← Джавами‘

Джавами‘ · id 20948

شعاع من المحراب

سليمان بن حمد العودة

Полный текст (3 545 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

لا يرتفع بهم شأن الإسلام مهما قالوا، ولا يزداد بهم الصفُّ الإسلامي إلا ضعفًا وخبالًا مهما كثروا ﴿لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين﴾ (١). البلية بهم عامة، وسوادهم ينتشر في أوساط المتعلمين والعامة، والأمر أدهى وأمر حين يتوفرون في صفوف النخب، ويحسبون على أهل العلم والديانة، وبتقرير كثرتهم قال المتقدمون. قال الحسن البصري يرحمه الله: لولا المنافقون لاستوحشتم في الطرقات (يعني لكثرتهم) (٢). وسمع حذيفة بن اليمان ﵁ رجلًا يقول: اللهم أهلك المنافقين، فقال: يا ابن أخي: لو هلك المنافقون لاستوحشتم في طرقاتكم من قلة السالك (٣). أيها المسلمون! لكثرة المنافقين وسهولة الانخداع بهم يجهل حالهم كثير من الناس، بل لقد خفي بعضهم على رسول الهدى ﷺ وأوحى الله إليه فيما أوحى ﴿وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم﴾ (٤). قال الإمام الذهبي ﵀: فإذا جاز على سيد البشر أن لا يعلم ببعض المنافقين وهم معه في المدينة سنوات، فبالأولى أن يخفى حالُ جماعةٍ من المنافقين

стр. 1507

الفارغين عن دين الإسلام بعده ﵇ على العلماء من أمته (١). وإذا خفي ذلك على العلماء كان خفاؤه على العامة والدهماء من باب أولى، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم * ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم﴾ (٢).

стр. 1508

الخطبة الثانية: الحمد لله ربِّ العالمين، يعلم السرَّ وأخفى، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يمهل للظالم حتى إذا أخذه لم يُفلته ولا يظلم ربُّك أحدًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ومع كمال رسالته وحسن خلقه لم يسلم من أذى المنافقين حتى أتهموه في عرضه وآذوا أهله فبرأه الله مما قالوا، ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر المرسلين. أيُّها المسلمون! حركة النفاق بدأت بعد انتصار الإسلام في معركة بدر، وحينها شرق المنافقون بالإسلام ولم يكن بإمكانهم مواجهته صراحة، وليس لديهم الاستعداد للدخول فيه عن قناعة وطواعية، فاختاروا طريق النفاق وبئس الخيار وكفاهم خزيًا وعارًا أن المنافقين في الدرك الأسفل من النار، واستمرت هذه النبتة الخبيثة عبر تاريخ الإسلام تختلف أسماؤها ومسمياتها ووسائلها وتتفق في أهدافها وغاياتها، أما بواعث النفاق فهي أغراض نفسية، ومطامع دنيوية، وحب للشهوات، وتفضيل مراد النفس على مراد الله، فهذه الأشياء تمنع أهلها من قبول الحقِّ وتحملهم على معاداة أهله، وإبطان السوء، وكراهية الحقِّ، والتربص بالمؤمنين الدوائر (١). والمنافقون -كما قال العالمون- عُشّاق زعامة، وعبيدُ مصالح، لا يُقصِّرون في امتطاء كلِّ مركب يضمن لهم السيادة والقيادة، ومن أجل هذا يؤمنون أوّل النهار ويكفرون آخره .. ويخاطبون كلَّ إنسان بالأسلوب الذي يحبه ويرضاه ﴿وإذا لقوا

стр. 1509

الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون﴾ (١). البنيان الذي يقام بهم أوهى من بيت العنكبوت، والآمال التي تعلَّق عليهم تتلاشى كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف، لا يعتد بهم في الخطوب، ولا يعتمد عليهم حين الشدائد، وإذا كانوا لا يتمالكون أنفسهم حين الفزع ويحسبون كلَّ صيحة عليهم، وإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت، فأنى لهم أن يسعفوا من ركن إليهم أحوج ما يكون إليهم، وحريٌّ بمن رام التعامل معهم أن يقرأ شيئًا من صفاتهم في كتاب الله المعجز، ولا ينبئك مثل خبير. إخوة الإسلام .. وهاكم أركان النفاق الأربعة كما يصورها ابن القيم يرحمه الله إذ يقول: زرع النفاق ينبت على ساقيتين، ساقية الكذب، وساقية الرياء، ومخرجهما من عينين: عين ضعف البصيرة، وعين ضعف العزيمة، فإذا تمت هذه الأركان الأربعة استحكم نبات النفاق وبنيانُه. ولكنه بمدارج السيول على شفا جُرُفٍ هارٍ، فإذا شاهدوا سيل الحقائق يوم تبلى السرائر، وكشف المستور، وبعثر ما في القبور، وحُصِّل ما في الصدور، تبين حينئذ لمن كانت بضاعته النفاق: أن حواصله التي حصَّلها كانت كالسراب ﴿والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمان ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب﴾ (٢). إخوة الإيمان! وزعُ النفاق، ونماذج المنافقين كما وجدت في عهد النبوة استمرت في العصور الإسلامية، فهي موجودة في زماننا هذا، ولا يكاد يخلو منها

стр. 1510

عصر أو مصر، لا ينكر ذلك إلا جاهل أو مكابر، بل لقد نص العالمون أن النفاق بعد عهد النبوة أشرُّ وقال حذيفة بن اليمان ﵁: المنافقون الذين فيكم شرّ من المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ فقيل له: وكيف ذلك؟ فقال: إن أولئك كانوا يُسرُّون نفاقهم، وإن هؤلاء يعلنون (١). وذلك يدعونا جميعًا للحذر من النفاق والخوف على أنفسنا منه، وليس لأحدٍ أن يزكي نفسه بعد اتهام خيار الأمة لأنفسهم وخشيتهم من النفاق، ففي صحيح البخاري معلقًا قال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب محمدٍ ﷺ كلهم يخاف النفاق على نفسه .. (٢). تالله لقد قطع خوفُ النفاق قلوب السابقين الأولين، لعلمهم لدقِّهِ وجِلِّه، وتفاصيله وجُمَله، ساءت ظنونهم بنفوسهم حتى خشوا أن يكونوا من جملة المنافقين، قال عمرُ بن الخطاب لحذيفة ﵄: يا حذيفة نشدتك بالله هل سماني لك رسول الله ﷺ فيهم؟ قال: لا، ولا أزكي بعدك أحد (٣). يا عبد الله كيف تأمن على نفسك وقد خاف هؤلاء، وكيف تزكيها وقد اتهمها من هو خيرٌ منك، إن من علائم الإيمان أن يتهم المرء نفسه، قال الحسن البصري ﵀: ما خاف النفاق إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق (٤). إخوة الإيمان! لشدة خوف السلف من النفاق كانوا يتعوذون بالله منه في الصلاة، فهذا أبو الدرداء ﵁ إذا فرغ بعد التشهد -في الصلاة- يتعوذ بالله من

стр. 1511

النفاق ويكثر التعوذ منه، فقال له أحدهم: ومالك يا أبا الدرداء - أنت والنفاق؟ قال: دعنا عنك، فوالله إن الرجل ليُقلب عن دينه في الساعة الواحدة فيُخلع منه (١). هذه وتلك مدعاة للحديث عن النفاق، إذ مع ضعف الإيمان في هذه الأزمان، وغلبة الهوى والجهل تجدُ الأمن من النفاق والغفلة عنه ولمزيد البيان والتحذير، سأقف في الجمعة القادمة -إن شاء الله- على سمات المنافقين وصفاتهم كما جاءت في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . اللهم علمنا ما ينفعنا، اللهم أعذنا من النفاق، وطهر بلاد المسلمين من المنافقين. هذا وصلوا.

стр. 1512

هم العدوُّ صفاتهم وملامحهم (١) الخطبة الأولى: الحمد لله رب العالمين كتب العزة له ولرسوله وللمؤمنين، وجعل الذِّلة والصغار لأعدائه من الكافرين والمنافقين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أرسل رسوله بالهدى ودين الحقِّ ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله جاهد الكفار والمنافقين حتى نصره الله عليهم، وليس لأمته أن يتخلفوا عن سنته، ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. ﴿ياأيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور﴾ (٢). ﴿ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون﴾ (٣). ﴿وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط﴾ (٤).

стр. 1513

عباد الله! وقد سبق بداية الحديث عن المنافقين وخطرهم وكثرتهم وبلية الإسلام بهم، ومحنة المسلمين معهم، وانخداع البعض بهم، وخوف المؤمنين على أنفسهم من النفاق لخفائه وتشعبه، ووعدت في هذه الخطبة بالحديث عن سماتهم وصفاتهم في الكتاب والسنة. والحديث عن صفات المنافقين وعلاماتهم يكشف لنا طرفًا من إعجاز القرآن الكريم حين فضح السابقين منهم رغم خفائهم وتسترهم بنفاقهم. وبقيت آيات القرآن وستبقى هادية لمعرفة المنافقين في كل زمان ومكان لمن تأمل ونظر بنور الله، ولا يزال المؤمنون يدركون عظمة القرآن ودقة تعبيره كلما أطلَّ النفاق برأسه، وبرزت طوائف من المنافقين، نعم أيها المسلمون ليست ظاهرة النفاق مرحلة مرَّت في التاريخ وانتهت .. كلا وقد سمعتم قول صاحب سرِّ المنافقين حذيفة ﵁ وهو يقول: المنافقون الذين فيكم شرٌّ من المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ . ويقول الإمام مالك ﵀: النفاق في عهد رسول الله ﷺ هو الزندقة فينا اليوم، وإذا توسع مصطلح النفاق وتعددت مسميات المنافقين في عهد الإمام مالك ﵀، أمكن أن يطلق على المنافقين أكثر من مسمى في هذا الزمان إذا توفرت فيهم سيما المنافقين (١). ويقول ابن تيمية ﵀: والمنافقون ما زالوا ولا يزالون إلى يوم القيامة (٢). وكذلك قال ابن القيم ﵀ معللا ذكرهم في القرآن حيث قال: واعلم أنه كلما انقرض منهم طوائف خلفهم أمثالهم، فذكر أوصافهم لأوليائه ليكونوا منها على حذر .. (٣).

стр. 1514

عباد الله! إذا تقرر منحة الإسلام والمسلمين بالمنافقين قديما وحديثا كان لا بد من بيان سماتهم والتعرف على علاماتهم حتى يحذر المسلمون شرورهم ولا يتورطوا بشيء من خلال النفاق وصفات المنافقين على أن حصر جميع صفاتهم والإحاطة بكل علاماتهم ومواقفهم أمر يصعب ويطول وحسبي الإشارة إلى شيء منها. إخوة الإيمان! أما وصف جوارح المنافقين، فأسماع قلوبهم قد أثقلها الوقر فهي لا تسمع منادي الإيمان، وعيون بصائرهم عليها غشاوة العمى فهي لا تبصر حقائق القرآن، وألسنتهم بها خرس عن الحق فهم به لا ينطقون ﴿صم بكم عمي فهم لا يرجعون﴾ (١). لقد حكم القرآن بكذب ألسنتهم ومرض قلوبهم وجاءت السنة ببيان قلوبهم المنكوسة، فقال تعالى: ﴿والله يشهد إن المنافقين لكاذبون﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا﴾ (٣). وقال ﵊: ((القلوب أربعة .. )) فذكر منها القلب المنكوس وهو قلب المنافق - لأنه عرف الحقّ ثم أنكره (٤). والمنافقون مع كذبهم يخلفون الميعاد، ويخونون الأمانة، ويغدرون حين يعاهدون، ويفجرون حين الخصومة، كذلك ثبت عن رسول الهدى ﷺ علاماتهم،

стр. 1515

وجاء في بعض الروايات ((وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم)) (١). أيها المسلمون! من علامات المنافقين التكاسل عن الطاعات والمراءات حين يؤدون الواجبات، ومن المحكَّات التي تكشفهم الصلوات المكتوبة إذ هي أعظم شعيرة في الدين وثاني أركان الإسلام بعد الشهادتين، والله يقول عن المنافقين ﴿إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى﴾ (٣). فالقيام للصلاة من قبلهم بكسل، ولولا مراءات الناس ما قاموا، ولذا تراهم لا يذكرون الله فيها إلا قليلًا، وينكشف المنافقون أكثر في صلاتي العشاء والفجر - حيث تقلُّ الرقابة وتثقل عليهم الطاعة: ((أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما من الأجر لأتوهما ولو حبوًا)). يؤخرون الصلاة عن وقتها، وينقرونها نقر الغراب، ويلتفتون فيها التفات الثعلب، وقلِّ ما يشهدون الصلاة مع جماعة المسلمين، ألا فاحذر أيها المسلم مشابهة المنافقين، وأخرج نفسك من دائرة النفاق، وإذا كان هذا شأنهم في الصلاة فلا تسأل عن حالهم في الصيام، أما في الزكاة والصدقات، فقد شهد القرآن ببخلهم وقبض أيديهم، وقال فيما قال عنهم: ﴿ولا ينفقون إلا وهم كارهون﴾ (٤). عباد الله! حين يتفق العقلاء أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضمانة بقاء

стр. 1516

وصلاح للمجتمع، فيه تحيا الفضيلة وتُرعى، وتحاصر الرذيلة وتُستنكر، ينتكس المنافقون في فهمهم، وتراهم يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف، لا فرق في ذلك بين الرجال والنساء، يشتركون في السمة والأداء، كما يشتركون في العقوبة والجزاء. قال تعالى: ﴿المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿ليعذب الله المنافقين والمنافقات﴾ (٢). ويبلغ بهم الانتكاس غايته وهم يحسبون الفساد إصلاحًا ويشترون الضلالة بالهدى، وتلك تجارة غير رابحة، وما أولئك بالمهتدين. أجل إن المنافقين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، ولا يتورعون في التهم الباطلة، وإن قومًا تطاولوا في تهمهم على مقام بيوت الأنبياء ﵈، لن يتورعوا في إلصاق التهم زورًا وبهتانًا على غيرهم من باب أولى. ولو أن كلَّ ذئب عوى ألقمته حجرًا ... لأصبح الصخر مثقالًا بدينار أيها المسلمون! تاريخ المنافقين حافل بالسخرية بالدين والاستهزاء واللمز بالمتدينين، وتلك طامة كبرى كشف القرآن فيها دخيلة المنافقين وحكم بكفرهم عليها رب العالمين حتى وإن اعتذروا فيها ظاهرًا أمام المسلمين ﴿ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين﴾ (٣).

стр. 1517

وكشف عورهم مرة أخرى بالسخرية بالمتطوعين من المؤمنين ووعدهم العذاب الأليم فقال تعالى: ﴿الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم﴾ (١). تُرى أيضيق المستهزئون اللاحقون بالدين والمتدينين على قوارع القرآن بأسلافهم السابقين، أم تُراهم -لشدة جُرمهم- لا ينتفعون بواعظ القرآن وإن سمعوه، كما طُبع على قلوب من سبقهم ﴿ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم﴾ (٢). ويح المنافقين وهم يظنون أنهم يخدعون أهل الإيمان بادعاء الإيمان، ويصرحون لشياطينهم بصدق المودة: ﴿وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون﴾. عباد الله! من سيما المنافقين أن ولاءهم للكافرين وإن عاشوا بين ظهراني المسلمين، وقلوبهم مع أعداء الدين، وإن كانوا بألسنتهم وأجسامهم وعدادهم في المسلمين، يخشون الدوائر فيسارعون للولاء والمودة للكافرين، ويسيئون الظن بأمتهم فيرتمون في أحضان أعدائهم ويزعمون إبقاء أيادٍ عند الكافرين تحسبًا لظفرهم بالمسلمين ﴿فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين﴾ (٣). والمنافقون حين الوقيعة أشدُّ خوفًا وأعظم هلعًا، تدور أعينهم كالذي يُغشى عليه من الموت، وودّ المنافقون إذا حلَّ بالمسلمين عدوّ أنهم بعيدون عن مواقع النزال،

стр. 1518

أشتاتٌ في البوادي القفار من بعد يتخذون الأخبار ﴿يحسبون الأحزاب لم يذهبوا وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب يسألون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا﴾ (١). أيُستكثر بهؤلاء من قلة؟ أم يُتقوى بهم من ضعف؟ كلا .. إنهم معوِّقون ومخلفون ومفتونون ومبطئون، ولا يأتون البأس إلا قليلا: ﴿لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا﴾ (٢). إنهم جسم غريب في الأمة، وهم نشاز في أمانيهم ومشاعرهم تجاه أهل الملة فإن أصاب المسلمين عافية ونصر وظهور ساءهم ذلك وغمهم، وإن أصابهم ابتلاء وامتحان يمحص الله به ذنوبهم ويكفر به عن سيئاتهم أفرحهم ذلك وسرهم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط﴾ (٣). نفعني الله وإياكم بهدي القرآن.

стр. 1519

الخطبة الثانية: الحمد لله رب العالمين أغاث قلوب المؤمنين بالإيمان، فكان بها مثل السراج يُزهر، وكان كالبقلة يمدها بالماء الطيب، ونكس قلوب المنافقين فكان النفاق فيها كمثل القرحة يمدها القيح والدم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ولئن كان ذهاب نور العينين يسمى عمى، فأشدُّ منه أن تعمى القلوب التي في الصدور، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ما فتئ يجاهد المنافقين حتى أظهره الله عليهم، وسيعلم الذين ظلموا أيَّ منقلب ينقلبون. اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. أيها المسلمون! من سيما المنافقين وعلاماتهم أنهم يكرهون التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ باطنًا وإن زعموا أن الإيمان بهما ظاهرًا ويميلون إلى حكم الطاغوت وإن لم يقولوا به جهارًا، ولربما ألصقوا التهم الباطلة بمن يدعون إلى الكتاب والسنة مخادعة وتنفيرًا، ولربما خرجت على فلتات ألسنتهم كلماتُ الإطراء للكافرين زورًا وبهتانًا؟ ويح المنافقين ﴿وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا﴾ (١). ﴿ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين * وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون * وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين * أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون﴾ (٢).

стр. 1520

عباد الله! سياسة التجويع عند المنافقين منهج وطريقة ابتدعوها، وهم يقصدون منها إضعاف انتماء المؤمنين لدينهم وإبعادهم عن هدي نبيهم، وغاب عنهم أن خزائن السماوات والأرض بيد الله، وذلك من قلة فقههم كما حكى الله عنهم ﴿هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون﴾ (١). والمنافقون أصحاب مصالح وهوى ليس لهم قرار واضح ولا قاعدة ثابتة، فتراهم مع المؤمنين تارة، ومع الكافرين تارة أخرى ﴿الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا﴾ (٢). ﴿وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا * ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة ياليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما﴾ (٣). وما أصعب التأرجح والتذبذب على نفسية الكبار، ولكنها نفسية المنافقين الدنيَّة وسلوكياتهم الهابطة ﴿مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا﴾ (٤). وقال ﵊: ((مثل المنافق كالشاة العائرة بين الغنمين تعير إلى

стр. 1521

هذه مرة وإلى هذه مرة)) (١). والشاة العائرة -كما في النهاية- هي المترددة بين قطيعين لا تدري أيهما تتبع (٢). فلا يغرنكم ولاؤهم المتردد فهم مع من غلب، حتى وإن مدحوا ظاهرا لتحقيق مصالح ومطامع من يرجون، فهم يتكلمون بخلافه حين يَخْلون، وذلك ضرب من ضروب النفاق. أخرج البخاري في صحيحه عن زيد بن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال ناسٌ لابن عمر: إنا لندخل إلى سلطاننا أو أمرائنا فنقول لهم بخلاف ما نتكلم به إذا خرجنا من عندهم، فقال: كُنَّا نعدُّ هذا نفاقا على عهد رسول الله ﷺ (٣). ولا يغرركم حديثهم عن الإسلام وهم كاذبون، وبأحكامه لا يعملون، سئل حذيفة ﵁ ما النفاق؟ فقال: أن تتكلم بالإسلام ولا تعمل به (٤). ألم يقيموا في المدينة مسجدًا قرب مسجد قباء، زعموا أنما بنوه للضعفاء منهم وأهل العلة في الليلة الشاتية، فهدمه رسول الله ﷺ وسماه الله مسجد الضرار، وأوحى إلى عبده أن عملهم هذا كفرٌ وتفريق بين المؤمنين، وإن حلفوا أنهم ما أرادوا به إلا الحسنى فهم كاذبون ﴿والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون﴾ (٥).

стр. 1522

إخوة الإسلام .. هذه بعض صفات القوم، وتلك بعض ملامحهم وأماراتهم ومن رام المزيد فكتاب الله حافل بذكر صفاتهم وفضائحهم، وسنة المصطفى ﷺ وسيرته زاخرة بكثيرٍ من مواقفهم وعدوانهم وحيلهم. وخلاصة القول فإذا رأيت من يسخر بالدين ويستهزئ بالمتدين، ويقول بالمنكر ويضيق بالمعروف، ويصدُّ من يقر بالتحاكم لكتاب الله، ويدندن حول أحكام الطواغيت، يوالون الكافرين ويتبرمون من المسلمين الصادقين، يضيقون بالخير يحصل للمسلمين وتفرحهم المصيبة تحل بهم، يتكلم بالإسلام ولا يعمل به، يتكاسل عن أداء الواجباب، ويرائي الناس حين يؤدي شيئًا من الطاعات، يتحدث ويكذب، ويعد ويخلف، ويخون حين يؤتمن، يظن الفساد إصلاحًا ويزعم بإشاعة المنكر أنه يسعى للمجتمع إصلاحًا متذبذبون في ولائهم، كاذبون في نصحهم، منافقون في طاعاتهم. إذا رأيت هؤلاء فاعلم أنهم أهل نفاق وعدادهم في المنافقين، وإن صلوا وصاموا وزعموا أنهم مسلمون، فلن نجيز لوحة كتب عليها المنافقون، ولن تجد من يرضى أن يوصم بالنفاق ولو كان من شرار الخليقة لكنها الأعمال تكشفهم والسمات تميزهم. وإيضاح ذلك، والموقف من المنافقين بشكل عام يحتاج إلى حديث آخر، أعان الله ويسر، وسدد وكفى، ووقانا شرَّ الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم طهّر ألسنتنا من الكذب وقول الزور، وأعيننا من الخيانة والفجور، وقلوبنا من الشكِّ والشرك والنفاق، اللهم لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، اللهم ثبتنا بقولك الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولا تخزنا يوم يبعثون، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، هذا وصلوا.

стр. 1523

هم العدو (أنواع النفاق والموقف من المنافقين) (١) الخطبة الأولى: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين. ﴿ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا * يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما﴾ (٢). ﴿ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ (٣). اتقوا الله عباد الله واخشوا يومًا ترجعون فيه إلى الله ثم توفّى كلَّ نفس ما كسبت وهم لا يظلمون. أيها المسلمون أستكمل اليوم حديثًا بدأته عن خطر النفاق والمنافقين وكثرتهم، والحذر من الانخداع بهم، وأبرز ملامح المنافقين وصفاتهم، وليس يخفى أنك لن تجد لوحة كتب عليها (المنافقون)، ولن تجد من يرضى أن يُوصم بالنفاق أو يُعد

стр. 1524

في المنافقين، ولو كان من شرار الخليقة وكبار المستهزئين والمناوئين للدين والمتدينين الصادقين .. لكنها الأعمال تكشف أهل النفاق. ولحنُ القول يحدد هوية المنافقين، والله يقول وهو أصدق القائلين ﴿ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول﴾ (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية يرحمه الله: ((فمعرفة المنافقين في لحن القول ثابتة مُقسم عليها، لكن هذا يكون إذا تكلموا، وأما معرفتهم بالسيما فهو موقوف على مشيئة الله)) (٢). عباد الله! النفاق كلُّه شرٌّ وبليّة، ولكنه نوعان كما قال ابن كثير: اعتقادي: وهو الذي يخلد صاحبه في النار (وهو الذي يُظهر صاحبه الإسلام ويبطن الكفر) وعملي وهو منْ أكبر الذنوب (وهو التلبس بشيء من علامات المنافقين كالكذب في الحديث، والخُلف في الوعد، ونحوها) (٣). والنفاق أكبر وأصغر -كما قال ابن تيمية- كالكفر، نفاق دون نفاق، ولهذا كثيرًا ما يقال: كفرٌ ينقل عن الملة، وكفرٌ لا ينقل عن الملة، ونفاق أكبر، ونفاق أصغر .. كما يؤكد شيخ الإسلام أن المنافقين ليسوا بدرجة واحدة ويقول: لم يكن المتهمون بالنفاق نوعا واحدا، بل فيهم المنافق المحض، وفيهم من فيه إيمان ونفاق، وفيهم من إيمانه غالب وفيه شعبة من النفاق (٤). إخوة الإسلام! ذلك مؤشر على كثرة النفاق وتعدد شعبه حتى إنه ليُداخل أهل

стр. 1525

الإيمان في حال ضعفهم، ويكون تهمة تُوجه إليهم، ألم يقل عمرُ بن الخطاب ﵁ في شأن حاطب بن أبي بلتعة ﵁: ((دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق)). وذلك حين كاتب حاطب المشركين بمكة ببعض أخبار الرسول ﷺ ؟ وحين احتملت سعد بن عبادة ﵁ الحمية وانتصر لابن أبيّ في قصة الإفك، قال له أسيد بن حضير ﵁: إنما أنت منافق تجادل عن المنافقين. وكذلك قول من قال من الصحابة عن مالك بن الدُّخشم: منافق، وإن كان قال ذلك لِما رأى فيه من نوع معاشرة ومودةٍ للمنافقين (١). أيها المؤمنون! هذا يدعو إلى الحذر من النفاق صغيره وكبيره، دقِّه وجلّه، العملي منه والاعتقادي، فقد يؤول النفاق الأصغر بصاحبه إلى النفاق الأكبر، وفي هذا يقول ابنُ رجب ﵀: ((والنفاق الأصغر وسيلة وذريعة إلى النفاق الأكبر، كما أن المعاصي بريدُ الكفر فكما يُخشى على من أصرَّ على المعصية أن يسلب الإيمان عند الموت، كذلك يُخشى على من أصرَّ على النفاق أن يُسلب الإيمان فيصير منافقًا خالصا)) (٢). أيها المسلمون! إذا كان الرياءُ أحد شعب النفاق، وهو شرك أصغر، وهو كما قال ﵊: ((أخفى من دبيب النمل)). حتى قال أبو بكر ﵁: وكيف ننجوا منه وهو أخفى من دبيب النمل؟ فقال ﷺ : ((ألا أعلمك كلمة إذا قلتها نجوت من دقَه وجلِّه؟ قل: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم)) (٣).

стр. 1526

فإن الكذب كذلك أحدُ شعب النفاق، وهو يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا، وهكذا بقية شعب النفاق العملية، قد نتساهل بها أحيانًا وهي طريق إلى الضلال والنفاق الأكبر، ألا فليحذر العاقل من شعب النفاق كلِّها، ويتهم نفسه كما اتهم السابقون أنفسهم، وليطيب أعماله كما طيبها السابقون، فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، ومن راءى راءى الله به، ومن سمّع سمّع الله به، واحذروا ذا الوجهين فهم شرارُ الخلق كما قال ﵊: ((تجدون شرَّ الناس يوم القيامة عند الله ذا الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه)). وهذا الصنيعُ إن كان في عرف المتأخرين دهاءً ولباقة ومرونةً، فهو في عرف السابقين كذبٌ ونفاق وخيانة. قال القرطبي: ((إنما كان ذو الوجهين شرَّ الناس لأن حاله حالُ المنافق، إذ هو متعلقٌ بالباطل وبالكذب مدخلٌ للفساد بين الناس، وقال النووي -يرحمه الله: هو الذي يأتي كلَّ طائفةٍ بما يُرضيها، فيُظهر لها أنه منها، ومخالفٌ لضدها، وصنيعه نفاق، ومحض كذب)) (١). إخوة الإسلام! مع كثرة النفاق وتشعب خصاله، وأهمية الحذر من الوقوع في شيء من ذلك، فأنبه إلى أمرين قد يُظنان من النفاق وليسا كذلك: الأمر الأول: ما يعرض للقلب -أحيانا- من ضعفٍ وغفلة وتغير واشتغال بالأهل والولد والمال بعد سماع الذكر والخشوع والإنابة، وهذا ما عرض للصحابة وخشوا أن يكون نفاقًا، فأعلمهم النبي ﷺ أنه ليس نفاقًا، ففي صحيح مسلم عن حنظلة الأسيدي أنه مرَّ

стр. 1527

بأبي بكر الصديق ﵄ فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قلت: نافق حنظلة، قال: سبحان الله؟ ما تقول؟ قال: نكون عند رسول الله ﷺ يُذكرنا بالنار والجنة، حتى كأنا رأي العين، فإذا خرجنا من عند رسول الله ﷺ عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، فنسينا كثيرًا فقال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا، فانطلقا إلى رسول الله ﷺ وأخبره حنظلة بحاله فقال ﵊ ((والذي نفسي بيده لو تدومون على ما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة على فُرُشكم وفي طرِقكم، ولكن يا حنظلة ساعةً وساعةً)) (١). إن الإسلام دين واقعي لا يُحرم التمتع بملاذ الدنيا، ولا يمنع من إيناس الناس في حدود ما أحل الله، ولا يعدُّ هذه الغفلة من النفاق ما دامت سريرة الإنسان وعلانيتة طيبة سليمة على حدٍّ سواء. أيها المسلمون! أما الأمر الثاني الذي لا يُعد من النفاق فهو المداراة (والمداراة من أخلاق المؤمنين وهى خفض الجناح للناس، ولين الكلمة، وترك الإغلاظ لهم في القول، وذلك من أقوى أسباب الألفة). ولا سيما مع من بهم فسق أو نفوز عن الحق، فتأليف قلوبهم، والتلطف لهم في المعاملة والانبساط إليهم، والإنكار عليهم بلطف. كل ذلك لا يُعد نفاقًا لكنه أسلوب من أساليب الدعوة، ونوع راقٍ في أدب المعاملة. أما المداهنة فهي المنهي عنه، وهى من خصال المنافقين وشعب النفاق، وهي مجاراة الكافر أو الفاسقّ في باطلهم والانبساط معهم والرضا بحالهم دون الإنكار عليهم، والمداهنة باختصار: تركُ الدين لصلاح الدنيا (٢).

стр. 1528

وإذا علم الفرقُ بين المداراة والمداهنة أمكن العمل بهذه والحذر من تلك، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا * ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا﴾ (١).

стр. 1529

الخطبة الثانية: الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والعاقبة للمتقين، وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، وهو العليم الخبير بالمنافقين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله خاتم النبيين والمبعوث رحمة للعالمين، اللهم صل وسلم على سائر أنبياء الله والمرسلين. أما بعدُ: في نهاية الحديث عن المنافقين يرد السؤال المهم: وما الموقف الشرعيُّ من المنافقين؟ والمتأمل في كتاب الله، وسنة رسول الله ﷺ وسيرته، وسير أصحابه، يجدُ الإجابة عن الموقف المشروع من المنافقين في الأمور التالية: أولا: الحذر من المنافقين، قال الله تعالى: ﴿هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون﴾. ولم لا يكون الحذر من المنافقين وهم يظهرون ما لا يبطنون، ويُسرون ما لا يعلنون، ولربما تحدثوا باسم الدين، وقد يُغترّ بهم فيُحسبون من الناصحين، والله أعلم بما يكتمون، وما أجمل ما نقله القرطبي في الحذر منهم، قال القرطبي ﵀: والمعنى احذر أن تثق بقولهم، أو تميل إلى كلامهم واحذر مما يلتهم لأعدائك، وتخذيلهم لأصحابك (١). ثانيا: ومع الحذر من المنافقين لابد من كشف خُططهم وفضح أساليبهم، فالمنافقون جُبناء لا يجرأون بالتصريح بما يريدون، بل هم أصحاب حيل، وأرباب مكر وخديعة، وأصحاب ظواهر لا بواطن، فلربما سعوا إلى التدمير باسم التطوير، ولربما سعوا في الأرض فسادًا. هم يزعمون أنهم مصلحون ﴿ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون﴾.

стр. 1530

ثالثًا: مجاهدتهم والغلظة عليهم امتثالا لقول الله تعالى: ﴿يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم﴾. قال القرطبي ﵀ في تفسير هذه الآية: الخطاب للنبي ﷺ ، وتدخل فيه أمته من بعده .. ثم نقل عن ابن عباسٍ ﵄، مجاهدة المنافقين باللسان، وشدة الزجر والتغليظ، وروي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: جاهدوا المنافقين بأيديكم، فإن لم تستطيعوا فبألسنتكم، فإن لم تستطيعوا! إلا أن تكفهروا في وجوههم فافعلوا (١). أما الغلظة مع المنافقين -فهي كما حكاها المفسرون- نقيض الرأفة، وهي شدةُ القلب على إحلال الأمر بصاحبة، وليس ذلك في اللسان، واعتبر القرطبي هذه المجاهدة والغلظة مع المنافقين والكفار آخر تشريع حيث قال: وهذه الآية نسخت كلَّ شيء من العفو والصلح والصفح (٢). رابعا: عدم موالاة المنافقين واتخاذهم بطانة للمؤمنين والحكمة ظاهرة في النص القرآني، قال الله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون * هاأنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور﴾ (٣). ولا أظن الآية تحتاج إلى تعليق. خامسا: عدم الدفاع أو المجادلة عنهم، كما أوحى الله إلى نبيه ﷺ فيهم ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين

стр. 1531

خصيما * واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما * ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما﴾ (١). سادسا: تحقيرهم وعدم تسويدهم، قال ﵊: ((لا تقولوا للمنافق (سيد) فإنه إن يك سيدا فقد أسخطتم ربكم ) (٢). سابعًا: وعظ المنافقين وتذكيرهم برقابة الله، قال تعالى: ﴿أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا﴾ (٣). أيها المسلمون! كفى بالقرآن واعظًا، ولو أنزل على جبل لرأيته خاشعا متصدعًا من خشية الله، ﴿ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعا أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد﴾ (٤). ألا ما أحرى المنافقين أن يتعظوا بالقرآن، ويتذكروا رقابة الملك الديان، ولئن خفيت حيلهم على الخلق في الحياة الدنيا، فسينكشفون غدا، يوم تُبلى السرائر، ولا تخفى منهم ومن غيرهم خافية، هناك يُختم على الأفواه وتشهد الجوارح في هذا الموقف الرهيب أيُّ صاحبٍ ينقذ؟ وأيُّ جهد مهما كان يُسعف من عذاب الله؟

стр. 1532

وأيُّ جسدٍ يُطيق الصبر على النار ولو لحظة من الزمان فكيف بقوم خُلدوا في الدرك الأسفل من النار؟ إن باب التوبة مفتوح، وتثريب النفس ومراجعة الحساب اليوم أهون وأسلم من وقوعها في الحرج والعذاب غدا، وليست أيام الدنيا بالنسبة للآخرة شيئا. أما إن تطاول المنافقون وتجبروا ومردوا في نفاقهم فإن سنة الله في الأولين ماضية في الآخرين، وسيسلط الله عليهم أهل الإيمان ويقهرونهم تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا * ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا * سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا﴾ (١). اللهم أنر بصائرنا، وألهمنا رشدنا، واحفظ علينا ديننا، ولا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا.

стр. 1533

شعاع من المحراب الجزء السادس إعداد د. سليمان بن حمد العودة

стр. 1534

المرأة المسلمة نماذج ووسائل (١) الخطبة الأولى: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا .. أما بعد: فيتساءل بعضُ الناس عن دور المرأة المسلمة عمومًا وفي أزمنة الأزمات والفتن خصوصًا ولا أبلغ في إجابة هؤلاء من قراءة السيرة النبوية؛ إذ هي محلُّ الأسوة والقدوةِ من جانب، وفيها - من جانب آخر - قدمت المرأة المسلمة عطاءً طيبًا ومميزًا، وخلَّدت ذكرى عطرةً في سبيل خدمة دين الله، ومحبة رسوله ﷺ ، والسير على هداه، ومجانبة الشرور، والترفُّع عن دنايا الأمور. مما لا يمكن الإحاطة به، ولعل في الإشارة ما يُغني عن الإطالة، وفي النوع ما يكفي عن الكم، وهكذا. أيها المسلمون والمسلمات: وتبقى خديجةُ بنتُ خويلد ﵂ تاجًا على رؤوس النساء، إذ هي أولُ خلق الله أسلم بإجماع المسلمين - كما قال ابنُ الأثير ﵀ (٢). وهي سيدةُ نساء العالمين في زمانها، وأول من آمن بالرسول ﷺ وصدقه، وثبَّت جأشه، كما نقل الذهبيُّ ﵀ (٣). لله أنتِ يا أم المؤمنين وإيمانُكِ وثباتُك، بل وتثبيتك لرسول اللهِ ﷺ يظل منقبةً

стр. 1535

للنساء، وهو مسطورٌ في أصح الكتب بعد كتاب الله ففي «صحيح البخاري» وفي أول كتاب منه (بدء الوحي) جاء حديث خديجة حين جاءها رسولُ الله ﷺ يرجفُ فؤاده ويقول: «زمِّلوني زمِّلوني»، فزملوه حتى ذهب عنه الرَّوع، ثم قال لخديجة: «لقد خشيت على نفسي» وأخبرها بنزول الوحي عليه لأولِ مرة، فكان ردُّ خديجةَ ﵂: كلا والله ما يخزيك اللهُ أبدًا، إنك لتصلُ الرحمَ، وتحمل الكلَّ، وتكسبُ المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. ثم انطلقت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل، وكان على صلةٍ بأهلِ الكتابِ ومعرفةٍ بالنبوات .. فزاد من طمأنينة النبي ﷺ .. الحديث (١). أجل، لقد احتفظ رسولُ الله ﷺ بمكارم خديجة وقدَّرها حقَّ قدرها، وعبَّر عن ذلك بقوله: «والله لقد آمنتْ بي إذ كذّبني الناسُ، وآوتني إذ رفضني الناسُ، ورُزقتُ منها الولدَ .. » الحديث وإسناده حسن (٢). ولم يكن الإيمانُ والثباتُ وحسن العشرة والسابقةُ في الدين هي المناقب الوحيدة للمرأة الأولى في الإسلام، بل كان بذلُ المال في سبيل نشرِ الخير ونصرةِ الدين والإيناسُ والمواساةُ وتخفيفُ آلامِ المشركين على الرسول ﷺ ، كذلك في عداد مناقب هذه السيدةِ الجليلة. أيتها المرأة المسلمة: ولا تظني أن الالتزامَ بالدين في ظروفه الصعبة والانضمام إلى قافلةِ المؤمنين وهم يؤذون ويشردون، خاصٌّ بخديجة ﵂ رغم تفوقها وتقدمها في ذلك، فقد انضمّ إلى خديجة مجموعةٌ من النساء سبقن في إسلامهن، وصبرن على ما أصابهن في أيام الإسلام الأولى، ويكفي أن يُعلمَ أن عمرَ بن

стр. 1536

الخطاب ﵁ أسلم بعد أربعين رجلًا وعشرٍ من النسوة، كما ذكر ابنُ سعد في «الطبقات». وهذا مؤشرٌ إلى دخولِ عددٍ من النساءِ في الإسلام في مراحله السرية الأولى، واستجابةِ المرأة لنداءِ الخير مبكرًا. أيها المسلمون والمسلمات، وحين احتاج الإسلامُ إلى الدعوةِ علنًا، والهجرة عن الأهل والوطن فرارًا بالدين وإسهامًا في تبليغه لأقوام آخرين، كان للمرأة المسلمةِ وجودٌ وأثرٌ لا ينكر، وفي هجرة الحبشة أسماءُ خيرِّات من النساء من أمثال رقية بنتِ رسول الله ﷺ ، وأسماء بنت عميس، وليلى بنتِ حثمة ﵅ بل منهن من خرجت مراغمةً لأهلها إذ كانوا حينها من صناديد الكفر، من أمثال أُمِّ حبيبة بنتِ أبي سفيان، وفاطمة بنتِ صفوان بن أمية، وأم كلثوم بنت سهيل بن عمرو (١). أفلا تفخر المرأة المسلمةُ المعاصرةُ بهذه النماذج السابقة من النساء، وتتخذ منهن نموذجًا يُحتذى؟ أختاه في الإسلام! ولا تقفُ نماذجُ التمسكِ بالإسلام وإثبات الذات عند المرأة في أرض مكة وحيث يوجدُ بينهن رسول الله ﷺ يوجههن ويسليهن؛ بل ثبت في كتب التراجم ما يشير إلى حرص المرأة المسلمة على دينها وثباتها على عقيدتها خارج أرضِ مكة، وفي ظروف صعبة وزوجُها لم يُسلمْ معها، بل كان يؤذيها. وفي ترجمة «حواء بنتِ يزيد بن سنان الأنصارية» أنها أسلمت وكانت تكتم زوجها «قيس بن الخطيم، الشاعر» إسلامها، وحين علم بذلك كان يصدها عن الإسلام ويعبثُ بها حين تقومُ لصلاتِها - وهي صابرةٌ ثابتة حتى بلغ خبرُها رسولَ الله ﷺ ، فأوصاه بها خيرًا .. ﵂ (٢).

стр. 1537

أيها المسلمون والمسلمات! وما تأخرت المرأة المسلمة في عصر النبوة، عن الدعوة والبيعة، والهجرة والجهاد وتعلُّمِ العلمِ النافعِ وتعليمه وتربية النَّشءِ على الخير والفضيلة، وساهمت بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل كانت تُستَشار وتُشير، وبرز منهن العابدةُ والصابرةُ المحتسبة. لكن ذلك كلَّه وفق تعاليمِ الدين، ولم يخرج بهن عن الحشمة والحياء. فأين تعطيل المرأة من المشاركة في الحياة، كما يزعم المرجفون؟ وكتبُ الطبقاتِ والتراجمِ مليئةٌ بمشاركتها الإيجابية في الحياة! ألا وإن من الانتكاس في المفاهيم أن يظنَّ رجال أو نساءٌ أن تفعيل المرأةِ في المجتمع إنما يكون في الغناء والتمثيل ونزع الحجاب، والخلطة بالرجال، والسفرِ دون محرم، ومزاحمةِ الرجل في كل موقع، وتحطيم حواجز الحياء، والسعي الحثيث لإخراج المرأة من بيتها بأي شكل من الأشكال، ولأدنى هدف، ومتابعة الموضة، واتّخاذ النساء الساقطات مثلًا، والتقليد الأبلَه، إلى غير ذلك .. ، ويأبى الله ذلك ورسولُه والمؤمنون. ولئن روَّج لهذه الأفكار الرديئة أعداءٌ من الخارج وفتن بها مفتونون من الداخل، فخرجت المرأةُ المسلمةُ عن طورها في البلاد الإسلامية، وأُنسيت الهدف من وجودها - فما ينبغي للمرأة المسلمة في جزيرة الإسلام وبلاد الحرمين أن تخدع بهذه الصيحات المغرضة - بل ينبغي أن تقدم النموذجَ الأمثلَ للإسلام في ظروفه الراهنة، كما قدمته أخواتُها المسلماتُ في عصر النبوة وما بعده من عصور الإسلام الزاهية .. وليس التحدي في تقليد أصحاب الهِمَم الدنيئة ونزع الحجاب والارتكاس في حمأة الرزيلة، ومجاراة النساءِ الساقطات. ولكن التحدي في الثبات على المبدأ الحق إذا زلت أقدامُ آخرين، واستشعار العزة الإيمانية إذا راجت أفكارُ العلمنة والتغريب. التحدي الحقُّ في

стр. 1538

الالتزام بالهوية الإسلامية الصافية، في زمن بات الأممُ تدرك أن من عوامل البقاء أمام غزو الآخرين صدق الانتماء، ونزاهة الولاء، والتحصن بالفكرِ السَّليم، والتسلح بسلاحِ العقيدةِ الحقة في زمن حربِ العقائد وصراع الأفكار، وإثبات الهوية، وتحقيق الذات. وما أسهل السيطرة على أي أمة إذ سُلبت مقوماتُ ثباتِها وكانت تبعًا لغيرها في أفكارها وسلوكياتها، فلا بُدَّ من اليقظة والتذكُّر، أما الغفلة عن التذكير فتورث الانفتاح والفرح الوهمي ثم يعقبه الإبلاس والإفلاس، أعوذ بالله من الشيطان الرّجيم: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ﴾ (١).

стр. 1539

الخطبة الثانية: الحمد لله ربِّ العالمين خلق فسوى وقدَّر فهدى، وإليه المنُتهى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدهُ ورسوله، ترك الأمة على المحجة البيضاء، لا يزيغ عنها إلا هالك، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. إخوة الإسلام ولا غرابة أن يوجِّه الإسلامُ عنايته بالمرأة تكريمًا وتحذيرًا، فهنَّ شقائقُ الرجال، وهي - كما يقال - نصفُ المجتمع، وإذا قامت بدورها المطلوب في الرعاية، فهي تتشكل مع المجتمع كلِّه، وربما بالغ بعضُهم فقال: إذا وجهت رجلًا فإنما توجه فردًا، وإذا وجهت امرأةً فإنما توجه أسرة. وبكلّ حال، فلا ينبغي للمرأة المسلمة أن تكون في مهبِّ الرياح .. يأخذ بناصيتها كلُّ ناعق وناعقة، بل عليها أن تستشعر العزة بإيمانها، وأن تعضَّ بالنواجذِ على إسلامها وقيَمِها، وينبغي ألا تُنيب الخيِّرين في الدفاع عن أصالتها وإبطالِ كيدِ الكائدين لها، وفضح المحاولاتِ العابثة لطمس هويتها، وجعلها رقمًا هامشيًا، تابعًا للمرأة الغربية في مسيرتها! حتى ولو كانت النهاية جُحرَ الضبِّ الخَرِبِ، ولا ينبغي لها كذلك أن تتيح الفرصة للأشرار للتقوّل عليها. أيتها المرأة المسلمةُ! وهناك وسائل كثيرة لإسهام المرأة في الدعوة والإصلاح، وأعرض نماذج للتذكير لا الحصر، منها: أن تتواصل المرأةُ المسلمةُ مع القضايا المحيطة بها، من خلال القراءة النافعة، والوعي بالواقع، وبالطرق المشروعة. وثمةَ مجلاَّتٌ إسلامية نافعة، ومطويات مفيدة، وأشرطةٌ حافلة بالمفيد. وهذه وتلك لا ينبغي الزهدُ فيها، بل المشاركةُ فيها قراءةً وكتابةً ودعمًا وتشجيعًا. وفي

стр. 1540

محيط البيت تُسألُ المرأةُ عن المساهمة الإيجابية في البرامج المفيدة للأسرة، ولا مجال للسلبية، أو الشعور بالنقص، أو التواضع المرفوض، بل ويسأل الوليُّ: ماذا أعدَّ في بيتهِ من برامج؟ وأوسع من ذلك محيطُ الأسرة الأكبر غير اللقاءات العائلية ومناسبات الأعياد والأفراح .. فأين أثرُ المرأةِ المسلمةِ في هذه اللقاءات، والكلمةُ الطيبة صدقة، والرسول ﷺ يقول: «بلِّغوا عنِّي ولو آيةً». وأضعفُ الإيمان أن تكون المرأة في ذاتها قدوةً حسنة لبناتِ جنسها؛ في هيئتها، ولباسها، وعلوِّ همِّتها، لا أن تكون سوقًا حُرةً يُروج فيها ما يُصدر من البيئات الموبوءة، وتتلقف كلَّ جديد مطروح ولو كان فيه حتفُها. أيتها النساءُ، أيُّها الأولياء: وفي الحديث عن وسائل الإصلاح تُسأل الطالبةُ - ما دون الجامعة - ما أثرها في نشر الخير في مدرستها، والأمرُ أهم بالنسبة لطالبات الجامعة، وربما ظنت بعضُ الخيرِّات منهن أن دورهن ينتهي عند حدِّ الالتفاف مع مثيلاتهن، وقضاء الوقت في النقد دون تقديم الحلول، وربما صَعُبَ على بعضهن الخلطةُ مع غيرهن، وأنَّى لهؤلاء أن يساهمن في تقويم ما انحرف من سلوك أو تلوث من فكر؟ ! والمؤمن يألف ويؤلف، ويؤثر وينفع. وتسأل المعلمةُ والمسؤولة عن دورها في تربية الطالبات وتوجههن للخير، ومعالجة ما ترى من سلوكيات شاذة بالأسلوب الأمثل والطريقة التربوية البناءة. أيتها المرأة الموهوبةُ في الكتابة! أين أنتِ من جهاد الكلمة عبر قنواتِ التأثيرِ واسعة الانتشار؟ !

стр. 1541

أيتها المرأة القادرةُ على التأليف! أنتِ أقدرُ الناسِ على الكتابة في قضايا المراة وفق رؤية أصيلة، تعتمد على البرهان وتختار العبارة المناسبة، وتتحرَّى الأسلوبَ الأمثل في التأثير. معشر النساءِ: أين أنتنَّ من حِلَق تحفيظ القرآن النسائية تعلمًا أو تعليمًا، ومن الدورات النسائية الصيفية مشاركةً وتوجيهًا، ورصد الظواهر النسائية السلبية وعلاجها كتابةً أو محاضرة ونحوها؟ أيتها الشقائق! وفي سبيل الحماية من الأخطار لا بد من شعور المرأة المسلمة أنها مستهدفةً من قبل الأعداء بالإفساد، فذلك يدعوها للاحتراز والاحتياط وعدم الانخداع. ولا يكفي أن ينتهي دورُها عند حدود ردِّ الهجمات الغازية، بل لا بد لها - مع ذلك - من تقديم البرامج المفيدة وطرح المفاهيم الإسلامية بكل عزةٍ وافتخار. أيتها المرأة المسلمة! وفي سبيل المقارنة بين ما يُريده لك دعاة الإسلام وما يريده لك أدعياء التحرر .. اقرئي التاريخ بعناية، وتأمّلي نتائج الدعوتين والفرق بين المنهجين، والفصل في قوله تعالى: ﴿قُل لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ (١). وفي قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ (٢). أيتها المرأة المسلمة! لا مجال للكسل والتواني، ولا يسوغ لك التفرج في وقت تتصارع فيه الأفكار، ويجلب عليك الأعداءُ بخيلهم ورجلهم.

стр. 1542

فكري واعملي ... واجتهدي توفقي ... ولا تحقري من المعروف شيئًا، ولا يخيفنك الذين لا يوقنون، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون. وكيد الشيطان ضعيف، ولا يحيق المكرُ السيئُ إلا بأهله.

стр. 1543

الموتة الصغرى (١) الخطبة الأولى: الحمد لله صاحب الفضل والإحسان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، بيده مقاليدُ السماوات والأرض ... وأمرُ الخلق إليه في الليل والنهار، وفي اليقظة والمنام، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، جاءت سنته شاملةً لكل شيءٍ. والموفَّق من كان له في رسول الله ﷺ أسوةٌ حسنة. اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارض اللهم عن أصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٣). إخوة الإيمان! نِعَمُ الله علينا كثيرة لا تحصى ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا﴾ (٤)، ومن بين هذه النعم نعمةٌ أنعم الله بها علينا، ونتلبس بها جميعًا، بل لا يكاد يمرُّ يومٌ إلا ونحن تحت تأثيرها، وقلَّ أن يُحسب لهذه النعمة حسابُها. وفينا من يشكر الله عليها ..

стр. 1544

ومنا من هو غافلٌ عن شكره فيها، كما هو غافلٌ عن الشكر في نعمِ أخرى مثيلة لها .. إنها نعمةُ النوم .. نعمةٌ مجهولٌ قدرُها، فإذا ما أصيب المرءُ بمرض، أو أرق، أو مسَّه شدةُ جوع أو بردٍ، أو حالت هموم دون نومه؛ أدرك قيمة هذه النعمة. وما أطول ليل الأرقين! وما أقضَّ مضاجع المرضى والمهمومين! وفي المقابل، فما ألذَّ النومَ بعد الإعياء والتعب وطول الكَدِّ والبحث في سبل الحياة في مسارب النهار دون أن يكدره مرض أو هموم. عباد الله: والنوم - كما هو نعمةٌ - فهو آية من آيات الله، ألا ترى الخالق ﷻ يُغشي الليل النهار، فيظلم الكونُ، وتسكن الحياةُ، وينكفِئ الأحياء، وتقلُّ الحركة، ويهدأ الناس، فيطيب المنام، وتسكنُ الأعضاءُ بعد كللها، وتستريحُ بعد تعبها، وصدق الله إذ يقول: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ (١). تفكَّر أيها العبدُ - وأنت مدعوٌّ للتفكُّر - وتأمل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٢). وتأمل في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ (٣). أيها المسلمون .. تلك رحمةٌ من رحمات الله على عباده تستوجب الشكر: ﴿وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٤).

стр. 1545

ترى أيُّ قوة في هذا الكون - سوى قوة الله - تستطيع أن تجعل من الليل هادئًا ساكنًا للمنام، والنهار مبصرًا للحركة وانتشار الأنام؟ ! وأيُّ قوة - مهما بلغت - تستطيع أن تتصرف لو استمر الزمان ليلًا سرمديًا .. أو نهارًا أبديًا؟ ! لا أحد إلا الذي خلق الخلق وقدَّره تقديرًا، وكم هي آياتٌ عظيمة، والتفكرُ فيها يدعو لمزيد الإيمان، ألا وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ (١). عباد الله وفي النوم سرٌّ من أسرار الله في هذا الكون لا يقدر عليه إلا الله .. أليس في النوم موتٌ ووفاة؟ بلى .. لكنها موتة صغرى، ووفاةٌ إلى أجل .. ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٢). إن الأنفس في المنام يتوفاها الله جميعًا .. فمن شاء أن يُفسح لها في الأجل، أعادها إلى الحياة مرة أخرى، ومن قَدَّر عليها الوفاة، أمسكها فلا يقظة بعد النومة - فمن ذا الذي يُقدِّر هذا ويقدر عليه؟ لا أحد إلا الله، تأمل الآية في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٣). سرٌّ عجيبٌ في النوم يتكرر ولا يكاد يوقظ قلوب الغافلين، أو يستدعي تفكر
следующие страницы →