والحازم الموفق مَنْ يكتشف خطوات الشيطان، ويُغلق منافذه من أول الطريق.
٥ - والشيطانُ في إغوائه يظهر بمظهر الناصح الأمين للإنسان: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١) فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ﴾ (١).
ولذا حذر اللهُ من فتنته: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ﴾ (٢).
٦ - أيها المسلمون: وإذا شعر الشيطان أن الإنسان سيفوت عليه وسينُصر عليه في معركة الإغواء، عمد إلى شياطين الإنس يستنجد بهم ويستعينهم ليعينوه في مهمته، وصدق الله: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ (٣).
وكم أثر شياطين الإنس من دعاة الباطل وقرناء السوء على عباد الله بما لم يستطع الشيطان إليه سبيلًا، وقد كان السلفُ يتخوفون من شياطين الإنس، وهذا مالك بن دينار عليه رحمة الله يقول: إن شيطان الإنس أشدُّ عليَّ من شيطان الجن، وذلك أني إذا تعوذت بالله ذهب عني شيطان الجن، وشيطان الإنس يجيئني فيجرني إلى المعاصي عيانًا (٤).
إخوة الإسلام .. وإذا عرفتم شيئًا من وسائله، فاعلموا شيئًا من مداخله.
ألا وإن من أكبر مداخله: الجهل، والغضب، وحبَّ الدنيا، وطول الأمل، والبخل، والكبر، والرياءَ، والعجب والجزع، والهلع، واتباع الهوى، وسوء
стр. 1577
الظن، واحتقار المسلم، واحتقار الذنوب، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمته (١).
١) أما الجهل: فهو باب عظيمٌ للانحراف عن صراط الله المستقيم ومدخل واسعٌ من مداخل الشيطان، كيف لا والجاهلُ يفعل الشرَّ وهو يظنُّه خيرًا، وينأى بنفسه عن الخير وهو يحسبه محسنًا. وخسارة الجهل فادحة، وفتقه لا يُرتق إلا بنور العلم والإيمان، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (٢).
وقد قيل:
وفي الجهل قبلَ الموتِ موتٌ لأهلهِ ... فأجسامُهمْ قبلَ القُبور قبورُ
وإنَّ امرءًا لم يَحْيَ بالعلمِ ميتٌ ... فليس له حتى النشورِ نشورُ
٢) أما الغضب فهو داءٌ عضال ومدخل عظيمٌ من مداخل الشيطان، ومن خلاله يتلاعب الشيطانُ بالإنسان كالكرة في يد الغلمان.
وليس عبثًا أن يقولَ الرسولُ ﷺ للرجل الذي جاء إليه يقول: أوصني، فقال ﵊: «لا تغضبْ»، فردَّد الرجلُ مرارًا، والرسول يقول: «لا تغضب» (٣).
زاد أحمد في رواية: قال الرجل: ففكرت حين قال النبي ﷺ ما قال، فإذا الغضب يجمع الشرَّ كلَّه (٤).
стр. 1578
إن الغضب مادةٌ للشيطان تُجرِّئه، على فعل القبيح، وتجاوز الحدود، ولو سكن غضبُه لانتقدَ تصرُّفَه، ولما أقدم على ما أقدم عليه، إنه حالةُ ضعفٍ، تحكم الإنسانَ فيها عواطُفه، وتخف سيطرة عقله، ويغيب حلمُه، وكم أوقع الشيطان الغضبان في حبائل من السوء وأنواع من الشرِّ، ما كان له أن يقع فيها لو كان هادئ الطبع، مستعيذًا بالله من الغضب.
يقول الغزالي واصفًا حالة الغضبان: يتصاعد عند شدة الغضب من غليان دم القلب دخانٌ مظلم إلى الدماغ يستولي على معادن الفكر، وربما يتعدى إلى معادن الحسِّ فتظلم عينه حتى لا يرى بها، وتسود عليه الدنيا بأسرها، ويكون دماغه مثل الكهف الذي اضطرمت فيه نارٌ فاسودَّ وجهُه، وحمي مستقرُّه، وامتلأت بالدخان جوانبه، وربما تقوى نار الغضب فتغلي الرطوبة التي بها حياة القلب، فيموت صاحبه غيظًا ... إلى أن يقول: ولو رأى الغضبان في حالة غضبه قبح صورته لسكن غضبه حياءً من قبح صورته واستحالة خلقتِه، وقبحُ باطنه أعظم من قبح ظاهره (١).
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (٦٠) وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلًا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾ (٢).
стр. 1579
الخطبة الثانية:
الحمد لله ربِّ العالمين أشار في كتابه إلى حزبين: حزب الله، وحزب الشيطان، وذكر ما بينهما من المنازل فقال: ﴿أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١).
وقال: ﴿أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (٢).
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أمر بالاستعاذة كلما أحسَّ المرءُ بنزغة الشيطان: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾ (٣).
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أوحى اللهُ إليه، فيما أوحى، أنّ من سمات المتقين التذكرُّ والإبصار عند مسِّ الشياطين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ (٤). اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين.
عباد الله: وإذا كان الغضبُ داءً ومدخلًا للشيطان فدواؤه وتسكينه بالاستعاذة بالله من الشيطان، كما ورد ذلك في القرآن، وفي صحيح السنة: استبَّ رجلان عند النبي ﷺ ، فغضب أحدهما واحمرَّ وجهُه وانتفخت أوداجُه، فنظر إليه النبي ﷺ فقال: «إنِّي لأعلمُ كلمةً لو قالها لذهب عنه ما يجدُ: أعوذ بالله من الشيطانِ الرَّجيم»، رواه البخاري ومسلم (٥).
стр. 1580
وعلى الغضبان أن يغير حالته التي هو فيها؛ فإن كان واقفًا جلس، وإن كان جالسًا اضطجع، وقد ورد عن أبي ذر مرفوعًا: «إذا غضِبَ أحدُكم وهو قائمٌ فليجلسْ، فإن ذهبَ عنه الغضبُ، وإلا فليضْطَجِعْ» رواه أحمد وجوَّد إسناده العراقي.
وعليه أن يتوضأ، فالغضب جمرة مُتَّقدة يُطفئها ماء الوضوء بإذن الله.
أيها المؤمنون: أما المدخل الثالث من مداخل الشيطان على الإنسان فهو:
٣) حبُّ الدنيا - وقد ورد عن الحسنِ مرسلًا: «حبُّ الدينا رأسُ كلِّ خطيئة» (١).
ومن مأثور حِكَم الحسن البصري يرحمه الله قوله عن الدنيا: رحم اللهُ أقومًا كانت الدنيا عندهم وديعة، فأدوها إلى من ائتمنهم عليها، ثم راحوا خفافًا.
وأبلغ من ذلك وأجلُّ قوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (٢).
وقوله ﷺ : «موضعُ سوطٍ في الجنة خيرٌ من الدُّنيا وما فيها، ولَغَدْوَةٌ في سبيل الله أو رَوْحةٌ خيرٌ من الدنيا وما فيها» (٣).
ألا وإن الدنيا حين تستحكم في القلوب فهي منفذٌ واسع للشيطان، فبسببها يكون الخصام والتقاطع، وربما وقع القتل وسفك الدماء، هذا فضلًا عن العداوة والشحناء .. وفضلًا عن الغفلة عن ذكر الله وإقامة الصلاة، والغفلة عن الآخرة بنعيمها المرغوب، أو بعذابها المرهوب، والدنيا أقلُّ من هذا وأذل، ويرحم الله الإمام الشافعي حين قال واصفًا الدنيا: الدنيا دارُ مذلةٍ، عمرانُها إلى الخراب
стр. 1581
صائر، وساكنها إلى القبور زائر، شملُها على الفرقة موقوف، وغناها إلى الفقر مصروف، الإكثار فيها إعسار، والإعسار فيها يسار، فافزع إلى الله، وارْضَ برزق الله، لا تتسلف من دار فنائك إلى دار بقائك، فإن عيشك ظلٌّ زائل، وجدار مائل، أكثِرْ من عملك، وأقصر من أمَلِكَ (١).
يا أخا الإيمان: وتأمل كلمات الذي لا ينطق عن الهوى وهو يحذر من حب الدنيا ويقول: «من أُشرب حبَّ الدنيا التاط منها بثلاث: شقاءٌ لا ينفذُ عناه، وحرصٌ لا يبلغ غناه، وأملٌ لا يبلغ منتهاه، فالدنيا طالبة ومطلوبة فمن طلب الدنيا طلبته الآخرة حتى يدركه الموت، ومن طلب الآخرة طلبته الدنيا حتى يستوفي منها رزقه». قال المنذري: رواه الطبراني (٢).
٤) ومن مداخل الشيطان: الكِبْرُ، وهو بطرُ الحقِّ وغمط الناس، وبه يتعاظم المتكبر نفسَه، وينسى عظمة من خلقَه، بل يُذلُّ نفسه ويجهلُ نهي ربه وتوجيهه للمتكبرين: ﴿وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ (٣).
﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ (٤).
وأين المتكبرون من قوله ﷺ : «لا يدخلُ الجنةَ من كان في قلبِه مثقال ذرةٍ من كِبْرٍ» رواه مسلم (٥) والترمذي.
قال النعمان بن بشير على المنبر: إن للشيطان مصالي وفخوخًا، وإن من مصالي
стр. 1582
الشيطان وفخوخه البطر بأنعم الله، والفخر بإعطاء الله، والكِبْرُ على عباد الله، واتباع الهوى في غير ذات الله.
وأنى للإنسان أن يتكبر وأوله نطفةٌ مذرة، وآخره جيفةٌ قذرة، وحشوه فيما بين ذلك بولٌ وعذرة ... ! (١).
أيها المؤمنون:
٥) واتّباعُ الهوى مدخلٌ عظيمٌ من مداخل الشيطان، وطريقٌ للعقوبة والضلال، وكفى بالقرآن واعظًا: ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢). قال ابن عباس ﵄: ما ذكر الله هوىً في القرآن إلا ذَمَّهُ. ثم استشهد لذلك بعدد من الآيات (٣).
وقال ابن مسعود ﵁: أنتم في زمانٍ يقود الحقُّ الهوى، وسيأتي زمانٌ يقودُ الهوى الحقَّ (٤).
قال بعض العلماء: ركَّب الله الملائكة من عقل بلا شهوة، وركَّب البهائم من شهوة بلا عقل، وركب ابن آدم من كليهما، فمن غلب عقله على شهوته فهو خيرٌ من الملائكة، ومن غلبت شهوته على عقله فهو شرٌّ من البهائم (٥).
وقال بعض الحكماء: العقلُ صديق مقطوع، والهوى عدوّ متبوع.
عباد الله: إياكم أن يتلاعب بكم الشيطان عن طريق الهوى والشهوة. يروى أن
стр. 1583
إبليس قال: أهلكت العباد بالذنوب، فأهلكوني بالاستغفار، فلما رأيت ذلك أهلكتهم بالأهواء، فهم يحسبون أنهم مهتدون فلا يستغفرون (١).
أيها المسلمون:
٦، ٧) والأمن من مكر الله، أو القنوط من رحمة الله كلاهما مدخلٌ للشيطان، فالأمن من مكر الله يورث الغفلة، والغفلة تورث التهاون، والتهاون سُلَّم الشيطان وسبب الخسران: ﴿فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (٢)، ومكرُ الله استدراجُه بالنعمة والصحة (٣).
وإذا لم يستطع الشيطان أن يدخل من باب الأمن من مَكْرِ الله شدد عليه الأمر حتى ييأس ويقنط من رحمة الله، والله يقول: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٤).
وإذا أردت السلامة من كيد الشيطان، فلا تأمن مكر الله، وتسرفْ على نفسك بالمعاصي، ولا تقنط من رحمة الله وتُبْ إليه واستغفره مهما عظمت ذنوبك، كن بين الخوف والرجاء، واخش الله واتَّقِه، وقل كما قال القائل:
يا ربِّ إنْ عظمتْ ذنوبي كثرةً ... فلقد علمتُ بأنَّ عفوَك أعظمُ
إنْ كان لا يرجوكَ إلا محسنٌ ... فبمن يلوذُ ويستجير المجرمُ
ما لي إليك وسيلةٌ إلا الرَّجا ... وجميلُ عفوكَ ثم أنِّي مسلمُ
قال تعالى في الحديث القدسي: «يا ابنَ آدم إنك ما دعوتَني ورجوتَنِي غفرتُ لك
стр. 1584
على ما كان منك ولا أُبالي، يا ابنَ آدمَ لو بلغتْ ذنوبُكَ عَنَانَ السَّماءِ ثم استغفرتني غفرتُ لك ولا أُبالي، يا ابنَ آدمَ إنك لو أتيتني بِقُرابِ الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتُكَ بقُرابها مغفرةً» (١).
أيها المسلمون: هذا ما اتسع المقام لذكره من وسائل الشيطان ومداخله على الإنسان .. وهناك غيرُها أحصاها العلماء وضبطوها.
أما طرق الوقاية وسبل الخلاص من كيد الشيطان فلأهميتها ساُفرد لها حديثًا خاصًا بمشيئة الله.
اللهم جَنِّبنا الأهواء المضلة والأدواء المهلكة، واسلك بنا سبل الخير والسلام، فأنت السلامُ ومنك السلام.
стр. 1585
(٣) عداوة الشيطان (١)
وسائل وتحصينات الإنسان من الشيطان
الخطبة الأولى:
الحمد لله رب العالمين، قضى أن الشيطان ليس له سلطانٌ على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، استثنى عباده المخلصين من إغواء الشياطين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، حصَّن أمته بالأوراد والأذكار، فلا سبيل للشيطان على من اتبع هداه وعمل بسنته. اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارض اللهم عن أصحابه الميامين، والتابعين ومَنْ تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣).
إخوة الإسلام! وحريٌّ بمن عرف عداوة الشيطان ومكائِده ومداخله على الإنسان، ووسائله في الإغواء والإضلال؛ أن يعلم السُّبلَ والوسائلَ والحصون التي تحميه بإذن الله من كيد الشيطان .. وكيدُ الشيطان ضعيفٌ كما قال ربُّنا .. وقبل أن
стр. 1586
آتي على بيان شيءٍ من هذه الوسائل المخلِّصةِ من كيده .. أُثير سؤالًا مهمًا يعنى بالدرجة الأولى الأخيار وطلبة العلم، ويعنى غيرهم من باب أولى، والسؤال يقول: هل يعرض الشيطانُ بوساوسه لطلبة العلم وأهل الديانة، أم يكتفي بأهل الجهل والغواية؟ وهل يكثر تعرضه للعبد في حال إنابته إلى ربِّه، أم في حال غفلته واتباع هواه؟
ويجيب شيخُ الإسلام ابن تيمية -عليه رحمة الله - في معرض حديثه عن شكوى الصحابة رضوان الله عليهم للرسول ﷺ عن ما يجدونه في صدورهم من وسوسة الشيطان حتى قالوا: يا رسول الله! إن أحدنا ليجد في نفسه ما لئن يخرّ من السماء إلى الأرض أحبُّ إليه من أن يتكلم به. -وفي رواية: ما يتعاظم أن يتكلم به؛ فقال رسول الله ﷺ : «ذاك صريحُ الإيمانِ»، وفي رواية قال: «الحمدُ لله الذي ردَّ كيدَه إلى الوسوسةِ».
ثم يشير الشيخ إلى أن مدافعة الشيطان على هذه الوساوس أعظمُ الجهاد، وإنما صار الإيمان بعدها صريحًا، لما كرهوا هذه الوساوس ودفعوها، فخلص الإيمان فصار صريحًا.
ثم يقول الشيخ:
ولا بد لعامة الخلق من هذه الوساوس، فمن الناس من يجيبها فيصير كافرًا أو منافقًا، ومنهم من غمر قلبه الشهوات والذنوب فلا يحس بها إلا إذا طلب الدين، فإما أن يصير مؤمنًا، وإما أن يصير منافقًا، ولهذا يعرض للناس من الوساوس في الصلاة ما لا يعرضُ لهم إذا لم يصلُّوا؛ لأن الشيطان يكثر تعرضه للعبد إذا أراد الإنابة إلى ربه والتقرب إليه والاتصال به، فلهذا يعرض للمصلِّين ما لا يعرض لغيرهم، ويعرض لخاصة أهل العلم والدِّين أكثر مما يعرض للعامة، ولهذا يوجد عند طلاب العلم والعبادة من الوساوس والشبهات ما ليس عند
стр. 1587
غيرهم؛ لأنه -أي غير طلاب العلم والعبادة - لم يسلك شرع الله ومنهاجه، بل هو مقبلٌ على هواه في غفلةٍ عن ذكر ربه، وهذا مطلوبُ الشيطان، بخلاف المتوجهين إلى ربهم بالعلم والعبادة، فإنه عدوهم يطلب صدهم عن الله (١).
هذه -معاشر العلماء والعباد - لفتةٌ حريةٌ بالتأمل والمجاهدة، ولكن مما يُسري عن هؤلاء أن انتصارهم في معركة وسوسة الشيطان يُعظِّم قدرَهم ويرفع درجاتهم، وخسارتهم لا شك أعظم إن تمكن الشيطان منهم.
يقول الشيخ -في تتمة حديثه السابق:
وكلما كان الإنسان أعظم رغبة في العلم والعبادة، وأقدر على ذلك من غيره بحيث تكون قوته على ذلك أقوى، ورغبته وإرادته في ذلك أتمَّ، كان ما يحصل له إن سلَّمه الله من الشيطان أعظم، وكان ما يفتتن به إن تمكَّن من الشيطان أعظم، ولهذا قال الشعبي: كل أمةٍ علماؤها شرارها، إلا المسلمين فإن علماءهم خيارهم (٢).
عباد الله: وإذا تبين شمول الشيطان بالإغواء والوسوسة الأخيارَ ومن دونهم، والعلماء ومن سواهم -على درجات وطرائق - تأكد أهمية الخلاص منه، والتحصين ضده بالوسائل المشروعة، وأول التحصينات ضد الشيطان وأهمها:
١ - إخلاص العبادة لله، فالشيطان نفسه يعترف ألاَّ سبيل له على المخلصين: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (٣).
والمخلِص هو الذي يعمل ولا يحبُّ أن يحمَدَه الناسُ، وقيل: هو من يكتم
стр. 1588
حسناته كما يكتم سيئاته (١).
والإخلاص دوام المراقبة ونسيان الحظوظ كلها، وهو شرط في قبول العمل، كما قال ﷺ : «إن الله لا يقبلُ من العمل إلا ما كان خالصًا وابتُغي به وجهُه» (٢).
وكلما كان الإخلاص أقوى، كلما كان كيد الشيطان ضعيفًا -والعكس بالعكس.
٢ - ولا بُدَّ مع الإخلاص من علمٍ يعبد المرءُ به ربَّه على بصيرة، وبه يعلم منافذ الشيطان ووساوسه فيبطلها، وبه يعلم سنة المصطفى ﷺ فيتَّبعها .. ولذا فعالمٌ عاملٌ ناصحٌ لنفسه وللأُمة أشدُّ على الشيطان من مئةِ جاهل أو يزيدون.
٣ - ولزوم المسلمين بالحق من وسائل صَدِّ الشيطان. قال ﵊: «من أراد بحبوحةَ الجنةِ فليلزم الجماعة، فإن الشيطانَ مع الواحد، وهو من الاثنين أبعدُ» (٣).
ولا شك أن الجماعة المقصودة ما وافق الحقَّ، فهؤلاء ينبغي لزوم طريقتهم في المعتقد والسلوك، فَيَدُ الله مع الجماعة.
٤ - والعبادات المشروعة كلها وسائل لصدِّ الشيطان، وإذا كانت الصلاة من أهمها فتأملوا حديث المصطفى ﷺ في إقامتها ومدخل الشيطان حين التهاون بها، قال ﵊: «ما مِنْ ثلاثةٍ في قريةٍ ولا بَدْوٍ لا تقام فيهم الصلاةُ، إلا قد استحوذَ عليهمُ الشيطانُ، فعليك بالجماعةِ فإنما يأكلُ الذئبُ من الغنمِ القاصيةَ» (٤).
стр. 1589
وإذا كانت الصلاة المفروضة مع الجماعة طاردة للشيطان، فصلاة النَّفل في البيت سبيلٌ لنفرة الشياطين، وفي الحديث المتفق عليه: «اجعلوا من صلاتكم في بيوتِكم ولا تَتَّخذوها قبورًا».
قال النووي: حث على النافلة في البيت لكونه أخفى وأبعد من الرياء، وأصون من المحبطات، وَلِيَتَبرك البيتُ بذلك، وتنزل فيه الرحمة والملائكة، وينفر منه الشيطان (١).
وليس يخفى أن الوضوء والأذان والصلاة كلها وسائل منفِّرة للشيطان.
٥ - ومن وسائل طرد الشيطان: الاستعانة بالله والاستعاذة به منه، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢). وأوحى الله إلى عبده فيما أوحى: ﴿وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ﴾ (٣).
قال ابن كثير ﵀: ومعنى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أي: أستجير بجناب الله من الشيطان الرجيم، أن يضرَّني في ديني أو دنياي، أو يصدني عن فعل ما أمرت به، أو يحثَّني على فعل ما نهيت عنه، فإن الشيطان لا يكفُّه عن الإنسان إلا الله، ولهذا أمُر بالاستعاذة من شيطان الجنِّ؛ لأنه لا يقبلُ رشوةً ولا يؤثر فيه جميلٌ؛ لأنه شريرٌ بالطبع، ولا يكفُّه عنك إلا الذي خلقه (٤).
وليس عبثًا أن يؤمر المسلم بالاستعاذة بالله من الشيطان في أكثر من موضع،
стр. 1590
عند الإحساس بنزغِهِ، وعند تلاوة القرآن، وعند افتتاح الصلاة، وعند إتيان الرجل أهلَه، وعند دخول الخلاء، وعند الغضب، وعند نهيق الحمير، ونباح الكلاب (١). وبالجملة فالعبد مأمورٌ بالاستعاذة بالله من الشيطان عند حصول الخير، أو وقوع الشر.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: أمر سبحانه بالاستعاذة عند طلب العبد الخير؛ لئلا يعوقه الشيطان عنه، وعندما يعرض عليه من الشرِّ ليدفعه عنه عند إرادة العبد للحسنات، وعندما يأمره الشيطان بالسيئات، ولهذا قال النبي ﷺ : «لا يزالُ الشيطانُ يأتي أحدَكم فيقول: مَنْ خلق كذا؟ مَنْ خلق كذا؟ حتى يقولَ: من خلق اللهَ؟ فمن وجد ذلك فليستعذ بالله وَلْيَنْتَهِ». فأمر بالاستعاذة عندما يطلب الشيطان أن يوقعه في شرٍّ أو يمنعه من خير، كما يفعل العدوُّ مع عدوه (٢).
٦ - أيها المسلمون: والدعاء سلاحٌ يحفظ الله به المسلم من كيد الشيطان، وقد قال صدِّيق الأمة ﵁: يا رسول الله علمني شيئًا أقوله إذا أصبحت وإذا أمسيتُ، قال: «قل: اللهمَّ عالم الغيب والشهادة، فاطر السماوات والأرض، ربَّ كل شيءٍ ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شرِّ نفسي ومن شرِّ الشيطان وشِرْكِه».
وفي رواية: «وأن اقترفَ على نفسي سوءًا أو أجرَّه إلى مسلم، قُله إذا أصبحتَ وإذا أمسيتَ، وإذا أخذت مضجعَك» (٣). أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاس (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾ (٤).
стр. 1591
الخطبة الثانية:
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا طاهرًا مباركًا فيه، كما يُحبُّ ربُّنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ربوبيته وألوهيته والأسماء والصفات، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين.
إخوة الإيمان: والذَّكر عمومًا والأوراد الشرعية خصوصًا حصونٌ مانعةٌ من الشيطان بإذن الله، والغفلة والإعراض عنهما سبب لتكاثر الشياطين، قال اللهُ تعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ (١). ومثل الذي يذكر الله كمثل رجل طلبه العدو سراعًا فاحتمى ببيت عظيم الأبواب منيع الأسوار، ومن رام هذه الأذكار والأوراد وجدها مجموعةً معتنىً بها من قبل العلماء -عليهم رحمة الله - ومع كثرة انتشار المختصرات لها في المساجد أو في البيوت أو غيرها .. وقد لا تتجاوز الصفحة أو الصفحتين، فقلَّة من الناس هم الذين يهتمون بها ويحفظونها ويرددونها آناء الليل وأطراف النهار على الرغم من أهميتها وعظيم أجرها، وحاجة الإنسان لها للحفظ من كل مكروه. وأسوق نموذجًا لها:
روى البخاري ومسلم رحمهما الله، من حديث أبي هريرة ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمدُ، وهو على كلِّ شيء قديرٌ، في يوم مئة مرة، كانت له عدْلُ عشرِ رقاب، وكتبتْ له مئة حسنةٍ، ومُحيتْ عنه مئة سيئةٍ، وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذاك حتى يُمسي،
стр. 1592
ولم يأتِ أحدٌ بأفضلَ مما جاء به إلا رجلٌ عَمِلَ أكثرَ منه» (١). وصحّ الخبر «مَنْ قال: أعوذُ بكلماتِ الله التاماتِ من شرِّ ما خلقَ ثلاثًا، لم يضرّه شيءٌ» (٢).
أيها المؤمنون: وفي كتاب الله شفاءٌ ودواء، وفي تلاوته أجرٌ ومَغنم، وبه يُحفظ القارئُ المتمعِّنُ من شياطين الجن والإنس، وقد قال الله لنبيه: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا﴾ (٣).
أجل إن الشاطين تنفر من المكان الذي يتلى فيه القرآن، ولذا جاء الحث على تلاوة القرآن عمومًا، وعلى تلاوة سور مخصوصة طاردة للشيطان من مثل سورة البقرة والمعوذات، وآية الكرسي، والآيتين الأخيرتين من سورة البقرة.
فطيبوا أفواهكم -عباد الله - بتلاوة كتاب الله، وحصِّنوا بيوتكم من الشياطين بالإكثار من تلاوة كتاب الله فيها، وعطِّروا مجالسكم، كما كان السلف يفعلون، بتلاوة كتاب الله، وأحدهم يقول للآخر: ذكِّرنا ربنا.
٩ - يا أخا الإسلام: ومما يعينك على الحفظ من الشيطان أن تحفظ جوارحك عما حرم الله عليك، وأن تتذكر أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وهاك مؤشرًا لجارحتين تكلَّم العلماء عن أثرهما ومدخل الشيطان من خلالهما؛ يقول ابن القيم ﵀ عن اللسان والعينين: وأكثر المعاصي إنما يولدها فضول الكلام والنظر، وهما أوسع مداخل الشيطان، فإن جارحتيهما لا يملاَّن ولا يسأمان ..
стр. 1593
وجنايتهما متّسعة الأطراف، كثيرة الشُّعب، عظيمة الآفات (١).
١٠ - عباد الله: وتطهير البيوت من كل وسيلة يجتمع عليها الشياطين من أقصر الطرق لحفظها وحفظ ساكنيها من نزغات الشياطين .. كآلات اللهو المحرم والغناء والأجراس، والتصاليب، والتصاوير المحرمة والتماثيل والكلاب .. مما جاءت النصوص الشرعية ناهية عنه (٢).
١١ - إخوة الإسلام: وحرِيٌّ بمن رام الحفظ من الشيطان ألا يتشبَّه به، فلا يأكل ولا يشرب بشماله، ولا يأخذ ولا يعطي بالشمال، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله ويعطي بشماله ويأخذ بشماله، رواه ابن ماجه وصححه المنذري (٣). وكم هي عوائد سيئة، وعادات مستوردة حين يُستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير. ولربما ظن البعض أن استخدام الشمال بدل اليمين في الأمور الكريمة تقدم وحضارة، والحق أنها تبعية مستهجنة، ونزغات شيطانية، ورسول الهدى ﷺ كان يعجبه التيامن، في شأنه كله فليكن لكم فيه أسوة حسنة.
١٢ - عباد الله: وإذا كان التثاؤب مدخلًا للشيطان، فإن ردَّه ما استطاع المرءُ، أو وضْعَ يدهِ على فيه يمنعه من الدخول بإذن الله، يقول ﵊: «وأما التثاؤب فإنما هو من الشيطان، فليردَّه ما استطاعَ، فإذا قال: ها، ضحكَ منه الشيطان» (٤).
стр. 1594
وفي الحديث الآخر: أن رسول الله ﷺ قال: «إذا تثاءبَ أحدُكم فليمسكْ بيدهِ على فيه، فإن الشيطانَ يدخلُ» رواه مسلم.
١٣ - وإذا كان رديءُ الكلام مدخلًا للشياطين، ففي الكلام الحسن وقاية من نزغات الشياطين، كذلك جاء توجيه خالقنا: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا﴾ (١).
إخوة الإيمان: وثمة عادات ربما مارسها بعض الناس جهلًا منهم أو ضعفًا، وهي من عادات الشيطان، وأولى لهم أن يجتنبوها، فالجلوس بين الظل والشمس جاء النهي عنه، وعُلِّلَ بأنه مجلس الشيطان (٢). والعجلة من الشيطان .. والمبذِّرون إخوان الشياطين.
وتذكر حين تستكبر أنك تشابه الشيطان ﴿إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ﴾ (٣).
احرص على أن تَتَحلى بكل خُلق كريم .. فذاك سرور وتوفيق في الدنيا ومغنم عظيم في الآخرة.
أيها المسلمون: هذا ما تيسر ذكره من وسائل وأعمالٍ تُحصِّن المسلم من كيد الشيطان، ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾ (٤)، ولا يكفي التّحسُّر والتلاوم على كلِّ نَزغةٍ من نزَغات الشيطان بأنه مسلط على الناس وبأن النفس ضعيفةٌ والربُّ غفور. لا بد من فعل الوسائل وتلمس الأسباب التي يحمي بها المرءُ نفسَه وأهله من كيد الشياطين.
стр. 1595
ولا بد مع ذلك كله من سدِّ جميع المداخل التي يدخل منها الشيطان والتي سبق بيانها.
اللهم اصرف عنا كيد الشيطان، اللهم احفظنا بحفظك واكلأنا برعايتك وأعِنّا على أنفسنا.
стр. 1596
الفرح المشروع والمذموم (١)
الخطبة الأولى:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلِّم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارْضَ اللهم عن أصحابه أجمعين والتابعين وَمَنْ تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبا﴾ (٢).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٣).
عبادَ الله: وهذه الأيام، أيامُ أفراحٍ ومناسبات وزواجات ولقاءات، وإجازات وسفريات ونحوها ... وأفراحنا -معاشر المسلمين - لا تُحدُّ بزمان، ولا تُقيَّدُ بمكانٍ، فكلُّ فرحٍ مشروع لأي مسلم، هو فرحٌ لنا جميعًا، وأيُّ نازلةٍ تصيب أحدًا من المسلمين نألم لها جميعًا، ولا غرابة في هذا، فالمؤمنون إخوة، بل تتجاوز أفراحنا مسرح الحياة الدنيا لتتَّصل بالآخرة لمن وفَّقه اللهُ لعمل الصالحات، فهناك
стр. 1597
الحُبور والسرور، والأُنس والنعيم المقيم، قال تعالى: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١) وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢) مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا﴾ (١).
أيها المسلمون: وتجري عوائد الناس في هذه الحياة بالفرح لشفاء مريض، أو عودة غائب، أو انفراج كربة عن مكروب، أو ولادة مولود، أو مناسبة زواج أو نجاحٍ أو ترقيةٍ أو نحو ذلك من أسباب الفرح، وهذا أمرٌ جِبلّيٌّ في بني الإنسان، وقد يُؤجر الإنسان على ذلك الفرح، وقد يأثم إذا جاوز الحدَّ المشروع، والمتأملُ في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ يجد فيهما الفرح المشروع والممنوع، وما يؤمر به من الفرح وما ينهى عنه، ويجد ألوانًا من الفرح مختلفة في أسبابها ومختلفة كذلك في عواقبها، أجل إنّ فرح المؤمنين، غير فرح الكافرين، وغير فرح المنافقين .. وكل هذه الأفراح جاء القرآن الكريم مبينًا لها، وجاءت سنة المصطفى ﷺ مفصلة فيها.
عباد الله: أما أفراح المؤمنين فبنصر الله، وبفضله ورحمته، وبالهجرة والجهاد والدعوة في سبيله، وبالخير يقع لأحد من المسلمين؛ يقول تعالى: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (٢).
ويقول تعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٣).
стр. 1598
ويقول تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (١).
أيها المسلمون: وأَشرف الخلق وأكرمهم على الله كان يُسَرُّ لفتوحات الإسلام ويفرح بسلامة المسلمين وعودة غائبهم، وفي «سُنن أبي داود» والسِّيرة قوله ﷺ حين فتح الله عليه خيبر، وقدم عليه جعفر ومن معه من المسلمين من أرض الحبشة، قال ﵊: «ما أدري بأيِّهما أنا أسَرُّ؛ بفتح خيبر، أم بقدوم جعفر؟ » (٢).
بل يصل الأمر بالمسلمين إلى أن يبكي أحدُهم من شدة الفرح لخبر بلغه وخير حظي به دون غيره، وهذا هو أبو بكر الصديق ﵁ حين جاءه الرسول ﷺ مُخبرًا عن إذن الله له بالهجرة، وأن أبا بكر سيكون صاحبه بالهجرة، ورفيقه في الطريق إلى المدينة، بكى من شدة الفرح حتى قالت ابنته عائشة أم المؤمنين ﵂: وما كنت أحسب أن أحدًا يبكي من الفرح (٣).
يا أخا الإسلام: وهاك نموذجًا آخر لفرح المسلم بإسلام أقرب الناس إليه؛ أبو هريرة ﵁ كان برًّا بأُمِّه، ولكنها قبل إسلامها كانت تُسمع ابنها في الرسول ﷺ ما يكره وما فتئ الابن يدعوها إلى الإسلام، حتى طلب من الرسول ﷺ أن يدعو لها بذلك، فقال ﵊: «اللهمَّ اهدِ أُمَّ أبي هريرةَ» فاستبشر أبو هريرة بهذه الدعوة، وما وصل البيت حتى وجد أمه تغتسل -وقد أجافت الباب - وقالت: مكانك يا أبا هريرة، فلبست درعها وعجلت عن خمارها، ففتحت
стр. 1599
الباب وقالت: يا أبا هريرة أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. قال أبو هريرة: فرجعت إلى رسول الله ﷺ فأتيته وأنا أبكي من الفرح. الحديث رواه مسلم في «صحيحه» (١).
تلك نماذج من فرح المؤمنين -وهي بكل حال متعلقة بمعالي الأمور، وخدمة الدين، ومصالح المسلمين، وفرحتهم في الدنيا موصولة بفرحهم في الآخرة: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ (٢).
أيها المؤمنون: أما أهل الكفر والكبر والخيلاء فهم يفرحون، لكن بم يفرحون؟ وما عاقبة فرحهم؟ إنه فرح بمتاع الدنيا والله يقول: ﴿وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ﴾ (٣).
وهو فرح يعقبه الحسرة والندامة والإبلاس ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٤).
وقارون من نماذج الفرحِين البطرين، وقد قال له الناصحون: ﴿لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ (٥). وحين استمر في كبريائه وفرحه المذموم، خسف الله به وبداره الأرض: ﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ﴾ (٦). وليس له وأمثاله في الآخرة من خلاق ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا
стр. 1600
فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١).
عباد الله: ولأهل الريب والنفاق -قديمًا وحديثًا - فرحهم .. ولكن فرحهم بمصائب المسلمين ونوازلهم، والتخلف عن الجهاد والدعوة، وبالأذى يصيب الرسول أو أحدًا من المسلمين، وقد فضحهم الله وكشف سريرتهم: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢). أجل لقد كانوا يفرحون بالمصيبة تقع على رسول الله ﷺ أو على أحدٍ من المسلمين، وتسوؤهم الحسنة والخير الحاصل لهم: ﴿إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّوا وَّهُمْ فَرِحُونَ﴾ (٣).
إنهم متربصون، وساخرون وساخطون، وكاذبون، ومستكبرون، لا تكاد تجد لهم موقفًا واضحًا ومحددًا، بل يدورون مع الحدث كيف دار، ويتخلصون من المواقف الصعبة المحرجة بالكذب والأعذار، وصدق الله: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (٤). ألا بئست البضاعة وخاب المنافقون وخسروا، وفرحتهم الظاهرة القليلة سيعقبها البكاء طويلًا، كما في محكم التنزيل: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٥).
стр. 1601
اللهم انفعنا بواعظ القرآن، وارزقنا العمل بسنة خير الأنام، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين.
стр. 1602
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، أسبغ علينا من نعمه الظاهرة والباطنة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أضحك وأبكى، وأمات وأحيا، وإن عليه النشأة الأخرى، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أعطاه ربه حتى رضي، وقال له: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأُولَى﴾ (١).
اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارضَ اللهم عن أصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: إخوة الإيمان، فمن أعظم مقامات الإيمان الفرحُ بالله، والسرورُ به، فيفرح العبدُ بخالقه، إذ هو عبدُه ومحبُّه، يفرح به سبحانه ربًا، وإلهًا، ومنعمًا، ومربِّيًا، أشدُّ من فرح العبدِ بسيده المخلوق المشفق عليه، القادر على ما يريده العبدُ ويطلبه منه، والمتنوع في الإحسانِ إليه والذبِّ عنه (٢).
والفرح بالله وبرسوله وبالإيمان والسنة، والعلم والقرآن من أعلى مقامات العارفين، قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ (٣).
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ (٤).
قال صاحب «المدارج»: فالفرح بالعلم والإيمان والسنة دليل على تعظيمه عند
стр. 1603
صاحبه، ومحبته له، وإيثاره له على غيره .. والفرح تابعٌ للمحبة والرغبة (١).
يا أخا الإسلام: سائل نفسك حين تفرح، مم تفرح ولماذا تفرح؟ وما صلة فرحتك بالإسلام وأفراح المسلمين، وبالخير والخيِّرين؟
إن من علامات الخير في المجتمع الفرح بالخير يحصل للمسلمين، ومن علامات وعي المجتمع أن يشترك في فرحة الخير للإسلام وأهل الإسلام الكبار والصغار، والذكران والإناث .. في زمن باتت مغريات الحياة الدنيا كثيرة، وبات الفرحُ بسفاسف الأمور ومغريات الحياة الدنيا يسيطر على عقول عددٍ من أبناء المسلمين.
ومن علائم الخير -كما قال العلماء - أن يفرح المرء بالحسنة إذا عملها، ويُسرُّ بها، فذاك فرحٌ بفضل الله، حيث وفَّقه الله لها وأعانه عليها ويسَّرها له.
أيها المسلمون: ومن الفرح المذموم أن يطغى المسلم للنعمة يؤتاها: ﴿كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى﴾ (٢).
وقد ينسى الفرحُ بالنعمة - أحيانا - شُكرَ المُنعِم، وكفى بالقرآن واعظًا والله يقول: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (٣).
وقد كان السلفُ يحذرون من الاغترار بالنعمة والتجاوز في الفرح، ويرون الفرح من أسباب المكر، ما لم يقارنه خوفٌ من الجليل سبحانه (٤).
عباد الله: قيِّدوا أفراحكم بشرع الله، وإياكم والتجاوز فيه بالقول أو بالعمل،
стр. 1604
وإياكم أن تأسوا على ما فاتكم أو تتجاوزوا المشروع في الفرح بما آتاكم، فالله يقول: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (١).
أي مختال في نفسه، متكبِّر فخورٍ على غيره، وتأملوا قول عكرمة واعملوا به؛ قال: ليس أحدٌ إلا وهو يفرح ويحزن، ولكن اجعلوا الفرح شكرًا، والحزن صبرًا. فتلك قاعدةٌ حَرِيَّة بالتأمل (٢).
وليس يخفى أن المكروه للنفس قد يكون فيه خيرٌ كثير، وقد يكون في المحبوب لها شرٌّ وفتنة: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (٣).
يا أخا الإسلام: وحين يكون الحديث عن الفرح فثمة أسئلة حَرِيٌّ بك أن تسألها نفسك، فما مدى فرحتك بانتصار الدعوة إلى الله وظهور الحق؟ وما مدى سرورك بعزِّ الإسلام وغلبة المسلمين؟ وما مدى حُزنك حين يظهر الفساد، ويفشو الباطل، ويكثر المبطلون، ويغلب الكفار، ويتنامى النفاق، ويكثر المنافقون .. إنها أسئلة تحدد نوع فرحك وحزنك، وهل هو في ذات الله ولصالح الإسلام والمسلمين، أم لأهوائك وشهواتك، كما تُحدد هذه الأسئلة صدق انتمائك للإسلام، وشعورك بأخوِّة المسلمين، واهتمامك بقضاياهم.
وهذه الأسئلة ميزان لعمق فرحك ونُبل مشاعرك، وعلوّ همتك، وبكل حال ومهما بلغت أفراحك في الدنيا فلا تنسَ فرحة الآخرة، وأنت واجدٌ في القرآن
стр. 1605
تذكيرًا بها، وها هو المصطفى ﷺ يذكِّرك بها في فرحة الفطر من الصيام ويقول: «للصائم فرحتان؛ فرحةٌ عند فطرِه، وفرحةٌ عند لقاء ربِّه».
اللهم لا تحرمنا فضلك، واجعل أفراحنا في ذاتك ولأوليائك ونصرة دينك، ولا تحرمنا فرحة الآخرة وسرورها.
стр. 1606
الإخلاص: معاني وآثار وعلامات ووسائل (١)
الخطبة الأولى:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر النيين والمرسلين، ورضي الله عن أصحابه أجمعين والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٢).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (٣).
أيها المسلمون: حديثي إليكم عن أمر يهمنا جميعًا، ونقصِّر في شأنه كثيرًا، نتحدث به كثيرًا ولا نعمل به في حياتنا إلا قليلًا، هو أمر الله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٤).
وهو الدين الذي يرضاه الله ويقبله: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (٥).
стр. 1607
إنّنا في زحمة الحياة، وغلبة الشهوات، وطغيان المجاملات نفرِّط في أغلى شيء، وننسى أو نتناسى أنفس شيء، نلتفت إلى عدد من أعمالنا وممارستنا في الحياة اليومية، فلا نكاد نجدُ الإخلاص لها رائدًا .. وحين نصدق مع أنفسنا نعترف بأن الدافع لعدد من تصرفاتنا ومواقفنا حظوظ النفس، وغلبةُ الأهواء، والرغبة في مطامع الدنيا، ومن هنا قلَّت البركة في أعمالنا، وضعف إنتاجنا، وتعبت أجسادنا، ولم تطمئن قلوبنا، وَوُجِدت الخصومات والتنافر بيننا.
إن الحديث عن الإخلاص صعب على النفس، ولولا أمانة الكلمة ومسؤولية البلاغ ما حدثتكم، فأنا أحوج للحديث منكم .. ولا تَقِلُّ حاجتي عن الإخلاص عن حاجتكم .. لكنني أخاطب نفسي إذ أخاطبكم، وألوم نفسي قبل أن ألومكم .. وكلّنا خطَّاء، وخير الخطائين التّوابون، ولنسمع الحديث، وليس منا مبرّأٌ من النقص والخطأ. حديثي إليكم عن شيءٍ من معاني الإخلاص وآثاره، وعلامات الإخلاص وأمارات المخلصين، ألا ما كان الإخلاص في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه.
إن صلاح النية وإخلاص الفؤاد لرب العالمين يرتفعان بمنزلة العمل الدنيوي البحت، فيجعلانه عبادة متقبلة. وإن خُبث الطَّوية، وظهور الرياء يهبطان بالطاعة المحضة، ويقلبانها إلى معاصٍ شائنة لا ينال المرء منها بعد التعب في أدائها إلا بالفشل والبوار.
أرأيتم كيف بلغ سقي الكلب الذي يأكل الثرى من العطش بصاحبه إلى مغفرة الرب؟ ! والرجل يزرع الزرع ويغرس الغرس ليتكسب من وراء ذلك، فإذا رافقته النية الطيبة، واحتساب الأجر لمن أكل منه، لم يأكل منه طيرٌ أو إنسان أو حيوان إلا كان له به صدقة.
стр. 1608
بل إن شهوة المرء التي يتلذذ بفعلها تنقلب إلى عبادة مع حسن النية وعلُوِّ المقصد، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدُنا شهوته ويكون له فيها أجرٌ؟ قال: «نعم، أرأيتم لو وضَعَها في حرامٍ أما يكون عليه وزرٌ؟ » قالوا: بلى، قال: «وكذلك إذا وضعها في حلال»؛ يعني يكون له بذلك أجر، فكيف إذا صاحب ذلك إصلاح الذرية، وتكثير نسل المسلمين، وإعفاف النفس والآخرين؟ !
إخوة الإسلام: وفي مقابل ذلك قال تعالى عن فئة من المصلين ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ (١).
وقال عن فئة من المتصدقين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ (٢).
أيها المسلمون: إن توفر الإخلاص واستحضار النية الطيبة تجعل من المعدوم موجودًا، فقد يهمُّ المسلم بعمل الخير، ويرغبُ في أدائه، ولكنه قد لا يستطيعه، أو تعجز وسائله عن إدراكه .. فيكتب الله له أجر ذلك العمل -وإن لم يقم به -؛ لأن الله علم ما في قلبه.
أرأيت من يتطلع إلى جهاد الأعداء، ولكن يقعد به ضعفه عن ذلك، ومن يغبط المتصدقين فيَودُّ لو كان له مال فينفقه في سبيل الله، ومن يتطلع إلى عمل الصالحات، لكن يقعد به المرض، كلُّ أولئك وأمثالهم بنواياهم وأجرُهم على الله، وفي حديث: «إنما الدنيا لأربعة نفر .. » درس وعبرة.
стр. 1609
وحين تخلَّف نفرٌ من المسلمين عن الغزو مع رسول الله ﷺ مع شدة رغبتهم في الخروج، لكن حبسهم العذر، حينه نوَّه الرسول ﷺ بفضلهم، وشملهم بعظيم الأجر من ربهم، وقال عنهم: «إن أقوامًا خَلْفنا بالمدينة، ما سَلَكنا شِعبًا ولا واديًا إلا وهم معنا، حَبَسَهُمُ العذرُ» رواه البخاري.
وهكذا سُجِّل هؤلاء المخلصون مع المجاهدين؛ لأنهم قعدوا راغمين معذورين (١).
وفي المقابل استحقَّ نفرٌ -ممّن خرجوا مع المسلمين - التقريع والفضيحة، بل ووصمة الكفر والإجرام؛ لأنهم خرجوا نفاقًا، وكان شغلهم -حين خرجوا - الإرجاف والاستهزاء بالمؤمنين: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ (٦٥) لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ (٢).
عباد الله: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكلِّ امرئ ما نوى» حديث من أحاديث الذي لا ينطق عن الهوى، وهو أصل من أصول الإسلام، كان كثير من العلماء يفتتحون به مؤلفاتهم لأهميته وأثره على الأعمال قبولًا أو ردًا .. فهل نضع هذا الحديث أمام أعيننا في كل حركة نتحركها أو قولٍ نقوله، أو عمل نعمله.
إن الله لا يرضى أن يُشرك معه غيره في العبودية والطاعة: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٣).
وفي الحديث القدسي يقول الله ﵎: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك،
стр. 1610
من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركتُه وشركَه» (١).
ألا ويح الذينَ يغرون الناس بهيئاتهم أو أقوالهم، والله يعلم ما يكتمون. وهم أبعد ما يكونون عن الإخلاص، وأولئك حَريُّون بالفضيحة في الدنيا، أو في الآخرة، أو بهما جميعًا. وفي الحديث الذي أخرجه الترمذي وحسَّنه غيره، قال ﷺ : «يكون في آخر الزمان رجالٌ يختلون الدنيا بالدين، يلبسون للناس جلود الضأن من اللِّين، ألسنتُهم أحلى من العسل، وقلوبهم قلوبُ الذئابِ، يقول الله تعالى: أبي يغترُّون، أم عليَّ يجترئون؟ ! فبي حلفتُ لأبعثن على أولئك منهم فتنةً تَدَعُ الحليمَ حيرانَ» (٢).
وفرق بين هؤلاء وبين الأخفياء الأتقياء الذين يعملون الصالحات -طاعة لله، وإحسانًا إلى الخلق - ثم يتوارى أحدهم بعمله ويكره أن يطلع عليه الناس - لكن أولئك يرجون لقاء الله وعظيم أجره و ﴿مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٣).
إن الناس -كلَّ الناس - يلجؤون إلى الله بالإخلاص في حال الشدائد والضراء إذ يشعرون حينها ألاَّ ملجأ من الله إلا إلى الله، وهنا يدعونه تضرعًا وخفية، ولكن تلك حالات طارئة لا يقاس بها الإخلاص الحقّ -وإنما يقاس الإخلاص في أحوال السراء حين تتطلَّعُ النفوسُ إلى أعراض الدنيا من الشهوة والشُّهرة وحب الثناء والتطلع إلى الجاه وبُعد الصيت، فتؤثر ما عند الله على ما عند خلقه، وتُغلِّبُ نعيم الآخرة على متاع الدنيا الزائل.
стр. 1611
إن الإخلاص يستدعي -فيما يستدعي - نفوسًا كبيرةً لا يأسرها التفكير باللحظة الحاضرة، بل تتطلع إلى الثمرة المستقبلية للإخلاص، ويستدعي كذلك ضبط النفس عن مزالق الفتن والشهوات، ويستدعي الثبات على الحق في الملمات، حتى وإن نال النفس شيءٌ من المصاعب والمتاعب. ولقد كان سحرةُ فرعون نموذجًا لهذا حين خالط الإيمان قلوبهم، وانطلقوا من قاعدة الإخلاص واليقين يقولون لفرعون: ﴿فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ (١).
стр. 1612
الخطبة الثانية:
الحمد لله خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فاوت بين عباده في الهمم، وفاوت بينهم في حسن القصد وصلاح العمل، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أخبر -وهو الصادق الأمين - عن مصير الثلاثة الذين انتهى بهم الأمر إلى أن يسحبوا على وجوههم حتى يلقوا في النار؛ لأنهم عملوا من أجل الناس حتى ولو كان الأمر -في ظاهره - جهادًا في سبيل الله، أو تعلُّمًا للعلم وتلاوة للقرآن، أو نفقة في وجوه الخير (١). اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين.
عباد الله: وإذا كان أمر الإخلاص عظيمًا عند الله فليس سهلًا على النفوس -إلا من وفَّقه الله وجاهد نفسه على ترويض النفس على الإخلاص.
قال أحدُ العارفين: ليس على النفس شيءٌ أشقَّ من الإخلاص؛ لأنه ليس لها فيه نصيب (٢). وقال آخر: أعز شيء في الدنيا الإخلاص، وكم أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي، وكأنه ينبت فيه على لون آخر (٣).
أيها المسلمون: إن المتأمل في واقعنا يرى كيف يعزُّ الإخلاص ويقلُّ المخلصون .. أين إخلاص العامل في عمله، وأين إخلاص المربي في تربيته، هل يخلص رجال الأعمال في أعمالهم؟ وهل تظهر على الطلاب سيما الإخلاص في دراستهم وتحصيلهم؟ وفي مجال الطب والهندسة، أو غيرهما من الوظائف
стр. 1613
والحرف، ما نَصيبُ الإخلاص لدى المختصين والعاملين فيها؟ في مجال طلب العلم - عمومًا - والدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي القضاء، بل وفي سائر الولايات الدينية والدنيوية .. كيف يكون الإخلاص؟ وكم هي نسب المخلصين؟
عباد الله: ولئن كان الإخلاص من أعمال القلوب، وتلك لا يعلم حقيقتها إلا علاَّم الغيوب، إلا أن للإخلاص أماراتٍ وللمخلصين علامات يمكن أن يُستدل بها عليهم، ومن علامات الإخلاص: الجدية في العمل وحسن الإنتاج، وأن يستوي عند العامل شهود الناس لعمله أو غفلتهم عنه. ومن علامات المخلصين أنهم لا يرغبون في مدحهم ولو عملوا، بعكس غيرهم ممن يُحبون أن يُحمدوا بما لم يفعلوا.
المخلصون يخشون الله بالغيب ويراقبونه في حال السرِّ، كما يخشونه في الشهادة، ويراقبونه في حال العلانية، شأن المخلصين وهدفهم رضى الله، وليس هدفهم أن يرضى الناس عنهم ولو سخط الله.
المخلصون لا يأنفون أو يتضايقون إذا رموا بما ليس فيهم، فقد يكون أحدهم جوادًا ويُرمى بالبخل، أو عالمًا وداعيةً ويرمى بالجهل والإفساد -وهو ليس كذلك في ظاهره وباطنه - بل ربما أزرى المخلصون بأنفسهم وحمدوا المتَّهمين لهم بما ليس فيهم. ومن روائع مواقف السلف أن رجلًا زاحم سالم بن عبد الله بن عمر ﵃ في منىً، فالتفت الرجل إلى سالم -وهو لا يعرفه - فقال له: إنّني لأظنُّك رجل سوءٍ، فأجابه سالمٌ -وهو من خيار التابعين - بقوله: ما عرفني إلا أنت (١).
стр. 1614
أهلُ الإخلاص تهون عليهم أنفسهم فلا ينتقمون لها، وتعظم في صدورهم حرماتُ الله فيغضبون لانتهاكها، ويقومون بما أوجب الله عليهم حيال المنتهكين لها.
المخلصون يهتمون بإخلاص العمل وموافقته للصواب والسنة وديمومته -وإنْ قل عملُهم - وغيرُ المخلصين يهتمون بكثرة العمل حتى وإن خالطه الرياءُ، وأفسدته الخرافات والبدع.
أيها المسلمون: وهناك أمور تعين المسلم والمسلمة على الإخلاص، ومنها: إدامة النظر في كتاب الله عمومًا، والتأمل في آيات الإخلاص وثواب المخلصين خصوصًا. ومن مثل قوله تعالى: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾ (١).
وأَلاَّ يعمل المرءُ حين يعمل وغاية أمانيه حظوظ الدنيا ومتاعُها، بل عليه أن يتطلع إلى نعيم الآخرة وثوابها، وفي القرآن الحكيم: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (٢).
وألاَّ يجعل رضى الناس غايته، فمن أرضى الله بسخط الناس ﵁ وأرضى عنه الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس.
стр. 1615
وتدريب النفس على الإخلاص ومجاهدتُها على التخفي عن أَعْيُنِ الناس فيما لا حاجة بالاطلاع عليه يعين على الإخلاص، وقد روي عن عبد الله بن المبارك، عن مبارك بن فضالة، عن الحسن ﵏ أن الحسن قال: إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل لقد فَقِهَ الفقه الكثير وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزوار وما يشعرون به، ولقد أدركت أقوامًا ما كان على الأرض من عمل يقدرون أن يعملوه في السر فيكون علانية أبدًا، لقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يُسمع لهم صوت، إن كان إلا همسًا بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ (١).
والنظر في سير الأنبياء ﵈، والصالحين المخلصين من بعدهم، ومعرفة عواقب الإخلاص في حياتهم يُعين كذلك على الإخلاص، وليس يخفى أن الإخلاص سبب لصرف السوء والفحشاء عن يوسف ﵇، وهذا من حفظ الله له: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ (٢).
ومما يعين على سلوك الإخلاص أن يتصور المرءُ -وهو بَعْدُ في الدنيا - رقابةَ الله، ودقةَ الحساب يوم القيامة، وما أتعس العامل إذا وفد على الله بأعمال كثيرة، لكنها غير خالصة لله، فطرحت ثم طرح صاحبها في النار، وقيل لهؤلاء المرائين: اذهبوا إلى من كنتم تُراؤون في الدنيا فليشفعوا لكم .. وهناك يفرُّ المرء من أخيه، وأُمّه وأبيه، وصاحبته وبنيه، وأنّى له أن يلتفت إلى من كان يرائيه؟
هذا فضلًا عن أن المرائي قد ينكشف في الدنيا ويفضح حيًّا، قبل أن تكون