فقال: يا أبا جعفر تعنيت.
فقلت: يا هذا، أنت اليوم رأس والناس يقتدون بك، فوالله لئن أجبت إلى خلق القرآن ليجيبن خلق، وإن لم تجب ليمتنعن خلق من الناس كثير. ومع هذا فإن الرجل إن لم يقتلك، فإنك تموت، لابد من الموت، فاتق الله ولا تجب. فجعل أحمد يبكي ويقول: ما شاء الله.
ثم قال: يا أبا جعفر، أعد ..
فأعدت عليه وهو يقول: ما شاء الله .. أ. هـ (١).
وقال الإمام أحمد في سياق رحلته إلى المأمون: «صرنا إلى الرحبة، ورحلنا منها في جوف الليل، فعرض لنا رجل فقال: أيكم أحمد بن حنبل؟ .
فقيل له: هذا.
فقال للجمال: على رسلك .. ثم قال:
(يا هذا، ما عليك أن تقتل هاهنا، وتدخل الجنة.
ثم قال: أستودعك الله، ومضى.
فسألت عنه، فقيل لي، هذا رجل من العرب، من ربيعة، يعمل الصوف في البادية، يقال له: جابر بن عامر، يذكر بخير» (٢).
وفي البداية والنهاية: أن الأعرابي قال للإمام أحمد:
(يا هذا إنك وافد الناس فلا تكن شؤمًا عليهم، وإنك رأس الناس اليوم فإياك أن تجيبهم إلى ما يدعونك إليه، فيجيبوا، فتحمل أوزارهم يوم القيامة، وإن كنت تحب الله، فاصبر على ما أنت فيه، فإنه ما بينك وبين الجنة إلا أن تقتل).
стр. 177
قال الإمام أحمد: وكان كلامه مما قوى عزمي على ما أنا فيه من الامتناع عق ذلك الذي يدعونني إليه (١).
وفي رواية أن الإمام أحمد قال: (ما سمعت كلمة منذ وقعت في هذا الأمر أقوى من كلمة أعرابي كلمني بها في رحبة طوق). قال: (يا أحمد إن يقتلك الحق مت شهيدًا، وإن عشت، عشت حميدًا .. فقوي قلبي) (٢).
ويقول الإمام أحمد عن مرافقة الشاب (محمد بن نوح) الذي صمد معه في الفتنة.
ما رأيت أحدًا- على حداثة سنه، وقدر علمه- أقوم بأمر الله من محمد بن نوح، إني لأرجو أن يكون قد ختم له بخير.
قال لي ذات يوم: (يا أبا عبد الله، الله الله، إنك لست مثلي، أنت رجل يقتدى بك، قد مد الخلق أعناقهم إليك، لما يكون منك فاتق الله، واثبت لأمر الله.
فمات وصليت عليه ودفنته. (سير أعلام النبلاء ١١/ ٢٤٢).
وحتى أهل السجن الذين كان يصلي بهم الإمام أحمد وهو مقيد، قد ساهموا في تثبيته.
فقد قال الإمام أحمد مرة في الحبس: (لست أبالي بالحبس- ما هو ومنزلي إلا واحد- ولا قتلاً بالسيف وإنما أخاف فتنة السوط).
فسمعه بعض أهل الحبس فقالت: (لا عليك يا أبا عبد الله، فما هو إلا سوطان، ثم لا تدري أين يقع الباقي).
стр. 178
فكأنه سري عنه (١).
وهكذا يكون دور الأخيار في تثبيت المسلمين، فالزموا صحبتهم واطلبوا نصحهم.
إخوة الإسلام ويبقى بعد ذلك عوامل أخرى للثبات على دين الله .. منها الذكر .. وتأمل كيف قرن الله بين الذكر والثبات في آية واحدة فقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرًا لعلكم تفلحون﴾ (٢).
ومنها عدم الاغترار بالباطل وكثرة المبطلين ﴿لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد﴾ (٣) ﴿فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال﴾ (٤).
ومنها استجماع الأخلاق المعروفة على الثبات وفي مقدمتها الصبر والتقوى ﴿يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون﴾ (٥).
﴿والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين أمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾.
وفي الحديث الصحيح «وما أعطى أحدً عطاءً هو خير وأوسع من الصبر» (٦).
стр. 179
من أسباب الهداية (١)
الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخيرته من خلقه اللهم صل وسلم عليه وعلى إخوانه وآله وارض اللهم عن أصحابه وأتباعه إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرًا.
أما بعد: فاتقوا الله معاشر المسلمين، واخشوا يومًا ترجعون فيه إلى الله، ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون.
إخوة الإسلام وعدتكم في الجمعة الماضية أن يكون الحديث في هذه الجمعة عن أسباب الهداية وعوامل الثبات على دين الله.
ولا شك أن الهداية إلى الصراط المستقيم هدف ينشده كل مسلم مع تفاوت الناس في جدية الطلب، وصدق العزيمة وبلوغ الهدف وإلى كل راغب في الهداية، ومتجر لأسبابها ومتطلع للجنان العالية. عاشق لحورها ومؤمل في نعيمها، ومستجير من النار، وفار من حرها وزمهريرها ومر زقومها وسائر عذابها، أسوق الأسباب والعوامل التالية للهداية إلى الله بإذن الله:
أولاً: سعة الصدر وانشراحه للإسلام وتعاليمه قال الله تعالى: ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقًا حرجًا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون﴾ (٢).
стр. 180
ومفتاح شرح للإسلام التوحيد الذي لا يخالطه أدنى شك أو شرك مع الله، وإذا كان الهدى والتوحيد من أعظم أسباب شرح الصدر، فإن الشرك والضلال من أعظم أسباب ضيق الصدر وإنحراجه فحققوا التوحيد وعمقوا الإيمان-معاشر المسلمين- وإياكم والشرك أو الشك والخرافات أو البدع التي لم ينزل الله بها من سلطان.
قال ابن عباس ﵄ ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام﴾ يقول: يوسع قلبه للتوحيد والإيمان به (١).
سئل رسول الله ﷺ أي المؤمنين أكيس؟ قال «أكثرهم ذكرًا للموت، وأكثرهم لما بعده استعدادًا»، وسئل عن هذه الآية ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام﴾ قالوا: كيف يشرح صدره يا رسول الله؟ قال: «نور يقذف فيه فينشرح له وينفسح»، قالوا: فهل لذلك من أمارة يعرف بها؟ قال: «الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل لقاء الموت» (٢).
يا أخا الإسلام، وإذا كان التوحيد مفتاح الهداية، فإن عمل الصالحات والتقرب إلى الله بسائر الطاعات هي الأسنان لهذا المفتاح، ومن هنا فاحرص على أن يكون لك حظ من كل طاعة، ولك نصيب من كل قربة، فيدفع الله عنك بهذه الطاعة مصيبة أو نازلة، ويرفعك بالأخرى منزلة، ويكتب لك أجرًا وعافية، وتصير من هذه وتلك إلى انشراح في الصدر وسعة في القلب تحس من خلالهما بطعم الحياة الدنيا، قبل أن تصير إلى لذة الحياة الأخرى.
стр. 181
وإياك أن تغمس نفسك في الشهوات، وتغرق قلبك بالمحرمات فتظلم الدنيا في عينيك، وتضيق بك الحياة مع سعتها على غيرك، وقد قيل في معنى قوله تعالى: ﴿ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقًا حرجًا﴾ وهو الذي لا يتسع لشيء من الهدى، ولا يخلص إليه شيء من الإيمان ينفعه وينقذه.
وقد سأل عمر بن الخطاب ﵁ رجلاً من الأعراب من أهل البادية: ما لحرجة؟ قال: هي الشجرة تكون بين الأشجار لا تصل إليها راعية ولا وحشية ولا شيء، فقال عمر ﵁؟ كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شيء من الخير (١).
فحذار أخي المسلم أن تسيطر عليك الغفلة، أو أن تغريك اللذة العاجلة فتنسيك ما أمرك الله به، أو تدعوك لفعل ما نهاك عنه، وتذكر وأنت في الدنيا محادثة أهل النار واعترافهم ﴿قالوا ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين فما تنفعهم شفاعة الشافعين فما لهم عن التذكرة معرضين﴾ وعليك بالجمعة والجماعة .. وإطعام الطعام، وصلة الأرحام وفعل الخيرات وترك المنكرات جهدك، فإنها أسباب جالبة لشرح الصدر والهداية بإذن الله، وعكسها جالبة للضيق والشقاوة والضلال عن صراط الله.
وتأمل على سبيل المثال أثر عدم إقامة الصلاة والتهاون في اجتماع المسلمين للصلاة وكونه طريقًا لاستحواذ الشيطان، يقول الرسول ﷺ : «ما من ثلاثة في قرية، لا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان، فعليكم بالجماعة فإنما يأكل الذئب القاصية» (٢).
стр. 182
ويقول ﵊ في حديث آخر: «ما عمل ابن آدم شيئًا أفضل من الصلاة، وإصلاح ذات البين، وخلق حسن» (١).
ثانيًا: من أسباب الهداية والتوفيق للصراط المستقيم استدامة ذكر الله، فذكر الله على كل حال سبب جالب لارتباط القلب بالله، وعامل مهم لطمأنينة القلب وانشراح الصدر، يقول خالق هذا القلب والعالم بمكوناته وأسراره ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾ وهل علمت أخا الإسلام أنك على قدر ذكرك لله يذكرك الله ﴿فاذكروني أذكركم﴾ بل يزيد الله تفضلاً منه ورحمة فيذكرك أكثر «من ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه».
وهل علمت أنك حينما تتغاضى وتتكاسل عن ذكر الله يسلط الله عليك الشياطين فيكونوا هم صحبتك وقرناءك ﴿ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانًا فهو له قرين﴾ والفرق كبير بين صحبة الملائكة وصحبة الشياطين، وإذا أردت أن تعلم ذلك جيدًا فتأمل هذا الحديث وتأمل أثر الذكر فيه، يقول الرسول صلى الله وسلم «ما من راكب يخلو في مسيره بالله وذكره إلا كان ردفه ملك، ولا يخلو بشعر ونحوه إلا كان ردفه شيطان» (٢).
أيها المسلم والمسلمة .. يا من تبحث عق الهداية في مظانها، وترغب الجنة مهما كان ثمنها، إليك هذه الوصية من أبي الأنبياء إبراهيم الخليل ﵇ يحدثنا عنه خاتم الأنبياء محمد ﷺ فيقول: «لقيت إبراهيم ليلة أسري بي، قال: يا محمد أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء،
стр. 183
وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله، والحمد لله ولا إله إلا الله، والله أكبر» (١).
وليس بخاف عليك أن مفتاح الجنة لا إله إلا الله، وأن لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة.
أما الصلاة على الرسول ﷺ وهي من الذكر- فيكفي أن تعلم قدرها من خلاله قول النبي ﷺ «من ذكرت عنده فخطئ الصلاة علي خطئ طريق الجنة» (٢).
السبب الثالث والباعث على الهداية .. تلاوة كتاب الله، بتدبر وتمعن وخشوع وهو وإن كان من أنواع الذكر إلا أن إفراده بالذكر لعظيم أهميته ومزيد العناية به. قال الله تعالى ﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم﴾ هكذا تأتي الآية على وجه الإطلاق والعموم فيشمل الهدي أقوامًا وأجيالًا بلا حدود من زمان أو مكان، وتستمر هداية القرآن إلى نهاية الوجود.
والقرآن يهدي للتي هي أقوم في عالم الضمير والشعور بالعقيدة الواضحة التي لا تعقيد فيها ولا غموض، تنطلق الروح من أثقال الوهم والخرافة، وتنطلق الطاقات البشرية الصالحة للعمل والبناء.
ويهدي للتي هي أقوم في التنسيق بين ظاهر الإنسان وباطنه، وبين مشاعره وسلوكه، وبين عقيدته وعمله، فإذا هي كلها مشدودة إلى العروة الوثقى التي لا
стр. 184
تنفصم، متطلعة إلى أعلى وهي مستقرة على الأرض، وإذا العمل عبادة متى توجه الإنسان به إلى الله، ولو كان هذا العمل متاعًا واستمتاعًا بالحياة (١).
أيها المسلمون .. وفي القرآن الشفاء والرحمة ﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين﴾ (٢).
وكذلك يعلم الذين أوتوا العلم هذا الأمر العظيم للقرآن ﴿ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك هن ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد﴾ (٣).
﴿وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن وألغوا فيه لعلكم تغلبون﴾ (٤).
وأثر القرآن وتأثيره على النفوس واضح مشهود، مهما بلغت القلوب من قسوتها ومهما كانت حال المرء من الشقاوة والضلال- وهل بعد الكفر من ذنب، ومع ذلك فقد روى البخاري في صحيحه قصة أثر القرآن في قلب كافر من أكابر قريش أنه جبير بن مطعم بن عدي الذي قدم المدينة في وفد أساري بدر، فسمع النبي ﷺ يقرأ في المغرب بسورة الطور يقول: فلما بلغ هذه الآية ﴿أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون أم خلقوا السموات والأرض بل لا يوقنون أم عندهم خزائن ربك أم هم المسيطرون﴾ كاد قلبه أن يطير (٥).
ومثل ذلك أو قريب منه يقال في قصة عودة الفضل إلى الله وهو اللص الذي كان يخوف المارين ويروع الآمنين وينهب المسافرين، فلما أراد الله له الهداية،
стр. 185
كان ذات يوم يتسلق بيتًا فسمع قارئًا يقرأ ﴿ألم يئن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله﴾.
جعلني الله وإياكم من أهل القرآن ونفعني وإياكم بما فيه من الهدى والفرقان - أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 186
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، يضل من يشاء، ويهدي الله من ينيب، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، دعا الأمة إلى طريق الهداية حتى وافاه اليقين، اللهم صل وسلم عليه وعلى إخوانه وآله وأرض اللهم عن أصحابه وأتباعهم إلى يوم الدين.
إخوة الإسلام ومن أسباب الهداية التفكر في مخلوقات الله، والنظر في ملكوت السموات والأرض، ولا شك أن العاقل المتأمل في هذا الكون سيعود بعد رحلة التأمل مؤمنًا خاشعًا لله مهتديًا بهداه .. فليست الطبيعة بقادرة على هذا الخلق والإحياء .. ويستحيل أن تكون الصدفة وراء هذا الكون والوجود .. إلا أن الخلاق العليم تعترف به العقول ويهتدي إليه أولو الألباب ﴿إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب، الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار﴾ (١) ويتحدى الخالق العظيم أن يجد الناس في خلقه عيبًا، بل تعود الأبصار بعد رحلتها في عالم الوجود خاسئة مطرقة مستسلمة لرب العالمين ﴿الذي خلق سبع سموات طباقًا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور، ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئًا وهو حسير﴾ (٢).
ويلفت الخالق نظر الإنسان للتأمل في نفسه ﴿وفي أنفسكم أفلا تبصرون﴾ ويزداد العاقل إيمانًا بخالقه وهو يرى عجائب قدرته في نفسه، فلا يملك من أمر نفسه شيئًا، وتتحرك أعضاؤه التي بين جنبيه بلا إدارة منه وتقوم بأدوارها المرادة لها
стр. 187
دون رقابة منه أو توجيه أوليس ذلك منتهى الإعجاز .. وليس ذلك ببرهان وطريق إلى الهداية والإيمان .. لمن تأمل وأراد الله له الخير والتوفيق إلى الصراط المستقيم؟
ومن أسباب الهداية رفقة الصالحين الأخيار .. واختيار الأقران .. فكم من ضال هداه الله على أيدي الصالحين الأخيار .. وكم من فاجر شاء الله له الهداية على أيدي أقرأه ما زالوا به حتى سلكوا به طريق النجاة، وإذا كان المرء في هذه الحياة لابد له من خليل، فلينظر أحدكم من يخالل، فإن المرء على دين خليله.
ومجرد محبة الصالحين وحب أفعالهم تورد المرء موارد الخير إذا صدقت نيته وتوجه قلبه: سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم فقال ﵊: «الرجل مع من أحب».
وليس بخاف عليك أخي المسلم أثر الجليس الصالح وجليس السوء من خلال حديث حامل المسد ونافخ الكير، وليس بخاف عليك كذلك أن قرناء السوء في هذه الحياة يكونون يوم القيامة بعضهم لبعض عدو ﴿الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين﴾ فاستعن بالله واقترب من الأخيار جهدك وجاهد نفسك وروضها على مصاحبة الأخيار، وانج بنفسك عن الأشرار وأنقذها قبل العطب .. فإن ذلك عامل مهم في الهداية إلى صراط الله.
وثمة سبب مهم للهداية .. ألا وهو الدعاء: سلاح المؤمن في الشدائد .. والقمة الكبرى بلا جهد ولا ثمن .. ومهما بذلت من أسباب الهداية فليكن الدعاء بالتوفيق والهداية للصراط المستقيم ديدنك، ولا تسأم أو تستكثر الدعاء، فتقول: دعوت ودعوت، فلم يستجب لي فتلك آفة فاحذرها، فدعاؤك محفوظ فإما أن يعطيك الله ما دعوت، أو يصرف عنك من السوء مثله، أو يدخر لك دعوتك حين تلقاه وأنت أشد حاجة إليها.
стр. 188
يقول الله ﴿وقال ربكم ادعوني استجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾.
ويقول الله تعالى- كما في الحديث القدسي: «يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم».
والنبي ﷺ كان لا يفتر من الدعاء وهو المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وقد علمنا من الدعاء كثيرًا ومنه حين القيام لصلاة الليل، فقد كان يقول: «اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اللهم اهدني لما اختلف من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم».
فألحوا على الله بالدعاء معاشر المسلمين، واحرصوا على أوقات الإجابة، أسأل الله أن يهدينا وإياكم صراطه المستقيم وأن يثبتنا عليه ما بقينا إنه جواد كريم.
أيها الإخوة وحيث علمتم أسباب الهداية فبقي أن تعلموا عوامل الثبات على دين الله.
стр. 189
بين تدبر القرآن وهجره (١)
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجًا، وأشهد أن لا إله إلا الله أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله النبي المصطفى صلى الله عليه وعلى إخوانه من الأنبياء، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان وسار على درب الهدى.
أما بعد: فيقول الحق ﵎: ﴿ولله ما في السموات وما في الأرض ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله .. ﴾ (٢).
إخوة الإيمان ألا إن من تقوى الله تلاوة كتابه العزيز آناء الليل وأطراف النهار، وتدبر آياته، والعمل بحكمه والإيمان بمتشابهه قال الله تعالى مثنيًا على من كان ذلك دأبه ﴿ليسوا سواءً من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون﴾ (٣).
وفي الصحيحين واللفظ للبخاري من حديث ابن عمر ﵄ قال ﷺ : «لا حسد إلا على اثنتين: رجل آتاه الله الكتاب وقام به آناء الليل، ورجل أعطاه الله مالاً فهو يتصدق به آناء الليل وآناء النار» (٤).
стр. 190
والمعنى- كما قال أهل العلم- لا رخصة في الحسد، أو لا يحسن الحسد إن حسن إلا في هاتين الخصلتين (١).
أو لعل المقصود الغبطة، وهي تمني مثل ما عند الغير من غير رغبة في زوالها عنه، ولهذا بوب البخاري لهذا الحديث بقوله «باب اغتباط صواحب القرآن» ثم أردف بعد هذا الحديث حديث صاحب النية الطيبة الذي تمنى إحدى هاتين الخصلتين له مع بقائهما لأصحابهما، فوسعه فضل الله، والله واسع عليم، وقصته كما رواها البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل علمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، فسمعه جار له، فقال: ليتني أوتيت مثلما أوتي فلان، فعملت مثل ما يعمل، ورجل آتاه الله مالاً فهو يهلكه في الحق، فقال رجل: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان، فعملت مثل ما يعمل» (٢).
أخي المسلم ألست تبحث عن الخير في مظانه؟ إليك هذه الهدية وإن كنت لبيبًا فاحفظها واعمل بها، يقول عقبة بن عامر ﵁: خرج رسول الله ﷺ ونحن في الصفة- وهو موضع في المسجد كان فقراء المسلمين يأوون إليه، ولذا سموا بأصحاب الصفة- فقال: «أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو إلى العقيق- وهما موضعان قرب المدينة- فيأتي منه بناقتين كوماوين- وهي العظيمة السنام - في غير إثم ولا قطيعة رحم؟ فقلنا: يا رسول الله، نحب ذلك، قال: أفلا يغدو أحدكم إلى السجد فيعلم أو يقرأ آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين أو ثلاث خير من ثلاث، وأربع خير له من أربع، ومن أعدادهن من الإبل» (٣).
стр. 191
أخي المؤمن أنت طيب في معدنك، وكريم على الله لشمائلك وخلقك، لكن هل علمت أن القرآن يزيد في جمالك، ويزكي رائحتك؟ يقول الرسول ﷺ : «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة ريحها طب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرآ القرآن مثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو» (١).
فإن قلت: فما الحكمة في تخصيص الأترجة بالتمثيل دون غيرها من الفاكهة التي تجمع طيب الطعم والريح كالتفاحة- مثلاً-؟ فقد قيل: إن الأترجة:
١) يتداوى بقشرها وهو مفرح بالخاصية.
٢) ويستخرج من حبها دهن له منافع.
٣) وقيل إن الجن لا تقرب البيت الذي فيه الأترج، فناسب أن يمثل به القرآن الذي لا تقربه الشياطين.
٤) وغلاف حبه أبيض فيناسب قلب المؤمن.
٥) وفيها أيضًا من المزايا كبر جرمها وحسن منظرها وتفريح لونها ولين ملمسها.
٦) وفي أكلها مع الالتذاذ طيب نكهة ودباغ معدة وجودة هضم- ولها منافع أخرى مذكورة في المفردات (٢) -
وهل علمت- أخي السلم- أن القرآن يزيد من قدرك، ويرفع شأنك، يقول النبي ﷺ «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين».
فقد أخرج أبي داود- بإسناد صحيح- عن الأشعث بن قيس أنه قدم غلامًا صغيرًا، فعابوا عليه، فقال: ما قدمته ولكن قدمه القرآن (٣).
стр. 192
إخوة الإيمان، يكفي أن يعلم أن أهل القرآن هم أهل الله وخاصته، لكن ينبغي أن يعلم كذلك أنه ليس المقصود بأهل القرآن، من يقرأونه دون تمعن، أو يهذونه هذًّا كهذِّ الشعر دون تأمل لمعانيه، أو تدبر لآياته، أو التزام بأوامره وتجنب لنواهيه، قال الله تعالى ﴿أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها﴾ (١)، وقال تعالى ﴿كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب﴾ (٢).
وقال تعالى ﴿أفلا يتدبرون القرآن لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا﴾ (٣).
وكان صحابة رسول الله ﷺ ينكرون على من يهذ القرآن هذًّا كهذ الشعر أو يتكلفون في قراءته، ففي صحيح مسلم عن أبي وائل قال: جاء رجل يقال له نهيك بن سنان إلى عبد الله بن مسعود ﵁، فقال: يا أبا عبد الرحمن كيف نقرأ هذا الحرف ألفًا تجده أم ياءً «من ماء غير آسن» أو من ماء غير ياس) قال: فقال عبد الله: وكل القرآن قد أحصيت غير هذا؟ قال: إني لأقرأ المفصل في ركعة: فقال عبد الله: هذا كهذِّ الشعر؟ إن أقوامًا يقرأون هذا القرآن لا يجاوز تراقيهم ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع، إن أفضل الصلاة الركوع والسجود، إني لأعلم النظائر التي كان رسول الله ﷺ يقرن بينهن، سورتين في كل ركعة (٤).
وكان إمامهم محمد بن عبد الله ﷺ مثالاً حيًا ونبراسًا يحتذى في تأمله القرآن وأثره به، ويكفي أن أسوق لك خبرة مع عبد الله بن مسعود نفسه حيث
стр. 193
قال: قال لي رسول الله ﷺ : «اقرأ علي القرآن، قال: فقلت: يا رسول الله، أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: إني أشتهي أن أسمعه من غيري، فقرأت النساء حتى إذا بلغت: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدًا﴾ رفعت رأسي أو غمزني رجل إلى جنبي فرفعت رأسي، فرأيت دموعه تسيل» (١).
إخوة الإيمان، هذه حال أسلافنا، فما بالنا نحن نقرأ القرآن كما يقرأ أي كتاب آخر لا تراق لنا دمعة، ولا تقف لنا شعرة؟ وفي القرآن الكريم مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم، كما قال تعالى ﴿الله نزل أحسن الحديث كتابًا متشابهًا مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد﴾ (٢).
وهذه صفة الأبرار عند سماع كلام الجبار، فهو لما يفهمون من الوعد والوعيد والتخويف والتهديد تقشعر جلودهم خشية وخوفًا، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله لما يرجون ويؤملون من رحمته ولطفه، وهم بذلك يختلفون عن الكفار، ومخالفون لأهل البدع الذين ربما ذهبت عقولهم وغشي عليهم بفعل الشيطان (٣).
ولأهمية قراءة القرآن بتدبر وتمعن جاء النهي عن كثرة قراءته إلى حد لا يفقه القارئ ما قرأ، فقال ﷺ : «لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث» وبإسناد صحيح آخر «اقرأوا القرآن في سبع ولا تقرأوه في أقل من ثلاث» (٤).
стр. 194
وقد ذمت أم المؤمنين عائشة ﵂ من بلغها عنه خلاف ذلك، فقالت: إن رجالاً يقرأ أحدهم القرآن في ليلة مرتين أو ثلاثًا فقالت: قرأوا أو لم يقرأوا، كنت أقوم مع رسول الله ﷺ ليلة التمام، فيقرأ بالبقرة وآل عمران والنساء فلا يمر بآية فيها استبشار إلا دعا ورغب، ولا بآية فيها تخويف ألا دعا واستعاذ (١).
فهل يكون لنا في رسول الله ﷺ أسوة حسنة، نقرأ القرآن بتدبر وخشوع .. نداوي به جراحنا، ونصلح به ما أعوج من أخلاقنا وسلوكياتنا، ونصون به حمانا، وندافع به عن معتقداتنا، ونربي عليه أبناءنا، ونزكي به أنفسنا، وينصح به خاصتنا عامتنا، ويكون هو الفيصل في قضايانا، وإليه المرجع والتحاكم في صغير أمورنا وعظيمها.
إن ذلك هو الأليق بنا وهو الأمر الطبيعي في حياتنا وخلافه أمر شاذ في مجتمعاتنا.
اللهم علمنا الحكمة والقرآن، وفقهنا في الإسلام، وادفع عنا غوائل مردة الإنس والجان ... أقول هذا القول وأستغفر الله.
стр. 195
الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وآلائه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخيرته من خلقه .. صلى الله عليه وعلى آله وإخوانه .. وارض اللهم عن أصحابه وأتباعهم إلى يوم الدين.
أيها الإخوة المسلمون، والمسافة بعيدة بين قراءة القرآن وتدبره والعمل، وهجره ومخالفته وعدم الاكتراث به، والفرق كبير بين من يقرآون القرآن ويعلمون به، ومن يهجرون القرآن ويلغون فيه، وحين اشتكى المصطفى ﷺ إلى ربه من الذين يهجرون القرآن أوحى الله إليه أن من قبلك من المرسلين جعلنا لهم أعداء ﴿وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورًا، وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًا من المجرمين وكفى بربك هاديًا ونصيرًا﴾ (١).
وإذا كان هجر القرآن صفة مذمومة، والذين يهجرون القرآن فئة معلومة، فاتقوا الله معاشر المسلمين في القرآن، واحذروا هجره.
إخوة الإسلام، يكاد القرآن يهجر عند بعض المسلمين فيقل قراءته في المساجد إلا في رمضان، وأقل من ذلك قراءة القرآن في البيوت وتخصيص حلق نافعة تجتمع عليها الأسرة، وتكون مائدتها القرآن.
وربما فهم البعض أنه يكفيهم من القرآن أن تتلى آياته في المناسبات والاحتفالات وأن يستفتح به في البرامج والإذاعات.
والحق أن تقديمه يعني عدم التقدم عليه، والوقوف عند حدوده وأحكامه، وينبغي أن يفهم أن تقديمه رمز لإعلاء شأنه وعدم مخالفته، وأنه الحاكم الحق،
стр. 196
والفيصل بلغت الخلق ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً﴾ (١) وهل رد الأمر إلى الله والرسول إلا رد لما ورد في القرآن إما جملة وإما تفصيلاً؟ !
ومن صور هجر القرآن عدم العمل به، وربما وجدت قارئًا مكثرًا من قراءة القرآن، لكنك لو فتشت في حاله لوجدته في واد والقرآن في واد آخر، وقد قيل كم من قارئ للقرآن والقرآن يلعنه، نعم ومصداق ذللت أن هناك من يقرأ ﴿ألا لعنة الله على الظالمين﴾ - وهو يظلم- يقرأ لعنة الله على الكاذبين، وهو يكذب.
ويقرأ الوعيد الشديد في أكل الربا وهو واقع فيه، ويسمع آيات الله تتلى في تحريم شرب الخمر والزنا أو غيرهما من الفواحش، وكأن هذه الآيات لا تعنيه.
ما هكذا تكون قراءة القرآن يا عباد الله، وما نزل القرآن من أجل أن يتسلى به، أو يترنم بآياته فحسب؟
ومن صور هجر القرآن عدم الاهتمام به فلا يعلمه بنفسه ولا يتعلمه من غيره فضلاً عن أن يعلمه لمن يحتاج إليه، والنبي ﷺ يقول: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه».
أيها المسلمون إذا كان هذا بعض شأن هجر القرآن في عموم المسلمين، فإن هجر القرآن لدى الحكام الأمراء أو العلماء أشد وأنكى، ذلك أن هؤلاء يخولون للحكم به، وإلزام الناس بالتحاكم إليه، وسياسة الخلق على هداه، ويوم أن تفرط الأحكام عن توجيهات القرآن، أو يحكم بالقرآن في بعض الأمور ويتجاهل في أمور أخرى، أو تزاحم أحكام القرآن مواد القوانين الوضعية، أو
стр. 197
الدساتير البشرية، فقل على المجتمع بل على الأمة السلام، وتلك من أعظم صور هجر القرآن.
إن الله تعالى أمرنا بالتحاكم إلى القرآن، ووصف الذين لا يحكمون به بالكفر والظلم والفسوق فقال تعالى ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾، وفي آية أخرى ﴿فأولئك هم الظالمون﴾ وفي آية ثالثة (فأولئك هم الفاسقون﴾ (١).
ومن حق المسلم في ديار الإسلام أن يطلب التحاكم إلى القرآن في كل أمر يهمه، أو قضية تعرض له ومن حقه كذلك أن يرفض التحاكم إلى القوانين البشرية والأنظمة المستوردة .. لكن لا ينبغي أن يكون الهوى والمصلحة هما المسير له، فأيهما وجد فيه مصلحة له انساق له ورضي به، وليس من داع أن يقال لك أخي المسلم إن حكم الله دائمًا وحكم القرآن أبدًا فيهما المصلحة للبشر في الحياة الدنيا وفي الآخرة، لأن تلك بدهية من البدهيات، ولأن الذي خلق أعلم بمن خلق، وهو الحكيم الحميد، فكيف والعالم اليوم عاد يشكو من الظلم والاضطهاد، وبات يتبرم من أحكام شريعة الغاب، وأضحى القادة والمفكرون في البلاد الكافرة يبحثون عن مخرج ويتلمسون المنقذ .. ولا مخرج إلا بالإسلام، ولا منقذ إلا الرحمن، فهل يعي المسلمون دورهم، ويكونون عند حسن الظن بهم، ويقدمون للعالم كله أنموذجًا للحياة السعيدة في الدنيا، وطريقًا آمنًا للوصول إلى الآخرة.
اللهم هيء للمسلمين من أمرهم رشدًا. اللهم اهدهم واهد بهم، وارحمهم وارحم بهم، هذا وصلوا على النبي ... ﷺ .
стр. 198
(١) طريق المغفرة (١)
الخطبة الأولى
الحمد لله رب العالمين كتب على نفسه الرحمة، أنه من عمل منكم سوءًا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفور رحيم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يفرح بتوبته عبده وهو غني عنه، والعبد قد يعرض وهو فقير إليه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله كان يتوب إلى ربه ويستغفره في اليوم أكثر من سبعين مرة .. اللهم صل وسلم عليه وعلى إخوانه وآله وارض اللهم عن أصحابه وأتباعهم إلى يوم الدين.
أما بعد أيها الناس اتقوا الله ربكم، وتوبوا إليه من ذنوبكم، ولا تقنطوا من رحمة الله مهما بلغت ذنوبكم، فإنه يغفر الذنوب جميعًا لمن تاب وأناب.
يقول الحق ﵎ في صفات المتقين ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون .. ﴾ (٢).
ويقول تعالى مؤكدًا توبته ومغفرته لمن تاب وآمن وعمل صالحًا ثم أهتدي ﴿وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحًا ثم اهتدى﴾ (٣).
ويفتح الله طريقًا إلى التوبة بالاستغفار وهو يوجه رسوله ﷺ فيقول ﴿ولو
стр. 199
إنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابًا رحيمًا (١).
أيها المسلمون .. ومن ذا الذي لا يخطئ في هذه الحياة، والرسول ﷺ يقول «كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون» (٢).
ولا شك أن الناس متفاوتون في حجم أخطائهم على قدر إيمانهم ويقينهم بخالقهم، وعلى قدر خوفهم من العذاب أو صبرهم على الطاعات .. ومع ذلك كله فالله يفتح باب الرجاء لمن زلت به قدمه أو عثر به لسانه، أولم تطاوعه جوارحه فسبقته إلى المعاصي. ويقول البارئ ﷻ : ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا إنه هو الغفور الرحيم﴾ (٣). بل لعل الله تعالى يريد من الخلق أن يبقوا دائمًا وأبدًا على صلة به فهم يحبونه ويتبعون أمره في حال عبوديتهم وطاعتهم وإقبالهم على الخيرات وجمع الحسنات .. وهم يخشونه ويطلبون منه المغفرة في حال ضعفهم وزلتهم إذ لا نصير لهم إلا الله .. ولا مجيب لهم سواه، ولهذا قال النبي ﷺ : «والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم» (٤).
وهذا الحديث كان يكتمه أبو أيوب الأنصاري ﵁ رغم معرفته به، ولم يتحدث به إلا حينما حضرته الوفاة وقال: «كنت كتمت عنكم حديثًا سمعته من
стр. 200
رسول الله ﷺ وسوف أحدثكموه وقد أحيط بنفسي» ثم ذكر نحوًا من الحديث السابق (١).
أخي المسلم وينبغي أن تحذر المعاصي ما ظهر منها وما بطن قدر طاقتك فهي لا تزال بصاحبها حتى تورده المهالك .. ومع ذلك فينبغي ألا تيأس من روح الله ورحمته، وألا يصيبك الإحباط والقنوط مهما بلغت ذنوبك، شريطة أن تقبل على الله، وأن تقف ببابه معترفًا مستغفرًا، وإليك قصة هذا الرجل الذي تكرر ذنبه، وفي كل مرة يقف بباب الله سائلاً مستغفرًا، فلم يخب أمله .. فقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ فيما يحكى عن ربه ﵎ قال: «أذنب عبد ذنبًا فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، فقال ﵎: أذنب عبدي ذنبًا فعلم أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب. ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال ﵎: عبدي أذنب ذنبًا فعلم أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب. ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب اغفر لي ذنبي. فقال ﵎: أذنب عبدي ذنبًا فعلم أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، اعمل ما شئت فقد غفرت لك، قال عبد الأعلى: لا أدري أقال في الثالثة أو الرابعة «اعمال اعمل ما شئت» (٢).
وفي رواية بمعناه وفي الثالثة قال: «قد غفرت لعبدي فليفعل ما شاء» قال الحافظ في الفتح، قال القرطبي: وفائدة هذا الحديث أن العود إلى الذنب وإن كان أقبح من ابتدائه لأنه انضاف إلى ملابسة الذنب نقض التوبة، لكن العود إلى
стр. 201
التوبة أحسن من ابتدائها، لأنه انضاف إليها ملازمة الطلب من الكريم والإلحاح في سؤاله، والاعتراف أنه لا غافر للذنب سواه، ثم نقل الحافظ وذلك عن النووي قوله في الحديث أن الذنوب ولو تكررت مائة مرة، بل ألفًا وأكثر وتاب في كل مرة قبلت توبته أو تاب عن الجميع توبة واحدة صحت توبته» وقوله: «اعمل ما شئت» معناه: ما دمت تذنب فتتوب غفرت لك (١).
أيها المسلمون ما أعظم فضل الله: والمرء يمكنه بتوفيق من الله أن يخرج من ذنوبه وأن يتخفف من سيئاته، بملازمة الاستغفار، وهي كلمات يسيرة «أستغفر الله .. أستغفر الله .. » أو نحوها .. ولا شك أن الذي يقولها من قلب حاضر مستشعر لمعناها .. ومعترف بمغزاها يختلف عمن يقولها بلسانه وقلبه مشغول عنها .. وهذا ديدن الذكر كله فهو يحتاج إلى حضور قلب وتعظيم للخالق.
وهناك طريق للتوبة والاستغفار حفظه لنا من رسول الله ﷺ الصحابة الأطهار الذين كانوا يعقلون ما يسمعون، ويعملون بما يعلمون.
فهذا علي بن أبي طالب ﵁ يقول: كنت إذا سمعت من رسول الله ﷺ حديثًا نفعني الله بما شاء منه، وإذا حدثني عنه أحد من أصحابه استحلفته، فإذا حلف لي صدقته، وإن أبا بكر ﵁ حدثني- وصدق أبو بكر- أنه سمع رسول الله ﷺ قال: «ما من رجل يذنب ذنبًا فيتوضأ فيحسن الوضوء ثم يصلي ركعتين فيستغفر الله إلا غفر له» (٢).
إخوة الإسلام .. والاستغفار دأب الصالحين، ومنهج الأنبياء والمرسلين،
стр. 202
وهذا صفوة الخلق وأكرمهم على الله، والذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر يستغفر في اليوم مائة مرة .. كما روى ذلك مسلم في صحيحه (١).
وقبله كان هود ﵊ يقول لقومه: ﴿ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارًا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين﴾ (٢).
وقبلهما قال نوح ﵊ لقومه ﴿فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارًا يرسل السماء عليكم مدرارًا ويمددكم بأموال وبنين وجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارًا﴾ (٣).
ألا وإن الأنبياء أعرف الخلق بالله وأخشاهم له، مع قلة أخطائهم وكثرة عبادتهم .. وقوة صلتهم بخالقهم .. ولكن من كان به أعرف كان منه أخوف .. وكلما ازداد العبد قربًا من الله زاد منه خوفًا ووجلاً. والخائفون في هذه الحياة هم الآمنون المطمئنون بعد الممات، ومن خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية .. إلا أن سلعة الله الجنة.
وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ... نفعني الله وإياكم بهدي كتابه ..
стр. 203
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، أحمده تعالى وأشكره، وأثني عليه الخير كله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى إخوانه وآله ..
أيها المسلمون .. وللاستغفار فوائد جليلة، وآثار حسنة كثيرة .. ومن آثار الاستغفار وفوائده .. قوة التعلق بالله ﷻ ، فإن الغافلين اللاهين أبعد الخلق عن الله .. وكلما كثر استغفار العبد لخالقه كان دليلاً على قربه منه وحضوره في قلبه.
وللاستغفار أثر في تفريج الهموم وإزالة الكروب، والنبي ﷺ يقول: «من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجًا ومن كل هم فرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب» (١).
والذي يلازم الاستغفار لا يعد من المصرين على الذنوب، ولا شك أن الإصرار على الذنب آفة عظمى وسبب حائل دون مغفرة الله، وقد جاء في الحديث: «ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة» (٢).
والاستغفار سبب لمغفرة كبار الذنوب فضلاً عن صغائرها، ولابد من التنبيه للصيغة التي وردت عن النبي ﷺ ، وعلى سبيل المثال يقول النبي ﷺ : «من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، غفرت ذنوبه، وإن كان قد فر من الزحف» (٣).
стр. 204
ومن صيغ الاستغفار التي ينبغي معرفتها والعمل بها «سيد الاستغفار» فافقهوا سيد الاستغفار، وتأملوا ما فيه من الأجر والمغنم وهو أثر من آثار الاستغفار، يقول ﷺ «سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء لك بذنبي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، من قالها من النهار موقنًا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة» (١).
والاستغفار- معاشر المسلمين- طريق الجنة، ولهذا جاء عن النبي ﷺ قوله: «طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارًا كثيرًا» (٢).
والاستغفار جلاء للقلوب، وقد قيل «إن للقلوب صدأً كصدأ النحاس، وجلاؤها الاستغفار» (٣) وروى البيهقي بإسناد لا بأس به «من أحب أن تسره صحيفته فليكثر فيها من الاستغفار» (٤).
وعليك أخي المسلم ألا تستعظم ذنوبك مهما بلغت أمام مغفرة الله وعفوه، وما أجمل كلمة قالها أعرابي شوهد متعلقًا بأستار الكعبة ويقول «اللهم إن استغفاري مع إصراري لؤم، وإن تركي الاستغفار مع علمي بسعة عفوك لعجز، فكم تتحبب إلي بالنعم مع غناك عني وأتبغض إليك بالمعاصي مع فقري إليك،
стр. 205
يا من إذا وعد وفى، وإذا توعد تجاوز وعفا، أدخل عظيم جرمي في عظيم عفوك يا أرحم الراحمين (١).
وعليك أخي المسلم ألا تتألى على أحد، وتنصب من نفسك حكمًا عليه، وتظن أن الله لا يغفر لفلان لكثرة ذنوبه، أو لا يهدي فلانًا لكثرة أخطائه ومعاصيه، فالقلوب بين يدي الرحمن يقلبها كيف يشاء، وباب التوبة مفتوح.
وقد قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح «أن رجلاً قال: والله لا يغفر الله لفلان: وأن الله تعالى قال: «من ذا الذي يتألى علي ألا أغفر لفلان، فإني قد غفرت له وأحبطت عملك» (٢).
اللهم اغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا، وتوفنا وأنت راضٍ عنا ..
стр. 206
(٢) طريق المغفرة (١)
الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله ..
أما بعد: فاتقوا الله معاشر المسلمين، والتمسوا الطريق لرضاه، وابحثوا عن أسباب مغفرته ورضاه، فإن رضي الله غاية القصد .. وإذا رضي الله عن عبد وفقه للخير وأرضى عنه الناس.
أيها المسلمون .. قد تقرر في الخطبة الماضية أن الخطأ من طبيعة البشر .. ولكن دواء الذنوب والأخطاء الندم والاستغفار، ولهذا ورد في الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «قال إبليس: وعزتك لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني» (٢).
ولهذا لم يكن عبثًا أن يبحث الصحابة رضوان الله عليهم عن أسباب المغفرة، وأن يعلموا الدعاء الذي يغفر الله به الذنوب، وقد سأل أحدهم رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: «قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم».
بل لقد ثبت من دعاء الرسول ﷺ قوله: «اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي
стр. 207
وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي هزلي وجدي وخطئي وعمدي وكل ذلك عندي» (١).
وفوق ذلك كله فقد كان الصالحون يبحثون عن الأوقات المناسبة للاستغفار وهل علمت أخي المسلم أنسب الأوقات للاستغفار؟ تجد ذلك في كتاب الله وأنت تقرأ في صفات المتقين قوله تعالى: ﴿كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون﴾ (٢) وتقرأ في صفات المؤمنين قوله تعالى ﴿الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار﴾ (٣) قال العلماء: وهذا يدل على فضيلة الاستغفار وقت الأسحار، وقد قيل: إن يعقوب ﵇ لما قال لبنيه ﴿سوف أستغفر لكم ربي﴾ (٤) أنه أخرهم إلى وقت السحر (٥)، وثبت من سنة رسول الله ﷺ عن جماعة من الصحابة ما يؤكد أهمية الاستغفار في الأسحار، فقد قال البني ﷺ «ينزل الله ﵎ في كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ فأين السائلون وأين المستغفرون .. أين أصحاب الحاجات؟ والجليل ﵎ يفتح بابه للسائلين والمستغفرين».
стр. 208
أجل لقد استفاد من هذه الأجواء المشمرون .. وربح البيع عند أولئك المسارعين للخيرات .. فهذا عبد الله بن عمر ﵄ كان يصلي من الليل ثم يلتفت إلى نافع ويقول: يا نافع هل جاء السحر؟ فإذا قال نعم: أقبل على الدعاء والاستغفار حتى يصبح. وروى ابن مردويه عن أنس بن مالك قال: كنا نؤمر إذا صلينا من الليل أن نستغفر في آخر السحر سبعين مرة.
وعن إبراهيم بن حاطب عن أبيه قال: سعت رجلاً في السحر في ناحية المسجد وهو يقول: رب أمرتني فأطعتك، وهذا سحر فاغفر لي. فنظرت فإذا ابن مسعود ﵁ (١) هكذا كان المخبتون، وكذلك ينبغي أن يكون المفرطون المذنبون.
إخوة الإيمان وبالاستغفار تؤجل العقوبة ويؤخر الله العذاب ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾ (٢).
ومن هنا يبقى للأمة أمانات من العذاب هما بقاء الرسول ﷺ ودوام الاستغفار، فإذا ذهب بقاء الرسول ﷺ بموته بقي الاستغفار هو الأمان الوحيد من العذاب إلى يوم القيامة.
ولهذا ساق الحافظ ابن كثير- عليه رحمة الله - حديثًا رواه الترمذي- عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «أنزل الله علي أمانين لأمتي .. وما كان الله يعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون .. فإذا مضيت تركت فيهم الاستغفار إلى يوم القيامة» (٣).
стр. 209
وبالاستغفار كذلك ينزل الله البركات من السماء وتنتشر الجنان وتكثر الأموال والأولاد، وتجري الأنهار .. وهي كلها نعم يتمناها الناس ويسعون إلى تحقيقها .. والاستغفار سبب جالب لها بإذن الله، واسمع إلى قول نوح- ﵇ لقومه- ﴿فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارًا يرسل السماء عليكم مدرارًا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارًا﴾ (١).
إخوة الإسلام وإذا كان الإسلام قد شرع الإستغفار بعد عمل الطاعات، فأول ما يبدأ به المرء بعد انتهاء الصلاة هو الاستغفار .. وهي لفتة إلى أن الطاعة قد يكون دخلها من الخلل، والتقصير ما يستدعي طلب العفو والمغفرة من الله .. ولذلك يقول المصلي بعد السلام مباشرة «أستغفر الله- أستغفر الله .. إذا كان هذا في شأن العبادة والطاعة، فكيف ترون الحاجة للاستغفار في حال الذنب والمعصية؟ .. لا شك أن الحاجة أولى وأحرى.
أخي المسلم أحذر كل الحذر أن يُران على قلبك بالمعاصي بسبب غفلتك عن الاستغفار، وتأمل قول النبي ﷺ «إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه، فان تاب ونزع واستغفر صقل قلبه منها، وإن زاد زادت حتى تعلو قلبه فذلكم الران الذي ذكر الله في كتابه ﴿كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾ (٢).
واعلم أن من علامات حياة القلب الندم على المعاصي والمبادرة بالتوبة والاستغفار، ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ «الندم توبة» (٣).
стр. 210
ومن هنا فرق العارفون بين المؤمن الذي يرى ذنوبه كأنه في أصل جبل يخاف أن يقع عليه، وبين الفاجر الذي يرى ذنوبه مثل ذباب مر على أنفه فذبه عنه (١).
اللهم ارزقنا التوبة والاستغفار، والندم على الذنوب والآثام، ووفقنا لعمل الصالحات وتقبل منا يا عزيز يا غفار .. هذا وصلوا ..
стр. 211
الخطبة الثانية
الحمد لله تعالى على كل حالة، وأشكره وهو الغفور لمن شاب وأناب، وأشهد ألا إله إلا هو غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أزكى الخليقة وأكثرها ذكرًا واستغفارًا اللهم صل وسلم عليه وعلى إخوانه وآله، وارض اللهم عن أصحابه وأتباعه إلى يوم الدين ..
أما بعد أيها المسلمون فاعلموا- رحمني الله وإياكم- أن هناك موانع لمغفرة الذنوب لابد من معرفتها والعلم بها والحذر منها.
وأول هذه الموانع الشرك بالله قال الله تعالى ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ (لقمان) وقال تعالى ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ (النساء) وقال تعالى ﴿إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار﴾ (١).
وفي الحديث قال رسول الله ﷺ قال الله تعالى: «يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان فيك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك، يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب (أي ملؤها أو ما يقارب ذلك) الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة» (٢).
والشرك المقصود هنا- معاشر المسلمين- لا يقتصر على عبادة الأصنام التي كان أهل الجاهلية يعبدونها كاللات والعزى ونحوها .. كما قد يفهم بعض
стр. 212
الناس وإنما يشمل كذلك عبادة القبور والاستغاثة بالأموات، ودعاءهم من دون الله وطلب المدد منهم، وهل يغيب عن البال أن أول شرك وقع في الأرض هو هذا الذي قد يظنه بعض الناس ليس شركًا فقد كان الشرك الذي وقع في قوم نوح الغلو في الصالحين، والتوسل بالأموات ﴿وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن وذًا ولا سواعًا ولا يغوث ويعوق ونسرًا﴾ (١) روى البخاري عن ابن عباس ﵄: أن هذه أسماء رجال صالحين في قوم نوح ماتوا فعبدوهم من دون الله .. » نسأل الله السلامة من الفتن وأن يرزقنا البصيرة في ديننا لنعبد الله على هدي المرسلين.
أيها المسلمون أما المانع الآخر من حصول المغفرة فهو قتل المؤمن عمدًا، فقد روت أم الدرداء عن أبي الدرداء ﵄ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول «كل ذنب عسى أن يغفره الله أو قال عسى الله أن يغفره، إلا من مات مشركًا، أو مؤمن قتل مؤمنًا متعمدًا» (٢).
ولابد من العلم بأن الإصرار على الذنب- آفة ينبغي للمسلم أن يعالج نفسه منها، قال الله تعالى ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنبوهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون﴾ (٣) ومن هنا فلا ينبغي أن يتحول الاستغفار إلى كلمات باللسان فقط مع البقاء والاستمرار على المعاصي، وهذا أمر نقع فيه كثيرًا .. نسأل الله أن يعيننا على تجاوزه .. وما أجمل كلمة قالها أحد السلف وكأنه يحكي واقع الكثير منا، ولابد من إدراك معناها والعمل على إزالة آثارها، فقد قال الفضيل
стр. 213
بن عياض- ﵀ «الاستغفار بلا إقلاع توبة الكذابين»، ويقارب ذلك المقولة الأخرى «استغفارنا يحتاج إلى استغفار كثير» (١).
إخوة الإيمان .. من أقوى عوامل حصول المغفرة قوة الرجاء بالله وعدم القنوط من رحمته أو اليأس من روحه- قال الله تعالى ﴿إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون﴾ (٢).
وفي الحديث السابق (يا ابن آد م إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي) فلابد من الدعاء والرجاء .. الدعاء بصدق وضراعة .. والرجاء بخشوع وإنابة وأن تتصور أن خزائن الله ملأى لا يضيره ما أنفق وأعطى .. وما بالله بخل أو شح إذا أحسَّ من عبده التوجه الصادق والتوبة النصوح ..
واقرأ بقلب خاشع قول الحق ﵎: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا إنه هو الغفور الرحيم، وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون .. ﴾ (٣).
أسأل الله أن يغفر لي ولكم وأن يرزقنا التوبة النصوح، وأن يلهمنا رشدنا، ويعيننا على أنفسنا .. هذا وصلوا ..
стр. 214
(١) اليوم الأغر (١)
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي هدأنا لهذا الدين وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا اللهم ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، خص أمتنا بما لم يخص به غيرها من الأمم، وفضل ملتنا على سائر الملل، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وخاتم الأنبياء وأفضلهم- اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وعلى آله الأخيار الطيبين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد فاتقوا الله معاشر المسلمين، واشكروه على ما أولاكموه من نعم، وأختصكم به من مزايا ومنن.
أيها المسلمون يغيب عن أذهان المسلمين أحيانًا ما اختصهم الله تعالى به من فضل، أو يتكاسلون في الاستفادة فيما هيأ لهم من فرص الطاعات والخيرات .. وسواء كان الداء الجهل أو الكسل فهما صوارف عن الخير، ودواؤها العلم والعمل.
وحديثي إليكم- عن يوم عظيم من أيام الله لم نوله ما يستحق من العناية والتكريم، ولم نستثمره في الطاعات والقربات، بل وربما لم نعلم خصائصه ومميزاته، ولم نلتزم أحكامه وآدابه كما ينبغي، إنه اليوم الأغر في جبين هذه الأمة .. سيد الأيام على الإطلاق هو يوم الجمعة، الذي ادخره الله لنا، وأضل عنه من قبلنا.
стр. 215
قال الحافظ ابن كثير- ﵀ ثبت أن الأمم قبلنا أمروا به فضلوا عنه، واختار اليهود يوم السبت الذي لم يقع فيه خلق آدم، واختار النصارى يوم الأحد الذي ابتدأ فيه الخلق، واختار الله لهذه الأمة يوم الجمعة الذي أكمل الله فيه الخليقة، كما أخرج البخاري ومسلم- في صحيحيهما- واللفظ للبخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسوله الله ﷺ : «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب قبلنا، ثم إن هذا يومهم الذي فرض الله عليهم فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع: اليهود غدًا، والنصارى بعد غد» (١).
هذه الحقيقة مسجلة في كتب أهل الكتاب، ويعترف بها مَنْ مَنَّ الله عليهم بالإسلام من أهل الكتاب، واستمعوا إلى هذا الحوار بين أبي هريرة ﵁ وكعب الأحبار وتأييد عبد الله بن سلام ﵁: فقد قرأ أبو هريرة ﵁ حديث رسول الله ﷺ : «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أهبط وتيب عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة، وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقًا من الساعة إلا الجن والأنس، وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله حاجة إلا أعطاه إياها» قال كعب: ذلك في كل سنة يوم؟ فقلت: بل في كل جمعة، قال: فقرأ كعب التوراة فقال: صدق رسول الله ﷺ ، قال أبو هريرة، ثم لقيت عبد الله بن سلام فحدثته بمجلسي مع كعب فقال عبد الله بن سلام: وقد علمت أية ساعة هي (٢).
وفي حديث آخر عن عبد الله بن سلام ﵁ قال: قلت ورسول الله ﷺ