أيتها المرأة القادرةُ على التأليف! أنتِ أقدرُ الناسِ على الكتابة في قضايا المراة وفق رؤية أصيلة، تعتمد على البرهان وتختار العبارة المناسبة، وتتحرَّى الأسلوبَ الأمثل في التأثير.
معشر النساءِ: أين أنتنَّ من حِلَق تحفيظ القرآن النسائية تعلمًا أو تعليمًا، ومن الدورات النسائية الصيفية مشاركةً وتوجيهًا، ورصد الظواهر النسائية السلبية وعلاجها كتابةً أو محاضرة ونحوها؟
أيتها الشقائق! وفي سبيل الحماية من الأخطار لا بد من شعور المرأة المسلمة أنها مستهدفةً من قبل الأعداء بالإفساد، فذلك يدعوها للاحتراز والاحتياط وعدم الانخداع.
ولا يكفي أن ينتهي دورُها عند حدود ردِّ الهجمات الغازية، بل لا بد لها - مع ذلك - من تقديم البرامج المفيدة وطرح المفاهيم الإسلامية بكل عزةٍ وافتخار.
أيتها المرأة المسلمة! وفي سبيل المقارنة بين ما يُريده لك دعاة الإسلام وما يريده لك أدعياء التحرر .. اقرئي التاريخ بعناية، وتأمّلي نتائج الدعوتين والفرق بين المنهجين، والفصل في قوله تعالى: ﴿قُل لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ (١). وفي قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ (٢).
أيتها المرأة المسلمة! لا مجال للكسل والتواني، ولا يسوغ لك التفرج في وقت تتصارع فيه الأفكار، ويجلب عليك الأعداءُ بخيلهم ورجلهم.
стр. 1542
فكري واعملي ... واجتهدي توفقي ... ولا تحقري من المعروف شيئًا، ولا يخيفنك الذين لا يوقنون، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون. وكيد الشيطان ضعيف، ولا يحيق المكرُ السيئُ إلا بأهله.
стр. 1543
الموتة الصغرى (١)
الخطبة الأولى:
الحمد لله صاحب الفضل والإحسان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، بيده مقاليدُ السماوات والأرض ... وأمرُ الخلق إليه في الليل والنهار، وفي اليقظة والمنام، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، جاءت سنته شاملةً لكل شيءٍ. والموفَّق من كان له في رسول الله ﷺ أسوةٌ حسنة.
اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارض اللهم عن أصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٣).
إخوة الإيمان! نِعَمُ الله علينا كثيرة لا تحصى ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا﴾ (٤)، ومن بين هذه النعم نعمةٌ أنعم الله بها علينا، ونتلبس بها جميعًا، بل لا يكاد يمرُّ يومٌ إلا ونحن تحت تأثيرها، وقلَّ أن يُحسب لهذه النعمة حسابُها. وفينا من يشكر الله عليها ..
стр. 1544
ومنا من هو غافلٌ عن شكره فيها، كما هو غافلٌ عن الشكر في نعمِ أخرى مثيلة لها .. إنها نعمةُ النوم .. نعمةٌ مجهولٌ قدرُها، فإذا ما أصيب المرءُ بمرض، أو أرق، أو مسَّه شدةُ جوع أو بردٍ، أو حالت هموم دون نومه؛ أدرك قيمة هذه النعمة. وما أطول ليل الأرقين! وما أقضَّ مضاجع المرضى والمهمومين!
وفي المقابل، فما ألذَّ النومَ بعد الإعياء والتعب وطول الكَدِّ والبحث في سبل الحياة في مسارب النهار دون أن يكدره مرض أو هموم.
عباد الله: والنوم - كما هو نعمةٌ - فهو آية من آيات الله، ألا ترى الخالق ﷻ يُغشي الليل النهار، فيظلم الكونُ، وتسكن الحياةُ، وينكفِئ الأحياء، وتقلُّ الحركة، ويهدأ الناس، فيطيب المنام، وتسكنُ الأعضاءُ بعد كللها، وتستريحُ بعد تعبها، وصدق الله إذ يقول: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ (١).
تفكَّر أيها العبدُ - وأنت مدعوٌّ للتفكُّر - وتأمل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٢).
وتأمل في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ (٣).
أيها المسلمون .. تلك رحمةٌ من رحمات الله على عباده تستوجب الشكر: ﴿وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٤).
стр. 1545
ترى أيُّ قوة في هذا الكون - سوى قوة الله - تستطيع أن تجعل من الليل هادئًا ساكنًا للمنام، والنهار مبصرًا للحركة وانتشار الأنام؟ !
وأيُّ قوة - مهما بلغت - تستطيع أن تتصرف لو استمر الزمان ليلًا سرمديًا .. أو نهارًا أبديًا؟ ! لا أحد إلا الذي خلق الخلق وقدَّره تقديرًا، وكم هي آياتٌ عظيمة، والتفكرُ فيها يدعو لمزيد الإيمان، ألا وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ (١).
عباد الله وفي النوم سرٌّ من أسرار الله في هذا الكون لا يقدر عليه إلا الله .. أليس في النوم موتٌ ووفاة؟ بلى .. لكنها موتة صغرى، ووفاةٌ إلى أجل .. ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٢).
إن الأنفس في المنام يتوفاها الله جميعًا .. فمن شاء أن يُفسح لها في الأجل، أعادها إلى الحياة مرة أخرى، ومن قَدَّر عليها الوفاة، أمسكها فلا يقظة بعد النومة - فمن ذا الذي يُقدِّر هذا ويقدر عليه؟ لا أحد إلا الله، تأمل الآية في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٣).
سرٌّ عجيبٌ في النوم يتكرر ولا يكاد يوقظ قلوب الغافلين، أو يستدعي تفكر
стр. 1546
المتفكرين .. وفي لحظة سريعة يغيب المرءُ عن الحياةِ والأحياء .. وفي أخرى يستيقظ، فإذا هو يعيش الحياة ويبصر الأحياء.
تُرى، أيُستدل بالنومِ (الموتة الصغرى) على الوفاةِ الكبرى؟
وبالاستيقاظ على البعث والنشور؟ إي وربي لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون. وهناك في أرض المحشر ينكشف ليل المفسدين وتُكشف سوءاتُ الذين ينتشرون بجنح الظلام على فسقهم وفجورهم .. وينسون أنهم، وإن غابوا عن أعين الخلق فهم في رقابة الخالق الذي لا تخفى عليه منهم خافية.
هناك ينكشف الفرق بين قوم كانوا قليلًا من الليل ما يهجعون، صلاةً وتلاوةً وذكرًا ودعاءً، وبالأسحار هم يستغفرون، وبين من يُحيون الليل بسهراتٍ صاخبة، ومجونٍ وفواحش وهم يظنون أنها ليالي حمراء، وغدًا تبدو لهم ولغيرهم لياليَ سوداء وحسرةً وندامةً.؟
وخلاصة القول: فلا ينبغي للعاقل أن يتخذ من هدأة الليل مجالًا للفجور والفسوق .. بدل أن يشكر الله على هذه النعمة، ويأوي إلى فراشه ذاكرًا شاكرًا، مستودعًا ربَّه نفسه إن أمسكها رحِمَها، وإن أرسلها فليحفظها بما يحفظ به عباده المؤمنين .. وكذلك كان يُعلِّم النبي ﷺ أصحابَه؛ أن يقول أحدُهم إذا أوى إلى فراشه: «باسمك اللهم ربي وضعتُ جنبي، وباسمك أرفعه، إن أمسكتَ نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادَك الصالحينَ» وما أجمل هذا الدعاء لو تعلمناه وعملنا به!
عباد الله: وكما أن النوم نعمةٌ وعبادةٌ يُستعان بها على طاعة الله، فهو ليس كذلك إذا حال بين العبد وبين طاعة ربه، فالصلاةُ خيرٌ من النوم، وهو نداءٌ يطلقه المؤذنون مع انبلاج فجر كلِّ يوم، والخيرون من الناس هم الذين يستجيبون لهذا
стр. 1547
النداء، ومن تكرر نومه عن صلاة الفجر دون عذر شرعي، فذلك الذي بال الشيطانُ في أذنه .. وإذا كان هذا في الصلاة، فالنوم كذلك من ضعف النفس ونزغ الشيطان إذا حال بين المرء وطلب علم نافع .. أو داعبَ الأجفان في خطبة الجمعة، أو حال بين المرء وعملٍ صالح .. وهو رحمةٌ وأَمَنَةٌ في حال الجهاد، وقد أصاب المسلمون ومعهم الرسولُ ﷺ منه شيءٌ في بعض ملاحمهم مع المشركين كما قال تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ﴾ (١).
أعوذ بالله من الشطان الرجيم: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ (٢).
стр. 1548
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين ﴿فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (١) وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ﴿مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ (٢) ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ (٣).
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، كان نومه أعدل النوم، وهو - كما قال ابن القيم ﵀: أنفع ما يكون من النوم، والأطباء يقولون: هو ثلث الليل والنهار ثمان ساعات (٤). اهـ.
اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين.
إخوة الإسلام: وللمصطفى ﷺ هديٌ في النوم حريٌّ بنا أن نعلمه ونعملَ به، فكان إذا أوى إلى فراشه للنوم قال: «باسمكَ اللهمَّ أحيا وأموتُ» (٥). وكان من هديه أن يجمع كفيه ثم ينفث فيهما ويقرأ فيهما: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٦)، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ (٧)، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاس﴾ (٨)، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده - يفعل ذلك ثلاث مرات (٩).
وكان ﷺ ينام على شقِّه الأيمن، ويضع يدَه اليمنى تحت خده الأيمن، ثم
стр. 1549
يقول: «اللهمَّ قِنِي عذابَك يوم تبعثُ عبادَك». رواه أبو داود والترمذي وغيرهما بإسنادٍ صحيح (١).
ومن دعائه - كذلك إذا أوى إلى فراشه: «الحمدَ لله الذي أطعَمنا وسقانا وكفانا وآوانا، فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي» (٢).
وهذا الحديث يذكرنا بجموع من المسلمين في زماننا هذا تسلط عليهم الأعداء فأخرجوهم من ديارهم، فهاموا على وجوههم بحثًا عن الزاد والمأوى، ونسأل الله أن يردهم إلى بلادهم ويمكّن لهم في أرضهم ويهلك عدوّهم، ومن أصبح آمنًا في سربه معافىً في بدنه، وعنده ما يقيته ويؤويه فليشكر ربه.
وكان من هديه ﵊ ذكر الله حال النوم، كالتسبيح والتحميد والتكبير، فتلك وصيته لأقرب الناس له، فاطمة بنت محمد ﷺ وزوجها علي بن أبي طالب ﵄، حينما سألاه الخادم فقال: «إذا أَويتما إلى فراشِكُما فسبِّحا اللهَ ثلاثًا وثلاثين، واحمدَاه ثلاثًا وثلاثين، وكبِّراه أربعًا وثلاثين، فذلكم خيرٌ لكُمَا من خادم» رواه الشيخان وغيرهما (٣).
ومن هديه ﷺ حال النوم - الوضوء وفي هذا يقول: «طهِّروا هذه الأجساد طهَّركم الله، فإنه ليس عبدٌ يبيت طاهرًا إلا بات معه مَلَك في شغاره، لا ينقلب ساعةً من الليل إلا قال: اللهمّ اغفرْ لعبدك فإنه بات طاهرًا» (٤).
ومن هديه قراءة آية الكرسي، فلا يزال على قارئها من الله حافظ، ولا يقربه
стр. 1550
شيطان حتى يصبح - كما أخبر النبي ﷺ بذلك أبا هريرة ﵁. وبالجملة: فـ «من اضطجع مضجعًا لا يذكر الله تعالى فيه كانت عليه من الله تِرة». رواه أبو داود بإسناد حسن (١).
وإذا كان من هديه الاضطجاع على الشق الأيمن، فهناك صفة ذميمة في النوم، أيقظ النبيُّ ﷺ صاحبها؛ ألا وهي النوم على البطن.
عن ابن طخفة الغفاري ﵁ قال: قال أبي: بينما أنا مضطجع في المسجد على بطني إذا رجلٌ يحركني برجله فقال: «إنَّ هذه ضِجعة يبغضها الله»، فنظرت فإذا رسول الله ﷺ . رواه أبو داود بإسنادٍ صحيح (٢).
وفي بعض الروايات: «تلك نومة أهلِ النَّارِ».
ومن أدب الإسلام ألا ينام المرءُ وبيده بقايا من أثر الطعام حتى يغسلها؛ قال ﵊: «من نام وفي يده غمرٌ ولم يغسله، فأصابه شيء، فلا يلومنَّ إلا نفسَه». رواه أحمد وأبو داود بسند صحيح (٣).
ومن آداب النوم أن ينفضَ الإنسانُ فراشَه احتياطًا لما قد يخلفه فيه من بعده، فقد صحَّ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إذا أوى أحَدُكم إلى فراشِه فلينفضْهُ بداخِلَة إزارِه فإنه لا يدري ما خلَّفَه عليه، ثم ليضطجعْ على شقِّه الأيمن، ثم ليقل: باسمِكَ ربِّي وضعتُ جنْبِي، وباسمِكَ أرفعُه، إن أمسكتَ نفسي فارحمْهَا، وإن أرسلتهَا فاحفظْها بما تحفظُ به عبادَك الصالحين (٤)».
стр. 1551
أيها المسلم والمسلمة: وإذا كنت لا تدري إذا صعدت روحُك إلى بارئها - حال النوم - أتكون ممن تُمسك روحه فلا تعود، أم ممن ترسلُ لتستكمل بقية أجلِها .. فليس يليق بك أن تودّع الدنيا بالفجور والعصيان، أو يكون آخر ما يقرع سمعَك ألحان الغناء، وأصوات الموسيقى والتخيلات الباطلة، بل ودِّع الدنيا بخير ما ينبغي أن تودع به؛ نم على ذكر الله، واشكره على عافيته وكفايته، وإيوائه لك، ونم وأنت عازم على القيام للصلاة المكتوبة، وإذا استيقظت فاحمد الله، وقل كما قال المصطفى ﷺ : «الحمدُ لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النُّشورُ». رواه البخاري ومسلم.
وإذا تعاريت من الليل - أي استيقظت - فقد أرشدك النبي ﷺ أن تقول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يُحيي ويميت بيده الخير وهو على كلِّ شيء قدير، سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر»، فإذا قلت: اللهم اغفرْ لي، أو دعوت استجيب لك، وإن قمت فتوضأت ثم صلِّيت، قُبلت صلاتُكَ. رواه أحمد والبخاري وغيرهما (١).
أيها المسلم! أما إن أصابك أرق أو فزع أو وحشة، فقد ورد أنه ﷺ كان يعلِّم أصحابه من الفزع أن يقولوا: «أعوذُ بكلماتِ الله التَّامة من غضبه ومن شرِّ عباده ومن شرِّ همزات الشياطين وأن يحضرون». حديث حسن أخرجه أحمد وغيره (٢).
وورد أن رجلًا شكى للنبي ﷺ الأرق، فقال له: «قل: اللهم غارت النجومُ، وهدأتِ العيونُ، وأنت حيُّ قيوم، يا حيُّ يا قيّوم أَنِمْ عيني، وأهدئ بالي» فقالها الرجل، فذهب عنه الأرق (٣).
стр. 1552
وهكذا إخوة الإسلام يبدو الإسلام عظيمًا في كل تشريعاته، ينظم أمور الحياة في الليل والنهار، ويرعى المسلم في حال اليقظة وحال المنام، وصدق الله ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ (١).
اللهم فقهنا في ديننا، وارزقنا شكرك وذكرَك وحسنَ عبادتك ...
اللهم لك الحمدُ كما آويتنا وكفيتنا ... اللهم اكفِ وأوي من لا كافي له ولا مؤوي من المسلمين.
стр. 1553
الجهاد في سبيل الله (١)
الخطبة الأولى:
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجًا، وكان فيما أنزل: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٢).
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، حكم بأن الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيله أعظم تجارة تحصل بها النجاة من عذاب الله، وهي سبيل لمغفرة الذنوب، ودخول الجنان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣).
وأشهد أن محمدًا عبدهُ ورسوله، رغَّب في الجهاد وجعله ذروة سنام الإسلام، وجاءت شريعتُه معلية لمنازل المجاهدين في سبيل الله فقال: «وأخرى يُرفع بها العبدُ مئة درجة في الجنة، ما بين كلِّ درجتين كما بين السماءِ والأرض»، قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: «الجهادُ في سبيل الله، الجهاد في سبيل الله» (٤).
стр. 1554
اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وعلى سائر أنبياء الله ورسله، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (٢).
أيها المسلمون: الحديث عن الجهاد في سبيل الله حديثٌ عن معالي الأمور، وإن كرهته النفوس كما قال ربنا: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (٣).
إنه حديث عن تحرير الفرد والأمة من عبودية الشهوات، واستنقاذٌ للنفوس من الوَهْنِ والجبن والخور، وهو طريقٌ إلى نشر الدين وإرهاب العدوِّ، ومَدِّ رواق الإسلام في أنحاء المعمورة، وتخليص الأمة من ذُلِّ التبعية، وبه يتميز أهل الإسلام والكفر، وينكشف المنافقون وأهل الريب ومن في قلوبهم مرض. وما فتِئ القرآنُ ينزل معظِّمًا للجهاد وتحذر آياتُه من التباطُؤ عن الخروج لسبب من الأسباب، أو عائق من العوائق الأرضية، ويقول جل ذكره: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (٤).
стр. 1555
ونظرًا لتأخر النفوس أحيانًا عن الجهاد لسببٍ من أسباب الدنيا، فقد جاء العوضُ - في روحةٍ أو غدوةٍ - في سبيل الله كبيرًا وغير متكافئ مع متاع الدُّنيا، وقال ﷺ : «لغدوةٌ في سبيل الله أو روحةٌ خيرٌ من الدُّنيا وما فيها» رواه البخاري (١). فإذا كان هذا في الغدوة والروحة، فما الظنُّ بما هو أعظم من ذلك من درجات الجهاد؟
أجل، لقد أعلنها محمدٌ ﷺ على الملأ، وأقسم، وهو الصادق الأمين، برغبته في الجهاد وفضل الشهادة في سبيل الله يوم أن قال: «والذي نفسي بيدهِ لولا أنَّ رجالًا من المؤمنين لا تطيبُ أنفسُهم أن يتخلَّفوا عنِّي ولا أجدُ ما أحملُهم عليه، ما تخلَّفتُ عن سريةٍ تغدو في سبيل الله، والذي نفسي بيده لوددتُ أنِّي أُقْتَلُ في سبيل الله، ثم أحيا ثم أُقتل، ثم أحيا ثم أقتل، ثم أحيا ثم أقتل» رواه البخاري (٢).
وفي «صحيح» البخاري ومسلم، واللفظ له، عن أنس ﵁، عن النبي ﷺ قال: «ما من أحدٍ يدخلُ الجنة يحبُّ أن يرجعَ إلى الدنيا، وأن له ما على الأرض من شيءٍ، غيرُ الشهيد، فإنه يتمنَّى أن يرجعَ فيُقتل عشر مراتٍ، لما يرى من الكرامةِ» (٣).
عباد الله: لا بد من إحياء شعيرة الجهاد في النفوس، ولا بد من العلم أن الجهاد أفضل ما تطوع به الإنسان، وتطوعه بالجهاد في سبيل الله أفضل من تطوع الحج والعمرة وعمارة المساجد، قال تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ
стр. 1556
الظَّالِمِينَ (١٩) الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (١) ومن هنا تسابق المؤمنون إلى ميادين الجهاد، ورغبوا في الشهادة، ولا غرابة أن يُلقي أحدُهم بتمرات كانت معه ويقول: لئن أنا بقيت حتى آكل هذه إنها لحياة طويلة! !
ولا غرابة كذلك أن يتسابقوا إلى المرابطة في الثغور وهم يسمعون المصطفى يقول: «رباط يومٍ وليلةٍ خيرٌ من صيام شهرٍ وقيامِه، وإن مات جرى عليه عملُه الذي كان يعمله، وأُجري عليه رزقُه، وأمِنَ الفتَّان» (٢).
ولهذا قال أبو هريرة ﵁: لأن أُرابط ليلةً في سبيل الله أحبُّ إليَّ من أن أقوم ليلة القدرِ عند الحجرِ الأسودِ (٣).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ولهذا كان الرباط في الثغور أفضل من المجاورة بمكة والمدينة، والعمل بالرمح والقوس في الثغور أفضلُ من صلاة التطوع (٤). اهـ.
أيها المسلمون: حقًا إن الجهاد في سبيل الله رفعًا لذُلِّ الأمةِ المسلمة، وما فتئ المسلمون، ومنذ غابت عنهم هذه الفريضةُ الإسلامية يتمرغون في أوحال الذلِّ والتبعية، ويسومهم العدوُّ سوء العذاب، وتلك وربي واحدة من أعلام نبوة محمد ﷺ وهو القائل: «إذا تباعيتم بالعينة - وهي نوع من الربا - وأخذتم بأذنابِ البقرِ، ورضيتُم بالزَّرع، وتركتم الجهادَ، سلَّط اللهُ عليكم ذلًا لا ينزعه حتى ترجِعُوا
стр. 1557
إلى دِينكم» رواه أحمد وأبو داود بإسنادٍ صحيح (١).
ومن هنا يَفْرُقُ أعداءُ الملةِ من الجهاد، ويتخوفون كثيرًا من المجاهدين الصادقين، ولذا يَعمدون إلى تشويه صورة الجهاد، ورمْي المجاهدين بأبشع الألقاب، وتكاد صيحاتُ المجاهدين وتكبيرهم تقطع أنياط قلوبهم، وإن كان استعدادهم ضعيفًا.
وإذا لم يُستغرب هذا من الأعداء، فإن المؤسف والمستغرب حقًا أن تروج مثلُ هذه الشائعات في بلاد المسلمين، وتتسلل هذه الأفكار المحيطة للجهاد والمشوهة لصورة المجاهدين عند بعض أبناء المسلمين، ويتردد في الإعلام العربي والإسلامي مفاهيم خاطئة عن الجهاد وأهدافه، وعن المجاهدين وصولاتهم.
عباد الله: والجهادُ في سبيل الله طريقنا إلى العز والتمكين في الدنيا، وهو طريقٌ موصل للجنة ونعيمها في الآخرة فـ «الجنَّةُ تحت بارقةِ السُّيوفِ» و «الجنّةُ تحت ظلالِ السيوفِ» رواه البخاري (٢).
تُرى، كم نُحدث أنفسنا بالجهاد، وهل نتخوف على أنفسنا من النفاق حين لا نغزو ولا نحدث أنفسنا بالغزو؟ وفي الحديث الصحيح قال ﷺ «من مات ولم يغزُ ولم يُحدِّث به نفسَه، مات على شعبةٍ من نفاقٍ». قال عبد الله بنُ المبارك: فنرى أن كان على عهد رسول الله ﷺ (٣).
وقال غيره: والظاهر الموافق للسنة الصحيحة عمومُ ذلك، ولا دليل على هذا التخصيص (٤).
стр. 1558
ومن هنا -معاشر المسلمين- تبدو خطورة تناسي الجهاد، وعدم تحديث النفس به، ويرحم الله أقوامًا وأممًا كانت تنام وتستيقظ على أخبار الجهاد، وترابط الشهور، بل الأعوام، في الثغور لحماية أمة الإسلام، ونشر دين الله ما بلغ الليل والنهار.
وفي سنن المرسلين وسِيَرهم ﵈ هممٌ عالية للجهاد، وفي «صحيح البخاري»: باب من طلب الولد للجهاد، وفيه ساق الحديث عن النبي ﷺ قال: «قال سليمانُ بنُ داودَ ﵉: لأطوفنَّ الليلةَ على مئة امرأةٍ، أو تسعٍ وتسعين، كلهنَّ يأتي بفارس يجاهدُ في سبيلهِ، فقال له صاحبُه: قل: إن شاء الله، فلم يقل: إن شاء الله، فلم تحمل منهن إلا امرأةٌ جاءت بشقِّ رجلٍ، والذي نفسُ محمدٍ بيده لو قال: إن شاءَ الله؛ لجاهدوا في سبيل الله فرسانًا أجمعون» (١).
وهنا فائدة حيث قال الحافظ ابن حجر: قوله (باب من طلب الولد للجهاد) أي: ينوي عند المجامعة حصول الولد ليجاهد في سبيل الله، فيحصل له بذلك أجرٌ، وإن لم يقع ذلك (٢).
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (٣).
نفعني الله وإياكم.
стр. 1559
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، جاهد في الله حق جهاده بالقلب واللسان، وبالسيف والسنان، حتى أتاه اليقين، وأقرَّ الله عينه بنصرة الدين، اللهمَّ صل وسلم عليه وعلى سائر المرسلين.
عباد الله: ولا ريب أن الجهاد يكون بالنفس، والمال، والقلبِ، واللسان. قال ابنُ القيم ﵀: والتحقيقُ أن جنس الجهاد فرضُ عين، إما بالقلب، وإما باللسان، وإما بالمالِ، وإما باليد، فعلى كل مسلم أن يجاهد بنوع من هذه الأنواع (١). اهـ.
أيها المسلمون وليس يخفى أن الإخلاص شرط في قبول الأعمال كلها، وقد جاء النص عليه في الجهاد، قال ﷺ : «والله أعلم بمن يجاهد في سبيله» (٢).
وجاء رجلٌ إلى النبي ﷺ فقال: الرجل يقاتل للمغنم والرجلُ يقاتل للذِّكر، والرجلُ يقاتل ليُرى مكانُه، فمن في سبيل الله؟ قال: «مَنْ قاتل لتكونَ كلمةُ اللهِ هي العُليا، فهو في سبيلِ الله» (٣).
ومن هنا يكون الحديث عن الجهاد الذي ترفع به راية الإسلام وينشر به العدل، ويحقَّق به حكمُ الله في الأرض، ويُذلُّ به الكفار، وتطهر به الأرضُ من الظلم
стр. 1560
والجور، ويُخلى بين الناس وعبوديتهم لرب العالمين. وليس الجهادُ الذي تُزهق به الأرواح بغير حق، أو تُدمر به الممتلكات بغير علم ودون فائدة، أو تُرفع به الرايات العميَّة، أو يكون ميدانًا للشهرة، أو تبرز فيه العصبيات والإقليميات الضيقة.
أيها المؤمنون، وفي فترات العز والقوة للمسلمين ترفع راياتُ الجهاد، ويبرز القادة المجاهدون، وكلما خيم الضعف في الأمة توارت رايات الجهاد وقلَّ المجاهدون. ومنذ أن بدأ محمدٌ ﷺ جهاده للأعداء، وراية الجهاد مرفوعةٌ على أيدي خلفائه الراشدين من بعده حتى انساح الإسلام في مشرق الأرض ومغربها، وجاءت الدولة الأموية والعباسية، لتكملا مسيرة الفتح الإسلامي، وهكذا الدولة الأيوبية والمماليك وغيرها من دول الإسلام.
وحينها كان الإسلام عزيزًا، والعدوُّ مقهورًا، وأهل الكتاب الذين لا يدينون دين الحقِّ يعطون الجزية عن يدٍ وهم صاغرون.
ومع قوة المسلمين وغلبتهم وتحريرهم البلاد وقلوب العباد كان العدلُ قائمًا، والناس يدخلون في دين الله أفواجًا. ومن روائع عدل المسلمين ما تناقلته كتب التاريخ؛ أن عمر بن عبد العزيز ﵀ حين استُخلف وفدَ عليه قومٌ من أهل سمرقند ورفعوا إليه أن قتيبة دخل مدينتهم وأسكنها المسلمين على غدر، فكتب عمرُ إلى عامله أن ينصِّب لهم قاضيًا ينظرُ فيما ذكروا، فإن قضى بإخراج المسلمين أخرجوا، فنصب لهم جُمَيع ابن حاضر الباجي، فحكم بإخراج المسلمين على أن ينابذوهم على سواء، فكره أهل سمرقند الحرب، وأقرُّوا المسلمين، فأقاموا بين أظهرهم. اهـ (١). ولا عجب أن يؤدي هذا العدلُ من المسلمين إلى انتشار
стр. 1561
الإسلام فيما وراء النهر وغيرها من بلاد الله (١).
تُرى ما الذي حلَّ بالمسلمين حتى تراجعوا عن مراكز القيادة، ولم يتركوا الجهاد فقط، بل تخطفهم العدوُّ وغزاهم في قعر دارهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (٢). ومن لم يَغْزُ غُزي، ومن لم يدع إلى الخير دُعي للشر.
أمة الإسلام، ومع فترات الضعف التي تمر بها الأمة المسلمة أحيانًا - فهي أمة خير، وذات رحم ولودَ، بل وذات رسالةٍ خالدةٍ، وقد يفتر جيلٌ أو يتراخى أهلُ عصرٍ ثم يبعث الله جيلًا آخر أكثر قوة وشجاعة، فينصر الله بهم الدين، ويَكبت الأعداء، ويفضح المنافقين.
ومن سمات هذه الأمة أن الجهاد فيها ماضٍ إلى يوم القيامة، ومع البَرِّ والفاجر، وذلك بخبر الذي لا ينطق عن الهوى حين قال: «الخيلُ معقودٌ في نواصيها الخيرُ إلى يوم القيامة؛ الأجرُ والمغنم» (٣).
واستنبط العلماء من الحديث: بشرى بقاء الإسلام وأهله إلى يوم القيامة؛ لأن مِنْ لازم بقاءَ الجهاد بقاء المجاهدين وهم مسلمون (٤).
أيها المسلمون: ونحن نرى اليوم كم أَرهبت حركات الجهاد -وإن كانت متواضعة - أعداء الله، فأطفال الحجارة في فلسطين، هددوا كيان العدو الصهيوني في فلسطين المحتلة، وكم أَرعب الأفغان والشيشان من بعدهم روسيا الشيوعية -على الرغم من فارق العددِ والعُدَّة، وهكذا الأمر في البوسنة والهرسك وكوسوفا،
стр. 1562
وكشمير والفلبين وغيرها من بلاد المسلمين، واليوم في داغستان جهادٌ يثير مخاوف الروس ومَنْ حولهم. ونسأل الله أن يُمكِّن للمسلمين وينصر المجاهدين الصادقين، ويذلَّ الكفرة ويهزمهم أجمعين.
عباد الله: والجهادُ بالمال معناه أن تدفع مالًا يستعين به المجاهدون في سبيل الله في نفقتهم ونفقة عيالهم، وفي شراء الأسلحة وغيرها من معدات الجهاد، وفضله عظيم، وقد ذكره الله في كتابه مقدمًا على الجهاد بالنفس، مما يدل على أهميته ومكانته عند الله (١).
وفي «سنن ابن ماجه»: باب التغليظ في ترك الجهاد، ساق الحديث عن أبي أمامة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «مَنْ لم يغزُ، أو يجهِّزْ غازيًا، أو يخلُف غازيًا في أهلهِ بخيرٍ، أصابَهُ اللهُ سبحانه بقارعةٍ قبلَ يومِ القيامةِ» (٢).
ألا فحدثوا أنفسكم معاشر المسلمين بالجهاد، وربُّوا ناشئتَكُم على حُبِّه، وعلِّموهم الرماية وركوب الخيل، وأعينوا المجاهدين الصادقين بأموالكم ودعواتكم. اللهم ارفع راية الجهاد وأزل به ما انتشر من البلاء والفساد.
стр. 1563
(١) عداوة الشيطان (١)
الخطبة الأولى:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارض اللهم عن أصحابه أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فاتقوا الله وراقبوه واحذروا عداوة الشيطان وجاهدوه، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥)﴾ (٢).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ (٣).
عباد الله: وهناك حقيقة نعترف بها جميعًا، ونحسُّ بأثرها كلما زلَّت بنا القدم عن صراط الله المستقيم، إنها حقيقة من حقائق القرآن، وهي بليةٌ من بلايا بني آدم، تنتقل من الأجداد إلى الآباء إلى الأحفاد، وستظل إلى يوم يبعثون، كذا قدر الله وأراد ليمتحن الناس -وهو بهم أعلم - فيتميّز حزب الله عن حزب الشيطان.
والمصيبة -يا عباد الله - أننا نعلم الداء، وربما صعب علينا الاستمرارُ على
стр. 1564
تعاطي الدواء، تُرى أَيُنَا يُنكر عداوة الشيطان للإنسان، والله يقول مؤكِّدًا: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ (١).
فالعداوةُ حقٌ لا مرية فيها، تُقرِّرُها هذه الآية ومثيلاتها في القرآن، والهدف منها واضح لا غموض فيه: ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾. وبداية العداوة قديمة تتصل بأبينا آدم ﵇ حين أُمر الملائكة بالسجود له، فسجدوا إلا إبليس خانه أصله ساعة الابتلاء، فأبى أن يسجد لآدم متعللًا بأنه أشرف منه، فقارن بين الأصول ولم يلتفت إلى الأمر بالسجود فقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ (٢).
ومن عجب أن إبليس وهو يتكبر يعترف ويقرُّ بأن الله هو الخالق، بل يُقر بالبعث والجزاء - وهو القائل: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾: ﴿أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (٣).
ومن عجب أيضًا أن إبليس -لعنه الله - يطلب النظرة إلى يوم البعث، لا ليندم على خطيئته، ولا ليتوب إلى الله ويرجع ويكفِّر عن إثمه الجسيم، ولكن لينتقم من آدم وذريته جزاء ما لعنه اللهُ وطرده، يربط لعنَةَ الله له بآدم ولا يربطها بعصيانهِ لله (٤).
أيها المسلمون: وإذا كانت هذه بداية العداوة الأولى للشيطان مع الإنسان بشكل عام، فله بدايةٌ مع كل مولودٍ بشكل خاص. روى مسلم في «صحيحه» عن
стр. 1565
أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «صياحُ المولودِ حين يقعُ نزغةٌ من الشيطان» (١).
وروى البخاري ومسلم في «صحيحيهما» عن أبي هريرة ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال: «ما من مولودٍ يولد إلا نخسَه الشيطانُ فيستهلُّ صارخًا من نخسةِ الشيطان، إلا ابنَ مريمَ وأُمَّه»، ثم قال أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم: ﴿وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (٢).
قال النووي -يرحمه الله -: قال القاضي عياض: إن جميع الأنبياء ﵈ يشاركون عيسى في هذه الخصوصية (٣).
إخوة الإيمان: ولا بد من مراغمة الشيطان، والاستعداد للمعركة معه في كل ميدان، إذ من الناس من يبيت معهم الشيطان حيث باتوا ويقبل معهم حيثما قالوا .. يحلُّ معهم ويرتحل، يُحسِّن لهم القبيحَ، ويُكرِّه لهم الحسن، وكفى بما جاء في كتاب الله وصفًا دقيقًا: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧)﴾ (٤).
وَرَدَ عن ابن عباس ﵄ في تفسير الآية: ﴿مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾: أي: من قِبَل دنياهم، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: أمر آخرتهم، ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾ أي: من قبل حسناتهم، ﴿وَعَن شَمَآئِلِهِمْ﴾ أي: من قِبَل سيئاتهم. وقيل غير ذلك.
стр. 1566
واختار ابن جرير ﵀؛ أن المراد جميعُ طرقِ الخير والشر، فالخيرُ يصدهم عنه، والشرُّ يحبِّبُه لهم (١).
وقد ثبت في صحيح السنة أن الشيطان يبيت مع الإنسان، فأين يبيت يا ترى؟
في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة ﵁، واللفظ لمسلِم؛ أن النبي ﷺ قال: «إذا استيقظ أحدُكم من منامِه فليستنثرْ ثلاث مراتٍ، فإنَّ الشيطانَ يبيتُ على خياشيمه» (٢).
قال الحافظ ابن حجر: ظاهرُ الحديث أن هذا يقع لكل نائم، ويُحتمل أن يكون مخصوصًا بمن لم يحترز من الشيطان بشيء من الذِّكر، كحديث أبي هريرة وفيه: «فكانت له حِرْزًا من الشيطان». وحديث آية الكرسي وفيه: «ولا يقربُكَ شيطانٌ».
ويحتمل أن يكون المراد بنفي القرب هنا أنه لا يقرب من المكان الذي يوسوسُ فيه، وهو القلب، فيكون مبيتُه على الأنف ليتوصّل منه إلى القلب إذا استيقظ (٣).
وقال القاضي عياض يرحمه الله: يحتمل أن يكون المبيتُ على حقيقته، فإن الأنف أحدُ منافذِ الجسم التي يُتوصل إلى القلب منها، ويُحتمل أن يكون على الاستعارة، فإن ما ينعقد من الغبارِ ورطوبةِ الخياشيم قذارةٌ توافق الشيطان (٤).
كما ثبت أيضًا أن الذكر وتلاوة القرآن طاردٌ للشيطان. ويكفي أن تقف على قوله ﷺ ، وتعمل به إذا أردت السلامة من الشيطان، فقد ثبت في «صحيح مسلم» من حديث جابرٍ ﵁ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «إذا دخل الرجلُ بيتَهُ
стр. 1567
فذكَر اللهَ عند دخولِه وعند طعامِه قال الشيطانُ: لا مَبيتَ لكم ولا عشاء، وإذا دخل فلم يذكرِ الله تعالى عند دخولِه قال الشيطان: أدركتمُ المبيتَ، وإذا لم يذكرِ اللهَ تعالى عند طعامِه قال: أدركتم المبيتَ والعَشاءَ» (١).
أيها المسلمون: وهناك فرق بين عداوة الشيطان للإنسان، وعداوة الإنسان للإنسان، أبانَ الله عنها في ثلاث آيات لا رابع لهن، فتأملوهن وتأملوا ما فيهن من توجيه وفرق، قال في الأولى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩) وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾ (٢)، وقال في الثانية: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦) وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ (٩٨)﴾ (٣)، وقال في الثلاثة: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾، إلى قوله: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٤).
قال الحافظ ابن كثير يرحمه الله: فهذه ثلاث آيات ليس لهن رابعة في معناها، وهو أن الله تعالى يأمر بمصانعة العدو الإنسي، والإحسان إليه ليرده عن طبعه الطيب الأصل إلى الموالاة والمصافاة، ويأمرُ بالاستعاذة من العدو الشيطاني لا محالة، إذ لا يقبل مصانعة ولا إحسانًا، ولا يبغي غير هلاك ابن آدم لشدة العداوة بينه وبين أبيه آدم من قبل.
فهل نتنبَّه لطبيعة العداوة مع الشيطان، وهل نراغمه في الإصلاح فيما بيننا؟
стр. 1568
عباد الله! ونحن نشهد آثار عداوة الشيطان ومكره كلما امتد الزمان أو اختلف المكان.
فإذا رأيت القتل بغير حق فثَمَّ الشيطان، وإذا رأيت التفريق بين المؤمنين، وشيوع الحسد والبغضاء والقطيعة والشحناء فهناك تُنصب رايةُ الشيطان، وإذا رأيت شيوع الفواحش وانتشارَ المنكرات، ففي أجوائها يطرب الشيطان ويجتمع، وعلى موائد الحرام وأماكن اللهو المحرم يحضر الشيطان وجنده، وكلما قلَّ ذكرُ الله احتوشت الشياطينُ وأحاطت. إلى غير ذلك من وسائل الشيطان وخطواته فاحذروها.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (٢٠٨)﴾ (١).
стр. 1569
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، حفظ أولياءه المخلصين من كيد الشيطان، وجعل سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مؤمنون، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلٍّ وسلم عليه وعلى إخوانه وآله وأصحابه.
إخوة الإسلام: وقد ذكر ابنُ القيم ﵀ أن عداوة الشيطان للإنسان تتمثل في ست مراتب، فتأملها وانظر فيما أنت منها، وجاهد نفسك على الخلاص منها:
(١) المرتبة الأولى: الكفرُ والشرك، ومعاداةُ الله ورسوله -عياذًا بالله من ذلك - فإذا ظفر الشيطان بذلك من ابن آدم بردَ أنينُه، واستراح من تعبه معه، وذلك أول ما يريد من العبد، فإن ظفر به صيَّره من عسكرِه ونوابه، فصار من دعاته. فإن يئس من ذلك نقله للمرتبة الثانية من الشرِّ وهي:
(٢) البدعة؛ لأنها أحبُّ إليه من الفسوق والعصيان؛ لأن ضررها متعدٍّ في الدين، وهي مخالفة لدعوة الرسل ﵈. فإن كان الشخص ممن يعادي أهل البدع نقله إلى المرتبة الثالثة وهي:
(٣) الكبائر على اختلاف أنواعها، فيحرصُ أن يوقعه فيها، خاصة إذا كان عالمًا متبوعًا، لينفر الناس عنه، فإن عجز عن هذه نقله إلى التي بعدها وهي:
(٤) الصغائر التي إذا اجتمعت ربما أهلكت صاحبها، ولا يزال يسهلها عليه حتى يستهين بها، فيكون صاحب الكبيرة الخائف أحسن حالًا منه. فإن أعجزه العبدُ عن هذه نقله للخامسة وهي:
(٥) إشغاله بالمباحات التي لا ثواب فيها ولا عقاب، بل عاقبتها فوتُ الثوابِ
стр. 1570
الذي ضاع عليه باشتغاله بها. فإن أعجزه العبدُ عن هذه بأن كان حافظًا لوقته شحيحًا به نقله للتي بعدها وهي:
(٦) إشغاله بالعمل المفضول عن الفاضل ليزيح عنه الفضيلة ويفوته ثواب العمل الفاضل، ويفتح له أبواب خير كثيرة، كما ورد أنه يأمرُ بسبعين بابًا من أبواب الخير، إما ليتوصل إلى باب واحدٍ من الشر، أو ليفوت بها خيرًا أعظم من تلك السبعين وأجلَّ وأفضل، وهذه المرتبة لا يتوصلُ إلى معرفتها إلا بنور الله يقذفه في قلب العبد، يكون سببه تجريد متابعة الرسول ﷺ وشدة عنايته بمراتب الأعمال عند الله وأحبها إليه وأرضاها له، وهذا لا يعرفه إلا من كان من ورثة الرسول ﷺ ونوابه في الأمة وخلافئه في الأرض، والله يمن بفضله على من يشاء من عباده.
اللهم مُنَّ علينا بفضلك ولا تجعل للشيطان علينا سبيلًا (١).
يا أخا الإيمان: وسائِلْ نفسَك مع أيِّ الأصناف أنت في المعترك مع الشيطان، فقد رُوي أن الشيطان تبدَّى ليحيى بن زكريا ﵇ بهيئة الناصح، فكذبه يحيى، وطلب منه أن يخبره عن بني آدم، فقال: هم عندنا على ثلاثة أصناف:
أما صنفٌ منهم، فهم أشدُّ الأصناف علينا، نُقبل عليه حتى نفتنه ونستمكن منه، ثم يتفرغ للاستغفار والتوبة، فيفسد علينا كلَّ شيء أدركنا منه، ثم نعود فيعود، فلا نحن نيأسُ منه، ولا نحن ندرك منه حاجتنا، فنحن من ذلك في عناء.
وأما الصنف الآخر: فهم في أيدينا بمنزلة الكرة في أيدي صبيانكم، نتلقفهم كيف شئنا، قد كفونا أنفسهم.
стр. 1571
وأما الصنف الآخر فهم مثلك -يعني يحيى - معصومون لا نقدر منهم على شيء (١).
أيها المسلمون! وللشيطان مداخل ومنافذ على الإنسان، ووسائل للإغراء والإضلال، ولا شك أن القلب أعظمُ مداخله وأوسع منافذه.
يقول ابن القيم في «إغاثة اللهفان»:
ولما علم عدوُّ الله إبليس أن المدار على القلب والاعتماد عليه، أجلب عليه بالوساوس، وأقبل بوجوه الشهوات إليه، وزين له من الأحوال والأعمال ما يصدُّه عن الطريق، وأمدَّه من أسباب الغَيِّ بما يقطعه عن أسباب التوفيق، ونصب له من المصائد والحبائل، فإن سلم من الوقوع فيها لم يسلم من أن يحصل له بها التعويق، فلا نجاة من مصايده ومكايده إلا بدوام الاستعانة بالله تعالى، والتعرض لأسباب مرضاته، والتجاء القلب إليه وإقباله عليه في حركاته وسكناته، والتحقق بِذُلِّ العبودية للدخول في ضمان: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ (٢).
ويصوّر ابن الجوزي ﵀ في «تلبيس إبليس» أسوار القلب المنيعة، وجنود الشيطان المتسللة من أي ثغرة، والمعركة الدائرة؛ فيقول:
واعلم أن القلب كالحصن، وعلى ذلك الحصن سورٌ، وللسور أبواب وفيه ثُلَمٌ -أي نوافذ - وساكنهُ العقل، والملائكة تتردد إلى ذلك الحصن، وعلى جانبه رُبضٌ فيه الهوى، والشيطان يختلف إلى ذلك الربض من غير مانع، والحربُ قائمة بين أهل الحصن وأهل الربض، والشياطين لا تزالُ تدور حول الحصن تطلبُ غفلة الحارس والعبور من بعض الثلم، فينبغي للحارس أن يعرف جميع أبواب الحصن
стр. 1572
الذي قد وُكِّل بحفظه، وجميع الثُلَمِ، وأن لا يفتر عن الحراسة لحظةً، فإن العدو ما يفتر ... إلى أن يقول: وللعدو حملاتٌ؛ فتارة يحمل فيدخل الحصن فيكرُّ عليه الحارس فيخرج، وربما دخل فعاث وأفسد، وربما أقام لغفلة الحارس، وربما جرح الحارس لغفلته وأسر واستخدم ..
ثم يختم حديثه ببيان أسباب تمكُّنه من الإنسان، ودخوله القلب ويقول: وأقوى القيد الذي يوثق به الأسرى: الجهل، وأوسطه في القوة: الهوى، وأضعفه: الغفلة، وما دام درعُ الإيمان على المؤمن فإنَّ نبل العدوّ لا يقع في مقتل .. (١)
إخوة الإيمان: ويبقى حديثٌ عن وسائل الشيطان للإغراء والإغواء، وطرائق الوقاية وسبل التحصين أرجئ الحديث عنها لخطبةٍ لاحقةٍ بإذن الله تعالى، اللهم اعصمنا من كيد الشيطان .. اللهم إنا نعوذ بك من همزات الشياطين، ونعوذ بك ربَّنا أن يحضرونا.
стр. 1573
(٢) عداوة الشيطان (١)
الخطبة الأولى:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارض اللهم عن أصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)﴾ (٢).
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ (٣).
إخوة الإسلام: ولا يزال الحديث متصلًا عن عداوة الشيطان وكيده وإضلاله للإنسان، فإذا سبق ما يكشف عداوتَه ومراتب كيده، فحديث اليوم عن وسائله وطرائقه ومداخله على الإنسان.
أيها المسلمون: وإذا كان الشرُّ والباطلُ مستقبحًا للنفوس السوية في صورته الطبيعية، فمن وسائل الشيطان في إغواء الإنسان:
стр. 1574
١ - تزيين الباطل وإظهاره بصورةٍ حسنةٍ، عُلم ذلك من قول الشيطان نفسه لربه: ﴿لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (١).
ويصف ابن القيم هذه المكيدة للشيطان ويقول:
ومن مكايده أنه يسحرُ العقل دائمًا حتى يكيده، ولا يسلمُ من سحره إلا من شاء الله، فيزينُ له الفعلَ الذي يضره حتى يُخيل إليه أنه من أنفع الأشياء، ويُنفرُ من الفعل الذي هو أنفع الأشياء، حتى يُخيل له أنه يَضره، فلا إله إلا الله! كم فتن بهذا السحر من إنسان! ! وكم حال به بين القلب وبين الإسلام والإيمان والإحسان! وكم جلا الباطل وأبرزه في صورةٍ مستحسنة، وشنَّعَ الحقَّ وأخرجه في صورة مستهجنة! (٢).
٢ - ويندرج تحت هذا وسيلةٌ أخرى للشيطان في إضلال الإنسان ألا وهي تسمية المعاصي بغير اسمها وبأسماء محببة للنفوس، ألم يقل لأبينا آدم ﵇: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَى﴾ (٣)؟
وقد ورثَ أتباعه تسمية الأمور المحرمة بالأسماء التي تُحب النفوسُ مسمّياتها، فسمَّوا الخمر بـ «أُمِّ الأفراح» كما قال ابن القيم ﵀ في «إغاثة اللهفان».
ولا يزال الشيطانُ يوحي إلى أوليائه تسمية الأمور المحرمة بغير مسمياتها؛ فتسمع الفائدة بدل الربا، ويسمى التبرج الفاضح بحرية المرأة، ويسمون الاختلاط المستهتر بالتقدم والتمدن، ويسمون المغنية الفاسقة الفاجرة بالفنانة والشهيرة .. وهكذا (٤).
стр. 1575
٣ - ومن وسائله في الإضلال -من قبيل ذلك - تسمية الطاعات بأسماء منفرة، ووصف أهل الخير بصفات مشينة، وقديمًا أوحى الشيطان إلى أوليائه من قوم عادٍ أن يقولوا لنبيهم هود ﵇: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ (١)، وأوحى إلى كفار مدين أن يقولوا لشعيب ﵇: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ﴾ (٢). ووصف موسى وهارون ﵉ بالسحر، وقال قوم فرعون: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ (٣).
ولم يسلم محمد ﷺ من هذا الأذى وتلك التسميات المنفرة من الظالمين؛ ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلًا مَّسْحُورًا﴾ (٤).
وما يزال الشيطان ينفخ في سحر المجرمين ليشوهوا صورة الدين والمتدينين ويطلقوا عبارات مشينةً مستهترة لينفرَ الناس من الخير وتُشوَّه صورة الخيرين .. ويأبى الله إلا أن يتم نوره ويكشف للناس الحقيقة .. ولو كره المبطلون.
٤ - ومن وسائل الشيطان وطرقه في الإضلال: التدرجُ في الإضلال، إذْ لا يأتي الشيطان للإنسان مباشرة ويقول له: افعل هذه المعصية، أو اترك هذه الطاعة الواجبة، بل يأتيه خطوةً خطوةً حتى يقع في المحظور، ويترك الواجب المشروع، ولهذا حذرنا ربُّنا ﵎ من اتباع خطوات الشيطان فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ (٥).
стр. 1576
والحازم الموفق مَنْ يكتشف خطوات الشيطان، ويُغلق منافذه من أول الطريق.
٥ - والشيطانُ في إغوائه يظهر بمظهر الناصح الأمين للإنسان: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١) فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ﴾ (١).
ولذا حذر اللهُ من فتنته: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ﴾ (٢).
٦ - أيها المسلمون: وإذا شعر الشيطان أن الإنسان سيفوت عليه وسينُصر عليه في معركة الإغواء، عمد إلى شياطين الإنس يستنجد بهم ويستعينهم ليعينوه في مهمته، وصدق الله: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ (٣).
وكم أثر شياطين الإنس من دعاة الباطل وقرناء السوء على عباد الله بما لم يستطع الشيطان إليه سبيلًا، وقد كان السلفُ يتخوفون من شياطين الإنس، وهذا مالك بن دينار عليه رحمة الله يقول: إن شيطان الإنس أشدُّ عليَّ من شيطان الجن، وذلك أني إذا تعوذت بالله ذهب عني شيطان الجن، وشيطان الإنس يجيئني فيجرني إلى المعاصي عيانًا (٤).
إخوة الإسلام .. وإذا عرفتم شيئًا من وسائله، فاعلموا شيئًا من مداخله.
ألا وإن من أكبر مداخله: الجهل، والغضب، وحبَّ الدنيا، وطول الأمل، والبخل، والكبر، والرياءَ، والعجب والجزع، والهلع، واتباع الهوى، وسوء
стр. 1577
الظن، واحتقار المسلم، واحتقار الذنوب، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمته (١).
١) أما الجهل: فهو باب عظيمٌ للانحراف عن صراط الله المستقيم ومدخل واسعٌ من مداخل الشيطان، كيف لا والجاهلُ يفعل الشرَّ وهو يظنُّه خيرًا، وينأى بنفسه عن الخير وهو يحسبه محسنًا. وخسارة الجهل فادحة، وفتقه لا يُرتق إلا بنور العلم والإيمان، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (٢).
وقد قيل:
وفي الجهل قبلَ الموتِ موتٌ لأهلهِ ... فأجسامُهمْ قبلَ القُبور قبورُ
وإنَّ امرءًا لم يَحْيَ بالعلمِ ميتٌ ... فليس له حتى النشورِ نشورُ
٢) أما الغضب فهو داءٌ عضال ومدخل عظيمٌ من مداخل الشيطان، ومن خلاله يتلاعب الشيطانُ بالإنسان كالكرة في يد الغلمان.
وليس عبثًا أن يقولَ الرسولُ ﷺ للرجل الذي جاء إليه يقول: أوصني، فقال ﵊: «لا تغضبْ»، فردَّد الرجلُ مرارًا، والرسول يقول: «لا تغضب» (٣).
زاد أحمد في رواية: قال الرجل: ففكرت حين قال النبي ﷺ ما قال، فإذا الغضب يجمع الشرَّ كلَّه (٤).
стр. 1578
إن الغضب مادةٌ للشيطان تُجرِّئه، على فعل القبيح، وتجاوز الحدود، ولو سكن غضبُه لانتقدَ تصرُّفَه، ولما أقدم على ما أقدم عليه، إنه حالةُ ضعفٍ، تحكم الإنسانَ فيها عواطُفه، وتخف سيطرة عقله، ويغيب حلمُه، وكم أوقع الشيطان الغضبان في حبائل من السوء وأنواع من الشرِّ، ما كان له أن يقع فيها لو كان هادئ الطبع، مستعيذًا بالله من الغضب.
يقول الغزالي واصفًا حالة الغضبان: يتصاعد عند شدة الغضب من غليان دم القلب دخانٌ مظلم إلى الدماغ يستولي على معادن الفكر، وربما يتعدى إلى معادن الحسِّ فتظلم عينه حتى لا يرى بها، وتسود عليه الدنيا بأسرها، ويكون دماغه مثل الكهف الذي اضطرمت فيه نارٌ فاسودَّ وجهُه، وحمي مستقرُّه، وامتلأت بالدخان جوانبه، وربما تقوى نار الغضب فتغلي الرطوبة التي بها حياة القلب، فيموت صاحبه غيظًا ... إلى أن يقول: ولو رأى الغضبان في حالة غضبه قبح صورته لسكن غضبه حياءً من قبح صورته واستحالة خلقتِه، وقبحُ باطنه أعظم من قبح ظاهره (١).
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (٦٠) وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلًا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾ (٢).
стр. 1579
الخطبة الثانية:
الحمد لله ربِّ العالمين أشار في كتابه إلى حزبين: حزب الله، وحزب الشيطان، وذكر ما بينهما من المنازل فقال: ﴿أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١).
وقال: ﴿أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (٢).
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أمر بالاستعاذة كلما أحسَّ المرءُ بنزغة الشيطان: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾ (٣).
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أوحى اللهُ إليه، فيما أوحى، أنّ من سمات المتقين التذكرُّ والإبصار عند مسِّ الشياطين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ (٤). اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين.
عباد الله: وإذا كان الغضبُ داءً ومدخلًا للشيطان فدواؤه وتسكينه بالاستعاذة بالله من الشيطان، كما ورد ذلك في القرآن، وفي صحيح السنة: استبَّ رجلان عند النبي ﷺ ، فغضب أحدهما واحمرَّ وجهُه وانتفخت أوداجُه، فنظر إليه النبي ﷺ فقال: «إنِّي لأعلمُ كلمةً لو قالها لذهب عنه ما يجدُ: أعوذ بالله من الشيطانِ الرَّجيم»، رواه البخاري ومسلم (٥).
стр. 1580
وعلى الغضبان أن يغير حالته التي هو فيها؛ فإن كان واقفًا جلس، وإن كان جالسًا اضطجع، وقد ورد عن أبي ذر مرفوعًا: «إذا غضِبَ أحدُكم وهو قائمٌ فليجلسْ، فإن ذهبَ عنه الغضبُ، وإلا فليضْطَجِعْ» رواه أحمد وجوَّد إسناده العراقي.
وعليه أن يتوضأ، فالغضب جمرة مُتَّقدة يُطفئها ماء الوضوء بإذن الله.
أيها المؤمنون: أما المدخل الثالث من مداخل الشيطان على الإنسان فهو:
٣) حبُّ الدنيا - وقد ورد عن الحسنِ مرسلًا: «حبُّ الدينا رأسُ كلِّ خطيئة» (١).
ومن مأثور حِكَم الحسن البصري يرحمه الله قوله عن الدنيا: رحم اللهُ أقومًا كانت الدنيا عندهم وديعة، فأدوها إلى من ائتمنهم عليها، ثم راحوا خفافًا.
وأبلغ من ذلك وأجلُّ قوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (٢).
وقوله ﷺ : «موضعُ سوطٍ في الجنة خيرٌ من الدُّنيا وما فيها، ولَغَدْوَةٌ في سبيل الله أو رَوْحةٌ خيرٌ من الدنيا وما فيها» (٣).
ألا وإن الدنيا حين تستحكم في القلوب فهي منفذٌ واسع للشيطان، فبسببها يكون الخصام والتقاطع، وربما وقع القتل وسفك الدماء، هذا فضلًا عن العداوة والشحناء .. وفضلًا عن الغفلة عن ذكر الله وإقامة الصلاة، والغفلة عن الآخرة بنعيمها المرغوب، أو بعذابها المرهوب، والدنيا أقلُّ من هذا وأذل، ويرحم الله الإمام الشافعي حين قال واصفًا الدنيا: الدنيا دارُ مذلةٍ، عمرانُها إلى الخراب