← Джавами‘

Джавами‘ · id 20948

شعاع من المحراب

سليمان بن حمد العودة

Полный текст (3 545 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

ويستمر ﷺ في إعطاء الثقة بأصحابه، ولو كانوا شبابًا أحداثًا حتى آخر لحظة من حياته، إذ أمر شابًا آخر بقيادة جيش فيه أمثال أبي بكر وعمر، وأبي عبيدة وطلحة وسعدٍ، وعبد الرحمن بن عوف وسواهم، وذلك لملاقاة الروم بالشام. ويشاء الله أن يتوفى رسول الله ﷺ وجيش أسامة معسكرٌ بالجرف من نواحي المدينة، فيصر الخليفة الأول على إنفاذ الجيش الذي عقد لواءه الرسولُ ﷺ ، ولو سُمِعَ من أفراد الجيش من يقترح تولية من هو أسن من أسامة. ولو قيل له: إن ظروف المدينة لا تسمح بخروج الجيش منها. إلا أن أبا بكر يُصر، ثم يشرح الله صدر المسلمين لما رآه، ويسير جيش أسامة، ويسير بإزائه الخليفة الصديق ماشيًا، وأسامة راكبًا، فيتحرج الشابُّ من صنيع الخليفة ويقول: يا أمير المؤمنين لتركبَنَّ أو لأنزلن، فيرد أبو بكر: والله لا تنزل، ووالله لا أَركب، ثم يستأذنه في إبقاء عمر إلى جانبه في المدينة (١). أيُّ تربية هذه خطها رسولُ الله، وقفّى أثرها صحابته من بعده (٢)، فأَنتجت جيلًا فَريدًا شهد العالم له بالتميز والصدق! وقد اصطفاه ربُّهُ وأدبه فأحسن أدبه، وأوحى إليه أسلوب التعامل مع أصحابه فقال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (٣).

стр. 1682

الخطبة الثانية: الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا طاهرًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، وخيرتُه من خلقه، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. إخوة الإيمان: تقدير الذات، واحترام رأي الآخرين، والثقة المتبادلة، والإيجابية البناءة في الأخذ والعطاء، ورعاية الحقوق العامةِ والخاصة، والتفاهم بالحسنى .. كل هذه مفرداتٌ مهمةٌ للحياة الكريمة المنتجة. أما التربية بالقسر، والإقناع بالقوة، وإسكات الطرف المقابل قبل سماع ما لديه، فتلك، وإن خيل لك -أيها المربي - أنها أسلوبٌ أمثل في التفوق وإقناع الآخرين .. ، فليست كذلك، وهي، وإن عالجت الموقف عاجلًا، فلها آثارُها السيئة مستقبلًا، ويكفي أن فيها هدرًا للكرامة، وقتلًا للمواهب، وسحقًا للذاتِ، وخسارة لرأي قد يكون هو الأصوبَ والأنجحَ. أيها المربي: إنك قد تحتقر رأي الصغير، أو الضعيف، ولكن ثق أن مجرد تعويده على المشاركة وطرح الرأي طريقٌ لتربيته ووصله إلى الرأي الصائب مستقبلًا، واحتمالك للخطأ، في سبيل تدريب الناشئة على الرأي والتفكير كسبٌ كبير. أيها المسلمون: وكما تسري هذه المفاهيم على الأفراد تسري -كذلك - على الدول والمجتمعات، فالعدل أساسُ في قيامها، وتقديرُ الشعوب، واحترامُ الرأي، وتوفيرُ الحرية المنضبطة بحدود الشرع، وصيانةُ الحقوق لكافة الأفراد، وإعطاء الثقة مع المراقبة؛ كل ذلك يُسهم في تعميرِ الدول، وإصلاح الراعي والرعية،

стр. 1683

واشتراك الجميع في المسؤولية، ولا تتيحُ الفرصة لتعطيل أي طاقة. أما الظلمُ والتسلط، وإغفالُ رأي الآخرين، وهدرُ كراماتهم، وسلبُ حقوقهم، واعتبار الريبة محل الثقة، وتعطيل الطاقات، وفشو الأنانيات فذلك معجلٌ بالنهاية، مؤذن بالزوال. وهنا قاعدةٌ نقلها وقررها شيخُ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهي جديرةٌ بالتأمل، إذ يقول: وأمور الناس تستقيم في الدنيا مع العدل الذي فيه الاشتراك في أنواع الإثم أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق، وإن لم تشترك في إثم. ثم قال: ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلَةَ وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة، ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم والإسلام (١). وهذا الكلام النظري الذي ساقهُ ابن تيميَّة في آثار العدل والظلم، يُصدقه الواقعُ العملي للدول قديمًا وحديثًا، فكم من دولة حكمت بالحديد والنار، وظلم الناسِ وأهدرت كراماتهم وسلبت حقوقهم، ثمَّ لم تلبث هذه الدول الظالمة أن تهاوتْ عروشُها، وأصبحت عبرة للمعتدين! والعكس بالعكس. إخوة الإيمان: إن الإسلام سابقٌ في تقرير هذه المعاني الكريمة، حاثٌ على العدل، ناه عن التسلط والظلم، مقدرٌ للآراء، حافظ لكرامة بني الإنسان. ومن المؤسف أن يتخلف المسلمون عن تطبيق هذه المعاني أو بعضها، ثمّ تظهَرَ عند الدول الكافرةِ أنماط من العدل، وتقدير الكرامة، وحفظ الحقوق، واحترام الرأي فيظن بعض الجهلة ذلك تقصيرًا من الإسلام، والحقُّ أنه من تخلف المسلمينَ وتقصيرهم، وفوق ما سلف من نصوص تؤكد عناية الإسلام بهذا الجانب، فيكفي

стр. 1684

أن تعلم أن رسول الله ﷺ قبل شفاعة وجوار امرأةٍ وأعلن ذلك على الملأِ بقوله «لقد أجرنا من أَجرتِ يا أم هانئ»، وقبل مشورةً أخرى يوم الحديبية، حين تأخرَ المسلمون في الحَلْق -إذ لم يعتمروا - فأشارت عليه أحدُ نسائه بأن يبدأ في الحلق أمام المسلمين، ففعل وتتابع المسلمون يحلقون. وفي سيرته ﷺ عمومًا، كان يُقَدِّرُ الشبان ويأذن لهم بحضور مجالس الكبار. وفي سيرة ابن عمر، وابن عباس وأمثالهما .. نماذج لا تُدانى في تقدير آراء الصغار، وإشراكهم في المهمات مع الكبار. وإذا كان هذا صنيعَه مع النساء والصغار .. فلا تسأل عن هديه وأسلوب تعامله مع الرجال والكبار. والسؤال المهم: كيف ننمي هذه المعاني، ونسهم في تربية القادة ونفسح المجال للقدرات، ونحافظ على الحقوق والكرامات؟ لا بد في هذا الصَّدد من شعور المربين بهذا النوع من التربية، ولا بد من الممارسة العملية لمن يربون، والآباء والأمهات والمعلمون والمعلمات والمسؤولون والرؤساء كل أولئك مسؤولون عن تحقيق هذه المعاني وغيرها فيمن تحت أيديهم، واقعًا لا تنظيرًا، إذ لا بد من قراءة السيرة النبوية، وسير الأعلام والنبلاء. والمناهج التعليمية لا بد من صياغتها بشكل يحقق هذا الغرض للدارسين، وقبل هذا وذاك، لا بد من وعي المعلمين واستشعارهم، ولا بد من قيام السياسة الإعلامية على أساس من الصدق في الطرح، والثقة في النقل، وإعطاء الفرصة لكل رأي بناء، ولا بد من ضرب النماذج العادلة التي تدعو للإعجاب والاقتداء، أما التعتيمُ في النقل، وحجبُ الرؤية الصحيحة، والإسراف في الثناء، وإغفالُ القيم الكبرى، وبروزُ المهرجين، واختفاء العلماءِ والمفكرين الجادين عن هذه الوسائل الإعلامية، فكل ذلك يؤخر الوعي، ويُسهم في نقل

стр. 1685

الغثاء، ولا يعين على استثمار الطاقات. ومن الأمور المعينة كذلك: إفشاءُ الشورى وتشجيعُ المؤسسات الشورية، والكتابةُ في هذا الميدان، واستخدام الاستبانة في الآراء، والعملُ بنتائجها، ولا بد من شعور العلماء بقدرهم، ولا بد من استفادة الصغار من تجارب الكبار، وتقدير الكبار لهمم وآراء الصغار. وهكذا تتكامل القدرات، ويستفاد من كافة الإمكانات، ولا يغدو في المجتمع عاطل، ولا تهدر طاقة، ولا يستخف برأي أو مشورة وحينها نبلغ بتربيتنا تربية القادة، وتثمر الخطوة ثمارها في العاجل والآجل. اللهم سدّدْنا في أقوالنا وأفعالنا.

стр. 1686

قصة ذي النون ﵇ (١) الخطبة الأولى: الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أعطى كلَّ شيء خلقه ثم هدى، ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٢). وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله فضَّله بالنبوة، وعلَّمه بالرسالة ما لم يكن يعلم، وكان فضل الله عليه عظيمًا. اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر النبيين والمرسلين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٣). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٤). عباد الله: في القصَص بشكل عام سلوةٌ وعبرة، وأحسنُ القصص قصص

стр. 1687

القرآن: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (١). وسأورد لكم -في هذه الخطبة - طرفًا من قصة نبيٍّ رسول دعا قومه فلم يستجيبوا له أول الأمر، فذهب مُغاضبًا لهم، وركب البحر وشاء الله أن تقف به وبمن معه السفينة في لجِّ البحر، أو تهيج بها الرياحُ العاتية، مما أحوج إلى الاقتراع وإنزال أحدِ ركابها، فوقع السَّهم على هذا النبي، فكان من المدحضين، فالتقمه الحوتُ وهو مليم، ولذا نسُب إلى الحوت فقيل له: (ذو النون)، وعاش فترة في بطن الحوت، لا يهشم له لحمًا، ولا يكسر له عظمًا، لكنه في ظلمات موحشة، أنقذه الله منها -وإن خرج سقيمًا ضعيفًا - بسبب تعرُّفِه على الله في الشدة كما كان يعرفه في الرخاء، وإذا احتمى الأنبياءُ بحمى الله واعترفوا له بالخطيئة، ودعوه بالفرج فغيرهم أولى بذلك. إنه يونس بن متّى صلى الله عليه وعلى سائر الأنبياء، عاش في أرض الموصل، وبعثه الله إلى أهل نينوى، وسمَّى في القرآن سورة باسمه، وذكره في معرض قصص الأنبياء؛ فقال تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢). وفي «الصافات» عرضٌ وتفصيلٌ لبعض ما أجمل في قصته (٣)، وفي سورة

стр. 1688

«القلم» تذكير لمحمد ﷺ والمؤمنين بقصة يونس، وأخذ العبرة منها (١). وفي قصة يونس -بشكل عام - درس وعبرة للأمة التي نزل عليها القرآن، وفيها حكمٌ وآداب ودعاءٌ مستجاب يتجاوز يونس إلى غيره من المؤمنين -كما سيأتي البيان. أيها المسلمون: وقبل أن أقف على شيء من دروس قصة يونس ﵇ -أسوق لكم تفصيلًا أكثر لقصته وردت في السنة، رواها ابن أبي شيبة في «مصنفه» وعزاها صاحب «الدرر المنثور» إلى أحمد في «الزهد»، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم وغيره، ونقل الحافظ ابن حجر مقطعًا منه وحكمَ بصحة رواية ابن أبي حاتم كما في «الفتح» (٢) وصحّحها غيره (٣). والرواية بنصِها عن ابن مسعود ﵁ قال: «إن يونس ﵇ كان وعد قومه العذاب، وأخبرهم أنه يأتيهم إلى ثلاثة أيام، فتفرقوا بين كل والدةٍ، وولدها، ثم خرجوا فجأروا إلى الله واستغفروه، فكفَّ الله عنهم العذاب، وغدا يونس ﵇ ينتظر العذاب فلم ير شيئًا، وكان مَنْ كَذَبَ ولم يكن له بيِّنة قُتل، فانطلق مغاضبًا، حتى أتي قومًا في سفينةٍ، فحملوه، وعرفوه. فلما دخل السفينة ركدت، والسفن تسير يمينًا وشمالًا، فقال: ما بال سفينتكم؟ قالوا: ما ندري. قال: ولكني أدري، إن فيها عبدًا أَبِقَ من ربه، وإنها والله لا تسير حتى تُلقوه، قالوا: أما أنت والله يا نبي الله فلا نلقيك. فقال لهم يونس ﵇: اقترعوا فمن قرع فليقع، فاقْتَرَعوا، فقرعهم يونس ﵇ ثلاث مرار، فوقع وقد وُكِّل به الحوت، فلما وقع ابتلعه فأهوى به إلى قرار الأرض، فسمع يونس ﵇ تسبيح الحصى: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ

стр. 1689

سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (١). قال: ظلمة بطن الحوت، وظلمة البحر، وظلمة الليل. قال: ﴿لَوْلا أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ (٢). قال كهيئة الفرخ الممعوط الذي ليس عليه ريش، وأنبت الله عليه شجرة من يقطين، فكان يستظل بها أو يصيب منها فيبست، فبكى عليها حين يبست، فأوحى الله إليه: أتبكي على شجرة أن يبست، ولا تبكي على مئة ألف أو يزيدون، أردت أن تهلكهم؟ ! فخرج فإذا هو بغلام يرعى غنمًا، فقال: ممن أنت يا غلام؟ قال: من قوم يونس، قال: فإذا رجعت إليهم فأقرئهم السلام، وأخبرهم أنك لقيت يونس. فقال الغلام: إن تكن يونس فقد تعلم أنه من كذب ولم يكن له بينة قتل، فمن يشهد لي؟ قال: تشهد لك هذه الشجرة، وهذه البقعة. فقال الغلام ليونس: مُرْهما، فقال لهما يونس ﵇: إذا جاءكما هذا الغلام فاشهدا له، قالتا: نعم. فرجع الغلام إلى قومه، وكان له إخوة، فكان في منعة فأتى الملك، فقال: إني لقيت يونس وهو يقرأ عليكم السلام، فأمر به الملك أن يقتل، فقال: إن له بينة، فأرسل معه، فانتهوا إلى الشجرة والبقعة، فقال لهما الغلام: نشدتكما بالله هل أشهدكما يونس؟ قالتا: نعم، فرجع القوم مذعورين يقولون: تشهد لك الشجرة والأرض! فأتوا الملك، فحدثوه بما رأوا فتناول الملك يد الغلام فأجلسه في

стр. 1690

مجلسه، وقال: أنت أحق بهذا المكان مني، وأقام لهم أمرهم ذلك الغلام أربعين سنة. إخوة الإيمان! ومن دروس القصة: أهمية الصبر والحاجة إلى التواصي به، إن في دعوة النفس إلى الخير وترويضها عليه أو دعوة الآخرين لذلك، ولهذا جاء تأنيسُ محمد ﷺ به وتذكيره بقصة يونس في سبيل دعوة قومه: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨) لَوْلا أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (١). ثانيًا: وما قدَّره الله على يونس لحكمةٍ بالغة، لا يقلِّل من شأنه ولا ينبغي لأحدٍ أن يقولَ عنه أنه أفضل منه، ولذا ورد في «الصحيحين» عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خيرٌ من يونس بن متى» (٢). قال الحافظ ابن حجر: وقيل: خصَّ يونس بالذكر، لما يُخشى على من سمع قصته أن يقع في نفسه تنقيصٌ له، فبالغ في ذكر فضله لسدِّ هذه الذريعة (٣). ثالثًا: قدرةُ الله عظيمة في كل شيء، وهي واضحة المعالم في قصةِ صاحب الحوت، فيونسُ يظل حيًا، وإن غيب في ظلمة البحر وظلمة بطن الحوت وظلمة الليل، والحصا يسبح الله في قاع البحر، والله أقدر الشجر والحجر وأنطقها على الشهادة للغلام المخبر بخبر يونس ﵇، والله وحده هو الذي يسكن الرياح فتظل السفنُ رواكد على ظهر البحر، أو يهيجها فتضطرب، وربما غرقت وأغرقت من

стр. 1691

فيها، ولا خير فيمن يدعو ربَّه مخلصًا إذا رأى الهول في البحر، فإذا نجاه الله إلى البر إذا هو من المشركين الجاحدين. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧) أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لاَ تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (٦٨) أَمْ أَمِنتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفا مِّنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لاَ تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾ (١). نفعني الله وإياكم بهدي كتابه.

стр. 1692

الخطبة الثانية: الحمد لله رب العالمين، جعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا ملجأ ولا منجى منه إلا إليه، كاشف الضر، ومزيل الغمِّ والهم، ومُنجي المؤمنين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ترك الأمة على المحجة البيضاء لا يزيغ عنها إلا هالك، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. إخوة الإسلام: وما أحوج الأمة المسلمة في ظروفها الراهنة، وكروبها المتلاحقة والظلمات المحيطة بها، أن تعي الدرس في قصة صاحب الحوت، فتتجه إلى الله وحده، وترغب إليه وتدعوه دعاء المكروب، دعاء المعترف بخطئه والواثق بنصرة خالقه، واللهُ لا يخيب الرجاء، ولا يقطع حبل السماء، والله قريبٌ لمن دعاه .. وكم هو عظيمٌ دعاءُ ذي النون! وأعظم منه سماعُ النجوى واستجابة الله للنداء: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١). عباد الله: كم تغيب عنا هذه الدعوة واسمُ الله الأعظم وهما مفتاح للإجابة وسبيل للنجاة. روى الإمام أحمدُ والترمذي والنسائي عن سعد بن أبي وقاص ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال: «دعوة ذي النون: ﴿لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٢) فإنها لا يدعو بها مسلم ربَّه في شيء قط إلا استجاب له». ورجال

стр. 1693

أحمد رجال الصحيح، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (١). وفي رواية: «اسم الله الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، دعوةُ يونس بن متّى»، قيل لرسول الله ﷺ : هي ليونس خاصة أم لجماعة المسلمين؟ قال: «هي ليونس بن متّى خاصة، ولجماعة المؤمنين عامة، إذا دعوا بها، ألم تسمع قول الله : ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢)»؟ هكذا جاء في هذه الرواية عن اسم الله الأعظم (٣). وورد في رواية صحيحة: «اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في ثلاث سور من القرآن، في البقرة وآل عمران وطه». رواه ابن ماجة والطبراني والحاكم وسنده صحيح (٤). فهل يتذكر المسلمون قيمة هذه الدعوة؟ وهل يدعون بها في حال كربهم وهم موقنون بإجابة ربِّهم ونجاته ونصره لهم؟ إخوة الإيمان: ومن قصة يونس ﵇ وقومه يتبين صدق التوجه إلى الله، والتضرُّع إليه، وبالصدق والتوبة والدعاء، يرفع الله الضراء ويكشف البلوى، وتأملوا ما خصَّ الله قوم يونس بقوله تعالى: ﴿فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ (٥). والمعنى: لم توجد قريةٌ آمنت بكمالها بنبيهم ممن سلف من القرى إلا قوم

стр. 1694

يونس، وما كان إيمانهم إلا تخوفًا من عذاب الله الذي أنذرهم به نبيهم يونس ﵇ فخرجوا إلى الصحراء وجأروا إلى الله بالدعاء ومعهم نساؤهم وأطفالهم ودوابهم، وفرقوا بين الأمهات وأولادها، حتى تضرعوا إلى الله وجأروا إليه، وصدقوا في توبتهم ودعائهم، ورغت الإبل وفصلانُها، وخارت البقر وأولادها، وثغت الغنمُ وسخالها، فلما علم الله صدقهم رفع عنهم العذاب ومتعهم إلى حين (١). أيها المسلمون: وفي قصة يونس من العبر: عِظَم جريمة الكذب، وقد كانت في الأمم الغابرة جريمة كبرى يستحق مرتكبها القتل. كما أنّ في القصة أن مُلك الله يؤتيه من يشاء، وهو المعزُّ لمن شاء، وقد رفع الله قدر الغلام من راعي غنم إلى ملكٍ يسوس الناس بالحسنى فترة من الزمن. وفي القصة: أن عظم الجزاء مع عظم البلاء، ويبتلي اللهُ عباده على قدر إيمانهم، والأنبياء أكثرُ الناس بلاءً، ومع ما وقع ليونس ﵇ من البلاء فقد كان في نجاته درسٌ له ورفعة وذكرى للمؤمنين من بعده، وصدق الله: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢). عباد الله: خلاصة دعوة ذي النون صدق في التوجه إلى الله، وتسبيح بحمده وحده، وطلب الغوث والنجاة منه، وإذا وصلت الأمة والأفراد هذا المستوى فسيأتيهم ما يوعدون. أيها المؤمنون وتظل قصةُ ذي النون درسًا وموعظة لكل مغموم، ومهما اشتطّت بالمرء الدروب، أو لاحقته الهموم، أو أحاطت به الكروب، فخلاصه الوحيدُ

стр. 1695

مناجاة ربِّه، والتضرُّع إليه، وسؤاله الفرج وصدق الله: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ﴾ (١). وحاجة المرءِ للتوبة والاستغفار مستمرة، وفيها خلاصٌ من الذنوب، وانتقالٌ من حالٍ إلى حال: ﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (٢). هذا على مستوى الأفراد، وعلى مستوى الأمة، فمهما أطلقت الأمة من نداءات فسيظلّ النداءُ المنقذ: ﴿لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ﴾ (٣)، ومهما تلبست به من شعارات براقة زائفة، فيظل شعارُ التوحيد هو الشعار الحق. كم تصيب الأمة من أزمات ولكنها لا تحسن المخرج منها، فتتوالى عليها النكبات، وتتضاعف الأزمات، وكم تملك من أسباب القوة الإلهية ولكنها -مع الأسف - تهمشها وتظل تلهث وراء السراب مستجديةً من لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، وتقرأ في كتاب ربها أن الولاء الحقَّ لله ولرسوله وللمؤمنين، ثم هي تستمرئ ولاء الكافرين وتناشد المنافقين، وما لم يصح المعتقدُ، ويتوحد الاتجاه لله الحقِّ، فستظل المسيرة متخبطة، والعدوُّ غالبًا، والنصرُ بعيدًا. ألا ويح الأمة في صدودها عن كتاب ربّها، وبعدها عن هدي أنبيائها والله يقول: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (٤). ويقول: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ (٥).

стр. 1696

وقصة يونس ﵇ واحدة من قصص القرآن، فهل تُقرأ للعبرة والاتعاظ أم تُهذُّ كغيرها من آي الكتاب هَذَّ الشعر .. ؟ ! اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا، اللهم علِّمنا منه ما جهلنا، وذكّرنا منه ما نسينا وانفعنا به.

стр. 1697

موعظة واستدامة الطاعة (١) الخطبة الأولى: الحمد لله خلق الموت والحياة ليبلوكم أيُّكم أحسنُ عملًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أحاط بكل شيءٍ علمًا، وأحصى كلَّ شيءٍ عددًا، لا يعزب عنه مثقالُ ذرةٍ في السماوات ولا في الأرض، كلٌّ في كتاب مبين. وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، بعثه الله بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا، فبلَّغ البلاغ المبين، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين. اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر النبيين والمرسلين، وارض اللهم عن أصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (٢). ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ (٣). عباد الله: ما حالُ تقوى الله بعد شهر التقوى؟ وما الذي خلَّفه في نفوسنا شهر الصيام والقيام وتلاوة القرآن؟ إن العهد بشهر رمضان قريبٌ، فهل لا تزال المساجدُ تمتلئُ بالمصلين كما كانت كذلك في شهر رمضان؟ وهل استمرَّت الصلةُ بكتاب

стр. 1698

الله؟ أم بدأ يظهر على البعض هجرُ القرآن؟ يا من حفظتم أسماعكم وأبصاركم عن الحرام في شهر رمضان، هل يسوغ إطلاقُ العنانِ لها في شهر شوال؟ ويا من صبَّرتم أنفسكم عن تعاطي المشروبات المحرمة في شهر الصيام، هل كان ذلك حافزًا لكم على الاستمرار على مجاهدة النفس فيما بعد شهر الصيام؟ أيها المسلمون: وهنيئًا لمن أحسَّ بتقوى الصيام بعد انقضاء شهر رمضان، هنيئًا لمن أتمَّ صيام رمضان، ثم أتبعه ستًا من شوال، وهنيئًا لمن تعلق قلبُه بالمساجد بعد ملازمتها في شهر رمضان، هنيئًا لمن واصل تلاوة كتاب الله وتدبَّره بعد انقضاء شهر الصيام، وهنيئًا لمن دأبُه قيامُ الليل في سائر العام، وهنيئًا لمن لم يفترْ عن متابعةِ أصحابِ الحوائج والمساكين، فيسد حاجتهم، ويفرّج شيئًا من كروبهم، ويدخل السرور عليهم. هنيئًا لمن أورثه الصيام التقي والخشوع والإنابة لربِّ العالمين، وحالُهم كما قال الشاعر: يمشون نحو بيوت الله إذ سمعوا ... (اللهُ أكبرُ) في شوقٍ وفي جذلِ أرواحُهم خشعتْ لله في أدبٍ ... قلوبُهم من جلالِ اللهِ في وَجَلِ نحواهمُ: ربَّنا جئناك طائعةً ... نفوسُنا، وعصينا خادعَ الأملِ إذا سجى الليلُ قاموه وأعينُهم ... من خشيةِ الله مثلُ الجائد الهطلِ همُ الرجالُ فلا يلهيهمُ لعبٌ ... عن الصلاة ولا أكذوبةُ الكَسلِ يا أخا الإيمان: أين أنت من قومٍ كانوا يحرصون على السُّنن جهدَهم؟ فكيف ترى حرصَهم على الواجبات؟ ! وأراك ونفسي نقحم أنفسنا أحيانًا في المحرمات، وقد تتقاصر هممُنا عن الواجبات، فضلًا عن المستحبات، ودونك هذا النموذج في المسارعة للخيرات:

стр. 1699

أخرج ابنُ عبد البر بسند جيد - كما قال الحافظ في «الفتح» - عن أبي داود صاحب «السنن»؛ أنه كان في سفينةٍ فسمع على الشطِّ حَمْدَ عاطسٍ، فاستأجر قاربًا بدرهم حتى جاء إلى العاطس فشمّته، ثم رجع، فسُئل عن ذلك، فقال: لعله يكون مجابَ الدعوة، فلما رقدوا سمعوا قائلًا يقول في أهلِ السفينة: إن أبا داود اشترى الجنةَ من الله بدرهم. وذكره الذهبيُّ في «سير أعلام النبلاء». يا عبد الله: أللقوم غايةٌ غير غايتك، أم أنك لا تخافُ مما يخافون، أم أنك زاهد في الجنان والنعيم الذي يطلبون؟ أم لديك شكٌّ في الوعد الحق الذي أخبر عنه الحقُّ بقوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٥٣) فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١). يا ابن آدم: تأمل من أين جئت وإلى أين ستنتهي: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ (٢). يا عبد الله: أتغترُّ بالله أم تنكر خلقه .. أم تستهين بالحفظة الكاتبين؟ ألا فاعمل صالحًا واتخذ من دار المهلة زادًا لدار النُّقلة، فالفرقُ كبير في المنازل بين الأبرار والفُجّار، ودونك كتاب الله فهو لك موقظ ومذكِّر: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨) كَلَّا بَلْ

стр. 1700

تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (١٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ (١). أيها المسلمون: ليس لعمل المسلم غايةٌ دون الموت: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (٢). وما خلق اللهُ الناس عبثًا، بل وما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما باطلًا، لكن ذلك لحكمة عظيمة، ألا وهي تحقيقُ العبودية لله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٣). وينبغي للمسلم أن يعبد الله في كل حال؛ في حال نومه ويقظته، وفي حال قوتهِ وضعفه، وهو في المسجد أو بيته أو مكان عمله، حين يراه الناس وحين لا يراه إلا الذي يعلم السرَّ وأخفى. ويمكن للمسلم أن يراوح بين أنواع من العبادة حتى تتعود نفسُه على العبادة، والدعوة، والإحسان. وكم تحتاج النفسُ في هذا الطريق إلى مجاهدةٍ ومكابدةٍ .. لكنها مع الصدق والإخلاص تُسلم القيادَ ويقودها صاحبُها إلى ما فيه صلاحُها عاجلًا وآجلًا. ويرحم اللهُ أقوامًا جاهدوا أنفسهم حتى ذللوها للخير، ونأوا بها عن مواطنِ السوءِ والريب. لكنهم استسهلوا الصعب، ولم ينقطعوا في ثنايا الطريق وبُنياتِه الأولى، فهذا محمدُ بنُ المنكدر ﵀ يقول:

стр. 1701

«كابدت نفسي أربعين سنة حتى استقامت» (١). وكان من معادن الصدق، ويجتمع إليه الصالحون، كما وصفه سفيانُ الثوري يرحمه الله. وهذا «طلقُ بنُ حبيب» اشتهر بكثرة العبادة، حتى كان المتمني بالبصرة يقول ويتمنّى عبادة طلق بن حبيب (٢). أما «مُسلم بنُ يسار» فكان إذا صلى كأنه ثوبٌ مُلقًى من خشوعه (٣). أما «إسماعيل بنُ عبيد الأنصاري» فكان يُلقب بـ (تاجر الله)؛ لأنه جعل ثلث كسبه لله ينفقه في وجوه الخير (٤). أما «زبيدُ بنُ الحارث اليامي» فيكفيه أن يقول عنه سعيدُ بنُ جبير رحمهما الله: لو خُيرت مَنْ ألقى الله تعالى في مسلاخه لاخترتُ زبيدًا اليامي. ومع ذلك كان الرجلُ إلى علمه وعبادته متواضعًا، وكان يخدم العجائز والأرامل، فإذا كانت الليلةُ المطيرة طاف على عجائز الحي يقول: ألكنّ في السوقِ حاجة (٥)؟ عباد الله: تلك خلالٌ وخصالٌ كريمة، وضروبٌ من المجاهدة والبر والإحسان، لم يكن أصحابُها يقصرونها على شهر رمضان، بل كانت تلك سجاياهم وهممُهم على الدوام، وما أروع الحكمة القائلة: «أيها المؤمن إن كنت أصبت في الساعات التي مضت، فاجتهد للساعات التي تتلو، وإن كنت أخطأت فكفّر، وامح ساعةً بساعة» (٦).

стр. 1702

وردد مع الشاعر قوله: أنامُ على سهوٍ وتبكي الحمائمُ ... وليس لها جرمٌ ومني الجرائمُ! كذبتُ لعمر الله لو كنتُ عاقلًا ... لما سبقتني بالبكاءِ الحمائمُ وبعدُ - يا أخا الإسلام - إن من جدَّ وجد، وليس من سهر كمن رقد. والموتُ منك قيدُ شبر الشابر، وهذا دبيبُ الليالي يُسارق نفسك ساعاتِها، وإنَّ سِلَع المعالي غالياتُ الثمن، وإن الطريق مخوف والاغترار غالب، والخطر عظيم، والناقد بصير (١). أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ (٢).

стр. 1703

الخطبة الثانية: الحمد لله جعل الليل والنهار خلفةً لمن أراد أن يذكَّر أو أراد شكورًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله ﷺ وعلى إخوانه وآله، ورضي الله عن أصحابه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. عباد الله: اصطفاكم اللهُ من بين الأمم، وأورثكم خير الكتب، وبعث إليكم خاتم الرسل، وقسَّمكم بحسب الهمَّة والمسارعة للخيرات - أصنافًا ثلاثة، فلينظر كلٌّ منكم في نفسه من أيِّ هذه الأصناف يكون، ولا زال في الأمر مُهلةٌ، والسعيدُ من انتقل - قبل الموت - من منزلة دونية إلى منزلة عليَّة. يقول تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ (١). وإذا أردت المنافسة والانتقال من حالٍ إلى حالٍ أحسن فتأمل فرق المنازل، والفرق بين الحبور والصراخ والعويل، والنماذج تُعرض أمام ناظريك اليوم، ولديكَ فرصةٌ للاعتبار والتغيير، لكنها في يوم المعاد حسراتٌ وتبكيتٌ ما لها من سامعٍ أو مجير. قال تعالى مستكملًا جزاءَ الدرجات وثواب العاملين من الأبرار والفجار - مبتدئًا بثواب الخيرين ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ (٢).

стр. 1704

أما الأشرار الكفّار فقال عن مصيرهم: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ (١). يا أخا الإيمان جدّد عزيمتك، واصدق في قصدك، وارتفع بهمَّتك. قال العارفون: «فالكيِّسُ يقطع من المسافة بصحة العزيمةِ، وعلوِّ الهمةِ، وتجريد القصد، وصحة النيةِ مع العملِ القليل - أضعاف أضعاف ما يقطعه الفارغُ من ذلك مع التعب الكثير والسفرِ الشاقِ، فإن العزيمة والمحبة تُذهب المشقَّةَ وتطيب السيرَ. والتقدمُ والسبق إلى الله إنما هو بالهمم وصدق الرغبة والعزيمة، فيتقدمُ صاحبُ الهمةِ مع سكونه صاحبَ العمل الكثير بمراحل» (٢). يا أخا الإسلام وإن كنت حريصًا على تأمين مستقبلك الدنيوي بوظيفةٍ تقتات منها، أو بتجارة تكتسب عيشك وأولادك منها، فالبدار البدار بتأمين مستقبلك الأخروي بعملِ صالح تحافظ عليه وتلقى الله به فـ ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ (٣). وقل لنفسك: ما سهمُك في الصلاة، ما سهمُك في تلاوة القرآن، ما سهمُك في الصِّلة والإحسان، ما سهمك في الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ما سهمُك في الخوف، وما سهمك في الرجاء، ما سهمك في الصبر، وما سهمك في الشكر، ما سهمك في الذكر والدعاء والاستغفار؟

стр. 1705

كيف أنت والإخلاص، وما القدرُ الذي ظلمت به نفسك من خصال النفاق، كيف علاقتُك بخالقك عمومًا، وما نوعُ علاقتك بالمخلوقين جميعًا؟ إلى غير ذلك من خصال الخير - وما أكثرها - واعلم أنك بهذه الأعمال الخيّرة تتقربُ إلى مولاك، وتشكرُ أنعمَه عليك. وهل تعلم أن بك ثلاث مائة وستين مفصلًا .. كلُّها معينةٌ لك في الحركة والعمل؟ ولو آلمك واحدٌ منها لضاقت بك الدنيا على سعتها. أخرج مسلم في «صحيحه» عن عائشة ﵂ قالت: قال رسولُ الله ﷺ : «إنه خُلق كلُّ إنسانٍ من بني آدم على ستين وثلاث مئة مفصل، فمن كبَّر الله، وحَمِد اللهَ، وهلَّل الله، وسبح الله، واستغفر الله، وعزل حجرًا عن طريق الناس، أو شوكةً، أو عظمًا، أو أمر بمعروفٍ أو نهى عن منكرٍ، عدد تلك الستين والثلاث مئة السُّلامى، فإنه يُمسي يومئذٍ وقد زحزح نفسَه عن النار» (١). زاد غيرهُ: «أو علَّم خيرً أو تعلَّمه» (٢). وفي رواية أخرى عند مسلم وغيره - في حديث السُّلامى - «ويجزي من ذلك كلِّه ركعتان يركعهما من الضحى» (٣). ألا ما أعظم فضلَ الله، وما أيسر الطاعة - لمن وفقه ربُّه وهداه - ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (٤)، وفي الصِّديق ﵁ نموذج للمسارعة، فانظر في مسارعته، وانظر في عظم الجزاء له، ولمن شاكله، فقد سأل رسولُ الله ﷺ يومًا: «من أصبح منكم اليوم صائمًا؟ » قال أبو بكر الصديق: أنا، قال: «فمن تبع منكم اليومَ جنازةً؟ »

стр. 1706

قال أبو بكر: أنا، قال: «فمن أطعم اليوم مسكينًا؟ » قال أبو بكر: أنا، قال: «فمن عاد منكم اليوم مريضًا؟ » قال أبو بكر: أنا، قال رسول الله ﷺ : «ما اجتمعنَ في رجلٍ إلا دخلَ الجنةَ» (١). هل يصعب عليك عملُ هذه الأعمال الأربعة مجتمعةً في يوم، وهل تحاول ممارستها مجتمعةً - ولو حينًا - مبتغيًا بذلك عظيم الأجر؟ وهل يشقُّ عليك ممارسةُ الذِّكر؟ وهو من أسهل العبادات وأعظمها أجرًا، وما أعظم ركعتين تركعهما من الضحى ويكفيانك شكر المفاصل كلّها! يا أخا الإيمان .. وإذا أقدرك اللهُ على شيءٍ من هذا فاشكره أولًا إذْ هداكَ ووفقك ثم اسأله القبول، فإنما يتقبل الله من المتقين، وإياك أن تَمُنَّ على الله بطاعتك، فقد قيل لمن قبلك: ﴿قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٢)، واسأل ربك الثبات حتى الممات، فقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يُقلِّبها كيف شاء، ومن دعاء المؤمنين: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ (٣). ومن الدعاء المأثور «اللهم إني أسألُكَ فِعْل الخيرات، وترك المنكرات، وحبَّ المساكين، وإذا أردت بعبادك فتنةً فاقبضنا إليك غير مفتونين» (٤).

стр. 1707

وقفات للصائمين والشيشان (١) الخطبة الأولى: الحمد لله ربِّ العالمين، أهلَّ علينا هلال رمضان بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، منَّ على عباده بمواسم الخيرات ليجزل لهم الهبات، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه أفضلُ من أفطر وصام، وصلى بالليل والناسُ نيام، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ (٢). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٣). عباد الله: وحلَّ الضيف الكريمُ في ربوع المسلمين يحمل صحائف بيضاء مشرقةً، يمكن لكل مسلم ومسلمة أن يكتب فيها ما شاء، والبذرُ محفوظ، والسعيُ مشكور، وربُّنا ﵎ يقول: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (٤).

стр. 1708

وهنا وقفات للصائمين والصائمات أقفُ بها مذكرًا، والذكرى تنفعُ المؤمنين. الوقفة الأولى: وأكادُ أقرأ الفرحة في وجوهكم - معاشر المسلمين - بدخول شهر الصيام والقيام، وكم في الصيام والقيام من فضائل ومغانم، وكم يُرجى للمسلم والمسلمة من عظيم الأجر ومغفرة الذنوب إن هو صلى وصام، وتصدق وصبر، وخشع وقنت، وحفظ فرجه، وذكر ربَّه! والبُشرى تُزف إليكم وأنتم بعدُ في الدنيا: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١). الوقفة الثانية: أعقل صيامك - يا أخا الإيمان - عن اللغو والرفث وقول الزور، ولتصم منك الجوارحُ عمَّا حرم الله، وما أروع الصوم تحيي به القلوب، وتزكو به النفوس، يُهذِّب الأخلاق، وينضبط له السلوك، وأخيرًا يورث التقوى، وهي الحكمةُ الربانية للصيام: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٢). ترى - يا أخا الإيمان - أللهِ حاجة أن تدع طعامك وشرابك أو تُضمِئ نهارك وتُسهر ليلك في طاعة الله. إلا ليبلغك جنته ويفيض عليك من عطائه ورحماته؟ فكن لصومك حافظًا، ولجوارحك مؤدبًا. الوقفة الثالثة: كم نرثي لأنفسنا أو لغيرنا من المسلمين حين نرى الصوم لم يحرك فيهم ساكنًا، ولم يُحدث فينا تغيرًا إلا الأحسن! فتلك مجموعةٌ من الصائمين

стр. 1709

جلست بعضها إلى بعضٍ لتأكل في لحوم الناس وتنتهك أعراضهم بالغيبة والنميمة - ومجموعةٌ أخرى حبست نفسها على مسلسلات هابطة، أو فتحت آذانها لسماع أصوات غنائية منكرة، وتلك مجموعة حين تنفس الصبحُ قطعت هي أنفاسها واستكانت للنوم، لا يوقظها تكبيرُ المآذن، ولا يبعثها من مرقدها النداءُ الواجبُ للصلاة، حتى إذا قارب الغروب وحان الإفطار - بدأت تستجمع قواها، لمواصلة السهر ليلًا لا في المحاريب وأماكن العبادة وإنما في اجتماعات الشِّللِ، وحيث توجد المسلسلاتُ والقنوات وتضاع الأوقات. أيُّ صومٍ هذا، وأيُّ مفهوم للعبادة في رمضان هذا المفهوم، تُضاع فيه الصلوات، وتُهدر الأوقات، وترتكب المحرمات؟ ! الوقفة الرابعة: وهناك وقتان ثمينان، وفرصتان لا تعوضان للصائمين والصائمات .. وقد يغفلُ البعضُ عنهما منشغلًا بغيرهما، أو ناسيًا فضلهما واختصاصهما؛ إنهما وقت السَّحر، ووقت الإفطار .. فرصتان كبيرتان للاستغفار والدعاء. أما علمت أيها الصائمُ أنك حين تستيقظُ للسحور توافق ساعةَ استجابة يقول فيها الغني الكريم: «هل من سائل فأعطيه، هل من داعٍ فأستجيب له، هل من مستغفرٍ فأغفر له؟ » وأين أنت في ساعات الأسحار من قوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ (١). هل يكون همُّك حين تقوم نوع السحور - مع ما في السحور من بركة وتحقيق للسنة - أم تتذكر مع ذلك قيمة الوقت؟ .. فتخلصُ في الدعاء، وتخصُّ هذا الوقت بالاستغفار.

стр. 1710

أما حين الغروب - حين يحين الإفطار .. فثمّة دعاءٌ ودعوةٌ للصائم لا تُرَدُّ عند فطره. فانظر في قيمة الدعاء والاستغفار، وانظر ماذا أنت داعٍ، واعلم أن فضل الله واسعٌ، وأنك تطلب من غني كريم، فلا تنس غيرك من المسلمين في الدعاء، بل ولا تنسَ الأموات من الدعاء بعد أن تخصَّ نفسك ووالديك وأهلك وأولادك. الوقفة الخامسة: وأهلونا وأولادنا أمانةٌ في أعناقنا، واسأل نفسك - أيها الصائم - ماذا صنعت لأهلك وأولادك في رمضان .. كيف حالُهم مع الصيام والقيام وتلاوة القرآن، وأين يقضون أوقاتهم .. وفيم يقضونها؟ إن الهداية بيد الله .. لكن فعل الأسباب مطلبٌ شرعي، وقد كلفنا الله بوقايتهم من النار. وهنا اسمحوا لي أن أعرض مذكرًا ومنبهًا لبعض الحالات التي يُرجى برؤها، ومن الضروري التنبُّه لها وعلاجُها. فهل يشهد أبناؤك وبناتُك الصلاة مع المسلمين، أم يصلون وهم في فرشهم نائمون؟ ! وحين يستيقظون، ماذا يعملون ويشاهدون ويسمعون؟ هذا السيلُ الجرارُ من النساءِ المتسوقات ليلًا ونهارًا ما هو نصيبك منهن .. وهل يليق أن تبقى في محرابك خاشعًا وبناتُك يفتنَّ الرجال .. أو أبناؤك يؤذون المسلمين والمسلمات بالمعاكسات تارة، وبالأصوات المزعجة للمصلين أخرى، وبالسهر على الخنا والفجور تارةً ثالثة، إنها مشاهد تتكرر في كلّ رمضان، فمن المسئول عنها؟ وثمة ظاهرة تستحق الاهتمام والتنبيه؛ إنها ضياعُ الأبناء أو البنات حين السفر إلى مكة أو غيرها .. وكم هو مؤلمٌ أن تسمع أخبارًا لا تسر بجوار بيت الله المحرم، ذلك بسبب الإهمال أو ما يُسمى بالثقة، والواقعُ أنه ضعفٌ في الرقابة،

стр. 1711

وتهاون في المسؤولية .. نعم إن العمرة في رمضان تعدل حجة. ولكن اللبيب من يحافظ على المكاسب دون خسارة، ويعبد ربَّه دون أن تكون عبادته سببًا للفتنة .. أجل إن رجالات الهيئة يشكون من إهمال عددٍ من الآباء لبناتهم، ويتحدثون بلغة الأرقام عن مئات من حالات الخلوة مع رجال أجانب .. وما ظنك برجلٍ وامرأةٍ تحققت الخلوة بينهما؟ .. فكيف إذا كانوا جميعًا في مرحلة الفتوة والشباب؟ ! إنها تحذيرات متكررة، ونداءات محذرة يطلقها الغيورون من رجالات الهيئة .. ونحن نبلغها لكم، وكم هي كلمةٌ معبرة قالها أحدُ أصحاب الفضيلة العلماء يصف بها حال هؤلاء الذين يذهبون بصحبة أولادهم أو بدونهم، قال: صنفان مأجوران، وصنفان مأزوران، أما المأجوران: فهما من سافر وحافظ على من معه، أو بقي ولم يسافر وحافظ على أهل بيته في محله. وأما الصنفان المأزوران: فأحدُهما من سافر وأهمل أهله وهم مسافرون معه .. أو منعهم من السفر معه، لكنه أهملهم في محلهم ولم يدر ما هم صانعون .. تلك حالاتٌ ومسؤولياتٌ تستدعي الرعاية والتنبه والاهتمام .. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ (١).

стр. 1712

الخطبة الثانية: الحمد لله قال في محكم التنزيل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (١). وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، حكم أنّ بذكره تطمئن القلوب، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله دلَّ أمته على كل خير، وحذرهم من كل شر .. اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر النبيين. الوقفة السادسة: وقفة محاسبة مع النفس، فرمضان في أيامه الأولى، فهلا تعهدت نفسك - أيها الصائم - بجملة من أعمال البر، وقرب الطاعات، من تلاوة للقرآن، وإحسان للفقراء، ودعوة بالحسنى، وذكر لله واستغفار واستجماع وإخلاص في الدعاء، وقيام ليل، وصيام نهار على الوجه الأكمل، وتبكير للصلوات وخشوع فيها .. إلى غير ذلك من أنواع الطاعات التي تحاسب نفسك على الإقلال منها أو الإكثار في نهاية الشهر. وتجري العوائدُ أن من يحسبون للمستقبل بدقةٍ، يحسنون العمل في اللحظات الحاضرة، والموفّق من وفّقه الله، وكلُّ نفس بما كسبت رهينة. الوقفة السابعة: بين يسر الإسلام وعدم التهاون في ترك الصيام، فمن أرهقه جوعٌ مفرط، أو عطش شديدٌ، فخاف على نفسه الهلاك، أو ذهاب بعض الحواس

стр. 1713

بغلبة الظنِّ لا الوهم، أفطر وقضى، وليست امتحانات الطلاب عذرًا يبيح الفطر في رمضان (١). الوقفة الثامنة: وهذا أوان الخلاص من كثير من الذنوب والخطايا والعوائد السيئة والبلايا .. فأيام رمضان بالصيام «والصوم جُنّة»، ولياليه بالقيام ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (٢)، مع ما فيه من قبول الدعاء .. كل ذلك فرصةٌ للمبتلى ليعود إلى ربِّه تائبًا خاشعًا نادمًا. إليك - أيها المتهاون بالصلاة - وإليك، أيها المفتون بالدخان أو المخدرات أو المسكرات، أو بألحان الغناء .. وإليك أيها المفتونُ بالنظر إلى النساء، أو أكل الربا، أو الغش في البيع والشراء .. إليكم وإلى غيركم ممن فُتن وتعلق قلبه بمعصية .. إليكم جميعًا يوجه النداء .. والباب للتوبة يُفتح على مصراعيه في شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النار، وأنت لا تدري أتدرك رمضان القادم .. أم تكونُ في عداد الموتى؟ فبادر بالتوبة قبل ساعة الندم والحسرة. الوقفة التاسعة: وهذا - كذلك - أوان الخلاص من شح النفس، وبُخلها، وشهر رمضان شهرُ النفقة والإحسان، والله تعالى يدعوكم في كل حين للنفقة ويقول: ﴿هَأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (٣). أيها المنفق والمتصدق: احمد الله أن جعل لك يدًا تعطي لا تأخذ، واليدُ العليا

стр. 1714

خيرٌ من اليد السفلى، وأعلم أن صنائع المعروف في الدنيا تقي مصارع السوء، والصدقة تطفئ غضب الرب، وأهلُ المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة - كذا صح عن المصطفى ﷺ (١). وإذا كانت الصدقةُ يُضاعف الله أجرها أضعافًا مضاعفة، فضلًا من الله ومنّة في كل حين، فالصدقةُ في رمضان لها مزيتها وفضلها لا سيما وأهلُ الحاجات يتطلعون إلى هذا الشهر الكريم لمزيد مواساتهم وتخفيف آلامهم، وقضاء ديونهم، فكونوا عند حسن ظن الفقراء بكم واستجيبوا لربكم، واعلموا أن المال مالُ الله، وهو عاريةٌ عندك أيها المسلم، وأنت ممتحن فيما أنت صانع فيه، واعتبر بما قال الأول: وما المرءُ إلا مضمراتٌ من التقى ... وما المال إلا عارياتٌ ودائعُ أليس ورائي إن تراخت منيتي ... لزوم العصا تُحنى عليها الأصابعُ وكن على ثقة من وعد الله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (٢). ووعد رسوله ﷺ ودعائه: «اللهم أعطِ منفقًا خلفًا، وأعطِ ممسكًا تلفًا». أيها المسلمون: وخصوا المجاهدين الصادقين من المسلمين بشيء من صدقاتكم، فقد ورد عن ابن عباس ﵄ في تأويل قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٣)، قولهُ: «الجهادُ والحج يُضعَّف

стр. 1715

الدرهمُ فيهما إلى سبع مئة ضعفٍ». وعن مكحول: يعني من الإنفاق في الجهاد، وإن كان ورد أن الأجر أعمُّ من ذلك إذ يشمل كلَّ إنفاقٍ في طاعة الله (١). الوقفة العاشرة: ولا يعني تأخيرُها التقليل من شأنها - لكنها إنما وصلت إليَّ مجموعةٌ من أخبارها متأخرة (٢)، إنها وحشية الروس، وصمودُ الشيشان، وقبل يومين تقريبًا - نقلت جريدة الرياض تصريحًا لأحد المسئولين في الشيشان أفاد فيه أن روسيا تجرأت وضربت (قروزني) بالأسلحة الكيماوية، وهذه الأسلحة المحرمة - دوليًا - تحدث آثارًا في الجسم مؤلمة قبل أن تنتهي به إلى الموت، وأغلب المتضررين منها النساءُ والشيوخ والأطفال، الذين لا يستطيعون الفرار والخلاص منها، وإلى الآن أحصي من عدد الوفيات منها ثلاثون حالة - والشيشان بصدد مزيد جمع معلومات لتقديمها للعالم! وبلغت حدة الروس - كما نقلت وكالات الأنباء، ومنها (رويتر) درجة استنكر فيها العالم الغربي أفعالهم - وإن كان حليفًا لروسيا - فالاتحادُ الأوروبي قال بأنه سوف يوقف التعاون مع روسيا إذا هي استمرت في أعمالها البربرية في الشيشان، والحكومات الغربية تهدد باتخاذ مواقف سياسيةٍ واقتصادية ضد روسيا لارتكابها أعمالًا شنيعةً، وللعنف الشديد المستخدم ضد الشيشانين، وذلك على أثر سيطرة الروس على (شالي) و (عروس مارتان) والأولى بعد عشرين كيلًا من قروزني العاصمة - ولهذه التطورات أصرّت بريطانيا أن تكون قضية الشيشان في أعلى قائمة الموضوعات المبحوثة في مؤتمر الدول الصناعية الثمان، والذي سيعقد قريبًا في

стр. 1716

(برلين)، وكان يُفترض فيه تقديمُ قروض لروسيا! ولا تدري ممَّ العجب؛ أمن تقديم القروض، أم من الاستنكار؟ ! ولا ندري ما النتائج أتكون إيجابية .. أم هي لذرِّ الرماد في العيون؟ وبكل حال فالأخبارُ المأسوية هناك بوضع اللاجئين والمشردين تحكي شناعة وإجرام الروس ومن وراءهم، وتشي بضعف الصلة والانتصار للمظلومين من قبل المسلمين لإخوانهم .. وأين الاجتماعات والقراراتُ الحازمةُ لإيقاف صلف الروس من قبل الدول الإسلامية؟ ولكَ أن تتصور (أُمًّا) تسافر هائمة على وجهها بين قمم الثلوج وقلة الطعام، وأزيز الطائرات، ثم هي بعد ذلك تحمل معها ستة أطفال! وأبشع من ذلك أن تتصور فتاة عذراء مسلمة يهتك الروس عرضها، ثم إذا انتهوا منها أنهوا حياتها. ولك أن تتصور أطفالًا يهجرون ويطعمون النصرانية أو اليهودية أو غيرها من المعتقدات الفاسدة، مع رضعات اللبن أو كسرة الخبز. «وا إسلاماه» لم تلامس نخوة المسلمين كما ينبغي، وعسى الله أن يجعل لهؤلاء المسلمين فرجًا من عنده، وأن يكون في شدة هذه الضربات ما يوقظ هِمَمَ المسلمين، فيهبُّوا لنصرة إخوانهم، والقوات الروسية تقول إنها سوف تنتهي من قصة الشيشان قبل نهاية ديسمبر الحالي، ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ (١).

стр. 1717

رعاية المُسنِّ في الإسلام (١) الخطبة الأولى: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. أيها المسلمون: من طبائع الأشياء أن الإنسان في هذه الحياة يمر بمرحلة الضعف، ثم القوة، ثم الضعف المؤدي إلى النهاية: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ (٢). ومن عظمة الإسلام اهتمامُه بالإنسان في مراحله كلها، وفي كلِّ مرحلةٍ لون من الاهتمام وأسلوب من الرعاية. وحديث اليوم عن الإنسان في مرحلته الأخيرة (الضعف والشيبة)؛ كيف قدَّرها الإسلام؟ وما ألوانُ رعايته لها؟ وكيف ينبغي أن يُعامل المسنّ؟ إنها مرحلة صعبةٌ وعصيبة، ولا عجب أن يتعوذ الرسولُ ﷺ منها حين يقول: «وأعوذ بك أن أردَّ إلى أرذلِ العُمر» (٣). كيف لا وبعضُ من يُردُّ إلى أرذل العمر لا يعلم من بعد علم شيئًا، وقد يعيش فترةً من عمره في حكم الأموات، وإن كان في عداد الأحياء.

стр. 1718

ولا أدق من وصف المسنِّ لنفسه، وقد سأل الحجاجُ رجلًا من بني ليثٍ قد بلغ سنًا كبيرةً، قال: كيف طُعْمُك؟ قال: إذا أكلتُ ثَقُلتُ، وإذا تركت ضَعُفتُ، قال: كيف نكاحُك؟ قال: إذا بُذل لي عجزت، وإذا مُنعت شرهت، قال: كيف نومُك؟ قال: أنام في المجمع، وأسهر في المضجع، قال: كيف قيامُك وقعودُك؟ قال: إذا أردت الأرض تباعدت منّي، وإذا أردت القيام لزمتني، قال: كيف مشيتُك؟ قال: تعقلني الشعرة، وأعثر بالبعرة. هذه صفة أرذلِ العمر (١). وأرذل العمر أخسُّه وأدونُه وآخره - كما ذكر المفسرون - قالوا: وإنما خصّه اللهُ بالرذيلة؛ لأنه حالةٌ لا رجاء بعدها لإصلاح ما فسد (٢). وهنا لفتةٌ تستحق الانتباه، فقد قيل: إن الإيمان وعمل الصالحات في الصغر قد يمنع الردَّ إلى أرذل العمر في الكبر. قال القرطبي ﵀: إن هذا لا يكون للمؤمن - يعني الخرف والرد إلى أرذل العمر - لأن المؤمن لا يُنزع عنه علمه (٣). وقال الشنقيطي ﵀: إن العلماء العاملين لا ينالهم هذا الخرفُ وضياعُ العلمِ والعقل من شدة الكبر، ويستروح لهذا المعنى من بعض التفسيرات في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (٤). إلى قوله: وقد تواتر عند العامة والخاصة أن حافظ كتاب الله المداوم على تلاوته لا يُصاب بالخرف ولا بالهذيان (٥).

стр. 1719

ونقل السيوطي عن عكرمة عند تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أنه قال: ولا ينزلُ تلك المنزلة أحدٌ قرأ القرآن - أي حفظه - (١). وعلى كل حال فالضعف من سيما هذه المرحلة، والإنسانُ في هذا السِّن أحوجُ ما يكون للرعاية والمساعدة، ومن هنا جاءت نصوصُ الشريعة بالاهتمام بالكبير وتقديره بدءًا بالوالدين إحسانًا، وشمولًا لكبار السن رجالًا ونساءً، وعطفًا على الضعفةِ منهم والمحتاجين للمساعدة تقديرًا وإجلالًا. إنها العظمةُ في تعاليم الإسلام، لا ترمي الكبار في المزابل، ولا تنساهم وتودعهم المستشفيات أو دور الرعاية دون تقدير لمشاعرهم، بل هي الرعايةُ والحنوُّ والعطفُ تقديرًا لماضيهم، ووفاءً لجهودهم وحقوقهم. إن رعاية الوالدين والإحسان إليهما جاءت بها شريعةُ الإسلام والشرائعُ السماوية قبلها، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (٢). وحرم الإسلام عقوقهما - بأي شكل من الأشكال - وإن قلَّ في عين العاق، كالتأففِ مثلًا، وقد نُقِل عن الحسن بن علي قوله: لو علم اللهُ شيئًا من العقوق أدنى من أفٍّ لحرَّمه (٣). وإذا كان الأبوان في أعلى قائمة المسنين رعاية وتقديرًا واحترامًا، فقد شملت رعاية الإسلام للمسنين عمومًا، واتخذت هذه الرعاية أشكالًا وأساليب كثيرة،

стр. 1720

ومنها: البدءُ بالتحية للكبار، فقد أمر ﷺ أن يُسلم الصغيرُ على الكبير، ومن الرعاية والتقدير: ألا يتكلم الصغير في أمرٍ دون الكبير، وقد وجه النبيُ ﷺ بهذا حين قال لصغير تحدث عنده: «كبر الكُبر» يعني: لِيَلي الحديث الأكبرُ (١). وكذلك يُقدم الأكابرُ في الشرب، فقد كان ﷺ إذا سُقي قال: «ابدأ بالكبراء»، أو قال: «بالأكابر» (٢). وبلغت عناية الإسلام بالمسنين استثناءهم من القتل وإن كان ذووهم محاربين، فقد كان من وصيته لقواده: «ولا تقتلوا وليدًا ولا شيخًا كبيرًا» (٣). وفي أحكام الإسلام تيسيرٌ ومراعاة لأحوال المسنين، فالصلاة تخفف لأجلهم: «إذا صلى أحدُكم للناسِ فليخفِّفْ، فإنَّ منهم الضعيفَ والسقيمَ والكبيرَ .. » الحديث متفق عليه. وفي الصيام لهم رخصة في الإفطار حين عجزِهم، ويكفيهم أن يُطعِموا عن كل يوم مسكينًا. وفي الحجِّ يُرخص لهم في إنابة من يحجُّ عنهم، وفي حديث المرأة الخثعمية وإقرار الرسول ﷺ لها ما يشهد لذلك (٤). والحجابُ المشروع يؤذن للمرأة المسنة في تركه، وإن أُمرت به صغيرة: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ (٥).
следующие страницы →