الفتن لمن أبصر واهتدى، وقد قيل لخير بيوتات النساء ﴿يانساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا * وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا﴾ (١).
يا قوم أيخفى ما يريده العلمانيون وهم يرون المرأة بابًا مشرعًا لإيجاد الخلل والفساد في هذا المجتمع الآمن الخيّر؟ وهل ننخدع بأساليب النفاق والمنافقين في دعاوى الإصلاح والتحضر-فيما يزعمون- والله أعلم بما يبيتون ..
ونسأل الله أن يكشفهم كما كشف أسلافهم ﴿لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا * ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا * سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا﴾ (٢).
اللهم احفظ علينا أمننا وإيماننا.
стр. 1472
اختيار الرفيق (١)
الخطبة الأولى:
الحمد لله ربِّ العالمين، خلق فسوى، وقدّر فهدى، وله الحمدُ في الآخرة والأولى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، بيده مقاليد السماوات والأرض، وما من دابة في الأرض إلا هو آخذ بناصيتها.
إخوة الإيمان .. كتب أخٌ ناصحٌ إلى أخ له في الله يقول: إن الدنيا حُلُمٌ والآخرة يقظة، والموت متوسط، ونحن في أضغاث أحلام .. من حاسب نفسه ربح، ومن غفل عنها خسر، ومن نظر في العواقب نجا، ومن أطاع هواه ضلَّ، ومن حلم غنم، ومن علم عمل، فإن زللت فارجع، وإذا ندمت فأقلع، وإذا جهلت فاسأل، وإذا غضبت فأمسك. هكذا -إخوة الإيمان- يكون الخليل الناصح، وبمثل هذا النوع من القرناء فليستمسك فيهم -بعد الله- عزاء عند المصيبة، وتسرية حين الكروب والشدة، وسلوةٌ وفائدة حين اللقاء والصحبة.
إخوة الإيمان .. قد جاء في القرآن والسنة ذكرُ القرين والرفيق والخليل مصحوبا ذلك بتوجيهات نافعة، وإشارات تربوية هامة، وإذا كان المرء في هذه الحياة لابد له من صاحب يتحدث معه يشكو له ويسليه وينصح له .. فشأنُ اختيار الصاحب من الأهمية بمكان .. ولابد من الاجتهاد في اختيار من تحب وتخالل .. فالمرءُ على دين خليله .. والمرء مع من أحب .. وكلُّ قرين بالمقارن يقتدي؟ والصاحب
стр. 1473
ساحب. قال أهل العلم: ولا ينبغي للمرء أن يهمل اختيار من يصلح للصحبة؛ لأن للصحبة تأثيرها البالغ على المرء، ورسول الله ﷺ يقول: ((الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل)) (١). ويحدد العلماء الخصال التي ينبغي توفرها في الصاحب، ويقول ابن الجوزي: ينبغي أن يكون فيمن تؤثر صحبته خمس خصال: أن يكون عاقلًا، حسن الخلق، غير فاسقٍ، ولا مبتدع، ولا حريص على الدنيا .. (٢).
قالوا: ومن اجتمعت فيه تلك الخصال فإن صحبته لا يُنتفع بها في الدنيا فحسب، بل ينتفع بها في الآخرة وعلى هذا يُحمل كلام بعض السلف: (استكثروا من الإخوان، فإن لكلِّ مؤمن شفاعة يوم القيامة) (٣).
يا أخا الإسلام ومما يزيدك استمساكًا بالقرين الخيِّر والصاحب الصدوق .. أنك قد ترى أثره وذوده عنك في أشدّ أوقات الحرج .. وهل أعزُّ وأغلى من أخ لك لم تلده أمُّك يكون سببًا في الشفاعة لك وإنقاذك من النار .. وقد جاء في الصحيحين إثبات شفاعة المؤمنين .. ((فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون .. )) (٤).
وجاء في حديث آخر كيف يجادل المؤمنون عن إخوانٍ لهم وقعوا في النار، قال ﵊: ((إذا خلّص الله المؤمنين من النار وأمنوا، فما مجادلة أحدكم لصاحبه في الحق يكون له في الدنيا، أشدَّ مجادلة من المؤمنين لربهم في إخوانهم الذين أدخلوا النار، قال يقولون: ربنا إخواننا كانوا يُصلون معنا،
стр. 1474
ويصومون معنا، ويحجون معنا، فأدخلتهم النار! فيقول: اذهبوا فأخرجوا من عرفتم فيأتونهم فيعرفونهم بصورهم لا تأكل النار صورهم، فمنهم من أخذته النارُ إلى أنصاف ساقيه، ومنهم من أخذته إلى كعبيه فيخرجونه)) (١).
أيها الشاب قل لي من تصادق أقل لك من أنت؟ أيها الرجلُ صاحب الأشد تذكّر من صاحبت في الصبا وستجدُ شيئًا من أثره عليك الآن وعلى نوع الأثر فاختر رفيق الغد، أيها الشيخ الشمط اختر لنفسك خير الأصحاب في خريف العمر .. فالأعمال بالخواتيم.
عباد الله! كم ضل من ضل بسبب قرين فاسد أو مجموعة من القرناء الأشرار، وكم أنقذ الله بقرناء الخير من كان على شفا جرف هار فأنقذه الله بهم من النار، وانتقل من حالٍ إلى حال، فأبصر بعد العمى، واهتدى بعد الضلالة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وتلك واحدة من آثار الرفقة الصالحة. ولهم آثار أخرى أبان عنها العلماء، وهذا عمر ﵁ وهو يعدد شيئًا من آثارهم ويقول: عليك بإخوان الصدق، تعش في أكنافهم، فإنهم زينة في الرخاء، وعدة في البلاء، وابن القيم ينقل عن العلماء ست خصال ومنافع تستفاد من مجالسة الصالحين وهي:
أنها تنقل من الشك إلى اليقين، ومن الرياء إلى الإخلاص، ومن الغفلة إلى الذكر، ومن الرغبة في الدنيا إلى الرغبة في الآخرة، ومن الكبر إلى التواضع، ومن سوء الطوية إلى النصيحة (٢).
أيها المسلمون! من قرأ كتاب الله وتدبره وجد فيه بلسمًا شافيًا، ودعوة
стр. 1475
لمصاحبة الأخيار، والحذر من الأشرار يقول تعالى: ﴿واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا﴾ (١).
وإذا كانت هذه دعوة وتحذيرًا في الدنيا .. فالأمر في الآخرة أشد وأدهى، يقول تعالى: ﴿ويوم يعض الظالم على يديه يقول ياليتني اتخذت مع الرسول سبيلا * ياويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا * لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا﴾ (٢).
عباد الله! ما أعظم الفتن في اختيار الخليل بين فئتين، قال الله عنهما: ﴿الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين﴾ (٣).
وكيف يزهد في اختيار الرفقة الصالحة من يسمع نبيَّ الهدى والرحمة يقول: ((إن من عباد الله أناسًا ما هم بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء بمكانهم من الله ). قالوا: يا رسول الله من هم؟ قال: ((هم قومٌ تحابُّوا بروح الله على غير أرحامٍ بينهم، ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور، وإنهم لعلى نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس)). ثم تلا هذه الآية: ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ (٤).
يا أخا الإسلام! إن من البلاء والفتنة والخيبة والخسران أن تتخذ لك في الدنيا
стр. 1476
قرينًا سيئًا .. وخِلًا فاسدًا، إن هممت بأمر خير ثبطك .. وإن تباطأت عن أمر سوء، أو استحييت من عمل منكر .. سارع بك وشجعك وسوّل لك ومناك، يُبعدك عن مجتمع الأخيار .. يُحسن لك الجلوس على موائد الشرِّ والانضمام لقافلة الأشرار، لا تأمن غدرهم، ولا تسرُّ إذا رُؤيت معهم، وإنها لنعمة ومنة أن يهديك الله لرفقة صالحة، إن وجدوا فيك خيرًا شجعوه، وإن وجدوا عليك عيبًا نصحوك وستروك، تأمن سريرتهم، وتُعجبك علانيتُهم، وتستلذ بحلو منطقهم، وتستفيد من أطايب كلامهم .. وتفخر إذا رأيت نفسك أو رآك غيرُك معهم. وأختر لنفسك ما تشاء واعلم أن اختيارك لقرين السوء دليل بعدك على ذكر الله وطاعته. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين * وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون * حتى إذا جاءنا قال ياليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين﴾ (١).
стр. 1477
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، يسر من شاء لليسرى، وجعل نصيب آخرين العسرى، وهو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يمتحن الناس في هذه الدنيا وعنده يوم القيامة الجزاء الأوفى.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله نظر ربُّه في قلوب الرجال فوجد قلبه أزكاها وأتقاها فاختاره لرسالته، ونظر في قلوب الرجال من بعده فوجد قلوب الصحابة الهدى والتقى فاختارهم أصحابًا له .. وبهم يقتدى .. اللهم صلِّ وسلم على نبينا محمد وعلى سائر النبيين والمرسلين.
أيها المسلمون! إذا كانت القلوب تموت بمصاحبة الأشرار، أو تُصاب بالعلل الكبرى، فإن في مصاحبة الأخيار دواءً للقلوب وحياةً لها، وقد نقل النووي ﵀ عن الزاهد العابد إبراهيم الخواص أنه قال: دواءُ القلب خمسة .. وذكر منها: مجالسة الصالحين (١).
أيها المسلم! قد تستهويك رفقة الأخيار لما جاء في فضلها وآثارها، ولكنك قد تجد من نفسك تثاقلا أو حياءً، أو حواجز نفسية ووهمية عن اللقاء بالخيرين والانبساط إليهم، فجاهد نفسك في البداية تجدها منقادة لك في النهاية .. واعلم أن العتبة الأولى لقربك من الخير وأهله كثرة صلتك بالله، واستدامتك لطاعته وإخلاصُك في عبوديته .. وهجرُ الفساد والانقطاع عن مجتمع الفاسدين .. فتلك عون لك بإذن الله على الانخراط في سلك الخيرين، والفرار من مجتمع البطالين.
стр. 1478
أيها الأخيار .. وإذا جاءكم المرءُ مقبلًا على الخير ملتمسًا طرق النجاة صادقًا في عزمه، مخلصًا في ظاهره، فإياكم أن تكفهروا في وجهه، ولو رأيتم عليه بقايا من آثار المعاصي، أو لوثات فكرية من بقايا الماضي .. فحقُّ من وضع رجله في الطريق الصحيح أن يُقابل بالودِّ والترحاب، وحق على من استغاث بأهل الخير أن يغيثوه ويقفوا معه، إن من الخطأ أن ينغلق أهل الخير على أنفسهم، أو تكون الريبةُ هي الأصل في تعاملهم .. والمسلم -وإن كان مطلوبًا أن يكون كيِّسًا فطنًا- ليس بالخب ولا الخبُّ يخدعه، فالأصل أن يتعامل بالظاهر ويدع البواطن لعلاَّم الغيوب .. ومن رام خداع الناس فسيكشفه الله، والمنافقون حين ظنوا أنهم يخادعون الله والذين آمنوا، قال الله عنهم: ﴿وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون﴾.
يا أيها التائب والراغب في مجتمع الخيرين، إياك أن تتخذ من الخطأ الصادر من أي بشر كان سبيلًا للانتكاس مرةً أخرى، ووسيلة لإقناع النفس بسلامة ما أنت عليه أولا .. فأخطاء الناس لا تحسب على الإسلام ولا يُلام الإسلام إذا ما جهل أبناؤه، فكن متنبهًا لهذا الأمر جيدًا، وفرق بين ما يأمر به الإسلام والأخطاء التي يمارسها المسلمون.
وإذا انغلق أمامك طريق فاسلك طريقًا آخر، وإذا لم تجد الراحة عند شخص أو أشخاص فابحث عن آخرين .. وهكذا والمهم ألا تعود إلى النار بعد أن أَنقذك الله منها، وإلى مجتمع السافلين وقرناء السوء بعد إذ نجاك الله منهم.
يا أخا الإيمان! نصيحتي لك أن تفرَّ من المجذوم في هذه الحياة فرارك من الأسد، ولا تسلم فكرك للآخرين يقودونك حيث شاءوا، ويوقعون بك من مصائب الدنيا ما يظل خزيه يلاحقك ما حييت .. والفضيحة على رءوس الأشهاد أنكى وأخزى .. وهذا كتاب الله يقُص عليك حوارًا معبرًا عن أثر القرين، إلا من حمى
стр. 1479
الله ووقى، يقول تعالى: ﴿قال قائل منهم إني كان لي قرين * يقول أئنك لمن المصدقين * أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمدينون * قال هل أنتم مطلعون * فاطلع فرآه في سواء الجحيم * قال تالله إن كدت لتردين * ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين﴾ (١).
إن القرناء يستلبون عقول من يقارنون، ويوجهونهم حين يشاءون، فمن وفق لقرين صالح فليحمد الله ولا يغترّ ولا يستكبر .. ومن بُلي بقرين سوءٍ فليسارع بالخلاص قبل أن يستفحل الداءُ ويصعب الدواء.
وكم هو مشهد مؤثر وكاشفٌ لتلاوم قرناء السوء، وكلّ يتهم صاحبه وقد قضي الأمر، واشترك الجميع في الذل والخزي، اسمع إلى مجادلتهم في قوله تعالى. ﴿وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين * قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين * وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون﴾ (٢).
اللهم إنا نسألك خير الأصحاب، ونعوذ بك من الأشرار، اللهم احشرنا مع المتقين الأبرار، اللهم أنلنا شفاعتهم، وبلغنا منازلهم بحبهم وإن قصرت أعمالنا عنهم.
стр. 1480
اليقين (١)
الخطبة الأولى:
الحمد لله ربِّ العالمين، خلق فسوى، وقدّر فهدى، وله الحمدُ في الآخرة والأولى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، بيده مقاليد السماوات والأرض، وما من دابة في الأرض إلا هو آخذ بناصيتها، وما في السماء موضع شبر إلا وفيه ملك ساجد أو راكع لله. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، بعثه الله على حين فترة من الرسل، فأحيا الله به القلوب بعد موتها، وجدد به الملة الحنيفية بعد مزاحمة الشرك والوثنية لها.
اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارض اللهم عن أصحابه أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ﴿ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا﴾ (٢).
﴿ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون﴾ (٣).
وبعد إخوة الإيمان فلله الحمدُ والمنّة إذ يسر للحجاج حجهم وأعانهم على قضاء مناسكهم، فعاد من عاد منهم سالمًا غانمًا إن شاء الله، واختار لبعضهم
стр. 1481
الرحيل عن هذه الدار قبل إتمام حجِّهم، أو قبل أن يصلوا إلى أهليهم، والله يحكم ما يشاء ويختار، ما كان لهم الخيرة من أمرهم، ونسأل الله أن يتقبل من الحجاج حجتهم ويمتعهم متاعًا حسنًا، وأن يغفر للموتى ويُجزل مثوبتهم، ويجبر مصابهم وأهلهم. وكذلك تكون الحياةُ الدنيا وكذلك يفعل الله ما يشاء بالأحياء، وحكم المنية في البرية جاري ما هذه الدنيا بدار قرار ﴿وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير﴾ (١).
ولله الحمد والمنة إذ أفاء على الحجاج وغير الحجاج من بركات عشر ذي الحجة ومتعهم حتى عاشوا يوم العيد وأيام التشريق وهي أَيام عظيمة فاضلة.
ولك الحمد ربّنا إذ جعلت الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس وأمنًا، فعبدوك آمنين مطمئنين، اللهم زد بيتك تعظيمًا وتشريفًا، وأجزل المثوبة لكل من ساهم في أمن الحجاج والمعتمرين، وطهر بيت الله للطائفين والعاكفين والركع السجود، اللهم ومن أراد بيتك أو حجاجه وعماره أو المسلمين بسوء فاجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميرًا عليه يا رب العالمين.
اللهم عظم للعاملين أجورهم، ولا تحرم المقصرين فضلك، واجعلهم فيما يستقبلون من أيامهم خيرًا مما مضى من أعمارهم. واختم بالصالحات أعمالهم، ولا تضلهم بعد إذ هديتهم، فما أسوأ الحور بعد الكور، والضلالة بعد الهدى، ومن يُضلل الله فما له من هاد.
أيها المسلمون! من فضل الله علينا أن المسلم ينتقل من عبادة إلى عبادة ومن موسم للخيرات إلى آخر، وهذه العبادات منها ما يتكرر كلَّ عام، ومنها ما يتكرر
стр. 1482
كلَّ شهر، ومنها ما يتكرر كلَّ أسبوع، ومنها ما يلازم المسلم كل يوم، بل ربما تكرر في اليوم خمس مرات أو أزيد، ولو شاء المرءُ لعبد ربه مع كل نفس يخرج، قائمًا وقاعدًا وعلى جنب .. فالصلاة والصيام والذكر وتلاوة القرآن والصلة والإحسان، ونحوها من العبادات لا تحد بزمان أو مكان، أو هيئة محدودة للإنسان.
يا أخا الإسلام .. وكما تتعاظم العبادة في الأزمنة والأمكنة الفاضلة -فثمة أمر آخر يتعاظم فيه أجرُ العبادة، ويحتاج العباد إلى معرفته والعمل به- إنه تعظيم أمر الله في النفوس واستشعار لذة العبادة من خلال اليقين والإخلاص والمتابعة لهدي الرسول ﷺ .
أجل إن العبادة يتعاظم أجرُها بقدر ما يوجد في قلب العابد من عبودية وإخلاص وتعظيم لأمر الله، ويقين لا يخالطه شك. فما معنى اليقين؟ وما أثره؟ وبم يُحصل عليه؟ وما مظاهر ضعفه؟
قال العالمون: اليقينُ طمأنينة القلب، واستقرارُ العلم فيه، ولهذا قالوا: ينتظم من اليقين أمران: علمُ القلب، وعملُ القلب، فإن العبد قد يعلم علمًا جازمًا بأمر، ومع هذا يكون في قلبه حركة واختلاج من العمل الذي يقتضيه ذلك العلم، كعلم العبد أن الله رب كلِّ شيء ومليكُه، ولا خالق غيره، وأنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فهذا قد تصحبه الطمأنينة إلى الله والتوكلُ عليه (فيكون صاحبه من الموقنين) وقد لا يصحبه العملُ بذلك، إما لغفلة القلب من هذا العلم، وإما للخواطر التي تسنح في القلب كالاعتماد على الأسباب .. وإما لغير ذلك فلا يكون صاحبه مطمئنًا ولا مستيقنًا (١).
стр. 1483
يا أخا الإيمان! وإذا أردت أن تتبين أثر الإخلاص واليقين في الأعمال فتأمل حديث صاحب البطاقة، فقد روى الترمذي وحسنه، والنسائي وابن حبان والحاكم، وصححه ووافقه الذهبي من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعًا: ((يُصاح برجلٍ من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة، فيُنشر له تسعة وتسعون سجلًا، كلُّ سجل منها مد البصر، ثم يقال: أتنكر من هذا شيئًا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا ربِّ، فيقال: أفلك عذرٌ أو حسنة؟ فيهاب الرجلُ، فيقول: لا، فيقال: بلى، إن لك عندنا حسنةً وإنه لا ظلم عليك اليوم، فيخرج له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، فيقول: يا ربِّ ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقال: إنك لا تُظلم، فتوضع السجلاتُ في كفة، والبطاقة في كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة)) (١).
قال ابن تيمية معلقًا على هذا الحديث: (والنوع الواحد من العمل قد يفعله الإنسان على وجهٍ يكمل فيه إخلاصه وعبوديته لله، فيغفر الله به كبائر كما في حديث البطاقة.
ثم ذكر ابن تيمية حديث البغي التي سقت كلبًا فغفر الله لها. والرجل الذي أماط الأذى عن الطريق فغفر الله له، ثم قال: فهذه سقت الكلب بإيمان خالص كان في قلبها فغُفر لها، وإلا فليس كلُّ بغي سقت كلبًا يُغفر لها، فالأعمال تتفاضل بتفاضل ما في القلوب من الإيمان والإجلال .. ) (٢) اهـ.
ويقول تلميذه ابن القيم ﵀: فالأعمال لا تتفاضل بصورها وعددها، وإنما تتفاضل بتفاضل ما في القلوب، فتكون صورة العملين واحدة، وبينهما من التفاضل
стр. 1484
كما بين السماء والأرض، قال: وتأمل حديث البطاقة وكيف ثقلت بتسعة وتسعين سجلًا كلُّ سجل مدّ البصر، فلا يُعذب صاحبُها، ومعلوم أن كلَّ موحدٍ له هذه البطاقة، وكثير منهم يدخل النار بذنوبه (١).
أيها المسلمون! في مقابل هذا فقد يعمل الإنسان أعمالًا عظيمة في ذاتها، ولا يقبلها الله منه، بل ربما تعرض للوعيد الشديد وكان مصيره النار بسبب فعلها، وذلك لخلوها من الصدق والإخلاص واليقين، كما في حديث الثلاثة الذين هم أول من يُقضى يوم القيامة، وأحدُهم قاتل الكفار حتى قتل، والآخر تعلم العلم وعلّمه، وقرأ القرآن، والثالث: كان ينفق ماله في وجوه الخير .. ويوم القيامة يُسحب على وجهه حتى يُلقى في النار .. لأن العمل لم يمكن خالصًا، بل كان للرياء والسمعة، ونيل الشهرة، وحتى يقال: جريء، وعالم، ومنفق. وقد قيل ذلك في الدنيا، أما في الآخرة فلا يقبل الله من العمل إلا ما كان له خالصًا.
كما قال تعالى لنبيه وللمؤمنين: ﴿فاعبد الله مخلصا له الدين * ألا لله الدين الخالص﴾ (٢).
ألا فعظموا ربكم، وأخلصوا له عبادتكم، واستيقنوا لقاء ربكم، واحذروا الآخرة، وارجوا رحمة الله.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿أممن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب﴾ (٣).
стр. 1485
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، فاضل بين الناس في أعمالهم وإيمانهم، فمنهم المسارعون للخيرات، والمكثرون من عمل الصالحات، وهم آمنون مستيقنون، ومنهم الظالمون لأنفسهم المعرضون عن ذكر ربهم، وهم في ريبهم يترددون.
أحمده تعالى وأشكره وأثني عليه الخير كلَّه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
عباد الله! منزلة اليقين من الإيمان كما قال ابن مسعود ﵁ (اليقين الإيمان كلُّه، والصبر نصف الإيمان). ولليقين أثرٌ كبيرٌ في الإيمان بالقضاء والقدر. كما قال ابنُ عباس ﵄ يرفعه: ((فإن استطعت أن تعمل بالرضى في اليقين فافعل، فإن لم تستطع فإن في الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا))، وفي رواية: قلت: يا رسول الله كيف أصنع باليقين؟ قال: ((أن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك)) (١).
أيها المسلمون! لمنزلة اليقين وحاجة الناس إليه جاء في الحديث المشهور: ((سلوا الله اليقين والعافية فما أعطي أحد بعد اليقين شيئًا خيرًا من العافية، فسلوهما الله)) (٢).
أما أهل اليقين فهم الأئمة والقادة، وهم أهل الصبر والهداية إذا ابتلوا ثبتوا، وإذا أذنبوا استغفروا، ويشكرون على السراء، ويصبرون على البلاء، لا يخشون إلا الله، ولا يرجون أحدًا سواه، خصهم الله بالذكر في قوله: ﴿وجعلنا منهم أئمة
стр. 1486
يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا باياتنا يوقنون﴾ (١).
وأثنى عليهم وما يتقلبون فيه من نعمة بقوله: ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل * فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم﴾ (٢).
يا أخا الإيمان! إن قلت: إذا كانت هذه بعض مزايا وقدر أهل اليقين، فكيف السبيل إلى تحصيل اليقين؟
فالجواب كما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بقوله: وأما كيف يحصل اليقين فبثلاثة أشياء:
أحدها: تدبر القرآن، والثاني: تدبر الآيات التي يحدثها الله في الأنفس والآفاق التي تبين أنه حق، والثالث: العمل بموجب العلم، قال تعالى: ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد﴾ (٣).
عباد الله! إذا كان في كتاب الله من الآيات ما يدعو للإيمان واليقين من أخبار الوعد والوعيد، وقصص الماضين، وأخبار الهالكين، وسُبل نجاة المؤمنين، وما تضمنته آياته من آيات في الأنفس والآفاق.
فإن في صفحةِ كون الله المفتوح ما يدعو كذلك للإيمان واليقين، فسماءٌ ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات خلق وأمواج، وجبال ذات جُدد بيض
стр. 1487
وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سُود، ومخلوقات تختلف أشكالها وأحجامها وهيئاتها، وكلها خلق من ماء فمنها ما يمشي على بطنه، ومنها ما يمشي على رجلين، ومنها ما يمشي على أربع، يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيء قدير، بل لو أبصر المرء في ذات نفسه وتأمل قدرة الله في خلقه لزاد إيمانه وامتلأ قلبه يقينًا بخالقه.
ألا ما أحوج الأمة المسلمة بأفرادها وقادتها إلى مزيد الإيمان واليقين ترتفع به من كبوتها .. وتستنقذ به نفسها والأمم من حولها من هاوية الحيرة والضلال والشك والريب، وتسير بالإيمان واليقين تفتح مغاليق القلوب بإذن الله، وتنشر دين الله الحقَّ في أصقاع المعمورة، وكذلك كان أسلافنا قممًا عالية في الإيمان واليقين، ومن طريف ما يُروى في الإيمان واليقين، أن المسلمين حين افتتحوا مصر جاء أهلُها إلى عمرو بن العاص وكان أميرًا لها حين دخل بؤونة من أشهر العجم، فقالوا: أيها الأمير: إن لنيلنا هذا سُنَّةً لا يجري إلا بها، قال: وما ذاك؟ قالوا: إذا كانت ثنتا عشرة ليلة خلت من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر بين أبويها فأرضينا أبويها وجعلنا عليها من الحُلي والثياب أفضل ما يكون ثم ألقيناها في هذا النيل، فقال لهم عمرو: إن هذا لا يكون في الإسلام، إن الإسلام يهدم ما كان قبله، فأقاموا بؤونة والنيلُ لا يجري حتى هموا بالجلاء، فكتب عمرو إلى عمر بن الخطاب ﵁ بذلك، فكتب إليه عمر: إنك قد أصبت بالذي فعلت، وقد بعثت إليك ببطاقة داخل كتابي هذا، فألقها في النيل، فلما قدم كتابُه أخذ عمرو البطاقة ففتحها فإذا فيها: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل أهل مصر، أما بعد، فإنك إن كنت إنما تجري من قبلك فلا تجري، وإن كان الله الواحدُ القهار هو الذي يجريك فنسأل الله أن يجريك. قال: فألقى البطاقة في النيل فأصبحوا يوم السبت
стр. 1488
وقد أجرى الله النيل ستة عشر ذراعًا في ليلة واحدة، وقد قطع الله تلك السُّنة عن أهل مصر إلى ذلك اليوم (١).
أيها المسلمون! من مظاهر ضعف اليقين: أن ترضي الناس بسخط الله، وأن تحمدهم على رزق الله، وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله، إن رزق الله لا يجره حرص حريص، ولا يرده كراهية كاره، وإن الله بحكمته جعل والروح والفرح في الرضا واليقين، وجعل الهمَّ والحزن في الشك والسخط.
هكذا ورد في حديث عن أبي سعيد، والحديث وإن أعله العلماء وضعفوه، فمعناه صحيح، كما قال المحققون (٢).
اللهم إنّا نسألك اليقين والعافية، ونعوذ بك من الشكِّ والتسخط والهم والحزن.
اللهم إنا نسألك إيمانًا يباشر قلوبنا، ويقينًا يلازمنا ما أبقيتنا حتى تتوفانا وأنت راضٍ عنا. وصلّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 1489
العشر الأخير وفضل التهجد والدعاء (١)
الخطبة الأولى:
الحمد لله ربِّ العالمين، خلق فسوى، وقدّر فهدى، وله الحمدُ في الآخرة والأولى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، بيده مقاليد السماوات والأرض، وما من دابة في الأرض إلا هو آخذ بناصيتها وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
اتقوا الله معاشر المسلمين وتزودوا فإن خير الزاد التقوى، ولباسُ التقوى خير وأبقى، واصدقوا مع ربكم في العلانية وما يخفى، فإن ذلك من علائم التقوى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾.
عباد الله! بشراكم اليوم حيث تدركوا ليالي العشر الأخير من رمضان، وهي شامة العام، وغرّة في جبين الزمان، يقدرها حقَّ قدرها العالمون العابدون، ويتهاون بشأنها ويفرط في مغانمها الجاهلون العاجزون، إنها الموسمُ يتنافس فيها المتنافسون، وإنها التجارةُ المنجية من عذاب الله لمن وفقه الله، إنها فرصٌ تبتلى فيها الهمم، ويتبين فيها مريدو الآخرة، والمتعلقون بالدنيا.
إنها الفرصة الأخيرة في الشهر تحلُّ لتكون العزاء لمن فرّط في أول الشهر، أو التاج الخاتم لمن أصلح ووفَّى فيما مضى. أجل لقد كان خيرُ البرية محمد ﷺ يجتهد في هذه العشر فوق ما يجتهدُ في غيرها، وقد روى الإمام مسلم ﵀ عن أم
стр. 1490
المؤمنين عائشة ﵂ قالت: ((كان رسول الله ﷺ يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره)) (١). كان يحيي الليل، ويوقظ أهله، ويشد مئزره، وهو الذي غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فما بال أقوام تثقلهم الذنوبُ، ويحتاجون إلى رحمة علام الغيوب، ثم هم يُفرّطون، وعن مواسم الخيرات يتأخرون؟ ! إنها النفوس الأمارة بالسوء تقعد بأصحابها حين تكون المغانم، وإنها الهمم الضعيفة تستثقل القيام في أيام وليالي معدودة ..
أين نحن من قومٍ ديدنهم القيام طوال العام، وسيماهم التضرع والتجافي عن المضاجع في رمضان وغير رمضان، بل كانوا يتلذذون بالقيام ويسعدون وهم يناجون الملك العلام، يقول أحدهم: لولا قيام الليل ما أحب البقاء في الدنيا.
وقال عاصم بن أبي النجود يرحمه الله: أدركت أقوامًا كانوا يتخذون هذا الليل جملًا (٢).
أولئك الذين أثنى الله عليهم ووعدهم، وربك لا يخلف الميعاد، ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون﴾ (٣)، ذلك واقعهم، أما جزاؤهم، ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون﴾ (٤).
أهل التجافي في جنح الظلام هم أهلُ التقوى والمتقون في جناتٍ وعيون، أحسنوا في الدنيا فأحسن الله إليهم في الآخرة ﴿إن المتقين في جنات وعيون *
стр. 1491
آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين * كانوا قليلا من الليل ما يهجعون * وبالأسحار هم يستغفرون﴾ (١).
قيام الليل هدي محمد ﷺ ﴿ياأيها المزمل * قم الليل إلا قليلا * نصفه أو انقص منه قليلا * أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا﴾ (٢).
وهو هدي خيار الأمة معه: ﴿إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة﴾ (٣).
وقيام الليل مفخرة لأهله، وامتدح الشعراء به أهله، وهذا عبد الله بن رواحة ﵁ يمدح رسول الله ﷺ ويقول:
وفينا رسول الله يتلو كتابه ... إذ انشق معروف من الصبح ساطع
يبيت يُجافي جنبه عن فراشه ... إذا استثقلت بالمشركين المضاجع
وذكروا المتقاعس أو المتباطئ فيه فقالوا:
أمامك يا نومانُ دارُ سعادة ... يطول الثوى فيها ودارُ شقاء
خُلقت لإحدى الغايتين فلا تنم ... وكن بين خوفٍ منهما ورجاء (٤)
((نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل)) (٥).
هكذا كان النبيُّ ﷺ يدعو أصحابه لقيام الليل ويرغبهم فيه، ولقد وضع ﷺ الزرع في منبته، فاستجاب الرجال للنداء، وأجابوا الدعوة والداعي، وكانوا رهبانًا
стр. 1492
بالليل فرسانًا بالنهار، تتجافى جنوبهم عن المضاجع فلا تجف لهم دمعة، ولا تقعد بهم الدنايا عن طلب المنازل العليّة.
قيام الليل أيها المسلمون من أَبواب الخير، عن معاذ ﵁ أن النبي ﷺ قال له: ((ألا أدلُّك على أبواب الخير؟ الصومُ جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماءُ النارَ، وصلاةُ الرجل من جوف الليل)) قال؟ ثم تلا: ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع﴾ حتى بلغ ﴿يعلمون﴾ (١).
عباد الله! وفي فضل التجافي ذكر ابن المبارك يرحمه الله عن ابن عباس ﵄ قال: ((إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، ليقم الحامدون لله على كل حال، فيقومون فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي ثانية: ستعلمون من أصحاب الكرم، ليقُم الذين كانت جنوبهم تتجافى عن المضاجع ﴿يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون﴾. قال: فيقومون فيسرحون إلى الجنة .. الحديث (٢).
أَيها المسلمون! حريٌّ بنا أن نجاهد أنفسنا على قيام الليل وهذا بعض فضله، وأن نتخذ من رمضان فرصة للقيام في سائر العام، وإن قصرت بكم الهمم في بعض الشهور والأيام عن قيام الليل والناس نيام، فدونكم هذه الليالي الفاضلة فلا تغلبنكم أنفسكم، ولا يصدنكم الشيطان عنها، فهي والله العز في الدنيا، والمغنم في الآخرة. وإليكم واحدًا من بشاراتها وثوابها، قال ﵊: ((إن في الجنة غرفًا يُرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدها الله لمن أطعم الطعام وأفشى السلام وصلّى بالليل والناس نيام)) (٣).
стр. 1493
تأملوا عباد الله الليل إذا سجى، وادعوا ربكم خوفًا وطمعًا وسبحوه بكرة وأصيلا، واستمتعوا بالقرآن إذ يتلى، ولا يكن همكم نهاية الصلاة إذ تقضى، ولا يكن حديثكم ومحل اهتمامكم أقصّر الإمام في الصلاة أم وفّى، فإنّ من قام لله قانتًا واحتسب الأجر على الله قائمًا وراكعًا وساجدًا، تشاغل بذكر مولاه، وبكى على خطيئته وخاف ربَّه ورجاه، واستشعر اللذة في حال قيامه أو ركوعه أو دعاه.
أيها المسلمون! ليالي العشر مغنم يستحق التهنئة والبشرى، وفيها ليلة خير من ألف شهر كما أنزل العليُّ الأعلى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر * وما أدراك ما ليلة القدر * ليلة القدر خير من ألف شهر * تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر * سلام هي حتى مطلع الفجر﴾ (١).
وتأمل يا أخا الإسلام كم في هذه الليلة من فضائل ومزايا، ففيها أنزل القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا، والعمل فيها لمن وفقه الله وقبله خير من العمل في ألف شهر، وتلك رحمة من رحمات الله بهذه الأمة التي تقلّ أعمارها عن أعمار الأمم قبلها، فأعطيت هذه الليلة لتعويض قصر أعمارها.
وفيها يكثر تنزل الملائكة، وهم يتنزلون مع تنزل البركة والرحمة، والله أخبر عن بركة هذه الليلة فقال: ﴿إنا أنزلناه في ليلة مباركة﴾ (٢). ووصفت بأنها سلام أي سالمة لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءًا أو أذى كما قال مجاهد ﵀ (٣).
أو يكثر فيها السلامة من العقاب والعذاب بما يقوم به العبدُ من طاعة
стр. 1494
الله (١)، وفي ليلة القدر يُفرق كلُّ أمرٍ حكيم، وهو ما يفصل من اللوح المحفوظ إلى الكتبة من أمر السنة، وما يكون فيها من الآجال والأرزاق.
وفوق ذلك كلِّه، فمن قامها إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه كما في الحديث المتفق على صحته.
فهل ترضى أيها اللبيبُ أن تفوّت على نفسك هذه الفرصة، وأنت تضمنها في ليالٍ عشر، ألا ما أحوجني وإياك والمسلمين إلى فضل ربِّنا فهذه نفحات جوده تغشانا.
وما أحوجنا إلى مغفرة الذنوب التي أثقلت كواهلنا، وفي هذه الليالي فرصة للتخفف والتوبة والاستغفار فما أحرانا، ولا يفوتنك الاستغفار بالأسحار فهو سيما المتقين وزاد إلى جنة النعيم ﴿وبالأسحار هم يستغفرون﴾ (٢).
ولي ولك حوائج في الآخرة والأولى .. وفي جنح الظلام يسمع الدعاء، ولنا جميعًا معاشر المسلمين هموم ومآسي، وليس إلا الله يرفع عنا الضراء، فلنبتهل إليه ولنصدق المسألة لنا ولإخواننا والجنة جميعًا مبتغانا، ونسأل الله ليلًا ونهارًا أن يرزقنا إياها وقيام الليل عامة، وإحياء ليال العشر خاصة طريق إلى الجنة، إذا صحت النوايا وخلصت الأعمال لله جلّ وعلا، وأذن الربُّ بالقبول - وربنا رءوف رحيم يعطي الجزيل، ويتجاوز عن التقصير، فهل نلج الباب ونفعل الأسباب؟
إنها دعوة للمسابقة للخيرات، وتذكير ببعض الفضائل والمكرمات، ومن تذكر فإنما يتذكر لنفسه، ومن عمل صالحًا فلنفسه ومن أساء فعليها. أعوذ بالله من
стр. 1495
الشيطان الرجيم ﴿ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا * إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا﴾ (١).
اللهم انفعنا بالقرآن ووفقنا لصالح الأعمال، وأعنا على الصيام والقيام وتقبل منا يا كريم يا منان .. أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ..
стр. 1496
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، أوحى إلى عبده فيما أوحى: ﴿ومن الليل فسبحه وأدبار السجود﴾ (١). قال ابن جرير ﵀: هي الصلاة بالليل من أي وقت صلى.
وأنزل على نبيه فيما أنزل ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا﴾ (٢). وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محَمدًا عبده ورسوله وفيما أنزل عليه: ﴿فإذا فرغت فأنصب * وإلى ربك فارغب﴾ (٣)، قال القرطبي: قال ابن مسعود ﵁: إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل.
اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
إخوة الإيمان! في الهزيع الأخير من الليل يُستجاب الدعاء، وقد ثبت عن رسول الله ﷺ قوله: ((إن الله يُمهل حتى إذا ذهب ثلث الليل الأول نزل إلى السماء الدنيا فيقول: هل من مستغفر، هل من تائب، هل من سائل، هل من داع، حتى ينفجر الفجر)) (٤).
وفي الدعاء يجاب المضطر، ويكشف السوء، وتستمر الحياة على وجه الأرض: ﴿أممن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون﴾ (٥). قال المفسرون: ينبه تعالى أنه المدعو عند
стр. 1497
الشدائد، والمرجو عند النوازل (١).
أمة الإسلام! كم في المسلمين من شدة، وكم تحيط بهم من نازلة وليس لهم إلاّ الله يرفع عنهم الضرَّ، ويكشف ما بهم من كرب، فهل يا ترى يستفيد المسلمون من هذه الليالي الفاضلة فيرفعون أكف الضراعة لجلاء الغمة، وإزالة أسباب التشرذم والفرقة، لقد عادت غربة الدين في أنحاء واسعة من بلاد المسلمين، وأصبح الغيورون على دين الله غرباء، وأصبحت نُخب العلمانيين تصدِّر للناس من المفاهيم الملوثة ما تشاء، وحلت في ديار المسلمين الفتن والشحناء، وغاب صوتُ الحقِّ أو كاد، لمخالفته الهوى، فإلى الله المشتكى، وفي قصص القرآن سِلوة وعزاء ﴿ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين * ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون﴾ (٢)
احرصوا على الدعاء معاشر المسلمين، وادعوا دعاء المضطر إلى الله الموقن بالإجابة، مستحضرين آداب الدعاء، ومتفطنين لأسباب القبول، وموانع الإجابة، ومتحرين لأوقات سماع الدعاء، وقد سئل رسول الله ﷺ : أيُّ الدعاء أسمع؟ قال: ((جوف الليل ودبر الصلوات المكتوبة)) (٣).
إخوة الإيمان! وها هنا يحسن التنبيه على خطأ يقع فيه بعض الداعين أئمة كانوا أو مأمومين، ألا وهو الاعتداء في الدعاء، وذلك برفع الأصوات، أو بالدعاء بغير المأثور من الدعوات، أو بأن يسأل ما لا يجوز له سؤاله من المعونة على
стр. 1498
المحرمات، أو المستحيلات كالتخليد في الدنيا، أو الاطلاع على الغيب، أو غير ذلك من صور الاعتداء التي تذهب بالخشوع وتفقد الاقتداء بهدي المرسلين، والله يقول مادحًا لأوليائه وأصفيائه: ﴿فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين﴾ (١)، وينهى عن الاعتداء في الدعاء ويقول: ﴿ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين﴾ (٢).
ولشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كلام جزل طيب في إخفاء الدعاء وعدم الاعتداء فيه، وقد ذكر له فوائد عديدة وأحصى منها عشرًا هي باختصار:
أولها: أنه أعظم إيمانًا؛ لأن صاحبه يعلم أن الله يسمع الدعاء الخفي.
ثانيها: أنه أعظم في الأدب والتعظيم، فإذا كانت الملوك لا ترفع الأصوات عندها، فملك الملوك أحرى.
وثالثها: أنه أبلغُ في التضرع والخشوع الذي هو روح الدعاء ولبُّه ومقصوده.
ورابعها: أنه أبلغ في الإخلاص.
وخامسها: أنه أبلغ في جمعية القلب على الذلة في الدعاء، فإن رفع الصوت يفرقه.
وسادسها: وهو من النكت البديعة جدًّا أنه دال على قرب صاحبه للقريب، لا مسألة نداء البعيد للبعيد، ولهذا أثنى الله على زكريا بقوله : ﴿إذ نادى ربه نداء خفيا﴾ فلما استحضر القلب قرب الله ، وأنه أقرب إليه من كل قريب أخفى دعاءه ما أمكنه.
стр. 1499
وقد أشار النبي ﷺ إلى ذلك بقوله للصحابة: ((أربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا، إنكم تدعون سميعًا قريبًا أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته)).
وسابعها: أنه ادعى لدوام الطلب واللسان، فإن اللسان لا يمل والجوارح لا تتعب، بخلاف ما إذا رفع صوته.
وثامنها: أن إخفاء الدعاء أبعد له من القواطع والمشوشات؛ لأنه إذا أخفى لم يدر به أحد بخلاف إذا جهر فطرت له الأرواح البشرية، ولابد فأفسدت عليه دعاءه بخلاف إذا أسر.
وتاسعها: أن أعظم النعمة الإقبال والتعبد، ولكل نعمة حاسد على قدرها، ولا نعمة أعظم من هذه وبالإسرار يسلم من حسد الحاسدين بإخفاء هذه النعمة التي منحه الله إياها.
وعاشرها: أن الدعاء هو ذكرٌ للمدعو ، متضمن للطلب والثناء عليه بأوصافه وأسمائه فهو ذكرٌ وزيادة .. وإذا كان ذلك كذلك فالله قال في شأن الذكر ﴿واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة﴾ والتمسكن والانكسار هو روح الذكر والدعاء.
ومن رام المزيد والتفصيل فليرجع للفتاوى في جزئها الخامس عشر (١).
أيها الصائمون! ثمة سُنَّة نبوية يحسن التذكير بها هذه الأيام، إنها الاعتكاف، وحقيقتها لزوم مسجد لطاعة الله والانقطاع عن الدنيا وعلائقها، والإقبال على الله وقصر القلب عليه وحده دون سواه، والتبتل إليه وسؤاله ورجاؤه.
قال الإمام الزهري ﵀: عجبًا للمسلمين تركوا الاعتكاف مع أن النبي ﷺ ما
стр. 1500
تركه منذ قدم المدينة حتى قبضه الله .
أجل لقد اعتكف النبي ﷺ في العشر الأول من رمضان، ثم العشر الأواسط يلتمس ليلة القدر، ثم تبين له أنها في العشر الأواخر فداوم على اعتكافها، عجبًا لمن يبحثون عن سنة المصطفى ﷺ ثم هم لا يكترثون بسنة الاعتكاف ولو حينًا من الدهر، وعجبًا لمن يبحثون عن الخير مظانه ثم هم يقصرون عن سنة الاعتكاف ويعللون أنفسهم بالمشاغل وارتباطات الحياة، وهل يبلغون معشار ما لدى النبيِّ ﷺ من مهام ومسئوليات، ومع ذلك داوم على الاعتكاف حتى لقي الله، بل لقد اعتكف أزواجه من بعده، اقتداء بسنته كما ثبت في الحديث المتفق على صحته، وفي صحيح البخاري عن عائشة ﵂ قالت: ((اعتكفت مع رسول الله ﷺ امرأة مستحاضة من أزواجه فكانت ترى الحمرة والصفرة، فربما وضعنا الطست تحتها وهي تصلي)) قال الشيخ الألباني: وفي هذه الأحاديث دليل على جواز اعتكاف النساء ولا شك أن ذلك مقيد بإذن أوليائهن لذلك، وأمن الفتنة والخلوة مع الرجال للأدلة الكثيرة في ذلك، والقاعدة الفقهية: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
فإذا كان الأمر واردًا بالنسبة للنساء -مع توفر الشروط وانتفاء الموانع- فما بال الرجال يزهدون في هذه السنة الثابتة.
إن في الانقطاع عن الدنيا لذة وراحة، وفي الخلوة برب العالمين أنس وطمأنينة يحس بهما من انقطع في معتكفه مخلصًا لربه، وما أحوج النفوس لترويضها على الخير، وتربيتها على البرِّ والتقوى، وما أحوج الأمة إلى دعوات مخلصة يعلمُ الله صدق الداعين بها فيبلغ بها عنان السماء ويستجيب لأصحابها، كم فينا من أدواء، وكم في أمتنا من جرح يثعب دمًا، وسل أرض البوسنة والشيشان، وطوّف بكشمير
стр. 1501
وبورما وبلاد الأفغان، وفي القرن الأفريقي أحداث ومآس تترى، وطغيان الصهاينة المتعدين في أرض الإسراء ليس يخفى.
أيها المسلمون! ليس يُجدي التلاوم شيئًا، ولن يغير الله ما بنا حتى نغير ما بأنفسنا، ومصيبة عظمى أن يستسلم المسلمون لواقعهم ويستشعروا إلى الأبد هزيمة الأعداء، أو يصابوا بالإحباط، فيظنوا فوات الفرص كلها، وقد وعد الله باليسر بعد العسرى، ومن يتق الله يجعل له مخرجًا، فهل يستثمر المسلمون هذه الأيام والليالي الفاضلة باستصلاح أحوالهم والتضرع لخالقهم، أم ترانا ننوح على أمتنا ونحن جزءٌ من هذا الواقع المتردي .. اللهم أصلح أحوالنا واجمع شمل أمتنا، واكفنا شرِّ أعدائنا .. هذا وصلوا وسلموا على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1502
هم العدو الخفي (١)
كثرتهم وخطرهم
الخطبة الأولى:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون﴾.
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾.
إخوة الإيمان! لقد تحدث القرآن الكريم عن طوائف من الأعداء ليحذر المسلمون صنيعهم، ولتتقوا شرورهم، ولتستبين سبيل المجرمين، لكنه خصَّ بالعداوة قومًا، وحذّر وأنذر واستوعب الحديث فئة اندست قديمًا .. ولا تزال تندس بين صفوف المؤمنين حديثًا خداعًا وكذبًا وتزويرًا. قال الله فيهم: ﴿هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون﴾ (٢)، وحذّر النبي ﷺ منهم، واشتدّ خوفه على أمته منهم فقال: ((أخوف ما أخاف على أمتي كلُّ منافق عليم اللسان)) (٣).
стр. 1503
والحديث أيها المسلمون عن النفاق والمنافقين حديث يبدأ ولا ينتهي، كيف لا وقد جاء الحديث عنهم في أكثر من نصف سور القرآن المدنية، إذ ورد الحديث عنهم في سبع عشرة سورة مدنية من ثلاثين سورة، واستغرق ما يقرب من ثلاثمائة وأربعين آية من كتاب الله العزيز (١)، حتى قال ابن القيم ﵀: كاد القرآن أن يكون كله في شأنهم (٢).
إخوة الإيمان! بلية الإسلام بالمنافقين شديدة جدًّا؛ لأنهم منسوبون إليه وهم أعداؤه في الحقيقة، يخرجون عداوته في كلِّ قالب يظن الجاهل أنه علمٌ وإصلاح وهو غاية الجهل والإفساد، فلله كم من معقل للإسلام هدموه، وكم من حصن له قلعوا أساسه وخربوه، وكم من علم له قد طمسوه، وكم من لواء له مرفوع قد وضعوه، وكم ضربوا بمعاول الشّبه في أصول غراسه ليقلعوها، فلا يزال الإسلام وأهله منهم في محنة وبليَّه، ولا يزال يطوقه من شبههم سريَّة بعد سريّة، ويزعمون بذلك أنهم مصلحون ﴿ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون﴾ (٣)، كذلك قال العارفون في وصفهم (٤).
أيها المسلمون تُصاب الأمة في مقتلها إذا أتيت من قبل أبنائها، وينجح الأعداء ويتبجحون إن استطاعوا أن يوظفوا من أبناء المسلمين من يحارب الإسلام وقيمه، ويشكك في الانتماء له، ويسخر من المنتسبين له، والمصيبة أعظم حين يمتطى الدين في سبيل تشويه سمعة المتدينين.
стр. 1504
وما أصعب الحياة حين يبدأ الناس يتوجسون من حولهم خيفة، وحينها تكون الريبة محلَّ الثقة، ويحلُّ الشك محل اليقين، وما ذاك من أخلاق الإسلام ولا من سمات مجتمع المسلمين، ولكنها بلية النفاق وآثار المنافقين.
عباد الله! أعداء الأمة الإسلامية كثر، ولكنَّ حصر العداوة بالمنافقين في قوله تعالى: ﴿هم العدو فاحذرهم﴾ يُراد به إثبات الأولوية والأحقية للمنافقين في هذا الوصف ولا يراد منه أنه لا عدوَّ لكم سواهم، بل على معنى أنهم أحق بأن يكونوا لكم عدوًّا من الكفار المجاهرين بكفرهم، فإن الحرب مع أولئك ساعة أو أيامًا ثم تنقضي، ويعقبها النصر والظفر. وهؤلاء -يعني المنافقين- معكم في الديار والمنازل، صباحا ومساءً، يدلّون العدوَّ على العورات، ويتربصون بالمؤمنين الدوائر، ولا يمكن بل يصعب مناجزتهم (١).
قاتل الله المنافقين، وأبعد النفاق عن مجتمعات المسلمين، وكم يعصر الفؤاد أن تتعامل مع شخص وأنت تظنه من الأخيار، فإذا به سبع كاشر وهو في دخيلته من الأشرار، بلية وسوء طوية، ودناءة أن يتظاهر المرء بالصلاح والتقى خداعًا ونفاقا، وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد، ويح المنافقين يظنون أنهم يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون .. وخابوا وخسروا وإن زعموا الإصلاح فهم مفسدون بشهادة العليم الخبير: ﴿وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون * ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون﴾ (٢).
ومهما تطاولوا على أهل الإيمان، ورموهم بالسفاهة أو غيرها من رديء الألفاظ
стр. 1505
فهم أهلُ السفاهة بشهادة القرآن ﴿وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون﴾ (١).
أيها المسلمون! لا يغترُّ المؤمنون بنصح المنافقين وإن زعموا، ولا يغير من واقعهم شيئا وإن علوا المنابر وباسم الإسلام تحدثوا .. وعن قضاياه أحيانًا نافحوا، والله أعلم بما يكتمون. ولله درُّ المؤمنين السابقين حين أسكتوا زعيمهم الأول وعن حقيقته كشفوا، فقد روى ابن إسحاق في السيرة قال حدثني الزهري قال: ولما قدم رسول الله ﷺ المدينة -مرجعه من أحد- وكان لعبد الله بن أُبي -زعيم المنافقين- مقام يقومه كلَّ جمعة لا يُنكر، شرفًا له من نفسه ومن قومه، وكان فيهم شريفًا إذا جلس النبي ﷺ يوم الجمعة وهو يخطب الناس قام فقال: أيها الناس: هذا رسول الله ﷺ بين أظهركم، أكرمكم الله به، وأعزكم به، فانصروه وعزروه، واسمعوا له وأطيعوا، ثم يجلس، حتى إذا صنع ابن أبيّ يوم أحد ما صنع -يعني مرجعه بثلث الجيش- قام يفعل ذلك كما كان يفعله، فأخذ المسلمون بثيابه من نواحيه وقالوا: اجلس، أي عدوَّ الله، لست لذلك بأهل، وقد صنعت ما صنعت، فخرج يتخطى رقاب الناس وهو يقول: والله لكأنما قلتُ بَجْرًا: أي أمرًا عظيمًا. إلخ الرواية (٢).
عباد الله .. ما أكثر المنافقين وهم الأقلون، وما أجبرهم وهم الأذلون، وما أجهلهم وهم المتعالمون، وما أغرّهم بالله إذ هم بعظمته جاهلون ﴿ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون﴾ (٣).
стр. 1506
لا يرتفع بهم شأن الإسلام مهما قالوا، ولا يزداد بهم الصفُّ الإسلامي إلا ضعفًا وخبالًا مهما كثروا ﴿لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين﴾ (١).
البلية بهم عامة، وسوادهم ينتشر في أوساط المتعلمين والعامة، والأمر أدهى وأمر حين يتوفرون في صفوف النخب، ويحسبون على أهل العلم والديانة، وبتقرير كثرتهم قال المتقدمون. قال الحسن البصري يرحمه الله: لولا المنافقون لاستوحشتم في الطرقات (يعني لكثرتهم) (٢).
وسمع حذيفة بن اليمان ﵁ رجلًا يقول: اللهم أهلك المنافقين، فقال: يا ابن أخي: لو هلك المنافقون لاستوحشتم في طرقاتكم من قلة السالك (٣).
أيها المسلمون! لكثرة المنافقين وسهولة الانخداع بهم يجهل حالهم كثير من الناس، بل لقد خفي بعضهم على رسول الهدى ﷺ وأوحى الله إليه فيما أوحى ﴿وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم﴾ (٤).
قال الإمام الذهبي ﵀: فإذا جاز على سيد البشر أن لا يعلم ببعض المنافقين وهم معه في المدينة سنوات، فبالأولى أن يخفى حالُ جماعةٍ من المنافقين
стр. 1507
الفارغين عن دين الإسلام بعده ﵇ على العلماء من أمته (١).
وإذا خفي ذلك على العلماء كان خفاؤه على العامة والدهماء من باب أولى، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم * ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم﴾ (٢).
стр. 1508
الخطبة الثانية:
الحمد لله ربِّ العالمين، يعلم السرَّ وأخفى، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يمهل للظالم حتى إذا أخذه لم يُفلته ولا يظلم ربُّك أحدًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ومع كمال رسالته وحسن خلقه لم يسلم من أذى المنافقين حتى أتهموه في عرضه وآذوا أهله فبرأه الله مما قالوا، ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر المرسلين.
أيُّها المسلمون! حركة النفاق بدأت بعد انتصار الإسلام في معركة بدر، وحينها شرق المنافقون بالإسلام ولم يكن بإمكانهم مواجهته صراحة، وليس لديهم الاستعداد للدخول فيه عن قناعة وطواعية، فاختاروا طريق النفاق وبئس الخيار وكفاهم خزيًا وعارًا أن المنافقين في الدرك الأسفل من النار، واستمرت هذه النبتة الخبيثة عبر تاريخ الإسلام تختلف أسماؤها ومسمياتها ووسائلها وتتفق في أهدافها وغاياتها، أما بواعث النفاق فهي أغراض نفسية، ومطامع دنيوية، وحب للشهوات، وتفضيل مراد النفس على مراد الله، فهذه الأشياء تمنع أهلها من قبول الحقِّ وتحملهم على معاداة أهله، وإبطان السوء، وكراهية الحقِّ، والتربص بالمؤمنين الدوائر (١).
والمنافقون -كما قال العالمون- عُشّاق زعامة، وعبيدُ مصالح، لا يُقصِّرون في امتطاء كلِّ مركب يضمن لهم السيادة والقيادة، ومن أجل هذا يؤمنون أوّل النهار ويكفرون آخره .. ويخاطبون كلَّ إنسان بالأسلوب الذي يحبه ويرضاه ﴿وإذا لقوا
стр. 1509
الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون﴾ (١).
البنيان الذي يقام بهم أوهى من بيت العنكبوت، والآمال التي تعلَّق عليهم تتلاشى كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف، لا يعتد بهم في الخطوب، ولا يعتمد عليهم حين الشدائد، وإذا كانوا لا يتمالكون أنفسهم حين الفزع ويحسبون كلَّ صيحة عليهم، وإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت، فأنى لهم أن يسعفوا من ركن إليهم أحوج ما يكون إليهم، وحريٌّ بمن رام التعامل معهم أن يقرأ شيئًا من صفاتهم في كتاب الله المعجز، ولا ينبئك مثل خبير.
إخوة الإسلام .. وهاكم أركان النفاق الأربعة كما يصورها ابن القيم يرحمه الله إذ يقول: زرع النفاق ينبت على ساقيتين، ساقية الكذب، وساقية الرياء، ومخرجهما من عينين: عين ضعف البصيرة، وعين ضعف العزيمة، فإذا تمت هذه الأركان الأربعة استحكم نبات النفاق وبنيانُه.
ولكنه بمدارج السيول على شفا جُرُفٍ هارٍ، فإذا شاهدوا سيل الحقائق يوم تبلى السرائر، وكشف المستور، وبعثر ما في القبور، وحُصِّل ما في الصدور، تبين حينئذ لمن كانت بضاعته النفاق: أن حواصله التي حصَّلها كانت كالسراب ﴿والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمان ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب﴾ (٢).
إخوة الإيمان! وزعُ النفاق، ونماذج المنافقين كما وجدت في عهد النبوة استمرت في العصور الإسلامية، فهي موجودة في زماننا هذا، ولا يكاد يخلو منها
стр. 1510
عصر أو مصر، لا ينكر ذلك إلا جاهل أو مكابر، بل لقد نص العالمون أن النفاق بعد عهد النبوة أشرُّ وقال حذيفة بن اليمان ﵁: المنافقون الذين فيكم شرّ من المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ فقيل له: وكيف ذلك؟ فقال: إن أولئك كانوا يُسرُّون نفاقهم، وإن هؤلاء يعلنون (١).
وذلك يدعونا جميعًا للحذر من النفاق والخوف على أنفسنا منه، وليس لأحدٍ أن يزكي نفسه بعد اتهام خيار الأمة لأنفسهم وخشيتهم من النفاق، ففي صحيح البخاري معلقًا قال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب محمدٍ ﷺ كلهم يخاف النفاق على نفسه .. (٢).
تالله لقد قطع خوفُ النفاق قلوب السابقين الأولين، لعلمهم لدقِّهِ وجِلِّه، وتفاصيله وجُمَله، ساءت ظنونهم بنفوسهم حتى خشوا أن يكونوا من جملة المنافقين، قال عمرُ بن الخطاب لحذيفة ﵄: يا حذيفة نشدتك بالله هل سماني لك رسول الله ﷺ فيهم؟ قال: لا، ولا أزكي بعدك أحد (٣).
يا عبد الله كيف تأمن على نفسك وقد خاف هؤلاء، وكيف تزكيها وقد اتهمها من هو خيرٌ منك، إن من علائم الإيمان أن يتهم المرء نفسه، قال الحسن البصري ﵀: ما خاف النفاق إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق (٤).
إخوة الإيمان! لشدة خوف السلف من النفاق كانوا يتعوذون بالله منه في الصلاة، فهذا أبو الدرداء ﵁ إذا فرغ بعد التشهد -في الصلاة- يتعوذ بالله من