الخطبة الثانية:
الحمد لله ربِّ العالمين، جعل هذه الأمة خير أمةٍ أخرجت للناس؛ يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، والصلاة والسلام على نبي الهدى والرحمة، حذّر أمته عن التقاعس بهذا الواجب العظيم فقال: ((والذي نفسي بيدهِ لتأمرنَّ بالمعروف، ولتنهونَّ عن المنكر، أو ليوشكن اللهُ أن يبعثَ عليكم عقابًا من عنده، ثم لتدْعُنَّه فلا يستجيبُ لكم)).
حديث حسن رواه أحمد عن حذيفة ﵁ (١).
اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وعلى سائر أنبياء اللهِ ورسله.
أيها المسلمون: والخطُب عظيمٌ، والآثارُ المترتبةُ على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منها ما ينال المرء في خاصةِ نفسِه، ومنها ما يصيب الأمة بمجموعها.
ومن هذه الآثار: أنه سببٌ للعن والطرد من رحمة الله، قال تعالى عن بني إسرائيل: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٢).
بل إن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سببٌ للعقوبةِ العامةِ وتعجيلها، وفي القرآن: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (٣).
стр. 1822
وعن أصحاب القرية قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (١).
عن عدي بن عميرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن الله لا يعذبُ العامة بعمل الخاصةِ، حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم، وهم قادرون على أن ينكروه، فإذا فعلوا ذلك عذّب اللهُ الخاصةَ والعامةَ)) (٢).
وعن الحسن أنه خرج على قومٍ يتحدثون، قال: فيم أنتم؟ قالوا: ذكرنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال: نعم مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، وإلا كنتم أنتم الموعظات (٣).
ومن آثار ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر انتشارُ المنكرات وفشوُّها في المجتمع إذ لا يجد أصحابُ المنكر رادعًا، ويقل التشجيعُ لأهل المعروف، فيعمُّ الفساد، ويستوحش الأخيار، ويهلك العباد، وقد علم المنصفون تفوق الإسلام - بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - على سائر الأنظمة البشرية، إذ لا يوجد في النُّظم التي ابتكرها الإنسانُ لرعاية القوانين والدساتير نظامًا يصل إلى فكرةِ الأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكر كمبدأ تربوي جاد، ومدرسةٍ تعليمية تتيحُ لأكبر قاعدةٍ في الأمة أن تعرف ما لا بد من معرفته من الحرام والحلال، والواجب والمسنون .. ونحوها في وقتٍ قصير، وبلا نفقات، وبطريقة مستمرة، وشاملة (٤).
عباد الله: والفسادُ ولو كان قليلًا، يُوحِش، والمفسدون، ولو كانوا رهطًا،
стр. 1823
يُخيفون ويمكرون ويُحذرون، ولذا قال تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ (١).
إلى قوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (٢).
وحين قرأ مالكُ بنُ دينارٍ - هذه الآية - قال: فكم اليوم في كلِّ قبيلةٍ وحَيٍّ من الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون (٣)!
أما اليوم فماذا عساه يقول الناظر في أحوال المسلمين وما حلَّ بهم؟ ولا شك أن لقعود المصلحين وسكوت الغيورين أثرًا في ذلك، فإلى الله المشتكى وهو المستعان.
أيها المسلمون: ومن آثار ترك الأمر والنهي أنه سببٌ لردِّ الدعاء، وقد سبق حديث المصطفى ﷺ في هذا.
ومن آثار تركه: ظهورُ الجهل، واندراسُ العلم، وذلك أن المنكر إذا ظهر فلم يُنكر نشأ عليه الصغيرُ وألفه الكبير - وظنوه مع مرور الزمن - من الحق - وتحمّل الخيرون تبعةَ وتكاليف التغيير فيما بعد، ولو عولج المنكرُ في حينه لكان أخف، ولم تنطمسْ معالمُ الحق.
ومن الآثار لترك الأمر والنهي ما يحصل من الفتنةِ بالمنكر إذ أنّ صاحبه كالبعير الأجرب يختلط بالإبل فتجرب جميعًا، والناسُ - كما قيل - كأسراب القطا جُبل بعضُهم على التشبه ببعض (٤).
стр. 1824
ومن آثار تركه على الفرد اسودادُ قلبه وتنكيسه، وفي الحديث الصحيح: ((تُعرض الفتنُ على القلوب كالحصير عودًا عودًا. فأيُّ قلبٍ أشربها نُكت فيه نكتةٌ سوداء، وأيُّ قلبٍ أنكرها نكت فيه نكتةٌ بيضاء، حتى تصير (القلوبُ) على قلبين، على أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنةٌ مادامت السماواتُ والأرض، والآخر أسود مُربادّ كالكوز مُجَخِّيًا، لا يعرفُ معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أُشرب من هواه)) (١).
يا عبد الله: انجُ بنفسك، وساهم في حماية سفينة المجتمع من الغرق وذلك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحذر الحذر من أن تُرضي الناس بسخط الله، فيسخط عليك، ويُسخط الناس عليك، بل أرضِ الله ولو سخط الناسُ عليك، فإن رضا الله عنك سببٌ لرضا الناس عليك.
عباد الله: تواصوا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تفلحوا وتسعدوا في الدنيا والآخرة، ولا يَقعدنَّ بأحدكم عن الأمر والنهي ما يجده في نفسه من ضعف أو قصور، فكلُّ ابن آدم خطاءٌ .. ومن ذا الذي تُرضى سجاياه كلُّها؟ ولو لم يعظ الناس إلا كاملٌ ورعٌ تقيٌّ نقيٌّ، فمن يعظ العاصين بعد محمد ﷺ ؟
ومن عجائب خلق الله أنك قد ترى شخصًا هاجسه الأمر والنهي أينما حلَّ وارتحل، وقد يكون نصيبه من العلم قليلًا.
وترى شخصًا آخر لا يرفع بذلك رأسًا، حتى وإن أبصر المنكر عيانًا، أو أتيحت له الفرصة لقول المعروف، وقد يكون نصيبه من العلم كثيرًا ومؤهلاته عالية، ولكنه فضل الله، والفرق بين الناس في الغيرة، ونعيذ هؤلاء أن يكونوا كمثل الحمار يحمل أسفارًا.
стр. 1825
أيها الآمر والناهي: ولا يمنعْ أن تنهى الناس وتنهى نفسك، وتأمر الناس بالمعروف وتجاهد نفسك على الالتزام به، ولئن تعمل منكرًا وأنت له كاره، فتظل تستغفرُ خيرٌ من أن تعمله وأنت باردُ القلبِ فاقدُ الإحساس، ولئن تأمر غيرك بمعروف - وأنت صادق - حتى وإن لم تطاوعك نفسُك عليه في البداية، خيرٌ من أن تدعه وتَدَع تذكير الآخرين به ولا تيأس من إصلاح نفسِك وإصلاح الآخرين.
يا عبد الله: وحذار من الاستكبار حين تؤمرُ أو تُنهى، حتى ولو كان الآمر لك أصغر سنًا أو أقلَّ علمًا، مادام يتحدثُ بحقٍّ ويأمرُ بمعروف، وإياك والعناد حتى وإن ساء أدب الناصح لك أو أخطأ في الأسلوب. فخذ منه الحقَّ، ولا تشاركه الخطأ في أسلوب الرد، فذلك من تمام العقل ومن علائم الخير، وحذار أن يركبك الشيطان وأنت لا تعلم.
اللهم اجعلنا جميعًا هداة مهتدين، ومن أصحاب اليمين، ويوم الفزع من الآمنين.
стр. 1826
شعاع من المحراب
الجزء السابع
إعداد
د. سليمان بن حمد العودة
стр. 1827
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 1828
شعاع من الحراب
стр. 1829
الدين الحقّ ودعوى وحدة الأديان (١)
الخطبة الأولى:
الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لم يتخذْ ولدًا ولم يكن له شريكٌ في الملك ولم يكن له وليٌّ من الذلِّ وكبِّره تكبيرًا.
وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، أنزل عليه الكتاب ولم يجعل له عوجًا، بعثه برسالة الإسلام، وختم به النبوات، وانقطع بموته الوحيُ من السماء، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٣).
عباد الله: وبين آونةٍ وأخرى يَردُ الحديثُ عن صراع الحضارات، ويردُ أكثر عن حوار الحضارات، كما يرد الحديثُ ويتجدد - منذُ زمنٍ - عن تقارب الأديانِ ووحدتِها، وربما أطلق البعضُ أن لا فرقَ بين أصحابِ المللِ والأديانِ - ما داموا يؤمنون بالله - ولو اختلفت شرائعُهم، أو اختلفوا في إتباع أنبيائهم، إلى غير ذلك من طروحات ومفاهيم يُلبَسُ فيها الحقُّ بالباطل، وربما أحدثت خللًا أو شكًا في المعتقد الصحيح، ولرفع اللبس وبيان الحقّ، وكشفِ الباطل وتجلية
стр. 1830
الحقائق، فلا بد من الحديث - ولو بشكل مجمل - عن المفردات التالية:
١ - الإسلام بوصفه الدين الحق والرسالة الأخيرة للخلق.
٢ - وعن القرآن بوصفه الكتاب المصدق للكتب قبله، والمهيمن عليها، والحافظ لأصول الشرائع السماوية كلها، والناسخ لما نسخ الله منها، وبوصفه الوحي الإلهي الوحيد المحفوظ من التغيير والتبديل والزيادة والنقصان.
٣ - وعن محمد ﷺ باعتبار عموم رسالته وختمها لرسالات السماء.
٤ - وعن أمةِ الإسلام باعتبارها أمةً وسطًا، وخيريَّتُها مقطوعٌ بها، وشهادتُها على الناس بنصِّ الوحيين - كما سترى -.
أيها الناس: أما الإسلامُ فهو الدينُ الحقُّ الذي شرع الله ورضيه لنا دينًا: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (١).
وهو دين اللهِ ودين رسله، وهو رسالته الأخيرة إلى الناس كافّة.
وهو الانقياد لله وحده ظاهرًا وباطنًا بما شرع على ألسنة رسله (٢).
وهو الدينُ الذي بَعث الله به الأولين والآخرين من الرسل ﵈، فنوحٌ ﵇ قال لقومه: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٣).
وإبراهيم ﵇: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٤).
وحين اختصم اليهودُ والنصارى في إبراهيم ﵇ جاء الفصل من اللهِ حاكمًا بإسلام إبراهيم: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ (٥).
стр. 1831
ويوسف ﵇ كان من دعائه -: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (١).
وموسى ﵇ يدعو قومه للإسلام: ﴿يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ (٢).
والسحرةُ حين اهتدوا قالوا لفرعون: ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ (٣).
وعن أنبياء بني إسرائيل قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ (٤).
وقال عن إسلام ملكة سبأ وسليمان ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٥).
وعيسى ﵇ تبرأ من كفر النصارى، وأعلن والحواريون معه الإسلام لله: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (٦).
﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ (٧).
ثم جاء محمدٌ ﷺ ليقول للناس كافة: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٨).
وحين بُعث محمدٌ ﷺ إليهم آمن به واتبع دينه أهل الكتاب، وهم المؤمنون
стр. 1832
الذين لم يحملوا الحقد والحسد، ولم يُحرِّفوا أو يبدلوا أو يشتروا بالدين ثمنًا قليلًا، بل أعلنوا إيمانهم وإسلامهم، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ (١).
بل كان منهم مَنْ إذا سمع ما أنزل إلى الرسول: ﴿تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ (٢)، ومنهم من إذا تُلي عليهم القُرآن ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ (٣)، ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ (٤).
أما الفريقُ الآخر فكذبوا وعاندوا واستمروا على كفرهم، وهؤلاء لا تنقصهم معرفةُ الحق، ولكن طغى عليهم البغيُ والحسد، وهؤلاء هم المعنيُّون بقوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٥).
وهم الموصوفون بقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (٦).
وهم المختلفون بعد العلم: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ (٧).
عبادَ الله: وأهلُ الدين الحق في الماضي والحاضر هم المسلمون لله ربِّ العالمين، والمهتدون بهدي المرسلين، فلا شرك ولا ظلم ولا فجور ولا
стр. 1833
فسوق، ولا سوء أدب مع الله، ولا مع أنبيائه. وأين الإسلامُ ممن قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ (١)، وربنا لم يتخذ صاحبةً ولا ولدًا، وأين الإسلامُ ممن قالوا: المسيحُ ابنُ الله، والله يقول: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ بْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ (٢).
أين الإسلامُ والإيمانُ ممن قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ (٣). وقالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ (٤).
وأين الإسلام والإيمان ممن قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ (٥).
وأين الإسلام ممن اتخذوا عيسى ﵇ وأمَّه إلهين من دون الله.
أيها الناس: وهل يصحُّ أن يطلق الإيمانُ والإسلامُ على أهلِ الكتاب المحرِّفين من اليهود والنصارى والله يقولُ عنهم: ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ (٦).
ويصفهم اللهُ بالكفر صراحة بقوله: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ (٧).
ويصف اللهُ أكثريتهم بالفسق بقوله: ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ (٨).
وينفي عنهم الإيمان بقوله: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (٩).
ويصفهم بالظلم، ويشبههم بما يتفقُ وإضاعتِه الأمانة بقوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ
стр. 1834
حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (١).
بل كيف يقال بإيمان من اعترفوا على أنفسهم بالكفر: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٢).
وإذا زاغ اليهودُ عن الحقِّ الذي جاءهم به موسى ﵊ وهو نبيهم - فكيف يُظن بهم إتباعُ غيره وتقديره: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (٣).
أما النصارى فقد قال لهم نبيُهم عيسى ﵇: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (٤).
وهكذا - إخوة الإسلام - ينفرد المسلمون بالإيمان الحق والتزكية الإلهية والتصديق الجازم وتقدير الأنبياء والمتابعة لهم .. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (٥).
стр. 1835
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى سائر إخوانه من النبيين والمرسلين الذين قاموا بالحق وبه كانوا يعدلون.
أما بعد: وبناءً على ما سبق، فهل يستوي الإسلامُ الحق واليهودية والنصرانية الزائغة؟ وهل يصح التوحيدُ فيها؟ وهل يجوز الدعوةُ لمقاربة الأديان؟ هناك دعواتٌ وطروحات غريبة نسمعها بين الحين والآخر .. وهذه وتلك وردت للجنة الدائمة للبحوث والإفتاء.
واسمعوا التساؤلات، واعقلوا الفتوى، وكونوا على حذر من الفتن العمياء؟
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فإن اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء استعرضت ما ورد إليها من تساؤلات وما ينشر في وسائل الإعلام من آراء ومقالاتٍ بشأن الدعوة إلى وحدة الأديان: دين الإسلام، ودين اليهود، ودين النصارى، وما تفرَّع عن ذلك من دعوة إلى بناءِ: مسجدٍ وكنيسة ومعبد في محيط واحد، في رحاب الجامعات والمطارات والساحات العامة، ودعوةٍ إلى طباعة القرآن الكريم والتوراة والإنجيل في غلاف واحد، إلى غير ذلك من آثار هذه الدعوة، وما يُعقد لها من مؤتمرات وندوات وجمعيات في الشرق والغرب. وبعد التأمل والدراسة فإن اللجنة تقرر ما يلي:
أولًا: أن من أصول الاعتقاد في الإسلام، المعلومة من الدين بالضرورة، والتي أجمع عليها المسلمون، أنه لا يوجد على وجه الأرض دينٌ حق سوى دينِ
стр. 1836
الإسلام، وأنه خاتمةُ الأديان، وناسخٌ لجميع ما قبله من الأديان والملل والشرائع، فلم يبق على وجه الأرض دينٌ يُتعبَّد الله به سوى الإسلام، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١). والإسلامُ بعد بعثة محمد ﷺ هو ما جاء به دون ما سواه من الأديان.
ثانيًا: ومن أصول الاعتقاد في الإسلام أن كتاب الله تعالى: «القرآن الكريم» هو آخرُ كتب الله نزولًا وعهدًا برب العالمين، وأنه ناسخ لكل كتابٍ أُنزل مِن قَبلُ من التوراة والزبور والإنجيل وغيرها، ومهيمنٌ عليها، فلم يبق كتاب منزَّل يُتعبد الله به سوى: القرآن الكريم. قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ (٢).
ثالثًا: يجب الإيمان بأن (التوراة والإنجيل) قد نُسخا بالقرآن الكريم، وأنه قد لحقهما التحريفُ والتبديل بالزيادة والنقصان، كما جاء بيان ذلك في آيات من كتاب الله الكريم منها قول الله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ (٣).
وقوله جلّ وعلا: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ (٤).
стр. 1837
وقوله سبحانه: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (١).
ولهذا، فما كان منها صحيحًا فهو منسوخ بالإسلام، وما سوى ذلك فهو محرف أو مبدل. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه غضب حين رأى مع عمرَ ابن الخطاب ﵁ صحيفة فيها شيء من التوراة، وقال ﵊: «أفي شكٍّ أنت يا ابنَ الخطابِ؟ ! ألم آتِ بها بيضاءَ نقيةً؟ لو كان أخي موسى حيًا ما وَسِعَه إلا إتباعي». رواه أحمدُ والدارميُّ وغيرُهما.
رابعًا: ومن أصول الاعتقاد في الإسلام أن نبينا ورسولنا محمدًا ﷺ هو خاتمُ الأنبياء والمرسلين كما قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٢). فلم يبق رسول يجب إتباعُه سوى محمد ﷺ ولو كان أحدٌ من أنبياء الله ورسله حيًّا لما وسعه إلا إتباعه ﷺ وأنه لا يسعُ اتباعُهم إلا ذلك - كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (٣).
ونبيُّ الله عيسى ﵊ إذا نزل في آخر الزمان يكون تابعًا لمحمد ﷺ وحاكمًا بشريعته. وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ (٤).
كما أن من أصول الاعتقاد في الإسلام أن بعثة محمد ﷺ عامةٌ
стр. 1838
للناس أجمعين، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (٢)، وغيرها من الآيات.
خامسًا: ومن أصول الإسلام أنه يجب اعتقادُ كفرِ كلِّ من لم يَدخلْ في الإسلام من اليهود والنصارى وغيرهم وتسميته كافرًا. وأنه عدوُّ لله ورسوله والمؤمنين. وأنه من أهل النار كما قال تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ (٣)، وقال جلّ وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ (٤)، وغيرها من الآيات. وثبت في «صحيح مسلم» أن النبي ﷺ قال: «والذي نفسي بيدِه لا يسمعُ بي أحدٌ من هذه الأمةِ، يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار».
ولهذا: فمن لم يُكفِّر اليهود والنصارى فهو كافر، طردًا لقاعدة الشريعة: «من لم يكفرِ الكافرَ فهو كافرٌ».
سادسًا: وأمام هذه الأصول الاعتقادية والحقائق الشرعية، فإن الدعوة إلى: «وحدة الأديان» والتقارب بينها وصهرها في قالب واحد دعوةٌ خبيثة ماكرة، والغرضُ منها خلط الحق بالباطل، وهدمُ الإسلام وتقويضُ دعائمه، وجر أهلِه إلى ردة شاملة، ومصداقُ ذلك في قول الله سبحانه: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ (٥). وقول جلّ وعلا: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ (٦).
стр. 1839
سابعًا: وإن من آثار هذه الدعوة الآثمةِ إلغاءَ الفوارقِ بين الإسلامِ والكفر، والحقِّ والباطل، والمعروفِ والمنكر، وكسرِ حاجز النفرة بين المسلمين والكافرين، فلا ولاءَ ولا براء، ولا جهادَ ولا قتال لإعلاء كلمة الله في أرض الله، والله جلّ وتقدس يقول: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (١)، ويقول جلّ وعلا: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٢).
ثامنًا: أن الدعوة إلى «وحدة الأديان» إن صدرت من مسلم فهي تعتبر ردةً صريحةً عن دين الإسلام، لأنها تصطدم مع أصول الاعتقاد، فترضى بالكفر بالله ، وتُبطلُ صدق القرآنِ ونسخَه لجميع ما قبله من الكتب، وتبطلُ نسخَ الإسلام لجميع ما قبله من الشرائع والأديان، وبناء على ذلك فهي فكرة مرفوضة شرعًا، محرمة قطعًا بجميع أدلة التشريع في الإسلام من قرآنٍ وسنة وإجماع.
تاسعًا: وتأسيسًا على ما تقدم:
١ - فإنه لا يجوز لمسلم يؤمن بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ نبيًا ورسولًا، الدعوةُ إلى هذه الفكرة الآثمة، والتشجيعُ عليها، وتسليكُها بين المسلمين، فضلًا عن الاستجابةِ لها، والدخولِ في مؤتمراتها وندواتها والانتماء إلى محافلها.
٢ - لا يجوز لمسلم طباعة التوراة والإنجيل منفرديْن، فكيف مع القرآن الكريم في غلاف واحد! ! فمن فعله أو دعا إليه فهو في ضلال بعيد، لما في ذلك
стр. 1840
من الجمع بين الحق «القرآن الكريم» والمحرف، أو الحق المنسوخ «التوراة والإنجيل».
٣ - كما لا يجوز لمسلم الاستجابةُ لدعوة: «بناء مسجد وكنيسة ومعبد» في مجمع واحد، لما في ذلك من الاعتراف بدين يُعبد الله به غير دينِ الإسلام وإنكار ظهوره على الدين كله، ودعوة مادية إلى أن الأديان ثلاثة: لأهل الأرض التدين بأيٍّ منها، وأنها على قدم التساوي، وأن الإسلام غير ناسخ لما قبله من الأديان، ولا شك أن إقرار ذلك أو اعتقاده أو الرضا به كفر وضلال، لأنه مخالفة صريحة للقرآن الكريم والسنة المطهرة وإجماع المسلمين، واعتراف بأن تحريفات اليهود والنصارى من عند الله، تعالى الله عن ذلك! ! كما أنه لا يجوز تسميةُ الكنائس بيوت الله وأن أهلها يعبدون الله فيها عبادة صحيحة مقبولة عند الله، لأنها عبادة غير دين الإسلام، والله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١). بل هي: بيوت يُكفر فيها بالله. نعوذ بالله من الكفر وأهله.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في «مجموع الفتاوى» ٢٢/ ١٦٢: «ليست - أي: البِيَع والكنائس - بيوت الله، وإنما بيوت الله المساجد، بل هي بيوت يُكفر فيها بالله، وإن كان قد يذكر فيها، فالبيت بمنزلة أهلها، وأهلها كفار، فهي بيوت عبادة الكفارة».
عاشرًا: ومما يجب أن يُعلم أن دعوة الكفار بعامة وأهل الكتاب بخاصة إلى الإسلام واجبةٌ على المسلمين بالنصوص الصريحة من الكتاب والسنة، ولكن ذلك لا يكون إلا بطريق البيان والمجادلة بالتي هي أحسن، وعدم التنازل عن
стр. 1841
شيء من شرائع الإسلام، وذلك للوصول إلى قناعتهم بالإسلام ودخولهم فيه، أو إقامة الحجة عليهم ليهلك من هلك عن بيِّنةٍ ويحيا من حيَّ عن بينة، قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (١). أما مجادلتهم واللقاء معهم ومحاورتهم لأجل النزول عند رغباتهم، وتحقيق أهدافهم، ونقض عُرى الإسلام ومعاقد الإيمان، فهذا باطل يأباه الله ورسوله والمؤمنون، والله المستعان على ما يصفون. قال تعالى: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ (٢).
* وإن اللجنة إذ تُقرر ذلك وتبيِّنه للناس، فإنها توصي المسلمين بعامة وأهل العلم بخاصة بتقوى الله تعالى ومراقبته، وحماية الإسلام، وصيانة عقيدة المسلمين من الضلال ودعاتِه، والكفر وأهلِه، وتحذرهم من هذه الدعوة الكفرية الضالة: «وحدة الأديان». ومن الوقوع في حبائلها، ونعيذ بالله كلَّ مسلم أن يكون سببًا في جلب هذه الضلالة إلى بلاد المسلمين وترويجها بينهم: نسأل الله سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العُلى أن يُعيذَنا جميعًا من مُضِّلات الفتن، وأن يجعلنا هُداة مهتدين، حماة للإسلام على هدىً ونورٍ من ربنا حتى نلقاه وهو راضٍ عنَّا.
وبالله التوفيق. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ...
стр. 1842
(٢) الدين الحق (١)
الخطبة الأولى:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله - اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارضَ اللهم عن أصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٢).
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ (٣).
عبادَ الله: وفي سبيل استبانة سبيل المجرمين، ولبيان الحق في زمن صراع الحضارات، وغزو الأفكار، الذي بات ينتشر أكثر هذه الأيام .. ومن المتوقع أن يزيد انتشارُه مع بداية الألفية الثالثة، جرى في الجمعة الماضية حديثٌ عن الإسلام مقارنًا بالأديان الأخرى - لا سيما اليهودية والنصرانية - وعُلم حكمُ الشرع وفتوى العلماء في دعوى وحدة الأديان .. واليوم أستكمل الحديث عن القرآن مقارنًا بالكتب السماوية الأخرى، وعن محمد ﷺ وحديث الأنبياء عنه،
стр. 1843
وعن الأمة المسلمة مقارنةً بالأمم الأخرى.
أيها الناس: ومن الإسلام بمفهومه الحقّ عبر القرون - إلى القرآن الكريم بوصفه آخر الكتب المنزلة، مصدقًا لما بين يديه من الكتب، ومهيمنًا عليها، اختصّه الله من بين كتبه بالحفظ، فلا تستطيعه أيدي التحريفِ والتبديل، والوعدُ بذلك إلهي، والتأكيدُ رباني: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١). شملت آياتُه وصايا السابقين ولم تُغفل شرائع المرسلين، وزادت عليها أحكامًا وشرائع وهدى حتى أكمل اللهُ به الدين، وانقطع الوحيُ من السماء بعد موتِ المنزَّلِ عليه محمد ﷺ .
فيه الهدى والنور والشفاء، وما به عوجٌ ولا افتراء بل قصّ اللهُ فيه على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون، وحين استمع الجنُّ إليه قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ (٢). ما كان للقرآن أن يُفترى من دون الله، قصصُه أحسن القصص ولو أن قرآنًا سُيرت به الجبالُ أو قطعت به الأرض أو كُلِّم به الموتى لكان بهذا خليقًا.
منه السبعُ المثاني وكلّه قرآن عظيم .. ولو أُنزل على جبلٍ لرأيته خاشعًا متصدعًا من خشية الله .. حوى من أخبار الأنبياء والأمم الماضية ما لم تحفل به الكتبُ السابقةُ عليه، ومن أخبار اليهود والنصارى مالم يعلموا به من كتبهم، ولو لم يحفظ لنا القرآنُ هذه الأخبار والمغيبات لم نجده في أي كتاب آخر يُوثق به. يقرأه الصغيرُ والكبير، والذكرُ والأنثى، ويتفق على ألفاظِه وكلماتِه وحروفه أهلُ المشرق وأهلُ المغرب، وتتواتر روايتُه عبر القرون، وأين هذا من الأناجيل والتوراة المختلفة والمحرَّفة - ماذا بقي منها يوثق به لم تُحرف - وأي فقرة من
стр. 1844
هذه الكتب يمكن الاطمئنانُ إليها على أنها من وحي السماء؟ والله يقول عن أصحابها: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ (١)، ويقول عنهم أيضًا: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ (٢).
عباد الله: ولو قارنا كتاب الله القرآن المحفوظ في الصدور والمحوط من الزيادة والنقصان، بآخر كتاب سماوي نزل قبله، وهو الإنجيل المنزَّل على عيسى ﵇ لأدركنا الفرق في الحفظ بين الكتابين، فمن كتب الإنجيل؟ وما الأناجيل الموجودة؟ وهل كتبها أو أمر بكتابتها المسيح ﵇؟
يجيبُ عن ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتابه العظيم «الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح» ويقول في «الجزء الثاني ص ١١»، وأما الأناجيلُ التي بأيدي النصارى، فهي أربعة أناجيل: إنجيل متّى، ويوحنا، ولوقا، ومرقس، وهم متفقون على أن لوقا ومرقس لم يريا المسيح، وإنما رآه متّى ويوحنا. وأن هذه المقالات الأربعة التي يسمونها الإنجيل، وقد يُسمون كلَّ واحدٍ منها إنجيلًا، إنما كتبها هؤلاء بعد أن رُفع المسيح، فلم يذكروا فيها أنها كلامُ الله، ولا أن المسيح بلَّغها عن الله، بل نقلوا فيها أشياء من كلام المسيح، وأشياء من أفعاله ومعجزاته، وذكروا أنهم لم ينقلوا كلَّ ما سمعوه منه ورأوه، فكانت من جنس ما يرويه أهلُ الحديث والسير والمغازي عن النبي ﷺ من أقواله وأفعاله التي ليست قرآنًا .. اهـ
هذا إذا سَلِمت هذه الأناجيلُ من تحريفِ المحرِّفين وزيادات المبطلين - عبر العصور.
стр. 1845
وإذا قيل هذا عن الأناجيل - مع قرب العهد بها - فماذا يُقال عن التوراة والتلمود وهي أقدمُ عهدًا، واليهود أكثرُ تحريفًا؟ ! كيف وقد حوت هذه الكتب سوءَ أدبٍ مع الله وإساءة للأنبياء ﵈ واتهامًا لهم في أخلاقهم وأعراضهم؟ ! ومن نماذج ذلك تصويرُهم لوطًا ﵇ سكيرًا وعاهرًا يزني بابنتيه في حال السكر - جاء ذلك في سفر التكوين، الإصحاح التاسع عشر.
ويصورون يعقوب ﵇ بأنه محتالٌ سرق النبوة من أخيه البكر بأسلوب قذر «كما جاء عندهم في سفر التكوين الإصحاح السابع والعشرين».
أما عيسى ﵇ فيقول اليهودُ في تلمودهم بأنه ابنٌ غيرُ شرعي، حملته أمه سفاحًا وهي حائض من العسكري باندارا. إلى غير ذلك من خزعبلاتٍ، لولا بيانُ باطلهم لنزّهت أسماعكم وبيت الله من ذكرها (١). إن هذه الكتب لا يُمكن الاعتماد عليها على أنها كتبٌ منزّلة من السماء - وإذا نَهَرَ رسولُ الله ﷺ الفاروق وهو يُقلب صحيفةً من التوراة ويقولُ له: «والله لو كان أخي موسى حيًا ما وَسِعَه إلا إتباعي» ... فماذا يُقال لغير عمر ممن هو أقلَّ إيمانًا وفقهًا منه، حين يفكر في قراءة شيء من هذه الكتب المحرفة؟ ! أما كتابُ ربنا وعهدُه الأخيرُ للناس، والمعجزُ بحفظه، وبما حواه فيكفيه شهادةُ الله له بالتصديق لما قبله، والهيمنة على الكتب السابقة عليه، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ (٢).
عبادَ الله: أما محمد ﷺ فهو خاتمُ الأنبياء ﵈ وأفضلُهم، بعثتُه للناس كافة، وبه ختم اللهُ رسالاتِ السماء، هو دعوةُ أبيه إبراهيم ﵇ حين قال وابنه
стр. 1846
إسماعيل: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ (١)، وهو بشارة عيسى ﵇ حين قال: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (٢).
والأنبياءُ كلهم أُخذ عليهم الميثاقُ لئن بُعث محمدٌ ﷺ وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنّه كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (٣).
لا يسوغُ لأحد - مهما كان جنسُه وديانتُه - أن يخرج عن شريعته ويتبع نبيًا غيره، ومن فعل ذلك فهو من أهل النار. روى مسلمٌ في «صحيحه» أن النبي ﷺ قال: «والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة يهوديُّ ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلتُ به إلا كان من أهل النار».
ومن نواقض الإيمان - كما قرر الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد ﷺ ، كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى ﵇ فهو كافر (٤).
وهل يعلم أهلُ الكتاب وغيرُهم أن عيسى ﵇ حين ينزلُ آخرَ الزمان يحكم بشريعة محمد ﷺ ؟ روى مسلمٌ في «صحيحه» عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «كيف أنتم إذا نزل فيكم ابنُ مريمَ فأمَّكم منكم».
قال أحدُ الرواة في معنى «فأمَّكم منكم» قال: بكتاب ربكم وسنة نبيكم (٥).
стр. 1847
قال العلماء: هذا صريح في أن عيسى ﵇ يحكم بشريعتنا ويقضي بالكتاب والسنة، لا بالإنجيل ولا غيره. «تعليق الألباني على المنذري».
وأين حماةُ الصليب من هذا؟ ورسولُ الهدى ﷺ يقسم: «والله لينزلنَّ ابنُ مريم حكمًا عادلًا، فليكسرنَّ الصليبَ، وليقتلنَّ الخنزيرَ، وليضعنَّ الجزيةَ .. » (١).
بل وأين أهلُ الكتاب من شهادة بعضهم على بعضٍ بصدق رسولنا؟ وقد أخرج أبو حاتم في «صحيحه» عن عمرو بن العاص ﵁ قال: خرج جيش من المسلمين - أنا أميرُهم - حتى نزلنا الإسكندرية، فقال عظيمٌ من عظمائهم: أخرجوا إليَّ رجلًا يُكلمني وأكلمُه، فقلتُ: لا يخرج إليه غيري، قال: فخرجت إليه ومعي ترجماني ومعه ترجمانه، فقال: ما أنتم؟ قلت: نحن العرب .. وأخبره عمرو عن حالتهم قبل البعثة وبعدها وكيف ظهر عليهم محمدٌ ﷺ .. فلما انتهى عمروٌ قال عظيمُ الإسكندرية: إن رسولكم قد صدق، قد جاءتنا رسلُنا بمثل الذي جاءكم به رسولُكم، فإن أنتم أخذتم بأمر نبيكم، لم يقاتلكم أحدٌ إلا غلبتموه، ولن يشارككم أحدٌ إلا ظهرتم عليه، وإن فعلتم مثل الذي فعلنا وتركتم أمر نبيكم، لم تكونوا أكثرَ عددًا منا، ولا أشدَّ منا قوة (٢).
أيها المسلمون: ولم تكن بعثتُه ﵊ نعمةً على المسلمين وحدَهم، بل بعثته نعمةٌ على أهل الأرض كلِّهم، ففي شريعته ﷺ من اللين والعفو والصفح ومكارم الأخلاق أعظمُ مما في الإنجيل، وفيها من الشّدةِ والجهاد وإقامة الحدود على الكفار والمنافقين، أعظم مما في التوراة - وهذا هو غاية الكمال - كذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وأضاف يقول: ومن
стр. 1848
استقرأ أحوال العالم تبين له أن الله لم ينعم على أهل الأرض نعمةً أعظم من إنعامه بإرساله ﷺ ، وأن الذين ردوا رسالته، هم ممن قال اللهُ فيهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ (١)(٢).
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (٣).
стр. 1849
الخطبة الثانية:
الحمدُ لله رَبِّ العالمين، أرسل إلينا أفضل رسله، وأنزل علينا خير كتبه، وجعل أمتنا خير الأمم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله - اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين.
إخوة الإيمان: وإذا تقرر أن ديننا خيرُ الأديان، وكتابنا مهيمنٌ على الكتب قبله، ونبينا خاتمُ الرسل، وقد أمَّ الأنبياء في رحلة الإسراء، وعُرج به إلى السماوات العُلى. فماذا يُقال عن أمةِ الإسلام، وما الفرقُ بينها وبين الأمم الأخرى؟
لقد حكم الله بخيريَّة هذه الأمة - إذا استقامت على شرع الله، وقامت بواجبات الأمر والنهي، فقال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١).
وفي الحديث: «أنتم تُوفون سبعين أُمّةً، أنتم خيارُها وأكرَمُها على اللهِ»، أو كما قال ﷺ .
وجعلها أمةً وسطًا شاهدةً على الناس بالعدل: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (٢).
وهذه الوسطية والشهادةُ على الناس ينبغي أن تُثير فينا الاعتزاز والشعور بالكرامة، والمسؤولية والتبعة في آنٍ واحد، ولا ينبغي أن يتخلف الشاهدُ عن مستوى المشهود عليه ..
стр. 1850
وإليك نموذجًا لشهادة هذه الأمة على الأمم السابقة: أخرج البخاري في «صحيحه» عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسولُ الله ﷺ : «يُدعى نوحٌ ﵇ يوم القيامة فيقول: لبَّيك وسعديك يا رب، فيقول هل بلّغت؟ فيقول: نعم، فيُقال لأُمَّته: هل بلَّغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمدٌ وأمتُه، فيشهدون أنه قد بلّغ.
ومن عدلِ أمةِ الإسلام عدلُها ونظرتُها لأخبار أهل الكتاب، فهي لا تردها جملة وتفصيلًا، ولا تقبلُ بها دون تمحيص، بل تذكرها للاستشهاد، لا للاعتقاد، وتصنفها على ثلاثة أقسام:
١ - إحداها: ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق، فذاك صحيح.
٢ - والثاني: ما علمنا كذبه بما عندنا مما يخالفه، فذاك كذب.
٣ - والثالث: ما هو مسكوت عنه لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل، فلا نؤمن به ولا نكذبه، وتجوز حكايته؛ لقوله ﷺ : « ... وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» (١).
عبادَ الله: وتمتاز أمةُ محمدٍ ﷺ على أمم اليهود والنصارى بصحة النقل، إذ النقلُ عن محمدٍ ﷺ مدتُه قريبة، والناقلون عنه أضعافُ أضعافِ من نقل دين المسيح عنه، وأضعافُ أضعافِ من اتصل به نقلُ دين موسى ﵇، فإن أمة محمدٍ ﷺ ما زالوا كثيرين منتشرين في مشارق الأرض ومغاربها، وما زال فيهم من هو ظاهرٌ بالدين، منصورٌ على الأعداء بخلافِ بني إسرائيل، فإنهم زال ملكهُم في أثناء المدة لما خُرب بيتُ المقدسِ الخرابَ الأول بعد داود ﵇،
стр. 1851
ونقص عددُ من نقل دينهم حتى قيل إنه لم يبق من يحفظ التوراةَ إلا واحد، والمسيحُ ﵇ لم ينقل دينه إلا عددٌ قليل (١).
أيها المسلمون: كما تمتاز هذه الأمةُ المسلمة على الأمم الأخرى بالعفو والتسامح والمغفرة، والله يقول لهم: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٢)، ويقول في صفاتهم: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ (٣)، ويدعوهم إلى الصبر والتقوى في مقابل فتنة الآخرين وأذيتهم: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (٤).
أجل إن الأمة أُمرت بقتال الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يُحرِّمون ما حرمه الله ورسولُه، ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتَى يُعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.
لكن هذا القتال ليس تعصبًا ولا استعلاءً في الأرض بغير الحق، ولكنه الرحمةُ بالخلق لدعوتهم للحق، ولذا فقبل القتال تكون الدعوةُ وتكون المجادلة بالحسنى، وفي وفد نصارى نجران علّق ابن حجر بقوله: وفيه من الفوائد: جواز مجادلة أهل الكتاب، وقد تجب إذا تعيّنت مصلحتُه (٥). فإذا قامت الحُجة ولم تغن المجادلة - كان الجهادُ أو دفعُ الجزية.
وأين هذه الأخلاقُ الإسلامية، والآدابُ من العفو والصفح والمجادلة بالحسنى ... أين هذا من تعصب أهل الكتاب وانغلاقهم، وشعورهم بالتميُّز،
стр. 1852
وغيرهم بالدونية. يقول الأمير شكيب أرسلان: إن الروح الصليبية لم تبرح كامنةً في صدور النصارى كمُونَ النار في الرماد، وروحُ التعصب لم تنفك معتلجةً في قلوبهم حتى اليوم كما كانت في قلب بطرسِ الناسك من قبل، وأن ما يدعوه الفرنجةُ عندنا في الشرق تعصبًا مذمومًا هو عندهم في بلادهم العصبيةُ الجنسية المباركة، والقوميةُ المقدسة (١).
عبادَ الله: إن على المسلم أن يعلم موقعه في هذا العالم، وإذا أُعجب كلُّ ذي رأي برأيه، وكلُّ أصحاب نحلة أو دين بنحلهم وديانتهم، فحسب المسلم أن يرضى بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ نبيًا رسولًا، وأن يكون القرآن دليله وهاديه، وأن يكون في عداد الأمة المرحومة .. أمةِ الخير والعدل والوسط، وعلى المسلم أن يحذر من الشعارات الخادعة، والدعوات الفاتنة التي يُلبس الحقُّ فيها بالباطل، ويتفوق فيها المُبطل على المحق في زمنٍ ضعفت فيه مقدراتُ المسلمين، وغزاهم في قعر دارهم الكافرون، وبات الغزو مقننًا عبر الفضائيات والشبكات ونحوها، بل أصبح التأثيرُ العقدي يُمارس عبر دهاليز السياسة، ومن بوابات الاقتصاد، ويغطى بمصطلحات العولمة، والنظام العالمي، ويمرر عبر قرارات الهيئات والمنظمات المُسَيَّسة، فهل يواجه المسلمون التحدي؟ وهل يحسون بحساسية المرحلة؟ وهل يتجاورون التبعية؟ ذاك المأمول والمرتجى، والله غالب على أمره.
стр. 1853
المحبة المشروعة (١)
الخطبة الأولى:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وعلى آله المؤمنين، وارضَ اللهم عن أصحابه أجمعين والتابعين ومن تبعهم وسار على نهجهم إلى يوم الدين.
أما بعد: فاتقوا الله معاشر المسلمين، فإن تقوى الله أقومُ وأقوى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣).
أيها المسلمون: بالمحبة والإخاء تصفو الحياةُ، ويسعد الأحياء، وتغيبُ الإحنُ، وتتوارى الأثرةُ والبغضاء، وليست هناك دواعٍ معقولة تحمل الناس على أن يعيشوا أشتاتًا متناكرين، ووحوشًا متنافرين، بل إن الدواعي القائمة على الحقّ والعاطفةِ السليمةِ تعطفُ البشرَ بعضهم على بعض، وتُهيِّئُ لهم مجتمعًا متكافلًا تسوده المحبةُ، ويمتد به الأمانُ على ظهر الأرض.
أجل: لقد ردَّ الله أنسابَ الناسِ وأجناسَهم إلى أبوين اثنين ليجعل من هذه
стр. 1854
الرحم الماسةِ ملتقىً تتشابك عنده الصِّلات وتُستوثق، ولكن على أساس من البرِّ والتقوى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (١).
فالتعارفُ لا التنافر، والمحبةُ لا التباغض، أساسُ العلائق بين البشر، ولكن قد تطرأُ عوائقُ تمنعُ هذا التعارفَ الواجبَ، وتلك المحبةَ المشروعة، وفي زُحامِ البشرِ على مواردِ الرزق، وفي اختلافهم على فهمِ الحق وتحديد الخيرِ قد يثور نزاعٌ ويقع صدامٌ، بيد أن هذه الأحداثَ الطارئةَ وتلك التصرفات المشينةَ لا ينبغي أن تُنسي الروابط المشروعة والحقوق الواجبة، ولا ينبغي أن تعصف بأوتاد المحبة وأواصرِ الأخوة.
إن المحبة طعمُ الحياة، وسرُّ سعادتها، ومساكينُ من فارقوا الدنيا ولم يتلذذوا بأطيبَ ما فيها من محبة الله والشوقِ إلى لقاه، ومحبةِ رسول الله ﷺ والسير على هداه، ومحبة المؤمنين والقيام لهم بحقوقها من الموالاة والنصرةِ وتقديم المعونة.
أيها المؤمنون: وجُبِلَ الناسُ - كلُّ الناسِ - على محبة المالِ والوالدِ والولد، والأهلِ والعشيرة، والقناطير المقنطرةِ من الذهب والفضةِ والخيلِ المسومةِ والأنعام والحرث، ولكن ذلك كلُّه متاعُ الحياة الدنيا والله عنده حسنُ المآب.
وما يبقى خيرٌ مما يفنى، والله يقول في وصف الباقي وصفاتِ أهله: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ
стр. 1855
وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ (١).
عبادَ الله: إن الحبَّ في الله والبغضَ في الله أوثقُ عرى الإيمان، كما أخبر بذلك الصادقُ المصدوقُ ﵊ والحبُّ في الله والبغضُ في الله هو الذي يتجاوز أغراض الدنيا، ويُقيم صاحبُه وزنًا للقِيَم، وتضبط فيه العواطفُ، ويوزن بميزان الشرع المطهر، أساسُه الصلاحُ والتُّقى، ولو كان المُحبُّ في المالِ صعلوكًا وفي النسب نازلًا، وخياركم في الجاهلية خيارُكم في الإسلام إذا فَقُهوا، إن الله يرفع بهذا القرآن أقوامًا ويضعُ به آخرين.
إن محبة اللذة والشهوة الرخيصة تفنى وتنتهي في الآخرة إلى العداوة والبغضاء. أما محبةُ الدين فتثمرُ وتبقى وهي في الآخرة علامةُ التقوى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ (٢).
وإذا زُين للمُبطلين اتخاذُ أندادٍ من دون الله يحبونهم كحب الله، فالذين آمنوا أشدُّ حبًا لله، له وحده يعبدون، وعليه يتوكلون، وإذا كان لكل شيء حقيقةٌ، فحقيقةُ محبةِ الله إتباعُ هَدْي رسولِ الله ﷺ : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (٣).
أما محبة خلقِ الله فتكون بتقديم الخير لهم، ودفع الشرِّ عنهم، وعدم الاعتداء على حرماتهم، فكلُّ المسلم على المسلم حَرامٌ: دمُه ومالُه وعرضُه، ألا ما أجملَ الحبَّ والطاعة حين يرتفعان بصاحبهما إلى درجات النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا
стр. 1856
(٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ (١).
ورد في سبب نزول هذه الآية الكريمة عن عائشة ﵂ قالت: جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إنك لأحبُّ إليّ من نفسي، وأحبُّ إليَّ من أهلي، وأحبُّ إليَّ من ولدي، وإني لأكونُ في البيت فأذكركَ فما أصبرُ حتى آتيك فأنظر إليك، وإذا ذكرتُ موتي وموتك عرفتُ أنك إذا دخلت الجنةَ رُفعت مع النبيين، وإن دخلتُ الجنة خشيتُ أن لا أراك، فلم يردَّ عليه النبي ﷺ حتى نزلت عليه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ (٢) الآية. رواه ابن مردويه، والمقدسيُ في «صفة الجنة» وقال: لا أرى بإسناده بأسًا (٣).
عباد الله: وإذا كان هذا نموذجًا لمحبة الأصحاب لمحمد ﷺ ، فهناك نموذجًا آخر لمحبة الأصحاب بعضهم بعضًا وما فيه من مغنم:
عن أبي إدريس الخولاني قال: دخلتُ مسجدَ دمشق، فإذا فتًى براقُ الثنايا والناسُ حوله، فإذا اختلفوا في شيء أسندوه إليه وصدروا عن رأيه، فسألتُ عنه فقالوا: هذا معاذُ بنُ جبلٍ، فلما كان الغدُ هجَّرتُ إليه، فوجدتُه قد سبقني بالتهجير، ووجدتُه يصلي، فانتظرتُه حتى قضى صلاته، ثم جئتُه من قِبَلِ وجهه، فسلمتُ عليه، ثم قلتُ: والله إني لأُحبك في الله، فقال: آلله؟ فقلتُ: آلله، فقال: آلله؟ فقلتُ: آلله، فأخذ بحبوة ردائي فجبذني إليه وقال: أبشر، فإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «قال اللهُ ﵎: وجبت محبتي للمتحابين فيَّ، والمتجالسين فيَّ، والمتزاورين فيَّ، والمتباذلين فيَّ». أخرجه مالكٌ في «الموطأ»، والحاكمُ وصححه، وابنُ عبد البرِّ وغيرُهم (٤).
стр. 1857
يا أخا الإسلام: أفلا يقودُك هذا الحديثُ ومثلُه إلى محبة الخيِّرين والقربِ منهم والجلوسِ إليهم، والله تعالى يقول يوم القيامة: «أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلُّهم في ظلِّي يوم لا ظلَّ إلا ظلِّي». أخرجه مسلمٌ ومالك في «الموطأ» (١).
ورسولُه ﷺ يقول: «إن من عبادِ الله لأُناسًا ما هم بأنبياءَ ولا شهداء، يغبطهم الأنبياءُ والشهداءُ يوم القيامةِ بمكانهم من الله». قالوا: يا رسولَ الله تخبرنا مَن هم؟ قال: «هم قومٌ تحابُّوا بروح الله على غيرِ أرحامٍ بينهم، ولا أموالٍ يتعاطونها، فوالله إن وجوَههُم لنورٌ، وإنهم لعلى نورٍ، لا يخافون إذا خاف الناسُ، ولا يحزنون إذا حزنَ الناسُ». وقرأ هذه الآية: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٢). أخرجه أبو داود، وفي سنده انقطاع، ولكن رواه ابنُ حبان في «صحيحه» بسند حسن، وأورد المنذريُّ في «الترغيب» حديثًا بمعناه وحسَّن إسناده، والحاكمُ وقال: صحيح الإسناد (٣).
يا أخا الإسلام: وإن قعدتْ بك همتُك عن مجاراةِ الخيِّرين في طاعاتهم وعباداتهم، فلا تنفكَّ عن محبتهم والتشبُّه بهم، وهاك هذه البشارة فاعقلها وعضَّ عليها بالنواجذ: روى البخاريُ ومسلم عن ابن مسعودٍ ﵁ قال: جاء رجلٌ إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله: كيف ترى في رجلٍ أحبَّ قومًا ولمَّا يلحق بهم؟ فقال رسولُ الله ﷺ : «المرءُ مع من أحبَّ» (٤).
وإذا كان صحابة رسول الله ﷺ قد فرحوا بها واستبشروا، حتى قال أنس:
стр. 1858
فما فرح المسلمون فرَحهم بهذا الحديث (١). أفلا يدعوك ذلك للفرح والبُشرى ومحبّةِ الخير لأهلِه صدقًا وعدلًا، لا نفاقًا أو رياءً؟ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (٢).
стр. 1859
الخطبة الثانية:
الحمد لله ربِّ العالمين، يُحب التوابين ويحب المتطهرين، ويحب المحسنين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا يحب الفاحش المتفحش ولا يحب البذيء، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أخبر أن عطاء الله لعبدٍ من أمور الدنيا لا يعني المحبة والرضا فقال: «إذا رأيتَ اللهَ تعالى يُعطي العبدَ من الدنيا ما يُحبُّ وهو مقيمٌ على معاصيه، فإنما ذلك منه استدراجٌ» رواه أحمد وغيره بسند صحيح (١).
اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين.
أيها المسلمون: ومن عظمة هذا الدين أنه يُشيع المحبةَ بين المسلمين فيجزي على الابتسامة المؤنسة: «وتبسُّمكَ في وجْهِ أخيك صدقةٌ». ويهدي لاختيار أطيب عبارةٍ حين المحادثة، ويرتب عليها المثوبة: «والكلمةُ الطيبةُ صدقةٌ» ويدعو إلى النظرة الهادفة لتأليف القلوب، وقد كان ﷺ يُقبِل بوجهه وحديثه على أشرِّ القومِ يتألَّفهم بذلك - كما قال عمرو بنُ العاص ﵁ (٢).
كان من هديه ﷺ بسطُ النفس ومداعبة من يحتاج إلى المداعبة .. وكلُّ ذلك تشريعٌ للأمةِ ودعوةٌ لها إلى مكارم الأخلاق، وإشاعةِ المحبةِ والخير بين المسلمين. بل دعا إلى إظهار المحبة بين المتحابين؛ لأنه أبقى في الألفةِ وأثبتُ في المودة، وفي هذا يقول ﵊: «إذا أحبَّ أحدكم أخاه في الله، فليُعْلمْه، فإنه أبقى في الألفةِ وأثبتُ في المودَّة»، رواه ابنُ أبي الدنيا بسندٍ حسنٍ، عن مجاهد مرسلًا (٣). بل لقد ورد في بعض روايات الحديث: «إذا
стр. 1860
أحبَّ أحدُكم صاحبَه، فليأتِه في منزلِه فليخبِرْهُ أنه يُحبُّه للهِ». رواه أحمد والضياءُ بسند صحيح (١).
أيها المسلمون: وثمَّة ما يستدعي النظر ويستحق الوقفة، فبعضُ الناس يظن التعبيسَ في وجوه الآخرين دينًا يتقربُ به إلى الله، أو ربما ظنه بعضُ الخيرين تأكيدًا للولاء والبراءِ المشروعيْن .. وليس الأمرُ كذلك، فليس من هَدْي الإسلام ازدراءُ الناسِ واحتقارُ أعمالهم في مقابلِ تزكيةِ النفس، وليس من هدي محمدٍ ﷺ الانقباضُ عن الناس وشدةُ القولِ ورديءُ الكلام ولو كانوا أصحابَ سوء.
وفي «صحيح البخاري» من حديث عائشة ﵂ قالت: استأذن على النبي ﷺ رجلٌ فقال: ائذنوا له فبئس ابنُ العشيرة، أو بئس أخو العشيرة، فلما دخل ألانَ له الكلام، فقلتُ له: يا رسولُ الله: قلتَ ما قلت، ثم ألنْتَ له في القول، فقال: «أيْ عائشةُ: إنّ شرَّ الناسِ منزلةً عند الله من تركَه أو وَدَعَهُ الناسُ اتقاءَ فُحْشِه» (٢).
هكذا ساقه البخاريُّ في كتاب الأدب، باب: المداراة مع الناس. وساقه مسلم في كتاب البرِّ والصلة والآداب، باب مدارةِ من يُتقى فحشه (٣).
ولقد فهم الصحابةُ رضوان الله عليهم هذا الأدب ومغزاه وتمثلوه ودعوا إلى دين الله من خلاله، وهذا أبو الدرداءِ ﵁ يقول: إنا لنكشر في وجوه أقوامٍ وإن قلوبنا لتلعنهم (٤).
قال الحافظُ ابن حجر يرحمه الله: هذا الحديث أصلٌ في المداراة (٥).