في عقبهم في الغابرين، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم، واغفر اللهم لنا ولهم يا رب العالمين.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (١).
стр. 1647
الخطبة الثانية:
الحمد لله المتفرد بالجلال والبقاء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ما من غائبة في السماء والأرض إلا عنده في كتاب مبين، يقضي بالحق، ويحكم بالعدل، وهو الحكيم الخبير، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اختار لقاء ربِّه على البقاءِ وزينة الحياة الدنيا، والآخرةُ عند ربِّك للمتقين، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين.
عباد الله: ونحن في هذه الأيام نقف على نهاية عام هجري وبداية عام جديد، تُرى كم خَلَّفنا من أفراحٍ وأتراح، وما الدروس التي ينبغي أن نَعيَها من أحوالنا في السراء والضراء، كم كسبت أيدينا من حسناتٍ أو سيئات، وكم لله علينا من فضلٍ في صحة الأجسام وسعة الأرزاق، والأمن في الأوطان؟ وهل استثمرنا هذه النعم بما يقربنا لمولانا، أم كانت سببًا لغفلتنا وطغياننا؟
أيها المسلمُ والمسلمة: ماذا تعني نهايةُ أوراق التقويم عندك؟ وبماذا يذكرك التاريخُ الجديد للسنة الجديدة إحدى وعشرين وأربع مئة وألف للهجرة؟
هل تذكرت أن سني عمرك تسير إلى النهاية؟ كما تقْلب كلَّ يوم ورقة ... وإذا استيقنت الممات فغبرُك من أبناء الملل الأخرى يستيقن ذلك ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (١) ... لكن ماذا بعد الممات؟ وذاك الذي يميزك عن غيرك. فكم يأخذ من حيّز تفكيرك البعثُ والمعاد، والجنة والنار، والقبرُ والحشر، والعرضُ والنشور؟ ﴿وَيَومَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (٢٧) وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٢).
стр. 1648
يا عبد الله: وهل يكفي منك مجردُ التفكير في هذه الأحداث الجسام المُقبلة، أم أن الأمر محتاجٌ فوق هذا إلى عملٍ وقوة إرادة، تحيل التفكير إلى برامج عمل تُدلّل بها على خوفك من الجليل واستعدادك للرحيل وما بعده؟ كم نقفُ مع أنفسنا صرحاء محاسبين؛ في كل يوم؟ أم على مدى الأسبوع؟ أم في الشهر مرة؟ أم على مستوى العام؟
ومن ألوان المحاسبة الجادة أن تسأل نفسك عن قوة الإيمان أو ضعفه، وعن الصلاة المفروضة في الحفاظ عليها، أو التهاون فيها، وعن المال، من أين تجمعه؟ وفيم تنفقُه؟ وعن اللسان ماذا تقول، وعما تمتنع؟ وعن السمع والبصر ماذا تسمع وتبصر؟ وعن الهموم والمشاعر، فلأي شيء تهتم، وماذا يدور في مشاعرك؛ هل تسعى لنشر الخير وتسرُّ له، وهل يسؤوك وجود الشر وتسعي جاهدًا لدفعه؟ هل يتجاوز تفكيرُك إلى هموم الأمة المسلمة ومستقبلها، أم تظل اهتماماتك قاصرةً على أهلكِ وأولادك؟ ما مقدار زهدك في الدنيا وإقبالك على الآخرة؟ هل تُحب للناسِ الذي تُحب أن يأتوا به إليك؟ هل يغلب عقلُك أم عاطفتك مع مواطن الشهوات والشبهات والفتن؟ هل تسؤوك السيئةُ إذا ابتُليت بها، وهل تفرح للحسنة إذا وفقك الله لها؟ إلى غير ذلك من أسئلة محاسبية نافعة.
ألا ويح أمةٍ أو فردٍ تحيط بهم الغفلة، وتتقاذفهم أمواج الفتن، ويغيب عنهم الهدف من هذه الحياة، حتى إذا جاءت سكرة الموت بالحق عادت السكرة إلى فكرة، ورجع القلب المعنى إلى التفكر والذكرى، ولكن هيهات، وقد صاح به المنادي: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ﴾ (١).
стр. 1649
يا أخا الإيمان: وإني مذكرك وموصيك -ونفسي - مع نهاية عام وبداية عام بأمور، منها:
١ - اختم عامك المنصرم بالتوبة والاستغفار، فالتوبة تَجُبُّ ما قبلها ومن يستغفر الله يجد الله غفورًا رحيمًا، وطوبى لمن وجد في صحيفته استغفارًا كثيرًا.
٢ - ابدأ عامك الجديد بالعزيمة على الخير، والجدية في عمل الصالحات مع استحضار التقوى والإخلاص والمتابعة، فالبدايات الطيبة القوية تقود إلى نهايات مُفرحةٍ بإذن الله، ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (١)، ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾ (٢).
٣ - حاول أن تتذكر نقاط الضعف عندك في العام المنصرم فعززها وتخلص من آثارها، ونقاط القوة فاستمسك بها، وحافظ عليها، وزد عليها ما استطعت.
٤ - تذكر أهمية المداومة على العمل وإن قلَّ، واحذر الفتور المؤدي إلى الشرور والفتن.
٥ - استمسك بهدي الوحيين -الكتاب والسنة - وإياك وتلاعب الأهواء، أو الانخداع بأهل الفتن والأهواء، ولا تنخدع بزخرفة الباطل، ولا يقعد بك عن اتباع الحق قلةُ الأتباع أو صعوبة الطريق، واسأل ربَّك أن تلقاه -يوم تلقاه - وهو راض عنك.
٦ - تذكر أن عامك الماضي نقص من أجَلِكَ، وأن عامك الحاضر مُقربٌ لآخرتك، وأنت لا تدري أتستكمل هذا العام أو تطوى صحائفك في أثنائه، فكن
стр. 1650
دائمًا على حذر، واستعد للرحيل، وعظم أمر الآخرة.
٧ - العالَمُ الكافرُ باتَ يُفكر تفكيرًا كونيًا، ويصدِّر أفكاره عالميًا -عبر عدة وسائل - فهل يدعوك ذلك إلى التفكير العالمي في هموم أمتك والمساهمة في الدعوة لدينك بكل وسيلة ممكنة؟ وهل تسهم في الحماية من الأفكار المتسللة الخبيثة، وتحمي نفسك وأسرتك أولًا من أساليب الفساد العالمية؟
٨ - وأخيرًا اعتبر -يا أيها الحيُّ - بمن رحل، كيف وبما ارتحل؟ وماذا بقي له بعد الرحيل؟ فأنت اليوم مُخبر، وغدًا ستكون الخبر.
стр. 1651
الاتباع المحمود والمذموم (١)
الخطبة الأولى:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر أنبياء الله ورسله، ورضي الله عن الصحابة أجمعين والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فأوصي نفسي وإياكم بتقوى الله، فهي طريق الهدى، وأمان من الزيغ والهوى، وسبيل إلى الرزق، وسبب لتكفير السيئات، ورفعة الدرجات: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ (٢).
﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ (٣).
معاشر المسلمين: خطب رسولُ الله ﷺ في المسلمين فقال: «إن أحسن الحديث كتابُ الله، وأحسنَ الهدي هديُ محمد ﷺ ، وشرَّ الأمور محدثاتُها ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ﴾» (٤). أخرجه البخاري (٥).
إنها كلمات جامعة في الاتِّباع والابتداع، والمتأمل في كتاب الله يجد حديثًا
стр. 1652
مطولًا عن الاتّباع، ويقف على آيات كثيرةٍ في هذا الباب، ويلفت نظره تنوعُ الاتباع بين محمود ومذموم، وضارٍّ ونافع، بين اتباعِ الهدى والهوى، وبين اتباعِ سُنن المرسلين، وسبيل الذين لا يعلمون.
كما يدرك أثر وعواقب الاتباع لهدي الله، وأثر وعواقب اتباع خطوات الشيطان .. ويعرض القرآنُ صورًا للمجادلة بين الأتباع، والمتبوعين، وكيف يحاول بعضهم البراءة من بعض، ويُلقي كلُّ طرفٍ باللائمة على الطرف الآخر، وفي النهاية قالوا: ﴿إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ (١).
عباد الله: وأصلُ الاتباع وأنفُعهُ ما كان لهدي الله وصراطه المستقيم، وذلك أمان -بإذن الله - من الضلالة والشقوة، كما قال تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ (٢)، ولا خوف ولا حُزْن عليهم في اتباع هدى الله: ﴿فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٣).
وفي اتباع صراط الله كذلك، أمانٌ من الضياع والفُرقة، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ (٤).
وكيف لا يتبعُ العبدُ سبيل الله وهو الذي خلقه وهو أعلمُ بما يُصلحه: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (٥).
ولا يستوي من يتبعُ رضوان الله فيما شرعه، ومن يستحق غضب الله بإعراضه:
стр. 1653
﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَن بَاءَ بِسَخْطٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (١).
فإن قلت: فما الطريقُ الموصلةُ لاتباع هدى الله؟ فالجواب: أنها حاصلة باتباع القرآن ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ﴾ (٢). وباتباع المرسلين: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ (٣).
﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (٤).
وبالجملة فالاتباعُ بالمعروف، والإحسان سيما المؤمنين، وهو في دائرة الاتباع المشروع المحمود.
وما أحوج البشرية إلى هذا النوع من الاتباع، إنْ في الحياة الدنيا، أو في الآخرة ويوم يقوم الأشهاد.
أما الاتباع المذموم فتتنوع سبلُه، ويتعاظم خطره ويصابُ أصحابهُ بالخسارة في الدنيا والآخرة. ومنه اتباع الشيطان، قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ (٥). وخطوات الشيطان يدخل فيها سائرُ المعاصي المتعلقة بالقلب واللسان، والبدن، كما قال المفسرون (٦).
ومهما بلغ الشيطانُ في الوسوسة والإغراء والإغواء، فيظلُ أثره وكيده ضعيفًا على أهل الإيمان والتُّقى، ويتعاظم أثرُه كلما قلَّ الإيمان.
стр. 1654
ومن الاتباع المذموم اتباعُ الهوى، قال تعالى محذرًا: ﴿فَلاَ تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا﴾ (١).
وقد يصلُ بالمرء إلى أن يتخذ الهوى إلهًا من دون الله: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ (٢).
وكم يُعمي الهوى ويُصمُّ، ويُضلُّ صاحبه في العبادات والمعاملات، وفيما بينه وبين ربِّه، أو بينه وبين خلقه، والعدلُ مطلوب، والإنصافُ للنفس وللآخرين منهج مشروع، ولكنه يحتاج إلى تقوى وصدقٍ وعزيمة.
ومن الاتباع المذموم اتباعُ الشهوات والمغريات دون النظر في عواقبها، وترك النفس ترتع فيها كما ترتع البهائم في مرعىً قد يكون فيه حتفُها، بل يوجد في بعض نباته موادُّ سامةٌ مهلكةٌ لها.
أجل، كم انحرف من البشر بسبب اتباع الشهوات المحرمة، فالنفسُ مولعةٌ بحب العاجل، وفي فِطر الناس حبٌ وميلٌ للشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث .. ونحوها.
ولكن فيما أحلَّ الله غنية عن ما حرم، وفي الطيبات كفايةٌ عن الخبائث، وليست هذه الدنيا نهاية المطاف حتى يَعُبَّ المسلم من الشهوات ما شاء، ونصيبُ المؤمنين من هذه الملاذ في الآخرة يفوق أضعافًا مضاعفة، ما يحصل عليه أهلُ الشهوات في الدنيا: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣).
стр. 1655
وإذا لحق الوعيد للمتبعين للشهوات -كما قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ (١) - فقد أخبر الله عن الوسيلة الواجبة وحكم بالنتيجة فقال: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ (٢).
وللعلماء العارفين حديثٌ مستفيض عن آثار الشهوة المحرمة وعواقبها المُرّة على صاحبها في الدنيا، وما ينتهي إليه عبيد الشهوات في الآخرة أشدُّ وأنكى.
عباد الله: ولجهل الإنسان وقصور علمه أحيانًا، أو تغليب هوى النفس على مراد الله أحيانًا أخرى، فقد يتبع المرءُ الظنون ويتخلى أو يضعف استمساكهُ بالحقِ اليقين، واتباعُ الظنِّ من أنواع الاتباع المذموم، قال تعالى حاكيًا عن المشركين: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى﴾ (٣).
والظنُّ لا ينفُع من الحقِّ شيئًا، ولا يقوم مقامه، كما قال تعالى: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (٤).
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وسنة نبيه ﷺ ، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كلِّ ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه.
стр. 1656
الخطبة الثانية:
الحمد لله ربِّ العالمين، وفَّق من شاء من عباده لاتباع صراطه المستقيم، وتفرقت السبلُ بأقوام ضلوا السبيل، أحمده تعالى وأشكره وأُثني عليه الخير كله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى إخوانه وآله.
أيها المسلمون: ومن الاتباع المذموم التعلقُ بعادات الآباء وتقاليد الأجداد، وإن كانت مخالفة لشرع الله، والتحاكم إلى السلوك والعوائد الموروثة واعتبارها فيصلًا في القضايا والخصومات -كلُّ ذلك ضربٌ من ضروب الجاهلية، ونوع من الاتباع المذموم، وقد ذم القرآن أولئك الذين تعلقوا بما عليه آباؤهم وحالت بينهم وبين التسليم والاتباع لشرع الله، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾ (١).
ولقد شكَّل الاقتداءُ بما عليه الآباء حاجزًا دون اتباع المرسلين، وقبل لمحمد ﷺ وهو يعاني من هذه التبعية الممقوتة: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ (٢٣) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ (٢٤) فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (٢).
وهكذا -إخوة الإيمان - ينبغي أن نفرق بين العوائد والموروثات، وبين العبادات والأحكام المشروعة في التحليل أو التحريم، وبين الطاعة بالمعروف للآباء
стр. 1657
والأمهات، وبين العصبية لهم، وإن كانوا على خلاف شرع الله.
إخوة الإسلام: ومن التبعية المذمومة على مستوى الأفراد إلى التبعية المذمومة على مستوى الدول والأمم، وفي القرآن والسنة تحذير من تبعية الأمة المسلمة للأمم الكافرة وبخاصة اليهود والنصارى، قال تعالى: ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾ (١).
إن التبعية على مستوى الدول والأمم ممقوتة شرعًا وعقلًا، وهي سبيل للضعف والامتهان، بل طريق إلى الاضمحلال والزوال، فكيف إذا كانت المتبوعة كافرةً، والتابعة مسلمة، فذلك إزراء بالإسلام وأهله، وشك بهيمنة القرآن وحكمه، وإذا لم تُغن هذه الأمم الكافرة عن نفسها شيئًا، فكيف تدفع عن غيرها؟ ! ، ويوم القيامة يتبّرأ المتبوعون من التابعين، ويحمل كلٌّ منهم وزره على ظهره، كما قال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُم بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُم مِّن شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٢) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (٣).
إخوة الإيمان: لقد حذر الرسول ﷺ أُمته من متابعة الكفار عامّة، والتبعية لأهل الكتاب خاصة، وتحققت نبوأته في فئام من المسلمين حين قال: «لتَتَّبِعُنَّ سَنن الذين منْ قبلكم شبرًا بشبر، أو ذراعًا بذراع، حتى لو سلكوا جُحر ضبٍّ لسلكتموه»
стр. 1658
قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: «فمن؟ ! » (١).
عباد الله: أما المخرج من هذه التبعيات المذمومة فهو بالاعتصام بالكتاب والسنة، ولزوم الصراط المستقيم، واتباع هدي المرسلين، والسير على منهج سلف الأمة المهديين، ولزوم سبيل المؤمنين، واتخاذ الشيطان عدوًا، ومجاهدة النفس عن الوقوع في الشهوات المحرمة، والبعد عن المحدثات المبتدعة في الدين. وبين أيديكم -عباد الله - وصيةُ رسول الله ﷺ لأصحابه حين قال: «أُوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن تأمَّر عليكم عبدٌ، وإنه مَنْ يعشْ منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسُنّتي وسنةِ الخلفاءِ الراشدين المهديين، عَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كلَّ بدعة ضلالة». رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح (٢).
يا أهل القرآن: وأختم الحديث هنا بمحاورة عُجلت لنا مشاهدُها مع تأخرِ وقوعها لنقف منها على تنازع وتلاوم الأتباع والمتبوعين ونهايتهم، يقول تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءكُم بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ (٣٢) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣).
ألا فاعتبروا يا أولي الأبصار، وَقُوا أنفسكم الحسرة والعذاب ما دمتم في زمن العمل.
стр. 1659
رجال القرآن (١)
الخطبة الأولى:
﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ﴾ (٢).
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق الخلق وبايَنَ بينهم في الخلْقِ والخُلُق، وفَضْلُ الله يؤتيه من يشاء، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولهُ أخبر وهو الصادق الأمين: «إن الناسَ معادن، خيارُهم في الجاهلية خيارُهم في الإسلام إذا فقهوا»، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٣).
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ (٤).
عباد الله: الرجولة مصطلح تتطاول إليه الأعناق، وأكرم بالمرء يقال له: ذاك رجل، ولكن الرجولة ذات تبعات ومسؤوليات.
стр. 1660
الرجولة غير الذكورية، فليس كلُّ ذكر رجلًا، فثمة ذكورٌ في عالمِ الحيوان والطير والدواب، بل وفي عالم الإنس والجن ذكورٌ تقعد بهم همم الضعيفة، وصفاتهم الذميمة عن بلوغ معنى الرجولة الحقة.
إذن فالرجولة الحقَّة مصطلح يحمل معاني كريمة، وصفاتٍ حسنةً من الصدقِ والإخلاصِ والشهامة والشجاعة والكرم والنجدة، والبرِّ والإحسان، والصبر والعفة، والدعوة للخير، والنصح للخلق، والوفاء بالعهود، وأداء الحقوق ونحوها من كريم الأخلاق وجليل المواقف.
والرجولة بشكل عام وعاءٌ يحتوي عددًا من الأخلاق والشيم الفطرية والمكتسبة، تدور رحاها حول العبودية للخالق ونَفْعِ الخلق، وتنأى بصاحِبها عن سفاسف الأمور ومواطن الريب.
وليس من الرجولة الحقَّةِ الغدرُ والخيانة، والكذبُ والجبنُ والبخل، وفحش القول والعمل، وفساد الظاهر أو الباطن، وما يندرج في النفاق العملي أو الاعتقادي، أو غير ذلك من صفاتٍ مستقبحة، وعوائد سيئة ومواقف يُستحى من ذكرها.
أيها المسلمون: ومن تأمل في كتاب الله، وجد تأكيدًا على الرجولة وإشادة برجال ذوي صفات ومواقف جليلة، خلّد القرآنُ ذكرهم وترك صفاتهم محلًا للعبرة والذكرى، ودونكم شيئًا من نماذج هؤلاء الرجال ومواقفهم.
النموذج الأول: وبه تتجلى شجاعة الرجال، وتقويةُ العزائم، والتهوين من شأن الأعداء، وإن كانوا ظلمةٌ جبارين، إذا توفر الإيمانُ والتوكل على رب العالمين، ويمثل هذا الموقف «الرجلان» في قوله تعالى: ﴿قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ
стр. 1661
اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (١).
والقرآن -في هذا النموذج - يقص علينا خبر موسى ﵇ مع بني إسرائيل حين حرضهم على الجهاد لتحرير بيت المقدس من العمالقة الجبارين، فاعتذر بنو إسرائيل لموسى ﵇ من الدخول على هؤلاء القوم الأشداء الجبارين، وإن كان وعدهم بالنصر والظفر، فالأرض المقدسة كُتبت لهم، والتنازلُ عن ذلك ردةٌ توردهم المهالك، وقد كان، فعوقبوا بالتيه في الأرض أربعين سنة -حتى هلكوا ونشأ جيل غيرُهم.
أما الرجلان فقد قال الضحاك أنهما كانا في مدينة الجبارين، ولكن على دين موسى ﵇، وكانا ناصحين لموسى ومن معه، ولكنهما كانا يخافان من العمالقة أن يطلعوا على إيمانهما فيفتنوهما، ومع ذلك وثقًا بالله وقاما بالنصح للمؤمنين والتّهوين من شأن الجبارين. وقيل في معنى ﴿يَخَافُونَ﴾: إنهما كانا يخافان ضعْفَ بني إسرائيل وجبنهم. وقرأ بعضُهم (يُخافون) وهذا يقوي أنهما من غير قوم موسى، ولكن أنعم الله عليهما بالإسلام واليقين والصلاح (٢).
ومن دروس هذا النموذج أن الذّلة والمهانة والتمرد والسخرية والتخلي عن معالي الأمور تُفْضي إلى نهاية مؤلمة، ويُوصف أصحابها بالردة والفسوق. أما الشجاعة في سبيل الحق فتورث العزة والكرامة، ويستحق أصحابها نعمة الله ورضوانه.
стр. 1662
النموذج الثاني: ومن قوم موسى ﵊ إلى أصحاب محمد ﷺ نجد نموذجًا للرجال حقق معنى الرجولة في أعلى معانيها، وعن هذا النموذج الثاني قال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (١).
إنه نموذج للثبات على المبدأ، والإخلاص في الجهاد والطاعة والصدق مع الله في العهد، والوفاء للرسول ﷺ بالوعد حتى يقضي الرجال نحبهم.
أخرج البخاري في «صحيحه» عن أنس بن مالك ﵁ قال: غاب عمي أنس بنُ النَّضْر عن قتال بدرٍ، فقال: يا رسول الله!
غِبتُ عن أول قتالٍ قاتلتَ المشركين، لئن اللهُ أشهدني قتال المشركين ليَرَيَنَّ اللهُ ما أصنع، فلما كان يومُ أُحدٍ وانكشف المسلمون قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء -يعني أصحابه - وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء -يعني المشركين. ثم تقدم فاستقبله سعدُ بن معاذ فقال: يا سعدُ بنَ معاذ! الجنّةَ وربِّ النّضْر إني أجد ريحها من دون أُحد، قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صَنع، قال أنس: فوجدنا به بضعًا وثمانين ضربة بالسيف، أو طعنةً برمح، أو رميةً بسهم، ووجدناه قد قُتل، وقد مثَّل به المشركون، فما عرفه أحدٌ إلا أختهُ ببنانه، قال أنسٌ: كُنَّا نرى -أو نظن - أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهِه: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ (٢)، إلى آخر الآية (٣).
إنهم حقًا نماذجُ للرجال في صدقهم وجهادهم في سبيل نشر دين الله ومقارعِة
стр. 1663
الأعداء، تهون عليهم أرواحُهم وهو يتطلعون إلى الجنان.
إخوة الإيمان: ومن قوم موسى وأصحاب محمد صلى الله عليهما وسلم إلى صاحب (يس) حيث النموذج الثالث لرجال القرآن، وبه يتجلى النصحُ للخلق والدعوى بالحسنى لاتباع المرسلين: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ (١).
وحين تجبّر أهلُ قريته وهمّوا بقتل رسلهم ولم يُفدْ نصحُه لهم أعلنها صريحةً في وجوههم: ﴿إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ (٢)، أو قالها مخاطبًا رسل الله ليشهدوا له بالبلاغ لقومه عند الله.
وعلى الرغم من سوء صنيع قومه به -فقد ورد أنهم وثبوا عليه وثبة رجل واحد فقتلوه، أو رموه بالحجارة حتى أقعصوه وقتلوه - فما زال ناصحًا متمنّيًا الخير لهم، متحسرًا على جهلهم وعنادهم بعد مماته وانتقاله إلى الدار الآخرة: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ (٣). وهكذا لا تلقى المؤمن إلا ناصحًا ولا تلاقه غاشًا، قال ابنُ عباس ﵄: نصح قومه في حياته بقوله: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ (٤)، وبعد مماته في قوله: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ (٥)
٤ - أيها المسلمون ويتكرر نموذج الرجل الساعي للخير مع موسى ﵇ حين
стр. 1664
تآمر الملأُ على قتل موسى ﵇، فيتحرك الإيمانُ في قلوب الرجال دفاعًا عن الحق وحفاظًا على نفوس أهل الحق، ويتغلب الرجلُ هنا على بُعد المسافة -حيث جاء من أقصى المدينة، وعلى خطورة الموقف وضيق الوقت، فيأتي مسرعًا (يسعى) مُتخفيًّا عن القوم الماكرين، وعنه يقول تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ (١).
وهكذا حين يتحرك الإيمان في الضمير يُلِحُّ على صاحبه بفعل الجميل، حتى وإن انتهى به الموقفُ إلى مفارقة الحياة، فذلك نقلةٌ له من عالم الفناءِ إلى عالم البقاء، وخطوةٌ يخلصُ بها المؤمن من ضيق الأرض إلى سعة الجنة، ومن تطاول الباطل إلى طمأنينة الحقّ، ومن تهديد البغي إلى سلام النعيم، ومن ظلمات الجاهلية وبطش الجبارين إلى نور اليقين ورحمة أرحم الراحمين (٢).
هذا فضلًا عما يحصل له في الدنيا من العز والكرامة والحبِّ والود. وما يحصل لأعدائه من الذل والمهانة والخزي والندامة. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦) فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا (٩٧) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ (٣).
стр. 1665
الخطبة الثانية:
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجًا .. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أنزل كتابه ليدَّبر الناسُ آياته، وليتذكر أولو الألباب، وجعل في قصصه عبرةً وذكرى وتصديقًا للنبي المجتبى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ (١). وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله سلاَّه ربُّه بقصص الماضين، واستفاد أصحابه من مواقف المؤمنين، فجددوها فاتصلت قوافل الإيمان، واستمرت نماذج الرجال عبر رسالات المرسلين .. اللهم صلِّ وسلم عليهم أجمعين.
عباد الله: أما النموذج الخامس فهو رجلٌ عاش إلى جانب فرعون الطاغية. ولم ترهبْه قوة فرعون وجبروتُه عن قول الحق والدفاع عن أصحاب الحق، بدأ أمره وهو يكتم إيمانه، ثم أظهر إيمانه حين اشتد الأمرُ وأراد المجرمون قتل موسى ﵇، وعنه قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ (٢). ثم يتابع الرجلُ المؤمنُ من آل فرعون جهوده ودعوته لقومه مذكّرًا تارة، ومحذرًا أخرى، ومخوفًا ثالثةً من بأس الله وشدته إن استمروا في كفرهم وعنادهم، مع ضرب الأمثلة والتذكير بمصائر الغابرين.
ولكن هيهات أن يفيق السُّكارى أو يرعوي المجرمون المتكبرون. وأخيرًا يبلغُ
стр. 1666
الإعذار ويُذكّرهم بمستقبل الأيام، إذ لا يملك هدايتهم، ويفوّض أمره إلى الله، ويتوكل عليه بعد أنْ هددوه بالقتل ويقول: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (١).
ويفيد بقيةُ السياق أن الله حفظه مما كادوا له، وأوقع بهم سوء العذاب: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ (٢).
أيها المؤمنون: ثم تُطوى صفحة الأيام على إثر هزيمة الباطل وأهله، وانتصار الحقِّ وأصحابه، ويتجدد الموقفُ بعد القرون في شخص أبي بكر الصديق ﵁ وهو يدافع المشركين عن رسول الله ﷺ -إذ خنقوه خنقًا شديدًا، ويقول: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ﴾ (٣)؛ في قصة رواها أهل السير وأخرجها البخاري ومسلم. وقال علي ﵁: والله ليوم أبي بكر خير من مؤمن آل فرعون، إن ذلك رجلٌ كتم إيمانه، فأثنى الله عليه في كتابه، وهذا أبو بكر أظهر إيمانه وبذل ماله ودمه لله وجل. خرجه الترمذي الحكيم في «نوادر الأصول» (٤).
وما أشدَّ هذه الرواية أو مثيلاتها على الشّانئين لأبي بكر، والغالين في علي ﵄، وكلاهما خيار، واللاحقُ يشهدُ بالفضل للسابق، وصدّيقُ الأُمةِ ملءُ السمعِ والبصر، وفضله وسبقُه وجهادُه لا ينكره إلا مكابرٌ أو حاقدٌ أو جاهلٌ.
أيها المؤمنون: وحين نواصل المسير في تتبع رجال القرآن، نجد نماذج للرجال
стр. 1667
في صدق العبودية، والتحرر من الدنيا، والخوف والاستعداد ليوم المعاد .. أولئك الذين قال الله عنهم وأثنى عليهم بقوله: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (١).
إخوة الإسلام: إن الحديث عن رجال القرآن حديثٌ تستعذبه النفوس وتتقوى به الهمم، ويؤصل معاني الرجولة الحقة.
يا قارئ القرآن: كم تشُدُّك مواقفُ رجال القرآن؟ وماذا تملك من خصالِ رجال القرآن؟ هل تنتصر للحقِّ كما نصره رجال القرآن؟ وهل تدعو الخلق إلى الحق كما دعا من قبلُ رجالُ القرآن؟ هل تحبُّ أهل الحقِّ وتُدافع عنهم وتنصح لهم كما فعل رجالُ القرآن، وهل تستهين بالباطل وتكشف خطط المبطلين كما صنع رجال القرآن؟ أين أنت من رجال القرآن؟ الذين لا تلهيهم تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، يخافون يومًا تتقلب فيه القلوب والأبصار.
إن قصص رجال القرآن تُتلى للعظة والاعتبار، ويُذكَّر بها المسلمون في كل زمانٍ ومكان ما بقي قارئٌ للقرآن.
وهنا نطرح السؤال وندعُ لكل مسلم ومسلمةٍ الإجابة على السؤال .. والسؤال يقول: ماذا تثير فينا قراءة مواقفِ رجالِ القرآن؟ وهل نُعيد قراءتها اليوم نحن أحوجُ ما نكونُ إلى هدي القرآن؟
عباد الله: ألا ما أحوج الأمة إلى من يصيح بها قائلًا: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ
стр. 1668
الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ (١).
ثم يصيح بها آخر صيحة أخرى قائلًا: ﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (٢).
وما أحوج الأمة إلى الأستجابة للنداء المنادي ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ (٣) رجال ينفضون عنها غبار الذُّل والهوان، ويقتلعون من القلوب مهابة الأعداء، ويرسّخون فيها خشية الله والتوكّل عليه وحده في حروبهم مع الأعداء، ويقولون لهم: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (٤)، ويقولون لهم: ﴿ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ (٥).
ما أحوج الأمة في أزمان التشرد والضياع والغفلة والفساد إلى تجديد العهد مع الله وتحقيق العبودية له، وهنا ينعم الوجود بنماذج لا تُلهيهم تجارةٌ ولا بيع عن ذكر الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة.
تِلْكُم معاشر المسلمين من صيحات ونداءات رجال القرآن، وهي ومثيلاتُها إرثٌ لنا، وكنوزٌ من كنوز قرآننا، ودواءٌ لأسقامنا، وصدق الله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (٦).
﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٧).
اللهم انفعنا بهدي القرآن، واشفنا بشفاء القرآن، واجعلنا من أهل القرآن.
стр. 1669
بناء العلاقات في الإسلام (١)
الخطبة الأولى:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٣).
أيها المسلمون: هل نكون عاطفيين حين نقول: إن الإسلام يبني ولا يهدم، ويجمع ولا يفرق، ويؤلف ولا ينفر؟ كلا.
ولا نكون مجازفين حين نُصدر حكمًا بأن تشريعات الإسلام كلَّها تُعنى بإقامة العلاقات الإنسانية في كافة المجالات؛ الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، وفي حالات الحرب أو السلام، فضلًا عن المجالات الدينية التي ترعى هذه العلاقات وتوجِّهها.
بل يمكننا القول -مطمئنين - أن بناء العلاقات في الإسلام تتجاوز المسلمين إلى غير المسلمين، فماذا نقصد بهذه العلاقات، وعلى أي أساس تقام في الإسلام،
стр. 1670
وما وسائل ذلك وصوره؟
تعالوا بنا -عباد الله - لنتعرف على هذه الحقيقة في بناء الإسلام للعلاقات.
ونستهل ذلك بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (١)، أليس في هذه الآية دعوة للتعارف والتآلف بين الناس؟ .. ولكن الآية لا تنتهي حتى تضع معيارًا للتفاضل، والقرب من الله، ذلكم معيارُ التقوى وليس شيئًا آخر.
وفي آية أخرى من كتاب الله يُحدد الإيمان أساسًا للأخوة والتعاون وإصلاح ما قد يطرأ على بناء العلاقة بين المسلمين ويقول تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢).
وفوق ما في هذه الآيات من إشارات لبناء العلاقات، ففيها تأكيدٌ على معلمٍ واضح من معالم بناءِ العلاقات في الإسلام؛ ألا وهو التقوى والإيمان. وفوق ما سلف تأمل قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (٣).
أيها المسلمون: ولا يقف الإسلام في بناء العلاقات بين المسلمين عند التنظير، بل يدعو إلى تطبيق ذلك في عالم الواقع.
أرأيتم السلام تحية أهل الجنة -أليس نموذجًا لبناء العلاقات، ونشر المحبة؟ يقول ﵊: «أولا أدلُّكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلامَ بينكم».
стр. 1671
أو ليس إطعام الطعام صورةً أخرى من صور بناء العلاقات وإيجاد الألفة، فضلًا عما فيه من سد للحاجة؟
تأملوا ثناء الله على من يطعمون الطعام، فهم في قائمة الأبرار، وهم من عباد الله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا﴾ (١). وإطعام الطعام سبيل لاقتحام العقبة: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ (٢).
إنها شبكة من العلاقات يقيمها الإسلامُ بإطعام الطعام لتشمل المسكين واليتيم والأسير، القريب والبعيد.
وقولوا لي بربكم أي نظام في الدنيا يمكن أن يبلغ ما بلغه الإسلام في دعوته لإفشاء السلام، أو إطعام الطعام؟ إنها أعمالٌ وحركاتٌ يسيرةٌ نمارسها يوميًا، وقد لا نشعر بقيمتها في ربط العلاقات، وإفشاء الخير في المجتمعات. فكيف إذا أفشيتَ السلام على صغير، أو عُدت مريضًا، أو أعنت ضعيفًا، أو قضيت حاجةَ معوز، أو شفعت لصاحب حاجة، أو تبعت جنازةً، أو أهديت لقريب أو بعيد هديةً، أو دعوت لمسلم بظهر الغيب .. أو نحو ذلك من أنماطٍ وسلوكياتٍ حث الإسلامُ عليها ورغب في فضلها .. وهي تبني العلاقات وتستجيب لها القلوبُ وتُسرُّ بها النفوس.
إخوة الإسلام: وفي بناء الأسرة كذلك تظهر عظمة الإسلام في بناء العلاقات، فالأرحام توصل والقريب يُعتنى به ويكرم .. والصدقة على القريب صدقة وصلة،
стр. 1672
والرحمن يصل من وصل، ويقطع من قطع الرحم.
وإذا كان الأبوان في أعلى قائمة الرحم، فالوصية بهما إحسانًا وتكريمًا ورحمة ودعاءً لهما، والنهي عن إيذائهما حركةً أو تعبيرًا: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا﴾ (١).
وفي آية أخرى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (٢).
ترون معاشر المسلمين كم تبني هذه القيمُ والمكارم من علاقات .. وكم فيها من وفاءٍ ورحمات ودعوات!
وبين الزوجين مودةٌ ورحمة، وبيتُ الزوجيّة سكن حسيٌ ومعنوي: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٣).
وحين يُعكر صفو هذه العلاقات مكدرٌ، أو يطرأ ما يخدش سكن الزوجية، يجيء تأكيد الإسلام على الصبر والتحمل والعفو والصفح، فقد يكره الزوج من زوجه خلقًا ويرضى خلقًا، وقد تكون نزغةً من النزغات ينبغي على الزوجين ألا يستجيبا لها، يقول ﷺ : «لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقًا رضي منها آخر» رواه مسلم، ومعنى «لا يَفرِك» أي: لا يبغض (٤). ومثلُ هذا يُقال في الحفاظ على
стр. 1673
العلاقات الأسرية بشكل عام، حتى وإن قوبل الإحسانُ بالإساءة، والوصل بالقطيعة، قال رجلٌ: إن لي قرابة أصِلُهم ويقطعوني، وأحسنُ إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي، فأقره ﷺ وقال: «إن كنتَ كما قلتَ فكأنما تسفُّهم الملّ، ولا يزال معك من الله ظهيرٌ عليهم ما دمت على ذلك» رواه مسلم. وفي التوجيه النبوي الآخر، قال ﷺ : «ليس الواصلُ بالمكافئ ولكن الواصلَ الذي إذا قُطعت رحمهُ وصلَها» رواه البخاري.
عباد الله: وإذا كان هذا جانبًا من بناء العلاقات الاجتماعية في الإسلام .. فالأمر كذلك في جوانب المال والاقتصاد، فالعلاقةُ بين الغني والفقير تُبنى على أساس من العطف والرحمة والإيثار والمواساة، وإنظار المعسر، وحسن القضاء، فالفقير يُعان ويُتصدّق عليه، أو تدفع الزكاة له، ويُقرض قرضًا حسنًا، ولا يُلح عليه في الأداء إن كان معسرًا ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (١).
﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ (٢٤) لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (٢).
«اتقوا الله ولو بشق تمرة» إلى غير ذلك من نصوص تحث على البذل والصدقة والإحسان.
وبكل حالٍ فلا ينبغي أن يكون المال دولة بين الأغنياء، ويحرم منه أصحاب الحاجات والفقراء.
قال تعالى: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾ (٣).
стр. 1674
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، أحمده تعالى وأشكره وأثني عليه الخير كلَّه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين.
عباد الله: ويظهر الفرق جليًا بين الإسلام وغيره من النظم البشرية، في بناء العلاقات من بوابة الاقتصاد، ولنأخذ نموذج الربا والاحتكار الذي حرمه الإسلام، وهو يشكل حجر الزاوية في اقتصاد الأمم الأخرى .. ترون هل يبني الربا والاحتكار العلاقات الإنسانية أم يهدِّدها ويقوّض بنيانها إذا كانت فئة قليلة من الناس تتورم عندها الأموال، وتحتكر الإعانة إلا بفائدة -بينما تظل فئةٌ كبرى من الناس تعاني من سداد الديون وتظل تكدح حتى تحصل على لقمة العيش بأي شكل من الأشكال؟ فكيف سينظر الفقير إلى الغني وتلك حالهما؟ وما نوع العلاقة التي ستخلفها الأثرةُ والأنانية، والشحّ والبخل، وسحقُ الفقراء في مجتمع الأغنياء؟ لا شك أنها علاقات كره لا تستقيم معها الحياة السعيدة.
بل يُقال غير ذلك وعكس ذلك في بناء العلاقات في الإسلام عبر وسيلة البيع والشراء التي لا غش فيها ولا خداع ولا غُبن ولا نجش ولا كذب ولا احتكار للسلعة ولا مغالاة في الثمن، بل تُصحب بالسماحة واليسر وإنظار المعسر، وشعارنا -أهل الإسلام -: «رحم الله امرءًا سمحًا إذا باع، سمحًا إذا اشترى، سمحًا إذا قضى وإذا اقتضى».
أيها الناس: ويمتد بناءُ العلاقات في الإسلام في حال السلم أو الحرب .. ففي السلم: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ (١). ولكنه السلمُ الذي يقوم على تقدير
стр. 1675
الحقوق، ورعاية العهود والوفاء بالمواثيق، لا يُعتدى فيه على كرامة الأمة المسلمة، ولا يُنقص من دينها، ولا تنكر فضائلها، ولا يعتدى على حرماتها، أو يعبث بمقدساتها.
وفي حال الحرب هناك تشريعات وآداب للجهاد تضمن بقاء الجهاد في سياق بناء العلاقات، فالجهاد أساسًا لإعلاء كلمة الله، وهو لدفع الظلم، وإزالة الطواغيت التي تصد الناس عن الدخول في السّلم كافة، وهو لإقرار حكم الله وشرعه في الأرض، بدل شريعة الغاب وقوانين البشر، وتلك -وربي - ونحوُها من أهداف الجهاد في الإسلام، بناء للعلاقات الإنسانية في مضامينها وأهدافها وآثارها، وأن بدت ظاهرًا وكأنها من مظاهر الشدة وسفك الدماء، وإعمال السيف في الرقاب عند من يجهلون حكمة التشريع، أو يريدون تشويه صورة الجهاد في الإسلام.
أيها المسلمون: وحين نتحدث عن بناء العلاقات في الإسلام ينبغي أن لا يغيب عن بالنا الإشارة إلى المؤلفة قلوبهم، أولئك القوم الذين جاء النصُّ القرآني باعتبارهم أحد الأصناف الثمانية الذين تدفع لهم الزكاة، وسواء كان المؤلفة قلوبهم مشركين ليسلموا، أو مسلمين ليحسن إسلامهم وتثبت قلوبهم، أو ليسلم نظراؤهم، أو ليدفعوا عن حوزة المسلمين الضرر من أطراف البلاد .. أو غير ذلك من أغراض التأليف التي تَصُبُّ كلُّها في تأليف القلوب وترغيبها في الإسلام .. ثم هي في النهاية بناءٌ للعلاقات وتوسيع لدائرة المحبة، وتضييق لهوَّة الخلاف والعداوة. وفي سيرة نبينا محمد ﷺ تطبيقاتٌ عالية ونتائج بالغة الأثر في التأليف، وهذا نموذج لها:
عن صفوان بن أمية قال: أعطاني رسول الله ﷺ يوم حنين وإنه لأبغض الناس
стр. 1676
إليَّ، فما زال يعطيني حتى إنه لأَحَبُّ الناسِ إليَّ. رواه أحمد ومسلم وغيرهما (١).
بل ويبلغ محمد ﷺ بالتأليف مبلغًا عاليًا، إذ لا يقتصر تأليفه على المال، بل يؤلف بالنظرة الهادفة، وبالكلمة الطيبة، وبالموقف اللطيف، وبإنزال الناس منازلهم، حتى ملك القلوب وانصاع له الأعداء. وكان في سيرته نموذجًا لبناء العلاقات وبكل حال، فمقام التأليف في القرآن والسنة والسيرة يحتاج إلى وقفة متأملة، لا يتسع المقامُ الآن لبسطها أكثر من ذلك.
عباد الله: ومَدُّنا الحضاري وإسهامنا في بناء العلاقات يصل إلى أهل الكتاب. ولكنه مصحوب بالعزة، مشروط بالتزام العقيدة الحقة: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (٢).
وفي هذا الصدد وفي سبيل بناء الإسلام للعلاقات مع الآخرين يرشد إلى العدل مع البعيد والقريب: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ (٣).
ويأمر بالعدل حتى مع وجود الخلاف مع الطرف الآخر: ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (٤).
إخوة الإسلام: تلك خطوط عامة وإشارات سريعة إلى عظمة الإسلام في بناء العلاقات، ويبقى بعد ذلك السؤال المهم: لماذا، وما الهدف من الحديث عن هذه العلاقات؟
стр. 1677
ويمكن الإجابة بعدة أهداف:
منها: المعرفة بوسائل بناء العلاقات في الإسلام ليتمثلها المسلمُ في حياته ويساهم في بناء العلاقات في مجتمعه -الصغير والكبير - وليكون عنصرًا إيجابيًا في غرس بذور المحبة والصفاء، وعضوًا فاعلًا في محاربة القطيعة والنزاع. هذا من جانب، ومن جانب آخر ليعلم الناس عظمة ديننا من خلال سلوكياتنا، فتدعوهم أخلاقنا وسلوكياتنا للإسلام قبل أن تصل إليهم كلماتنا.
وأمرٌ ثالث: لتؤكد في معترك الصراع بين الحضارات أن ديننا الإسلام أعظم دين عرفته البشرية في بناء العلاقات بين بني الإنسان على أسس من المحبة والعدل، وبيان ذلك يكشف عن عور الأنظمة الأخرى التي تعتمد القوة وسلطان المادة، وتتخذ من مصطلحات العولمة والحرية وحقوق الإنسان والديمقراطية شعارات زائفة لتحقيق أغراضها الخبيثة، فإذا الناس يكتشفون ما بها من ظلمٍ وجورٍ وأنانية وتسلط.
وحين يتأخر الإسلام في قيادة البشرية فإنما يُلام المسلمون لضعف انتمائهم للإسلام، وتبقى تعاليم الإسلام تنتظر من يستثمرها ويفتح بها القلوب والبلاد. اللهم ردّ المسلمين إليك ردًا جميلًا، وهيئ لهم من أمرهم رشدًا.
стр. 1678
تربية القادة (١)
الخطبة الأولى:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له.
إخوة الإسلام: الأبوان سيدان في بيتهما، ولهما حقُّ التقدير والإكرام من أولادهما، والمعلمُ والمعلمةُ بين طلابهم، لهم المسؤولية الكبرى في التعليم والتربية، وعلى طلابهم أن يحترموا علمهم ويقدروا جهودهم، وكذا المسؤول في دائرته، والتاجر بين أجرائه، وكلُّ صاحبِ مسؤولية مهما كبرت أو صغرت مسؤوليتهم، كل هؤلاء يمكنهم أن يفرضوا على الآخرين احترامهم بحسن خُلقهم، وتقدير مشاعر الآخرين الذين يتعاملون معهم -ولو كانوا أقلَّ منهم منزلة. وبإمكانهم -كذلك - أن يفرضوا شخصياتهم بالقوة والقسر على من دونهم، ويلزموهم بطاعتهم ظاهرًا، وإن كرهوهم أو خالفوهم باطنًا.
هذان -معاشر الإخوة - نمطان وأسلوبان مختلفان في أسلوب تعامل الكبير مع الصغير، أو المعلم مع الطالب أو الرئيس مع المرؤوس، وكما الفرق كبيرٌ في أسلوب التعامل، فالفرق كبيرٌ في النتائج والآثار.
فالأبوان اللذان يتعاملان مع الأولاد بروح الأبوة الحانية المعلمة، فيعلمان أولادهما بالحسنى، ويتيحان لهم فرصة النقاش فيما يشكل عليهم، أو تخفى عليهم
стр. 1679
أسرارُه وآثاره، ويتركان للأبناء والبنات فرص التعبير عن وجهات النظر، ثم يُعْقبان بالقبول على ما يُستحسن من رأي، ويبينان لهم ما في الرأي الآخر من أوجه نقصٍ وتقصير.
هذان الأبوان المربيان يخرج لهما -بإذن الله - أولادٌ ممارسون في الحياة، عارفون بالصواب والخطأ، قادرون على النقاش مع الآخرين، بل ولديهم أداةٌ لتمييز الضارِّ من النافع، وهم مؤهلون للقيادة أكثر من غيرهم.
الأبوان القسريان اللذان لا يتيحان أيَّ فرصةٍ للنقاش، ولا يقبلان أيَّ وجهة نظر ممن هو دونهم، ولو كانت أسلم من وجهة نظرهم، هؤلاء الآباءُ «العنتريون» يمكن أن يستسلم لهم الأولادُ فترة، لكنهم ربما انفجروا من شدتهم قبل تمييزهم، فتكونُ النتيجة مرةً، وربما خرج من تحت أيديهم أبناء غيرُ قادرين على مواجهة مصاعب الحياة، أو على تحمل المسؤولية بكفاءة عالية؛ لأن شخصياتهم لم تنمُ، ومواهبهم لم تستثمر فترة من الزمن.
وهكذا الشأن بالنسبة للمعلمين مع الطلاب، أو المسؤولين مع من تحت أيديهم في أي مهنة .. وأيًا كان حجمُ المسؤولية، إذ الفرق كبير بين من يُقدر للآخرين رأيهم، ويحترم ذواتهم، وينمي فيهم، حبَّ العلم أو العمل، ويزرع فيهم بذور الرقابة الذاتية، ويريبهم على الثقةِ، تربية السادة والقادة، لا تربية العبيد التابعين. وبين من شأنه الصلفُ والتعسفُ، وإصدارُ الأوامرِ، والمطالبةُ بسرعةِ الأداء، مهما كان نوعُ الأمر، وقدرةُ المأمور وظروفه.
إن هذا النوع الأخير من التربية لا يصنع قادةً ولا يُصلح مجتمعًا، ولا يؤهل أمة للريادة والقيادة. وما أحوجنا في بيوتنا، ومدارسنا، ومؤسساتنا ومجتمعنا وأمتنا، إلى إخراج قادةٍ يقتنعون بتربيتنا بالقدوة، وتبنى فيهم القدراتُ الذاتية على التفكير،
стр. 1680
والإيجابية في العطاء، لا أن نخرج نسخًا كربونية، لا تتحرك إلا حين تُحَرَّكُ، ولا تُعطي إلا بقدر ما أَخَذَتْ، وتظل دائمًا تنتظر الآخرين ليقدموا لها كلَّ ما تحتاج إليه.
أجل؛ إن تكريم بني آدم فطرة الله، وتفضيلُهُمْ منسجمٌ مع تقدير الله في خلقه، يقول جلَّ شأنه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (١).
والآيات التي تدعو للتفكير والتأمل والعمل والإنتاج كثيرة في كتاب الله، وفي المقابل فالله تعالى ينهى عن السلبية والجمود، والاتكال والقعود في أكثر من آيةٍ وأكثر من مثلٍ في كتابه، ويكفي أن تقف من ذلك على قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (٢).
وفي سيرة رسول الله ﷺ وهديه، نماذج رائعة لطرائق عاليةٍ في التربية على يديه، وبمثل هذه التربية تخرجت نماذج فريدة في القيادة. فمصعبُ بنُ عمير ﵁ -الشابُّ - يُبعث للمدينة لمهمةٍ كبرى، وبعد أن علَّمه النبيُّ ﷺ ، ورباه، أعطاه الثقة في العمل والدعوة، وكان الشاب عند حسن الظنِّ به، فما لبث غير يسير حتى أدخل الله الإسلام على يديه إلى كل بيت من بيوت أهل المدينة، ثم تستمر الثقة به، ويسقط شهيدًا في أحد وهو يحمل راية المسلمين، ولا شك أن هناك من يكبره سنًا من المسلمين لكنها تربية القادة، وأسلوب الثقة التي يغرسها النبيُّ المعلُمِ في هؤلاء الشباب الذين أصبح من بقي منهم على قيد الحياة رجال المستقبل وأصحابَ الشأن.
стр. 1681
ويستمر ﷺ في إعطاء الثقة بأصحابه، ولو كانوا شبابًا أحداثًا حتى آخر لحظة من حياته، إذ أمر شابًا آخر بقيادة جيش فيه أمثال أبي بكر وعمر، وأبي عبيدة وطلحة وسعدٍ، وعبد الرحمن بن عوف وسواهم، وذلك لملاقاة الروم بالشام. ويشاء الله أن يتوفى رسول الله ﷺ وجيش أسامة معسكرٌ بالجرف من نواحي المدينة، فيصر الخليفة الأول على إنفاذ الجيش الذي عقد لواءه الرسولُ ﷺ ، ولو سُمِعَ من أفراد الجيش من يقترح تولية من هو أسن من أسامة. ولو قيل له: إن ظروف المدينة لا تسمح بخروج الجيش منها. إلا أن أبا بكر يُصر، ثم يشرح الله صدر المسلمين لما رآه، ويسير جيش أسامة، ويسير بإزائه الخليفة الصديق ماشيًا، وأسامة راكبًا، فيتحرج الشابُّ من صنيع الخليفة ويقول: يا أمير المؤمنين لتركبَنَّ أو لأنزلن، فيرد أبو بكر: والله لا تنزل، ووالله لا أَركب، ثم يستأذنه في إبقاء عمر إلى جانبه في المدينة (١). أيُّ تربية هذه خطها رسولُ الله، وقفّى أثرها صحابته من بعده (٢)، فأَنتجت جيلًا فَريدًا شهد العالم له بالتميز والصدق!
وقد اصطفاه ربُّهُ وأدبه فأحسن أدبه، وأوحى إليه أسلوب التعامل مع أصحابه فقال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (٣).
стр. 1682
الخطبة الثانية:
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا طاهرًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، وخيرتُه من خلقه، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين.
إخوة الإيمان: تقدير الذات، واحترام رأي الآخرين، والثقة المتبادلة، والإيجابية البناءة في الأخذ والعطاء، ورعاية الحقوق العامةِ والخاصة، والتفاهم بالحسنى .. كل هذه مفرداتٌ مهمةٌ للحياة الكريمة المنتجة.
أما التربية بالقسر، والإقناع بالقوة، وإسكات الطرف المقابل قبل سماع ما لديه، فتلك، وإن خيل لك -أيها المربي - أنها أسلوبٌ أمثل في التفوق وإقناع الآخرين .. ، فليست كذلك، وهي، وإن عالجت الموقف عاجلًا، فلها آثارُها السيئة مستقبلًا، ويكفي أن فيها هدرًا للكرامة، وقتلًا للمواهب، وسحقًا للذاتِ، وخسارة لرأي قد يكون هو الأصوبَ والأنجحَ.
أيها المربي: إنك قد تحتقر رأي الصغير، أو الضعيف، ولكن ثق أن مجرد تعويده على المشاركة وطرح الرأي طريقٌ لتربيته ووصله إلى الرأي الصائب مستقبلًا، واحتمالك للخطأ، في سبيل تدريب الناشئة على الرأي والتفكير كسبٌ كبير.
أيها المسلمون: وكما تسري هذه المفاهيم على الأفراد تسري -كذلك - على الدول والمجتمعات، فالعدل أساسُ في قيامها، وتقديرُ الشعوب، واحترامُ الرأي، وتوفيرُ الحرية المنضبطة بحدود الشرع، وصيانةُ الحقوق لكافة الأفراد، وإعطاء الثقة مع المراقبة؛ كل ذلك يُسهم في تعميرِ الدول، وإصلاح الراعي والرعية،
стр. 1683
واشتراك الجميع في المسؤولية، ولا تتيحُ الفرصة لتعطيل أي طاقة.
أما الظلمُ والتسلط، وإغفالُ رأي الآخرين، وهدرُ كراماتهم، وسلبُ حقوقهم، واعتبار الريبة محل الثقة، وتعطيل الطاقات، وفشو الأنانيات فذلك معجلٌ بالنهاية، مؤذن بالزوال.
وهنا قاعدةٌ نقلها وقررها شيخُ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهي جديرةٌ بالتأمل، إذ يقول: وأمور الناس تستقيم في الدنيا مع العدل الذي فيه الاشتراك في أنواع الإثم أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق، وإن لم تشترك في إثم. ثم قال: ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلَةَ وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة، ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم والإسلام (١).
وهذا الكلام النظري الذي ساقهُ ابن تيميَّة في آثار العدل والظلم، يُصدقه الواقعُ العملي للدول قديمًا وحديثًا، فكم من دولة حكمت بالحديد والنار، وظلم الناسِ وأهدرت كراماتهم وسلبت حقوقهم، ثمَّ لم تلبث هذه الدول الظالمة أن تهاوتْ عروشُها، وأصبحت عبرة للمعتدين! والعكس بالعكس.
إخوة الإيمان: إن الإسلام سابقٌ في تقرير هذه المعاني الكريمة، حاثٌ على العدل، ناه عن التسلط والظلم، مقدرٌ للآراء، حافظ لكرامة بني الإنسان. ومن المؤسف أن يتخلف المسلمون عن تطبيق هذه المعاني أو بعضها، ثمّ تظهَرَ عند الدول الكافرةِ أنماط من العدل، وتقدير الكرامة، وحفظ الحقوق، واحترام الرأي فيظن بعض الجهلة ذلك تقصيرًا من الإسلام، والحقُّ أنه من تخلف المسلمينَ وتقصيرهم، وفوق ما سلف من نصوص تؤكد عناية الإسلام بهذا الجانب، فيكفي
стр. 1684
أن تعلم أن رسول الله ﷺ قبل شفاعة وجوار امرأةٍ وأعلن ذلك على الملأِ بقوله «لقد أجرنا من أَجرتِ يا أم هانئ»، وقبل مشورةً أخرى يوم الحديبية، حين تأخرَ المسلمون في الحَلْق -إذ لم يعتمروا - فأشارت عليه أحدُ نسائه بأن يبدأ في الحلق أمام المسلمين، ففعل وتتابع المسلمون يحلقون.
وفي سيرته ﷺ عمومًا، كان يُقَدِّرُ الشبان ويأذن لهم بحضور مجالس الكبار. وفي سيرة ابن عمر، وابن عباس وأمثالهما .. نماذج لا تُدانى في تقدير آراء الصغار، وإشراكهم في المهمات مع الكبار. وإذا كان هذا صنيعَه مع النساء والصغار .. فلا تسأل عن هديه وأسلوب تعامله مع الرجال والكبار.
والسؤال المهم: كيف ننمي هذه المعاني، ونسهم في تربية القادة ونفسح المجال للقدرات، ونحافظ على الحقوق والكرامات؟
لا بد في هذا الصَّدد من شعور المربين بهذا النوع من التربية، ولا بد من الممارسة العملية لمن يربون، والآباء والأمهات والمعلمون والمعلمات والمسؤولون والرؤساء كل أولئك مسؤولون عن تحقيق هذه المعاني وغيرها فيمن تحت أيديهم، واقعًا لا تنظيرًا، إذ لا بد من قراءة السيرة النبوية، وسير الأعلام والنبلاء. والمناهج التعليمية لا بد من صياغتها بشكل يحقق هذا الغرض للدارسين، وقبل هذا وذاك، لا بد من وعي المعلمين واستشعارهم، ولا بد من قيام السياسة الإعلامية على أساس من الصدق في الطرح، والثقة في النقل، وإعطاء الفرصة لكل رأي بناء، ولا بد من ضرب النماذج العادلة التي تدعو للإعجاب والاقتداء، أما التعتيمُ في النقل، وحجبُ الرؤية الصحيحة، والإسراف في الثناء، وإغفالُ القيم الكبرى، وبروزُ المهرجين، واختفاء العلماءِ والمفكرين الجادين عن هذه الوسائل الإعلامية، فكل ذلك يؤخر الوعي، ويُسهم في نقل
стр. 1685
الغثاء، ولا يعين على استثمار الطاقات.
ومن الأمور المعينة كذلك: إفشاءُ الشورى وتشجيعُ المؤسسات الشورية، والكتابةُ في هذا الميدان، واستخدام الاستبانة في الآراء، والعملُ بنتائجها، ولا بد من شعور العلماء بقدرهم، ولا بد من استفادة الصغار من تجارب الكبار، وتقدير الكبار لهمم وآراء الصغار. وهكذا تتكامل القدرات، ويستفاد من كافة الإمكانات، ولا يغدو في المجتمع عاطل، ولا تهدر طاقة، ولا يستخف برأي أو مشورة وحينها نبلغ بتربيتنا تربية القادة، وتثمر الخطوة ثمارها في العاجل والآجل.
اللهم سدّدْنا في أقوالنا وأفعالنا.