← Джавами‘

Джавами‘ · id 20948

شعاع من المحراب

سليمان بن حمد العودة

Полный текст (3 545 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

إن الإخلاص يستدعي -فيما يستدعي - نفوسًا كبيرةً لا يأسرها التفكير باللحظة الحاضرة، بل تتطلع إلى الثمرة المستقبلية للإخلاص، ويستدعي كذلك ضبط النفس عن مزالق الفتن والشهوات، ويستدعي الثبات على الحق في الملمات، حتى وإن نال النفس شيءٌ من المصاعب والمتاعب. ولقد كان سحرةُ فرعون نموذجًا لهذا حين خالط الإيمان قلوبهم، وانطلقوا من قاعدة الإخلاص واليقين يقولون لفرعون: ﴿فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ (١).

стр. 1612

الخطبة الثانية: الحمد لله خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فاوت بين عباده في الهمم، وفاوت بينهم في حسن القصد وصلاح العمل، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أخبر -وهو الصادق الأمين - عن مصير الثلاثة الذين انتهى بهم الأمر إلى أن يسحبوا على وجوههم حتى يلقوا في النار؛ لأنهم عملوا من أجل الناس حتى ولو كان الأمر -في ظاهره - جهادًا في سبيل الله، أو تعلُّمًا للعلم وتلاوة للقرآن، أو نفقة في وجوه الخير (١). اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. عباد الله: وإذا كان أمر الإخلاص عظيمًا عند الله فليس سهلًا على النفوس -إلا من وفَّقه الله وجاهد نفسه على ترويض النفس على الإخلاص. قال أحدُ العارفين: ليس على النفس شيءٌ أشقَّ من الإخلاص؛ لأنه ليس لها فيه نصيب (٢). وقال آخر: أعز شيء في الدنيا الإخلاص، وكم أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي، وكأنه ينبت فيه على لون آخر (٣). أيها المسلمون: إن المتأمل في واقعنا يرى كيف يعزُّ الإخلاص ويقلُّ المخلصون .. أين إخلاص العامل في عمله، وأين إخلاص المربي في تربيته، هل يخلص رجال الأعمال في أعمالهم؟ وهل تظهر على الطلاب سيما الإخلاص في دراستهم وتحصيلهم؟ وفي مجال الطب والهندسة، أو غيرهما من الوظائف

стр. 1613

والحرف، ما نَصيبُ الإخلاص لدى المختصين والعاملين فيها؟ في مجال طلب العلم - عمومًا - والدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي القضاء، بل وفي سائر الولايات الدينية والدنيوية .. كيف يكون الإخلاص؟ وكم هي نسب المخلصين؟ عباد الله: ولئن كان الإخلاص من أعمال القلوب، وتلك لا يعلم حقيقتها إلا علاَّم الغيوب، إلا أن للإخلاص أماراتٍ وللمخلصين علامات يمكن أن يُستدل بها عليهم، ومن علامات الإخلاص: الجدية في العمل وحسن الإنتاج، وأن يستوي عند العامل شهود الناس لعمله أو غفلتهم عنه. ومن علامات المخلصين أنهم لا يرغبون في مدحهم ولو عملوا، بعكس غيرهم ممن يُحبون أن يُحمدوا بما لم يفعلوا. المخلصون يخشون الله بالغيب ويراقبونه في حال السرِّ، كما يخشونه في الشهادة، ويراقبونه في حال العلانية، شأن المخلصين وهدفهم رضى الله، وليس هدفهم أن يرضى الناس عنهم ولو سخط الله. المخلصون لا يأنفون أو يتضايقون إذا رموا بما ليس فيهم، فقد يكون أحدهم جوادًا ويُرمى بالبخل، أو عالمًا وداعيةً ويرمى بالجهل والإفساد -وهو ليس كذلك في ظاهره وباطنه - بل ربما أزرى المخلصون بأنفسهم وحمدوا المتَّهمين لهم بما ليس فيهم. ومن روائع مواقف السلف أن رجلًا زاحم سالم بن عبد الله بن عمر ﵃ في منىً، فالتفت الرجل إلى سالم -وهو لا يعرفه - فقال له: إنّني لأظنُّك رجل سوءٍ، فأجابه سالمٌ -وهو من خيار التابعين - بقوله: ما عرفني إلا أنت (١).

стр. 1614

أهلُ الإخلاص تهون عليهم أنفسهم فلا ينتقمون لها، وتعظم في صدورهم حرماتُ الله فيغضبون لانتهاكها، ويقومون بما أوجب الله عليهم حيال المنتهكين لها. المخلصون يهتمون بإخلاص العمل وموافقته للصواب والسنة وديمومته -وإنْ قل عملُهم - وغيرُ المخلصين يهتمون بكثرة العمل حتى وإن خالطه الرياءُ، وأفسدته الخرافات والبدع. أيها المسلمون: وهناك أمور تعين المسلم والمسلمة على الإخلاص، ومنها: إدامة النظر في كتاب الله عمومًا، والتأمل في آيات الإخلاص وثواب المخلصين خصوصًا. ومن مثل قوله تعالى: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾ (١). وأَلاَّ يعمل المرءُ حين يعمل وغاية أمانيه حظوظ الدنيا ومتاعُها، بل عليه أن يتطلع إلى نعيم الآخرة وثوابها، وفي القرآن الحكيم: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (٢). وألاَّ يجعل رضى الناس غايته، فمن أرضى الله بسخط الناس ﵁ وأرضى عنه الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس.

стр. 1615

وتدريب النفس على الإخلاص ومجاهدتُها على التخفي عن أَعْيُنِ الناس فيما لا حاجة بالاطلاع عليه يعين على الإخلاص، وقد روي عن عبد الله بن المبارك، عن مبارك بن فضالة، عن الحسن ﵏ أن الحسن قال: إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل لقد فَقِهَ الفقه الكثير وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزوار وما يشعرون به، ولقد أدركت أقوامًا ما كان على الأرض من عمل يقدرون أن يعملوه في السر فيكون علانية أبدًا، لقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يُسمع لهم صوت، إن كان إلا همسًا بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ (١). والنظر في سير الأنبياء ﵈، والصالحين المخلصين من بعدهم، ومعرفة عواقب الإخلاص في حياتهم يُعين كذلك على الإخلاص، وليس يخفى أن الإخلاص سبب لصرف السوء والفحشاء عن يوسف ﵇، وهذا من حفظ الله له: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ (٢). ومما يعين على سلوك الإخلاص أن يتصور المرءُ -وهو بَعْدُ في الدنيا - رقابةَ الله، ودقةَ الحساب يوم القيامة، وما أتعس العامل إذا وفد على الله بأعمال كثيرة، لكنها غير خالصة لله، فطرحت ثم طرح صاحبها في النار، وقيل لهؤلاء المرائين: اذهبوا إلى من كنتم تُراؤون في الدنيا فليشفعوا لكم .. وهناك يفرُّ المرء من أخيه، وأُمّه وأبيه، وصاحبته وبنيه، وأنّى له أن يلتفت إلى من كان يرائيه؟ هذا فضلًا عن أن المرائي قد ينكشف في الدنيا ويفضح حيًّا، قبل أن تكون

стр. 1616

الفضيحةُ الكبرى، فليحذر العقلاءُ من سوء العواقبِ عاجلًا أو آجلًا. عباد الله: ثمِّنوا الإخلاص في حياتكم، وقدِّروا من تتعاملون معه حقَّ قدره، فهو العالم بسرِّكم وجهركم، واعلموا أن الله لا ينظرُ إلى صوركم وأجسامكم، ولكن ينظرُ إلى قلوبكم، وأنه خلق السماواتِ والأرضَ، والموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسنُ عملًا. ومع الاجتهاد في كل وسيلة تبلغكم الإخلاص فعليكم بالدعاء، ولا تنسوا أن تقولوا: اللهم إني أعوذ بك من أن أشرك بك شيئًا أعلمه، وأستغفرك لما لا أعلمه. واسألوا ربكم قبول الأعمال، فإنما يتقبل الله من المتقين. جعلني الله وإياكم والمسلمين من الأتقياء، الأنقياء، الأخفياء. ومن عباد الله المخلصين، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

стр. 1617

(١) التفاؤل في زمن الشدائد (١) الخطبة الأولى: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى آله وإخوانه من الأنبياء، وارضَ اللهم عن أصحابه أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أوصيكم ونفسي -معاشر المسلمين - بتقوى الله، فهي وصية الله للأولين والآخرين: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ (٢). وبها أمر الله: ﴿يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ (٣). وفيها المخرج من الشدائد، والرزق من حيث لا يحتسب المرزوق: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ (٤). أيها المسلمون! في زمن الشدائدِ والمحن يُصاب بعض الناس باليأس والقنوط. وحين تتوالى ضرباتُ الأعداءِ على المسلمين وتكثر الخطوبُ المفزعة يُصاب بعضُ المسلمين بالإحباط والضعف، ولله في خلقه شؤون، والأيامُ يداولها بين

стр. 1618

الناس، وكما يُبتلى الناسُ بالسراء يبتليهم اللهُ كذلك بالضراء، ليستخرج عبوديتَهم في الحالتين، ويعلم -وهو العليمُ الخبيرُ - كيف يشكرون وكيف يصبرون. والمتأمل اليوم في واقع المسلمين؛ يرى ضعفًا وفُرقة، وذلةً ومسكنةً، وفتنًا ومصائب يتلو بعضُها بعضًا، وكلما تجرَّع المسلمون كؤوس بليةٍ، انبعثت لهم أخرى، وهكذا، وفي مقابل ذلك كلما أوشكت لهم راية أن ترتفع، وإذا بالسهام تُسدد نحوها، ضربٌ وتطويق وسلبٌ للثمار، وخطفٌ للنتائج دون المسلمين. هذا فضلًا عن غزو الأفكار، وحرب القيم عبر الفضائيات والقنوات، وفضلًا عن المشروع الأكبر في حصار العالم، وفي طليعتهم المسلمون في عقائدهم واقتصادهم وقيمهم -عبر مشاريع العولمة والنظام العالمي الجديد! عباد الله! وهذه المؤثراتُ كلُّها، وما ينضاف إليها من مِحَن وإحَنٍ وانحراف عن صراط الله المستقيم بين المسلمين أنفسهم، وشيوعٍ للنفاق، وكثرة المنافقين، وما يستتبعُ ذلك من محاولاتٍ للفساد والإفساد. هذه وتلك تشكّلُ ضغطًا على النفوس، وتضيق لها الصدور، وربما سببت اليأس والقنوط أو الضعف والإحباط عند بعض المسلمين. وهنا ترد الأسئلة التالية: ما مظاهرُ الإحباط والضعف؟ وكيف كان هدي المرسلين ﵈ في ظل هذه الظروف زمن الشدائد والكروب؟ ما هي أخطاؤنا في ظل هذه الظروف؟ وما المطلوبُ مَنّا حتى نخرج من هذه الأزمات؟ هل من نماذج تقوي عزائمنا -في ظروف المحن والكروب -؟ ما دور العلماء

стр. 1619

والدعاة؟ وما أثر المرجفين والمثبطين؟ ما هي الدروسُ والحكمُ في زمن الشدائد؟ وكيف تُستخرج عبودية الضراء لله رب العالمين؟ إلى غير ذلك من أسئلة قد تثور، وما أحوجنا إلى معرفتها والإجابة عنها. يا أخا الإسلام: حديثي إليك عن: التفاؤل في زمن الشدائد، ولكن الحديث عن هذا لا ينفك عن تقدمةٍ تشخِّص الداء وترشد للدواء. أيها المسلمون: أما مظاهرُ الإحباط فمنها ضعفٌ في السلوكيات وتراجعٌ في القيم، تبرز عند بعض المسلمين والمسلمات، وربما وصل الأمر إلى اهتزازٍ في القناعات والمسلَّمات -يقلُّ هذا الأثرُ أو يكثر على حسبِ قوةِ التأثرِ بالموجات الغازِيَة، وعلى حسب قوة اليقين أو ضعفه بما وعد اللهُ المتقين والفجار. ومن مظاهر الإحباط كذلك الانهزاميةُ والشعورُ بالنقص، وربما تطور الأمرُ إلى الإعجابِ والفتنةِ بالكفار والموالاة لهم. ومن مظاهر الإحباط القعودُ عن العمل المثمر، والضعفُ في الدعوة إلى الله، والشعورُ الخاطئ بأن منافذ الإسلام أُغلقت، وفرص الدعوة قد حُجّمت، وأخطرُ من ذلك أن تُمارس الدعوةُ بمناهجَ منحرفةٍ، وأساليب خاطئة، بها تُشوَّه صورةُ الإسلام، ويُحطَّم سياجُ الحلالِ والحرام! وتُخلِّف هذه الوسائلُ الخاطئةُ آثارًا سلبيةً على الدعوة والدعاة. عباد الله: أمَّا رسولُ الهدى والمرسلون من قبله -عليهم جميعًا أفضلُ الصلاة وأزكى التسليم - وأتباعُهم من المؤمنين -عليهم رضوان الله - فما وهنوا لما أصابهم في سبيل اللهِ، وما ضعفوا وما استكانوا ولا يئسوا ولا قنطوا من رحمةِ الله، بل كان الفألُ شعارهم والوعدُ بنصر الله حديثَهم، يتخطون بذلك ظروف الزمن الحاضرة، وينظرون بنورِ الله إلى نصرهِ في الأيام المستقبلة.

стр. 1620

أجل، أيُّ وضع كان يعيشه بنو إسرائيل في زمن فرعون! ومع ذلك قال لهم موسى واعدًا ومبشرًا: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١)، وحين اعترضوا عليه بالأذى الذي لحقهم، وكأنهم استبعدوا تَغيُّر حالهم -قال لهم نبيهم: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ (٢). وتحقق وعدُ الله وانتصر المُستضعَفون، وأهلك اللهُ الظالمين: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ (٣). وتأمل في قصةِ العنتِ والأذى، ورحلةِ الإضعافِ والاستذلال، ثم ما أعقبها من نصر وتمكين، يُخبر عنها الرحمن الرحيم، ويسوقها القرآنُ في بضع آياتٍ تسلية لمحمد ﷺ وأصحابه، وللمؤمنين من بعدهم، ويقول تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤) وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ (٤). وحين بُعث المصطفى ﷺ وأشرق نور الإسلام في مكة، لم يكن طريقهُ محفوفًا

стр. 1621

بالورود والرياحين، ولم تُسلمِ العربُ لمحمدٍ ﷺ -وهم أقرب الناس إليه - بل آذوه واتهموه، وأخرجوه وحاربوه، وعاش والمؤمنون الأوائلُ معه في مكة فترةً عصيبةً، واستشهد بعضهم تحت وطأةِ التعذيب، وفرَّ بعضُهم بدينه تاركًا أهله ووطنه وأمواله، وبقيت آثارُ التعذيب في أجسادِ بعضهم تحكي ظروف المحنة، وتُعتبرُ أصدق لسانٍ يُعبر عنها: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (١). ويكفي من ذلك أن تعلم ما رواه ابن سعدٍ في «طبقاته»، وابن ماجه في «سننه»: أن خباب بن الأرت ﵁ جاء يومًا إلى عمرَ ﵁ فأدناه من مجلسه وهو يقول له: لا أحدَ أحقَّ بهذا المجلسِ منك إلا عمار، فجعل خبابٌ يُري عمرَ آثارًا بظهره مما عذبه المشركون (٢). أما بلالُ بنُ رباح ﵁ فأخبارُه في البلاء والصبر أشهرُ من أن تذكر، ويكفي أن أبا بكر ﵁ حين جاء ليشتريه وجده مدفونًا بالحجارة، كما رواه ابن أبي شيبة وغيره بإسناد صحيح (٣). ومع هذه الشدائد والمحن التي مرت بالمسلمين كان رسولُ الله ﷺ واثقًا بنصر ربِّه، متفائلًا بنصرة دينه والمسلمين، حتى وإن لم يملك للمسلمين حينها حلًا عاجلًا لِمَا هُمْ فيه من بلاءٍ ومحن، ودونك حديث البخاري فتأمله واعقل ما فيه من شدةٍ وما يحمله من بشرى وتفاؤل ونهي عن الاستعجال في النتائج؛ يقول خبابٌ ﵁: شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسدٌ بردةً له في ظل الكعبة، قلنا له: ألا تستنصرُ لنا؟ ألا تدعو لنا؟ قال: «كان الرجلُ فيمن قبلَكُم يُحفر له في الأرض

стр. 1622

فيجعلُ فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه، فيشقُّ باثنتين وما يصدُّه ذلك عن دينهِ، ويُمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمهِ من عظمٍ أو عصب، وما يَصدُّه ذلك عن دينه، والله ليُتَمَّنَّ هذا الأمر حتى يسيرَ الراكبُ من صنعاءَ إلى حضر موتَ، لا يخاف إلا اللهَ، أو الذئبَ على غنمهِ، ولكنكم تستعجلون» (١). أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (٢). نفعني الله وإياكم بهدي كتابه.

стр. 1623

الخطبة الثانية: الحمد لله ربِّ العالمين، يُعزُّ من يشاء ويُذلُّ من يشاء، لا رادَّ لقضائه، ولا معقب لحُكمِه وهو سريعُ المحال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، وهو القوي العزيز، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. إخوة الإسلام: وحين نستقرئ نصوص السيرة النبوية نجد محمدًا ﷺ متفائلًا بكل حال، واعدًا أصحابه بالنصرِ والغلبة على الأعداء، حتى وإن لم تَلُحْ في الأفق بوادرُ نصر حينها، لكنه نور الله، والثقة بنصره، يراها رسولُ الله ﷺ خلف السدود والسنين، وهي جزءٌ من إطلاعه على غيب الله، وما نزل عليه في كتاب الله .. ألا تراه يُخبر ﷺ عن هزيمة مرتقبةٍ لقريش في بدر وهو بَعْدُ في مكة؟ وينزل عليه في أحد السور المكية ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ (١). قال الطبريُّ ﵀: والمرادُ هنا هزيمةُ جمعِ قريش، وقد أنجز اللهُ ذلك الوعدَ، فهُزم المشركون في بدر (٢). ويعلق ابنُ تيمية على ذلك بقوله: وهذا مما أنبأه اللهُ من الغيب في حال ضعفِ الإسلام واستبعاد عامةِ الناس ذلك، فكان كما أخبر (٣). ثم لا ينفك هذا الشعورُ المتفائلُ عند رسول الله ﷺ ، حتى وأهلُ مكة يخرجونه وأهلُ الطائفِ يؤذونه، وفي «طبقات ابن سعدٍ»: أن النبي ﷺ لما عاد من

стр. 1624

الطائف أقام بنخلةَ أيامًا، فقال له زيدُ بنُ حارثة ﵁: كيف تدخل عليهم وهم قد أخرجوك؟ فقال: «يا زيد إن الله جاعلٌ لما ترى فرجًا ومخرجًا، وإن الله مظهرُ دينه وناصرُ نبيِّهُ .. » (١). ويستمر هذا الشعورُ الواثقُ بنصر اللهِ ومعيَّته، وأقدامُ المشركين تطأ فم الغار الذي يختبئ فيه وصاحبهُ، وحين قال أبو بكر: يا نبي الله! والله لو أن أحدهم أبصر موطن قدمه لرآنا، أجابه الرسولُ ﷺ بكل ثقة: «يا أبا بكر ما ظنُّكَ باثنين اللهُ ثالثُهما»؟ ! ، وصدق الله: ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (٢). وفي طريق الهجرة وقريشٌ تلاحق محمدًا ﷺ وتضع الجوائز لمن يجيء به، يُدرك سراقةُ رسولَ الله ﷺ ، ويقول أبو بكر: قد لحقنا يا رسولَ الله! فيقولُ لأبي بكر -مرة أخرى -: «لا تحزن إن الله معنا» (٣). فإن قلتَ -يا أخا الإسلام -: ذاك رسولُ الله المؤيدُ بوحيه والمُطلع على غيبه! قيل لك: ذاك حقٌ .. ولكنا مكلفون بالاقتداءِ به: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (٤). وحفظُ اللهِ ومعيتُه، والثقة بنصرهِ، وتمامُ التوكل عليه، ليست خاصة بالمرسلين: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ (٥).

стр. 1625

﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ (١). ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (٢). ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣). عباد الله: تلك وأمثالها من النصوص والمواقف نعلمها جميعًا، ويكاد يكون إيمانُنا بها متساويًا في حال الرخاء -لكن التفاوت حاصلٌ في حال الكروب والضراء، فمن الناس من لا تزيده المحنُ والنوازل إلا قوة في معتقده وتماسكًا في أخلاقه وثباتًا على الحق، ودعوةً للخلق، ومن الناس من يهلع ويجزع، ويخور ويضعف، ينحرف في سلوكياته، وتهتز قناعاته، وتحيط به الظنون السيئة بربه ودينه! بل ربما تشكك في الوعدِ الحقِّ الواردِ في كتاب ربِّه لنصرِ المؤمنين وكون العاقبةِ للمتقين، أو ربما ظن أن هذه الوعودَ للمؤمنين في الآخرة دون الدنيا، أو توهم أن النصوص الواردة لأمم سلفت، أما من بلغ بهم الفسادُ مبلغه، وبلغ بهم من الفرقةِ والضعف ما بلغ، فصعبٌ أن ينتصروا، ومستحيلٌ أن يجتمعوا في ظنه. وتلك واحدةٌ من أخطائنا في حال الشدائد والضراء. أما الأخرى من أخطائنا -في ظل تلك الظروف - هي أننا ربما أحسَنَّا الظنَّ بأنفسنا أكثرَ مما ينبغي، ولربما أسأنا الأدب مع ربنا. ولربما تساءل بعضنا: ولماذا لا ننتصر ونحن المسلمون؟ ولماذا تكون الغلبةُ لغيرنا وهم الكافرون؟ وفي ذلك تزكيةٌ للنفس، وغفلةٌ عن الأخطاء، وإصلاح للعيوب؟ ولن يتمَّ لنا النصرُ والتغييرُ حتى نغيِّرَ ما بأنفسنا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ

стр. 1626

حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (١). أما غير المسلمين فقد أخبر الله أنهم حين ينسون ما يذكرون به يفتح الله عليهم أبواب كل شيء، ولكن العاقبة وخيمة، والأخذ بغتة: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ﴾ (٢). ومن أخطائنا -زمن الشدائد - أننا تأسرنا اللحظة الحاضرة، دون أن نتطلع إلى مستقبل مشرق للإسلام والمسلمين، وهذا الشعور الخاطئ ضعفُ ثقةٍ بربِّنا، وعجزٌ عن قراءة تاريخ أسلافنا، وعدمُ إدراك لسنن الله في الكون ومداولة الأيام بين الناس، والمصيبة إذا قادنا هذا الشعورُ الخاطئ إلى القعود والكسل والهزيمة والاستسلام للواقع السيّئ دون محاولة للإصلاح والتغيير. وحين نقول: ينبغي ألا تأسرنا اللحظة الحاضرة .. نستشهد بأحداث السيرة، فليس بين أحداث الهجرة ومطاردة الرسول والمؤمنين معه وبين فرقان بدر إلا سنتان. وليس بين معركة الأحزاب، التي ابتلي فيها المؤمنون وزلزلوا زلزالًا شديدًا، وبين فتح مكة، التي انتشر فيها الإسلام وتحطمت قريش وكبرياؤها -إلا ثلاث سنوات. واقرأوا التاريخ الماضي والحاضر وستجدون أن الفرق بين زمن الهزيمة والنصر قد يكون محدودًا. ويقابل هذا الخطأ خطأٌ آخر، لا يختلف عن سابقه، بل قد تكون نتائجه أسوأ؛ وذلك حين نستعجل الخُطا، ونظن أننا نتجاوز مراحل الزمن دون عمل مدروس، ثم يحصل التهور في اتخاذ الوسائل للوصول إلى الهدف .. وإذا كان أصحاب الخطأ الأول يحبطون أنفسهم بأنفسهم، فأصحاب الخطأ الثاني يصطدمون بالواقع

стр. 1627

ثم يحطمون أنفسهم، وربما طال غيرَهم شيء من نتائج استعجالهم. والوسطية في ذلك تقضي أن نظل نعمل لديننا متفائلين جادين، لا تأسرنا اللحظة الحاضرة، ولا نستعجل الخطا، ولا ننس سنن الله في كونه، فإن تحقق الخير على أيدينا وعزّ الإسلام في حياتنا فذاك نورٌ على نور أو تحقق ذلك على أيدي أبنائنا من بعدنا فحسبنا أن لنا سهمًا في هذا النصر محفوظ أجرُه عند رَبِّنا، وحسبنا أن يتوفانا الله ونحن مستمسكون بشرعه داعون إلى دينه، ولقد قيل لمن هو خيرٌ منا: «إن عليك إلا البلاغ». وقال من هو خيرٌ منا ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ﴾ (١).

стр. 1628

(٢) التفاؤل في زمن الشدائد (١) الخطبة الأولى: الحمد لله ربِّ العالمين، أمر بالصبر عند البلاء، والشكر حين السراء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحد لا شريك له، يثبت الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، توعَّد قريشًا بالذّبح وهو محاصرٌ في مكة حين قال: «أتسمعون يا معشر قريش، أمَا والذي نفسي بيدهِ لقد جئتكم بالذّبح» (٢) فصدق الوعدُ، وقطع دابرُ المشركين -وإن فصل الزمانُ بين الوعد والإنجاز. اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارض اللهم عن أصحابه أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٣). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (٤). عباد الله: هذا حديثٌ متممٌ للحديث قبله عن (التفاؤل في زمن الشدائد). وقد سبق بيان هدي المرسلين ﵈ لقومهم ووعدهم لهم بالنصر وهم في الضيق

стр. 1629

والكُربات، وكيف تحقق وعدُ الله وانتصر المُستضعفون، كما سبق بيانُ شيءٍ من الأخطاءِ التي قد تلازم بعض الناس في حال ضعف الإيمان واليقين، وغلبة الكافرين، وشيوع الفساد وكثرة المفسدين، وشيء من مظاهر الإحباط والضعف عند فئامٍ من المسلمين. أيها المسلمون: إن من العيوب والأخطاء أن يخطئَ المرءُ ولا يدرك خطأه، بل يظل يُزكّي نفسه ويستغرب لماذا يبطئُ النصر، وإليكم نموذجًا من أخطائنا يقررها ابن القيم ﵀ في «إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان» (١)، يقول: إن العبد كثيرًا ما يترك واجباتٍ لا يعلمُ بها ولا بوجوبها، فيكون مقصِّرًا، في العلم، وكثيرًا ما يتركها بعد العلم بوجوبها إما كسلًا أو تهاونًا، وإما لنوع تأويلٍ باطل، أو تقليد، أو لظنه أنه مشتغلٌ بما هو أوجب منها، أو لغير ذلك، فواجبات القلوب أشدُّ وجوبًا من واجبات الأبدان، وآكدُ منها، وكأنها ليست من واجبات الدين عند كثيرٍ من الناس. اهـ. إخوة الإيمان: والمطلوب مِنّا -في كل حال - ولا سيما في زمن الشدائد والكروب -أن نفتش عن عيوبنا، ونعالج أخطاءنا، ونصدق الله في التماس أسباب النصر، وأن نملأ قلوبنا من الثقة بنصره، وعلوِّ دينهِ، وأن نُخلصَ في ولائنا لله، ونجرد الاستعانة بالله وحده بعد تجريد العبودية له، تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٢)، كيف نتخذ من دون الله ورسوله والمؤمنين وليجة (أي: بطانةً ودخيلة) (٣)؟ والله يقول: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ

стр. 1630

جَاهَدُوا مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (١). وكيف نطلب النصر من غير الله؟ والله يقول: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (٢). وكيف نزكي أنفسنا؟ والله يقول: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ (٣). عباد الله: لا بدَّ قبل أن ننتصر على الأعداء أن ننتصر على أنفسنا، والانتصار على النفس بحملها على طاعة الله، والبعد بها عن ما حرم الله. وهذه مرتبة من الجهاد تُبتلى بها النفوس وتمتحن بها الهمم، وقد يضعف فيها كثيرٌ من الناس، وتراهم ينشغلون بالعدو الخارجي أكثر من انشغالهم بالعدو الداخلي، وذلك لتسلية أنفسهم وتبرير أخطائهم، وكان من وصية أسلافنا لقادة الجهاد أن ذنوب الجيش أشد عليهم من أعدائهم. إن تربية النفوس على الانتصار لشرع الله ودينه، ومجاهدة النفس على التعلق بمعالي الأمور، وترك السفاسف والفواحش هو طريق وسبب لنصر الله، والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (٤). يا أخا الإيمان: إن هذه المعاني التي نحتاجها في كل حين، لا سيما في وقت الشدائد؛ من الإيمان واليقين والتسليم وصدق الولاء والصبر والتضرع لله وحسن المجاهدة، وتهذيب النفوس وتصفيتها من الشوائب، وتجريد الاستعانة والعبودية لله، والنظر في الأخطاء وإصلاحِ العيوب، والعمل بجدًّ لتجاوز النفق المظلم بروية

стр. 1631

وتخطيط وإنجاز وإنتاج دون ملل أو كلل، حتى يأتي نصرُ الله أو نهلك في سبيله -كل ذلك مارسه المؤمنون السابقون وتركوا لنا نماذج تُسلي وتُؤنس، وتقوي الهمم وتشحذُ العزائم. وإليك نماذج من الشدّة والبأساء وقعت لخير القرون: لقد زُلزل المؤمنون في غزوة الأحزاب زلزالًا شديدًا وبلغت القلوب الحناجر، وزاغت الأبصار، كما قال ربُّنا: ﴿إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ (١). وكيف لا يقع ذلك والمدينة لأول مرة في تاريخ الإسلام يطوقها ما يقرب من عشرة آلاف من قريش وأحلافها والمتحزبين معها، واليهود ينقضون عهدهم في المدينة، والمنافقون من داخل الصّف يرجفون بالمسلمين ويظنون بالله الظنونا؟ ! ومع ذلك كلِّه صدق المسلمون مع ربِّهم وجلى اللهُ موقفهم بقوله: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ (٢). ومن قبل وقع أُحد من الشدة والبلاء على الرسول والمؤمنين ما الله به عليم. وفي قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (٣). أخرج البخاري في «صحيحه» عن أنس ﵁ قال: غاب عمي أنسُ بن النَّضْرِ عن قتال بدر، فقال: يا رسول الله، غبتُ عن أولِ قتالٍ قاتلت المشركين، لئن اللهُ

стр. 1632

أشهدني قتال المشركين ليَرَينَّ اللهُ ما أصنع، فلما كان يومُ أحدٍ وانكشف المسلمون قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء -يعني أصحابه - وأبرأُ إليك مما صنع هؤلاء -يعني المشركين - ثم تقدم فاستقبله سعدُ بنُ معاذ فقال: يا سعد بنَ معاذ! الجنةَ وربِّ النَّضْر إني أجدُ ريحها من دون أُحد، قال سعدٌ: فما استطعتُ يا رسول الله ما صنع (١)، قال أنسٌ: فوجدنا به بضعًا وثمانين ضربةً بسيف، أو طعنةً برمح، أو رميةً بسهم، ووجدناه قد قتل وقد مثَّل به المشركون، فما عرفه أحدٌ إلا أختُه ببنانه، قال أنس: كُنَّا نرى -أو نظن - أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ (٢) إلى آخر الآية (٣). إخوة الإسلام: وفي ظل ظروف المِحَنِ واللأُواء والشدائد يظهر دور العلماء، وتحتاج الأمة إلى أصوات المستيقنين المثبتين لقلوب الناس، والواعدين بنصر الله وفق سنن الله وعوامل النصر المشروعة. أجل لقد مرت الأمةُ المسلمةُ بعواصفِ الردةِ، فكان أبو بكر لها. وطوفانِ المحنة فكان ابنُ حنبلٍ جبلها، ثم طارت في الأمة تيارات المذهبية والآراء والنحل الفاسدة، فتصدى العلماء لها وكشفوا عن زيفها وفساد معتقد أصحابها، وربما حملوا السلاح لمجاهدة أصحابها، ثم انساح الصليبيون في بلاد المسلمين واستولوا على مقدساتهم، وبرغم الهزائم التي لحقت بهم، فلم تلحق الهزيمة قلوبهم، ولم تتخلخل قناعاتهم، هزموا في ميدان المعركة، لكنهم لم ينهزموا في

стр. 1633

القيم، كانت هزيمتهم حسّية ولم تكن معنوية، حتى إذا جاء صلاح الدين الأيوبي وَمَنْ قبله من القادة الصالحين، وجمع شملهم ووحد صفوفهم، وجد عندهم من القوة والعزيمة على الجهاد ما شجّع القادة على دحر الصليبين وإخراجهم من بلاد المسلمين خاسئين، ثم ابتليت الأمة بغزو التتر، وبلغ الكربُ بالمسلمين مبلغه، حتى قال أحدُ المؤرخين المعاصرين لها: «فلو قال قائل: إن العالم منذ خلق الله آدم، وإلى الآن لم يبتلوا بمثلها؛ لكان صادقًا، فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها ولا ما يدانيها» (١). وكما وصف ابن الأثير طرفًا من أحداثها، فقد وصف شيخ الإسلام طرفًا آخر يشير إلى أن أحداث التتر في بلاد الشام وما حولها: «طبق الخافقين خبرُها، واستطار في جميع ديار الإسلام شررها، وأطلع فيها النفاقُ ناصية رأسه، وكشَّر فيها الكفرُ عن أنيابه وأضراسه، وكاد فيها عمودُ الكتاب أن يجتَثَّ ويخترم، وحبلُ الإيمان أن ينقطع ويصطلم .. وفيها فرّ الرجل من أخيه وأمه وأبيه، إذا كان لكل امرئٍ منهم شأن يغنيه .. » إلى آخر ما جاء في وصف أحوال المسلمين في هذه الفترة العصيبة (٢). ومع ذلك برز العلماء يُهدّئون ويسكنون الناس ويثبتونهم ويعدونهم ويبشرونهم بالنصر .. وكان لشيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك قدحٌ معلّى .. حتى كشف الله الغمة عن المسلمين، بعد أن تحزَّبَ الناسُ وانقسموا إلى ثلاثة أحزاب: حزبٍ مجتهدٍ في نصر الدين، وحزبٍ خاذلٍ له، وآخر خارجٍ عن شريعة الإسلام. عباد الله: ولم تكن فتنة التتر آخر البلايا والمحن على المسلمين، بل وافتهم

стр. 1634

بعدها محنٌ وخطوب واستعمارٌ وحروب، ولا تزال المؤمرات وأساليب الغزو والتدمير ماضية. وحربُ الأعداء للمسلمين اليوم استمرارٌ لحروبهم بالأمس .. وعلى مسلمي اليوم أن يقرؤوا تاريخ أسلافهم، ويستفيدوا من تجاربهم، ويتعرفوا على طبيعة أعدائهم، ويتمعنوا في قول ربهم: ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (١). نفعني الله وإياكم.

стр. 1635

الخطبة الثانية: الحمد لله القوي العزيز، ذي القوة المكين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له جنودُ السماوات والأرض - ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ (١) ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ (٢)، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولهُ، نصره ربُّه بعد أن آذاه المشركون والمنافقون، ووعد أمته بالنصرِ، وخصَّ الطائفة المنصورة بالظهور على الحقِّ إلى يوم القيامة فقال: «لا تزالُ طائفةٌ من أمتي قائمةً بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتي يأتي أمرُ الله وهم ظاهرون على الناس» (٣). اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. أيها المسلمون: وإذا كان أثرُ العلماء الربانيين ظاهرًا في تسكين الناس وتثبيتهم على الحق حين الشدائد، وفتح الآفاق لهم للعمل والدعوة والإنتاج، فثمة مرجفون يشككون الناس في عقائدهم، ويروجون للباطل بأقوالهم وكتاباتهم وأعمالهم، يسهمون في هدم القيم، ولا يأنفون من إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا، يسخرون بالدِّين، ويلمزون المطوعين من المؤمنين، وهم حريصون على تغريب المسلمين وتحطيم حواجز الولاء والبراء مع الكافرين، إلى غير ذلك من مناحي الفساد والمساهمة في إحباط الأمة وتخاذلها على مستوى الرجل والمرأة والشاب والكهل والغني والفقير. وهؤلاء المرجفون المفسدون يجدون في فرص ضعف الأمة وتكالب الأعداء

стр. 1636

عليها وغياب الصوت القوي الفاضح لخُبثهم فرصةً لترويج باطلهم، وفي ظل هذه الظروف الحرجة كذلك يجدون من يسمع لهم ويتأثر بهم، إذ في فترات ضعف المسلمين يروجُ الفساد ويتنمّر المبطلون وتضعفُ مناعةُ رفض الفساد، إلا من رحم الله وعصم وثبت وقاوم، وميّز بين دعاة الحق ودعاة الباطل. إخوة الإيمان: وحين نعي المطلوب منا في أوقات الشدائد، وعَلِمْنا نماذج من الكروب التي مرت بأسلافنا، وكيف تجاوزوها، ووقفنا على نماذج من مواقف أهل العلم واليقين في تسلية المسلمين وشدِّ أزرهم، ويقابلهم أهلُ الإرجافِ والريب ومن في قلوبهم مرض. بقي أن نقف على شيء من دروس أزمنة الشدائد، ولن نستفيد من الشدائد والنوازل الواقعة حتى نأخذ العبرة لحاضرنا ومستقبلنا. إن من أبرز الدروس أن فترات الضعف والكروب هذه يتميز فيها الصادقون من الكاذبين كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (١). وفي الشدائد يتميز الخبيث من الطيب ﴿مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ (٢). أجل، إن الانتساب للإسلام سهلٌ في أوقاتِ الرخاء .. لكنه ليس كذلك في أوقات الضراء .. وكثيرون هم الذين يعدُّون أنفسهم مع المسلمين الملتزمين في حال المغانم، ولكنهم قلةٌ حين تكون المغارم.

стр. 1637

ومن دروس المحنة والشدائد استخراج عبودية الضراء، والتضرع لله بكشف النوازل، فهل رفعنا أكفَّ الضراعة لله صادقين خاشعين؟ وهل بكت منَّا العيون لما حلَّ ويحل بالمسلمين؟ لقد جاء في كتاب ربِّنا ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١). وفيه أيضًا: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ (٢). إن التضرع لله افتقارٌ إليه ومسكنة وإيمانٌ بإنه وحده الكاشفُ للضراء، ويقين بقدرته على رفع البلاء، أما الذين تقسو قلوبُهم ويزيد انحرافُهم -حين الشدائد - فما استفادوا من دروس المحن، وما عقلوا حكمة الله في فتنةِ البلاء! ومن دروس الشدائد أنها كاشفاتٌ لأصحابِ النفوس الكبيرة، الذين لا تزيدهم الشدائد إلا صبرًا ويقينًا، أولئك يواجهون الشدة بالحزم والعزم والتفكير الإيجابي للخروج من المأزق. كما أنها كاشفاتٌ لضعافِ النفوس، الذين تهزهم حادثاتُ الزمن وإن صَغُرت، وتؤثر فيهم الصيحاتُ المريبةُ، وإن عُلمَ الخبثُ فيها وفيمن وراءها! ومن دروس الشدائد استخراج ما في النفوس من بطرٍ وأشر وكبرياء لو استمر لها النصرُ، وعاشت دائمًا في السراء، وتكتمل عبوديةُ المسلم لله في حال السراء والضراء، وفي حال العافية والبلاء، وفي صحيح السنة: «عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير؛ إن أصابته سراءُ شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراءُ صبر فكان خيرًا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن».

стр. 1638

فهل يحقق المسلمُ عبوديته لله في كل حال؟ أم تراه يجزعُ إن مسه الشرُّ ويهلعُ إن مسه الخير؟ وما تلك سماتُ المؤمنين المصدقين. إخوة الإيمان! يا من أفاء اللهُ عليهم بنعمة الأمن والإيمان ارعوا ما أنتم فيه من نعمة، قيدوها بالشكر، وخذوا على أيدي السفهاء، وأطروهم على الحقِّ أطرًا، ولا ينِسكم ما أنتم فيه من نعمة ما يعيشه بعضُ إخوانكم المسلمين من بلاءٍ ومحنة، فالمؤمنون إخوة، والمسلم للمسلم كالبنيان يشدُّ بعضه بعضًا، وتذكروا أنه ما يمسُّ أحدًا من المسلمين من بلاءٍ وشدة إنما هو بلاءٌ وشدةٌ على المسلمين كلهم، وما يحقّقه الله من نصرٍ لأحدٍ من المسلمين فإنما هو نصرٌ للمسلمين كلِّهم، فالأعداء جميعًا إنما يقاتلون المسلمين من أجل هذا الدين، وصدق الله: ﴿إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ (١). ومن الذلة والهوان أن يتخلف المسلمون عن نصرة إخوانهم المسلمين على حين يتنادى الكافرون من كل حدب للدفاع عن أبناء ملتهم، بل ولأهل الكفار جميعًا وإن اختلفت دياناتُهم، أما المسلمون المستضعفون فيظلون يستصرخون، وربما بُحت حناجرُهم أو انقطعت أنفاسهم، بل أزهقت أرواحهم وطردوا من بلادهم واستبيحت نساؤهم، ولم تحرك صيحاتُ النساء الأيامى وأنّات الأطفال اليتامى، وبرك الدماء، وتناثر الجثث والقتلى، كل ذلك لا يحرك ساكنًا في المسلمين، ويظل الصمتُ الرهيب يخيم عليهم حتى بلغت القلوب -من المسلمين - الحناجر وزلزلوا زلزالًا شديدًا، وها هم مسلمو الشيشان يوجهون النداء لأمة المليار مسلم ويقولون: لقد حمي الوطيس وبلغت القلوب الحناجر، واشتد الأمر، وتكالب

стр. 1639

العدو، وتواطأ الكفار علينا من كل جانب؛ الطائرات تقصف بأنواع القذائف المدمرة، والراجمات تقذف بأنواع الصواريخ، والجليد يطاول الجبال، حتى ذكرنا حال إخواننا، ثم يقولون: أيتها الأمة ألا يوجد فينا من لو أقسم على الله لأبره، ألا يوجد فينا من يرفع أكفَّ الضراعة لله فيستجيب له .. ثم يختمون نداءهم بالقول: أيتها الأمة المسلمة لا تنسونا من دعائكم ودعمكم، فإنما يأتي الفرج بعد الشدة (١). اللهم وفقنا لهداك وثبتنا على شرعك، واجعلنا هداة مهتدين وهيّئ لأمّتنا أمرًا رشدًا يُعَزُّ فيه أهل الطاعة.

стр. 1640

هكذا الدنيا ونهاية العام وتذكير بموت العظماء (١) الخطبة الأولى: الحمد لله رب العالمين، جعل الليل والنهار خِلْفةً لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسنُ عملًا وهو العزيز الغفور، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ضرب مثلًا للمؤمن والفاجر في البلاء في الدنيا ونوعية النهاية -فقال: «مثلُ المؤمن كمثل خامة الزرع من حيثُ أتتها الريحُ كفأتها، فإذا سكنت اعتدلت، وكذلك المؤمنُ يُكفأ بالبلاء، ومثلُ الفاجرِ كالأرزةِ صماء معتدلة حتى يقصمها الله تعالى إذا شاء» (٢). اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلِّم تسليمًا كثيرًا. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٣). ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ (٤).

стр. 1641

عباد الله: ونحن في هذه الدار مبتلون، نَظنُّ بها الإقامة ونحن مسافرون، ويُخيل لنا -أحيانا - طولُ البقاء ونحنُ عن قريبٍ مرتحلون، تُداهمنا الخُطوب، وتتوالى علينا النُّذر، وتُدركنا الأقدارُ، ولا مفرَّ من الموت والنهاية، ولو كنتم في بروج مشيدة. والمتأمل في أحوال الدنيا وأهلها لا يكاد يرى يمنةً إلا ويبصر محنةً، فإذا عطف عن يساره أبصر حسرة، ولو فَتَّشت العالمَ كلَّه لم تر فيهم إلا مُبتلىً، إما بفواتِ محبوبٍ، أو حصولِ مكروهٍ، وفي كلِّ وادٍ بنو سعدٍ -كما قيل -. الدنيا أحلامُ نومٍ، وظلّ زائل، إن أضحكت قليلًا أبكت كثيرًا، وإن سرّت يومًا ساءت دهرًا، وإن متَّعت قليلًا منعت كثيرًا، وما ملأت دارًا خيرةً إلا ملأتها عَبْرةً، ولا سرته بيوم سرور إلا خبأت له يوم شرور. قال ابنُ مسعودٍ ﵁: لكل فرحةٍ ترحة، وما مُلئ بيتٌ فَرَحًا إلا مُلئ ترحًا. وقالت هندُ بنتُ النعمان: لقد رأيتُنا ونحن من أعزِّ الناس وأشدهم مُلكًا، ثم لم تَغِبِ الشمسُ حتى رأيتُنا ونحن أقلُّ الناس، وإنه حقٌ على الله ألا يملأ دارًا خيرة إلا ملأها عَبْرة. وسألها رجلٌ أن تحدثه عن أمرها فقالت: أصبحنا ذا صباح وما في العربِ أحدٌ إلا يرجونا، ثم أمسينا وما في العرب أحدٌ إلا يرحمنا (١). تلكُم معاشر المسلمين طبيعةُ الدنيا؛ غدّارة مكَّارة، لا يؤمن جانُبها، ولا ينخدع العقلاءُ بغرورها وأمانيها. خطب الإمامُ الأوزاعي ﵀ ووعظ الناس يومًا؛ فقال: أيها الناس: تقوَّوا بهذه

стр. 1642

النعم، التي أصبحتم فيها، على الهرب من نار الله الموقدة التي تطّلع على الأفئدة، فإنكم في دارٍ، الثواءُ فيها قليل، وأنتم مرتحلون، وخلائفُ بعد القرون، الذين استقالوا من الدنيا زهرتها، كانوا أطولَ منكم أعمارًا، وأجدَّ أجسامًا، وأعظم آثارًا، فجدَّدوا الجبالَ وجابوا الصخورَ، ونقَّبوا في البلاد، مُؤَيَّدين ببطش شديد، وأجسامٍ كالعماد، فما لبثت الأيامُ والليالي أن طوَتْ مدتهم، وعفت آثارَهم، وأخْوت منازلهم، وأنست ذِكرَهم، فما تُحِسُّ منهم من أحدٍ، ولا تسمعُ لهم ركزًا، كانوا بِلَهْوِ الأمل آمنين، ولميقات يوم غافلين ... إلى أن قال: وأصبحتم أنتم في أجل منقوص، ودنيا مقبوضة، في زمان قد ولّى عفوُه، وذهب رخاؤه، فلم يبق منه إلا حُمَةُ شرٍّ، وصُبَابةُ كَدَرٍ، وأهاويلُ غِير، وأرسالُ فتنٍ، ورذالةُ خلف (١). إذا كان هذا ما يحدث به الأوزاعي أهل زمانه -وهم في القرن الثاني الهجري - فماذا تراه سيُحدث أو يحدثُ غيره عن الناس في القرن الخامس عشر؟ وقد تلاطمت أمواج الفتن، وانتشرت البلايا، وراج سوقُ الغفلة، وأُصيب الناسُ بالذلِ والتبعية، وطاشت أسهمُ الدنيا، وخفّ ميزانُ الآخرة .. إلا من رحم اللهُ، ولو خلت لانقلبت. أيها المسلمُ والمسلمة: وإذا عرفت طبيعةَ الدنيا وتقَلُّبها، فلا تعتقد أن البلاء إذا نزل بك إهانة، والمُصَاب جريمة، بل قد يكون هذا وذاك كرامة ونعمة، وأنت ممتحن بالصبر أو الجزع. يقول ابنُ تيمية ﵀: فمن ابتلاه اللهُ بالمُرِّ، بالبأساء والضراء وقدر عليه رزقه، فليس ذلك إهانةٌ له، بل هو ابتلاء وامتحان، فإن أطاع الله في ذلك كان سعيدًا،

стр. 1643

وإن عصاه في ذلك كان شقيًا، كما كان ذلك سببًا لسعادة الأنبياء، وشقاوة الكفار والفجار (١). وتأمل قوله كذلك: مُصيبة تقبل بها على الله، خيرٌ لك من نعمة تنسيك ذكر الله (٢). ويقول ابن المعتز ﵀: الحوادث الممضَّةُ مكسبةٌ لحظوظٍ جزيلة، منها: ثوابٌ مُدّخر، وتطهيرٌ من ذنب، وتنبيه من غفلة، وتعريفٌ بقَدْرِ النعمة، وعون على مقارعة الدهر (٣). أرأيت كيف تتحول المصيبة أحيانًا إلى نعمة؟ قال الشاعر: قد يُنْعِم اللهُ بالبلوى وإن عظمتْ ويبتلي اللهُ بعض القومِ بالنِّعَمِ يا عبد الله: لا يتعاظمْ فرحُك لنعمةٍ نزلت بك، فقد يكون فيها ما ينغص عليك عيشك فيما بعد، ولا تحزنْ لبلية ابتلاك الله بها، فقد تكون من أسباب سعادتك، ولا تغترَّ أو تحسد صاحب نعمة أنت تراها كذلك، وقد تكون عنده بخلاف نظرتك. ومن عيون الحكم: ربَّ محسودٍ على رخاءٍ هو شقاؤه، ومرحومٍ من سُقمٍ هو شفاؤه، ومغبوط بنعمة هي بلاؤه (٤). قال الشاعر: تجري الأمورُ على حُكمِ القضاء وفي ... طيِّ الحوادثِ محبوبٌ ومكروهُ وربما سرّني ما كنتُ أحذرُه ... وربّما ساءني ما بِتُّ أرجوهُ

стр. 1644

يا ابن الإسلام: هل تظن بربك -حين يبتليك - الظلم؟ ! وبعدله قامت السماوات، وهل يَرد بخاطرك -حين يقدر عليك رزقك - البخلُ؟ ! وهو الجوادُ الكريم. اسمع ما قاله العارفون في حكم البلايا: قال ابن القيم ﵀: من تمام رحمة أرحم الراحمين تسليطُ أنواعِ البلاءِ على العبد، فإنه أعلمُ بمصلحته، فابتلاؤه له وامتحانُه ومنعُه من كثير من أغراضه وشهواتهِ من رحمتهِ به، ولكن العبد لجهله وظلمه يتَّهم ربَّه بابتلائه، ولا يعلم إحسانَه إليه بابتلائه وامتحانه، فهذا من تمام رحمته به، لا من بخله عليه، كيف؟ وهو الجوادُ الماجد الذي له الجودُ كلُّه، وجودُ جميع الخلائق في جنب جودِه أقلُّ من ذرَّة في جبال الدنيا ورمالها، ومن رحمته سبحانه بعباده أنْ نغّص عليهم الدنيا لئلا يسكنوا إليها ولا يطمئنوا إليها، ويرغبوا في النَّعيم المقيم في داره وجواره، فساقهم إلى ذلك بسياط الابتلاء والامتحان، فمنعهم ليعطيهم، وابتلاهم ليعافيهم، وأماتهم ليحييهم (١). أيها المسلمون: وما يزال البلاءُ بالمسلم أو المسلمة حتى يدعه يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة. وإذا كان الموتُ من المصائب وداعيًا للحزن والألم، فالعين به تدمع، والقلبُ يحزن، والرحمات تنهمر لها العبرات .. فقد يكونُ في الموت راحةٌ للميت، وقد يبدأ من الموت أنسُ الميت وراحته وسعادته، فمن أحبَّ لقاء الله أحبَّ الله لقاءَه، والمؤمن بالموت ينتقل من ضيق الدنيا وكدرها إلى سعةِ الآخرة وحبورها، وكم يغبط الناس عظماء الرجال لموتهم حين يموتون معظمين لكتاب الله مستمسكين بسنّته، داعين الناس للخير ومحذرين من الشر، ينشرون العلم النافع، ويدعون الخلق للعمل الصالح، أولئك نجوم تفتقدهم الأمة، ويحزن

стр. 1645

الناسُ لموتهم، ويتسابقون لتشييع جنائزهم، يتدافعون بالمناكب ويطأ بعضهم أعقاب بعض، ونرجو أن تكون تلك عاجل البشرى لهم، وأن يعوّض المسلمين بفقدهم خيرًا. إن العالِم العامل والمجاهد الصادق لا يموت ذكره بين الناس وإن رحل عن الحياة الدنيا -فلا يزال الناس يعددون مناقبه، ويحيون ذكره، ويترحمون على فقده. فرق بين من يُذكر بخير وإن رحل، ومن يُنسى وهو بعدُ حيٌّ، أو يستبشر الناسُ لهلاكه، وإن الناس قد يُجاملون شخصًا في الحياة الدنيا ابتغاء نوله أو اتّقاء فحشه .. ولكن الموعد يوم الجنائز، فأيُّ شيء يبتغيه المشيِّع لجثة هامدة لا تملك لنفسها شيئًا؟ ! وأنّى لها أن تنفع الآخرين؟ ! لكنها المحبة والتقدير، والتعبيرُ عن حقِّ هذا العالم أو ذاك أو ذاك المجاهد المصلح، ولا تزال الأمة بخير ما بقيت تقدر الرجال وتشيدُ بمكانتهم، وتقدر جهادهم، وتثمِّن جهودهم. أيها المسلمون: إن في مشاهد الجنائز المشهودة للعلماء أو العظماء من الرجال والنساء تذكيرًا للأحياء بقيمة الجهاد في الحياة الدنيا، وتحريكًا للهمم لعمل الصالحات، وبذل الخير، وإسداء النصح، ودعوة الخلق لما يحييهم -فتلك وأمثالها من أعمال صالحة هي باعثات القبول والمحبة بين الناس. والناس شهود الله في أرضه، وهم شافعون ومُشفَّعون لمن حضروا جنازته -كما قال ﵊: «ما من ميت يُصلي عليه أمةٌ من المسلمين، يبلغون أن يكونوا مئة -فيشفعون له إلا شُفعوا فيه» رواه أحمد ومسلم والنسائي (١). اللهم اغفر لجميع موتى المسلمين، اللهم ارفع درجتهم في المهديين، واخلفهم

стр. 1646

في عقبهم في الغابرين، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم، واغفر اللهم لنا ولهم يا رب العالمين. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (١).

стр. 1647

الخطبة الثانية: الحمد لله المتفرد بالجلال والبقاء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ما من غائبة في السماء والأرض إلا عنده في كتاب مبين، يقضي بالحق، ويحكم بالعدل، وهو الحكيم الخبير، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اختار لقاء ربِّه على البقاءِ وزينة الحياة الدنيا، والآخرةُ عند ربِّك للمتقين، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. عباد الله: ونحن في هذه الأيام نقف على نهاية عام هجري وبداية عام جديد، تُرى كم خَلَّفنا من أفراحٍ وأتراح، وما الدروس التي ينبغي أن نَعيَها من أحوالنا في السراء والضراء، كم كسبت أيدينا من حسناتٍ أو سيئات، وكم لله علينا من فضلٍ في صحة الأجسام وسعة الأرزاق، والأمن في الأوطان؟ وهل استثمرنا هذه النعم بما يقربنا لمولانا، أم كانت سببًا لغفلتنا وطغياننا؟ أيها المسلمُ والمسلمة: ماذا تعني نهايةُ أوراق التقويم عندك؟ وبماذا يذكرك التاريخُ الجديد للسنة الجديدة إحدى وعشرين وأربع مئة وألف للهجرة؟ هل تذكرت أن سني عمرك تسير إلى النهاية؟ كما تقْلب كلَّ يوم ورقة ... وإذا استيقنت الممات فغبرُك من أبناء الملل الأخرى يستيقن ذلك ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (١) ... لكن ماذا بعد الممات؟ وذاك الذي يميزك عن غيرك. فكم يأخذ من حيّز تفكيرك البعثُ والمعاد، والجنة والنار، والقبرُ والحشر، والعرضُ والنشور؟ ﴿وَيَومَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (٢٧) وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٢).

стр. 1648

يا عبد الله: وهل يكفي منك مجردُ التفكير في هذه الأحداث الجسام المُقبلة، أم أن الأمر محتاجٌ فوق هذا إلى عملٍ وقوة إرادة، تحيل التفكير إلى برامج عمل تُدلّل بها على خوفك من الجليل واستعدادك للرحيل وما بعده؟ كم نقفُ مع أنفسنا صرحاء محاسبين؛ في كل يوم؟ أم على مدى الأسبوع؟ أم في الشهر مرة؟ أم على مستوى العام؟ ومن ألوان المحاسبة الجادة أن تسأل نفسك عن قوة الإيمان أو ضعفه، وعن الصلاة المفروضة في الحفاظ عليها، أو التهاون فيها، وعن المال، من أين تجمعه؟ وفيم تنفقُه؟ وعن اللسان ماذا تقول، وعما تمتنع؟ وعن السمع والبصر ماذا تسمع وتبصر؟ وعن الهموم والمشاعر، فلأي شيء تهتم، وماذا يدور في مشاعرك؛ هل تسعى لنشر الخير وتسرُّ له، وهل يسؤوك وجود الشر وتسعي جاهدًا لدفعه؟ هل يتجاوز تفكيرُك إلى هموم الأمة المسلمة ومستقبلها، أم تظل اهتماماتك قاصرةً على أهلكِ وأولادك؟ ما مقدار زهدك في الدنيا وإقبالك على الآخرة؟ هل تُحب للناسِ الذي تُحب أن يأتوا به إليك؟ هل يغلب عقلُك أم عاطفتك مع مواطن الشهوات والشبهات والفتن؟ هل تسؤوك السيئةُ إذا ابتُليت بها، وهل تفرح للحسنة إذا وفقك الله لها؟ إلى غير ذلك من أسئلة محاسبية نافعة. ألا ويح أمةٍ أو فردٍ تحيط بهم الغفلة، وتتقاذفهم أمواج الفتن، ويغيب عنهم الهدف من هذه الحياة، حتى إذا جاءت سكرة الموت بالحق عادت السكرة إلى فكرة، ورجع القلب المعنى إلى التفكر والذكرى، ولكن هيهات، وقد صاح به المنادي: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ﴾ (١).

стр. 1649

يا أخا الإيمان: وإني مذكرك وموصيك -ونفسي - مع نهاية عام وبداية عام بأمور، منها: ١ - اختم عامك المنصرم بالتوبة والاستغفار، فالتوبة تَجُبُّ ما قبلها ومن يستغفر الله يجد الله غفورًا رحيمًا، وطوبى لمن وجد في صحيفته استغفارًا كثيرًا. ٢ - ابدأ عامك الجديد بالعزيمة على الخير، والجدية في عمل الصالحات مع استحضار التقوى والإخلاص والمتابعة، فالبدايات الطيبة القوية تقود إلى نهايات مُفرحةٍ بإذن الله، ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (١)، ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾ (٢). ٣ - حاول أن تتذكر نقاط الضعف عندك في العام المنصرم فعززها وتخلص من آثارها، ونقاط القوة فاستمسك بها، وحافظ عليها، وزد عليها ما استطعت. ٤ - تذكر أهمية المداومة على العمل وإن قلَّ، واحذر الفتور المؤدي إلى الشرور والفتن. ٥ - استمسك بهدي الوحيين -الكتاب والسنة - وإياك وتلاعب الأهواء، أو الانخداع بأهل الفتن والأهواء، ولا تنخدع بزخرفة الباطل، ولا يقعد بك عن اتباع الحق قلةُ الأتباع أو صعوبة الطريق، واسأل ربَّك أن تلقاه -يوم تلقاه - وهو راض عنك. ٦ - تذكر أن عامك الماضي نقص من أجَلِكَ، وأن عامك الحاضر مُقربٌ لآخرتك، وأنت لا تدري أتستكمل هذا العام أو تطوى صحائفك في أثنائه، فكن

стр. 1650

دائمًا على حذر، واستعد للرحيل، وعظم أمر الآخرة. ٧ - العالَمُ الكافرُ باتَ يُفكر تفكيرًا كونيًا، ويصدِّر أفكاره عالميًا -عبر عدة وسائل - فهل يدعوك ذلك إلى التفكير العالمي في هموم أمتك والمساهمة في الدعوة لدينك بكل وسيلة ممكنة؟ وهل تسهم في الحماية من الأفكار المتسللة الخبيثة، وتحمي نفسك وأسرتك أولًا من أساليب الفساد العالمية؟ ٨ - وأخيرًا اعتبر -يا أيها الحيُّ - بمن رحل، كيف وبما ارتحل؟ وماذا بقي له بعد الرحيل؟ فأنت اليوم مُخبر، وغدًا ستكون الخبر.
следующие страницы →