بن عبد الله البجلي ﵁: ((كنا نعدُّ الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة

стр. 1403

الطعام بعد الدفن من النياحة)) (١). والسُّنة أن يُصنع لأهل الميت طعامًا، لانشغالهم بميتهم، وليس العكس، فعليكم بالسنَّة واحذروا البدعة يرحمكم الله. ألا فالتزموا شرع الله- معاشر المسلمين- ودعوا الإسراف والمخيلة والبدع المنكرة ﴿وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إن الله لا يحب المسرفين﴾ كذا أمر ربُّكم، وحذركم من الإسراف وعواقبه في الدنيا والآخرة، فقال جلّ قائلًا عليمًا: ﴿وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى﴾ (٢). وقال ﵊: «كلوا وتصدقوا، والبسوا في غير سرفٍ ولا مخيلة» (٣). نفعني الله وإياكم.

стр. 1404

الخطبة الثانية: الحمد لله رب العالمين يقص الحقَّ وهو خير الفاصلين، أحمده تعالى وأشكره، وأثني عليه الخير كلَّه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخيرته من خلقه، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر النبيين. إخوة الإسلام! إذا كان لدينا إسراف حسي، فلدينا إسراف معنوي، وهو لا يقل عن سابقه خطرًا .. ومن مظاهر إسرافنا المعنوي، الإسراف في الحديث، والإسراف في الصمت. أما إسرافنا في الحديث فيتمثل في كثرة الحديث فيما لا يعنينا ((ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه». وفي الرغبة في الحديث بكل ما نسمع «وكفى بالمرء كذبًا أن يحدث لكل ما سمع» (١). وفي رواية أبي داود والحاكم «كفى بالمرء إثمًا أن يحدث بكل ما سمع» (٢). ونتساهل في رواية الأخبار، وبضاعاتنا: (يقولون) أو (زعموا) «وبئس مطية الرجل زعموا» كما قال ﵊ بسند صحيح (٣). والمصيبة أدهى حين يكون حديثنا غيبة أو نميمة أو سخرية، أو ظلمًا وعدوانًا، أو منكرًا وزورًا، أو كذبًا. وليست تخفى آيات القرآن، ونصوص السنة، نهيًا وتحذيرًا عن كل هذا.

стр. 1405

ونسرف في الصمت حين يقل ذكر الله على ألسنتنا، ويندر تعطير أفواهنا بكتاب ربِّنا، نرى المنكر ونغتاظ له، فلا ننكره بألسنتنا مع قدرتنا على ذلك، ونحبَّ المعروف ولا نأمر به مع قدرتنا عليه، ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾. وقد عقد ابن القيم يرحمه الله فصلًا في (الهدي) فيما يكره من الألفاظ مثل: زعموا، وذكروا، وقالوا .. ونحوه. تم عقد فصلًا آخر حذَّر فيه كلَّ الحذر من طغيان «أنا» و «لي» و «عندي» فإن هذه الألفاظ الثلاث ابتُلي بها: إبليس، وفرعون، وقارون، كما ورد في كتاب الله ﴿أنا خير منه﴾ و ﴿لي ملك مصر﴾ و ﴿إنما أوتيته على علم عندي﴾. ثم قال: وأحسن ما وضعت له ((أنا)) قول العبد: أنا العبد المذنب المخطئ المستغفر ... ، و ((لي)) في قوله: لي الذنب ولي المسكنة ونحوه، و ((عندي)) في قوله: اغفر لي جدي وهزلي وخطئي وعمدي وكلُّ ذلك عندي (١). أيها المسلمون! نسرف في المدح أحيانًا ونزيد في الثناء بما هو واقع وغير واقع، ونقطع أعناق من نمدح من حيث نشعر أو لا نشعر، ويسري المدح فينا إلى درجة تنسينا أخطاءنا، ولربما اتهمنا من اقتصد في الثناء علينا، وأنّى لنا أن نجترئ على رمي الحجارة في وجوه المدَّاحين، أو قطع النول عنهم، كما أرشدنا إلى ذلك ديننا، وجاء الهدي عن نبينا ﷺ : ((إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب)) (٢). قال ابن الأثير في النهاية ١/ ٣٣٩ - المعنى: أي ارموا، يقال حثا، يحثو، حثوًا

стр. 1406

ويحثي حثيًا يريد به الخيبة، وألا يُعطوا عليه شيئًا، ومنهم من يجريه على ظاهره فيرمي فيها التراب. كما نسرف في الذم أحيانًا إلى درجة نتناسى معها كل فضيلة، ولا نذكر للمذموم أيّ منقبة، وهذا خلاف العدل الذي أرشدنا الله إليه، وهذا خلاف العدل الذي أمرنا الله به في القول مع الأقربين: ﴿وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى﴾ (١) ومع ذوي الشنآن الأبعدين بقوله: ﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾ (٢). إخوة الإيمان! نسرف في إهلاك الأوقات دون فائدة، ولربما مضى الوقت بما فيه مضرة، وهذا إسراف في إهدار الأوقات وسوف نسأل عنه. وكم تشهد بعضُ جلساتنا داخل أو خارج بيوتنا على إهدار قيمة الوقت سدى، والغرم أكبر حين يكون على مشاهدة أو سماع ما حرم الله علينا. يا أخا الإسلام! نسرف في السهر أحيانًا -ودونما فائدة ترتجى- حتى تحمرَّ مقل أعيننا، وتضعف قوانا، وليته كان لتحصيل علمٍ، أو لمصلحة مجتمعنا أو أمتنا المسلمة. ومن أسرف في السهر أسرف في النوم بعده، ولربما فوّت شيئًا من أوقات الصلاة، ومن باب أولى تضييع واجبات أخرى، وكم هو مؤلم أن ترى من يشهدون صلاة الفجر عددًا يسيرًا مقارنًا بالصلوات الأخرى، أو ليس ذلك بسبب الإسراف في السهر ثم الاستغراق والإسراف في النوم، وما أعظم الخطب إذا غزت هذه الظاهرة الأخيار، فتخلف البعض منهم عن الصلاة مع الجماعة، وجاء البعض

стр. 1407

الآخر ثقالًا من السهر والإعياء! يا أخا الإيمان! عدِّد ما شئت من مظاهر الإسراف في حياتنا حِسًّا أو معنى، فليس ذلك حصرًا لها، بقدر ما أردت الإشارة إلى ظاهرة تفشّت بيننا، والمهم: كيف نعالجها؟ وهاك بعض طرق العلاج لا بد -أولا- من الشعور بالمشكلة، ولابد من تهيئة النفوس للخلاص منها. وتقوى الله وطاعته فيما أمر أو نهى سبيل للخلاص من الإسراف والله يقول: ﴿فاتقوا الله وأطيعون * ولا تطيعوا أمر المسرفين * الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون﴾ (١)، كذا قيل لمن ينحتون من الجبال بيوتًا فارهين، ويعيشون في جنات ونعيم، وزروع ونخل طلعها هضيم. ثالثًا: ولابد من اليقين بأن هذا المال مال الله استودعنا إياه، وسيحاسبنا عليه. والذي تكبر وتجبر وطغى وأفسد وخرج على قومه في زينته وقال ﴿إنما أوتيته على علم عندي﴾ خسف الله به الأرض وما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين. رابعًا: ولو استشعر المسرف أنه بإسرافه يشابه الشياطين ويشاكلهم لتوقف في إسرافه، قال تعالى: ﴿إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا﴾ (٢) قال المفسرون: إخوان الشياطين: أي في التبذير والسفه وترك طاعة الله وارتكاب معصيته (٣). خامسا: ولابد من الأخذ على أيدي السفهاء المبذرين للأموال ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما﴾ (٤).

стр. 1408

سادسًا: تقييد النعمة وشكر المنعم يمنع الإسراف، ويزيد النعم ﴿وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد﴾ (١) ﴿اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور﴾ (٢). سابعا: ومما يعينك -يا أخا الإسلام- على الاقتصاد وترك الإسراف تذكرُ حال إخوانك المحتاجين، وهل يطيب لك الإسراف وغيرك يبحث عن الكفاف؟ ثامنا: ولابد من تضافر جهود العلماء والدعاة والخطباء ووسائل الإعلام على مقاومة هذه الظاهرة السلبية. تاسعًا: ولابد من سماع قول الناصحين والبدء بأنفسنا قبل الآخرين.

стр. 1409

من المغتصبون (١) الخطبة الأولى: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارض اللهم عن أصحابه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين: ﴿ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون﴾ (٢). أيها المسلمون! في سبيل تحقيق الذات وانتصار المبادئ والانتقال من الذُّل والعبودية إلى العزة والتمكين، لابد من عقيدة ينطلق المرءُ من تعاليمها، ولابد من قوة تحمي هذه العقيدة وتُهيء الطريق لها، وعلى قدر توفر القوتين الروحية والمادية تكون الغلبة، ويأذن الله بالتمكين ﴿إن تنصروا الله ينصركم﴾ ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة .. ﴾. وعالم اليوم، بل وعالم الأمس، وغدا .. عالم صراع الحضارات بمقوماتها المادية والمعنوية. إذ فهم اليهود والنصارى هذه الحقائق أكثر من فهم المسلمين لها، فأشادوا بناءهم الحضاري المادي على أحدث وسائل العلم والتقنية، ولم ينسوا الاعتماد على كتبهم المقدسة -وإن كانت محرفة- في حربهم للمسلمين.

стр. 1410

فالمصيبة أن يظل المسلمون في سُبات نوم عميق فلا هم في ميدان الحضارة والتقدم المادي حققوا شيئًا يذكر، ولا هم في الجانب الروحي تمسكوا بعقيدتهم الحقة، وانطلقوا من تعاليمها يوالون ويعادون ويتعلمون ويعلمون، ويستعدون للمواجهة في حينها. عباد الله! لقد مرت بالمسلمين فترة خدعهم عدوُّهم حين رسَّخ في أذهان بعض المسلمين أن التمسك بالدين والانتماء للعقيدة سبب في ضعف المسلمين وتأخرهم، وأن العلمنة والتحرر من المبادئ سبيل التقدم والرقي. ومنذ راجت هذه الأفكار، والمسلمون يسيرون في بيداء مهلكة يتمرغون في أوحال الهزيمة، وينتقلون ما بين الذُّل والفرقة، والضعف والقطيعة، وعدوُّهم يسومهم سوء العذاب، يستعمر بلادهم، ويعبث بمقدساتهم، ويتلاعب بمقدراتهم، ويفتعل الحروب، ويذكي الخلاف بينهم. إخوة الإسلام! حتى يظل المسلمون في وهدتهم وضعفهم، عمد الغرب ولا يزال يعمد إلى وصف المسلمين بالتعصب ويشوه -في إعلامه- صورة دينهم، ورُمي بالتطرف والأصولية ونحوها من الألقاب، أبناء الأمة المسلمة. والحقُّ أنهم هم المتعصبون، وهم المتطرفون في أخلاقهم وأفكارهم، هذا ويعترف ساستهم ومفكروهم بهذا التعصب ويقول غوستاف وبون ((لقد تجمعت العقدُ الموروثة، عقدُ التعصب التي ندين بها ضد الإسلام ورجاله، وتراكمت خلال قرون سحيقة حتى أصبحت ضمن تركيبنا العضوي)) (١). أيها المؤمنون! يشهد الواقع المعاصر على تعصب الغرب الكافر وتطرفه،

стр. 1411

وتعترف كاتبة أمريكية بهذا حين تقول: ((إن وزراء الثقافة في المجموعة الأوروبية يتسترون على أكبر جريمة قتل جماعي في أوربا، تقع تحت سمع وبصر الجميع، إن أجهزة التلفزيون تنقل كل ما يحدث بسراييفو لحظة بلحظة، ومع ذلك لم يتحرك أحد لمنع هذه الجريمة التي تقع في أوربا)) (١). ثم تتكرر الشهادة من كاتب أسباني، وهو يعلق على أفعال الصرب الإجرامية بمجاوزة القتل إلى تدمير المكتبات والمساجد فيقول: ((بعد خمسة قرون تقريبًا على حرق المخطوطات العربية الغرناطية في باب الرملة .. تكرر المشهد بشكل أعنف حين حقق الصربُ أحلام انتقام أسلافهم بإحراق (٥٢٠٣) مخطوطة عربية وتركية وفارسية تبخرت إلى الأبد، هذا الكنز الذي تمَّ تدميره بهذه الطريقة البشعة يضم أعمالًا في التاريخ والجغرافيا والرحلات والفقه والفلسفة والعلوم الطبيعية .. إلى أن يقول: اليوم لا يبقى من المكتبة إلا حيطانها الخارجية، وفي الحقيقة فإن تلك الجريمة يمكن وصفها بدقة بأنها (اغتيال للذاكرة)؛ لأن المطلوب هو إزالة أي أثرٍ إسلامي من أرض صربيا الكبرى)) انتهى (٢). هكذا يعترف أبناء الغرب على تعصب قومهم وتطرفهم ضد المسلمين. إخوة الإسلام! من يمعن النظر في تصريحات اليهود والنصارى يجد المنطلقات العقائدية حاضرة في أذهانهم، يرى البعد الديني واضحًا في سياستهم، وإليكم هذا التصريح من (مجلس حكماء التوراة) وقد جاء فيه: ((إن العالم ما خلق إلا من أجل إسرائيل، وواجب إسرائيل ومصدر جدارتها أن تعمل بالتوراة وتنفذها، والمكان الذي قضى الله بأن تعيش فيه إسرائيل وتحقق

стр. 1412

التوراة هو أرض إسرائيل، وهذا يعني أن مبرر وجود العالم واستمرار لقائه هو إقامة النظام التوراتي على أرض إسرائيل)) (١). أيها المسلمون! تقوم العلاقة بين الغرب النصراني واليهود في إسرائيل على جذور تاريخية، ومنطلقات عقائدية، وهذا سرُّ الدعم اللامحدود من قبل الدول الكبرى لإسرائيل، ودونكم الحقيقة بجلاء يُصرح بها أحد قادة أمريكا السابقين يقول الرئيس الأمريكي جيمي كارتر أمام الكنيست الإسرائيلي عام ١٩٧٩ م: ((إن علاقة أمريكا بإسرائيل أكثر من مجرد علاقة خاصة، لقد كانت ولا تزال علاقة فريدة، وهي علاقة لا يمكن تقويضها؛ لأنها متصلة في وجدان وأخلاق وديانة ومعتقدات الشعب الأمريكي نفسه)). وفي خطاب آخر قال كارتر: ((إن إنشاء دولة إسرائيل هو إنجاز النبوءة التوراتية وجوهره)) (٢). ثم يكشف مستشار كارتر للأمن القومي (بريجنسكي) الحقيقة للعرب المخدوعين بأمريكا ويقول: ((إن على العرب أن يفهموا أن العلاقات الأمريكية الإسرائيلية لا يمكن أن تكون متوازنة مع العلاقات الأمريكية العربية؛ لأن العلاقات الأمريكية الإسرائيلية علاقات حميمة مبنية على التراث التاريخي الروحي .. )). فهل يا تُرى يقرأ العرب والمسلمون هذه التصريحات ويفقهوا ما وراءها؟ إن القادة أو المفكرين أو الإعلاميين من العرب والمسلمين الذين يصورون لأمتهم الغرب بغير هذه الصورة الواضحة بشهاداتهم هم ظالمون لأنفسهم،

стр. 1413

ومضللون لأمتهم، وهم عناصر تعويق سبيل تقدم أمتهم ووعيها بحقيقة الصراع مع أعدائهم، ومؤلم أن يتقي الغربُ بهم ويُصدِّر أفكاره العلمانية عن طريقهم! ! ومؤلم أكثر أن يتكئ الغرب في صراعه مع العرب والمسلمين على كتب مقدسة -في زعمهم- والواقع أنها قد عبثت بها أيدي التحريف والتغيير. ويظل أهل القرآن -وهو الكتاب الحق- بمنأى عن تعاليمه .. ولربما حُرموا الحكم بشرعه، ولم يهتدوا للانطلاق منه، ومما صحَّ من سنة محمد ﷺ ، وتلك وربي ضمانة الإيمان وشرطُه. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾ (١)

стр. 1414

الخطبة الثانية: الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله إمام المتقين وسيد ولد آدم أجمعين، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. عباد الله! لا يقف تعصب اليهود والنصارى لعقائدهم المحرفة عند حدود التصريحات المجردة، بل جاوزوه إلى العمل بما يعتقدون، وسأسوق لكم نماذج لجماعات أصولية متطرفة، تتخذ من أمريكا وإسرائيل مقرًّا لها، وربما امتدت فروعها في دول أخرى، ومن عجبٍ أن تلقى هذه الجماعات الأصولية المتعصبة دعمًا ومساندة لها من الدول التي توجد فيها: ١ - فهناك منظمة السفارة المسيحية الدولية، وهي منظمة صهيونية مسيحية، أُعلن تأسيسها في مدينة القدس المحتلة عام ثمانين وتسعمائة وألف للميلاد، وبحضور أكثر من ألف رجل دين نصراني، يمثلون ثلاثًا وعشرين دولة، وبحضور عدد من كبار المسئولين الإسرائيليين، وقد افتتحت لها فروعًا في سبع وثلاثين دولة في كل من أوربا الغربية، وأفريقيا، وكندا، واستراليا. أما في الولايات المتحدة وحدها، فقد بلغ عدد فروعها عشرين فرعًا، ويدير هذه الفروع كلَّها أصوليون متعصبون، وقد اختصر مؤسس هذه السفارة ومديرُها أهدافه بقوله: ((إننا صهاينة أكثر من الإسرائيليين أنفسهم، وإن القدس هي المدينة الوحيدة التي تحظى باهتمام الله، وأن الله قد أعطى هذه الأرض لإسرائيل إلى الأبد)) (١). وتهدف هذه المنظمة النصرانية -كما جاء في منشورها- إلى تحقيق الراحة لبني

стр. 1415

صهيون، ولها مشاريع وأنشطة لخدمة إسرائيل في المنطقة- لا يتسع المقام لتفصيلها (١). ٢ - المائدة المستديرة الدينية، وهي منظمة نصرانية أخرى داعمة لإسرائيل، وأبرز نشاطاتها حفلات الإفطار السنوية التي تقيمها للصلاة من أجل إسرائيل، ودعم سياستها وأغراضها، ودرجت على إصدار بيان عقب الصلاة تُبارك فيه إسرائيل باسم ما يزيد على خمسين مليون نصراني يؤمنون بالتوراة في الولايات المتحدة الأمريكية (٢). ٣ - مؤسسة جبل المعبد، وهي منظمة صهيونية نصرانية، تتخذ من لوس أنجلوس مقرٍّ لها، وتتركز أهدافها على إنشاء المعبد في القدس وإقامة هيكل سليمان المزعوم؟ وقد دافعت هذه المنظمة المتطرفة عن المعتقلين الإسرائيليين المتطرفين، الذين قاموا بتخريب وإتلاف أجزاء من المسجد الأقصى عام ثلاثة وثمانين وتسعمائة وألف، وتتحدث كاتبة أمريكية عن الخطط اليهودية والنصرانية الأصولية لتدمير المسجد الأقصى وبناء المعبد اليهودي فتقول: إن الزائر لمدينة القدس يسمع المتطرفين من اليهود وهم يتحدثون بصراحة وعلانية عن خططهم لهدم المسجد وبناء هيكل سليمان مكانه ... ثم تقول على لسان عالم آثار أمريكي يعيش في القدس: ويوجد مسيحيون متعصبون يشاركون اليهود القول بهدم المسجد الأقصى، كما شكل الصهاينة من

стр. 1416

المسيحيين واليهود مؤسسة هدفها بناء الهيكل على أنقاض المسجد الأقصى - كما يقول الكتاب (١). إخوة الإسلام! هناك منظمات وجماعات أصولية متطرفة أخرى، وأكتفي بذكر مسمياتها، ولعلها تشعر بأهدافها. ٤ - هناك مؤتمر القيادة المسيحية الوطنية لأجل إسرائيل. ٥ - مسيحيون متحدون من أجل إسرائيل. ٦ - المصرف المسيحي الإسرائيلي لأجل إسرائيل. ٧ - وهناك غيرها، وهذه المنظمات النصرانية المساندة لليهود تتخذ من ولايات أمريكا مقرًّا لها ومركزًا لمناشطها، وهي تلقى كل دعم وتأييد من الساسة، حتى وجدت منظمة باسم منظمة الكونجرس المسيحي الوطني (٢). وهذا كله يفسر سر العلاقة والدعم من دول الغرب عامة، وأمريكا خاصة لسياسة إسرائيل التوسعية في المنطقة، فأين يكون التعصب؟ ومن هم المتعصبون والمتطرفون حقًّا؟ إن من المؤسف أن تغيب عن أذهان المسلمين هذه الأنماط الأصولية المتطرفة من اليهود والنصارى في بلاد الغرب، ثم يحاول الغرب الماكر أن يتناسى هذه الجماعات المؤثرة ويتهمنا نحن المسلمين بالتعصب والتطرف، ليرمينا بدائه ثم ينسل، والمؤسف أكثر أن يستجيب لهذه التهم المفتعلة بعض أبناء جلدتنا، وتسير بها بعض وسائل إعلامنا، ونشارك من حيث نشعر أو لا نشعر في التستر على أصوليتهم المنحرفة وجماعاتهم المتطرفة، ونكون

стр. 1417

مع أعدائنا على أبناء عمومتنا وجيراننا، بدل أن نكون معهم على عدوهم وعدونا. إخوة الإيمان! لعلنا بهذه الإشارات الموجزة ندرك مواقع الأصولية والتطرف، وندرك كذلك منشأ المصطلحات وكيف تصدر، وقد وُفق الشيخ الدكتور بكر أبو زيد -حفظه الله- وأجاد في حديثه عن الأصولي والأصولية، ومما قاله: فهذا اللقب (أصولي) أصيل في مبناه طريٌّ في معناه، بل فاسد تسربل هذا المبنى حتى يسهلَ احتضانه والارتماء في حبائله. لكن ماذا تحمل من معنى في محلها الذي ولدت فيه (أمريكا)؟ إنها تعني ديانة نصرانية كهنوتية ترفض كلَّ مظهر من مظاهر الحياة وتراه خروجًا على الدين. ولهذا فإن النصارى ومن في ركابهم من أمم الكفر في عدائهم العريق لملة الإسلام سحبوا هذا اللقب على كل مسلم مرتبط بدينه الإسلام: قولًا، وعملًا واعتقادًا فسربلوه بهذا اللقب الأصولي، وما يتبناه هو (الأصولية). ثم قال: ولهذا فكم رأينا من أغمار استملحوه فأطلقوه وامتحنوا الأمة به، ثم أوجد الحداثيون في عصرنا ألقابًا أخرى في هذا المعنى لمن تمسك بالإسلام، منها: الماضوية، التاريخانية، الأممية. ثم نقل الشيخ كلامًا جميلًا آخر لفضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: ومصطلح الأصولية وكيف خدمت وكالات الأنباء العالمية مخططات الأعداء بترويج نداء المصطلح على المتمسكين بالإسلام، وكيف وقع بعض الإعلاميين في مصيدة الأعداء إما عن جهل بمقاصد أصحابها، أو لغرض في نفوسهم .. الخ كلامه. هكذا نقل الشيخ (١).

стр. 1418

اللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، اللهم أظهر الهدى ودين الحق الذي بعثت به نبيك على الدين كله ولوه كره الكافرون والمنافقون.

стр. 1419

هل من مدَّكِر (١)؟ الخطبة الأولى: الحمد لله رب العالمين، جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكَّر أو أراد شكورًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له قضى أجلًا وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أوحى إليه ربُّه ﴿وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون * كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون﴾ (٢). اللهم صلِّ وسلم علية وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارض اللهم عن أصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. فأما بعد: فاتقوا الله أيها المؤمنون لعلكم تفلحون ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم﴾ (٣). ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور﴾ (٤). أيها المسلمون! يتعاقب الليل والنهار، ويجيء العام بعد العام، وتتعاقب الأجيال إثر الأجيال، وتفنى أمم وتنشأ دول، واندثرت في غابر الزمن حضارات، والوليد منها الآن في طريقها إلى الزوال، وهكذا الحياة والأحياء لا يدوم لها ولهم

стр. 1420

حالٌ على شأن، وصدق الله إذ يقول: ﴿كل من عليها فان * ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ (١). سبيل الخلق كلِّهم الفناء ... فما أحد يدوم له البقاء يقربنا الصباح إلى المنايا ... ويدنينا إليهن المساء فلا تركب هواك وكن مُعَدًّا ... فليس مقدَّرًا لك ما تشاء يقول الربيع بن برَّة: عجبت للخلائق كيف ذهلوا عن أمرٍ حقٍّ تراه عيونهم، تشهد عليهم معاقد قلوبهم إيمانًا وتصديقًا بما جاء به المرسلون، ثم ها هم في غفلة عنه سكارى يلعبون! . ثم يقول: وايم الله ما تلك الغفلة إلا رحمة من الله لهم ونعمةً منَّ الله عليهم، ولولا ذلك لأُلفي المؤمنون طائشة عقولهم طائرة أفئدتهم، منخلعة قلوبهم، لا ينتفعون مع ذكر الموت بعيش أبدًا (٢). ابن آدم إنما أنت جثة منتنة طيّب نسيمك ما ركب فيك من روح الحياة، ولو قد نزع منك روحك ألفيت نفسك جثة ملقاة منتنة وجسدًا خاويا، ومهما تطاولت فلن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا، أتراه عمَّر من قبلك، أم كانوا أحاديث وعبرة للمعتبرين ﴿فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور﴾ (٣). تُرى ما قيمة الحياة في نظرك؟ أيكفي أن تعيش نهارك هائمًا على وجهك بلا هدف نبيل، وتقضي ليلك نائمًا دون ذكر وتفكر في ساعة الرحيل؟ إنها عيش

стр. 1421

البهائم، وحلية غير المؤمنين، ﴿والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم﴾ (١). لقد خلق الله الحياة والموت لغاية سامية عرفها المؤمنون، فسعوا للآخرة سعيها، ولم ينسوا نصيبهم من الدنيا، حسَّنوا أعمالهم لملاقاة ربِّهم، واستوقفتهم توجيهات القرآن ﴿الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور﴾ (٢). أيها المسلمون! بالأمس القريب بدأت ورقة تقويم جديد، وقبله انتهت آخر ورقة في التقويم القديم، أفلا يذكرك ذلك بقيمة الحياة وسرعة الزمان .. وأمدُ الحياة الدنيا مهما طال في نظرك فهو في حساب الله قليل ﴿وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون﴾ ولئن غفل الإنسان عن هذه الحقيقة في الدنيا فهو متذكر ذلك لا محالة يوم يلقى الله ﴿ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين﴾ (٣). ﴿كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها﴾ (٤). إنها نهاية شهر ذي الحجة وبداية شهر الله المحرم تعني انقضاء ثلاثمائة وستين يوما، وتعني مرور ما يزيد على ثمانية آلاف ساعة؟ ! . ترى أيها المسلم! كم أفاء الله عليك -خلال هذه المدة- من نعمة؟ وكم دفع عنك من نقمة؟ كم فتنة وقعت من حولك ووقاك الله شرها؟ ﴿أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم

стр. 1422

يذكرون﴾ (١). فهلا تبت وتذكرت كم مصيبة حلت بنا بما كسبت أيدينا؟ وكم عفى الله وتجاوز عنا؟ ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير﴾ (٢). فهل آمنا وصبرنا واحتسبنا؟ . عباد الله! إن شأن الناس في الدنيا عجيب يلهون ويلعبون والكرام الكاتبون لهم حافظون يعلمون ما يفعلون، وينسون وكلُّ ذرة من أعمالهم محسوبة، وسوف يسألون ﴿يوم يبعثهم الله جميعا فينبؤهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه والله على كل شيء شهيد﴾ (٣). تُرى يا عبد الله! أيغيب عن ربِّك أعمالٌ استحييت أن يراها الناس؟ فتواريت عن أعينهم في عام مضى، وستر الله عليك في هذه الحياة أتراك تتمادى هذا العام؟ أم تتوب إلى الله وأنت تُدرك أنه غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب؟ أفلا تخشى الفضيحة على رءوس الأشهاد، حين يتخلى عنك القريب، وتشهد عليك الجوارح ﴿اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون﴾ (٤). فيا أخا الإسلام! إياك والغفلة عما أمامك من أهوال يوم القيامة، فذاك يوم يشيب له الولدان، وتضع الحوامل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد، وإياك والاغترار بهذه الحياة، ومجالسة من يؤمنونك دائمًا وإن كنت على شفير يكاد ينهار، واستمسك بصحبة الأخيار وإن ذكروك المصائب

стр. 1423

والأهوال، قيل للحسن: يا أبا سعيد كيف نصنع نجالس أقوامًا يخوفوننا حتى تكاد قلوبنا تطير؟ فقال: والله إنك إن تخالط أقوامًا يخوفونك حتى يدركك أمن، خير من أن تصحب أقوامًا يؤمنونك حتى يدركك الخوف (١). يا أخا الإيمان! لا يغرنك الشباب والصحة والأمان، فقد يفجأك ما ليس في الحسبان، قال عبد الله بن شُميط: سمعت أبي يقول: أيها المغترُّ بطول صحته! أما رأيت ميتًا قطُّ من غير سقم؟ أيها المغترُّ بطول المهلة أما رأيت مأخوذًا قطُّ غِرّة؟ أبالصحة تغترون؟ أم بطول الأمل تأمنون؟ أم على ملك الموت تجترءون؟ (٢). إن من السفه والخسران المبين أن ينسى المرء لقاء ربِّه، ويرضى بالحياة الدنيا ويطمئن إليها ﴿إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون * أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون﴾ (٣). عباد الله .. من الاتعاظ بالزمن أن تهذب المرء التجارب، وتقوِّم عوجه الأيام، وهل المصائب والنوازل إلا دروس يتعلم منها الجاهل، ويصحو الذاهل، ويتوب إلى الله من نأى عنه، قال الله تعالى. ﴿ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون * فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون﴾ (٤). وإذا كان من طبيعة البشر أن يعرفوا ربهم ساعة الشدة، ويلجأوا إليه عندما تستحكم الأزمة، فعقلاء البشر هم الذين إذا أصابتهم ضائقة فعطفتهم على الله

стр. 1424

استبقوا هذه الصلة قوية متينة بعدما تزول الضائقة، ويستجدُّ العافية، فإن من الخسَّة جحد فضل الله مظنة الاستغناء عنه، وهاكم نموذجًا لسيرة طائشة لا يليق أن يسلكها امرؤ نبيل مع ولي نعمته، يذكِّرنا بها القرآن ويصف الله أصحابها بالإسراف فيقول: ﴿وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون﴾ (١). وبعد يا أخا الإسلام! إذا اختلت الموازين فما أحراك أن تعلم الميزان الحقَّ فتزن به، وتحاسب نفسك عليه، والحقُّ ﵎ يقول: ﴿وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون * أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو يوم القيامة من المحضرين﴾ (٢). نفعني الله وإياكم بهدي القرآن، ووفقنا لاتباع سنة خير الأنام، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 1425

الخطبة الثانية: الحمد لله ربِّ العالمين غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقلب الليل والنهار، إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، كان يستغفر الله ويتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة، وهو المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وقام من الليل حتى تفطرت قدماه، ولما قيل له في ذلك قال: ((أفلا أكون عبدًا شكورًا)). اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. يا أخا الإسلام! إني سائلك ونفسي: بم نودع العام المنصرم، وكيف نستقبل العام الجديد؟ . إن مما يليق بالعقلاء، ويفقهه أهل الديانة النبلاء أن يودع العام المنصرم بالتوبة الصادقة من الذنوب. والتوبة أمر ودعوة دعا الله إليها المؤمنين وعلق عليها الفلاح، فكيف بمن دونهم من المسلمين، فقال تعالى: ﴿وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون﴾ (١). ووعد بالقبول عليها فقال: ﴿وهو الذي يقبل التوبة عن عباده﴾ (٢). وإذا علم أن التوبة للجميع فكلّ ابن آدم خطَّاء، وخير الخطائين التوابون، فينبغي أن تعلم كذلك أن التوبة كما تكون من فعل السيئات وارتكاب المحرمات، تكون أيضًا من ترك الحسنات ولم يستزد من الطاعات، وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عمن لا يواظب على السنن الرواتب فأجاب: ((من أصرَّ على تركها دلّ ذلك على

стр. 1426

قلة دينه، ورُدَّت شهادته في مذهب أحمد والشافعي وغيرهما)) (١). وابن تيمية وهو يؤكد هذا المعنى للتوبة يرى أن التوبة من ترك الحسنات المأمور بها أهم من التوبة من فعل السيئات المنهيِّ عنها، ويقول مصححًا لفهم الجهلة ((وليست التوبة من فعل السيئات فقط، كما يظن كثير من الجهال، لا يتصورون التوبة إلا عما يفعله العبد من القبائح كالفواحش والمظالم، بل التوبة من ترك الحسنات المأمور بها أهمُّ من التوبة من فعل السيئات المنهي عنها، فأكثر الخلق يتركون كثيرًا مما أمرهم الله به من أقوال القلوب وأعمالها، وأقوال البدن وأعماله وقد لا يعلمون أن ذلك مما أمروا به أو يعلمون الحقَّ ولا يتبعونه فيكونون إما ضالين بعدم العلم النافع، وإما مغضوبًا عليهم بمعاندة الحقِّ بعد معرفته)) (٢). يا أخا الإيمان! إذا أجمعت التوبة والندم بقلبك على ما فرطت فيه من عمل السيئات أو الزهد من عمل الحسنات، فعوّد لسانك على كثرة الاستغفار فقد صحَّ في الخبر ((من أكثر الاستغفار جعل الله له من كلِّ هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب)) (٣). أيها المسلم .. وكلما تذكرت نعمةً أنعم الله بها عليك في عامك المنصرم فاشكر الله عليها، فالله تعالى يحب الشاكرين ويجزيهم وهو القائل: ﴿وسنجزي الشاكرين﴾ (٤). واعلم أن أعظم نعمة منَّ الله بها عليك نعمة الإسلام والإيمان، وإن تذكرت مصابًا أو حزنًا أو شدة مرت بك وعافاك الله منها فلا تنس فضل الله

стр. 1427

عليك، إذ عافاك واحتسب أجر ما أصابك عند الله .. أيها المسلم الصادق مع نفسه ومع ربِّه، حريّ بك أن تستقبل العام الجديد بهمة نشطة، وعزيمة على الخير صادقة، متحريًا في عملك الإخلاص لربِّك، والمتابعة لسنة نبيك ﷺ ، تذكر وعد الله وغرور الدنيا ﴿ياأيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور﴾، وتنبه لمعركة الشيطان معك وعداوته لك وإياك أن تكون من أصحاب السعير ﴿إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير﴾. جدد حياتك وانس ماضيك السيء، وعاهد نفسك وأشهد ربَّك على فتح صفحة جديدة في الحياة، ملؤها العبودية الحقة لله بلا إفراط ولا تفريط، وخذ من عمل الصالحات ما تطيق، فإن الله لا يملُّ حتى تملَّ، وفي الحديث الآخر: ((خذوا من العبادة ما تطيقون فإن الله لا يسأم حتى تسأموا)) (١). أرِ الله من نفسك خيرًا، وتصور مسيرة الناس على الصراط وقد نُصب على متن جهنم وهو أدق من الشعرة وأحدّ من السيف، والناس فيه يسيرون على قدر أعمالهم فمنهم من هو كالبرق ومنهم كالريح ومنهم كأجاود الخيل، ومنهم من يسرع، ومنهم من يزحف ويحبو، ومنهم من يخردل في النار .. هناك في هذا الموقف لا ينفعك النسب ولا يغني عنك الحسب وتضيع عنك مقامات الدنيا كلُّها، وتبقى كلُّ نفس بما كسبت رهينة، وإليك هذا المشهد من مشاهد القيامة معجلًا لك وصفه في الدنيا للذكرى فتذكره جيدا وأعد للسؤال جوابا يقول تعالى: ﴿فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون * فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون * ومن خفت

стр. 1428

موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون * تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون * ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون * قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين * ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون * قال اخسئوا فيها ولا تكلمون * إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين * فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون * إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون﴾ (١). احذر الفضيحة على رءوس الأشهاد، وإياك أن تكون حيًّا جسديًّا لكن قلبك في عداد الموتى، أترغب أن تكون في مجتمعك عبئًا ثقيلًا؟ أم تراه يليق بك أن تكون في أمتك رقمًا هامشيًّا، افعل الخير لنفسك، وساهم في استصلاح مجتمعك وأمتك، فكّر مليًّا في مدخل مالك ومخرجه، وسائل نفسك عن رعايتك للأمانة التي استرعاك الله إياها من أهل وبنين وجيران ومحتاجين، كيف محافظتك على الواجبات وكيف امتناعك عن المحرمات؟ إلى غير ذلك من أسئلة أنت أدرى بها في محاسبة نفسك، وليكن مما يعينك على ذلك كلِّه ألا يطول أمد الحياة في ذهنك، ((فإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك)) (٢). ولا تتوقف عن العمل الخيِّر والعطاء المثمر حتى تتوقف أنفاسك ويأتيك الموت، ومما يعينك كذلك على مسيرة الخير أن تتبع السيئة بالحسنة تمحها، وفي التنزيل قال ربنا: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين﴾. وهل تعلم أن الحسنة تفك خناق السيئة؟ قال ﵊: ((مثل الذي يعمل السيئات ثم

стр. 1429

يعمل الحسنات كمثل رجلٍ عليه درع ضيقة قد خنقته، فكلما عمل حسنة انتقضت ثم أخرى حتى يخرج إلى الأرض)) (١). ولا شك أن اختيار الرفيق الصالح خيرُ معين على تجاوز هذه الحياة، فالمرء على دين خليله، والمرء مع من أحب، والأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين. أيها المسلمون تلك لمحات سريعة لمحاسبة النفس على مستوى الفرد مع إطلالة العام الجديد، ويتبع بعد ذلك محاسبة على مستوى المجتمع والأمة أرجئ الحديث عنها.

стр. 1430

الشباب والإجازة (١) الخطبة الأولى: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر النبيين وارضَ اللهم عن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. فأما بعد فاتقوا الله أيها الناس، ولا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور: ﴿ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون﴾ (٢). ﴿ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا﴾ (٣). أيها المسلمون! ابتدأت امتحانات الطلبة والطالبات وانتهت أو كادت، وللحديث على أبواب الإجازة أهمية ووقفة، بل وقفات، يسأل فيها عن الأوقات كيف تقضى، وعن الطاقات كيف تُحفظ وتستثمر، وعن الأموال كيف وأين تنفق؟ وكأني بأسئلة تدور في أذهان الكثيرين - أين ستقضى الإجازة؟ وبم يستثمر الوقت؟

стр. 1431

وما الهدف من الرحلة والنزهة؟ وما حجم النفقة المبذولة؟ وما هي الفوائد المرجوّة والمخاطر المتوقعة من الرحلة هنا أو هناك؟ وأبادر الإجابة قبل اكتمال الأسئلة الكثيرة فأقول: لابد أن يتذكر المسلم -بادئ ذي بدء- مسئوليته أمام الله عن عمره فيما أفناه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه، وعن علمه ما عمل به، كذلك صح الخبر عن الصادق المصدوق ﷺ . ولا بد من التذكير بأن المال والسؤدد، والصحة والولد نعمة ومسئولية، فمن رعاها حقَّ رعايتها أفلح وأنجح، ومن أهملها وتخوّض فيها بغير علم وحق ونسي حقَّ الله فيها خاب وخسر، ونسيه الله يوم يلقاه، والجزاء من جنس العمل. قال ﵊: ((يُؤتى بالعبد يوم القيامة فيقول له (ربُّه) ألم أجعل لك سمعًا وبصرًا، ومالًا وولدًا، سخرت لك الأنعام والحرث، وتركتك ترأس وتربع، فكنت تظنُّ أنك ملاقيَّ يومك هذا؟ فيقول: لا، فيقول له: اليوم أنساك كما نسيتني)) (١). يا صاحب الشأن توقف إن كنت عازمًا على شيء يغضب ربَّك، ويا صاحب الأسرة رويدك وسائل نفسك ماذا قدمت لأسرتك من أساليب التربية للخير وطرق الوقاية من الشر .. وليس يخفاك أنك تعيش في عالم تتضارب أمواجه، وكلّ يقدم إليك بضاعته، ومن قديم الزمان يوجد في البضائع ما يشترى بأغلى الأثمان، ومنها ما فيه حتف الإنسان وهلكته ولو عُرض بأبخس الأثمان؟ أيها الآباء والمربون! دوركم كبير ومسئوليتكم عظيمة مع الأبناء، ولئن كانت

стр. 1432

المدرسة -حين الدراسة- تشارككم مسئولية التربية، فها أنتم في الإجازة تنفردون وحدكم في مسئولية أبنائكم، فما أنتم صانعون؟ أيظل الوضع كما كان وتسير الأمور من حسن إلى أحسن ولا يشعر الطالب بفارق التربية بين المنزل والمدرسة، وتظل أوقاته بما ينفع مستثمرة، وسلوكياته منضبطة، أترونه ينكشف الإهمال، ويبدو ضعف المتابعة، وتبدو على الشباب سلوكيات منحرفة، واجتماعات غير معلومة، وسهرات صاخبة، وينكشف لك أن جزءًا كبيرًا من استقامة ابنك وصلاحه يعود الفضل فيه بعد الله إلى مدير مدرسة حليم حازم، ومعلم فهم دوره ومارسه في التربية والتوجيه، ومرشدٍ زاول الإرشاد بكلِّ أمانة وإخلاص فتعرف على مشكلات الطلاب الاجتماعية والخلقية واقترح لها من الحلول ما ظهرت آثاره على الطالب خُلُقًا حميدًا ومستوى دراسيًّا متفوقًا. أيتها الأمهات! أنتن شريك مهمٌّ في التربية، وقد يخفى على الآباء ما يكشفه الأبناء والبنات لكُنَّ، فقدرن مسئوليتكن وكنَّ عونًا للآباء في مسئولياتهم، ولا شك أن دوركن مع البنات أكبر، وأنتن بهنَّ من الآباء ألصق ولأمورهن الخاصة أدرى وأعرف، فعلموهن ما يجهلن وهيئوهنّ للحياة الأسرية القادمة، ورحم الله امرأة أخرجت بنتها للحياة الزوجية بأبهى حُلَّة، وأكبر تجربة، وأكرم تربية، لا تُعاب في عملها، ولا مطعن عليها في دينها وخلقها، ولا ينفر الآخرون من سوء أدبها وتعاملها، وإذا خُشي على الأبناء من صاحب السوء، ونافخ الكير، ومجموعة الشلل الضائعة، ورؤية المشاهد المحرمة - كانت الخشية على الفتيات من الأفكار المعلبة المصدرة، والصور الخليعة الفاضحة، والمكالمة الهاتفية المثيرة، والصوت الغنائي الماجن، وهواجس النفس المتخيلة، والخروج للأسواق بلا حاجة .. إلى غير ذلك من أمور قد تزيد فيها الفتاة على الفتيان نظرًا لكثرة الفراغ عندها.

стр. 1433

عباد الله! قد اعتاد بعضُ الناس على السفر في الإجازة لصلة قريب، أو زيارة صديق، أو زيارة الرحاب الطاهرة، وأداء مناسك العمرة، أو للمتعة البريئة والراحة، وتجديد طاقة النفس بعد كلالها، والسير في مناكب الأرض، والتفكير في مخلوقات الله فيها. وكل ذلك مشروع ومرغوب .. ولكن الذين عليهم أن يفكروا قبل أن يسافروا أولئك الذين اعتادوا السفر للخارج وما فيه من مخاطر ومأثم، وابتزاز للأموال وخدش للحياء والدين، أولئك الذين لا يتورعون عن الذهاب لأماكن الخنا ولا يلتزمون آداب الإسلام وحدوده حين الغربة والخفا، لقد حبانا الله في هذه البلاد المباركة نعمًا لا تعد ولا تحصى، وقيمًا ومآثر نفاخر بها حتى نبلغ الجوزاء. فالحرمان الشريفان لا يستكثر لهما زيارة، ولهما وللمسجد الأقصى (حرره الله من أوغاد اليهود) تشدُّ الرحال. وفي بلادنا يتوفر السهلُ والجبل، والبرُّ والبحر والمناطق الباردة صيفًا، والدافئة شتاء .. أفنزهد في ذلك كلِّه وتستهوينا الدعايات المضللة للسفر للخارج؟ أيها المسلمون! ثمة ما يستحق التنبيه ويستوجب الحذر إذ تصدر بعض المؤسسات الأجنبية مستندات تندرج تحت بادرة النصب والاحتيال، مثل ما يُسمى بمسابقات لعبة الدولار الصاروخي التي تجريها بعضُ الشركات والمؤسسات وتشتمل على أكل أموال الناس بالباطل والتغرير بهم. لذا فإنني أحذر كلَّ مسلم من هذه المستندات المشبوهة، وأوصيه بالابتعاد عن المعاملات المحرمة وما شابهها، فإنها من أعظم كبائر الذنوب، لما تشتمل عليه من ربا الفضل وربا النسيئة، وكلاهما محرم بإجماع المسلمين، وفي كتاب الله وسنة رسوله ﷺ من تحريم الربا والميسر والقمار ما هو حاضر ومعلوم للعامة والخاصة (١).

стр. 1434

يا أخا الإسلام! حريّ بك أن تحفظ نفسك ومن تحت رعايتك من الحرام، وأن ترعى الأمانة التي تحملتها، واسمع هدي المصطفى ﷺ وليكن منك دائمًا على البال، فقد أخرج الإمام أحمد وغيره بأسانيد حسنة عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((أربع إذا كنَّ فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ الأمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة في طعمة)) (١). كن طيبا أيها المسلم في حديثك ومطعمك، وفي صدورك وورودك وفي شأنك كلِّه فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، ويوم القيامة تكون حسن العاقبة للطيبين، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿الذين تتوافهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون﴾ (٢)، نفعني الله وإياكم بهدي القرآن.

стр. 1435

الخطبة الثانية: الحمد لله بكل حال والمعبود على الدوام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تفرد بكل كمال، وتفضل على عباده بجزيل النوال، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المبعوث بكريم الصفات، وجميل الخصال، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر المبعوثين قبله، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم المعاد. أيها المسلمون! أعودُ إلى الشباب ثروة الأمة المنتظر، عنصر حركتها، ومصدر طاقتها .. ودليل حيويتها، وسبب نهضتها، أعود إليهم مذكرًا -وهم على أبواب الإجازة- بقيمة الوقت، وعلو الهمة، وأقول كما قال مَنْ قبلي: ((أيها الشباب إن الشهوات والعواطف، وحبَّ الراحة، وإيثار اللذات، هو الذي يسقط الهمم ويُفتِّر العزائم، فكم من فتيان يتساوون في نباهة الذهن، وذكاء العقل، وقوة البصيرة، ولكن قويَّ الإرادة فيهم، وعالي الهمة منهم، ونفّاذ العزيمة فيهم هو الكاسب المتفوق، يجد ما لا يجدون، ويبلغ من المحامد والمراتب ما لا يبلغون، بل إن بعض الشباب قد يكون أقلَّ إمكانيات، وأضعف وسائل ولكنه يفوق غيره بقوة الإرادة وعلوِّ الهمة، والإصرار على الإقدام .. )) (١). إن من المؤسف حقًّا أن يعيش شباب في عمر الزهور، واكتمال القُوى لا يُبالون في إضاعة أوقاتهم سُدى، بل إنهم يسطون على أوقات الآخرين ليقطعوها باللهو الباطل، والشئون الساقطة والأمور المحتقرة. يجب أن يُنقذ شباب الأمة من هذا الذهول المهلك والغفلة عن الغد، واستغراق مميت في الحاضر.

стр. 1436

ومن الغفلة والحرمان وسبيل فناء الأمم أن يألف شباب أصحاء النوم حتى الضُحى، تطلع عليهم الشمس وتتوسط كبد السماء وهم يغطون في نوم عميق، قد بال الشيطان في آذانهم، وإذا قام أحدهم فإذا هو ثقيل النفس، خبيث النفس، هزيل القوى، كسلان، على حين تطلع الشمس على قوم آخرين من غير أهل الإسلام وهم منهمكون في وسائل معاشهم وتدبير شئونهم وسنن الله تأبى إلا أن يُعطى كلُّ امرئ حسب استعداده وعمله وجدِّه. والسماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة (١). أيها الشاب! لا يستوي منكم من حفظ وقته، واستفاد من سني عمره، وقدَّر الشباب حقَّ قدره، فجدَّ واجتهد وسارع للعلياء بهمة ودأب .. ومن فرّط وسوّف وظن أن المستقبل سيكون أكثر فراغًا من الحاضر، فما هذا إلا وهم وسراب، والواقع يشهد أنه كلما كبُرت سِنُّ المرء كثرت مسئولياته وضاقت أوقاته، وضعفت طاقاته، فالوقت في الكِبَر أضيق، والجسم فيه أضعف، والصحة هزيلة، والنشاط كليل. فبادروا ساعتكم واستثمروا شبابكم، ولا تهدروا طاقتكم وإياكم والتعلق بالغائب المجهول، وما التسويف إلا تفويتٌ للحق، وخسران لليوم، وتضييع للغد. معاشر الشباب! لن يُحسَّ بالفراغ، أو يشعر بطول الوقت وثقل الأيام من كان على وقته حريصًا ولآخرته ساعيًا وفي دنياه عاملًا .. ولقد كان السلف الصالحون يمقتون المرء لا هو في عمل للآخرة ولا شغل للدنيا. ألا وإن الأعمال التي يمكن أن يستثمر الشابُّ فيها وقته على الدوام -وفي أيام الإجازة خصوصًا- كثيرة متنوعة، وأذكر بشيء منها على سبيل التنبيه لا الحصر. فكتابُ الله خير ما قضيت به الأوقات، واستنفدت له الأعمار حفظًا،

стр. 1437

ومراجعة، وتدبرًا، ومن التحدث بنعم الله أن فئات من الشباب الصالح هذا شأنهم، والأمل في الله كبير أن يلحق بهم غيرهم .. بل تجاوزت همم بعض الشباب إلى حفظ متون السنة، وكثرة القراءة في كتب العلم دون أن يقعدهم ذلك عن معرفة واقعهم والمتابعة لأحوال أمتهم، وما أجمل الشباب يعيدون للأمة سالف مجدها، ويحيون تراثها، ويجددون ما اندثر من كنوز العلم وجمهور العلماء السابقين في تاريخها، ويُسرون لأفراح أمتهم ويشاركونها أحزانها دون أن يداخلهم شيء من الغرور والكبرياء، أو يصدروا أحكامًا أو يتصدروا للفتيا وهم بعدُ في رحلة الطلب، ولهم في صحابة رسول الله ﷺ أسوة، وقد كانوا يتدافعون الفتيا، وهم مَنْ هُم علمًا وعملًا. أيها المسلمون! إذا كان لجماعات تحفيظ القرآن الكريم دورٌ يذكر فيشكر وحلقهم تملأ المساجد والمدن والقرى، وتفتح أبوابها للراغبين وتنفق على المعلمين والمتعلمين فلجمعيات البر الخيرية، وللمعاهد الفنية دورها في افتتاح الدورات المتخصصة وإسعاف الشباب بالمهارات المختلفة، فضلًا عن مناشطها الثقافية وخدماتها المختلفة. وترعى وزارة المعارف -مشكورة- المناشط اللامنهجية طوال العام، وتُعنى بالمراكز الصيفية في الإجازات الصيفية ومنتصف العام، وهي مراكز تُعنى بحفظ أوقات الشباب ورعاية مواهبهم واستثمار طاقاتهم إذا توفر لها العاملون الأمناء والمشرفون الأكفاء، وتفتح النوادي الأدبية أبوابها للشباب يقرءون ويقترحون وفي المسابقات الثقافية والأدبية يتنافسون، وهم على كلِّ عمل خير مشكورون وكم هي لفتة طيبة حين تُعنى مكاتب الخدمة المدنية، أو شركات القطاع الخاص بتوفير فرصٍ وظيفية للشباب في الإجازات يقضون بها فراغهم ويسدون بها حاجاتهم.

стр. 1438

أيها الشباب! ثمة فرصة يزهد بها البعض منكم رغم أهميتها .. إنها الجلوس بعض الوقت مع الشيوخ المجربين، والاستماع إلى أحاديثهم، والاستفادة من خبراتهم، لقد قيل: إن الشيوخ أشجار الوقار ومناجع الأخبار لا يطيش لهم سهمٌ، ولا يسقط لهم وهمٌ، إذا رأوك في قبيح صدُّوك، وإن أبصروك على جميلٍ أيدوك وأمدوك، كما قيل: عليكم بآراء الشيوخ فإنهم إن فقدوا ذكاء الطبع فقد مرّت على عيونهم وجوه العبر، ووردت على أسامعهم آثار الغَير، ومن طال عمره نقصت قوة بدنه، وزادت قوة عقله، والأيام لا تدع جاهلًا إلا أدبته، وكفى لأولي الألباب ما جربوا (١). أيها الشباب .. استفيدوا من تجارب من سبقكم، وأضيفوا إلى رصيد معارفكم خبرات ومعارف من سبقكم - برّوا بوالديكم، وإياكم أن تنظروا إليهم على أنكم عالمون وهم جاهلون .. وقدموا طاعتهم على طاعة غيرهم بالمعروف، وعاملوهم بالرأفة والإحسان، فذلك هدي القرآن وطريق الجنان، وصلوا أرحامكم، وقدموا لهم الخير فهم أولى من غيرهم بالدعوة والإحسان، وكونوا عناصر خير في مجتمعكم، ورجالًا أوفياء لأمتكم، ومصابيح دجى تضيئون حين تكونون، وتُفتقدون حين تغيبون، ولا تملُّ منكم أو يضيق بتصرفاتكم الأقربون والأبعدون، وإياكم والاغترار بالفكر الدخيل، أو التلبيس بشيء من جنوح الفكر، وبعد هذا فلا يرجفن بكم المرجفون، ولا يستخفنكم الذين لا يوقنون. سددكم الله، وألهمكم رشدكم وجعلكم قرة عين لوالديكم، وثبتكم على الحقِّ ونفع بكم، وصدق الله وهو أصدق القائلين ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة

стр. 1439

إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه وإلى الله المصير﴾ (١). اللهم اهدنا وثبتنا شيوخًا وشبابًا ذكرانًا وإناثًا .. اللهم ادفع عنا وعن مجتمعنا وأمتنا كلَّ فتنة ومكروه.

стр. 1440

لماذا نستبشر برمضان ؟ (١) الخطبة الأولى: الحمد لله رب العالمين جعل الصيام جنة للصائمين، وجعل شهر رمضان طريقًا إلى الجنة، أحمده تعالى يسر مواسم الخيرات للراغبين، وعظّم أجور هذه الأمة بأيام وليالي محدودة، فحازوا قصب السبق على الأمم أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له قضى بحكمته بالموت على أناسي وعمَّر آخرين، والميِّت المغبون حقًّا من عاش حياة البهائم وكان نصيبه التفريط حين يُشمر العاملون. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أفضل من صلى وصام وزكى وقام، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وعلى آل محمد المؤمنين وارض اللهم عن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. اتقوا الله معاشر المسلمين واعلموا أن الصيام وسيلة للتقوى. ﴿ياأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾ (٢). إخوة الإسلام! ينتظر المسلمون الصادقون شهر الصيام بشوق وفرحة، ويسأل العارفون ربَّهم أن يبلغهم إياه ويعينهم على المسارعة في الخيرات، والتخفف من السيئات. وما بالهم لا يفرحون ورمضان رحمة من الله لعباده مهداة، ونعمة كبرى يقدِّرها
следующие страницы →