← Джавами‘

Джавами‘ · id 20948

شعاع من المحراب

سليمان بن حمد العودة

Полный текст (3 545 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

(برلين)، وكان يُفترض فيه تقديمُ قروض لروسيا! ولا تدري ممَّ العجب؛ أمن تقديم القروض، أم من الاستنكار؟ ! ولا ندري ما النتائج أتكون إيجابية .. أم هي لذرِّ الرماد في العيون؟ وبكل حال فالأخبارُ المأسوية هناك بوضع اللاجئين والمشردين تحكي شناعة وإجرام الروس ومن وراءهم، وتشي بضعف الصلة والانتصار للمظلومين من قبل المسلمين لإخوانهم .. وأين الاجتماعات والقراراتُ الحازمةُ لإيقاف صلف الروس من قبل الدول الإسلامية؟ ولكَ أن تتصور (أُمًّا) تسافر هائمة على وجهها بين قمم الثلوج وقلة الطعام، وأزيز الطائرات، ثم هي بعد ذلك تحمل معها ستة أطفال! وأبشع من ذلك أن تتصور فتاة عذراء مسلمة يهتك الروس عرضها، ثم إذا انتهوا منها أنهوا حياتها. ولك أن تتصور أطفالًا يهجرون ويطعمون النصرانية أو اليهودية أو غيرها من المعتقدات الفاسدة، مع رضعات اللبن أو كسرة الخبز. «وا إسلاماه» لم تلامس نخوة المسلمين كما ينبغي، وعسى الله أن يجعل لهؤلاء المسلمين فرجًا من عنده، وأن يكون في شدة هذه الضربات ما يوقظ هِمَمَ المسلمين، فيهبُّوا لنصرة إخوانهم، والقوات الروسية تقول إنها سوف تنتهي من قصة الشيشان قبل نهاية ديسمبر الحالي، ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ (١).

стр. 1717

رعاية المُسنِّ في الإسلام (١) الخطبة الأولى: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. أيها المسلمون: من طبائع الأشياء أن الإنسان في هذه الحياة يمر بمرحلة الضعف، ثم القوة، ثم الضعف المؤدي إلى النهاية: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ (٢). ومن عظمة الإسلام اهتمامُه بالإنسان في مراحله كلها، وفي كلِّ مرحلةٍ لون من الاهتمام وأسلوب من الرعاية. وحديث اليوم عن الإنسان في مرحلته الأخيرة (الضعف والشيبة)؛ كيف قدَّرها الإسلام؟ وما ألوانُ رعايته لها؟ وكيف ينبغي أن يُعامل المسنّ؟ إنها مرحلة صعبةٌ وعصيبة، ولا عجب أن يتعوذ الرسولُ ﷺ منها حين يقول: «وأعوذ بك أن أردَّ إلى أرذلِ العُمر» (٣). كيف لا وبعضُ من يُردُّ إلى أرذل العمر لا يعلم من بعد علم شيئًا، وقد يعيش فترةً من عمره في حكم الأموات، وإن كان في عداد الأحياء.

стр. 1718

ولا أدق من وصف المسنِّ لنفسه، وقد سأل الحجاجُ رجلًا من بني ليثٍ قد بلغ سنًا كبيرةً، قال: كيف طُعْمُك؟ قال: إذا أكلتُ ثَقُلتُ، وإذا تركت ضَعُفتُ، قال: كيف نكاحُك؟ قال: إذا بُذل لي عجزت، وإذا مُنعت شرهت، قال: كيف نومُك؟ قال: أنام في المجمع، وأسهر في المضجع، قال: كيف قيامُك وقعودُك؟ قال: إذا أردت الأرض تباعدت منّي، وإذا أردت القيام لزمتني، قال: كيف مشيتُك؟ قال: تعقلني الشعرة، وأعثر بالبعرة. هذه صفة أرذلِ العمر (١). وأرذل العمر أخسُّه وأدونُه وآخره - كما ذكر المفسرون - قالوا: وإنما خصّه اللهُ بالرذيلة؛ لأنه حالةٌ لا رجاء بعدها لإصلاح ما فسد (٢). وهنا لفتةٌ تستحق الانتباه، فقد قيل: إن الإيمان وعمل الصالحات في الصغر قد يمنع الردَّ إلى أرذل العمر في الكبر. قال القرطبي ﵀: إن هذا لا يكون للمؤمن - يعني الخرف والرد إلى أرذل العمر - لأن المؤمن لا يُنزع عنه علمه (٣). وقال الشنقيطي ﵀: إن العلماء العاملين لا ينالهم هذا الخرفُ وضياعُ العلمِ والعقل من شدة الكبر، ويستروح لهذا المعنى من بعض التفسيرات في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (٤). إلى قوله: وقد تواتر عند العامة والخاصة أن حافظ كتاب الله المداوم على تلاوته لا يُصاب بالخرف ولا بالهذيان (٥).

стр. 1719

ونقل السيوطي عن عكرمة عند تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أنه قال: ولا ينزلُ تلك المنزلة أحدٌ قرأ القرآن - أي حفظه - (١). وعلى كل حال فالضعف من سيما هذه المرحلة، والإنسانُ في هذا السِّن أحوجُ ما يكون للرعاية والمساعدة، ومن هنا جاءت نصوصُ الشريعة بالاهتمام بالكبير وتقديره بدءًا بالوالدين إحسانًا، وشمولًا لكبار السن رجالًا ونساءً، وعطفًا على الضعفةِ منهم والمحتاجين للمساعدة تقديرًا وإجلالًا. إنها العظمةُ في تعاليم الإسلام، لا ترمي الكبار في المزابل، ولا تنساهم وتودعهم المستشفيات أو دور الرعاية دون تقدير لمشاعرهم، بل هي الرعايةُ والحنوُّ والعطفُ تقديرًا لماضيهم، ووفاءً لجهودهم وحقوقهم. إن رعاية الوالدين والإحسان إليهما جاءت بها شريعةُ الإسلام والشرائعُ السماوية قبلها، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (٢). وحرم الإسلام عقوقهما - بأي شكل من الأشكال - وإن قلَّ في عين العاق، كالتأففِ مثلًا، وقد نُقِل عن الحسن بن علي قوله: لو علم اللهُ شيئًا من العقوق أدنى من أفٍّ لحرَّمه (٣). وإذا كان الأبوان في أعلى قائمة المسنين رعاية وتقديرًا واحترامًا، فقد شملت رعاية الإسلام للمسنين عمومًا، واتخذت هذه الرعاية أشكالًا وأساليب كثيرة،

стр. 1720

ومنها: البدءُ بالتحية للكبار، فقد أمر ﷺ أن يُسلم الصغيرُ على الكبير، ومن الرعاية والتقدير: ألا يتكلم الصغير في أمرٍ دون الكبير، وقد وجه النبيُ ﷺ بهذا حين قال لصغير تحدث عنده: «كبر الكُبر» يعني: لِيَلي الحديث الأكبرُ (١). وكذلك يُقدم الأكابرُ في الشرب، فقد كان ﷺ إذا سُقي قال: «ابدأ بالكبراء»، أو قال: «بالأكابر» (٢). وبلغت عناية الإسلام بالمسنين استثناءهم من القتل وإن كان ذووهم محاربين، فقد كان من وصيته لقواده: «ولا تقتلوا وليدًا ولا شيخًا كبيرًا» (٣). وفي أحكام الإسلام تيسيرٌ ومراعاة لأحوال المسنين، فالصلاة تخفف لأجلهم: «إذا صلى أحدُكم للناسِ فليخفِّفْ، فإنَّ منهم الضعيفَ والسقيمَ والكبيرَ .. » الحديث متفق عليه. وفي الصيام لهم رخصة في الإفطار حين عجزِهم، ويكفيهم أن يُطعِموا عن كل يوم مسكينًا. وفي الحجِّ يُرخص لهم في إنابة من يحجُّ عنهم، وفي حديث المرأة الخثعمية وإقرار الرسول ﷺ لها ما يشهد لذلك (٤). والحجابُ المشروع يؤذن للمرأة المسنة في تركه، وإن أُمرت به صغيرة: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ (٥).

стр. 1721

عباد الله: وفوق ما مضى، فقد جاء في جملة آداب الإسلام توقيرُ الشيخِ الكبير، والرحمةُ بالمرأة المسنة، فذلك من إجلالِ الله. أخرج البخاري في الأدب المفرد: «إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم» (١). بل جاء النهي والوعيد عن عدم توقير الكبار، ففي «سنن الترمذي» و «الأدب المفرد» للبخاري: «ليس منَّا مَنْ لم يرحمْ صغيرَنا، ويوقِّرْ كبيرَنا» (٢). ومن النصوص النظرية إلى الواقع العملي في المجتمع الإسلامي نرى عجبًا في تقدير الكبار واحترامهم وقضاء حوائجهم، وحين كان رسولُ الله ﷺ القدوة في هذا الأدب تسارع المسلمون للعناية بالكبار، وفي مقدمتهم الخلفاء الراشدون. وفي «تاريخ عمر» لابن الجوزي أن عمر ﵁ خرج في سواد الليل، فرآه طلحةُ، فذهب عمرُ، فدخل بيتًا ثم دخل بيتًا آخر، فلما أصبح طلحةُ ذهب إلى ذلك البيت، فإذا عجوزٌ عمياءُ مقعدة، فقال لها: ما بالُ هذا الرجل الذي يأتيك؟ قالت: إنه يتعاهدني منذ كذا وكذا، يأتيني بما يُصلحني ويُخرج عني الأذى (٣). وفي معارك المسلمين تمثل قادتُهم الأدب والرحمة بالكبار، وهذا خالد بن الوليد ﵁ يُدرج في صلحه لأهل الحيرة رعاية المسن، وقد جاء في صلحه معهم: «وجعلتُ لهم أيُّما شيخ ضَعُفَ عن العمل، أو أصابته آفةٌ من الآفات، أو كان غنيًا فافتقر، وصار أهلُ دينه يتصدقون عليه طرحت جزيته، وعيلَ من بيت مال

стр. 1722

المسلمين» (١)، وقد قرَّر أبو يوسف في كتابه «الخراج» أن الجزية لا تؤخذ من الشيخ الكبير الذي لا يستطيع العمل، ولا شيء له (٢). الله أكبر .. هكذا شمل أسلافُنا رعاية المسنّ في حال السلم والحرب، ومع المسلمين وغير المسلمين، ومع القريب والبعيد، والرجال والنساء - فهل ندرك عظمة هذا الأدب، وهل نتمثل هذه الرعاية وتلك الآداب للمسنين؟ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ (٣).

стр. 1723

الخطبة الثانية: الحمد لله رب العالمين، أمر بالإحسان وأخبر أنه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أمر بالرحمة وهو أرحم الراحمين، ورحمتُه وسعت كلَّ شيء. وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله أخبر أن «الراحمين يرحمهم الرحمن»، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. معاشر المسلمين عامة، ومعشر الشباب خاصة، كيف تتعاملون مع المسنِّ، وكيف تنظرون لكبار السنِّ؟ إن دينكم أمركم بالرعاية والإحسان، وعلمكم الأدب مع الكبار، وما أروع المجتمع يرحم الكبيرُ فيه الصغيرَ! ويوقر الصغيرُ الكبيرَ! وما أجمل الشاب يأخذ بناصية الكبير يُقبله، ويأخذ بيد الضعيف والأعمى يوجِّه مسيرته ويجنبه المزالق وآفات الطريق، وكم هو أدبٌ جميل أن يستمع الصغارُ أثناء وجود الكبار وحديثهم، يوقرونهم في الحديث ويستمعون لآرائهم ويحفظون رصيد تجاربهم في الحياة، وكم هو أدبٌ رفيع أن يُنادي الكبيرُ بأحبِّ الأسماء إليه، وأن يكنى بدل أن يسمى، وأن لا يُتقدّم قبله في الأكل والشرب والمشي .. وأجملُ من ذلك أن تُعفى زلتُه، وأن يتجاوز عن خطئه، وأن لا يؤاخذ ببعض تصرفاته .. فَللِكِبَرِ دوره، وللكبارِ نفسياتُهم وطبائعهم، وتقدير هذا وذاك من آداب الإسلام، ومن جميل المكارم ومعالي الأخلاق. يا معشر الشباب: وبتوقير الكبار ورعاية المسنين عمومًا وبأي شكل من الأشكال تصفو الحياة، وتتحقق السعادة، ويتمثل الناسُ حالةً من البرِّ والوفاء،

стр. 1724

ويشيع الإحسان وتطمئن نفوسُ الأكابر. وفوق ذلك فالبرُّ سلف، والإحسان محفوظ، و «من يفعل الخيرَ لا يعدم جوازيه»، وقد ورد عن أنسٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما أكرمَ شابٌّ شيخًا لسِنِّه إلا قيّضَ اللهُ له من يُكرِمُه عند سِنِّه» رواه الترمذي. قال أحد العلماء: إن في الحديث دليلًا على إطالة عمرِ الشابّ الذي يُكرم المسنين؛ لقوله في الحديث: «قيّض اللهُ له عند سِنّه» (١). وكم هي لمسةُ وفاء من ذلك الابن لأبيه الذي قال لإخوته الثلاثة حين مرض أبوهم، قال: إمّا أنْ تُمرّضوه وليس لكم من ميراثه شيء، وإما أن أمرضه وليس لي من ميراثه شيء، قالوا: بل مَرِّضه وليس لك من ميراثه شيء، فمرّضه حتى مات، ولم يأخذ من ماله شيئًا (٢). أين هذا ممن يتبرّمون بإعالة آبائهم إذا طال مكثُهم عندهم، وإذا لم يستطع أحدُنا أن يتنازل عن ميراثه من أبيه في مقابل خدمته وتمريضه، فلا أقلّ من واجب الإحسان والرعاية وإن لم يتنازل عن شيء من المال. معاشر المسلمين: ولربما دلّس الشيطان على بعض الأبناء، فأوحى لهم أن الرعاية التي تقدمها الدولة أو الجمعيات الخيرية من خلال دور رعاية المسنين، أفضلُ وأشملُ من رعاية الأبناء، وسوّغ لهم ذلك سهولة إدخالِهم في هذه الدور وظنوه بهم برًا وإحسانًا. وقد صدرت الفتوى بعدم جواز التخلي عن الوالدين أو أحدهما بالحجة

стр. 1725

السابقة. لأن ولاية الدولة ولاية عامة، وولاية الولد ولايةٌ خاصة، وهذه الولاية (الخاصة) أوجبُ وألزم من الولاية العامة (١). وإذا شُكرت الدولةُ أو الجمعيات الخيرية على رعايتها وعنايتها بالمسنين .. فإنما أقيمت هذه الرعاية أصلًا لمسنٍّ لا عائل له لظرف أو لآخر، ولا ينبغي أن يتسابق الناسُ ويتخلصوا من مسنيهم لأدنى سبب من الأسباب .. فليس هذا جزاء الإحسان. معاشر الشباب: ورعايتكم للكبار وتقديركم للمسنين ينبغي أن تنبع من ذوات أنفسكم، مدركين حكمةَ التشريع، ومبتغين الأجر من الله، ولا ينبغي أن يسوقكم لذلك ضغطُ المجتمع عليكم، أو مجاملةُ الآخرين من حولكم، وقد كان المسلمون فيما مضى ولا زالوا يأخذون على يد من لم يوقر الكبير. وفي «الآداب الشرعية والمنح المرعية»؛ أن إبراهيم بن سعد رأى شبابًا قد تقدموا على المشايخ، فقال لهم: ما أسوأ أدبكم! لا أحدثكُم سنة، (٢) .. ويروى في ذلك عن إمام السنة أحمد ابن حنبل أنه كان من أشدّ الناس توقيرًا لمن هو أسنُّ منه من الشيوخ. وعن ليث، قال: كنت أمشي مع طلحة بن مصرف فقال: «لو كنت أسنَّ مني بليلة ما تقدمتك» (٣). على أن رعاية الكبار وتقدير المسنين - فوق أنها مطلبٌ شرعي وأدب إسلامي هي كذلك ذوق وجمال، وهي تعبيرٌ عن كريم الخلق وطيب النفس، ومؤشرٌ للوفاء

стр. 1726

والإحسان، وهي تنمُّ عن معدن طيب، تتخلى عن الذات في سبيل إكرام ذوي الشيبات. أيها المسلمون: إننا مطالبون جميعًا برعاية المسنين وتقدير الشيوخ، ومراعاة أحوال ونفسيات الكبار .. فهل نستشعر ذلك في واقعنا العملي، وهل نتنافس في الإحسان .. وهل نشيع ذلك في المجتمع كلِّه عبر وسائل عدة .. بالمحاضرات والندوات والخطب، وبحديث المجالس، وبطباعة المطويات المختصرة التي تعنى بهذا الجانب، وتأليف الكتب التي تدرس الظاهرة وتؤصلها، ويمتد ذلك إلى وسائل الإعلام في برامج مسموعة ومرئية، وفي أعمدة الصحف والمجلات، وفي القنوات الفضائية فرصة لعرض هذا الجانب المضيء من حضارتنا؟ وما أجمل أن تساهم مناهجُ تعليم البنين والبنات بالعناية بهذه القضية، فينشأ ناشئُ الفتيان والفتيات مغروسًا في قلبه تقدير المسن واحترام الكبير، والإحسان للوالدين. وكم هو جميل أن تُزود الملتقياتُ العامة، كالمدارس والمستشفيات والطرقات، بملصقات تحمل عبارات التقدير والعطف على المسن وإعطائه الأولية فيما يحتاج فيه للمساعدة، إشعارًا بقدره وتقديرًا لسنه. عباد الله: وأخيرًا يحق لنا أن نفاخر بعظمة ديننا وشمولِ وسموِّ آدابنا، في مقابل ما يُسمى بالحضارة الغربية أو الشرقية الكافرة، وفيها - فيما نحن بصدده - سلوكياتٌ يترفع عن سلوكها الحيوانُ الذي لا يعقل، ووقع فيها الإنسانُ حين غابت عنه شريعةُ السماء، وقد جاء في إحدى صحفنا المحلية من نماذج هؤلاء: مسنٌّ يبقى متوفيًا داخل شقته لمدة أربع سنوات ولم تكتشف جثته إلا صدفة (١). وعجوزٌ

стр. 1727

تموت جوعًا في شقتها بسبب ابنها الذي قطع عنها الماء والكهرباء والغاز حتى اكتشف الجيران أمرها! (١) وثالثة الأثافي - في هذا المجتمع البهيمي - أن هرمًا جاوز التسعين مات في دار خاصة بالمسنين، ولم يعلم بموته إلا بعد خمسة أيام (٢).

стр. 1728

النُّخَب الثقافية (١) الخطبة الأولى: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره .. أيها المسلمون: على مدار التاريخ الإسلامي يظل للعلماءِ الربانيين مكانتهم السامية ومنزلتهم الرفيعة، كيف لا والله فضلهم على غيرهم: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢). ورفعهم فوق مَنْ سواهم: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (٣). وأحال الأمةَ إليهم لسؤالهم والأخذ عنهم: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٤). وجعل المصطفى ﷺ غيابهم عن الوجود سببًا للضلال والإضلال: «إن الله تعالى لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبق عالمًا اتخذ الناس رؤساء جُهَّالًا، فسُئلوا فأفتوا بغير علم، فضلُّوا وأضلوا» رواه أحمد واتفق عليه الشيخان وغيرهم. ولكن من المقصود بهؤلاء العلماء؟ وما الفرقُ بينهم وبين حملة المصطلح

стр. 1729

الجديد (المثقفون) أو (النخب الثقافية)؟ وما أثر العلماء، وما تأثير المثقفين على مسيرة الأمة المسلمة وتقدمها، أو تخلفها وتبعيتها؟ وهنا أسوق كلامًا جميلًا للإمام أحمد ﵀ بيّن فيه مكانة العلماء وأثرهم، ومن يقولون على الله بغير علم، وكيف يخدعون الناس. قال ﵀ في كتابه «الرد على الزنادقة والجهمية»: الحمدُ لله الذي جعل في كل زمانِ فترةٍ من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضلَّ إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يُحيون بكتاب الله تعالى الموتى، ويُبصرون بنور الله أهلَ العمى، فكم من قتيلٍ لإبليس قد أحيوه، وكم من ضالٍّ تائه قد هَدَوه، فما أحسن أثرهم على الناس، وما أقبح أثرَ الناس عليهم! ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، الذين عقدوا ألوية البدعة وأطلقوا عِنان الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مجمعون على مفارقةِ الكتاب، يقولون على الله، وفي الله، وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جُهَّالَ الناسِ بما يُشبِّهون عليهم، فنعوذ بالله من فتنةِ المُضلين (١). إخوة الإسلام: وحديثُ اليوم ليس عن العلماء الربانيين، بل له علاقة بالفئة التي حَذَّر منها الإمام أحمد في زمنه، وهي ظاهرة تتكرر في كل زمان، لكن بأشكالٍ مختلفةٍ، وأسماء متباينة، إنها فئاتٌ قديمةٌ تتجدد، تفتن الناس عن دينهم وتدعوهم إلى التمردِ على قيمهم، وتحاول الفصلَ بين الأمة المسلمة وتاريخها المجيد، وتنظر إلى أصالتهم على أنها نوعٌ من الجمود والرجعية والتطرف والأصولية،

стр. 1730

وأرباب هذه الفئة يُطلق عليهم أحيانًا اسم (النخب الثقافية)، وهذه النُّخب من أبرز ملامحها: أنها مشدودة إلى الفكر الخارجي - من الغرب أو الشرق - وحسب هيمنةِ هذا الفكر أو ذاك، وهي مولعة باجترار (ثقافة الاغتراب) في مختلف الأفكار والمذاهب السياسية والاقتصادية والأدبية، ونظرًا لغُربتها (الثقافية) فبينها وبين مجتمعاتها المسلمة نوعٌ من النفرة والجفوة. ولذا فهذه الفئة كما تعيش غُربةً فكرية - هي كذلك تعيش عُزلةً شعوريةً .. إذْ لها همومها وأهدافها، وللمجتمع من حولها همومٌ وأهدافٌ تخالفها. هذه النخب حين تُخطط للمجتمع أو تكتب عن سُبل نهضته، فإنما تتحدث بعقول غيرها، وتتحدث - حين تتحدث - كما لو كانت تتحدث عن أمة أخرى، وديار أخرى، غير أمةِ الإسلام، وديار المسلمين. إن هذه الفئة المستغربة يمكن أن توصف بالرائد الذي كذب أهله. فقد نهل عدد منهم من معين الثقافة المستوردة، فأشربوا حبَّها، وذهب البعض منهم إلى ديار الغرب ليكون سفيرًا لأمته في نقل حضارتها الإسلامية المشرقة، والقادرة على الانقاذ لمن تَرَدَّوا في الهاوية، فإذا بهم يعودون أُجراءَ يرددون بوعي أو بغير وعي ما يريده أعداءُ الأمة، من أساتذتهم الذين باتوا يسخرون من تبعيتهم لهم، ويعترف هؤلاء الأسيادُ أنهم جعلوا من هؤلاء عبيدًا وخدمًا لنقل أفكارهم، بل أسموهم (دليل الطريق)، حيث قام هؤلاء المنهزمون بنقل الفكر الرديء والثقافة المستوردة إلى بلاد المسلمين نيابة عن هؤلاء الغزاة .. بل كفوهم مؤنة السلاح، وكانوا بديلًا عن الاستعمار المكروه للشعوب المسلمة والمكلفِ للدول المُستعمرة. إخوة الإيمان: وأسوق لكم نموذجًا يؤكد به الغربُ سُخريته، يسخر به الغربيون من أتباعهم من أبناء المسلمين .. يقول سارتر: كُنّا نُحضر رؤساء القبائل وأولاد

стр. 1731

الأشراف، والأثرياء والسادة من أفريقيا وآسيا، ونطوف بهم بضعة أيام في: أمستردام، ولندن، والنرويج، وبلجيكا وباريس، فتتغير ملابسهم ويلتقطون بعض أنماط العلاقات الاجتماعية الجديدة .. ويتعلمون منا طريقةً جديدة في الرواح والغدو، والاستقبال والاستدبار، ويتعلمون لغتنا وأساليب رقصنا .. وكنا نُدبِّر لبعضهم أحيانًا زيجةً أوروبية، ثم نُلقنهم أسلوب الحياة على أثاث جديد، وطراز جديد من الزينة .. كما نضع في أعماق قلوبهم الرغبة في (أورُبة)، ثم نرسلهم إلى بلادهم وأي بلاد؟ بلاد كانت أبوابها مغلقةً دائمًا في وجوهنا، لم نكن نجد منفذًا إليها، كنا بالنسبة لها رجسًا ونجسًا، وخنا، كنا أعداءً يخافون منا وكأنهم همج لم يعرفوا بشرًا، لكنا بمجرد أن أرسلنا المفكرين -الذين صنعناهم- إلى بلادهم، كُنا بمجرد أن نصيح من أمستردام، أو برلين، أو بلجيكا أو باريس قائلين: (الإخاء البشري) نرى أنَّ رجعَ أصواتِنا يرتدُّ من أقاصي أفريقيا، أو فج من الشرق الأوسط، أو الأدنى، أو الأقصى، أو شمال إفريقيا. ثم يقول: إننا كنا واثقين من أن هؤلاء المفكرين لا يملكون كلمةً واحدةً يقولونها غير ما وضعناهُ في أفواههم، ليس هذا فحسب بل إنهم سُلبوا حقَّ الكلام من مواطنيهم. إلى أن يقول (سارتر): هذا هو دورُ المفكرِ الذي يتشكل بالشكل الأوروبي، ويلعب في الدول الإسلامية دور (دليل الطريق) للاستعمار في البلاد التي لم يكن يعرفها أو يعرف لغاتها، وهو السوس الذي عمل في الشرق من أجل تثبيت هذه المادة الثقافية والاقتصادية والأخلاقية والفلسفية والفكرية المسمّمة للاستعمار الغربي، داخل هذه الأشجار الوارفة الأصيلة، هذا هو السوسُ الذي كنا قد صنعناه وسميناه بالمفكرين. ثم اسمع إلى هذا الغربي كيف يسخر من أذنابهم -حين يقول: كانوا عالمين

стр. 1732

بلغاتنا، وكان قُصارى همهم ومنتهى أملهم أن يصبحوا مثلنا، في حين أنهم أشباهُنا وليسوا مثلنا، إنهم نخروا من الداخل ثقافة أهليهم وأديانهم (القومية) التي تصنع الحضارات، ومُثُلهم وأحاسيسهم وأفكارهم الجميلة وأصالتهم الأخلاقية والإنسانية، وتحت أي شعار؟ وبأي اسم؟ باسم مقاومة الخرافات أو مكافحة الرجعية، أو الوقوف ضد السلفية. انتهى وهنا وبإزاء هذه الاعترافات من الأعداء أردد مع الكاتب المسلم (١) قوله: إنني كعربي مسلم أشعر بالخزي من مثل هذه الحقيقة، فهل يشعر بمثل ذلك نُخبُنا الفكرية، التي مارست وما زالت تمارس الدور الذي سماه (سارتر) (دليل الطريق)؟ (٢) إخوة الإيمان: إن المؤسف أن هذه النُّخب وجدت وتكاثرت في البلاد العربية والإسلامية، وقطارها يتحرك مؤثرًا في بلد، ثم يتوجه القطار بعرباته إلى بلد آخر، وفيهم القادة والأتباع، وهكذا غُربت الأمة وحصلت لها الانتكاسة إثر الانتكاسة، واكتفى الأعداء بهذه العقول المنهزمة والأفكار الغازية والرواد الكذبة عن الحروب المسلحة، واستنفاذ الجنود والمعدات الحربية. وهذه النخب المنحرفة يتسللون لإفساد فكر الأمة عبر الكتاب المؤلف، والرواية والقصة، والمقالة الصحفية، وعبر وسائل الإعلام بقنواته المختلفة، وربما غلفوا طروحاتهم بمصطلحات التجديد والتحديث والمصلحة الوطنية، وهم إنما يخدعون الأغرار من الرجال والنساء، يرمون بالعلمنة حينًا، وبالحداثة حينًا، وقد يكون من بينهم أصحاب بدع وانحرافات في المعتقدات، وعلى المجتمع بأسره مسؤولية

стр. 1733

فضحهم وتحذير الأمة من شرورهم، وعلى الدول المسلمة أن تحذرهم فهم بوابات للنفوذ الأجنبي، ولو تسلل العدوّ إلى أحدِ بلادِ المسلمين لوجدت هؤلاء المنحرفين أول مصفق لهم ومرحبٍ بمقدمهم. وإذا قيل للمنافقين في زمن النبوة: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ (١)، فكيف الحالُ في زمن ضعف الأمةِ، وغلبة الأعداء؟ وكلما تأخرت الأمة في كشفهم كلما استفحل شرُّهم، ودفعت ضريبة هذا التأخر الأجيال اللاحقة. اللهم احفظ المسلمين وبلادهم من كلِّ سوءٍ ومكروه، واجعل كيد الأعداء في نحورهم.

стр. 1734

الخطبة الثانية: الحمد لله ربِّ العالمين، يقصُّ الحق وهو خيرُ الفاصلين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، نوّر قلوب عباده بالإيمان واليقين، ومن زُين له سوءُ عمله فرآه حسنًا، فإن الله يُضلُّ من يشاء ويهدي من يشاء، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولهُ، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر المرسلين. إخوةَ الإسلام: وهذه (النُّخبُ الثقافية) المنهزمةُ من داخلها، يزعمون أنهم في طروحاتهم مجددون، وهم في الحقيقة مقلدون، ويزعمون التحرر، ويرمون غيرهم بالرجعية والتقليد، والواقعُ يشهدُ على تبعيتهم لغيرهم، وإذا اعتزّ المسلم بتبعيته للنص الشرعي وبالاقتداء بالنبي العربي محمدٍ ﷺ ، فأولئك معروفة هوياتهم، ولمن يتبعون. إنهم معوقون للأمة المسلمة عن التقدم، فهم مشغِلون لها بمعارك جانبية تهدم أكثر مما تبني، وتفرق ولا تجمع، وتشكك ولا تبعث اليقين، وأين حضور هذه النخب في تعرية الاستعمار وأهدافه الحديثة وآثاره المستقبلية على الأمة، وأين مشاريعُ هذه النخب في سبيل وعي الأمة واستعادة مكانتها وتحرير شبابها من الوهم والوهن، وانتشالهم من الشهوات التي تقعد بهم عن مراقي العز والشرف؟ أين هم من نُصرة المظلومين والمشردين من أبناء العالمِ الإسلامي على أيدي المستعمرين الجدد؟ أين هم من ردّ الهجمات الإعلامية على الإسلام وأبناء المسلمين من أصحاب الملل الكافرة والنحل المحرفة؟ إن المتأمل في معظم طروحات هذه (النُّخب) المنهزمة يراها تتركز على الشهوات أو إثارة الشبهات، وتتخذ من المرأة وسيلة لإفساد المجتمع وتميعه، فتراهم يسخرون من الحجاب حينًا، ويدعون للاختلاط حينًا، ويرون في المرأة الغربية الكافرة نموذجًا يحتذى.

стр. 1735

لا يكادون يذكرون الله في كتاباتهم إلا قليلًا، ويستحي بعضُهم من الاستشهاد بآية قرآنية أو حديث نبوي، ويفخر إذ يُدبج كلامه مستشهدًا بكلام فلانٍ أو فلان -من غير أبناءِ الملة- وكأننا أمة لا تاريخ لها ولا رجال ولا رصيد من التجارب يستحق أن يُنشر ويُشهر، وبه يفخر هؤلاء النخب أو بعضُهم على الأقل. اختلط عليهم ما ينبغي نقله والاستفادة منه من حضارات وتجارب الآخرين المادية مع الشعور بالعزة والاستعلاء، وما ينبغي طرحُه ونقده من قيمٍ فاسدة وثقافاتٍ مستوردة، نجد في قيمنا وثقافتنا الإسلامية غنًى عنه. وليت هؤلاء يستفيدون من تجارب السابقين لهم ممن تورط في جلب الثقافة الغربية إلى أبناء أمته، فعاد بعد حين يندب حظَّه ويعلن لبني قومه فشل تجربته، بل يحذر ويفرق بين ما ينبغي أن ينقل أو يهمل. ويقول (هيكل) في تقييم تجربتهِ: وقد حاولتُ أن أنقل لأبناء لغتي ثقافة الغرب المعنوية، وحياته الروحية لنتخذهما جميعًا هدى ونبراسًا، ولكننِي أدركتُ بعد لأي أنني أضعُ البذر في غير منبته، فإذا الأرضُ تهضمه ثم لا تتمخضُ عنه ولا تبعثُ الحياة فيه، وانقلبت ألتمس في تاريخنا البعيد، وفي عهد الفراعين موئلًا لوحي هذا العصر يُنشئ فيه نشأةً جديدةً، فإذا الزمنُ، وإذا الركودُ العقلي قد قطعا ما بيننا وبين ذلك العهد من سبب قد يصلح بذرًا لنهضةٍ جديدة، وروأت فرأيت أن تاريخنا الإسلامي هو وحده البذرُ الذي يُنبت ويُثمر (١). أيها المسلمون: أما الرسالةُ التي ينبغي أن نحملها (النُّخب المثقفة) بل عمومُ المثقفين -من الجنسين- فهي استشعارُ أمانة الكلمة ومسؤولية البلاغ للناس بصدقٍ ونزاهة، فالرائدُ الجادُّ لا يكذب أهله -ولا بدَّ أن يُدرك المثقفون وسواهم أن الثقافة

стр. 1736

الإسلامية ليست مجرد معارف ومعلوماتٍ مجردة، وليست ثقافة ترفيه وتسلية، وإنما هي قيمٌ سلوكية تُمارس في الحياة، وأفكارٌ وتصورات تحدد هدف المسلم في الوجود ودوره المنشود. وعلى المثقف المسلم أن يعتزَّ بهذه الثقافة، ولا يسوغُ له بحال أن يكون علماني التفكير، غربي أو شرقي الهوى. وإذا كان في الأديان المحرفة ما يستحي أتباعُها من ذكره، أو لا يؤهل للإتِّكاء عليه، فليس في الإسلام الدين الحق من ذلك شيء، فنحن قومٌ أعزنا الله بالإسلام ومهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله. وعلى المثقفين المعتزين بالإسلام، والمدركين لمعنى الثقافة الإسلامية أن يقوموا بنقلها وتعميقها في المجتمع بأنماطها السلوكية وتصوراتها الصحيحة، حتى ولو كان المجتمعُ الذي تُنقل له مجتمعًا أميًا، فليست الأمة عيبًا إذا تمثل المجتمعُ أخلاق الإسلام، وليس بخفي أن مجتمع خير القرون كان أميًا، ولكن هذه الأميّة لم تقعد بهم عن حمل رسالة السماء وتبليغها للعالمين: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (١). أيها المثقفون: وفي سبيل صراع الحضارات على المثقف المسلم أن يُحذِّر من آثار الثقافات الوافدة، وأن يقوم بدوره في كشف صراع الحضارة الغربية للإسلام، ففي ذلك تحصينٌ لأبناءِ الأمةِ من آثارِها المدمرة، وفيه حمايةٌ للأمة من الذوبان في حضارات وثقافات الآخرين. ونحن اليوم في مرحلة صراع قيمي وأخلاقي وغزو فكري رهيب، والبقاءُ للأصلح والأقوى.

стр. 1737

وينبغي أن يعلم أن الصراع مع أي ثقافةٍ وافدةٍ منحرفةٍ لا يعني الصراع مع الإنسان، إذ الصراع مع مظلة القيم وليس مع الإنسان ذاته، بل قد يكون هذا الصراع سببًا لحياة أفراد أو مجتمعاتٍ كانت في عداد الموتى. إن صراعنا -نحن معاشر المسلمين- مع الآخرين ليس الهدف منه فرض الجبروت وإذلال الشعوب، وإنما يهدف إلى تعبيد الناس، والكون لله ربِّ العالمين، وتخليصهم من العبودية لبعضهم، وحمايتهم من التشرد والضياع. عباد الله: وهنا كلمةُ حقٍ وإنصاف تقال -في الحديث عن الثقافة والنُّخب الثقافية، فليست كلُّ النخب الثقافية معاول هدمٍ، أو تابعين أجراءُ، بل فيهم فئةٌ صالحون أصلاء، يحملون هموم الأمة ويعالجون قضاياها ويُعدُّون في طلائع الرواد الذين لم يكذبوا أهليهم، ولم يخونوا أماناتِهم، ولهؤلاء يُقال: أنتم مكانُ تقدير الأمةِ وثقةِ أبنائها، وإلى مزيد من تفعيل الثقافة الإسلامية الأصيلة في المجتمع، وفضح الثقافات الواردة والحوار مع النخب المنهزمة، وعسى الله أن يكتب الخير على أيديكم. فإما أن يهدي الله بكم من ضل، أو تكونوا سياجًا مانعًا عن ضلال آخرين، وحسبكم أن تؤدوا الأمانة، وأن تكونوا خلفاء الأنبياء ﵈ في البلاغ الحق للناس، بما شرع وأوحى.

стр. 1738

فرص استثمارية ودعوية في الإجازة (١) الخطبة الأولى: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. عباد الله: اتقوا الله وراقبوه، واسمعوا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٢). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣). أيها المسلمون: متقررٌ عند العقلاء- بله المسلمين -أن الحياة دقائقُ وثوانٍ، وأن الوقت عمارٌ أو دمارٌ، وأن عملية الزمن لا تتوقف بانتظار الكسالى والمبطئين، وأن من زرع اليوم حصد غدًا. وفرق بين من يحصد الشوك ومن يحصد العنبا. عباد الله: وفي عقيدة المسلمين متقررٌ أن الدنيا مزرعة الآخرة، وأن الزمن وعاءٌ لعمل الصالحات، أو سبيلٌ لارتكاب الموبقات، ومن وصايا الرسول ﷺ

стр. 1739

وتوجيهاته أن إضاعة الوقت غبنٌ، كما أن عدم استثمار الصحة- فيما يعود على المرء بالنفع -غبن آخر، ومما يلفت النظر أنّ الكثير من الناس مغبونٌ في هاتين النعمتين؛ كذا قال الذي لا ينطق عن الهوى ﷺ : «نعمتان مغبون فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ». ولهذا وغيره فطن العارفون لأهمية الوقت، وسارت حياتُهم وانتهت بجلائل الأعمال، حتى إذا رحل أحدهم عن هذه الحياة عجب الناس كيف قاموا بهذه الأعمال كلها، وكيف خلَّفوا هذا التراث الضخم من العمل والعلم، والإنجاز والإنتاج، والدعوة والإحسان، والصلة والصلاة، والذكر وتلاوة القرآن، ونفعِ الخلق وإرضاء الخالق. إنه شعورٌ بالمسؤولية أولًا .. يتبعه همةٌ عالية، تذلل الصعاب وتقهر النفس عن شهواتها الدنيئة، وتحجبها عن سفاسف الأمور، وتطوعها لاستثمار الأوقات. وقد استشعر هؤلاء العارفون قيمة الزمن، فقال أحدهم: إضاعةُ الوقت أشدُّ من الموت؛ لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة، والموتُ يقطعك عن الدنيا وأهلها. يا أخا الإسلام: هل فكرت أيَّ شيءٍ صنعتَ اليوم، وماذا ستعمل غدًا، وهل غَدُك أحسن من يومك. وهكذا حتى تلقى ربَّك، مطمئنًا لعمل الصالحات، واستثمار الأوقات. وإليك نموذجًا من استثمار الوقت يشهد به العدول، يقول إبراهيمُ الحربي ﵀: لقد صحبتُ الإمام أحمدَ بن حنبَل عشرين سنةً صيفًا وشتاءً، وحرًا وبردًا، وليلًا ونهارًا، فما لقيته في يوم إلا وهو زائدٌ عليه بالأمس (١).

стр. 1740

«إن الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما» كذا قال عمرُ بن عبد العزيز ﵀، وقبله قال ابنُ مسعود ﵁: ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسُه؛ نقص فيه أجلي ولم يزدد فيه عملي. أيها الناس: واستثمار الوقت ليس خاصًا بزمن دون زمن، ولا بجنس دون جنس، ويدور الزمان ويدور معه البطّالون، ويوجد فيه المشمرون المستثمرون لحياتهم، وتشارك المرأةُ الرجل في الإحساس بقيمة الزمان، ويُذكر أن امرأة حبيب الفارسي كانت توقظه من الليل وتقول: قُمْ يا حبيبُ فإن الطريق بعيد، وزادُنا قليلٌ، وقوافلُ الصالحين قد سارت من بين أيدينا، ونحن قد بقينا. يا عبد الله: لست ملكًا مقربًا- لا تعصي الله ما أمرك -ولكن من أدلة شعورك بقيمة الزمن أن تُعقبَ خطأ اليوم بإحسان الغد، وكأن الشاعر يعنيك حين قال: مضى أمسُكَ الماضي شهيدًا مُعدَّلًا ... وأعقبَه يومٌ عليك جديدُ فإن كنتَ بالأمس اقترفت إساءةً ... فثنّ بإحسانٍ وأنت حميدُ فيومُك إن أعقبته عاد نفعُه ... عليك، وماضي الأمس ليس يعودُ عباد الله: وفي مُقتبل الإجازة يتساءل عددٌ من الناس بم يقضون أوقاتهم؟ وما المشاريعُ الدعويةُ الخيرة التي يمكن لهم أن يسهموا فيها؟ وإذا عُلم أن نصف عدد المجتمع من النساء في البيوت أوجب ذلك التفاتةً جادةً للنساء، وشمولهن بهذه البرامج لاستثمار أوقاتهن، ومساهمتهن في الدعوة للخير. وبالجملة، فسأقترح عليك، وأذكرك بأكثر من وسيلة لاستثمار الوقت عمومًا، وفي الإجازة خصوصًا، وأرجو أن تكون شاملةً للرجل والمرأة، والشاب والفتاة، والموظف والمُعلم، والمتسبب، والتاجر، وطالب العلم، والداعية.

стр. 1741

ألا وإن كتاب الله خيرُ ما بُذلت فيه الأوقات إن تعلُّمًا أو تعليمًا، تلاوةً أو حفظًا، أو تجويدًا أو تفسيرًا، فماذا تنوي أن تحفظ أو تراجع منه في هذه الإجازة؟ ومطالعةُ كتب العلم النافعة طريقٌ للعلم الذي يرفع اللهُ به أصحابه درجات، «وخيرُ جليس في الزمان كتابُ»، ولكن اختر واستشر فيما تقرأ. * وحضورُ حلق العلم، والمشاركة في الدورات العلمية قربة إلى الله، مع ما فيه من تحصيل العلم ومعرفة الآداب، مع حسن نيةٍ وحضور قلب. وهذه الدروسُ، فيها- أحيانًا -أماكنُ للنساء، وينبغي أن يُعتنى مستقبلًا بدروس النساء، زمانًا، ومكانًا، وموضوعًا، ومُحاضِرًا أو محاضِرةً، ويمكن للنساء أيضًا أن يلتقين في حلقة علمٍ في إحدى البيوت إذا كُنَّ متجاورات، أو قريبات. * والمراكز الصيفية للشباب، والدور الصيفية للفتيات مما تستثمر فيه الأوقات، وقد كانت لفتة كريمة من مجلس الوزراء إذ أشار إلى أهمية هذه المراكز للشباب، وتُشكر الجهاتُ الحكومية- وفي مقدمتها وزارة المعارف -إذ تدعمُ هذه المراكز، وتزيد في عددها إنْ رسميةً أو تطوعيةً، ويُشكر الأساتذة المشرفون الذين يقطعون إجازاتهم في سبيل الإشراف على هذه المراكز، ورعاية المنتسبين لهذه المراكز، ويُشكر الأولياء الذين يساندون هذه المراكز، كما تشكر جماعات تحفيظ القرآن الكريم، إذ تُعنى بالدور الصيفية للطالبات، وحبذا لو كثَّفت من إعدادها مراعية كثرة الراغبات في الالتحاق بهذه الدور، وحاجتهن لملء الفراغ بما ينفع، ومؤمّنةً السُّبُل لنقلهن، ومراعية التوزيع على الأحياء ما أمكن، ومجددة في البرامج والوسائل، فذاك الأهم. * أيها المسلمون: وفي القرى والهجر النائية حاجةٌ لنشر العلم ورفع الجهل لمن به ذلك، والدعوة بالحسنى، وإعانة المحتاجين، وكل ذلك ينبغي أن يستنهض همم

стр. 1742

العلماء والدعاة والمحسنين، فيزوروا ويفيدوا. * والدعوة في الحي وتقديم الخير للجيران، وتفقد حوائجهم، أسلوب ربما غفل عنه بعض الخيرين مع أهميته. * وللجاليات الوافدة لهذه البلاد حق على أهلها، فهل نمنحهم شيئًا من وقتنا بدعوتهم للخير، والإسهام في حلِّ ما نستطيع من مشكلاتهم؟ وهل نتعاون مع مكاتب توعية الجاليات لمعرفة الواقع والاحتياج، وهل نبدأ الخطوة مع من هم تحت أيدينا من العمالة والمستخدمين؟ ؟ * والرحلاتُ النافعةُ لصلة الأرحام، أو أداء مناسك العمرة، أو التمتع بالجو الجميل، والتفكر في عظيم مخلوقات الله، وسعة ملكه، مما يُستثمر به الوقت، ولا سيما إن صاحَبَه برامجُ للأسرة؛ كشيء من الحفظ أو القراءة النافعة. * وإذا قُدر لك أيها المسلم السفر إلى إحدى بلاد المسلمين، أو إلى بلاد بها جالياتٌ مسلمة، فساهم قدر استطاعتك في الدعوة إلى الله، أو مساعدة المحتاجين، وانقل الصورة بأمانة ودقة إلى إخوانك المسلمين ليطَّلعوا على حال إخوانهم، وفرق بين السفر لهذا الغرض النبيل، وبين السفر لإشباع البطون والفروج. كما الفرقُ بين من يراقب ربَّه ويشعر أنه يُمثل دينه، ومن يسيء إلى نفسه ومجتمعه وأمته؟ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (١).

стр. 1743

الخطبة الثانية: الحمد لله ربِّ العالمين، أجرى ذكره وشكره على ألسنة المخبتين، وأضلَّ آخرين، فهم عن ذكر ربهم معرضون، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، اصطفى من خلقه من همهم هدايةُ الناس ونفع الخلق -إما بأنفسهم أو بجاههم أو بأموالهم، وحرم آخرين فلا يُفكرون إلا في ذواتهم ولا يعنيهم كثيرًا حالُ إخوانهم من المسلمين. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وعلى سائر أنبياء الله والمرسلين. * إخوة الإسلام: وثمة فئةٌ من الشباب مغفولٌ عنها، أو يضعف الاهتمام بها مع ما في هؤلاء من خير واستعدادٍ لقبول الحق، إنهم شباب الأرصفة والحدائق، وأصحابُ الاجتماعات في الاستراحات، أو الرحلات البرية -هنا أو هناك- أفلا يستحق هؤلاء منا الزيارة والملاطفة بالقول، والهدية النافعة ودعوتُهم لرحلاتِ أكثر فائدة، أو الالتحاق بالمراكز الصيفية، أو ما شابه ذلك؟ * وتُشكر الإدارات الحكومية ومؤسسات القطاع الخاص حين توفر فرصًا وظيفية للشباب في الإجازة يقضون بها وقت فراغِهم وتعينهم على سدِّ حوائجهم المادية، وتكسبهم مهارةً وخبرة. * يا أيها المسلمُ والمسلمة: وفي زمن العلم والوعي والتقدم التِّقني يمكنك أن تُساهم بنشر العلمِ والمعرفة -وإن لم تكن عالمًا- وذلك بالإسهام في نشر علم العلماء عبر الشريط والمطوية والكتاب والمجلة النافعة ونحوها، فهل فكّرت حين تُسافر وترحل باصطحاب مجموعة من هذه وتلك، وتوزيعها لمن تراه محتاجًا لها.

стр. 1744

* أيها الغني أو الراغبُ في الصدقة -وإن لم تكن في عداد الأغنياء، وإذا لم يمكنك أن تسهم بعلمك، ولا بنفسك، فليكن في مالك مساهمةٌ للدعوة ودعم المشاريع الخيِّرة، واعلم أن في دعمك شحذًا لهمم العاملين، وعسى أن يكون في صدقاتك حفظ لمالك وتنمية لثروتك، فضلًا عن تكفير الخطايا ورفعة الدرجات، وهنيئًا لك أيها المتصدق قوله ﷺ : «كلُّ امرئٍ في ظل صدقته يوم القيامة حتى يُقضى بين الناس» (١). * أيها العلماء والدعاةُ والمفكرون! وعلى شبكات الانترنت فرصٌ ومواقع للدعوةِ والتعريف بالإسلام، والتصدي لحملات الكفر والإلحاد، وفضح المذاهب المنحرفة، ووسائل العلمنة وتغريب الأمة، فلا تتأخروا في استثمار هذه الوسيلة العالمية. * أيها الرجال وأيتها النساء: ولذوي رحمكم عليكم حقٌّ خاص، وقد أوصى الله بهم في قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ (٢). فهل تحتسبون في تخصيص جزءٍ من وقتكم للالتقاء بهم، والأنسِ معهم، والتعرف على محتاجهم، وحثهم على الخير، وتبصيرهم بالمخاطر، وذلك عبر لقاءات دورات الأسرة، ومناسبات الزواج، وسلام الأعياد، ونحوها. وتحيةً للأسر المتواصلة التي شقَّت طريقها في اللقاءات الأسرية المبرمجة الهادفة، والدعوةُ لا تزال مفتوحةً لمن لم يبدأ مشوار الصلة الجماعية، في زمن باتت الصلات الفرديةُ فيها شيءٌ من الصعوبة. * أيها العلماءُ والدعاةُ، وأساتذة الجامعات، والمدرسون، والموظفون:

стр. 1745

وهناك تواضعٌ غير محمود، واتهامٌ للنفس في غير محله، واتكالية وسلبية، وذلك بضعف الإسهام في الكتابة في الصحف، والاعتذار عن تقديم البرامج المفيدة في وسائل الإعلام، مما أتاح الفرصة لكتابات هزيلة أو منحرفة أحيانًا، وسبَّب كذلك في ضعف أو قلة البرامج الإسلامية مقارنةً بغيرها. وأنتم بهذا تتحملون كفلًا من المسؤولية حين تتأخرون وأنتم قادرون، فإن كان عذرُكم ضيق الوقت، ففي الإجازة فرصةٌ للإعداد والكتابة، فهل أنتم فاعلون ومسهمون؟ * أيها الآباء، أيتها الأمهات: ولديكم في هذه الإجازة فرصة أكبر للعناية بأولادكم ومزيد تربيتهم، وإذ يتفرغون من الدراسة ففرغوا لهم جزءًا من وقتكم تُسمعونهم، وتسمعون منهم، وتقرؤون عليهم ويقرؤون عليكم، توجهون وتحذِّرون، وتقصون وتمازحون، وهكذا من وسائل التربية المختلفة، حتى ينشئوا نشأةً صالحةً بإذن الله، وليكن ذلك عامًا للذكور والإناث. إخوة الإسلام: أكتفي بهذه الخمس عشرة فرصة ووسيلة للدعوة -أو تزيد- في هذه الإجازة، على أن ذلك لا يعني الحصر لها، فثمة وسائل وفرص أخرى قد تراها أو يراها غيرُك سبيلًا لاستثمار الوقت لنفسك ونفع الخلق من حولك، وهناك كتيباتٌ ورسائل مؤلفةٌ لهذا الغرض، وفيها استجماع لعدد من الوسائل الدعوية فليطالعها من شاء. والمهم أن تحملَ همَّ الإسلام وتُشارك في نَشر الخير، ودفع الشر حسب قدرتك وما وهبك الله، وهذه الفرصُ والوسائل -أيضًا- ليست قصرًا على الإجازة فحسب، وإنما يمكن استمرارُها واستدامتُها فيما بعد، وإنما جاء الحديث عنها مقرونةً بالإجازة لتوفر الفراغ فيها أكثر من غيرها. عباد الله: وأختم الحديث منبهًا ومحذرًا عن قضاء الوقت في أمور لا تحمدُ عقباها، ولا ينبغي أن يُقضى الوقتُ بمثلها.

стр. 1746

ومنها كثرة النوم، أو طولُ السهر في المقاهي، أو على التلال الرملية ونحوها دون فائدة، والسفر للخارج، وإضاعة الوقت والمال وربما الدين، باسم السياحة، والسهرُ على الأفلام الخبيثة ومتابعةُ القنوات الفاسدة، والإكثار من الرحلات دون فائدة، وكثرةُ التجول في الأسواق لغير حاجة، والمعاكساتُ الهاتفية، والارتباط بسماعة الهاتف مدةً طويلة، وكثرة التجوال في الحدائق والمتنزهات العامة، والقراءةُ في الكتب المنحرفة أو المجلات والجرائد الساقطة، والاجتماع للحديث في أعراض الناس، وأكل لحومهم سواءٌ بالغيبة أو النميمة، وسواء كان ذلك من قبل الرجال أو من قبل النساء. إلى غير ذلك من أمور يعرفها العقلاء، ولا يرضى المسلمُ أن يضيع شيءٌ من وقته هدرًا. واعلم - أخا الإسلام - أن النفس إذا شغلتها بالخير شُغلت عن الشر، وإذا خلت من عمل الخير وقعت في الشر، ولذا فأنتم جميعًا مدعوون للتفكير في قضاء وقت الفراغ بما ينفع، ومما يدفعكم إلى ذلك قصرُ أعمار هذه الأمة مقارنة بغيرها من الأمم، وعظمُ الجزاء ودقةُ الحساب عند المولى: ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (١). واختيارُ الرفيق الصالح خيرُ معين على قضاء الوقت بما ينفع، وعكسه رفيقُ السوء، وكلما قوي الإيمان باليوم الآخر، كلما كان الإنسان أكثر جديَّة وحفظًا لوقته، ودعاءُ الله بالإعانة والتسديد، كذلك عونٌ للمرء على الاستفادة من وقته

стр. 1747

وحفظ نفسه. أسأل الله أن يبارك في أعمارنا وأعمالنا، وأن يجنبنا الزلل، وأن يوفقنا لأحسن الأخلاق والأعمال، لا يهدي لأحسنها إلا هو، وأن يصرفنا عن سيئها، لا يصرفنا عن سيّئها إلا هو.

стр. 1748

المسارعة للخيرات، واغتنام فرص الطاعات (١) الخطبة الأولى: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ... عباد الله: تختلف هممُ الناس واستعدادُهم لفرص الخيرات، كما يختلف نوعُ مسعاهم في تحصيل الأجر حين يكون موسمُ الطاعات، فهناك ذو الهمة الضعيفة والعزم المتراخي، وهناك الغافل اللاهي، وهناك المنافق والمرائي، وهناك أصحابُ الجدِّ والهمم العالية والإخلاص والمتابعة. وبالجملة، فمواسم الطاعة وفرص العبادة تحتاج - فيما تحتاج إليه - إلى مبادرة ومسارعة، وإلى حسن نيةٍ، وقصدٍ حسن، هذا قبل العمل، وتحتاج بعد العمل إلى صدقِ المتابعة، ولزوم السنة فيما يعمل أو يدع، وسؤال الله القبول، والتجاوز عن الخطأ والتقصير. أما المبادرة، فقد جاء الأمر بها والحثُّ عليها في أكثر من موضع من كتاب الله وبأكثر من عبارة، وكلها تحثُّ الخُطى، وتدعو للمسارعة، والمسابقة، والمنافسة؛ قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (٣). ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (٤).

стр. 1749

فهل تجدون - معاشر المسلمين - أقوى وأمثل من عبارات المسارعة هذه والمسابقة والمنافسة لاغتنام الفرص والتقرب إلى الله بزاد ينفع العبد يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم؟ ألا إنها دعوةُ القرآن، ورحمة الرحمن، وإلا فالله غنيٌّ عنَّا وعن عبادتنا، ولا يضره كفرُ الكافرين، وإن لم يرضَه منهم، ولا تنفعه طاعة المطيعين، وإن كان يحبها ويرضاها لهم: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (١). يا عبد الله! إياك أن يُسرع الناسُ الخُطى للخيرات وأنت واقفٌ أو تزحف، أو تتلفت، أو تلهو وتلعب، حتى إذا فجأك الحقُّ عضضت أصابع الندم ولات ساعة مندم، أترضى أن تكون ممن قال الله فيهم: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١) مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ (٢)؟ أم ترضى أن تكون حالك كحال من قال الله عنهم: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾؟ (٣). وأين أنت - يا عبد الله - من دعوة محمد ﷺ لك بالمبادرة لعمل الصالحات، وهو القائل: ((بادروا بالأعمال فتنًا كقطعِ الليل المظلمِ، يصبح الرجلُ مؤمنًا، ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع أحدهم دينه بعرَضٍ من الدنيا

стр. 1750

قليل)). أخرجه أحمد ومسلم والترمذي (١). يا أخا الإيمان وإذا كانت الفتنُ عوائق عن عمل الصالحات فالبدار البدار في عمل الصالحات، واغتنام مواسم الطاعات قبل كثرة الفتن، وصدِّها عن عمل الصالحات، وأنت لا تدري، إذا انفلق عليك الصباحُ بأمر الله ما يحمله لك المساء من أقدار الله، والله حين يتوفى الأنفس في منامها يمسك التي قضى عليها الموت، ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى .. ولست تدري أنفسُك ممن تمسك أم ترسل، وإن أرسلت فلست تدري كذلك ماذا ما بقي من أجلها. أين نحن من قوم كثُرت أعمالهم الصالحة، وزاد خوفهم ومراقبتهم؟ عن ابن شوذب قال: لما حضرت أبا هريرة ﵁ الوفاة بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: بُعدُ المفازة، وقلة الزاد، وعقبةٌ كئود، المهبط منها إلى الجنةِ أو النار (٢). وعن عمران بن نمران، أن أبا عبيدة ﵁ كان يسير في العسكر فيقول: ألا رُبَّ مُبيِّضٍ لثيابه مُدَنِّسٌ لدينه، ألا ربَّ مكرمٍ لنفسه وهو لها مهين، بادروا السيئات القديمات بالحسنات الحديثات (٣). أيها المسلمون: وبعد المبادرة والاستعداد لفعل الخير، ينبغي أن يكون القصدُ حسنًا، والعملُ لله خالصًا، وفرقٌ كبيرٌ بين من يريد بعمله الله والدار الآخرة ومن يريد الدنيا وزخرفها .. وهنا تستوقف المتأمل مجموعة آيات تفترق مواضعُها من كتاب الله، وتقترب معانيها ودلالتها، فتأملوهن، واعملوا بموجبهن. أما الموضع الأول؛ فقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ

стр. 1751

أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١). أما الموضع الثاني؛ فقوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ (٢). وفي الموضع الثالث؛ قال تعالى في سورة الشورى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ (٣). عباد الله: ومن جملة المعاني التي ذكرها العلماءُ في تفسير هذه الآيات، ما ذكره القرطبي - عند آية الإسراء - ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ﴾ قال: وهذه صفةُ المنافقين الفاسقين والمرائين .. يلبسون الإسلام والطاعة لينالوا عاجل الدنيا من الغنائم وغيرها، فلا يُقبل ذلك العملُ منهم في الآخرة، ولا يعطون في الدنيا إلا ما قُسم لهم (٤). ألا فاتقوا الله عباد الله، وسارعوا إلى طاعته وجنته، ولا تنتهي بكم الآمال عند حُطام الدنيا، واستجيبوا لندائه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥) إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (٥).

стр. 1752

الخطبة الثانية: الحمد لله صاحب الفضل والإحسان، وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له، كل من في السماوات والأرض خاضع لجبروته وسلطانه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، كان أجود الناس بالخير، وأجود ما يكون في رمضان .. اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر النبيين والمرسلين. إخوة الإسلام: ووقف أهلُ العلم عند آيتي هود: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ (١) والتي بعدها؛ من المقصود بهم؟ : فقيل: نزلت في الكفار، وقيل: المراد بالآية: المؤمنون، والمعنى: من أراد بعمله ثواب الدنيا عُجل له الثوابُ، ولم يُنقصْ شيئًا في الدنيا، وله في الآخرة العذابُ؛ لأنه جرّد قصده إلى الدنيا، وهذا كما قال ﷺ : ((إنما الأعمال بالنيات)). فالعبدُ إنما يُعطى على وجه قصده، وبحكم ضميره، وهذا أمرٌ متفق عليه في الأمم بين كل ملة. وقيل: هو لأهل الرياء الذين يقال لهم: صمتم وصليتم، وتصدقتم وجاهدتم، وقرأتم ليقال ذلك، ومعلوم من أول من تُسعر بهم النار. وقيل: في معنى الآية العموم، أي: ليس أحدٌ يعمل حسنةً إلا وُفِّي ثوابها، فإن كان مسلمًا مخلصًا وفِّي في الدنيا والآخرة، وإن كان كافرًا وفِّي في الدنيا (٢). عباد الله: الله لطيف بعباده، ومن رحمته ولطفه بعباده أن يسَّر لهم طرق الخير، وعظّم لهم الأجر، وقواهم وأعانهم عليه إن كان قصدهم حسنًا: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ

стр. 1753

حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ (١). قال ابن كثير ﵀: حرثُ الآخرة: عملها، ومعنى ﴿نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ أي: نقويه ونعينه على ما هو بصدده؛ ونكثر نماءه ونجزيه بالحسنة عشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف، إلى ما يشاء الله، ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ أي: ومن كان إنما سعيُه ليحصل له شيءٌ من الدنيا، وليس له إلى الآخرة هِمّةٌ البتة بالكلية حرَمَهُ الله الآخرة، والدنيا إن شاء أعطاه منها، وإن لم يشأ لم يحصل له لا هذه ولا هذه، وفاز هذا الساعي بهذه النية بالصفقة الخاسرة في الدنيا والآخرة (٢). معاشر المسلمين: شمروا في طلب الآخرة، واسعوا لها سعيها وأنتم موقنون بلقاء الله وجزائه وعدله، في كل حين، وخصوا مواسم الخيرات بمزيد من السعي تُفلحوا وتنجوا من عذاب الله. قيل للأحنف بن قيس ﵀: إنك كبيرٌ والصوم يُضعفك، قال: إني أعدُّه لسفرٍ طويل. وقيل: كانت عامةُ صلاتهِ بالليل، وكان يضع أصبعه على المصابيح ثم يقول: حِسَّ، ويقول: ما حملك يا أحنفُ على أن صنعت كذا يوم كذا (٣)؟ ! وهكذا إخوة الإيمان تكون الجدية في العبادة، والمحاسبة؛ وتذكر الآخرة. إن هذه الأمة أمةُ خير، بشَّرها الرسولُ ﷺ ببشائر - ما التزمت الطريق الحق - وحذرها من عمل الآخرة لأجل الدنيا، فقال ﷺ : ((بشِّر هذه الأمةَ بالسَّناء،

стр. 1754

والدين، والرفعة، والنصر، والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا، لم يكن له في الآخرة من نصيب)) رواه أحمد وابن حبان والحاكم وغيرهم وسنده صحيح (١). والسَّناءُ: ارتفاع المنزلة والقدرِ عند الله تعالى (٢). يا أخا الإيمان: تدارك ما فاتك، واستثمر أنفاسك في طاعة خالقك، وإياك أن تؤثر الفانية على الباقية، ومهما تعلقت نفسُك بشهوة أو متاع فاعلم أن في الجنة خيرًا منه، ومهما مرَّ بك من آلام وأحزان وسوءِ حال فاعلم أن في النار شرًا منه. تحمّل ألم ساعة في سبيل حصولك على اللذةِ والحبور الدائم في الجنة، وحذار أن تقودك الشهوة العارضةُ إلى النار والحميم والزقوم في جهنم، وبئس المصير، واختر لنفسك أي المنزلتين شئت. قال شدادُ بن أوس: إنكم لن تروا من الخير إلا أسبابه ولن تروا من الشرَّ إلا أسبابه، الخيرُ كلُّه بحذافيره في الجنة، والشرُّ بحذافيره في النار، وإن الدنيا عَرَضٌ حاضرٌ يأكل منها البرُّ والفاجر، والآخرةُ وعدٌ صادق يحكم فيها ملكٌ قاهر، ولكلٍّ بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا (٣). اللهم هيّئ لنا من أمرنا رشدًا، وعلق آمالنا في الآخرة، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا إلى النار مصيرنا.

стр. 1755

الألفية الثالثة وقائع ووقفات (١) الخطبة الأولى: الحمد لله ربِّ العالمين، أكمل لنا الدين، ورضي الإسلام لنا دينًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، حكم ببطلان الشرائع والأديان غير ملة الإسلام - فقال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢). وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه وخاتم أنبيائه ورسله، أنزل عليه القرآن بالحق مصدقًا لما بين يديه من الكتب ومُهيمنًا عليها، وأخبره أن أهل الكتاب حرفوا الكلم عن مواضِعه ونسوا حظًا مما ذُكّروا به. اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٣). ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ (٤). أيها المسلمون: ونحن الآن على مشارف نهاية قرن ميلادي متمم لألفي سنة من
следующие страницы →