والجسور، ومحطاتُ الكهرباء، والطرق، والبناياتُ وكافةُ تجهيزاتِ البنيةِ الأساسية في جمهورية الشيشان تتعرض للتدمير على أيدي القوات الروسية .. (ويستمر الكاتب قائلًا): ويبدو أن التدمير الذي حدث حتى الآن لا يعتبر كافيًا من وجهة نظر الحكومة الروسية.
ثم يشير الكاتب إلى شيء من المشاهد المأساوية لشعب الشيشان جرّاء قصف الروس .. ثم ينتقل إلى الحملة الإعلامية الروسية ضد الإسلام وأهله واعتبارهم المسلم الروسي مواطنًا من الدرجة الثانية، وهو معرض للاعتقال والحجز لمجرد انتمائه للجمهوريات الإسلامية. ويختم المقال بقوله: وقد وجدت الحكومةُ الروسيةُ في هذه التطورات الأخيرة وسيلةً لحشد التأييد الشعبي حولها، لكي تتجاوز بعض مشكلاتها المزمنةِ، وهكذا انقضَّت بلا هوادةٍ على أهل الشيشان وداغستان .. ثم يقول أخيرًا: مساكين مسلمو اليوم، لقد صاروا هدفًا سهلًا للجميع (١).
أما المقالُ الثاني (البلقان والقوقاز) فيستهله كاتبُه بالقول: ما جرى ويجري في أوروبا، سواء في البلقان أو في القوقاز من حملات واشتباكاتٍ عسكريةٍ دينيةٍ أو مذهبية، لا يمكنُ أن يكون عفويًا أو غرائزيًا بحتًا كما تصوره أجهزةُ الإعلامِ العالمية، وأغلبُ الظنِّ أن هناك وراء هذه الظواهرِ يدًا ترى في توتير المشاعر الدينية والمذهبية تمارين في التعصب والكراهية، تتحول بها المجتمعات من العقلانية إلى العصبية العمياء .. إلى أن يقول: إن من حق الناس في كل مكانٍ أن يتحسسوا فظاعة هذه التمارين الآثمةِ التي تُزجُّ فيها شعوبٌ وجيوش، لتخرج منها
стр. 1787
أشدَّ تشنجًا وكرهًا للسلام والقانون والعيش المشترك والآمن (١).
أما المقال الثالث -وهو في الجريدة نفسها- فأكتفي منه بالعنوان التالي (مئة ألف لاجئ شيشاني يعيشون ظروفًا قاسيةً في الأنغوش).
إخوة الإسلام: ماذا نقول ونعلّق إزاء هذه الأحداث الدامية والمصائب المتتالية على إخواننا المسلمين، مرةً في أوروبا، وأخرى في روسيا، وثالثةً في كشمير، ورابعة في الفلبين.
ومن قبلُ ومن بعدُ يثعب الجرحُ دمًا في فلسطين، ويجثم الصهاينة على المقدسات، ويسقون المسلمين كؤوس الذل والمهانات، بل ويتجاوزون حدودهم بالتعاون مع الآخرين لضرب المسلمين، وفي مجلّة المجتمع الكويتية عنوان ((روسيا تتعاون مع الموساد وتدعو لمحاصرة الشيشان)) (٢). إلى غير ذلك من قضايا إسلاميةٍ ملتهبةٍ هنا أو هناك.
والسؤال المطروحُ هنا: ما موقفُ العالمِ مسلمِهم وكافرهم من قضايا المسلمين؟ وما نوعُ التعامل معها؟
إن الإجابة على هذا السؤال -وما يدور حوله- تحتاج إلى عدةِ وقفاتٍ، منها:
الوقفة الأولى: الإجماعُ الدوليُّ على خطورةِ قضايا المسلمين وتحركاتهم، حتى وإن كانت قليلة العدد، ضعيفةَ العتاد -وهذا جزءٌ من تخوفهم من الإسلام، وخشيتهم من عودة المسلمين لدينهم.
ثانيًا: التعاونُ من الدول ذات النفوذ -على شدة الحصار وقمعِ أيِّ تحركٍ
стр. 1788
إسلاميٍّ، ومحاولة إجهاض أي نجاحٍ يحصل بانتصار المسلمين.
ثالثًا: الكيل بموازين مختلفةٍ باختلاف القضايا ونوعيتها. فإن كان العنصر فيها يهوديًا أو نصرانيًا -أو مواليًا لهم- رأيت حماسًا ودفاعًا منقطع النظير، وإن كان العنصرُ المتضررُ إسلاميًا فالتهميشُ والمواطأةُ على التضييق والحصار، بل والمساعدات ما خفي منها وما ظهر .. وفي أحداث (تيمور الشرقية) نموذجٌ لكشف القناع، وليس حماسُ الدول الكبرى لها لكثرة سكانِها ولا لتميُّزٍ في اقتصادها، وإنما لكون غالبية سكانها من الكاثوليك النصارى! إضافة إلى المطامع الدولية في المنطقة. وفي سبيل ذلك تتواجد القواتُ الدولية في تيمور، وتُجبرُ إندونيسيا ويضغطُ عليها حتى تقبل بالأمر الواقع، علمًا بأن سكان تيمور لا يبلغون مليون نسمة، ومن هنا تساءل المراقبون المنصفون: أيهما أولى بالجمهورية المستقلة (تيمور) ذات الخمسين وثمان مئة ألف نسمة، أم (القوقاز) ذات الملايين العشرة، و (كشمير) ذات الخمسة عشر مليونًا، (ومورو) ذات الملايين السبعة؟
رابعًا: وفوق هذا الغشِّ في المكاييل، فهناك تشويهٌ متعمدٌ وغيرُ مقبول، وغشٌّ آخرُ في المصطلحات -ولا سيما من دولٍ تزعم رعاية الحريةِ، وتتشبث بالديمقراطية، فإذا كانت القضيةُ -موطن النزاع- لصالح غير المسلمين، رُفع شعار السلام والأمن والاستقرار -كمبرر للتدخل- وإذا كان المسلمون طرفًا في النزاع سمعت مصطلح الإرهاب، ودعوات الانفصال، والتمرد، وملَّ سمعُك من ترداد عبارات (المتعصبين والأصوليين والمتطرفين المسلمين) ونحوها من عبارات التشويه المتعمد؛ وهل سمعت يومًا مصطلح الإرهاب يوصف به اليهود من قبل دول الغرب وحلفائها؟ وهل رأيت أشدَّ إرهابًا من اليهود؟ ! ومن حق العالم كله أن يأنف من مصطلح السلام -وتلك صوره وتطبيقاتُه- ومن حقه كذلك أن يرفض
стр. 1789
مصطلحات الإرهاب والتطرف، إذا خُص بها قومٌ دون آخرين.
خامسًا: ومن حق العالم كذلك ألا ينخدع بمصطلح (العولمة) ولا يقبل به، فهي ليست عولمةً قائمةً على العدل والإنصاف وإعطاء كلِّ ذي حقٍّ حقّه، لكنها نوعٌ من فرض الوصاية لفكر معين وأيدلوجية خاصة - يرضى عنها الغربُ وحلفاؤهم، وهي من جانب آخر هيمنةٌ اقتصاديةٌ وسياسيةٌ وإعلامية لدولٍ معينة ينبغي أن يكون العالمُ كلُّه تبعًا لها، ولا اعتبار فيها للدين الحق، ولا للمسلمين أصحاب الرسالة الحقة، بل الهدفُ تذويبهم وإماتةُ الشعور الإسلامي في أذهانِهم، وفوق ذلك كله محاولة تقليص عددهم، ومن العناوين المثيرة قرأتُ العنوان التالي (القلق الأمريكي من تزايد النسل في اليمن) وفي ثنايا الخبر مساعدة أمريكية لليمن مشروطة، بل ومضمَّنة نوعًا من عقاقير منع الحمل. فقد أقلقهم أن نسبة استخدام منع الحمل عند اليمنيات بلغت ١٣%، وهو من أكثر المعدلات انخفاضًا في العالم (١).
عباد الله: لا نستغربُ هذا أو غيره من أعدائنا، والله تعالى يقول: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (٢)، ولكن المستغرب حقًا مواقفُ المسلمين تجاه قضايا إخوانهم المسلمين. وقد ألف العالم -مع كل أسفٍ- مسلمهم وكافرهم -إلا من رحم الله- أخبار المآسي الواقعةِ على الأقليات المسلمة، وعاد نزيفُ الدماء وتناثر الأشلاء وارتفاعُ أصوات الأيامى والصبايا بالبكاء لا يحركُ ساكنًا، وإن حرّك كان عاطفةً لا تلبث أن تبرد وتسكن، وقلَّ أن يتبعها عملٌ منظم، وإجماع محكم -من المسلمين على الأقل- ينتصر للمظلوم ويمنع الظالم.
وكم يذكر التاريخُ للمعتصم العباسي استجابته لصرخةِ امرأةٍ مسلمة سيّر على
стр. 1790
أثرها جيشًا عظيمًا لتأديب الروم والانتصارِ للمظلوم، وأين مثلُ هذا في واقع المسلمين اليوم؟
رُبَّ وامعتصماهُ انطلقتْ ... ملءَ أفواهِ الصَّبايا اليُتَّمِ
لامَسَتْ أسماعَهُم لكنها ... لم تُلامسْ نخوةَ المُعتصمِ
كم يحزن القلبُ، وتدمع العين حين نسمع عن أعداد من المهاجرين المسلمين يهيمون على وجوههم في بيداءَ مهلكة، بحثًا عن المأوى، وطالبًا للقمة العيش، وقد يُقصفون في ثنايا الطريق، ولربما ماتوا عطشًا أو جوعًا في رحلة التشريد والتجويع، وهل دماء المسلمين رخيصة إلى هذا الحد؟ ! وهل قضايا المسلمين بالمهانة إلى هذا القدر؟ ! أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ (١).
стр. 1791
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، حكم بأخوة المؤمنين، وإن اختلفت أجناسهم، أو تباعدت أوطانهم، فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (١). وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل ولاية المؤمنين لبعضهم دون الكافرين والمنافقين: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (٢).
وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، جعل من لوازم الأخوة في الدين النصرة والمودة والتراحم: ((مثلُ المؤمنين في توادّهم وتراحُمهم وتعاطفهم مثلُ الجسد، إذا اشتكى منه عضوٌ، تداعى له سائرُ الجسد بالسَّهر والحُمّى)) (٣). اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين.
أيها المسلمون: وباسم الإسلام نخاطبكم، وبأخوة الإيمان نناديكم للتعرض على قضايا إخوانكم المسلمين ومساندتهم، ومن هَدْي المصطفى ﷺ قوله: ((المؤمنُ للمؤمنِ كالبنيان يشدُّ بعضُه بعضًا)) وشبك بين أصابعه.
قال القرطبي ﵀ تعليقًا: هذا تمثيلٌ يفيد الحضَّ على معاونة المؤمن للمؤمن ونصرتهِ، وإن ذلك أمرٌ متأكدٌ لا بد منه.
عباد الله:
الوقفةُ السادسة: ويتساءل المرءُ كثيرًا: وأين أمةُ المليار مسلم من قضايا إخوانهم، وماذا لو كان لهم هيئة عالمية تخصهم، ومنها تُصدر القرارات، وتكون
стр. 1792
بحجم قرارات هيئة الأمم ومجلس الأمن، وهل يليق بهم أن يعيشوا على موائد الآخرين، وينتظروا توجهاتهم وتوجيهاتهم؟ !
إن أمة الإسلام غنية بأعدادها ومواردها، لكنه التفرقُ والتشرذم والغثائية التي أخبر عنها الصادق المصدوق: ((يوشك أن تداعى عليكم الأممُ كما تداعى الأكلة على قصعتها))، قالوا: أمِنْ قلَّة نحن يومئذٍ؟ قال: ((بل أنتم كثيرٌ، ولكنكم غثاءٌ كغثاء السَّيل)). والمأمول أن توحد هذه الضربات صفوفهم، وتجمع شتاتهم.
إن حركات الجهاد الإسلامي للتحرر من الظلم والعبودية، والتي تقوم بها الأقليات المسلمة -هنا أو هناك- محرجةٌ لأمة المليار مسلم، لا سيما إذا قدر لهذه الفئة المستضعفة -في نظر الآخرين- إحرازُ قدرٍ من الانتصار على دولٍ هي في طليعة الدول الكبرى، وماذا لو اجتمع شملُ المسلمين وتوحَّدت قواهم، وصدقوا في توجههم؟ لا شك أن النصر سيكون حليفهم، وسيحطمون كبرياء المتغطرسين الذين باتوا يهددون بلاد المسلمين ويستحوذون على مقدراتهم، وكأنهم أوصياءُ عليهم!
الوقفة السابعة: وهناك عنصرُ قوةٍ عند الشعوب المسلمة، لا يتوفر مثلُه عند الشعوب الكافرة، فالأعداءُ وإن فاقوا المسلمين على مستوى الحكومات في الدعم واتخاذ القرارات وتنفيذها حسبما يرون، ففي الشعوب المسلمة قابليةٌ للنصرةِ والمساعدة والإيثار بالنفس والمال لإخوانهم، ما لا يمكن أن يتوفر مثلُه عند غيرهم من أبناء الكفار، فكيف ومتى يستثمر المسلمون هذه القوة لصالحِ قضاياهم؟
إن المسلمين جميعًا -دولًا وشعوبًا- مطالبون -بإسلامهم- بإعداد القوة التي يرهبون بها عدوَّ الله وعدوَّهم، وذلك من الإرهاب المحمود كما قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ
стр. 1793
وَعَدُوَّكُمْ﴾ (١). وإن رغمت أنوف الأعداء، واستغلوا مصطلح الإرهاب لصالحهم.
الوقفة الثامنة: ينبغي أن يُعلم أنه ليس كلُّ ما يحصل على المسلمين من محنٍ وبلايا وقتل وتشريد شرٌّ محضٌ، فقد يكون هذا الواقع السيّئ والظلمُ والتعسفُ الظاهر من قبل الأعداء موقظًا لعزائم المسلمين، محركًا لهممهم، داعيًا لتجميع طاقاتهم.
ونكاد نرى شيئًا من ذلك على صعيد الواقع، فلا تكادُ تُخطئ نظر المتابع .. تتابعُ حركاتِ المسلمين وتمسكهم بدينهم، ومطالبتهم برفض وصاية الأعداء عليهم -هذه الحركات تتجدد، وكلما ضعفت في مكان انبعثت من جديد -وفي مكان آخر- مؤكدةً حيوية المسلمين، وحماسهم لدينهم -رغم الضربات القاسية، ورغم المؤامرات الدَّوْلية ومؤكدةً كذلك أن الضغط يولد الانفجار، وأن هذه الضربات تغذي عواطف المسلمين تجاه إسلامهم، وإن ظن الأعداءُ أنهم يحرقونها بالجديد من أسلحتهم.
الوقفة التاسعة: وفي حسّ الفاروق عمر ﵁ شعورٌ يَقِظٌ ورحمة بالحيوان ألا يتأذى في بلاد المسلمين: لو أن بغلةً في العراق سقطت لكان عمرُ مسئولًا عنها، لِم لمْ تمهدْ لها الطريق.
ولربما تبلد إحساسُ بعضِ المسلمين تجاه إخوانِهم المسلمين، فلم تُحرِّك مشاعرهم آلافُ الجثث، وبركُ الدماء، ومئاتُ الجوعى والعطشى، وأعدادٌ من النساء تُغتصب، وجموعٌ من الأطفال تُبادُ أو تُهجر تمهيدًا لطمس هويتها! وتحية للإعلام الذي يُعنى بقضايا المسلمين، وتحية للكتاب والمفكرين الذين تتسع دائرةُ
стр. 1794
تفكيرهم لمثل هذه القضايا المهمة في واقع المسلمين، ومؤسف ومؤلم أن يَلُفَّ الصمتُ أفواه قادةٍ أو علماء أو دعاة أو مفكرين، فلا يشاركون إخوانهم المسلمين مشاعرهم ولو بالكلمة الصادقة التي تشحذ هِمَمَهم، أو تسليهم ببعض مصابهم.
الوقفة العاشرة: معاشر المسلمين جميعًا! إخوانكُم في الدين يستنصرونكم، والله يقول: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ (١)، ألا وإن أول وأسهل واجب للنصرة الدعاءُ لهم بالثبات والنصر، والدعاء على أعدائهم بالهزيمة والفشل.
ومن النصر لهم أن تكون قضاياهم حاضرة في أذهانكم ولها حجمها في تفكيركم، ولها حظٌّ من مشاعركم ودعمكم، وليس يخفاكم أثر الدعم المعنوي والمادي، ولا يخفاكم كذلك طرقه وقنواته.
ألا وإن إخوانكم المسلمين المستضعفين يستنزلون نصر ربهم بدعائهم ودعائكم ولا سيما في مثل هذه الأوقات الفاضلة.
اللهم منزل الكتاب، مجري السحاب، هازم الأحزاب، انصر إخواننا المسلمين في الشيشان وداغستان، وكشمير والفلبين وفلسطين، والبوسنة والهرسك، وفي كل مكان يا رب العالمين، اللهم ثبت أقدامهم، وارحم ضعفاءهم، وأطعم جياعَهم، وآمن روعهم، اللهم اشدد وطأتك على القوم الكافرين، اللهم أرنا بهم عجائب قدرتك.
عباد الله: ويتعاظم مصاب الأمة في موت العلماء الربانيين، في ظل هذه الظروف الحرجة للأمة، وفي الأيام الماضية توفي شيخ فاضلٌ، وعلم من أعلام
стр. 1795
المسلمين نذرَ نفسه لخدمة السنة، فدعا وألَّف وتكلّم ودرَّس، وكان لجهوده أثر في عالمنا الإسلامي؛ إنه العلامة محمد ناصر الدين الألباني تغمده الله بواسع رحمته، وأحسن الله عزاء الأمة فيه، وعوَّض المسلمين عنه خيرًا.
اللهم ارفع درجته في المهديين، واخلُفه في عقبه الغابرين وافر لنا وله يا رب العالمين، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
стр. 1796
(١) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجوبه وفضله (١)
الخطبة الأولى:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ..
إخوةَ الإسلام: وثمةَ شعيرةٌ من شعائر هذا الدين جاء الحثُّ عليها، بل والأمرُ بها في كتاب الله، وأشاد بها وأهلها رسولُ الله ﷺ في سنته، ومارسها المسلمون قديمًا ولا يزالون يتواصون بها، وإن اختلفوا في أساليب تطبيقها وقوة القيام بها بين جيل وجيل، وطائفة وأخرى، هذه الشعيرة سببٌ لحصول كلِّ خير، والوقاية من كل شر، إنها شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وصف الله بها نبيه ﷺ فقال: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (٢). وهذا الوصفُ بيانٌ لكمال رسالته (٣). بل وُصف بها وتمثلها الأنبياءُ قبله، ووصف بها الصالحون من أهل الكتاب: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٤)، ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ (٥)، وما من نبي إلا قال لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (٦).
стр. 1797
ووصف بها الصالحون من أهل الكتاب: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (١).
ووصف بها الصالحون من هذه الأمة في غير ما موضع من كتاب الله من مثل قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٢).
وهي من الفوارق الكبرى بين أهل الإيمان وأهل النفاق، فقد وصف المنافقون بنقيض ما وصف به المؤمنون في الآية السابقة: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ (٣).
عبادَ الله: لقد استنبط الحسنُ ﵀ من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٤).
إن في الآية دليلًا على أن الأمر بالمعروف والناهي عن المنكر تلي منزلتُه عند الله منزلةَ الأنبياء، فلهذا ذُكر عقيبَهم.
بل عدّه بعضُ أهل العلم سهمًا مهمًا في الإسلام بعد أركانه الأساسية. عن حذيفة ﵁ قال: الإسلام ثمانيةُ أسهم؛ فالإسلامُ سهم، والصلاة سهم، والزكاة
стр. 1798
سهم، وصومُ رمضان سهم، والجهادُ سهم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سهم (١).
ونقل طائفة من أهل العلم الإجماع على وجوبه، وأنه من شعائر الإسلام الظاهرة، كالنووي، والجصاص، وابن حزم.
واعتبره شيخُ الإسلام ابنُ تيمية من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة، تُقاتل الطائفةُ الممتنعةُ عنها (٢).
أجل إن خيريةَ الأمة وفلاحها مرتبطة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٣).
﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٤).
إنه الخيرُ الذي يؤمر به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، و ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرًا أو ليصمت)).
والرسالةُ الواجبةُ على كل مستطيع: ((من رأى منكم منكرًا فليغيرّه بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعفُ الإيمان)).
وفي رواية: ((وليس وراء ذلك من الإيمان حبةُ خردل)). إنها مسئوليةٌ يمارسها
стр. 1799
الوالدان مع أولادهما، والمعلمون والمعلمات مع طلابهم وطالباتهم، والمسئولُ في عملٍ أو على فئةٍ مع من يتولى مسؤوليتهم، والعالم على الجاهل، والمعافى على المبتلى، والجارُ على جاره، والمسلمُ بشكل عامٍ على أخيه المسلم حين يرى منه خطًا أو انحرافًا، أو يدعوه إلى معروفٍ وخيرٍ غائبٍ عنه أو جاهلٍ به.
وبالجملة فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة للخير همّ للجميع، ومسؤولية مشتركة، وهي تعكس خيرية المجتمع ووعيه، ولا سيما إذا حُملت للناس بقوالب جميلة، وحكمةٍ وموعظة حسنة.
ولقد كان للسلف اعتناءٌ بهذا الأصل العظيم وقيامٌ به، وكانوا يعدون من لم يقم به من أهل الريب، فعن جامع بن شدادٍ قال: كنتُ عند عبد الرحمن بن يزيد الفارسي، فأتاه نعيُ الأسود بن يزيد، فأتيناه نعزيه، فقال: مات أخي الأسودُ، ثم قال: قال عبدُ الله: يذهب الصالحون أسلافًا، ويبقى أهلُ الريب، قالوا: يا أبا عبد الرحمن وما أصحابُ الريب؟ قال: قومٌ لا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر (١).
وكم تأسن الحياة ويفسد الأحياءُ إذا لم يبق إلا أهل الريب، وكم تفشو المنكرات، ويغيب المعروف إذا قلَّ الصالحون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، وكم تتوارى المنكرات ويتستّر المفسدون بفسادهم إذا قويت شوكةُ الأمر والنهي، وكم يقوى سلطانُ الخير في النفوس، ويشيع المعروفُ في الناس، إذا قام قائم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر!
تُرى يا أخا الإيمان: كم تُسهم في إحياء هذه الشعيرة بقولك وفعلك وفي أي
стр. 1800
موقع كنت؟ أم تراك تسند الأمر إلى غيرك، وتحاول اختلاق المعاذير لنفسك؟
لقد كان السلفُ يرون من لا يأمر ولا ينهى في عداد أموات الأحياء، وهذا حذيفةُ ﵁ يُسأل: ما ميتُ الأحياء؟ قال: لا ينكر المنكر بيده ولا بلسانه ولا بقلبه (١). وقيل لابن مسعود: من ميت الأحياء؟ فقال: الذي لا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا.
وهذا هو المفتون الموصوف في حديث حذيفة بن اليمان ﵁ (٢).
أعوذ بالله من الشيطان ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٣).
стр. 1801
الخطبة الثانية:
الحمد لله ربِّ العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله إمام المتقين وخيرةُ الآمرين والناهين، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياءِ والمرسلين.
عباد الله: ويرتبط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فضائلُ ومزايا حريَّةٌ بأن تدعو المسلم للحصول عليها، إذا أمر بالمعروف ونهى عن المنكر - على علم وبصيرةٍ بما يأمر به وما ينهى عنه، وبحلم وصبر -كما سيأتي البيان- ومن هذه الفضائل والمزايا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من علامات إيمان العبد - كما مرّ في الآية السابقة، وفي حديث عبد الله بن مسعود عن الخلوف التي تخلف؛ يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، قال ﷺ : ((فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبةُ خردل)) (١).
ويقول الإمام أحمدُ موضحًا الفرق بين المؤمن والمنافق في القيام بواجب الأمرِ والنهي: يأتي على الناس زمانٌ يكون المؤمنُ فيه بينهم مثل الجيفة، ويكون المنافقُ يُشار إليه بالأصابع.
قال الراوي -عمرُ بنُ صالح -: يا أبا عبد الله! وكيف يشار إلى المنافق بالأصابع؟ يا أبا حفص! صيروا أمر الله فضولًا، وقال: المؤمنُ إذا رأى أمرًا بالمعروف أو نهيًا عن المنكر لم يصبر حتى يأمر وينهى، يعني: قالوا: هذا فضول،
стр. 1802
والمنافقُ كلُّ شيءٍ يراه قال بيده على فمه، فقالوا: نعم الرجل، ليس بينه وبين الفضول عمل (١).
وهكذا تتجدد المصطلحات والاتهامات، وربما قيل للآمر والناهي: هذا متعجل أو متسرعٌ أو يتحدث فيما لا يعنيه، أو صاحبُ فتنة .. وهكذا! والله المستعان.
ومن فضائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنه سببٌ للرحمة، وفي آخر الآية التي وصفت المؤمنين بالأمر والنهي، خُتمت بقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢). وما أحوج الخلق كلَّهم إلى رحمةِ الله، وإنما يرحم اللهُ من عباده الرحماء، والآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر إنما قاموا بهذا الواجب رحمةً بالخلق، ولذا وصف أهلُ السنةِ بأنهم ((يَعْلمون الحقَّ ويرحمون الخلق)).
وحصول الأجر العظيم ورد إثر الأمر بالمعروف والإصلاح بين الناس، كما في قوله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ .. ثم ختمت الآية بقوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٣).
وهنا يلحظ المتأمل أن الأجرُ نكِّر ووصف بأنه عظيم، وكفى بهذين دلالة على عظمه.
стр. 1803
والأمر بالمعروف بابٌ من أبواب الجهاد، بل أخبر النبي ﷺ أن أفضل الجهاد كلمةُ حق عند سلطان جائر.
وهو كذلك بابٌ من أبواب الصدقات، أرشد إليه ﷺ فقراء المهاجرين حين شكوا أنهم لا يجدون ما يتصدقون به، فقال: ((قد جعل الله لكم ما تتصدقون به؛ إن بكل تسبيحةٍ صدقة، وبكلّ تحميدة صدقة، وبكل تهليلة صدقة، وأمرٍ بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة)).
وبالأمر بالمعروفِ والنهي عن المنكر تُكفَّر السيئاتُ، وفي الحديث المتفق على صحته عن حذيفة ﵁ قال: كنا عند عمر، فقال: أيكُم يحفظُ حديث رسول الله ﷺ في الفتنة كما قال؟ قال فقلتُ: أنا، قال: إنك لجريءٌ! وكيف قال؟ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: ((فتنةُ الرجل في أهله وماله ونفسه وولدهِ وجاره يكفّرها الصيامُ والصلاة والصدقةُ والأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر .. )) إلخ. الحديث (١).
بل وصح الخبر أنه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يُضاعف الأجر، ويعطون مثل أجور من سبق من هذه الأمة. فقد روى أحمدُ -وحسَّنه الألباني- أن رسول الله ﷺ قال: ((إنَّ من أمتي قومًا يعطون مثل أجورِ أولهم ينكرون المنكر)) (٢).
عباد الله: ومن اللطائف أن حجية الإجماع لهذه الأمة مرتبطة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
стр. 1804
قال شيخ الإسلام ابنُ تيمية ﵀: ولهذا كان إجماعُ هذه الأمة حجةً؛ لأن الله تعالى أخبر أنهم يأمرون بكل معروفٍ وينهون عن كل منكر -هذا شيء- وشيء آخر أن الأمر بكل معروف والنهي عن كل منكر، سمةٌ تميز أمةَ الإسلام عن غيرها من سائر الأمم. وعن ذلك قال شيخ الإسلام: وسائرُ الأمم لم يأمروا كلَّ أحدٍ بكلِّ معروف، ولا نهوا كلَّ أحدٍ عن كل منكر، ولا جاهدوا على ذلك، بل منهم من لم يجاهد، والذين جاهدوا كبني إسرائيل، فعامةُ جهادهم كان لدفع عدوِّهم عن أرضهم كما يُقاتلُ الصائلُ الظالم، لا لدعوة المجاهدين وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، فطائفة منهم قالوا لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ﴾ (١)، والذين جاؤوا من بعد موسى علَّلوا القتال بأنهم أخرجوا من ديارهم وأبنائهم (٢).
ألا فحققوا -عباد الله- خيرية هذه الأمة وتميزها على الأمم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل وحققوا الخيرية والتوبة لأنفسكم، وللناس من حولكم بالقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
عباد الله: وثمة فضائلُ ومزايا للأمر والنهي، بل وعقوباتٌ وآثارٌ سيئة مترتبة على تركه أو التخاذل في أدائه، وهناك فقهٌ للأمر والنهي وآدابٌ وصفات للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وإضافة إلى ذلك فهناك شبهات حرية بالبيان .. وهذه الأمور كلُها تحتاج إلى حديث آخر في خطبة متممة لهذه الخطبة -أسأل الله الإعانة والتسديد، وأعوذ بالله من فتنة القول وفتنة العمل.
стр. 1805
(٢) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر آداب وصفات، وفقه الإنكار (١)
الخطبة الأولى:
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره.
إخوة الإسلام: سبق -في الخُطبة الماضية- بيانُ شيءٍ من فضائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنزلتِه في الإسلام، وأستكمل اليوم شيئًا من هذه الفضائل وأبسطُ القول في الآداب التي ينبغي وجودُها في الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، والصفات المناسب توفرها في الآمر والناهي، حتى يعمَّ الخيرُ والمعروف، ويتقلص الشرُّ والمنكر.
ولكني أستهلُّ ذلك بكلام جميل لابن القيم ﵀ بيّن فيه منزلة الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، وعَرّض بالذين لا يرفعون به رأسًا -وإن كانوا من ذوي الديانة، فقال: وقد غرّ إبليسُ أكثر الخلقِ بأن حسَّن لهم القيام بنوع من الذكرِ والقراءةِ والصلاة والصيام والزهد في الدنيا، والانقطاع، وعطلوا هذه العبوديات -يعني عبودية نشر السنة على العلماء، وإقامة الحقِّ وتنفيذه على الحكام، وأداء الحقوقِ المالية على الأغنياء والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على القادرين عليه. يقول: فلم يُحدِّثوا قلوبهم بالقيام بها، وهؤلاء عند ورثة الأنبياءِ من أقلِّ الناس دينًا، فإن الدين هو القيامُ لله بما أمر به .. ومن له خبرةٌ بما بعث اللهُ به رسوله ﷺ ، وبما كان عليه هو وأصحابهُ رأى أن أكثر من يُشار إليهم بالدين هم أقلَّ
стр. 1806
الناس دينًا والله المستعان، وأيُّ دينٍ، وأيُّ خيرٍ فيمن يرى محارم اللهُ تُنتهك وحدودَه تُضاع، ودينه يُترك، وسنة رسوله ﷺ يُرغب عنها وهو باردُ القلبِ ساكتُ اللسان؟ شيطانٌ أخرس، كما أن المتكلم بالباطل شيطانٌ ناطق، وهل بليةُ الدين إلا من هؤلاء الذين إذا سلمت لهم مآكلُهم ورياساتُهم فلا مبالاة بما جرى على الدين؟ وخيارُهم المتحزّن المتلمظُ، ولو نُوزع في بعض ما فيه غضاضة عليه في جاهه أو ماله بذل وتبذّل، وجدَّ واجتهد، واستعمل مراتب الإنكار الثلاثة بحسب وسعه، وهؤلاء مع سقوطهم من عين الله، ومقت الله لهم، قد بُلوا في الدنيا بأعظم بليةٍ تكونُ وهم لا يشعرون، وهو موتُ القلوب، فإن القلب كلما كانت حياتُه أتمَّ كان غضبُه لله ورسوله أقوى، وانتصارهُ للدين أكمل (١).
عباد الله: وكيف لا يعلو شأنُ الأمرِ بالمعروف، وترتفعُ منزلة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، والله جعله شرطًا للتمكين في الأرض، وجعل القائمين به أهلًا للتمكين؛ قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (٢).
ترى ما مدى العناية بهذه الشعيرة في المناهج الدعويةِ القائمة؟ وما نصيبُ المحسوبين على الدعوة من المساهمة والقيامِ بهذا الواجب العظيم؟
على أن مما ينبغي أن يدرك أن الأمرَ بالمعروف والنهي عن المنكر ليس مجرد عاطفةٍ تثور ثم تخبو، ولا مجرد حماسٍ طارئٍ لمنكر ولفترة معينة ثم يُنسى.
بل الأمر جدٌّ وجهاد، ومواصلةٌ واحتساب، وطولُ نفسٍ وتفكيرٌ في المنكر وجذوره، وكيف يُستصلح والبديلُ عنه، إلى غير ذلك من أمور تتطلب الحديث عن
стр. 1807
صفاتٍ يحتاجها الآمر الناهي، وآدابٍ وفقهٍ تجعل من الأمر بالمعروف دعوةً للناس بالحسنى، وبها ينحسر المنكر ويتوارى أهلُه خجلًا وحياءً.
أيها المسلمون: ومن أبرز هذه الصفات والآداب العلم، فلا بد أن يكون الآمرُ والناهي عالمًا بما يأمر به وما ينهى عنه.
قال الشيرازي: فالحسنُ ما حسَّنه الشرع، والقبيحُ ما قبحه الشرع، ولا مدخل للعقول في معرفة المعروفِ والمنكر إلا بكتاب الله ، وسنةِ نبيه ﷺ ، ورُبَّ جاهلٍ يستحسن بعقله ما قبّحه الشرعُ، ويرتكب المحظور وهو غيرُ عالمٍ به (١).
ويقول الغزالي: العامي ينبغي له أن لا يحتسب إلا في الجليات المعلومة كشرب الخمر، والزنا، وترك الصلاة، فأما ما يُعلم كونه معصيةً بالإضافة إلى ما يطيف به من الأفعال، ويفتقرُ فيه إلى الاجتهاد، فالعاميُّ إن خاض فيه كان ما يفسده أكثر مما يصلحه (٢).
والإخلاصُ إلى جنب العلم صفةٌ -بل شرط- للآمر، وموجبٌ للقبول، فلا يأمر وينهى ليُحتسب في الآمرين، أو ليصل بذلك إلى مالٍ أو مرتبةٍ أو جاه .. أو نحو ذلك من أعراض الدنيا الزائلة، وكذا الانتصار للنفس مُذهِبٌ للإخلاص، عن أرطأة بن المنذر قال: المؤمن لا ينتصر لنفسه، يمنعه من ذلك القرآن والسنة، فهو ملجم (٣).
والصبرُ سلاحٌ لا ينفك عنه الآمرُ والناهي، فلا بد أن يناله من أذى الناس وسخريتهم وصدودهم ما يحتاج معه إلى صبر يوطّنه على مواصلة الطريق، محتسبًا
стр. 1808
أجره على الله. ومن وصايا لقمان لابنه: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (١).
قال العارفون: من وطَّن نفسه على الأذى، وأيقن بثواب الله لم يجد مسَّ الأذى (٢). وحسبك بتوجيه الله لنبيه ﷺ معلمًا: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ (٣).
والرفقُ ما كان في شيء إلا زانه، ولا نُزع من شيء إلا شانه، كذا نقول جميعًا ونعتقد، ولكن الناس متفاوتون في تطبيقه؛ فمنهم من لا يملكُ أصحابُ المنكر إلا الاستجابة العاجلة له لحسنِ أسلوبه ورفقه وحلمه، ومنهم من يزيدُ النار اشتعالًا بشدته وفظاظة أسلوبه، وليس الأمرُ والنهيُ مجردَ أداء، أو تخففًا من المسؤولية -كيفما اتفق- بل هو دعوةٌ للخير والحق، وشفقةٌ على الخلق، وعلاجٌ للمنكرات بأفضل الطرق وأحسن الخُلق.
يقول ابن تيمية ﵀: والرفقُ سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولهذا قيل: ليكن أمرُك بالمعروف ونهيك عن المنكر غير منكر (٤).
ومع أهمية الرفق وكونه الأصل، فينبغي أن يعلم كذلك أن الحاجة قد تدعو للعنف والشدة أحيانًا - وذلك بحسب المنكَرِ وصاحبه، قال الحليمي: وينبغي أن يكون الآمرُ بالمعروف مُميّزًا؛ يرفق في مواضع الرفق، ويعنف في مواضع العنف،
стр. 1809
ويكلمُ كلَّ طبقةٍ بما يعلم أنه أليق بهم، وأنجع فيهم .. وكما لا ينبغي لمن يقومُ بهذا الأمر أن يعنف في مواضع الرفق، فكذلك لا ينبغي له أن يرفق في مواضع التعنيف، لئلا يُستخف قدرُه، ويُعصى أمره (١).
ومن الفقه في الإنكار أن يجتهد المنكرُ ألا يترتب على المنكرِ منكرٌ آخر - قد يكون أكبرَ أو أوسع انتشارًا من المنكر الأول، فما تحقق بذلك الهدفُ، ولا انتهى صاحبُ المنكر، ولا سلم غيرُه من آثارِ منكره. ومن هذا الفقهِ كان شيخُ الإسلام ابن تيمية ﵀ يفتي بعدم الإنكار على التتار لشربهم الخمر؛ لأنهم إذا أفاقوا واستقامت لهم عقولُهم التفتوا إلى المسلمين يقتلون ويفسدون.
والمداراة من أخلاق المؤمنين وهي تلطفٌ في العبارة، واجتهادٌ في الأسلوب، لا تصل إلى المداهنة المنهي عنها، بل يُراعى في المداراة أحوال الناس ومنازلهم، وتقال لذوي الهيئات عثراتُهم ويُكتفى بالتعريض أحيانًا دون التبكيت، وبالتلميح دون التصريح، وهكذا يوصل إلى النفوس من أقرب الطرق إليها، إلا أن يكون صاحبُ المنكر مجاهرًا خبيثًا، فلا بد من فضحه وتحذير الناس من شرِّه؛ لأنهم قالوا: ليس لفاسق حرمة (٢).
إخوة الإسلام: والتدرج بالناس على طريق الخير، واستلالُ الشرِّ من نفوسهم - وإن طال الزمن - أدبٌ وأسلوب مارسه الصالحون، وأفلحوا. وهذا عبدُ الملك بن عمر بن عبد العزيز - رحمهما الله - يقول لأبيه: يا أبتِ! ما يمنعُك أن تمضي لما تريده من العدل؟ ! فوالله ما كنتُ أبالي لو غلَت بي وبك القدورُ في ذلك، قال:
стр. 1810
يا بُني إني إنما أُروِّض الناس رياضة الصَّعب، إني أريد أن أُحيي الأمر من العدلِ فأؤخر ذلك حتى أُخرج معه طمعًا من طمع الدنيا، فينفروا من هذه ويسكنوا لهذه (١).
ومن الفقه في الإنكار: مراعاةُ ما يتعلق به الناسُ من أمور الدنيا، وعدمُ مصادمتهم، إذا لم يقعوا في الحرام، بل إن من التدرج بهم للخير بسطُ شيءٍ من الدنيا لهم، وإن كان الآمرُ زاهدًا فيها، وهذا عمرُ بن عبد العزيز ﵀ يقول: ما طاوعني الناسُ على ما أردتُ من الحقِّ حتى بسطتُ لهم من الدنيا شيئًا (٢).
عباد الله: وبالجملة فالآمر ينبغي أن يكون طبيبًا ماهرًا يوازنون بين الأمور في حال الإنكار أو السكوت، وكان العلماءُ يوازون بين سواء الأسلوب في الأمر والنهي، وبين السكوت على المنكرات، وينهون عن كليهما. يقول أحدُهم: فإيذاءُ المسلمِ محذورٌ، كما أن تقريره على المنكر محذور، وليس من العقلاء من يغسل الدم بالدم أو بالبول، ومن اجتنب محذور السكوتِ على المنكر، واستبدل عنه محذور الإيذاء للمسلم مع الاستغناء عنه، فقد غسل الدم بالبول على التحقيق (٣).
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧) وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ (٤).
стр. 1811
الخطبة الثانية:
الحمد لله أهل الفضل والثناء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يحب المحسنين، ويجزي العاملين المخلصين، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، قدوةُ المجاهدين، وخيرةُ الآمرين والناهين، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر النبيين.
أيها المسلمون: ويغفل بعضُ الناس عن جانب مهمٍ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ألا وهو إيجاد البديل عن المنكر، فالنفسُ قد تكون متعلقةً بهذا المنكر إلى حدٍّ تتوقع معه أنها لا يمكن أن تنفك عنه، ولكنَّ عرضَ البديل المشروع قد يساعد على التخفف من المنكر، ويروِّض النفس على المشروع، وهذا منهج رباني، وأسلوب نبوي، ففي القرآن من مثل ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾ (١).
وقال تعالى - في سبيل معالجة قوم لوط عن اللواط، وعرض البديل المشروع: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ (٢).
وقد مارس السلفُ هذا الأسلوب في الإنكار فنجحوا، وفي ((صحيح البخاري)): أن رجلًا سأل ابن عباس فقال: إني إنسانٌ إنما معيشتي من صنعةِ يدي، وإني أصنعُ هذه التصاوير. فقال ابنُ عباس: لا أحدثك إلا ما سمعتُ من رسول الله ﷺ ؛ سمعتُه يقول: ((من صوّر صورةً فإن الله معذّبه حتى ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ
стр. 1812
فيها أبدًا))، فربا الرجلُ ربوةً شديدة - أي: انتفخ - واصفرّ وجهُه، فقال له ابن عباس: ويحك، إن أبيت إلا أن تصنع فعليك بهذا الشجر، وكلِّ شيء ليس فيه روح (١).
واستمر سوقُ الأمر والنهي مع إيجاد البديل في أمة الإسلام عبر القرون، وفي حوادث سنة ثمانين وسبع مئة، ذكر صاحبُ ((أنباءِ الغمر)): أن رجلًا من أهل الصلاح يُقال له ((عبدُ الله الزيلعي)) توجه إلى الجيزة فبات بقرب ((أبي النمرس)) فسمع حسَّ الناقوس، فسأل عنه، فقيل له: إن بها كنيسة يُعمل فيها ذلك كلَّ ليلة، حتى ليلةِ الجمعة، وفي يومها والإمامُ يخطب على المنبر! فسعى عند جمال الدين المحتسب في هدمها، فقام في ذلك قيامًا تامًا إلى أن هدمها وصيَّرها مسجدًا (٢).
وهذا الأمرُ - مع أهميته - يرد التقصيرُ فيه، وذلك لأنه يحتاج إلى علمٍ وعمل وهمّة وتفكير، وقد عُني به شيخُ الإسلام وبيَّن تقصير الناس فيه، ومما قاله في ذلك: وكثيرٌ من المنكرين للبدع في العبادات والعادات تجدهم مقصرين في فعل السنن من ذلك، أو الأمر به .. إلى قوله: بل الدينُ هو الأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر، ولا قوام لأحدهما إلا بصاحبه، فلا يُنهى عن منكرٍ إلا ويُؤمر بمعروف يُغني عنه، كما يؤمر بعبادة الله ، ويُنهى عن عبادة ما سواه (٣).
عباد الله: كما يُغفل أحيانًا - في سبيل إنكار المنكرِ ونصح صاحبه - البدء بذكر محاسنه التي تفتح الطريق لاستقبال النصح فيما بعد، وفي القرآن الكريم: ﴿يَسْأَلُونَكَ
стр. 1813
عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ (١).
وهكذا فإذا كان لصاحب المنكر حسناتٌ، فابدأ بالثناء عليها وشكره على القيام بها، ثم اعطف على المنكر وضعه نشازًا في سياقها، وخوفه أن يكون هذا المنكرُ سببًا لذهاب أجرها، ونقله من قائمة الأخيار إلى الأشرار .. وهكذا يكون التدرجُ في الأمر والنهي والعدل في الذم والمدح، والإنصافُ بذكر الحسنات والسيئات. واحذر أيها الآمر والناهي ألا تقع عينُك إلا على المستقبحات وتتناسى الحسنات فهن ماحيات. ذلك ذكرى للذاكرين.
يا أخا الإسلام: وحذاري أن تُعدم الغيرة لدين الله، وألا يتمعَّر وجهُك حين ترى منكرًا، فإن كنتَ قادرًا على إزالته - بالطريق المشروع - فأزله، وإن كنت غير قادر، فأخبر من تراه قادرًا على الإنكار، وليكن احتسابُك - إذا لم تستطع بنفسك - بطريقين؛ الأول: إبلاغ القادرين. والثاني: مشاركتُهم في الإنكار، وهو ما يمكن أن يسمى (بالإنكار الجماعي)، ولو أن أصحاب المنكرات وجدوا - على منكراتهم - استنكارًا جماعيًا لهابوا المنكرين، واستوحشوا لمنكراتهم، ثم أقلعوا عنها.
وفي مقابل هذه الإيجابية في الإنكار، حذار من السلبية القائمة على النقد والتجريح للآمرين دون مساهمة في الأمر، أو تقديم البديل الصالح، وما من أحدٍ إلا وهو عرضةٌ للخطأ إلا من عصم الله، ولكن إصلاح الأخطاء لا يكون فاكهة المجالس، وفرق بين من يكون هدفُه المساهمة في الإصلاح، والنقد البنّاء، وبين
стр. 1814
من ينتهي بهم النقدُ إلى انتهاك الأعراض، وأكل لحوم الناس دون أيِّ مساهمة في التغيير.
أيها المسلمون عامة! أيها الآمرون خاصة: وحذار أن يقعد بكم لومُ الناس وتثبيطُ المرجفين منهم عن القيام بواجب الأمر والنهي - إذا اجتهدتم وسعكم وأخلصتم في أعمالِكم - فذلك أمرٌ سيواجهكم، كما واجه من قبلكم، إذ لا تنفك الحسبة عن ذلك، ولا يسلم الدعاةُ من الأذى.
يقول القرطبي ﵀: أجمع المسلمون، فيما ذكر ابنُ عبد البر ﵀؛ أن المنكر واجب تغييرُه على كل من قدر عليه، وأنه إذا لم يلحقه بتغييره إلا اللومُ الذي لا يتعدى إلى الأذى، فإن ذلك لا ينبغي أن يمنعه من تغييره (١).
ويقول الغزالي: لو تُركتِ الحسبة بلوم لائم أو باغتياب فاسق أو شتمه أو تعنيفه أو سقوط المنزلةِ عن قلب أمثاله، لم يكن للحسبة وجوبٌ أصلًا، إذ لا تنفك الحسبةُ عنه (٢).
هذه معاشر المسلمين بعضُ وقفات وآداب وصفات وشيء من فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وثمة أساليبُ، وشبهات، وعقوبات على ترك الأمر والنهي أرجئ الحديث عنها للخطبة القادمة بإذن الله. أسأل الله أن ينفعنا بما نعلم ونسمع، وأن يهيّئ لنا من أمرنا رشدًا، وأن يعز دينه وينصر أولياءه، ويذل أعداءه.
стр. 1815
(٣) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسائله، شبهات، آثار تركه (١)
الخطبة الأولى:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ...
عباد الله: هذا حديث متممٌ لأحاديث قبله، في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويُعنى حديث اليوم بوسائل الأمر والنهي، وشبهاتٍ قد تقعد ببعض الناس عن القيام بهذه الشعيرة المهمة في الدين، والآثار المترتبة على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على مستوى الفرد أو مستوى الأمة.
أما وسائلُ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فكثيرةٌ ومتنوعة تتناسبُ وظروف الزمان والمكان، وتختلفُ باختلاف الناس وطبائعهم، ونوع المنكر وحجمِه.
وجماعها: الحكمةُ، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، كما قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٢).
قال العالمون: جعل الله سبحانه مراتب الدعوة بحسب مراتب الخلق، فالمستجيبُ القابلُ الذكي الذي لا يُعاند الحقَّ ولا يأباه، يدعى بطريق الحكمة، والقابلُ الذي عنده نوعُ غفلةٍ وتأخرٍ يُدعى بالموعظةِ الحسنة وهي الأمرُ والنهي المقرونُ بالترغيب والترهيب، والمعاندُ الجاحد يُجادَلُ بالتي هي أحسن (٣).
стр. 1816
أيها المسلمون: ونشرُ العلم - بالمحاضرات أو الدروس أو التأليف، أو الفُتيا - كلّ ذلك وسائلُ عظمى لإقرارِ المعروف ونشره وإنكارِ المنكرِ، وبالعلم يعلم الناسُ الحلالَ من الحرام، ويرغبون في المعروف، ويحذرون من المنكر، وإذا غاب أو تقلص أثرُ العلماء اضمحلت الهداية، وفشت الجهالةُ، واتسع نطاقُ المنكر، وكثر المبطلون.
والنصيحةُ سِرًّا، أو جهرًا، بحسب مقتضى الحال - من هدي المرسلين ﵈، وهذا هود ﵇ يقول لقومه: ﴿وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ (١).
ومن قبله نوحٌ ﵇ قال: ﴿وَأَنْصَحُ لَكُمْ﴾ (٢).
ومن بعدهم محمدٌ ﷺ قال: ((الدين النصيحة)) (أي عمادُ الدين وقوامُه النصيحة) قلنا: لمن؟ قال: ((لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم)) (٣).
وفَقهَ المسلمون - فيما بعدُ - حاجتهم وحاجة إخوانهم إلى النصيحة، فكانوا يبايعون على ذلك، كما يبايعون على الصلاة والزكاة.
عن جرير بن عبد الله ﵁ قال: بايعتُ رسول الله ﷺ على إقامِ الصلاة وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم (٤).
وكانت النصيحة تبرم لها المعاهدات والعقودُ - ضمن أمور الدين الأساسية. وفي بعية العقبة قال عبادة بنُ الصامت ﵁ في خبر بيعتهم للنبي ﷺ : وعلى أن نقول بالحقِّ أينما كنّا لا خاف في الله لومة لائم (٥).
стр. 1817
إخوة الإيمان: وينبغي أن يستثمر المحتسبون وسائل الإعلام والمنابر العامة، وحيث يجتمع الناسُ، ويستفيدوا من وسائل التقنية الحديثة لنشر المعروفِ والأمر به، والتحذير من المنكر والنهي عنه، ومؤلمٌ أن تكون هذه الوسائل قنواتٍ لنشر المنكر، وفرصًا واسعة الانتشار يستحوذ عليها المبطلون.
أيها المسلمون: وإذا كانت الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالحسنى، والنصح، واستثمار وسائل الإعلام، ونشر العلم بطرقه المختلفة - كلُّها وسائلُ عامة للأمرِ والنهي، فثمة وسائل خاصة ثبت نفعُها والاستجابة لها، فالمهاتفةُ، والزيارةُ، والرسائل الشخصية، والكتابة .. كلُّها وسائل لإقرار معروف، وتشجيع صاحبه، وإشعاره بتقدير الناس له، أو لإنكار منكرٍ وتذكير صاحبه وتخويفه بالله وعاقبة أمره، وما أروع هذه الوسائل إذا استخدمت بعبارات لطيفة، وأسلوب حسن، وكانت نصحًا لا تشهيرًا، وشفقةً لا تشفِّيًا، وظهرت فيها بوادر الصدق والإخلاص، ولم تكن تعالمًا وتعاليًا وعُجبًا، ويقلُّ نفعُها إن صاحَبها تزكيةٌ للنفسِ وازدراءٌ بالآخرين.
أيها المحتسبون: وإمامُ المسجد يمكن أن يحتسب - بالتعاون مع جماعة مسجده - على جيرانِهم وأهلِ حيِّهم - في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأمام المعلمِ والمعلمةِ فرصةٌ كبرى للاحتساب في مدارسهم، والموظف الناجح، والمسؤول الناصح سِرُّ وجودهم في العمل إقرارُ المعروف والدعوةُ له، وإنكارُ المنكرِ ومنعُ الناس من الوقوع فيه - في دائرته أو محيط عمله - وفرقٌ بين من يُحرقه العملُ دون أن يقيم وزنًا للمعروف أو المنكر، بل همُّه مصالحُه الشخصية، وإن تعطلت مصالحُ الآخرين، وبين من يتخذ من مركزه وسيلةً لخدمةِ عباد الله، فهو قائم بالحق والعدل، منصفٌ للمظلوم، قاضٍ للحوائج، ميسرٌ لا معسر. فذاك
стр. 1818
الذي يذكره الناسُ بالخير، وهو ممارسٌ للدعوة والأمر بالمعروف بسلوكه، وإن لم يكن من الممارسين بلسانه.
عباد الله: ولا تحقروا من المعروف شيئًا، ولو أن تلقوا إخوانكم بوجوهٍ طَلِقة، وقد تكون الابتسامةُ مع كلمة خفيفة لطيفة ذات أثر فاعل - وقد تكتفي أحيانًا بقسماتِ الوجهِ - في سبيلِ إنكار منكر - مع صغيرٍ أو شخصٍ حيي، وهكذا.
ولا تنسوا الإحسان والهدايا، فهي وسائل للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومَنْ ملك قلوب الناس بإحسانه، وعطاياه استمعوا له، وقدروا أمرَه، واستجابوا لنهيه.
أحسن إلى الناس تستعبدْ قلوبهُمُ ... فطالما استعبد الإنسانَ إحسانُ
ولا تنسوا التعاون مع رجال الحسبة - المعتمدين - فذلك يشجعُهم من جانب، ويفتح لكم مجالًا للمساهمة في الأمر والنهي.
أيها المسلمون: وينبغي أن يعلمَ أن هذه الوسائل وأمثالها تصلح لفئةٍ من الناس، وقد لا تصلح لفئة أخرى مَرَدُوا على الفجور والفسوق، وتمرسوا في ارتكاب الجرائم والتخطيط لها، وهؤلاء لا بد لهم من وازع السلطان لردعهم وتأديبهم وحماية المجتمع من شرورهم، بالعقوبات أو الحدود، أو القصاص، وإذا لم تنفع الكتبُ تعيَّنت الكتائبُ - كما قال العلماء - وذلك مقتضى توجيه القرآن: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ (١)(٢).
стр. 1819
أيها الناس: وهناك وسائل أخرى يعلمها المجربون، ويمارسها الآمرون الناهون.
ومن الوسائل إلى شبهات يتعلق بها بعض الناس ويعللون لأنفسهم بها القعود عن واجب الأمر والنهي، ولا متعلق لهم بها، ومنها: خطأ بعضهم في فهم المقصود بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (١).
قال القرطبي ﵀ في أحد تعليقاته على هذه الآية: الأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكرِ متعيّنٌ متى رُجي القبولُ، أو رُجي ردُّ الظالمِ ولو بعنف، ما لم يخفِ الآمرُ ضررًا يلحق في خاصته، أو فتنةً يُدخلها على المسلمين، إما بشقِّ عصا، وإما بضرر يلحق طائفةً من الناس، فإذا خيف هذا فـ ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ محكم واجبٌ أن يوقف عنده، ولا يُشترطُ في الناهي أن يكون عدلًا، وعلى هذا جماعةُ أهل العلم فاعلمه (٢).
وقال ابن كثير ﵀: ((وليس في الآية مستدل على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا كان فعل ذلك ممكنًا ... )) (٣).
ومن الشُّبَه التي تقعد ببعض الناس عن الإنكار: السكوتُ عن منكرٍ أصغر من أجل إزالة منكرٍ أعظم، ثم لا يعملُ من ذلك شيئًا، أو الاعتذارُ عن المشاركة في الإنكار بحجة أنه مشغولٌ بواجب آخر، مع إمكانية الجمع بين الواجبين وعدم تعارضهما.
стр. 1820
أو المداهنةُ مع أصحابِ المنكرات، وربما شاركهم أو سكت عنهم لإظهار الدعاة بمظهر الاعتدال.
أو اتخاذُ مواقف غير شرعية - دون ضرورة - من أجل دفع تهمة التطرف أو غيرها من التهم الباطلة.
ومن الشُّبه ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، قال: ومن الناس من يتعلل لترك ما أوجب عليه من الأمر والنهي بأنه يطلبُ السلامة من الفتنة - وقد يقعُ فيها - والمخرجُ من ذلك القيامُ بالواجب، وتركُ المحظور الذي قد يؤدي إلى الفتنة، في كلام وتقسيم - ليس هذا موطن بسطه (١).
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٢).
стр. 1821
الخطبة الثانية:
الحمد لله ربِّ العالمين، جعل هذه الأمة خير أمةٍ أخرجت للناس؛ يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، والصلاة والسلام على نبي الهدى والرحمة، حذّر أمته عن التقاعس بهذا الواجب العظيم فقال: ((والذي نفسي بيدهِ لتأمرنَّ بالمعروف، ولتنهونَّ عن المنكر، أو ليوشكن اللهُ أن يبعثَ عليكم عقابًا من عنده، ثم لتدْعُنَّه فلا يستجيبُ لكم)).
حديث حسن رواه أحمد عن حذيفة ﵁ (١).
اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وعلى سائر أنبياء اللهِ ورسله.
أيها المسلمون: والخطُب عظيمٌ، والآثارُ المترتبةُ على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منها ما ينال المرء في خاصةِ نفسِه، ومنها ما يصيب الأمة بمجموعها.
ومن هذه الآثار: أنه سببٌ للعن والطرد من رحمة الله، قال تعالى عن بني إسرائيل: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٢).
بل إن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سببٌ للعقوبةِ العامةِ وتعجيلها، وفي القرآن: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (٣).
стр. 1822
وعن أصحاب القرية قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (١).
عن عدي بن عميرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن الله لا يعذبُ العامة بعمل الخاصةِ، حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم، وهم قادرون على أن ينكروه، فإذا فعلوا ذلك عذّب اللهُ الخاصةَ والعامةَ)) (٢).
وعن الحسن أنه خرج على قومٍ يتحدثون، قال: فيم أنتم؟ قالوا: ذكرنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال: نعم مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، وإلا كنتم أنتم الموعظات (٣).
ومن آثار ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر انتشارُ المنكرات وفشوُّها في المجتمع إذ لا يجد أصحابُ المنكر رادعًا، ويقل التشجيعُ لأهل المعروف، فيعمُّ الفساد، ويستوحش الأخيار، ويهلك العباد، وقد علم المنصفون تفوق الإسلام - بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - على سائر الأنظمة البشرية، إذ لا يوجد في النُّظم التي ابتكرها الإنسانُ لرعاية القوانين والدساتير نظامًا يصل إلى فكرةِ الأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكر كمبدأ تربوي جاد، ومدرسةٍ تعليمية تتيحُ لأكبر قاعدةٍ في الأمة أن تعرف ما لا بد من معرفته من الحرام والحلال، والواجب والمسنون .. ونحوها في وقتٍ قصير، وبلا نفقات، وبطريقة مستمرة، وشاملة (٤).
عباد الله: والفسادُ ولو كان قليلًا، يُوحِش، والمفسدون، ولو كانوا رهطًا،
стр. 1823
يُخيفون ويمكرون ويُحذرون، ولذا قال تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ (١).
إلى قوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (٢).
وحين قرأ مالكُ بنُ دينارٍ - هذه الآية - قال: فكم اليوم في كلِّ قبيلةٍ وحَيٍّ من الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون (٣)!
أما اليوم فماذا عساه يقول الناظر في أحوال المسلمين وما حلَّ بهم؟ ولا شك أن لقعود المصلحين وسكوت الغيورين أثرًا في ذلك، فإلى الله المشتكى وهو المستعان.
أيها المسلمون: ومن آثار ترك الأمر والنهي أنه سببٌ لردِّ الدعاء، وقد سبق حديث المصطفى ﷺ في هذا.
ومن آثار تركه: ظهورُ الجهل، واندراسُ العلم، وذلك أن المنكر إذا ظهر فلم يُنكر نشأ عليه الصغيرُ وألفه الكبير - وظنوه مع مرور الزمن - من الحق - وتحمّل الخيرون تبعةَ وتكاليف التغيير فيما بعد، ولو عولج المنكرُ في حينه لكان أخف، ولم تنطمسْ معالمُ الحق.
ومن الآثار لترك الأمر والنهي ما يحصل من الفتنةِ بالمنكر إذ أنّ صاحبه كالبعير الأجرب يختلط بالإبل فتجرب جميعًا، والناسُ - كما قيل - كأسراب القطا جُبل بعضُهم على التشبه ببعض (٤).
стр. 1824
ومن آثار تركه على الفرد اسودادُ قلبه وتنكيسه، وفي الحديث الصحيح: ((تُعرض الفتنُ على القلوب كالحصير عودًا عودًا. فأيُّ قلبٍ أشربها نُكت فيه نكتةٌ سوداء، وأيُّ قلبٍ أنكرها نكت فيه نكتةٌ بيضاء، حتى تصير (القلوبُ) على قلبين، على أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنةٌ مادامت السماواتُ والأرض، والآخر أسود مُربادّ كالكوز مُجَخِّيًا، لا يعرفُ معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أُشرب من هواه)) (١).
يا عبد الله: انجُ بنفسك، وساهم في حماية سفينة المجتمع من الغرق وذلك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحذر الحذر من أن تُرضي الناس بسخط الله، فيسخط عليك، ويُسخط الناس عليك، بل أرضِ الله ولو سخط الناسُ عليك، فإن رضا الله عنك سببٌ لرضا الناس عليك.
عباد الله: تواصوا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تفلحوا وتسعدوا في الدنيا والآخرة، ولا يَقعدنَّ بأحدكم عن الأمر والنهي ما يجده في نفسه من ضعف أو قصور، فكلُّ ابن آدم خطاءٌ .. ومن ذا الذي تُرضى سجاياه كلُّها؟ ولو لم يعظ الناس إلا كاملٌ ورعٌ تقيٌّ نقيٌّ، فمن يعظ العاصين بعد محمد ﷺ ؟
ومن عجائب خلق الله أنك قد ترى شخصًا هاجسه الأمر والنهي أينما حلَّ وارتحل، وقد يكون نصيبه من العلم قليلًا.
وترى شخصًا آخر لا يرفع بذلك رأسًا، حتى وإن أبصر المنكر عيانًا، أو أتيحت له الفرصة لقول المعروف، وقد يكون نصيبه من العلم كثيرًا ومؤهلاته عالية، ولكنه فضل الله، والفرق بين الناس في الغيرة، ونعيذ هؤلاء أن يكونوا كمثل الحمار يحمل أسفارًا.
стр. 1825
أيها الآمر والناهي: ولا يمنعْ أن تنهى الناس وتنهى نفسك، وتأمر الناس بالمعروف وتجاهد نفسك على الالتزام به، ولئن تعمل منكرًا وأنت له كاره، فتظل تستغفرُ خيرٌ من أن تعمله وأنت باردُ القلبِ فاقدُ الإحساس، ولئن تأمر غيرك بمعروف - وأنت صادق - حتى وإن لم تطاوعك نفسُك عليه في البداية، خيرٌ من أن تدعه وتَدَع تذكير الآخرين به ولا تيأس من إصلاح نفسِك وإصلاح الآخرين.
يا عبد الله: وحذار من الاستكبار حين تؤمرُ أو تُنهى، حتى ولو كان الآمر لك أصغر سنًا أو أقلَّ علمًا، مادام يتحدثُ بحقٍّ ويأمرُ بمعروف، وإياك والعناد حتى وإن ساء أدب الناصح لك أو أخطأ في الأسلوب. فخذ منه الحقَّ، ولا تشاركه الخطأ في أسلوب الرد، فذلك من تمام العقل ومن علائم الخير، وحذار أن يركبك الشيطان وأنت لا تعلم.
اللهم اجعلنا جميعًا هداة مهتدين، ومن أصحاب اليمين، ويوم الفزع من الآمنين.