أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١).
أما الموضع الثاني؛ فقوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ (٢).
وفي الموضع الثالث؛ قال تعالى في سورة الشورى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ (٣).
عباد الله: ومن جملة المعاني التي ذكرها العلماءُ في تفسير هذه الآيات، ما ذكره القرطبي - عند آية الإسراء - ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ﴾ قال: وهذه صفةُ المنافقين الفاسقين والمرائين .. يلبسون الإسلام والطاعة لينالوا عاجل الدنيا من الغنائم وغيرها، فلا يُقبل ذلك العملُ منهم في الآخرة، ولا يعطون في الدنيا إلا ما قُسم لهم (٤).
ألا فاتقوا الله عباد الله، وسارعوا إلى طاعته وجنته، ولا تنتهي بكم الآمال عند حُطام الدنيا، واستجيبوا لندائه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥) إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (٥).
стр. 1752
الخطبة الثانية:
الحمد لله صاحب الفضل والإحسان، وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له، كل من في السماوات والأرض خاضع لجبروته وسلطانه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، كان أجود الناس بالخير، وأجود ما يكون في رمضان .. اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر النبيين والمرسلين.
إخوة الإسلام: ووقف أهلُ العلم عند آيتي هود: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ (١) والتي بعدها؛ من المقصود بهم؟ : فقيل: نزلت في الكفار، وقيل: المراد بالآية: المؤمنون، والمعنى: من أراد بعمله ثواب الدنيا عُجل له الثوابُ، ولم يُنقصْ شيئًا في الدنيا، وله في الآخرة العذابُ؛ لأنه جرّد قصده إلى الدنيا، وهذا كما قال ﷺ : ((إنما الأعمال بالنيات)).
فالعبدُ إنما يُعطى على وجه قصده، وبحكم ضميره، وهذا أمرٌ متفق عليه في الأمم بين كل ملة.
وقيل: هو لأهل الرياء الذين يقال لهم: صمتم وصليتم، وتصدقتم وجاهدتم، وقرأتم ليقال ذلك، ومعلوم من أول من تُسعر بهم النار.
وقيل: في معنى الآية العموم، أي: ليس أحدٌ يعمل حسنةً إلا وُفِّي ثوابها، فإن كان مسلمًا مخلصًا وفِّي في الدنيا والآخرة، وإن كان كافرًا وفِّي في الدنيا (٢).
عباد الله: الله لطيف بعباده، ومن رحمته ولطفه بعباده أن يسَّر لهم طرق الخير، وعظّم لهم الأجر، وقواهم وأعانهم عليه إن كان قصدهم حسنًا: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ
стр. 1753
حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ (١).
قال ابن كثير ﵀: حرثُ الآخرة: عملها، ومعنى ﴿نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ أي: نقويه ونعينه على ما هو بصدده؛ ونكثر نماءه ونجزيه بالحسنة عشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف، إلى ما يشاء الله، ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ أي: ومن كان إنما سعيُه ليحصل له شيءٌ من الدنيا، وليس له إلى الآخرة هِمّةٌ البتة بالكلية حرَمَهُ الله الآخرة، والدنيا إن شاء أعطاه منها، وإن لم يشأ لم يحصل له لا هذه ولا هذه، وفاز هذا الساعي بهذه النية بالصفقة الخاسرة في الدنيا والآخرة (٢).
معاشر المسلمين: شمروا في طلب الآخرة، واسعوا لها سعيها وأنتم موقنون بلقاء الله وجزائه وعدله، في كل حين، وخصوا مواسم الخيرات بمزيد من السعي تُفلحوا وتنجوا من عذاب الله.
قيل للأحنف بن قيس ﵀: إنك كبيرٌ والصوم يُضعفك، قال: إني أعدُّه لسفرٍ طويل. وقيل: كانت عامةُ صلاتهِ بالليل، وكان يضع أصبعه على المصابيح ثم يقول: حِسَّ، ويقول: ما حملك يا أحنفُ على أن صنعت كذا يوم كذا (٣)؟ !
وهكذا إخوة الإيمان تكون الجدية في العبادة، والمحاسبة؛ وتذكر الآخرة.
إن هذه الأمة أمةُ خير، بشَّرها الرسولُ ﷺ ببشائر - ما التزمت الطريق الحق - وحذرها من عمل الآخرة لأجل الدنيا، فقال ﷺ : ((بشِّر هذه الأمةَ بالسَّناء،
стр. 1754
والدين، والرفعة، والنصر، والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا، لم يكن له في الآخرة من نصيب)) رواه أحمد وابن حبان والحاكم وغيرهم وسنده صحيح (١).
والسَّناءُ: ارتفاع المنزلة والقدرِ عند الله تعالى (٢).
يا أخا الإيمان: تدارك ما فاتك، واستثمر أنفاسك في طاعة خالقك، وإياك أن تؤثر الفانية على الباقية، ومهما تعلقت نفسُك بشهوة أو متاع فاعلم أن في الجنة خيرًا منه، ومهما مرَّ بك من آلام وأحزان وسوءِ حال فاعلم أن في النار شرًا منه. تحمّل ألم ساعة في سبيل حصولك على اللذةِ والحبور الدائم في الجنة، وحذار أن تقودك الشهوة العارضةُ إلى النار والحميم والزقوم في جهنم، وبئس المصير، واختر لنفسك أي المنزلتين شئت.
قال شدادُ بن أوس: إنكم لن تروا من الخير إلا أسبابه ولن تروا من الشرَّ إلا أسبابه، الخيرُ كلُّه بحذافيره في الجنة، والشرُّ بحذافيره في النار، وإن الدنيا عَرَضٌ حاضرٌ يأكل منها البرُّ والفاجر، والآخرةُ وعدٌ صادق يحكم فيها ملكٌ قاهر، ولكلٍّ بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا (٣).
اللهم هيّئ لنا من أمرنا رشدًا، وعلق آمالنا في الآخرة، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا إلى النار مصيرنا.
стр. 1755
الألفية الثالثة وقائع ووقفات (١)
الخطبة الأولى:
الحمد لله ربِّ العالمين، أكمل لنا الدين، ورضي الإسلام لنا دينًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، حكم ببطلان الشرائع والأديان غير ملة الإسلام - فقال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢).
وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه وخاتم أنبيائه ورسله، أنزل عليه القرآن بالحق مصدقًا لما بين يديه من الكتب ومُهيمنًا عليها، وأخبره أن أهل الكتاب حرفوا الكلم عن مواضِعه ونسوا حظًا مما ذُكّروا به. اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٣).
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ (٤).
أيها المسلمون: ونحن الآن على مشارف نهاية قرن ميلادي متمم لألفي سنة من
стр. 1756
ميلاد المسيح ﵇، ويبدأ بعده الألفُ الثالث للميلاد .. يتوقع المراقبون للأحداث، والمتابعون لما يُكتب وينشر في الكتب والمجلات والصحف ونحوها، والمتابعون للفضائيات وشبكات الانترنت - أن تكون الألفية الثالثة ألفية تطرف لليهود والنصارى، وألفية تنامي الشعور الديني .. وألفية ظهور أكبر وقيادة أوضح للأصوليين والمتطرفين - من أرباب الديانتين (اليهودية والنصرانية).
ويعتمد هؤلاء الأصوليون والمتطرفون على نبوءات يعتقدونها في كتبهم (العهد القديم والعهد الجديد) وعلى أساطير وخرافات ورؤى.
ويرون أن القرن المقبل (الميلادي) سيكون ميدانًا للصراع العقدي - مع خصومهم المسلمين - وسلاحُه الحربُ النووية ومسمى المعركة المتوقعة - في نظرهم - (هَرْ مَجدون) وأرض المعركة - كما يقولون في أرض (مجدو) التي تبعد عن (تل أبيب) بخمسة وخمسين ميلًا، وهي في موقع يبعد عشرين ميلًا شرق (حيفا) وعلى بعد خمسة عشر ميلًا من شاطئ المتوسط.
والاعتقادُ بوقوع هذه المعركة اعتقادٌ مشتركٌ بين اليهود والنصارى، وكلٌّ من الأمتين الضالتين يعتقد بأن خلاصه سيكون بعد هذه الحرب، ولكن هذا الخلاص (الموهوم) عند الأمتين الضالتين لن يتم - في اعتقادهم - إلا بالتخلص من جُلِّ سكان الأرض عن طريق تلك الحرب المدمرة الهرمجدونية (١).
فأين الحرب الهرمجدونية ذات السلاح النووي مما يتهمون المسلمين به بالتطرف في ساحات الجهاد؟ !
عباد الله: ومما يؤكد وجود هذه المعتقدات والنزعات الدينية عند اليهود
стр. 1757
والنصارى، استعدادُهم لحفلات ولقاءات دينية ستتم في (بيت لحم) عام ٢٠٠٠، وهو عبارة عن مهرجان عالمي نصراني، قدّرت بعضُ المصادر عدد من سيحضر للقدس للمشاركة فيه بمليون ونصف، وبعد أن تأكد حضور البابا لتلك الاحتفالات، قدّرت بعضُ الأوساط القادمين بثلاثة ملايين، وبالغت مصادر أخرى فأوصلت الرقم إلى ستة ملايين لهذا المهرجان.
ومما يؤكد هذه النزعات الدينية عند اليهود والنصارى كذلك جديتُهم في بناء الهيكل (المزعوم)، وفي هذا يقول أحد ساستهم: لا قيمة لإسرائيل بدون القدس، ولا قيمة للقدس بدون الهيكل (١).
وبناءُ السور العازل بين المسلمين واليهود بطول ستين وثلاث مائة كيلًا، وارتفاع ثلاثة أمتار، وقد بدأ اليهود بتنفيذه في عام ١٩٩٦ م، وتعهدت (أمريكا) بتمويله كاملًا، وقدَّم (كلينتون) قسطه الأول (مئة مليون دولار)، وبناءُ هذا السور تحقيق لأسطورة دينية عند اليهود، وله ذكر في كتبهم، فهم ينطلقون من موروثاتٍ دينية وتعاليم كتابية - وإن كانت محرّفة.
ويعتقد اليهودُ كذلك - ويؤازرهم النصارى - بذبح ما يسمونه (بالبقرة الحمراء) ولذا فهم يهتمون بـ (قدس الأقداس) أو (المذبح) الذي ستُذبح فيه البقرةُ الحمراء، وقد انتهوا من بنائه - وهو جاهزٌ للنقل إلى مكانه، في الوقت المناسب، ويهتم (حاخامات) اليهود بهذه البقرة، وقد أُعلن عن ولادتها في شهر أكتوبر من عام ١٩٩٧ وبنفس المواصفات التي يزعمون وجودها في كتبهم وبزعمهم أنها لا بد أن تُذبح بعد ثلاث سنوات من ولادتها!
стр. 1758
إلى غير ذلك من معتقدات وأساطير تصبُّ كلّها في التوجه الديني عند اليهود والنصارى، وتشير إلى تغلغل الأصولية والعودة إلى الكتب المقدسة في نظرهم، وإن وجد علمانيون يخالفونهم النظرة.
وهنا ومن جرّاء هذه الأحداث الواقعة والمتوقعة حريٌّ بنا أن نقف الوقفات التالية، ونعرض لجملة من التساؤلات ذات الدلالة:
١ - هذه الأحداث والوقائع تُضعف أو تبطلُ الظنَّ القائم عند بعض الناس - بأن اليهود والنصارى قد تخلوا عن الدين إلى اللادين بشكل نهائي، وربما ظن هؤلاء أن شيوع المذاهب الإلحادية، وطغيان الانحلالية العلمانية، قد أوهم بهذا، ولكن واقع اليوم يشهد تحولًا دينيًا كبيرًا في مجتمعاتهم، وهذا التحولُ تجاوز الدهماء والعامة، إلى الخاصة والساسة، وتجاوز التنظير إلى التطبيق.
٢ - بل تحول هذا التوجهُ الديني - عند اليهود والنصارى - إلى نوع من التطرف في المعتقدات والسلوك إلى حدٍّ أثار غضبة (العلمانيين) من بني قومهم، وبدؤوا يواجهون هذا المدَّ الأصولي المتطرف، وينددون به ويسخرون من أصحابه. وقد ذكرت صحيفةُ (نيوزويك) في عددها الصادر في ٩/ ٥/ ١٩٩٦ م أن مدينة القدس أصبحت معقلًا للتطرف اليهودي، وأشارت إلى أن أعداد اليهود - غير المتدينين - الذين يُغادرون المدينة في ازدياد، حيث أصبحت المدينةُ مكانًا غير مقبولٍ بالنسبة لهم، نظرًا للطابع الديني والقيود التي يضعها المتدينون اليهودُ على الحياة هناك.
وقد بلغ الأمر أن تخوّفت الدولة اليهودية من إحراج المتطرفين لها بهدم الأقصى في وقت غير مناسب، وقد كتب الصحفي الإسرائيلي (يوسي ليفي) مقالًا في صحيفة (معاريف) في ٢٩/ ٨/ ١٩٩٨ م، جاء فيه قولُه: القاعدةُ التحتيةُ للتنظيمات المتشددة موجودة حسب تقديرات قوى الأمن، والمعلوماتُ التي بحوزتها تقول أن
стр. 1759
الاتصالات بينها تتمُّ بالوسائل والطرق السّرية، والتنسيقُ بينها موجود، والمشكلةُ القويةُ التي تواجه أجهزة الأمن هي التغلغلُ في هذه الجماعات؛ لأنها مجموعات ذاتُ معتقدات أيديولوجيةٍ متعصبةٍ مرتبطةٍ بعواطف دينيةٍ حادّةٍ، بحيث يعرف كلُّ واحدٍ من أعضائها الآخر بما لا يسمح باختراقها.
وبكل حال، فالواقعُ خيرُ شاهد، وقد اصطلى بنار هذا التطرف أحد زعماء إسرائيل؛ فقد أعلن (عامير) قاتل إسحاق رابين؛ أن سبب قتله؛ لأنه (خان أرض التوراة) (١).
٣ - ومن المفارقات العجيبة أن تنشط الجماعات الأصولية في الغرب، ويصول ويجول المتطرفون في إسرائيل، وتكثر الجماعات الدينية وتدعم عند اليهود والنصارى، بل ويكون لها مواقعُها المهمة، ومنابرها الإعلاميةُ واسعةُ الانتشار والتأثير، وتحظى هذه الجماعات الأصوليةُ بدعم وتأييد الساسة، بل وصلوا إلى أن يكون المرشح للرئاسة نفسُه أصوليًا إنجيليًا (٢). وفي المقابل يتهمون المسلمين بالأصولية والتطرف والإرهاب إذا ما سعوا لخدمة دينهم والدعوة لإسلامهم، وتلك وربي من إسقاطاتهم.
وهي مؤشرٌ على تخوفهم من الإسلام وأهله، وإلا فكيف يسوغ التدينُ والدعوة والدعم لأصحاب الدين المحرف، ويُعدُّ ذلك تهمةً لأصحاب الدين الحق؟ !
وهنا يرد السؤال: بماذا يفكر المسلمون مستقبلًا لمواجهة المدِّ الأصولي والتطرف اليهودي؟ وقبل هذه المواجهة هل يقرأ المسلمون ما يكتبه اليهودُ والنصارى؟ وهل يعلمون وسائلهم وخططهم لمواجهة المسلمين؟ وهل يليق أن
стр. 1760
يتفوق الصليبُ على الهلال، أو يعزَّ ويقوى من ضُربت عليهم الذلةُ والمسكنة، وشأنهم السعي في الأرض فسادًا؟
ولقد كان بعضُ أئمة الإسلام إذا رأى صليبًا أغمض عينيه عنه وقال: لا أستطيع أن أملأ عيني ممن سبَّ إلهه ومعبوده بأقبح السب.
ولهذا قال عقلاءُ الملوك - كما نقل ابنُ القيم ﵀: إن جهاد هؤلاء واجبٌ شرعًا وعقلًا، فإنهم عارٌ على بني آدم، مفسدون للعقول والشرائع (١).
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (٢).
نفعني الله وإياكم بهدي القرآن.
стр. 1761
الخطبة الثانية:
الحمد لله ربّ العالمين علام الغيوب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، قال في محكم التنزيل: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (١).
وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، ترك أمته على محجةٍ بيضاء، لا يزيغ عنها إلا هالك، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر النبيين والمرسلين.
أيها الإخوة المؤمنون:
٥ - أما الوقفة الخامسة فهي تساؤلٌ من نوع آخر ومفادُه: وبماذا سيقابل المسلمون المدَّ الإعلامي لمثل هذه التظاهرات الدينية وما تحمله من عقائد محرَّفة، وما ستبثه من أفكارٍ وتصورات تناهض الإسلام وتُسيء إلى المسلمين؟
ما دورُ العلماء في المرحلة القادمة؟ وأين سيكون موقعُ الدعاة؟ وماذا أعد المسئولون في الإعلام في الدول العربية والإسلامية لمواجهة الحملات الغربية، وغزو الأفكار، ونشر أساطير التوراة والأناجيل المحرفة، ومحاولات الاحتواء، وفرض الهيمنة؟ وهل يُتصور حضور الإعلام العربي والإسلامي لمباركة هذه الاحتفالات والتبرع بنقلها لأبناء العربية والإسلام؟ ! أم المتوقع إعدادُ برامج لصد آثارها، وحماية المسلمين من مخاطرها؟
وما حالُ رجال الفكر الإسلامي ومستوى قدرتهم على التحدي في حوار الحضارات والإقناع لإثبات الحق وكشف زيف الباطل؟
стр. 1762
٦ - وهل هذه الاحتفالاتُ والمهرجانات جزءٌ من حربٍ نفسية وإعلامية ضد المسلمين، تصدَّر عن طريقها - وبوسائل الإعلام وقنواته المختلفة الأفكار والمعتقداتُ اليهوديةُ والنصرانية، ومن خلالها يشكّك بتعاليم الإسلام الحقة، وعن طريقها يحاولون تحطيم الحواجز الصلبة بين تعاليم الإسلام الحقة والموروثات المحرفة في التوراة والإنجيل، وتُهمش في أذهان المسلمين القضايا العقدية المهمة من مثل الولاء والبراء، والحكمُ بالكفر والنار على من لم يعتنق دين الإسلام؟ ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١)، ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ (٢)، وما يصحب ذلك من دعوات منكرة لوحدة الأديان، أو زمالتها أو إخائها أو تقاربها، أو نحو ذلك من أفكار ومعتقدات قد يكون لها أثرُها على بعض المسلمين؟
٧ - وعلى صعيد آخر؛ وإذا اجتمع أصحاب الديانات المحرفة على كلمةٍ سواء، ولو ظاهرًا رغم اختلافهم في المعتقد، وما بينهم من عداء، فهل يدعو ذلك المسلمين إلى الوحدة والاجتماع وطرح الخلافات والمنازعات وجمع الطاقات والقوى لمواجهة عدوِّ الجميع؟ ومن يا تُرى يُمسك بالراية ليجتمع المسلمون تحتها يتشاورون ويفكرون في واقعهم وواقع عدوهم؟ وهل تكون الاجتماعاتُ العالمية الكبرى حِلًا لليهود والنصارى، حرامًا على المسلمين؟
٨ - وإذا لم تسيطر علينا نظرةُ الإحباط، أو تقعد بنا مثبطاتُ التشاؤم أمكن القول، وقد يكون في ثنايا هذه البلايا والمحن فرج وفتح للمسلمين، فقد يقود صلفُ المتطرفين من اليهود والنصارى إلى صلفٍ آخر من قبل العلمانيين عندهم،
стр. 1763
فتثور الفتنةُ بينهم، ويتعمق الخلافُ ويتحقق الصدامُ بينهم، فينشطُ كل طرفٍ للانتقام من صاحبه، ثم ينتقم الله من كليهما، ويستفيد المسلمون من ضعفِهم قوة، ومن تفرقهم اجتماعًا ووحدة. ومن مؤشرات هذا الاحتمال ما جاء في صحيفة (معاريف) حيث كتبت تقول في عددها الصادر في ١٤/ ٧/ ١٩٩٦: إذا استمرت الأحوالُ على ما هي عليه في ظل حكم الليكود، فإن العلمانيين لن يستطيعوا المعيشة بالقدس، وقد يضطرون إلى المواجهة.
٩ - وأمرٌ آخرُ؛ فقد تدفع تصرفاتُ اليهود والنصارى المتطرفةُ إلى مزيد بعث الشعور الإسلامي، وقد يدعو هدمُ الأقصى - لو حصل - أو مزيد العبث به - إلى إشعال جذوة الجهاد في سبيل الله بين المسلمين.
ولكن ينبغي أن يُعلم أن الأخطر من ذلك أن يكسب العلمانيون الجولة فيُروّجون لأفكار الإخاء والتقارب بين الأديان، والسخرية من الدين وأهله بشكل عام، ويُفعِّلون دور الإعلام العالمي الصليبي واليهودي والعلماني لترويج الأفكار والعقائد الباطلة، فيستمع الناسُ لهم في غمرة انتصارهم وهم يسحبون الهزيمة على المتدينين بشكل عام، فلا يميز الناس حينها بين أصحاب الدين الحق وأصحاب الخرافات والأساطير، أو يقفز العلمانيون في بلاد المسلمين للتشكيك في الدين الصحيح من خلال هزيمة من بدلوا دين المسيح، أو لعنهم الله وغضب عليهم وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت.
وينبغي أن يعي المسلمون أنهم يتعاملون في عقيدتهم ونظراتهم من منطلقات الكتاب المهيمن على الكتب السابقة والذي حكم الله بحفظه من التحريف والتبديل، ونسخ به الشرائع والأديان، وجعل أمته أمةً وسطًا شاهدة على الأمم كلّها .. ومسئولة عن تبليغ الدعوة الحقة لها، ومَنْ شكَّ في صلاحية الإسلام لكل
стр. 1764
زمان ومكان، أو ظن أن أحدًا يسعه الخروجُ عن دين محمد ﷺ ، أو تردد في إعجاز القرآن وصلاحيته للهداية والتوجيه، فذلك خارجُ دائرة الإسلام، وليس من أهل الإيمان.
١٠ - ومن العجز والتقصير أن يظل أهلُ الإسلام دائمًا ينتظرون ما تنتهي إليه الأحداث وتنجلي عنه المعركة، دون أن يكون لهم إسهام إيجابي في صُنع الأحداث وإقرار الأصلح، وعلى أهل الإسلام عامة - والمقتدرين منهم خاصة - أن يُساءلوا أنفسهم ماذا قدموا لدينهم، وما هي وسائلُهم لتقديمه للآخرين؟ وعليهم أن يتساءلوا: كم نِسَبُ المواقع الإسلامية في شبكات الانترنت؟ وكم يمتلكون من القنوات الفضائية المؤثرة؟ ما نوعُ تأثير إعلامهم، وما هي المنطلقات والأهداف في السياسة الإعلامية - بشكل عام؟
ما دور الجامعات ومراكز البحوث والهيئات العلمية في تصدير الفكر الإسلامي والعقيدة الحقة للأمم والشعوب الأخرى؟
وما دورُ الهيئات والمنظمات الإسلامية في تبني مشاريع الوحدة والاجتماع للمسلمين عبر مؤتمراتٍ ومهرجانات إسلامية كبرى تدرسُ وتفكر وتخطط وتصدر من القرارات والتوصيات ما ينفعُ الناس كافة؟ ولا شك أن في المسلمين طاقاتٍ وقدراتٍ وعقولًا، ولكنها محتاجة إلى تأليف وتجميع - وعسى أن توقظهم وتشحذ همتهم اجتماعات أعدائهم على المكر والباطل، وفي عقيدتنا أساسًا دعوةٌ لمثل هذا: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (١).
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (٢).
стр. 1765
أيها المسلم والمسلمة: واحذر على عقيدتك في زمن الفتن والتشكيك، وإياك أن تنساق وراء موجات التغريب والعلمنة، والزم الصراط المستقيم، واعبد ربَّك حتى يأتيك اليقين، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، ولا تُغلبن على سلاحين ضروريين في كل حين، وهما في أزمان الفتن أشدُّ ضرورة، هما: سلاح العلم، وسلاح العبادة، واعتصم بالله: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١)، ولا تغفل كذلك عن سلاح الدعاء، فهو مع الصدق والإخلاص لله مخترق للحجب، وسبب لدفع البلايا، ومفرج للكروب.
ولم ينشأ من فراغ تحذير رابطة العالم الإسلامي من ترويج معلومات مغلوطة عن نهاية العام.
وتأكيدها للناس كافة على أهمية تلقي العلم الصحيح من مصادره الموثوقة وعلمائه الأفذاذ العارفين بفقه النوازل، كل ذلك حتى لا تزلَّ أقدام بعد ثبوتها، ويُورث الشكُّ بعد اليقين.
стр. 1766
السُّنة والبدعة في شعبان (١)
الخطبة الأولى:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارض اللهم عن أصحابه أجمعين والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (٣).
عباد الله: وقبل أيامٍ انسلخ شهرُ رجب -وهو من أشهر الله الحرم، واليوم ينسلخ من شهر شعبان نصفه، وبعد سلخ نصفه الباقي يدخل شهر رمضان المبارك، وبين شهرٍ حرام، وشهر مبارك يغفل الناس، وربما فتروا عن العبادة في شهر شعبان؛ ولذا كان رسول الهدى ﷺ يخصُّ شعبان بنوع من العبادة، لا يخصُّ به كثيرًا من أشهر العام، فقد كان يُكثر فيه من الصيام إلى حدٍّ قالت معه أمُّ المؤمنين
стр. 1767
عائشة ﵂: لم يكن رسولُ الله ﷺ يصوم شهرًا أكثرَ من شعبان، كان يصومُ شعبان كلَّه. أخرجاه في ((الصحيحين)).
وفي رواية أخرى -وسندها صحيح إلى عائشة قالت: كان أحبَّ الشهور إلى رسول الله ﷺ أن يصومه شعبان، ثم يصله برمضان (١).
وقد فسَّر العلماءُ ﵏ قول عائشة ﵂ بأن المعتمد عنه الأئمة كابن المبارك وغيره أن قولها: ((يصوم شعبان كلَّه)) أي: أغلبه، وجاء اللفظ من باب التكثير، بمعنى أنه ﷺ كان يصومُ أكثر أيام شعبان (٢).
إخوة الإسلام، وقد تحدث العلماءُ في سرِّ تفضيل رسول الله ﷺ للصيام في شهر شعبان، وقارنوا ذلك كذلك بما ورد عنه في أفضلية الصوم في شهر الله المحرم، حيث ورد في ((صحيح مسلم)) عن أبي هريرة ﵁؛ أن النبي ﷺ قال: ((أفضل الصيام بعد رمضان شهرُ الله المحرم)).
ولهم في ذلك كلام يطول شرحه (٣)، وفيما يخص شعبان؛ لعلَّ من أقوى الحكم المُعللة لكثرة صيامه ﷺ في هذا الشهر، ما رواه أسامةُ بن زيد ﵁ حين قال: يا رسول الله! لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال: ((ذاك شهرٌ يغفلُ الناسُ عنه بين رجب ورمضانَ، وهو شهرٌ تُرفعُ فيه الأعمالُ إلى ربِّ العالمين، فأحبُّ أن يرفع عملي وأنا صائم)) أخرجه النسائي وإسناده حسن (٤).
стр. 1768
وثبت الحديثُ في ((صحيح ابن خزيمة)) (١). وفي الحديث يعلل كثرة صيامه ﷺ في شعبان بأمرين:
١) غفلة الناس في هذا الشهر عن العبادة والطاعة بين رجب ورمضان.
٢) ولأن الأعمال ترفع في شهر شعبان لرب العالمين، فيحب ﷺ أن ترفع وهو صائم.
أيها المسلمون: وثمة أمرٌ ثالث وميزة لشهر شعبان، تفسر كثرة صيامه ﷺ فيه، فقد ورد أن الله يكتب المنايا في السنة في شعبان.
قال ابن حجر: وجاء في ((مسند أبي يعلى)) عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يصوم شعبان كلَّه، فقلت: يا رسول الله! أراك تصوم في شعبان ما لا تصوم في غيره؟ فقال: ((إن الله يكتب على كل نفسٍ منيةَ تلك السنة، فأحبُّ أن يكتب أجلي وأنا صائم)). وحسَّن الحديث بعضهم (٢).
إخوة الإيمان: أما الميزة الرابعة في شهر شعبان، فهي مغفرة الله لجميع خلقه إلا لمشركٍ أو مشاحن، وذلك ليلة النصف من شعبان، فقد ورد في ((سنن ابن ماجه)) بسند حسن -كما قال الألباني- عن أبي موسى ﵁، عن النبي ﷺ قال: ((إن الله تعالى ليطَّلعُ في ليلة النصف من شعبان فيغفرُ لجميع خلقه، إلا لمشركٍ أو مشاحنٍ)) (٣).
وروي ذلك عن عدد من التابعين -كما في ((مصنف عبد الرزاق)) - وروي عن
стр. 1769
عطاء ومكحول، والفضل بن فضالة، وقال المنذري: مرسل جيد (١).
وعن ليلة النصف من شعبان قال شيخ الإسلام ابنُ تيمية ﵀ في ((الاقتضاء)) (٢): وروي في فضلها من الأحاديث المرفوعة ما يقتضي أنها ليلة مفضلة، وهناك من السلف من كان يخصها، وهناك من العلماء من السلف من أنكر فضلها .. ولكن الذي عليه كثيرٌ من أهل العلم أو أكثرهم -من أصحابنا وغيرهم- على تفضيلها، وعليه يدل نصُّ أحمد في ((المسند)) - عن عبد الله بن عمرو؛ أن رسول الله ﷺ قال: ((يطلع الله إلى خلقه ليلة النصف من شعبان، فيغفر لعباده إلا اثنين: مشاحن وقاتل نفس)) (٣). وفيه: ((إن الله يغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب)) (٤) ... إلى أن قال: فأما صومُ يوم النصف مفردًا فلا أصل له، بل إفراد مكروه، وكذا اتخاذُه موسمًا تُصنع فيه الأطعمةُ، ويظهر فيه الزينة، هو من المواسم المحدثة المبتدعة التي لا أصل لها، وكذلك ما قد أُحدث في ليلة النصف من الاجتماع العام للصلاة الألفية في المساجد الجامعة ومساجد الأحياء والدروب والأسواق .. فذلك لم يشرع، بل مكروه، فإن الحديث الوارد في الصلاة الألفية موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث.
والصلاة الألفية هي التي يزعمون أنه ورد الفضلُ بقراءة ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ (٥) فيها ألف مرة (٦).
عباد الله: وإذا حرصتم على السنة فصمتم من شعبان ما قدر الله لكم اقتداءً
стр. 1770
بهدي النبي ﷺ ، وتحرّيتم مغفرة ربِّكم ليلة النصف من شعبان، فابتعدتم عن الشرك بالله، ومشاحنة خلقه، فإياكم أن تتعدوا إلى البدعة .. فكلُّ بدعة ضلالة، وكلُّ ضلالة في النار .. والوقوف عند السنة خيرٌ من الاجتهاد في البدعة، وما صحّ من العبادات والطاعات فيه غنية للمسلم، و ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌ)) كذا صحّ عن النبي ﷺ .
اللهم بارك لنا في شعبان، وبلّغنا رمضان، وأرنا الحقّ حقًا وارزقنا إتباعه، والباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، يا سميع الدعاء.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (١).
اللهم انفعنا بهدي القرآن والسنة، واكفنا شرَّ الحادثات المبتدعة في الدين، وسلمنا من الفتن يا رب العالمين.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين.
стр. 1771
الخطبة الثانية:
الحمد لله ربِّ العالمين، أكمل الدين وأتمَّ النعمة على المسلمين، وأشهد أن لا إله إلا الله أمرنا بالعبادة الخالصة له: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (١).
وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، حثَّ أمته على سنن الهدى، ونهاهم عن البدع المحدثات في الدين، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين.
إخوة الإسلام: وإذا كانت الصلاة الألفية من بدع شعبان -سواء صلى المصلي مئة ركعة وقرأ فيها بكل ركعة ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ عشر مرات، أو صلاها عشر ركعات وقرأ في كل ركعة ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ مئة مرة.
فمن الأمور المنكرة البدعية أن يعتقد معتقدٌ أن ليلة النصف من شعبان أفضلُ من ليلة القدر، وربما زعم بعضهم أن قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ (٢) المقصودُ بها ليلة النصف من شعبان.
قال ابن العربي: من قال بأنها ليلة النصف من شعبان فقد أعظم الفرية على الله.
ومن البدع أيضًا الاجتماعُ بعد المغرب والعشاء من هذه الليلة لقراءة سورة ياسين ثلاث مرات بصوت جماعي، وقراءة دعاءٍ بعدها، وهذا كلُّه لا نصَّ فيه (٣).
أيها المسلمون عظموا شرع الله، وإياكم والبدع والمحدثات ما ظهر منها وما بطن، في كلِّ زمان أو مكان، وتأملوا الحديث في ((صحيح مسلم)) عن جابر قال: كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرَّت عيناه، وعلا صوتُه، واشتد غضبه، حتى كأنه
стр. 1772
منذرُ جيشٍ يقول: صبّحكم ومساكم ويقول: ((بُعثتُ أنا والساعة كهاتين)) ويقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى -ويقول: ((أما بعد: فإن خير الحديث كتابُ الله، وخيرَ الهدي هديُ محمد، وشرَّ الأمور محدثاتُها، وكلَّ بدعة ضلالةٍ)) (١).
وفي رواية للنسائي: ((وكلَّ ضلالة في النار)).
عباد الله: وتذكروا دائمًا فيما تعملون أو تذرون قول النبي ﷺ -كما في الحديث الصحيح عن العرباض بن سارية ﵁ قال ﷺ : ((إنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنةِ الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كلَّ بدعةٍ ضلالة)).
قال ابن تيمية ﵀: وهذه قاعدة قد دلت عليها السنةُ والإجماع، مع ما في كتاب الله من الدلالة عليها أيضًا، قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (٢).
ثم قال يرحمه الله: فمن ندب إلى شيء يتقربُ به إلى الله، أو أوجبه بقوله أو بفعله من غير أن يشرعه الله، فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، ومن اتبعه في ذلك فقد اتخذه شريكًا لله شرع من الدين ما لم يأذن به الله .. (٣).
وهكذا -إخوة الإيمان- تبدو خطورة البدعة على من شرعها أو عمل بها .. كما قرر العلماء.
بل يقرر ابنُ تيمية أيضًا: إن هذا المُشرَّع قد يكون متأولًا في هذا الشرع، فيغفر له لأجل تأويله إذا كان مجتهدًا الاجتهاد الذي يُعفى معه عن المخطئ ويُثابُ أيضًا
стр. 1773
على اجتهاده، لكن لا يجوز إتباعُه في ذلك، كما لا يجوز إتباعُ سائر من قال أو عمل قولًا أو عملًا قد عُلم الصواب في خلافه .. إلى أن يقول ابن تيمية: فمن أطاع أحدًا في دينٍ لم يأذن به اللهُ في تحليل أو تحريم أو استحباب أو إيجاب، فقد لحقه من هذا الذمِّ نصيبٌ، كما يلحق الآمر الناهي أيضًا نصيب.
عباد الله: وحين يُحذر العلماءُ من البدع، فلما لها من آثار في تقويض السنن. يقول ابن تيمية معلقًا على حديث: ((ما أحدث قومٌ بدعةً إلا نزعَ الله عنهم من السُّنة مثلها)) يقول: إن الشرائع أغذية القلوب، فمتى اغتذت القلوب بالبدع، لم يبق فيها فضل للسُّنن، فتكون بمنزلة من اغتذى بالطعام الخبيث (١).
ومن رام المزيد فليرجع إلى ((اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم)).
أيها المسلمون: ومن مسائل شعبان: روى أبو داود والترمذي بإسناد صحيح عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ((إذا انتصفَ شعبانُ، فلا تصوموا)).
وفي رواية الترمذي: ((إذا بقي نصفٌ من شعبان، فلا تصوموا)) (٢).
وفي رواية عند أحمد: ((إذا انتصف شعبان فلا تصوموا حتى يكون رمضان)) (٣).
قال بعض العلماء: وهذا محمول على من يُضْعِفُهُ الصوم، لأجل أن يتقوى على صيام رمضان، أما من لا يضعفه أو له عادة الصيام، ولا ينوي بذلك الاحتياط لرمضان، فلا حرج عليه في الصيام، قال ﵊: ((لا يتقدَّمنَّ أحدُكم
стр. 1774
رمضانَ بصوم يوم أو يومين إلا أن يكون رجلًا كان يصوم صومًا فليصمْهُ)) أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما (١).
وبقي أن نذكر بأهمية وضرورة التعجيل بالقضاء لمن عليه شيء من رمضان السابق، وذلك قبل حلول شهر رمضان القادم، فلا تتهاونوا عباد الله فيما أوجب الله عليكم، ودَيْن الله أحقُّ بالقضاء.
стр. 1775
نذر الكوارث والمعاصي (١)
الخطبة الأولى:
الحمد لله ربّ العالمين، ﴿جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ (٢)، ﴿جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٦٤) هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣).
وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له، ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٤)، يخوّف عباده بآياته ونذره، وهو القائل في محكم تنزيله: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ (٥).
وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، كان أزكى البرية وأتقاها، وكان أخوف الناس لربه، وأكثرهم تضرعًا له، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٦).
стр. 1776
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ (١).
عباد الله: والمتأملُ ببصيرةٍ -يرى- في هذه الشهور والأيام مزيدًا من آيات الله ونذره، تعمُّ الأرض، وتهلك من تُهلك من البشر والشجر والحيوان، تهدُّ العوامرَ، وتعصف بالحياةِ والأحياء، وتُحيل المدن الكبرى إلى مجموعة من الركام والأنقاض. لا يستوقفها سدٌّ منيع .. ولا تُحيط بها قوة أو تستطيع أن تمنعها منظمةٌ أو هيئة -مهما أُوتيت من قوة ومعرفة. زلازلُ مدمرة، وأعاصيرُ مهلكة، وفيضانات مفسدة، وانهيارات مروعة، جفافٌ وجدب، خسوف وكسوف، انزلاقات، وسيولٌ، وكوارث، جوعٌ وأمراض وقتلٌ وتشريد .. ولا ندري ما بغيب الله في المستقبل .. ولكن الواقع منذرٌ بخطر، ومخوّف لأولي الأبصار، ومفزعٌ لأهل الإيمان الذين يتخوفون من عقوبة الله وقبضته.
أيها المسلمون: والمطالعُ لما يُنشر في الصحف من عناوين مثيرةٍ يروعه الأمر -ودونكم نماذج ممّا نُشر منها خلال الأشهر الماضية- فتأملوها واعقلوا فيها ما نُذر:
زلزالان يضربان تركيا ويثيران الرعب فيها ١/ ٨ / ١٤٢٠ هـ.
زلزال قوي يهز شمال إيران ١٢/ ٨/ ١٤٢٠ هـ.
إيطاليا تُعلن حالة الطوارئ في مناطق الفيضانات ١٠/ ٩/ ١٤٢٠ هـ.
فنزويلا: الشوارع اختفت تحت ركام الأوحال، خمسة آلاف قتيل، وعشرون ألف مصاب، ومئة وخمسون ألف مشرّد ١٣/ ٩ / ١٤٢٠ هـ.
الهند ترحب بالمساعدة الدولية للتغلب على آثار الإعصار المدمّر ٣٠/ ٧/ ١٤٢٠ هـ.
стр. 1777
انهيار عددٍ من المنازل في الجزائر بسبب الفيضانات ١٣/ ٩ / ١٤٢٠ هـ.
في فيتنام إضافة إلى تهديد سبعة ملايين شخص بالجوع والمرض الفيضانات تقتل خمس مئة شخصٍ، وتُنزل خسائر بنحو أربعة وأربعين مليون دولار ٣٠/ ٧ / ١٤٢٠ هـ.
السيولُ الفرنسيةُ تثير الجدل حول الوقاية من الكوارث الطبيعية ٨/ ٨/ ١٤٢٠ هـ.
المكسيك ارتفاعُ عدد قتلى الزلزال ٢٢/ ٦ / ١٤٢٠ هـ.
كمبوديا تجاوزت أسوأ فيضانات ٢٨/ ٧/ ١٤٢٠ هـ.
زلزال قوي يضربُ منطقة توهوكو اليابانية ٨/ ٨/ ١٤٢٠ هـ.
توقف البحثُ عن ناجين من الانهيار الأرضي في إندونيسيا ٥/ ٩/ ١٤٢٠ هـ.
انزلاقات التربة تقتل وتصيب اثني عشر شخصًا في كولومبيا ١٣/ ٩/ ١٤٢٠ هـ.
إلى غير ذلك من أحداثٍ داميةٍ .. ونذرٍ إلهية تمتد في مشرق الأرض ومغربها، وشمالها وجنوبها -فماذا تعني هذه النذر. وما سبلُ الخلاصِ من العقوبات والبلايا والمحن؟
أيها المؤمنون: لقد عمَّ الفساد وكثر المفسدون على وجه الأرض، وصدق الله: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (١) وما أعظم العبرة في قول ربِّنا: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٢).
стр. 1778
لقد أنعم الله على عباده ففجَّر لهم مكنوز الأرض، وفتح لهم أبوابَ السماء .. فاتخذوا من نعمِ الله وسائل للكفرِ والتمردِ على شرعه -إلا من رحم الله- وانتشر الظلمُ والفساد، وكثر القتل والتشريد، وأصبحت لغةُ القوة لغة التخاطب، وبها يأكل القويُّ الضعيف -وربّك يرى ويسمع ويمهل ولا يُهمل، يسبق حلمُه غضبَه، ولكن أخْذَه أليمٌ شديد: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ (١).
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ (٢).
أيها المسلمون: ويختلف أهلُ الإيمان عن أهل الكفر والفسوق والظلمِ والعدوان في نظرتهم لهذه الكوارث والأحداث الكونية، فإذا أصابت الغفلةُ القومَ الكافرين - ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (٣) - فأهل الإسلام والإيمان لهم نظرةٌ أخرى وميزانٌ آخر، تخوّفهم الآيات والنُّذُر، ويربطون بينها وبين كثرة المعاصي والذنوب، وفي كتاب ربهم العزيز: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (٤).
ويقولُ أحدُ علمائهم الربانيين -شيخ الإسلام -: ومن المعلوم بما أرانا الله من
стр. 1779
آياته في الآفاق وفي أنفسنا، وبما شهد به في كتابه أن المعاصي سبب المصائب، وأن الطاعة سبب النعمة (١).
ويقول رباني آخر -ابن القيم -: ومن عقوبات الذنوب أنها تُزيل النِّعَم، وتُحِلُّ النقم. ومن تأمل ما قصّ اللهُ في كتابه من أحوالِ الأمم الذين أزال نعمه عنهم وجد أن سبب ذلك جميعه إنما هو مخالفة أمرِه وعصيانُ رسله، وكذلك من نظر في أحوال أهل عصره، وما أزال عنهم من نعم وجد ذلك من سوء عواقب الذنوب (٢).
إخوة الإيمان: والمخيفُ في الأمر أن العقوبة إذا حلَّت شملت الجميع إلا من رحم ربُّك. وفي التنزيل: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٣).
وفي ((صحيح البخاري)) (بابٌ إذا أنزل الله بقوم عذابًا) قال رسول الله ﷺ : ((إذا أنزل اللهُ بقومٍ عذابًا أصاب العذابُ من كان فيهم، ثم بعثوا على أعمالِهم)).
قال الحافظ ابن حجر معلقًا على الحديث: وفي الحديث تحذيرٌ وتخويف عظيم لمن سكت عن النهي، فكيف بمن داهن؟ ! فكيف بمن رضي؟ ! فكيف بمن عاون؟ نسأل الله السلامة (٤).
وفي الحديث الآخر: أنهلكُ وفينا الصالحون؟ قال: ((نعم، إذا كَثُرَ الخَبَثُ)). فإذا قيل هذا للصحابة الكرام، فما الظنُّ بغيرهم؟
إخوة الإسلام: وإذا كان السكوتُ على المنكرات سببًا للهلاك، فلا شك أن
стр. 1780
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب للنجاة: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ (١).
قال ﷺ : ((والذي نفسي بيده لتأمرنَّ بالمعروف، ولتنهونَّ عن المنكر، أو ليوشكنَّ اللهُ أن يبعث عليكم عقابًا منه، ثم تدعونه فلا يُستجابُ لكم)) رواه الترمذي وحسَّنه.
قال العالِمون: وأيُّ دين، وأيُّ خير فيمن يرى محارم الله تُنتهك وحدوده تُضاع، ودينه يترك، وسنة رسوله ﷺ يُرغب عنها وهو باردُ القلب، ساكتُ اللسان، شيطانٌ أخرس، كما أن المتكلم بالباطل شيطانٌ ناطق، وهل بليّة الدين إلا من هؤلاء الذين إذا سلمت لهم مآكلُهم ورياستُهم فلا مبالاة بما جرى على الدين.
أعوذ بالله من الشيطان الرّجيم: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٢).
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وسنة نبيه ﷺ .
стр. 1781
الخطبة الثانية:
الحمد لله ربِّ العالمين، يبتلي عباده بالخير والشر فتنة وإليه يرجعون، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا يُردُّ بأسُه عن القوم المجرمين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وخيرته من خلقه، حذّر أمته من الفتن والمعاصي وأرشدهم إلى العبودية الحقة .. ومن يضلل الله فما له من هادٍ، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين.
أيها الناسُ: ويختلف كذلك أهلُ الإيمان عن أهل الكفر عند حلول النكبات أو التوقعات والمرتقبات .. فأهلُ الكفر يُصيبهم من الهلع والجزع والذعر والقنوط واليأس ما هو خليقٌ بأمثالهم، ممن لا يؤمن بالله ولا يتوكل عليه .. أما أهلُ الإيمان فهم وإن خافوا وفزعوا فهو خوفٌ وفزعٌ إلى الله وفرارٌ إلى الله منه؛ يهديهم ذلك الخوف إلى مزيد الإيمان به والخوف من بأسه وعقوبته، ويدعوهم ذلك إلى مزيد طاعته، والجهاد في سبيله، والدعوة إلى دينه، والتخفف من الآثام والسيئات، وإعادة النظر في الأحوال والسلوكيات .. ذلكم خوفٌ إيجابي .. وفزعٌ مرغوب، يحققون به الإيمان .. ويخشون صاحب الانتقام .. يتضرعون إلى الله، ويلجئون إليه استجابةً لأمر ربِّهم ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (١). ويجأرون بالدعاء وهم مؤمنون. يقول حبيبهم ﷺ : ((لا يردُّ القدرَ إلا الدعاءُ)) رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي.
ويقول ﷺ : ((لا تعجزوا في الدعاء، فإنه لن يهلك مع الدعاء أحد))، رواه
стр. 1782
الحاكمُ وصححه، وابنُ حبان في ((صحيحه)).
ولا يتوقفون في الدعاء عند حلول المصائب، بل شأنهم الدعاء في الشدائد والرخاء، وفي الحديث: ((من سَرَّه أن يُستجابَ له عند الكربِ والشدائدِ، فليكثر الدعاءَ في الرخاءِ)) رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي.
ويفئ المسلمون -في حال الكروب والشدائد- إلى الاستغفار والتوبة مؤمنون بقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (١).
وقوله: ﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢).
إخوة الإيمان: أحدثوا لله توبة كلما أحدثتم وارتكبتم معصية، وعظموا أمر الله، واستشعروا شدة عقابه، واعلموا أنه ليس القصدُ من النجاة حين الكروب نجاة الأبدان فحسب .. أو طلب النجاة في الدنيا فقط .. بل أهمُّ من ذلك صلاحُ القلوب .. والنجاة من عذاب الله يوم الفزع الأكبر.
إن الاهتمام بنجاة الأبدان فحسب وطلب البقاء في الحياة بأي شكل من الا شكال -سمةُ قوم قال الله عنهم: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ (٣).
أيها المؤمنون: وعلى مدى التاريخ كانت تحصل كوارث أو زلازل، ولكن المؤمنين كانوا يقفون منها موقف الاعتبار والاتعاظ، ويُذكِّر بعضُهم بعضًا .. أخرج ابنُ أبي شيبة في ((مصنفه)) بإسناد صحيح، والبيهقي في ((سننه)) عن صفية بنت
стр. 1783
أبي عبيد، قالت: زُلزلت الأرض على عهد عمر ﵁ حتى اصطفقت السرر، فخطب عمرُ الناس فقال: أحدثتم لقد عُجلتم! لئن عادت لأخرجنَّ من بين ظهرانيكم (١).
وأخرج ابن كثير عن قتادة -رحمهما الله- قال: ذُكر لنا أن الكوفة رجفت على عهد ابن مسعود ﵁، فقال: أيها الناس! إن ربَّكم يستعتبكُم فأعتبوه. أي: يطلب منكم العتبى وهو الرجوع إلى ما يرضيه.
أيها المسلمون: حذار من الغفلة ففيها العطب، وحذار من الغرور فيعقبه الندم وربنا يذكرنا ويحذرنا من غرور الدنيا بقوله: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ (٢). إياك أخا الإسلام أن تمتد بنظرك إلى أخطاءِ غيرك وتتناسى أخطاءك.
ابدأ بنفسك، فإنْهَهَا عن غيِّها فإذا انتهت عنه فأنت حكيمُ
ثم انتقل بعد ذلك في الإصلاح والدعوة إلى الأقربين والأبعدين .. كن مشعلًا يضيء الخير أينما حلّ أو ارتحل، كن من مفاتيح الخير .. ومغاليق الشر .. والحذر أن تغتر بعملك أو تغرك صحتُك وقوتُك، أو تأمن مكر الله، فلا يأمن مكرَ الله إلا القومُ الخاسرون، ولا تنسَ أنك مخاطبٌ بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ (٣).
يا عبد الله: حاسب نفسك قبل أن تُحاسب، ولا تنظر إلى الهالك كيف هلك،
стр. 1784
ولكن انظر إلى الناجي كيف نجا .. ولا تمتدَّ بك حبالُ الأماني والغرور .. فالعمرُ قصير .. والأجل محدودٌ، والناقد بصير، وموقف العرض على الله عسير، إلا على من يسَّره الله عليه، وإن يومًا عند ربِّك كألف سنةٍ مما تعدون.
تأمل في مطعمك ومشربك، وانظر ماذا ترى وتسمع، وماذا تُسِرُّ وتعلن .. ولئن خفيت منك اليوم خافية، فهناك في أرض المحشر يكشف الغطاءُ وتتكلم الجوارح: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (١).
تذكر هول الموقف .. يوم يقام عليك الشهودُ من نفسك: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٢).
لقد جاءتك من ربك النذر .. ومن تذكَّر فإنما يتذكر لنفسه .. وصدق الله: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (٣).
اللهمَّ أنقذنا من دَرَكاتِ الغفلة .. وارحمنا يوم النقلة، وأصلح فسادَ قلوبنا.
стр. 1785
قضايا المسلمين (١)
الخطبة الأولى:
الحمد لله أمر بالعدل والإحسان، ونهى عن الفحشاء والبغي والعدوان، وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له، له مقاليدُ السماوات والأرض، أزمَّة الأمور بيده، ومفاتيحُ الفرج عنده، أغنى وأقنى وأضحك وأبكى، وهو أعلم بما كان ويكون، وإليه المنتهى، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولهُ، الناصحُ الأمين، والشافعُ المشفّع في المحشر، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر النبيين والمرسلين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٢).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٣).
أيها المسلمون: طالعتُ في الأيام الماضية، وفي جريدة الرياض العناوين التالية:
١ - الهدف السهل.
٢ - البلقان والقوقاز.
وتحت العنوان الأول (الهدف السهل) افتتح صاحبُ المقال الكريم مقاله قائلًا: حملةٌ جنونية عاتية تقودها (روسيا) لتحطيم (جمهوريات القوقاز الإسلامية) وبالذات جمهورية الشيشان، تحت ستار محاربة ((الإرهاب الإسلامي))، المطاراتُ
стр. 1786
والجسور، ومحطاتُ الكهرباء، والطرق، والبناياتُ وكافةُ تجهيزاتِ البنيةِ الأساسية في جمهورية الشيشان تتعرض للتدمير على أيدي القوات الروسية .. (ويستمر الكاتب قائلًا): ويبدو أن التدمير الذي حدث حتى الآن لا يعتبر كافيًا من وجهة نظر الحكومة الروسية.
ثم يشير الكاتب إلى شيء من المشاهد المأساوية لشعب الشيشان جرّاء قصف الروس .. ثم ينتقل إلى الحملة الإعلامية الروسية ضد الإسلام وأهله واعتبارهم المسلم الروسي مواطنًا من الدرجة الثانية، وهو معرض للاعتقال والحجز لمجرد انتمائه للجمهوريات الإسلامية. ويختم المقال بقوله: وقد وجدت الحكومةُ الروسيةُ في هذه التطورات الأخيرة وسيلةً لحشد التأييد الشعبي حولها، لكي تتجاوز بعض مشكلاتها المزمنةِ، وهكذا انقضَّت بلا هوادةٍ على أهل الشيشان وداغستان .. ثم يقول أخيرًا: مساكين مسلمو اليوم، لقد صاروا هدفًا سهلًا للجميع (١).
أما المقالُ الثاني (البلقان والقوقاز) فيستهله كاتبُه بالقول: ما جرى ويجري في أوروبا، سواء في البلقان أو في القوقاز من حملات واشتباكاتٍ عسكريةٍ دينيةٍ أو مذهبية، لا يمكنُ أن يكون عفويًا أو غرائزيًا بحتًا كما تصوره أجهزةُ الإعلامِ العالمية، وأغلبُ الظنِّ أن هناك وراء هذه الظواهرِ يدًا ترى في توتير المشاعر الدينية والمذهبية تمارين في التعصب والكراهية، تتحول بها المجتمعات من العقلانية إلى العصبية العمياء .. إلى أن يقول: إن من حق الناس في كل مكانٍ أن يتحسسوا فظاعة هذه التمارين الآثمةِ التي تُزجُّ فيها شعوبٌ وجيوش، لتخرج منها
стр. 1787
أشدَّ تشنجًا وكرهًا للسلام والقانون والعيش المشترك والآمن (١).
أما المقال الثالث -وهو في الجريدة نفسها- فأكتفي منه بالعنوان التالي (مئة ألف لاجئ شيشاني يعيشون ظروفًا قاسيةً في الأنغوش).
إخوة الإسلام: ماذا نقول ونعلّق إزاء هذه الأحداث الدامية والمصائب المتتالية على إخواننا المسلمين، مرةً في أوروبا، وأخرى في روسيا، وثالثةً في كشمير، ورابعة في الفلبين.
ومن قبلُ ومن بعدُ يثعب الجرحُ دمًا في فلسطين، ويجثم الصهاينة على المقدسات، ويسقون المسلمين كؤوس الذل والمهانات، بل ويتجاوزون حدودهم بالتعاون مع الآخرين لضرب المسلمين، وفي مجلّة المجتمع الكويتية عنوان ((روسيا تتعاون مع الموساد وتدعو لمحاصرة الشيشان)) (٢). إلى غير ذلك من قضايا إسلاميةٍ ملتهبةٍ هنا أو هناك.
والسؤال المطروحُ هنا: ما موقفُ العالمِ مسلمِهم وكافرهم من قضايا المسلمين؟ وما نوعُ التعامل معها؟
إن الإجابة على هذا السؤال -وما يدور حوله- تحتاج إلى عدةِ وقفاتٍ، منها:
الوقفة الأولى: الإجماعُ الدوليُّ على خطورةِ قضايا المسلمين وتحركاتهم، حتى وإن كانت قليلة العدد، ضعيفةَ العتاد -وهذا جزءٌ من تخوفهم من الإسلام، وخشيتهم من عودة المسلمين لدينهم.
ثانيًا: التعاونُ من الدول ذات النفوذ -على شدة الحصار وقمعِ أيِّ تحركٍ
стр. 1788
إسلاميٍّ، ومحاولة إجهاض أي نجاحٍ يحصل بانتصار المسلمين.
ثالثًا: الكيل بموازين مختلفةٍ باختلاف القضايا ونوعيتها. فإن كان العنصر فيها يهوديًا أو نصرانيًا -أو مواليًا لهم- رأيت حماسًا ودفاعًا منقطع النظير، وإن كان العنصرُ المتضررُ إسلاميًا فالتهميشُ والمواطأةُ على التضييق والحصار، بل والمساعدات ما خفي منها وما ظهر .. وفي أحداث (تيمور الشرقية) نموذجٌ لكشف القناع، وليس حماسُ الدول الكبرى لها لكثرة سكانِها ولا لتميُّزٍ في اقتصادها، وإنما لكون غالبية سكانها من الكاثوليك النصارى! إضافة إلى المطامع الدولية في المنطقة. وفي سبيل ذلك تتواجد القواتُ الدولية في تيمور، وتُجبرُ إندونيسيا ويضغطُ عليها حتى تقبل بالأمر الواقع، علمًا بأن سكان تيمور لا يبلغون مليون نسمة، ومن هنا تساءل المراقبون المنصفون: أيهما أولى بالجمهورية المستقلة (تيمور) ذات الخمسين وثمان مئة ألف نسمة، أم (القوقاز) ذات الملايين العشرة، و (كشمير) ذات الخمسة عشر مليونًا، (ومورو) ذات الملايين السبعة؟
رابعًا: وفوق هذا الغشِّ في المكاييل، فهناك تشويهٌ متعمدٌ وغيرُ مقبول، وغشٌّ آخرُ في المصطلحات -ولا سيما من دولٍ تزعم رعاية الحريةِ، وتتشبث بالديمقراطية، فإذا كانت القضيةُ -موطن النزاع- لصالح غير المسلمين، رُفع شعار السلام والأمن والاستقرار -كمبرر للتدخل- وإذا كان المسلمون طرفًا في النزاع سمعت مصطلح الإرهاب، ودعوات الانفصال، والتمرد، وملَّ سمعُك من ترداد عبارات (المتعصبين والأصوليين والمتطرفين المسلمين) ونحوها من عبارات التشويه المتعمد؛ وهل سمعت يومًا مصطلح الإرهاب يوصف به اليهود من قبل دول الغرب وحلفائها؟ وهل رأيت أشدَّ إرهابًا من اليهود؟ ! ومن حق العالم كله أن يأنف من مصطلح السلام -وتلك صوره وتطبيقاتُه- ومن حقه كذلك أن يرفض
стр. 1789
مصطلحات الإرهاب والتطرف، إذا خُص بها قومٌ دون آخرين.
خامسًا: ومن حق العالم كذلك ألا ينخدع بمصطلح (العولمة) ولا يقبل به، فهي ليست عولمةً قائمةً على العدل والإنصاف وإعطاء كلِّ ذي حقٍّ حقّه، لكنها نوعٌ من فرض الوصاية لفكر معين وأيدلوجية خاصة - يرضى عنها الغربُ وحلفاؤهم، وهي من جانب آخر هيمنةٌ اقتصاديةٌ وسياسيةٌ وإعلامية لدولٍ معينة ينبغي أن يكون العالمُ كلُّه تبعًا لها، ولا اعتبار فيها للدين الحق، ولا للمسلمين أصحاب الرسالة الحقة، بل الهدفُ تذويبهم وإماتةُ الشعور الإسلامي في أذهانِهم، وفوق ذلك كله محاولة تقليص عددهم، ومن العناوين المثيرة قرأتُ العنوان التالي (القلق الأمريكي من تزايد النسل في اليمن) وفي ثنايا الخبر مساعدة أمريكية لليمن مشروطة، بل ومضمَّنة نوعًا من عقاقير منع الحمل. فقد أقلقهم أن نسبة استخدام منع الحمل عند اليمنيات بلغت ١٣%، وهو من أكثر المعدلات انخفاضًا في العالم (١).
عباد الله: لا نستغربُ هذا أو غيره من أعدائنا، والله تعالى يقول: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (٢)، ولكن المستغرب حقًا مواقفُ المسلمين تجاه قضايا إخوانهم المسلمين. وقد ألف العالم -مع كل أسفٍ- مسلمهم وكافرهم -إلا من رحم الله- أخبار المآسي الواقعةِ على الأقليات المسلمة، وعاد نزيفُ الدماء وتناثر الأشلاء وارتفاعُ أصوات الأيامى والصبايا بالبكاء لا يحركُ ساكنًا، وإن حرّك كان عاطفةً لا تلبث أن تبرد وتسكن، وقلَّ أن يتبعها عملٌ منظم، وإجماع محكم -من المسلمين على الأقل- ينتصر للمظلوم ويمنع الظالم.
وكم يذكر التاريخُ للمعتصم العباسي استجابته لصرخةِ امرأةٍ مسلمة سيّر على
стр. 1790
أثرها جيشًا عظيمًا لتأديب الروم والانتصارِ للمظلوم، وأين مثلُ هذا في واقع المسلمين اليوم؟
رُبَّ وامعتصماهُ انطلقتْ ... ملءَ أفواهِ الصَّبايا اليُتَّمِ
لامَسَتْ أسماعَهُم لكنها ... لم تُلامسْ نخوةَ المُعتصمِ
كم يحزن القلبُ، وتدمع العين حين نسمع عن أعداد من المهاجرين المسلمين يهيمون على وجوههم في بيداءَ مهلكة، بحثًا عن المأوى، وطالبًا للقمة العيش، وقد يُقصفون في ثنايا الطريق، ولربما ماتوا عطشًا أو جوعًا في رحلة التشريد والتجويع، وهل دماء المسلمين رخيصة إلى هذا الحد؟ ! وهل قضايا المسلمين بالمهانة إلى هذا القدر؟ ! أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ (١).