ومن الغفلة والحرمان وسبيل فناء الأمم أن يألف شباب أصحاء النوم حتى الضُحى، تطلع عليهم الشمس وتتوسط كبد السماء وهم يغطون في نوم عميق، قد بال الشيطان في آذانهم، وإذا قام أحدهم فإذا هو ثقيل النفس، خبيث النفس، هزيل القوى، كسلان، على حين تطلع الشمس على قوم آخرين من غير أهل الإسلام وهم منهمكون في وسائل معاشهم وتدبير شئونهم وسنن الله تأبى إلا أن يُعطى كلُّ امرئ حسب استعداده وعمله وجدِّه. والسماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة (١).
أيها الشاب! لا يستوي منكم من حفظ وقته، واستفاد من سني عمره، وقدَّر الشباب حقَّ قدره، فجدَّ واجتهد وسارع للعلياء بهمة ودأب .. ومن فرّط وسوّف وظن أن المستقبل سيكون أكثر فراغًا من الحاضر، فما هذا إلا وهم وسراب، والواقع يشهد أنه كلما كبُرت سِنُّ المرء كثرت مسئولياته وضاقت أوقاته، وضعفت طاقاته، فالوقت في الكِبَر أضيق، والجسم فيه أضعف، والصحة هزيلة، والنشاط كليل. فبادروا ساعتكم واستثمروا شبابكم، ولا تهدروا طاقتكم وإياكم والتعلق بالغائب المجهول، وما التسويف إلا تفويتٌ للحق، وخسران لليوم، وتضييع للغد.
معاشر الشباب! لن يُحسَّ بالفراغ، أو يشعر بطول الوقت وثقل الأيام من كان على وقته حريصًا ولآخرته ساعيًا وفي دنياه عاملًا .. ولقد كان السلف الصالحون يمقتون المرء لا هو في عمل للآخرة ولا شغل للدنيا.
ألا وإن الأعمال التي يمكن أن يستثمر الشابُّ فيها وقته على الدوام -وفي أيام الإجازة خصوصًا- كثيرة متنوعة، وأذكر بشيء منها على سبيل التنبيه لا الحصر.
فكتابُ الله خير ما قضيت به الأوقات، واستنفدت له الأعمار حفظًا،
стр. 1437
ومراجعة، وتدبرًا، ومن التحدث بنعم الله أن فئات من الشباب الصالح هذا شأنهم، والأمل في الله كبير أن يلحق بهم غيرهم .. بل تجاوزت همم بعض الشباب إلى حفظ متون السنة، وكثرة القراءة في كتب العلم دون أن يقعدهم ذلك عن معرفة واقعهم والمتابعة لأحوال أمتهم، وما أجمل الشباب يعيدون للأمة سالف مجدها، ويحيون تراثها، ويجددون ما اندثر من كنوز العلم وجمهور العلماء السابقين في تاريخها، ويُسرون لأفراح أمتهم ويشاركونها أحزانها دون أن يداخلهم شيء من الغرور والكبرياء، أو يصدروا أحكامًا أو يتصدروا للفتيا وهم بعدُ في رحلة الطلب، ولهم في صحابة رسول الله ﷺ أسوة، وقد كانوا يتدافعون الفتيا، وهم مَنْ هُم علمًا وعملًا.
أيها المسلمون! إذا كان لجماعات تحفيظ القرآن الكريم دورٌ يذكر فيشكر وحلقهم تملأ المساجد والمدن والقرى، وتفتح أبوابها للراغبين وتنفق على المعلمين والمتعلمين فلجمعيات البر الخيرية، وللمعاهد الفنية دورها في افتتاح الدورات المتخصصة وإسعاف الشباب بالمهارات المختلفة، فضلًا عن مناشطها الثقافية وخدماتها المختلفة.
وترعى وزارة المعارف -مشكورة- المناشط اللامنهجية طوال العام، وتُعنى بالمراكز الصيفية في الإجازات الصيفية ومنتصف العام، وهي مراكز تُعنى بحفظ أوقات الشباب ورعاية مواهبهم واستثمار طاقاتهم إذا توفر لها العاملون الأمناء والمشرفون الأكفاء، وتفتح النوادي الأدبية أبوابها للشباب يقرءون ويقترحون وفي المسابقات الثقافية والأدبية يتنافسون، وهم على كلِّ عمل خير مشكورون وكم هي لفتة طيبة حين تُعنى مكاتب الخدمة المدنية، أو شركات القطاع الخاص بتوفير فرصٍ وظيفية للشباب في الإجازات يقضون بها فراغهم ويسدون بها حاجاتهم.
стр. 1438
أيها الشباب! ثمة فرصة يزهد بها البعض منكم رغم أهميتها ..
إنها الجلوس بعض الوقت مع الشيوخ المجربين، والاستماع إلى أحاديثهم، والاستفادة من خبراتهم، لقد قيل: إن الشيوخ أشجار الوقار ومناجع الأخبار لا يطيش لهم سهمٌ، ولا يسقط لهم وهمٌ، إذا رأوك في قبيح صدُّوك، وإن أبصروك على جميلٍ أيدوك وأمدوك، كما قيل: عليكم بآراء الشيوخ فإنهم إن فقدوا ذكاء الطبع فقد مرّت على عيونهم وجوه العبر، ووردت على أسامعهم آثار الغَير، ومن طال عمره نقصت قوة بدنه، وزادت قوة عقله، والأيام لا تدع جاهلًا إلا أدبته، وكفى لأولي الألباب ما جربوا (١).
أيها الشباب .. استفيدوا من تجارب من سبقكم، وأضيفوا إلى رصيد معارفكم خبرات ومعارف من سبقكم - برّوا بوالديكم، وإياكم أن تنظروا إليهم على أنكم عالمون وهم جاهلون .. وقدموا طاعتهم على طاعة غيرهم بالمعروف، وعاملوهم بالرأفة والإحسان، فذلك هدي القرآن وطريق الجنان، وصلوا أرحامكم، وقدموا لهم الخير فهم أولى من غيرهم بالدعوة والإحسان، وكونوا عناصر خير في مجتمعكم، ورجالًا أوفياء لأمتكم، ومصابيح دجى تضيئون حين تكونون، وتُفتقدون حين تغيبون، ولا تملُّ منكم أو يضيق بتصرفاتكم الأقربون والأبعدون، وإياكم والاغترار بالفكر الدخيل، أو التلبيس بشيء من جنوح الفكر، وبعد هذا فلا يرجفن بكم المرجفون، ولا يستخفنكم الذين لا يوقنون.
سددكم الله، وألهمكم رشدكم وجعلكم قرة عين لوالديكم، وثبتكم على الحقِّ ونفع بكم، وصدق الله وهو أصدق القائلين ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة
стр. 1439
إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه وإلى الله المصير﴾ (١).
اللهم اهدنا وثبتنا شيوخًا وشبابًا ذكرانًا وإناثًا .. اللهم ادفع عنا وعن مجتمعنا وأمتنا كلَّ فتنة ومكروه.
стр. 1440
لماذا نستبشر برمضان ؟ (١)
الخطبة الأولى:
الحمد لله رب العالمين جعل الصيام جنة للصائمين، وجعل شهر رمضان طريقًا إلى الجنة، أحمده تعالى يسر مواسم الخيرات للراغبين، وعظّم أجور هذه الأمة بأيام وليالي محدودة، فحازوا قصب السبق على الأمم أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له قضى بحكمته بالموت على أناسي وعمَّر آخرين، والميِّت المغبون حقًّا من عاش حياة البهائم وكان نصيبه التفريط حين يُشمر العاملون.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أفضل من صلى وصام وزكى وقام، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وعلى آل محمد المؤمنين وارض اللهم عن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
اتقوا الله معاشر المسلمين واعلموا أن الصيام وسيلة للتقوى.
﴿ياأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾ (٢).
إخوة الإسلام! ينتظر المسلمون الصادقون شهر الصيام بشوق وفرحة، ويسأل العارفون ربَّهم أن يبلغهم إياه ويعينهم على المسارعة في الخيرات، والتخفف من السيئات.
وما بالهم لا يفرحون ورمضان رحمة من الله لعباده مهداة، ونعمة كبرى يقدِّرها
стр. 1441
حقَّ قدرها أولو الأحلام والنّهى.
لماذا لا تنشرح لك الصدور يا رمضان وفيك للفقراء فرصة، وللمساكين بلغة وللمسافرين رخصة، وللمرضى شفاء وصحة، وللمذنبين توبة، وللمبتلين عافية، وللمهتدين مغنم ووفرة.
ولم لا تنشرح الصدور بمقدم شهر الخيرات والمساواة، وتلاوة القرآن وكثرة الصدقات؟
لماذا وأيامُك مشرقة بالضياء والنور، ولياليك تُعطَّر بترتيل الكتاب المنزل، وتُطهر الأرضُ بدموع الرُّكع السُّجد.
وفي كل ليلة تعانق السماء دعوات تصل الخلق بخالقها، فتحيا القلوب بعد مواتها .. وتصحُّ الأجساد إثر عللها.
ولماذا لا تنشرح صدور المؤمنين في رمضان وفي كل ليلة تعتق أنفس استوجبت دخول النار، وتفتح أبواب الجنان ويكثر روَّاد الريّان؟ لماذا لا يغتبط العقلاء بالصيام، والجبارُ ﷻ يقول: ((كلُّ عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به، وخلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك)) (١).
وهل تظنُّ لربِّك الكريم إلا خيرًا، وتأمل كيف فهم العلماء كرم الكريم، سُئل سفيان بن عيينة عن قوله: ((كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي))، فقال ﵀: إذا كان يوم القيامة يُحاسب الله عبده ويؤدي ما عليه من المظالم من سائر عمله حتى لا يبقى إلا الصوم فيتحمل الله ما بقي عليه من المظالم ويدخله بالصوم
стр. 1442
الجنة (١).
وقال أيضًا: لأن الصوم هو الصبر، يصبر الإنسان عن المطعم والمشرب والمنكح، وثواب الصبر ليس له حساب، ثم قرأ: ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾ (٢).
ألا ما أحوجك إلى الصوم يا أخا الإسلام في يوم تزلُّ فيه الأقدام، ويُنصب فيه الميزان، ويدقق الحساب، فافرح بالصيام وقدره حق قدره، وحافظ عليه من الثلم والنقصان.
عباد الله! ((في الصيام تنجلي عند الصائمين القوى الإيمانية والعزائم التعبدية، يدعون ما يشتهون ويصبرون على ما يشتهون في الصيام يتجلى في نفوس أهل الإيمان الانقياد لأوامر الله، وهجر الرغائب والمشتهيات، يدعون الرغائب حاضرة لموعد غيب لم يروه، إنه قياد للشهوات وليس انقيادًا لها.
في النفوس- معاشر المسلمين نوازع شهوة وهوى، وفي الصدور دوافع غضبٍ وانتقام، وفي الحياة تقلّب في السراء والضراء، وفي دروب العمر خطوب ومشاق، ولا يدافع ذلك إلا بالصبر والمصابرة ولا يتحمل العناء إلا بصدق المنهج وحسن المراقبة)).
وهذه وتلك سرٌ من أسرار الصيام لمن عقل ووعى، وما يلقاها إلا الذين صبروا، وما يلقاها إلا ذو حظٍّ عظيم (٣).
أيها المسلم والمسلمة كيف لا نستبشر بشهر رمضان، وفيه فرصه للشفاعة يوم لا
стр. 1443
يُعْني مولى عن مولى شيئًا ﴿يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا﴾ (١)، أتدري كيف تكون هذه الشفاعة؟ إنها في الصيام وتلاوة القرآن، يقول الرسول ﷺ في الحديث الصحيح: ((الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي ربِّ، إني منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفِّعني فيه، ويقول القرآن أي ربِّ منعته النوم بالليل فشفعني فيه، فيُشفَّعان)) (٢).
ولم لا يستبشر الصائمون برمضان وأبواب السماء تُفتح للسائلين ويستجيب الله للداعين الصادقين بشكل عام، كما قال تعالى إثر آيات الصيام: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون﴾ (٣).
ولشهر رمضان على الخصوص دعوة مستجابة، كما روى الإمام أحمد بسند جيد عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((لكل مسلم دعوة مستجابة يدعو بها في رمضان، وللصائم عند فطره دعوة لا ترد)) (٤).
ولماذا لا يفرح المسلمون بشهر رمضان وهو سبب لمغفرة الذنوب، وفي الحديث المتفق على صحته عن أبي هريرة ﵁ أن النبيَّ ﷺ قال: ((من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه)).
وكيف لا يغتبط المسلم ويسعد بالصيام وهو طريق إلى عدم الظمأ في يوم يساق فيه المجرمون إلى جهنم وردًا، ويلجم الناسَ العرقُ إلجامًا، وهم في تلك
стр. 1444
اللحظات أحوج ما يكونون إلى شربة ماء، أجل لقد صحّ الخبر عن المعصوم ﵊ أنه قال: ((للصائمين بابٌ في الجنة يقال له الريَّان، لا يدخل منه أحدٌ غيرهم، فإذا دخل آخرهم أُغلق، من دخل فيه شرب، ومن شرر لم يظمأ أبدًا)) (١).
أمة القرآن وفضائل الصوم، ومناقب رمضان كثيرة ليس هذا مجال حصرها، وإنما أردت التنبيه على شيء منها وتسمعون الكثير، ولكن هذه الفضائل وغيرها لشهر الصيام لابد لاكتمال الأجر فيها، وتحقيق المقصود منها من مراعاة أمرين هامين جاءت نصوص الشرع بإيضاحهما، ويقعُ الخطأ كثيرًا فيهما.
الأمر الأول: الإيمان والاحتساب، قال ﷺ : ((من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابا غُفر له ما تقدم من ذنبه، ومن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه)) (٢).
قال العلماء: النيةُ شرط في وقوع الأعمال قربة، والمراد بالإيمان الاعتقاد بحقِّ فرضية صومه، وبالاحتساب طلبُ الثواب من الله تعالى، وقال الخطابي: احتسابًا أي عزيمة، وهو أن يصومه على معنى الرغبة في ثوابه، طيبةً نفسه بذلك، غير مستثقل لصيامه ولا مستطيل لأيامه (٣).
فصوموا أيها المسلمون وأنتم مؤمنون محتسبون، ولا يكن الصيام عندكم مجرد عادةٍ، أو مجاراة للآخرين، وليس يخفاكم أن تبييت النية من الليل شرطٌ للصيام
стр. 1445
الواجب، أما صيامُ النفل فلا يستدعي تبييت النية قبل الفجر (١).
الأمر الثاني: حفظ الصيام من الرفث وقول الزور، وتلك وربي آفة والسعيد من حفظ صيامه عنها، يقول ﵊: ((من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)) (٢).
إنها التربية المتكاملة بالصيام، وإنه المفهوم الخاطئ للصيام يصححه الإسلام، وكيف يعد نفسه صائمًا من لم يدع قولا الزور والعمل به؟ قالا البيضاوي ﵀: ((ليس المقصود من شرعية الصوم نفس الجوع والعطش، بل ما يتعبد من كسر الشهوات وتطويع النفس الأمارة للنفس المطمئنة، فإذا لم يحصل ذلك لا ينظر الله إليه نظر القبول)) (٣).
الصائم الصادق يصوم لسانه عن الكذب والغيبة والنميمة وقول الزور، ويصوم سمعه عن الغنا والخنا والفجور، وتصوم عينُه عن النظرة المحرمة والصائم الصادق لا ينعقد قلبه على إثم أو خطيئة أو غلٍّ وحقد للمسلمين، والصائم الصادق لا يظلم ولا يحقر، ولا يغش ولا يفجر.
ويا تعاسة وحرمان من فاتت عليه هذه المعاني العظيمة في الصيام والقيام، فكان حاله كما قال ﵊: ((ربَّ صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، ورب قائم حظه من قيامه السهر)) (٤).
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿قل بفضل الله ورحمته فبذلك فليفرحوا وهو خير
الخطبة الثانية:
الحمد لله ربِّ العالمين، منَّ على عباده بمواسم الخيرات ليغفر لهم الذنوب ويكفر عنهم السيئات، ويضاعف لهم الثواب ويرفع لهم الدرجات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة أرجو بها النجاة يوم ألقاه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أبان للأمة طريق النجاة وحذرها عن أسباب الهلكات فصلوات ربي وسلامه عليه وعلى كلِّ من بعثه الله بشيرًا ونذيرًا.
عباد الله! هناك عدد من الأمور تدعو الحاجة إلى بيانها لاستقبال شهر رمضان- بلغنا الله إياه وأعاننا فيه على فعل الخيرات واجتناب السيئات، ومن هذه الأمور:
أولًا: أن نستقبله بعزيمة صادقة على فعل الخيرات، وتوبة صادقة يكفِّر الله بها السيئات، وفي رمضان عون بإذن الله على هذا وذاك لمن صدق الجهاد ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين﴾ (١).
ثانيًا: ألا نستقبله بصوم يوم أو يومين قبله، قال ﵊: ((ولا تصلوا رمضان بيوم من شعبان)) (٢).
وفي الحديث المتفق على صحته قال ﷺ : ((لا تقدَّموا شهر ومضان بصيام يومٍ ولا يومين إلا رجل كان يصومُ صومًا فليصمه)) (٣).
ثالثا: والإقبال على الله في بداية الشهر ظاهرة تلفت نظر المتأمل، وهي مؤشر لأصالة الخير في النفوس يُسَرَّ لها المسلم ويستبشر، ولكن الانجفال بعد ذلك
стр. 1448
والتقهقر علامة الردى، وهو انتصار للشيطان في معركة الشهوات ومردته مصفدون فكيف بمقاومته إذا فُكت الأغلال وأطلق المصفدون إنه مظهر يحزن القلب له وحُق للعين أن تدمع- فإياك إياك يا أخا الإسلام أن تكون من هذا الصنف فتُحرم.
رابعًا: والعُمرة في رمضان مكسب ولها مزيّة وقد قال النبيُّ ﷺ لامرأة من الأنصار: ((ما منعك أن تحجي معنا؟ )) قالت: لم يكن لنا إلا ناضحان، فحج أبو ولدها وابنها على ناضح وترك لنا ناضحًا ننضح عليه، قال: ((فإذا جاء رمضان فاعتمري، فإن عمرة فيه تعدل حجة)) (١). وفي حديث آخر صحَّ سنده: ((عمرة في رمضان كحجة معي)) (٢)، وهذا لا شك فضل عظيم وثواب كبير فكيف إذا انضاف إليه فضل الصلاة ما شاء الله في المسجد الحرام، والصلاة فيه عن مائهّ ألف صلاة، كما صحّ بذلك الحديث، وهكذا مضاعفة الذكر وتلاوة القرآن وأنواع الطاعات.
ولكن البلية كلَّ البلية فيمن يذهبون لهذا العمل الخيّر ويضيعون أبناءهم وبناتهم وأهليهم ومن ولاَّهم الله عليه، وسواء كان هذا الضياع في تركهم حين السفر بلا رقيب أو حسيب، أو اصطحابهم إلى البقاع الطاهرة دون العناية بهم، فيتسكعون في الشوارع والأسواق وتفتن النساء الرجال بزينتهن وتبرجهن، ويؤذي الشباب النساء بمضايقتهن أو الاعتداء عليهن .. مصيبة أيها المسلم أن تكون في عداد الراكعين الساجدين في المسجد الحرام، وأهلُ بيتك يفتنون الناس ويؤذونهم، ألا فانتبهوا معاشر المسلمين لهذا المزلق الخطر، واهتموا بأبنائكم وبناتكم وإخوانكم وأخواتكم في حال سفركم أو إقامتكم رغِّبوهم في الخير وحذروهم من الشرِّ،
стр. 1449
استصحبوهم معكم واسألوا عنهم حين يغيبون عن أنظاركم.
خامسًا: أما الذين يكثرون الأسفار والإنفاق وعليهم ديون للخلق وحقوق، فيكفي أن يذكَّر هؤلاء بقول النبي ﷺ ((يغفر للشهيد كلُّ ذنب إلا الدَّين)) (١)، وفي الحديث الآخر: ((والذي نفسي بيده لو أن رجلًا قُتل في سبيل الله ثم أحيي، ثم قتل ثم أحيي، ثم قتل وعليه دين ما دخل الجنة حتى يُقضى عنه دينه)) (٢)، ألا فتخففوا من حقوق الخلق، وأدوا الحقوق إلى أهلها تسعدوا في محياكم ومماتكم.
سادسًا: وحقُّ الله أحق ((فمن مات وعليه صوم صام عنه وليُّه)) كما صح بذلك الخبر عن رسول الله ﷺ (٣).
وعن ابن عباس ﵄ قال: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: إن أختي ماتت وعليها صوم شهرين متتابعين، وفي رواية: وعليها صوم شهر- قال: ((أرأيت لو كان على أختك دين أكنت تقضينه؟ )) قالت: نعم، قال: ((فحق الله أحق)) (٤).
ويتأكد هذا أكتر في حقِّ صيام النذر الذي أوجبه الإنسان على نفسه ولم يف به، أو في الفرض الذي تمكن فيه من القضاء فلم يقض حتى مات، قال البغوي ﵀: ((واتفق عامة أهل العلم على أنه إذا أفطر بعذر أو سفر أو مرض، ثم لم يُفرط في القضاء بأن دام عذره حتى مات لا شيء عليه، غير قتادة، فإنه قال: يُطعم عنه)) (٥).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية يرحمه الله: ((إذا أتصل به المرض ولم يمكنه
стр. 1450
القضاء، فليس على ورثته إلا الإطعام عنه .. )) (١).
سابعًا: ومن أصبح جنبًا من جماع أو احتلام صام ذلك اليوم ولا شيء عليه، كما ثبت عن رسول الله ﷺ أنه يصبح جنبًا من جماع ثم يصوم ذلك اليوم (٢).
ثامنًا: ((ومن أكل أو شرب ناسيًا، فليتمَّ صومه فإنما أطعمه الله وسقاه)) كما قال النبي ﷺ (٣).
تاسعًا: ((ومن ذرعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمدًا فليقض))، كذا قال المصطفى ﷺ (٤).
عاشرًا: والسواك سنة للصائم في أول النهار وآخره ((رأيت النبي ﷺ ما لا أحصي يتسوك وهو صائم)) (٥)، ثم قال: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم لم يروا بأسًا بالسواك للصائم أول النهار وآخره، إلا أن قومًا كرهوا له أن يستاك بالعود الرَّطب (٦).
إخوة الإسلام .. بادروا بعمل الصالحات واستعينوا بالصبر والصلاة، وأكثروا من الذكر وتلاوة القرآن، وسابقوا إلى الصدقات، وتحسسوا حاجة إخوانكم المسلمين، فرمضان شهر البِّر والإحسان والمواساة، أسأل الله أن يهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام، وأن يجعله هلال رشد وخير، وأن يجعله عونًا على إصلاح أحوال المسلمين وجمع كلمتهم على الحق والدين، هذا وصلوا وسلموا على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1451
١ - صراط الله
٢ - طرق الضلال (١)
الخطبة الأولى:
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجًا قيمًا لينذر بأسًا شديدًا من لدنه، ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرًا حسنًا، وأشهد أن لا إله إلا الله خلق الإنسان وعلمه البيان، وابتلاه بسلوك طريق الحقِّ وحذَّره من طرق الضلال، ﴿إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا * إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا﴾ (٢).
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ما فتئ يبين للأمة طريق الخير والهدى، ويحذرها من طريق الغواية، فأبصرت بنور الله بعد الضلالة والعمى اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء، وارض اللهم عن صحابته الذين ما فتئوا يسألونه عن الخير متزودين وعن الشرِّ مخافة الفتنة في الدين، حتى بقي الناسُ على محجة بيضاء لا يزيغ عنها إلا هالك.
ألا فاتقوا الله عباد الله، واخشوا يومًا ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون- ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرًا.
أيها المسلمون وإذا اتضحت لنا معالم الصراط المستقيم وأسواره وستوره المرخاة ودعاته -كما في حديث النواس السابق- فإن حديث اليوم عن مخالفة
стр. 1452
الصراط المستقيم وسُبل الضلال، ونماذج لأصحاب الجحيم.
عباد الله! وكم هو عظيم كتاب الله، وكم هي موقظة أمثال القرآن، وفيه من أمثال قوله تعالى: ﴿قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين﴾ (١).
عن ابن عباس ﵄ قال -في تفسير هذه الآية- هذا مثل ضربه الله للآلهة ومن يدعو إليها، والدعاة الذين يدعون إلى هدى الله ، كمثل رجلٍ ضلَّ عن طريق تائهًا، إذ ناداه منادٍ يا فلان ابن فلان هلمَّ إلى الطريق، وله أصحاب يدعونه، يا فلان هلم إلى الطريق، فإن اتبع الداعي الأول انطلق به حتى يلقيه إلى الهلكة، وإن أجاب من يدعوه إلى الهدى اهتدى إلى الطريق، وهذه الداعية التي تدعو في البرِّية من الغيلان، يقول مثل من يعبد هذه الآلهة من دون الله، فإنه يرى أنه في شيء حتى يأتيه الموت. فيستقبل الندامة والهلكة (٢).
ألا ما أشدَّ الحيرة وأعظم الظلمة لمن تاه عن صراط الله المستقيم فاحتوشته شياطين الإنس أو الجن، فاجتالته وأبعدته عن فطرة الله التي فطر الناس عليها.
أيها المؤمنون! إذا كان الفرق كبيرًا بين الأحياء والأموات حِسًّا فكذلك الفرق بين الأحياء والأموات معنًى، تلك حياة العلم والإيمان، وهذه موتة الجهل والكفر والعصيان، ولقد فرّق الله بينهما في محكم التنزيل فقال: ﴿أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين
стр. 1453
للكافرين ما كانوا يعملون﴾ (١). إنها حياة القلوب أو موتها - وإنها أنوار الإيمان أو ظلمات الكفر ..
قال العارفون: فالقلب الحيُّ المستنير هو الذي عقل عن الله، وأذعن وفهم عنه وانقاد لتوحيده، ومتابعة ما بُعث به رسول الله ﷺ ، والقلب الميتُ المظلم الذي لم يعقل عن الله ولا انقاد لما بُعث به رسول الله ﷺ ، ولهذا يصف سبحانه هذا القرب من الناس بأنهم أموات غير أحياء، وبأنهم في الظلمات لا يخرجون منها، ولهذا كانت الظلمة مستولية على جميع جهاتهم فقلوبهم مظلمة ترى الحق في صورة الباطل، والباطل في صورة الحق، وأعمالهم مظلمة وأقوالهم مظلمة وأحوالهم كلُّها مظلمة، وقبورهم ممتلئة عليهم ظلمة، فإذا قسمت الأنوار دون الجسر للعبور عليهم بقوا في الظلمات، ومدخلهم في النار مظلم (٢).
إخوة الإيمان! هل علمتم أن الله خلق الخلق أولا في ظلمة فمن أراد الله له الهداية أسبغ عليه من نوره، ومن أراد به الشقاوة بقيت الظلمة ملازمة له، فقد روى الإمام أحمد وابن حبان والحاكم وصححاه من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: ((إن الله خلق خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضلّ، فلذلك أقول: جف القلم على علم الله)) (٣).
أيها المسلمون! ولا تغرنكم الأنوار المصطنعة للخارجين عن طاعة
стр. 1454
الرسول ﷺ ، فالحقُّ أنهم يتقلبون في ظلماتٍ وإن لم يحسوا بها، بل لقد قيل: إنهم يتقلبون في عشر ظلمات: ظلمة الطبع، وظلمة الجهل، وظلمة الهوى، وظلمة القول، وظلمة العمل، وظلمة المدخل، وظلمة المخرج، وظلمة القبر، وظلمة القيامة، وظلمة في دار القرار، فالظلمة لازمة لهم في دورهم الثلاث (١).
وفي التنزيل: ﴿الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات﴾ (٢). وفيه أيضا: ﴿والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمان ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب * أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور﴾ (٣).
أما المؤمنون، أما المتابعون لهدي الرسول ﷺ فالنور يحيط بهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم وفي محياهم وبعد مماتهم، وإن خيِّل للآخرين أنهم في ظلمات وضيق، ولئن غاب هذا النور عن بعض من يراهم في الدنيا فهو مكشوف غدًا أمام الخليقة كلها ﴿يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير﴾ (٤)، وتبقى بعد ذلك الدعوة لمن شاء أن يؤتى هذا النور مرهونة بالتقوى والإيمان ﴿ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل
стр. 1455
لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم﴾ (١).
قال ابن القيم ﵀: وفي قوله تعالى: ﴿تمشون به﴾ نكتة بديعة وهي: أنهم يمشون على الصراط بأنوارهم، كما يمشون بها بين الناس في الدنيا، ومن لا نور له فإنه لا يستطيع أن ينقل قدمًا عن قدم على صراط الله فلا يستطيع المشي أحوج ما يكون إليه (٢).
أيها المؤمنون! احذروا سبل الشيطان، فسبيل الله واحد مستقيم، وسبل الشيطان متفرقة معوجة، خط رسول الله ﷺ خطا بيده ثم قال: ((هذا سبيل الله مستقيما))، ثم خط خطوطا عن يمين ذلك الخط وعن شماله ثم قال: ((وهذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه))، ثم قرأ ﴿وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السل فتفرق بكم عن سبيله﴾ (٣).
قال المفسرون: إنما وحّد سبيله لأن الحق واحد، ولهذا جمع السبل لتفرقها وتشعبها (٤).
عباد الله! عصمني الله وإياكم والمسلمين من فتن الأهواء، وحفظنا من الابتداع في الدين، أو الانخداع بالمضلين والمنافقين ودونكم هذا الأثر عن معاذ بن جبل ﵁ -أعلم الناس بالحلال والحرام- فاعقلوه، قال معاذ يوما: إن وراءكم فتنا يكثر فيها المال ويفتح فيها القرآن حتى يأخذه المؤمن والمنافق والرجل والمرأة والعبد والحر والصغير والكبير فيوشك قائل أن يقول: ما للناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآن؟
стр. 1456
وما هم بمتبعي حتى أبتدع لهم غيره فإياكم وما ابتدع، فإنما ابتدع ضلالة وأحذركم زيغة الحكيم فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلال على لسان الحكيم وقد يقول المنافق كلمة الحق. قال الراوي: قلت لمعاذ: وما تدري رحمك الله أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة وأن المنافق يقول كلمة الحق. قال: بلى اجتنب من كلام الحكيم المشتهرات التي يقال ما هذه؟ ولا يثنينك ذلك عنه فإنه لعله يراجع وتلق الحق إذا سمعته فإن على الحق نورا (١).
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا﴾ (٢). نفعني الله وإياكم بهدي القرآن.
стр. 1457
الخطبة الثانية:
الحمد لله ربِّ العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله خيرةُ الخلق أجمعين، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر النبيين.
أيها المسلمون! كما هدى الله المؤمنين لصراطه المستقيم، فقد أضلَّ عنه اليهود والنصارى ومن سارَ على سنتهم واتبع ملتهم، والموفق من وفقه الله لاتباع الحقِّ والهدى.
قال عدي بن حاتم ﵁: أتيت رسول الله ﷺ وهو جالس في المسجد، فقال القوم: هذا عدي بن حاتم، وجئت بغير أَمان ولا كتاب، فلما دفعت إليه أخذ بيدي، وقد كان قبل ذلك يقول: إني لأرجو أن يجعل الله يده في يدي، حتى أتى بي داره، فألقت له الوليدة وسادةً، فجلس عليها وجلست بين يديه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ((ما يُفرُّكَ؟ أيفرُّك أن تقول لا إله إلا الله؟ فهل تعلم من إله سوى الله؟ )). قال: قلت: لا، ثم تكلم ساعة، ثم قال: ((إنما يفرك أن تقول: الله أكبر، وتعلمُ شيئًا أكبر من الله؟ )) قال: قلت: لا، قال: ((فإن اليهود مغضوبٌ عليهم، وإن النصارى ضُلّال))، قال: قلتُ: فإني حنيفٌ مسلم، قال: فرأيت وجهه منبسطًا فرحًا .. (١).
عباد الله! سببُ الغضب على هؤلاء وضلال أولئك، أن اليهود مقصِّرون عن الحق، والنصارى غالون فيه، فكفر اليهود أصله من جهة عدم العمل بعلمهم، فهم يعلمون الحقَّ ولا يتبعونه عملا أو لا قولا ولا عملا، وكفر النصارى من جهة
стр. 1458
عملهم بلا علم فهم يجتهدون في أصناف العبادات بلا شريعة من الله، ويقولون على الله ما لا يعلمون.
أيها المسلم! هذان الصنفان لأصحاب الجحيم نموذجان للبعد عن الصراط المستقيم، وسلوكهما يؤدي إلى سلوك السُّبل المعوجة، أعني: عدم العمل بما يُعلم، أو العمل دون علم بما يعمل، ولهذا جاوز السلف هذا الانحراف لغير اليهود والنصارى لمن شابههم في مسالكهم، فقالوا: إن من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود ومن فسد من عبَّادنا ففيه شبهٌ من النصارى (١).
وآيات الكتاب المبين تركز كثيرًا على حسد اليهود وبُخلهم ليس بالمال فقط بل بالعلم -وهو أهم- وهو المقصود الأكبر بالبخل في آية النساء ﴿الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله﴾ وقد وصفهم الله بكتمان العلم في غير آية تارة بخلًا به، وتارة اعتياضًا عن إظهاره بالدنيا، وتارة خوفًا أن يُحتج عليهم بما أظهروه منه (٢).
وإذا كانت تلك مصيبة، فالأعظم منها أن تصاب الأمة المسلمة بما أصيبت به الأمم الأخرى، قال شيخ الإسلام ابن تيمية يرحمه الله:
((وهذا قد يبتلى به طوائف من المنتسبين للعلم، فإنهم تارة يكتمون العلم بخلًا به، وكراهة لأن ينال غيرهم من الفضل ما نالوا، وتارة اعتياضًا عنه برئاسة أو مال، فيخاف من إظهاره انتفاء رئاسته أو نقص ماله، وتارة يكون قد خالف غيره في مسألة أو اعتزى إلى طائفة قد خولفت في مسألة، فيكتم من العلم ما فيه حجة لمخالفه، وإن لم يتيقن أن مخالفه مبطل)).
стр. 1459
وبكل حال فليس هذا من منهج العلماء الربانيين، قال عبد الرحمن ابن مهدي يرحمه الله وغيره: أهل العلم يكتبون ما لهم وما عليهم، وأهل الأهواء لا يكتبون إلا ما لهم (١).
أيها المسلمون! في سياق الخير حذر النبي ﷺ من اتباع سنن هؤلاء فقال: ((لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع حتى لو دخلوا حجر ضبِّ لدخلتموه)). قالوا: يا رسول الله: اليهود والنصارى؟ قال: ((فَمَن؟ )) (٢).
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي مأخذ القرون شبرًا بشبر وذراعًا بذراع)). فقيل: يا رسول الله كفارس والروم؟ قال: ((ومن الناس إلا أولئك)) (٣).
قال ابن تيمية يرحمه الله، فأخبر أنه سيكون في أمته مضاهاة لليهود والنصارى -وهم أهل الكتاب- ومضاهاةٌ لفارس والروم وهم الأعاجم.
أيها المؤمنون! إذا كان الله قدر وهو أعلم وأحكم، وأخبر النبيُّ ﷺ ووقع كما أخبر بتفرق الأمة واتباع سنن السابقين فقد اقتضت مشيئة الله وأخبر الرسول ﷺ عن ربِّه ببقاء طائفة ثابتة على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة -كما في الحديث المتفق على صحته- وأخبر ﵊: ((إن الله لا يجمع هذه الأمة على ضلالة)) (٤).
ويظل الخير في هذه الأمة يتنامى وغرس الخيرية يتتابع، وقد جاء عن النبي ﷺ :
стр. 1460
((مثل أمتي مثل المطر لا يُدرى آخره خيرٌ أم أوّلهُ)) (١).
وورد في حديث آخر ((إن الله لا يزال يغرس في هذا الدين غرسًا يستعملهم فيه بطاعته)) (٢).
أيها المسلمون! كما تُحذر طرائق اليهود والنصارى، وفارس والروم -لمن أراد سلوك الصراط المستقيم، والبعد عن أصحاب الجحيم- فينبغي الحذر من صنف آخر هم من أبناء جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، ولكنهم دعاة على أبواب جهنم، كشف شرورهم حذيفة ﵁ وهو يسأل رسول الله ﷺ عن الشرِّ مخافة أن يدركه، في وقت كان الناس فيه يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، ويقول: يا رسول الله: إنا كنا في جاهلية وشرٍّ فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: ((نعم))، قلت: وهل بعد ذلك الشرِّ من خير؟ قال: ((نعم، وفيه دَخَن))، قلت: وما دَخَنَه؟ قال: ((قوم يستنون بغير سنتي ويهدون بغير هدي، تعرف منهم وتنكر))، فقلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: ((نعم: دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها)). فقلت: يا رسول الله فما ترى؟ وفي رواية: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: ((تلزم جماعة المسلمين وإمامهم؟ )) قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: ((فاعتزل تلك الفرق كلَّها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك)) (٣).
اللهم اعصمنا من الشرور والفتن ما ظهر منها وما بطن، واسلك بنا صراطك
стр. 1461
المستقيم، وارفع درجاتنا في المهديين، ووفقنا لمخالفة أصحاب الجحيم، ولا تخزنا يوم يبعثون، واجعلنا من ورثة جنة النعيم .. هذا وصلوا على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 1462
الإيدز .. الشبح المخيف (١)
الخطبة الأولى:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين وعلى آله المؤمنين، وارض اللهم عن أصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
فأما بعد: فأوصي نفسي وإياكم معاشر المسلمين بتقوى الله، فتلك وصية الله للأولين والآخرين ﴿ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله﴾.
أيها المسلمون .. قضت سنة الله تعالى أن الأمم لا تفنى ولا تُدمَّر والديار تُنهى، إلا حين تسقط الهمم، وتستسلم الشعوب لشهواتها، فتتحول الأهداف من مثل عليا إلى شهوات دنيئة، فتسود فيها الرذائل وتنتشر الفواحش، وتفتك بها الأمراض الخبيثة، فلا تلبث أن تتلاشى وتضمحل، وتصيبها السنة الإلهية في التدمير ﴿وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا﴾ (٢).
ولقد قصَّ الله علينا من أنباء السابقين ما فيه عظة وزجر للآخرين، ونشهد اليوم من أحوال الزائغين التائهين ما يؤكد العبرة عبر القرون. أجل لقد حاق العذاب
стр. 1463
الأليم بقوم لوط ﵇ حينما انحرفت فطرُهم، وانتكست أخلاقهم وشاع المنكر في ناديهم، فتحولت قراهم إلى خراب بلقع، وجعل الله عاليها سافلها وأمطر على أصحابها حجارة من سجيل منضود، مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد.
إنها الفاحشة المستقذرة، والاستجابة لدواعي الشهوة، تُهتك بها أستار الحلال ويُستمرأ بها الحرام .. تُجلب بها النقم خرابًا في البلاد، وفسادًا وأمراضًا مستعصية في العباد.
ولا يقل الزنا أثرًا وخطرًا .. فبه تختلط الأنساب، وتُهتك الأعراض، وتقتل الذرية، ويهلك الحرث والنسل، عارُه يهدم البيوت، ويسوّد الوجوه، ينْزع ثوب الجاه مهما اتسع، ويخفض عالي الذكر مهما علا .. نسأل الله السلامة لنا ولإخواننا المسلمين.
بالزنا يكثر اللقطاء، ويتقلص العفاف، وتسودُ الفوضى، وتنتشر الأمراض المخيفة، وتُحطم أسوار البيوت المنيعة، وتروج الفاحشة، وتنزع عن مرتكبيه الفضيلة، حرمه الله على المؤمنين وقال: ﴿ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا﴾ وفي آية أخرى قرينًا للشرك في سفالة المنزلة والعقوبة والجزاء ﴿الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين﴾ (١).
﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما * يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا﴾ (٢). وحرمه رسول الله ﷺ وحذر من عقوبته فقال: «ما ظهر في قوم الربا
стр. 1464
والزنا إلا أحلوا بأنفسهم عقاب الله» (١).
أيها المسلمون .. يقال هذا وأكثر بمناسبة اليوم العالمي لمواجهة مرض الإيدز، والمصادف للعشرين من هذا الشهر (رجب).
إنه الشبح المخيف والمرض المرعب واللوحة السوداء لحضارة الرجل الأبيض إنه ثمرة الانحراف الخلقي ونتيجة الزهد في القيم، وهو نموذج مشين لأي حضارة لا يرعاها الإسلام ولا يتولى دفتها المسلمون.
أجل لقد بلغ الغرب مبلغا من التطور والتقنية المادية وبلغ حدا لا يجارى في الصناعة والتقدم التكنولوجي، ولكنه أفلس في قيادة العالم في المضمار الحضاري بمفهومه الصحيح برعاية القيم، واعتبار الخُلق والمحافظة على الطهر والعفاف.
إن انتشار مرض الإيدز وإعلان العجز عن مقاومته مؤشر لهذا الإفلاس الحضاري ومانع من القيادة الراشدة لركب سفينة العالم.
إخوة الإسلام .. مرض الإيدز أو نقص المناعة المكتسبة، هو وباء آت من فساد الأخلاق، وإن الطريق الوحيد الذي يسلكه فيروس هذا المرض نحو جسم الإنسان يمر عبر بوابةٍ واحدة فقط هي: بوابة الرذيلة والفساد (٢).
وعلى الرغم من مرور حوالي خمسة عشر عامًا على اكتشاف هذا المرض، إلا أن العلم الحديث بكل إمكاناته التقنية ما زال يقف قاصرًا معلنًا عجز كلِّ محاولاته التي لم تتوقف طوال السنوات الماضية أمام علاج هذا المرض - بل إن خيبة الأمل في التعامل مع هذا الفيروس قد تعددت إلى عدم التوصل إلى لقاح ((أي تطعيم)) ضد
стр. 1465
هذا المرض- ولسان حال الأطباء العاجزين عن الوقاية أو العلاج يقول: إن نتيجة الإصابة بهذا المرض هي: الوفاة وحتى إشعار آخر (١).
عباد الله وتُشير الإحصاءات -من بلاد هذا الداء- أن نسبة ٧٣% (ثلاث وسبعين بالمائة) من جميع حالات الإيدز المعروفة هي للمخنثين أي الشاذين جنسيًّا، وأن خمسة عشر إلى سبعة عشر بالمائة من الحالات هي لمدمني المخدرات، وعشرة بالمائة ناتجة عن عمليات نقل الدم الملوث، وأسباب أخرى لا زالت مجهولة.
وخلاصة القول .. والمرعب في هذا المرض أنه مهلك لمن هم في زهرة الشباب واكتمال القوة، إذ إن خمسة وتسعين بالمائة من جميع حالات الإيدز هي إصابات في الذكور الذين تتراوح أعمارهم ما بين خمس وعشرين، وخمس وأربعين سنة، وهؤلاء هم النشطون جنسيًّا، أو مدمنو المخدرات.
وتشير الإحصاءات والتقارير أن النساء لم تسلم من هذا المرض الخبيث، وأن ثمانين بالمائة من المصابات هنَّ في سنِّ الإنجاب، ما بين الثالثة عشر، والتاسعة والثلاثين عامًا -في الولايات المتحدة- ولقد أصبح الإيدز في تلك البلاد السبب التاسع المؤدي للموت عند الأطفال، وإذا سلم طفل المصابة بالإيدز أصبح البعض منهم حاملا للمرض إلى غيره.
وحول انتشار هذا المرض قيل: إن هذا الفيروس المتناهي في الصغر قد أصاب أكثر من ربع مليون شخص فيما يقرب من اثنتين وخمسين ومائة دولة، في حين أن ما يقرب من عشرة ملايين شخص حاملون لهذا الفيروس ولا يظهر عليهم، وهم
стр. 1466
الأشدُّ خطورة على المجتمعات التي يعيشون فيها.
والمفزع لهذا العالم الموبوء أن أرقام منظمة الصحة العالمية تشير إلى أن المجموع التراكمي لحالات الإيدز قد يتضاعف أكثر من عشرين مرة منذ بدأ التبليغ عن حالات الإيدز عام واحد وثمانين وتسعمائة وألف للميلاد (١).
أيها المؤمنون! لا غرابة بعد هذا وبعد سيل التقارير وزيادة الإحصاءات. أن يصاب العالم بالذعر والخوف من انتشار هذا المرض والإصابة به، وأن يكون الإيدز هو الشاغل الأول لوزارة الصحة في أمريكا، كما صرحت بذلك وزيرة الصحة عام ثلاثة وثمانين وتسعمائة وألف للميلاد، وأن تخصص الحكومة الأمريكية أربعة وعشرين مليون دولارا للأبحاث المتعلقة بهذا المرض، ثم تضيف إليه اثني عشر مليونًا أخرى كما ذكرته مجلة التايمز في نشرة خاصة بالإيدز.
أجل لقد بلغ الرعب بالقوم نهايته، وقد نشرت إحدى مجلاتهم خبر وفاة امرأة أمريكية بلغت من العمر خمسة وخمسين عامًا وقد أصيبت بالإيدز، فرفض الحانوتي الذي يجهز الموتى للدفن أن يستلمها، أما الطبيب فقد قام بإحراق قفازاته وأدواته وثيابه التي استعملها أثناء التشريح (٢).
أرأيتم كيف حل الرعب فيهم .. إنها العقوبة المعجلة في الدنيا، وهي واحدة من ضرائب الفساد الخلقي - وعذاب الآخرة أشدُّ وأبقى، أما الإسلام فتحذيره من هذه المفاسد لا يخفى .. وهاكم حديثًا محذرًا من أحاديث المصطفى ﷺ . وهو شاهد على النبوة وأنه لا ينطق عن الهوى، يقول ﵊ محذرًا متعوذًا ((يا معشر المهاجرين: خمس خصال إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن
стр. 1467
تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قطُّ حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا .. )) (١).
اللهم احفظنا واحفظ أمتنا، وأنزل بلاءك وعقابك على أعدائنا.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿ولما أن جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقالوا لا تخف ولا تحزن إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين * إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون * ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون﴾ (٢).
стр. 1468
الخطبة الثانية:
الحمد لله ربِّ العالمين، أمر بالعدل والإحسان، ونهى عن الفحشاء والمنكر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يمهل ولا يهمل، وإذا أخذ فإن أخذه أليم شديد، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، مثال الطهر والعفاف، وفي بيته نموذج يحتذى للبيوت المسلمة ﴿وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا﴾ (١).
اللهم صل وسلم عليه وعلى إخوانه، وأزواجه، وآله المؤمنين.
أما بعد .. إخوة الإسلام! فليس يخفى أن هذا العالم المضطرب لم يصل إلى ما وصل إليه من تدني في القيم وفساد في الأخلاق فجأة .. ولا مصادفة. بل كان نتيجة تراكمات من الفساد والانحراف عن منهج الله .. وتغليب الشهوة ... وتهييج الغرائز ووأد الكرامة والحياء .. وإشاعة الفاحشة، وترويج المخدرات، ونشر المسلسلات، وإطلاق عنان الحرية المزعومة، حتى عمَّ البلاء وانتشر الوباء، والخوف قائمٌ من تصديره خارج منطقة الداء.
ونحن معاشر المسلمين مطالبون بحماية أنفسنا ومجتمعاتنا من هذا الوباء أو غيره من الأوبئة الأخرى.
والحماية لا تكون بمجرد العلاج إذا وقع الداء وتفشى المرض، وإنما تستلزم الوقاية أولا .. والوقاية خير من العلاج وأجدى. إن علينا بشكل عام ألا نفكر في
стр. 1469
دخول النفق المظلم الذي دخله هؤلاء، ونحن نرى بأم أعيننا كيف كان المنتهى .. وأن ننظر إلى دعوات التقليد البلهاء على أنها صوت من أصوات السفهاء، وعلى العقلاء أن يأطروهم على الحقِّ أطرًا.
علينا أن ندرك مسئوليتنا تجاه الناشئة، ونجنبهم مواطن الردى، إن التربية الجادة للشباب، وتوفير المحاضن الصالحة، وابتكار البرامج المفيدة، كلُّ ذلك يُسهم في إصلاح المسيرة، ويجنب أمة الإسلام ما وقعت فيه الأمم الأخرى.
ويا ويح أمةٍ يغرق شبابها بالمخدرات، ويُفتنون بما تعرضه الشاشات من زُبالات.
ويح أمةٍ يتعلق شبابها برخيص الفن، وتكون الرياضة همَّه الأول والأخير ..
إن توفر الصورة الهابطة عند الشباب عن طريق المجلة أو الشاشة أسلوب من أساليب الإثارة والإغراء، وهو وأدٌ للكرامة واستهلاك للحياء، وربما كان في النهاية طريقًا للفاحشة، وإن إغراق الشباب بسيل المسلسلات الفاتنة والمعتمدة أساسًا على إثارة الغرائز، هو انتحار للقيم، وخطوات في طريق تفريغ طاقات الشباب بما يضر ولا ينفع.
وإن سفر الشباب للخارج دون حسيب أو رقيب، ودون تنظيم يحقق المصالح ويمنع المفاسد هو رميٌ لهؤلاء الشباب في أتون معركة قلَّ أن يخرج أحدٌ منها دون أن يُصاب بشيء من لهيبها، إنها مخاطرة مع هؤلاء الفتية في مجتمعات تكره المسلمين من جانب ويتوفر فيها من الإغراءات والإباحية ما يُثير الغرائز ويخاطب الشهوات .. ومن يرضى لفلذات الأكباد أن يكونوا ضحايا للفساد، أو يكونوا نقلة فيروسات الدمار لبني الإسلام.
ليس من المنطق السليم أن نطالب الشباب بالعفة والطهر ونحن نواصل
стр. 1470
إغراءهم، ونهيئ لهم من الوسائل ما يثير غرائزهم، لابد أن نُسهم جميعًا في حمايتهم، ونشارك في تربيتهم.
إن بقاء الشباب دون عمل، أو المغالاة معه في المهر. كل ذلك ربما أسهم في دفع أصحاب الأنفس الضعيفة إلى اقتراف المحرمات والوقوع في حمأة الرذيلة.
عباد الله! أما المرأة فهي وسيلة للفتنة إذا لم تُصن وتحترم، وهل كانت فتنة بني إسرائيل إلا في النساء، وفي هذه الأمة حذر المصطفى ﷺ من الفتنة بهن فقال: ((ما تركت بعدي فتنة هي أضرَّ على الرجال من النساء)) (١)، ألا فاستوصوا بالنساء خيرًا، امنعوا إماء الله عن التعرض للبلاء، وتنبهوا للدعوات المحمومة التي تريد بهنَّ وبمجتمعهن الشرور والأذى، فما لنا نسمع أحيانًا دعوات للاختلاط بين الذكر والأنثى ولو كانت في الصفوف الأولى؟ ويرتفع الصوت حينًا للمطالبة بقيادة المرأة للسيارة علنًا، ثم تحشد الأقلام للمطالبة ببطاقة المرأة، ثم يتوسع الكاتبون بالمطالبة بإيجاد فرص كثيرة لعمل المرأة ولو أدى ذلك إلى الاختلاط، بل ولو لم يتوفر من الفرص الوظيفية ما يكفي الذكور؟ وهل يرضى عاقلٌ حرّ كريم أن تعمل ابنته أو أخته أو زوجته في مجتمع الأصل في نزلائه من الرجال؟ إنها خطوات ومقدمات لها ما بعدها، فلنتق الله ولنتعاون جميعًا على البرِّ والتقوى، ولنحمي مجتمعنا من أسباب الأمراض التي حلت في الأمم من حولنا .. إنها مسئولية الآباء والمربين، والعلماء والأمراء، ورجالات الفكر والإعلاميين.
يا قوم ألا نفيق على صُراخات المتأوهين .. ألا يكفينا واعظًا ما حلَّ بالآخرين، أين نحن من هدي السماء، وكتاب الله فينا يتلى صباح مساء، وفيه ما يقطع دابر
стр. 1471
الفتن لمن أبصر واهتدى، وقد قيل لخير بيوتات النساء ﴿يانساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا * وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا﴾ (١).
يا قوم أيخفى ما يريده العلمانيون وهم يرون المرأة بابًا مشرعًا لإيجاد الخلل والفساد في هذا المجتمع الآمن الخيّر؟ وهل ننخدع بأساليب النفاق والمنافقين في دعاوى الإصلاح والتحضر-فيما يزعمون- والله أعلم بما يبيتون ..
ونسأل الله أن يكشفهم كما كشف أسلافهم ﴿لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا * ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا * سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا﴾ (٢).
اللهم احفظ علينا أمننا وإيماننا.
стр. 1472
اختيار الرفيق (١)
الخطبة الأولى:
الحمد لله ربِّ العالمين، خلق فسوى، وقدّر فهدى، وله الحمدُ في الآخرة والأولى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، بيده مقاليد السماوات والأرض، وما من دابة في الأرض إلا هو آخذ بناصيتها.
إخوة الإيمان .. كتب أخٌ ناصحٌ إلى أخ له في الله يقول: إن الدنيا حُلُمٌ والآخرة يقظة، والموت متوسط، ونحن في أضغاث أحلام .. من حاسب نفسه ربح، ومن غفل عنها خسر، ومن نظر في العواقب نجا، ومن أطاع هواه ضلَّ، ومن حلم غنم، ومن علم عمل، فإن زللت فارجع، وإذا ندمت فأقلع، وإذا جهلت فاسأل، وإذا غضبت فأمسك. هكذا -إخوة الإيمان- يكون الخليل الناصح، وبمثل هذا النوع من القرناء فليستمسك فيهم -بعد الله- عزاء عند المصيبة، وتسرية حين الكروب والشدة، وسلوةٌ وفائدة حين اللقاء والصحبة.
إخوة الإيمان .. قد جاء في القرآن والسنة ذكرُ القرين والرفيق والخليل مصحوبا ذلك بتوجيهات نافعة، وإشارات تربوية هامة، وإذا كان المرء في هذه الحياة لابد له من صاحب يتحدث معه يشكو له ويسليه وينصح له .. فشأنُ اختيار الصاحب من الأهمية بمكان .. ولابد من الاجتهاد في اختيار من تحب وتخالل .. فالمرءُ على دين خليله .. والمرء مع من أحب .. وكلُّ قرين بالمقارن يقتدي؟ والصاحب
стр. 1473
ساحب. قال أهل العلم: ولا ينبغي للمرء أن يهمل اختيار من يصلح للصحبة؛ لأن للصحبة تأثيرها البالغ على المرء، ورسول الله ﷺ يقول: ((الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل)) (١). ويحدد العلماء الخصال التي ينبغي توفرها في الصاحب، ويقول ابن الجوزي: ينبغي أن يكون فيمن تؤثر صحبته خمس خصال: أن يكون عاقلًا، حسن الخلق، غير فاسقٍ، ولا مبتدع، ولا حريص على الدنيا .. (٢).
قالوا: ومن اجتمعت فيه تلك الخصال فإن صحبته لا يُنتفع بها في الدنيا فحسب، بل ينتفع بها في الآخرة وعلى هذا يُحمل كلام بعض السلف: (استكثروا من الإخوان، فإن لكلِّ مؤمن شفاعة يوم القيامة) (٣).
يا أخا الإسلام ومما يزيدك استمساكًا بالقرين الخيِّر والصاحب الصدوق .. أنك قد ترى أثره وذوده عنك في أشدّ أوقات الحرج .. وهل أعزُّ وأغلى من أخ لك لم تلده أمُّك يكون سببًا في الشفاعة لك وإنقاذك من النار .. وقد جاء في الصحيحين إثبات شفاعة المؤمنين .. ((فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون .. )) (٤).
وجاء في حديث آخر كيف يجادل المؤمنون عن إخوانٍ لهم وقعوا في النار، قال ﵊: ((إذا خلّص الله المؤمنين من النار وأمنوا، فما مجادلة أحدكم لصاحبه في الحق يكون له في الدنيا، أشدَّ مجادلة من المؤمنين لربهم في إخوانهم الذين أدخلوا النار، قال يقولون: ربنا إخواننا كانوا يُصلون معنا،
стр. 1474
ويصومون معنا، ويحجون معنا، فأدخلتهم النار! فيقول: اذهبوا فأخرجوا من عرفتم فيأتونهم فيعرفونهم بصورهم لا تأكل النار صورهم، فمنهم من أخذته النارُ إلى أنصاف ساقيه، ومنهم من أخذته إلى كعبيه فيخرجونه)) (١).
أيها الشاب قل لي من تصادق أقل لك من أنت؟ أيها الرجلُ صاحب الأشد تذكّر من صاحبت في الصبا وستجدُ شيئًا من أثره عليك الآن وعلى نوع الأثر فاختر رفيق الغد، أيها الشيخ الشمط اختر لنفسك خير الأصحاب في خريف العمر .. فالأعمال بالخواتيم.
عباد الله! كم ضل من ضل بسبب قرين فاسد أو مجموعة من القرناء الأشرار، وكم أنقذ الله بقرناء الخير من كان على شفا جرف هار فأنقذه الله بهم من النار، وانتقل من حالٍ إلى حال، فأبصر بعد العمى، واهتدى بعد الضلالة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وتلك واحدة من آثار الرفقة الصالحة. ولهم آثار أخرى أبان عنها العلماء، وهذا عمر ﵁ وهو يعدد شيئًا من آثارهم ويقول: عليك بإخوان الصدق، تعش في أكنافهم، فإنهم زينة في الرخاء، وعدة في البلاء، وابن القيم ينقل عن العلماء ست خصال ومنافع تستفاد من مجالسة الصالحين وهي:
أنها تنقل من الشك إلى اليقين، ومن الرياء إلى الإخلاص، ومن الغفلة إلى الذكر، ومن الرغبة في الدنيا إلى الرغبة في الآخرة، ومن الكبر إلى التواضع، ومن سوء الطوية إلى النصيحة (٢).
أيها المسلمون! من قرأ كتاب الله وتدبره وجد فيه بلسمًا شافيًا، ودعوة
стр. 1475
لمصاحبة الأخيار، والحذر من الأشرار يقول تعالى: ﴿واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا﴾ (١).
وإذا كانت هذه دعوة وتحذيرًا في الدنيا .. فالأمر في الآخرة أشد وأدهى، يقول تعالى: ﴿ويوم يعض الظالم على يديه يقول ياليتني اتخذت مع الرسول سبيلا * ياويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا * لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا﴾ (٢).
عباد الله! ما أعظم الفتن في اختيار الخليل بين فئتين، قال الله عنهما: ﴿الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين﴾ (٣).
وكيف يزهد في اختيار الرفقة الصالحة من يسمع نبيَّ الهدى والرحمة يقول: ((إن من عباد الله أناسًا ما هم بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء بمكانهم من الله ). قالوا: يا رسول الله من هم؟ قال: ((هم قومٌ تحابُّوا بروح الله على غير أرحامٍ بينهم، ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور، وإنهم لعلى نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس)). ثم تلا هذه الآية: ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ (٤).
يا أخا الإسلام! إن من البلاء والفتنة والخيبة والخسران أن تتخذ لك في الدنيا