← Джавами‘

Джавами‘ · id 20948

شعاع من المحراب

سليمان بن حمد العودة

Полный текст (3 545 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الخطبة الثانية الحمد لله تعالى على كل حالة، وأشكره وهو الغفور لمن شاب وأناب، وأشهد ألا إله إلا هو غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أزكى الخليقة وأكثرها ذكرًا واستغفارًا اللهم صل وسلم عليه وعلى إخوانه وآله، وارض اللهم عن أصحابه وأتباعه إلى يوم الدين .. أما بعد أيها المسلمون فاعلموا- رحمني الله وإياكم- أن هناك موانع لمغفرة الذنوب لابد من معرفتها والعلم بها والحذر منها. وأول هذه الموانع الشرك بالله قال الله تعالى ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ (لقمان) وقال تعالى ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ (النساء) وقال تعالى ﴿إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار﴾ (١). وفي الحديث قال رسول الله ﷺ قال الله تعالى: «يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان فيك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك، يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب (أي ملؤها أو ما يقارب ذلك) الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة» (٢). والشرك المقصود هنا- معاشر المسلمين- لا يقتصر على عبادة الأصنام التي كان أهل الجاهلية يعبدونها كاللات والعزى ونحوها .. كما قد يفهم بعض

стр. 212

الناس وإنما يشمل كذلك عبادة القبور والاستغاثة بالأموات، ودعاءهم من دون الله وطلب المدد منهم، وهل يغيب عن البال أن أول شرك وقع في الأرض هو هذا الذي قد يظنه بعض الناس ليس شركًا فقد كان الشرك الذي وقع في قوم نوح الغلو في الصالحين، والتوسل بالأموات ﴿وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن وذًا ولا سواعًا ولا يغوث ويعوق ونسرًا﴾ (١) روى البخاري عن ابن عباس ﵄: أن هذه أسماء رجال صالحين في قوم نوح ماتوا فعبدوهم من دون الله .. » نسأل الله السلامة من الفتن وأن يرزقنا البصيرة في ديننا لنعبد الله على هدي المرسلين. أيها المسلمون أما المانع الآخر من حصول المغفرة فهو قتل المؤمن عمدًا، فقد روت أم الدرداء عن أبي الدرداء ﵄ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول «كل ذنب عسى أن يغفره الله أو قال عسى الله أن يغفره، إلا من مات مشركًا، أو مؤمن قتل مؤمنًا متعمدًا» (٢). ولابد من العلم بأن الإصرار على الذنب- آفة ينبغي للمسلم أن يعالج نفسه منها، قال الله تعالى ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنبوهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون﴾ (٣) ومن هنا فلا ينبغي أن يتحول الاستغفار إلى كلمات باللسان فقط مع البقاء والاستمرار على المعاصي، وهذا أمر نقع فيه كثيرًا .. نسأل الله أن يعيننا على تجاوزه .. وما أجمل كلمة قالها أحد السلف وكأنه يحكي واقع الكثير منا، ولابد من إدراك معناها والعمل على إزالة آثارها، فقد قال الفضيل

стр. 213

بن عياض- ﵀ «الاستغفار بلا إقلاع توبة الكذابين»، ويقارب ذلك المقولة الأخرى «استغفارنا يحتاج إلى استغفار كثير» (١). إخوة الإيمان .. من أقوى عوامل حصول المغفرة قوة الرجاء بالله وعدم القنوط من رحمته أو اليأس من روحه- قال الله تعالى ﴿إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون﴾ (٢). وفي الحديث السابق (يا ابن آد م إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي) فلابد من الدعاء والرجاء .. الدعاء بصدق وضراعة .. والرجاء بخشوع وإنابة وأن تتصور أن خزائن الله ملأى لا يضيره ما أنفق وأعطى .. وما بالله بخل أو شح إذا أحسَّ من عبده التوجه الصادق والتوبة النصوح .. واقرأ بقلب خاشع قول الحق ﵎: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا إنه هو الغفور الرحيم، وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون .. ﴾ (٣). أسأل الله أن يغفر لي ولكم وأن يرزقنا التوبة النصوح، وأن يلهمنا رشدنا، ويعيننا على أنفسنا .. هذا وصلوا ..

стр. 214

(١) اليوم الأغر (١) الخطبة الأولى الحمد لله الذي هدأنا لهذا الدين وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا اللهم ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، خص أمتنا بما لم يخص به غيرها من الأمم، وفضل ملتنا على سائر الملل، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وخاتم الأنبياء وأفضلهم- اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وعلى آله الأخيار الطيبين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد فاتقوا الله معاشر المسلمين، واشكروه على ما أولاكموه من نعم، وأختصكم به من مزايا ومنن. أيها المسلمون يغيب عن أذهان المسلمين أحيانًا ما اختصهم الله تعالى به من فضل، أو يتكاسلون في الاستفادة فيما هيأ لهم من فرص الطاعات والخيرات .. وسواء كان الداء الجهل أو الكسل فهما صوارف عن الخير، ودواؤها العلم والعمل. وحديثي إليكم- عن يوم عظيم من أيام الله لم نوله ما يستحق من العناية والتكريم، ولم نستثمره في الطاعات والقربات، بل وربما لم نعلم خصائصه ومميزاته، ولم نلتزم أحكامه وآدابه كما ينبغي، إنه اليوم الأغر في جبين هذه الأمة .. سيد الأيام على الإطلاق هو يوم الجمعة، الذي ادخره الله لنا، وأضل عنه من قبلنا.

стр. 215

قال الحافظ ابن كثير- ﵀ ثبت أن الأمم قبلنا أمروا به فضلوا عنه، واختار اليهود يوم السبت الذي لم يقع فيه خلق آدم، واختار النصارى يوم الأحد الذي ابتدأ فيه الخلق، واختار الله لهذه الأمة يوم الجمعة الذي أكمل الله فيه الخليقة، كما أخرج البخاري ومسلم- في صحيحيهما- واللفظ للبخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسوله الله ﷺ : «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب قبلنا، ثم إن هذا يومهم الذي فرض الله عليهم فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع: اليهود غدًا، والنصارى بعد غد» (١). هذه الحقيقة مسجلة في كتب أهل الكتاب، ويعترف بها مَنْ مَنَّ الله عليهم بالإسلام من أهل الكتاب، واستمعوا إلى هذا الحوار بين أبي هريرة ﵁ وكعب الأحبار وتأييد عبد الله بن سلام ﵁: فقد قرأ أبو هريرة ﵁ حديث رسول الله ﷺ : «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أهبط وتيب عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة، وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقًا من الساعة إلا الجن والأنس، وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله حاجة إلا أعطاه إياها» قال كعب: ذلك في كل سنة يوم؟ فقلت: بل في كل جمعة، قال: فقرأ كعب التوراة فقال: صدق رسول الله ﷺ ، قال أبو هريرة، ثم لقيت عبد الله بن سلام فحدثته بمجلسي مع كعب فقال عبد الله بن سلام: وقد علمت أية ساعة هي (٢). وفي حديث آخر عن عبد الله بن سلام ﵁ قال: قلت ورسول الله ﷺ

стр. 216

جالس: إنا لنجد في كتاب الله (يعني التوراة) في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يصلى يسأل الله شيئًا إلا قضى الله له حاجته (١). وهكذا معاشر المسلمين تتضافر الكتب والأخبار الصحاح على فضيلة هذا اليوم، وماذا كان وما سيكون فيه وإنه لمؤسف أن تستشعر الملائكة والدواب والشجر والحجر عظمة هذا اليوم وتخشى ما يقع فيه والإنس والجان عنه غافلون، ما بال هذه وتلك لا تستشعر عظمة هذا اليوم، ويوم الجمعة أعظم عند الله من يوم الفطر ويوم الأضحى .. كل ذلك وغيره يؤكده المصطفى ﷺ في حديث أبي لبابه بن عبد المنذر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «سيد الأيام يوم الجمعة وأعظمها عند الله، وأعظم عند الله من يوم الفطر ويوم الأضحى، وفيه خمس خصال، خلق الله فيه آدم وأهبط الله فيه آدم إلى الأرض، وفيه توفى الله آدم، وفيه ساعة لا يسأل الله العبد فيها شيئًا إلا آتاه الله إياه ما لم يسأل حرامًا، وفيه تقوم الساعة، ما من ملك مقرب، ولا أرض ولا رياح ولا بحر، ولا جبال ولا شجر إلا وهن يشفقن من يوم الجمعة» (٢). إخوة الإسلام كما أن لهذا اليوم مكانته ومنزلته في الحياة الدنيا فليوم الجمعة كذلك شأنه ومنزلة في الحياة الأخرى، وكلما أن للجمعة ما الحياة الدنيا أهلاً يقدرونها حق قدرها، فأهلها يوم القيامة بمنزلة سامية يطرق الناس منهم عجبًا، كما جاء في حديث أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن الله يبعث الأيام يوم القيامة على هيئتها، ويبعث يوم الجمعة زهراء منيرة لأهلها، فيحفون بها كالعروس، تهدى إلى كريمها، تضيء لهم، يمشون في ضوئها ألوانهم كالثلج بياضًا، رياحهم تسطع كالمسك، يخوضون في جبال الكافور، ينظر إليهم

стр. 217

الثقلان ما يطرقون تعجبًا حتى يدخلوا الجنة، لا يخالطهم أحد إلا المؤذنون المحتسبون» (١). هذه معاشر المسلمين بعض ما ورد في فضل يوم الجمعة، هذا اليوم الذي لم يَعُدْ له وزنه الحقيقي عند كثير من المسلمين، بل ربما اعتبره بعضهم فرصة لكثرة النوم والتنوع في المآكل والمشارب لا أكثر .. وربما فهمه آخرون على أنه يوم متعة جسدية ولهو ولعب وطاب لهم أن يخرجوا فيه إلى البراري، ويتركوا الجمع والجماعات، ويا ليت هؤلاء يفقهون كلام أهل العلم في حكم السفر المباح في يوم الجمعة، إذ نصوا على أنه لا يجوز السفر بعد دخول وقتها، إلا إذا كان سيؤديها في مسجد في طريقه، وأما السفر في أول النهار وقبل دخول وقتها فمكروه، هذا حكم السفر الذي قد يكون الإنسان محتاجًا إليه، فكيف بمن يخرج من البلد في هذا الوقت لتضييع الوقت والتغيب عن الصلاة، إن التحريم والكراهية في حقه أشد (٢). اللهم علم جاهلنا وفقه متعلمنا ..

стр. 218

الخطبة الثانية الحمد لله رب العالمين، أحمده تعالى وأشكره، وأثني عليه الخير كله، وأسأله المزيد من فضله، وأشهد ألا إله إلا الله في ربوبيته وإلهيته وأسمائه وصفاته، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخيرته من خلقه، اللهم صل وسلم عليه وعلى إخوانه وآله، وارض اللهم عن أصحابه وأتباعهم إلى يوم الدين. أيها المسلمون لفضل هذا اليوم يبعث الله ملائكته على أبواب المسجد بكرة ليستقبلوا المبكرين المحتسبين، ويسجلوا أعمال الراغبين، ويوزعوا الهدايا على المستحقين، ويا ويحك أخي المسلم إن فاز الناس بالشاه والبعير، وكان نصيبك الخسران المبين .. يقول ﷺ : «إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الناس على قدر منازلهم الأول فالأول، فإذا جلس الأمام طووا الصحف، وجاءوا يستمعون الذكر، ومثل المهجر (يعني المبكر) «كمثل الذي يهدي بدنه ثم كالذي يهدي بقرة، ثم كالذي يهدي الكبش ثم كالذي يهدي الدجاجة، ثم كالذي يهدي البيضة» (١). أيها الإخوة المسلمون التأخر في المجيء لصلاة الجمعة داء ابتليت به الأمة المسلمة، وهو في ظني يعود إلى أمرين غالبًا، الأمر الأول: القصور في معرفة منزلة هذا اليوم معرفة حقيقية، تجعل المرء يضحي في سبيل هذا اليوم وفي سبيل التبكير لصلاة الجمعة بالغالي والنفيس، وهو يستشعر عظمة الله وعظمة هذا اليوم. أما الأمر الآخر فهو العجز والتكاسل والرغبة في الإخلاد إلى الراحة وإعطاء النفس حقوقها من المنام والمآكل والمشارب، وتلك وربي آفة صارفة عن كل

стр. 219

خير، ولا يزالا العجز والكسل بالمرء حتى يورده المهالك .. والنفس كما قيل كالطفل إن تتركه شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم. ويوم أن يتوافر لك أخي المسلم علم حقيقي لا نظري بمنزلة يوم الجمعة عند الله .. ومجاهدة للنفس عن بعض شهواتها فستصل إلى منزلة تسمو بك عن الآخرين وتجد أثرها يوم العرض على رب العالمين. إخوة الإيمان ما ظنكم لو أن السلطان أمر جنودًا يقفون على الأبواب ويوافونه بالمتقدم، ويعدونهم بالعطايا والهدايا الحسان، ويسجلون المتخلف ويعدونه بالخسارة على رؤوس الأشهاد؟ فكيف الحال إذا كان الباعث هو الجبار ﷻ ، والجنود هم الملائكة الأطهار. إنه حري بك أخي المسلم أن تستحي من ملائكة الرحمن أن يروك متأخرًا إن تصورك لهذا الأمر في كل جمعة سيدعوك للتبكير مستقبلاً بإذن الله إن كنت ممن يعي ويتعظ ويقدر الخير ويفرق بين البدنة والبيضة، وأرجو ألا يكتبك الله مع الغافلين .. وأرجو أن يعينك الله على مواصلة السير مع الصالحين .. وألا يحشرك مع الغافلين المتكبرين. أخا الإسلام افتح قلبك وسمعك لهذا الحديث النبوي المرغب في التبكير، واحرص على أن يكون لك منه أوفر الحظ والنصيب. يقول ﷺ : «من غسَّل يوم الجمعة واغتسل، ثم بكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام، واستمع وأنصت، ولم يلغ كان له بكل خطوة يخطوها هن بيته إلى المسجد عمل سنة أجر صيامها وقيامها .. وذلك على الله يسير» (١).

стр. 220

قال الإمام أحمد: وغسَّل بالتشديد جامع أهله، وكذلك فسره وكيع (١). أين الراغبون في الحسنات .. وأين المسارعون إلى الخيرات .. إن ذلك جزء من فضائل يوم الجمعة. إخوة الإسلام ويكفي من فضائل يوم الجمعة أن ما بين الجمعتين كفارة لما بينهما إذا ما اجتنبت الكبائر، وهنا يغلط بعض الناس فتراه يحافظ على الجمعة، ويتهاون فيما سواها من الصلوات ظنًّا خاطئًا منه أن الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما، وهذا تحريف للكلم عن مواضعه، وإيمان ببعض الكتاب وكفر ببعض، لأن الرسول ﷺ إنما ذكر أن الجمعة تكفر الذنوب الصغائر دون الكبائر، حيث قال: «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر» ولا شك أن ترك الصلوات الخمسة أو التهاون بآدائها من الكبائر .. فلا تصح الجمعة ممن هذه حاله حتى يؤدي الصلوات الخمس. أما من يتهاون أو يترك صلاة الجمعة دون عذر فهذا جرمه كبير .. فقد أخبر النبي ﷺ أن من ترك صلاة الجمعة تهاونًا بها طبع الله على قلبه (٢). وفي الحديث الآخر: «من ترك ثلاث جمعات من غير عذر كتب من المنافقين» (٣) نسأل الله السلامة والعصمة من الزلل. أيها المسلمون هناك خصائص وفضائل وأحكام أخرى للجمعة نرجئ الحديث عنها في خطبة لاحقة بإذن الله .. هذا وصلوا.

стр. 221

(٢) اليوم الأغر سننه وأحكامه (١) الخطبة الأولى إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم عليه وعلى إخوانه وآله، وارض اللهم عن أصحابه وأتباعهم إلى يوم الدين. أما بعد: فاتقوا الله معاشر المسلمين، وارجوا اليوم الآخر، وتلمسوا أسباب النجاة في هذه الحياة، وبواعث السعادة بعد الممات، ألا وإنكم في يوم عظيم من أيام الله، سبق في الجمعة الماضية بيان شيء من فضله، ونستكمل اليوم بعضًا من خصائصه وسننه وأحكامه. روى الحاكم في مستدركه عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «سيد الأيام يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا يوم الجمعة» (٢). وهذه السيادة لهذا اليوم كان يقدرها المصطفى ﷺ حق قدرها بدءًا من فجر هذا اليوم، حيث كان يقرأ في صلاة الفجر سورتي آلم السجدة، وهل أتى على الإنسان، ويظن كثير ممن لا علم عنده أن المراد تخصيص هذه الصلاة بسجدة زائدة ويسمونها سجدة الجمعة، وإذا لم يقرأ أحدهم هذه السورة قرأ سورة

стр. 222

أخرى فيها سجدة، ولهذا كره من كره من الأئمة المداومة على قراءة هذه السورة في فجر الجمعة دفعًا لتوهم الجاهلين (١). قال شيخ الإسلام ابن تيميه ﵀ وإنما كان النبي ﷺ يقرأ هاتين السورتين في فجر الجمعة لأنهما تضمنتا ما كان ويكون في يومها، فإنهما اشتملتا على خلق آدم، وعلى ذكر المعاد، وحشر العباد، وذلك يكون يوم الجمعة، وأن قراءتهما في هذا اليوم تذكير للأمة بما كان فيه ويكون، والسجدة جاءت تبعًا، ليست مقصودة حتى يقصد المصلي قراءتها حيث اتفقت (٢). أيها المسلمون، كان من هديه ﷺ تعظيم هذا اليوم وتشريفه وتخصيصه بعبادات يختص بها عن غيره، وقد اختلف العلماء هل هو أفضل أم يوم عرفة على قولين (٣). ويستحب الإكثار فيه من الصلاة على النبي ﷺ في يومه وليلته لقوله ﷺ «أكثروا من الصلاة علي يوم الجمعة وليلة الجمعة» (٤). كما يستحب الاغتسال في يوم الجمعة، بل قال بعض العلماء إنه أمر مؤكد جدًا، ووجوبه أقوى من وجوب الوتر، وقراءة البسملة في الصلاة، ووجوب الوضوء من مس النساء، ومن مس الذكر والقهقهة في الصلاة، ووجوب الوضوء من الرعاف والحجامة والقيء ووجوب الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير ووجوب القراءة على المأموم. قال الإمام ابن القيم- ﵀: وللناس في وجوب الغسل يوم الجمعة ثلاثة

стр. 223

أقوال: النفي، والإثبات، والتفصيل بين من به رائحة يحتاج إلى إزالتها فيجب عليه، ومن هو عنه فيستحب له، والثلاثة لأصحاب أحمد (١). أما التطيب يوم الجمعة فهو أفضل من التطيب في غيره من أيام الأسبوع، والسواك فيه له مزية على السواك في غيره. أما التبكير للجمعة فقد سبقت الإشارة إليه، لكني هنا أشير إلى المقارنة بين صلاة الجمعة وصلاة العيد، حيث قال العلماء: لما كان يوم الجمعة في الأسبوع كالعيد في العيد، وكان العيد مشتملاً على صلاة وقربان، وكان يوم الجمعة يوم صلاة، جعل الله التعجيل فيه إلى المسجد بدلاً من القربان وقائمًا مقامه، فيجتمع للرائح فيه إلى المسجد الصلاة والقربان، وهذا من حكم قوله ﷺ : «من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة» (٢). وهل علمت أخي المسلم أن قربك من الله يوم القيامة على قدر رواحك للجمعة، وهل تريد أن تعلم شيئًا من حرص السلف على التبكير لصلاة الجمعة؟ ذكر البيهقي في الشعب وابن ماجه في السنن وغيرهما عن علقمة بن قيس قال: رحت مع عبد الله بن مسعود ﵁ إلى جمعة فوجد ثلاثة قد سبقوه، فقال: رابع أربعة، وما رابع أربعة ببعيد، ثم قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الناس يجلسون يوم القيامة من الله على قدر رواحهم إلى الجمعة الأول ثم الثاني ثم الثالث ثم الرابع» ثم قال: وما رابع أربعة ببعيد» (٣). ومن الأمور المستحبة في يوم الجمعة قراءة سورة الكهف، فقد ورد عن

стр. 224

النبي ﷺ أنه قال قي فضل ذلك: «من قرأ سورة الكهف في يومها سطع له نور من تحت قدمه إلى عنان السماء يضيء به يوم القيامة، وغفر له ما بين الجمعتين» (١). كما يستحب في هذا اليوم أن يلبس أحسن ثياب، فعن عبد الله بن سلام ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول على المنبر في يوم الجمعة: «ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته» (٢). فإذا اجتمع لك يا أخا الإسلام غسل يوم الجمعة وسواك وتطيب ولبس أحسن الثياب ثم كملت ذلك بالمشي إلى المسجد مبكرًا وعليك السكينة، وركعت ما قدر الله لك أن تركع، وأنصت والإمام يخطب فأبشر بالخير والمثوبة من الله. وفي ذلك يقول صلى الله عليه ومسلم: «من اغتسل يوم الجمعة واستاك ومس من طيب إن كان له، ولبس من أحسن ثيابه، ثم خرج وعليه السكينة حتى يأتي المسجد ولم يتخط رقاب الناس ثم يركع ما شاء الله أن يركع، ثم أنصت إذا خرج الإمام فلم يتكلم حتى يفرغ من صلاته، كانت كفارة لما بينها وبين الجمعة الأخرى» (٣). وكما يستحب أن يهتم الناس بنظافة ملابسهم وأجسادهم في كل حين، وبالأخص يوم الجمعة، فيستحب كذلك الاهتمام بالمساجد وتجميرها، وكان عمر ابن الخطاب ﵁ يأمر بتجمير مسجد المدينة كل جمعة حين ينتصف النهار (٤). وهذه مسألة طالما غفل عنها كثير من الناس في وقت لا يغفلون فيه عن تجمير

стр. 225

منازلهم وأضيافهم وبيوت الله حرية ألا تنسى، وضيوفها الملائكة وخيار الصالحين. إخوة الإسلام من أبرز خصائص وفضائل هذا اليوم أن فيه ساعة الاستجابة التي قال النبي ﷺ في شأنها: «وإن في الجمعة لساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه، وقال بيده يقللها» (١)، وقد اختلف أهل العلم في تحديد هذه الساعة وأرجح الأقوال رأيان يعضد كل منهما أحاديث صحيحة، وأحدهما أرجح من الآخر. القول الأول أنها من جلوس الإمام إلى انقضاء الصلاة، وصحة هذا القول ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي بردة بن موسى أن عبد الله بن عمر قال له: أسمعت أباك يحدث عن رسول الله ﷺ في شأن ساعة الجمعة شيئًا؟ قال: نعم سمعته يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة» (٢). والقول الثاني أنها بعد العصر، وهذا- كما يقول ابن القيم- أرجح القولين وهو قول عبد الله بن سلام وأبي هريرة والإمام أحمد وخلق، وحجة هذا القول ما رواه أحمد وغيره أن النبي ﷺ قال: «إن في الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها خيرًا إلا أعطاه إياه وهي بعد العصر». وروى سعيد بن منصور في سننه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ اجتمعوا فتذاكروا الساعة التي في يوم الجمعة فتفرقوا ولم يختلفوا إنها آخر ساعة من يوم الجمعة (٣).

стр. 226

فإن قلت: وكيف يكون آخر ساعة من يوم الجمعة والرسول ﷺ يقول: لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي .. ومن المعلوم أن آخر ساعة من الجمعة ليست محل صلاة .. فقد أجاب الرسول ﷺ على سؤال وجهه له عبد الله بن سلام حين قال: إنها ليست ساعة صلاة، فقال رسول الله ﷺ : «بلى إن العبد المؤمن إذا صلى ثم جلس لا يجلسه إلا الصلاة فهو في صلاة» فهل يحتسب المسلمون هذه الساعة يروضوا أنفسهم على الجلوس في المساجد ابتغاء ما عند الله .. وإذا لم يمكنه في كل جمعة فهل يحاول ولو بعض الجمع، وإذا لم يستطع المكوث في المسجد من صلاة العصر فهل يحرص على الأقل على الذهاب إلى المسجد قبل الأذان بوقت يكفيه للدعاء والابتهال إلى الله .. إلى ذلك خير من الدرهم والدينار .. بل لعله من أنفع طرق جمع الدرهم والدينار، وما عند الله خير وأبقى .. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون. أيها المسلمون، الصدقة في يوم الجمعة لها مزية على الصدقة في سائر الأيام، قال العلماء: والصدقة فيه بالنسبة إلى سائر أيام الأسبوع كالصدقة في شهر رمضان بالنسبة إلى سائر الشهور، وقال ابن القيم ﵀: وشاهدت شيخ الإسلام ابن تيمية- عليه رحمة الله- إذا خرج إلى الجمعة يأخذ ما وجد في البيت من خبز أو غيره فيتصدق به في طريقه سرًا وسمعته يقول: إذا كان الله قد أمرنا بالصدقة بين يدي مناجاة رسول الله ﷺ فالصدقة بين يدي مناجاته تعالى أفضل وأولى بالفضيلة (١). اللهم علمنا ما ينفعنا وأنفعنا بما علمتنا .. ووفقنا لطاعتك وجنبنا معصيتك يا حي يا قيوم .. أقول هذا القول وأستغفر الله.

стр. 227

الخطبة الثانية الحمد لله حمدًا كبيرًا طيبًا طاهرًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضاه، وأشهد ألا إله إلا الله الواحد الأحد الفرد الصمد، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله اللهم صل وسلم عليه وعلى إخوانه وآله وارض اللهم عن أصحابه وأتباعه إلى يوم الدين. أيها المسلون ... لابد من التفقه في دين الله، ولابد من معرفة أحكام شرع الله .. وهذه الفضائل وغيرها إنما تحصل لمن اتبع والتزم ولم يلغ ويؤذي غيره، يقول ﷺ «يحضر الجمعة ثلاثة نفر: رجل حضرها يلغو وهو حظه منها، ورجل حضرها يدعو، فهو رجل دعا لله إن شاء أعطاه وإن شاء منعه، ورجل حضرها بإنصات وسكون ولم يتخط رقبة مسلم ولم يؤذ أحدًا فهي كفارة له إلى يوم الجمعة التي يليها وزيادة ثلاثة أيام، وذلك أن الله يقول: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها» (١). فكن أخي المسلم ممن يحضر إلى الجمعة بإنصات وخشوع، وتأمل واستفادة مما يقال، فذلك خير من الدعاء والتشاغل دون الخطبة .. فضلاً عن اللغو والحديثة الآخر. ولتعلم أخي المسلم أن اللغو أو التشاغل يوم الجمعة أمره خطير وقد ورد: «من قال لصاحبه يوم الجمعة صه فقد لغا ومن لغا فلا جمعة له» بل فهم بعض العلماء أن المقصود بقوله تعالى: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾،

стр. 228

يشمل الإنصات يوم الجمعة، فقد ذكر ابن كثير عن سعيد بن جبير قال: الإنصات: يوم الأضحى ويوم الفطر ويوم الجمعة، وفيما يجهر به الإمام من الصلاة، وهذا اختيار ابن جرير- ﵀ أن المراد من ذلك الإنصات في الصلاة وفي الجمعة. ثم اعلموا معاشر المسلمين أن من أدرك ركعة من صلاة الجمعة مع الإمام فليضف إليها ركعة أخرى وقد تمت جمعته، ومن أدرك أقل من ركعة فقد فاتته الجمعة فيدخل مع الإمام بنية الظهر، ويصلي أربع ركعات (١) وهذه مسألة يغلط فيها كثير من الناس فليتفقهوا ذلك. ومن حضر الجمعة فلا يجوز له أن يتخطى رقاب الناس، فقد رأى النبي ﷺ وهو على المنبر رجلاً يتخطى رقاب الناس، فقال له: «اجلس فقد آذيت»، ولا يجوز للإنسان أن يحجز مكانًا في المسجد ويحرم الناس منه، إلا من عرض له عارض فقام ثم عاد قريبًا فهو أحق بمكانه. أما نافلة الجمعة قبل الصلاة فلا حدّ لها، وليس لها سنة راتبة، بل يتنفل بما شاء، أما النافلة الراتبة بعدها، فأقلها ركعتان، وأكثرها أربع (٢). قال العلماء: إن صلى النافلة في المسجد صلى أربعًا وإن صلى في بيته صلى ركعتين هذا هو المحفوظ من سنة النبي ﷺ لراتبة الجمعة بعدها، فقد روى ابن عمر ﵄ بسند قوي أن النبي ﷺ كان إذا صلى في المسجد صلى أربعًا وإذا صلى في بيته صلى ركعتين (٣) فاعلموا واعملوا بسنة المصطفى ﷺ ترشدوا.

стр. 229

إخوة الإسلام .. الله الله أن تغلبوا على هذه السنن، أو تفرطوا في هذه الواجبات، واشكروا الله إذ هيأ لكم هذا اليوم الفضيل لكي تتقربوا فيه إلى الله بالنوافل والواجبات، وجعل لهم يومًا يتفرغون فيه للعبادة، ويتخلون فيه عن أشغال الدنيا، ويوم الجمعة بالنسبة لنا معاشر المسلمين يوم عبادة وهو في الأيام- كما قال أهل العلم كشهر رمضان في الشهور، وساعة الاستجابة فيه كليلة القدر في رمضان، ولهذا قيل: من صح له يوم جمعته وسلم سلمت له سائر جمعته، ومن صلح له رمضان وسلم سلمت له سائر سنته، ومن صحت له حجته وسلمت له صح له سائر عمره، فيوم الجمعة ميزان الأسبوع، ورمضان ميزان العام، والحج ميزان العمر، وبالله التوفيق (١). بل لقد قيل: إن جهنم تسجر كل يوم إلا يوم الجمعة، وسر ذلك والله أعلم- كما نقل ابن القيم- أنه أفضل الأيام عند الله، ويقع فيه من الطاعات والعبادات والدعوات والابتهال إلى الله سبحانه ما يمنع فيه تسجير جهنم فيه .. وقيل كذلك: إن الموتى تدنو أرواحهم من قبورهم وتوافيها في يوم الجمعة، فيعرفون زوارهم ومن يمر بهم، ومن يسلم عليهم، ويلقاهم في ذلك اليوم أكثر من معرفتهم بهم في غيره من الأيام. فهو يوم يلتقي فيه الأحياء والأموات، فإذا قامت الساعة التقى الأولون والآخرين وأهل الأرض وأهل السماء، والرب والعبد، والعامل وعمله والمظلوم وظالمه والشمس والقمر. ولم يلتقيا قبل ذلك قط. فهو يوم التلاق ويح من يكشف سريرته في هذا اللقاء وقد أضمر من الشر والخداع ما أضمر .. ويا سعادة من يسر إذ تنشر صحائفه على الخلائق .. ذلك فضل الله يؤتيه من

стр. 230

يشاء .. اللهم لا تحرمنا فضلك ولا تجعلنا أشقى خلقك بك .. واجعل لنا من الخير نصيبًا وافرًا، ومن الشر والعجز والكسل مانعًا وحائلاً .. اللهم تقبل منا واغفر لنا وأعنا على أنفسنا، إنك على كل شيء قدير.

стр. 231

فيض العشر وفضل الدعاء الخطبة الأولى إن الحمد لله نحمده ونستعينه ... أما بعد إخوة الإسلام فها هي أيام رمضان تسارع مؤذنة بالانصراف والرحيل، وها هي أيام العشر تحل لتكون الفرصة الأخيرة لمن فرط في أول الشهر، أو لتكون التاج الخاتم لمن أصلح ووفي فيما مضى، إخوة الإيمان العشر الأخيرة من شهر رمضان سوق عظيم يتنافس فيه العاكفون، وموسم يضيق فيه المفرطون، وامتحان تبتلى فيها الهمم، ويتميز أهل الآخرة من أهل الدنيا .. طالما تحدث الخطباء، وأطنب الوعاظ، وأفاض الناصحون بذكر فضائل هذه الليالي .. ويستجيب لهذا النداء الحاني، والموعظة المشفقة قلوب خالط الإيمان بشاشتها، وآذان أصغت للمنادي واستقر في روعها أنه لا يريد إلا الخير ليس إلا .. فسلكت هذه الفئة المستجيبة طريق المؤمنين، وانضمت إلى قافلة الركع الساجدين، واختلطت دموع أصحابها بدعائهم في جنح الظلام، وربك يسمع ويجيب، ويجزي العاملين المخلصين، وما ربك بظلام للعبيد. أما الفئة الأخرى فتسمع النداء وكأنه لا يعنيها، وتسمع المؤمنين يتضرعون لخالقهم، وكأنه ليس لهم حاجة إلا ملء البطون والتفكير في الفروج .. ويا ليت شعري والمأساة أعظم أن هؤلاء نائمون قائمون .. فهم في عداد النائمين إذ لم يشهدوا مع المسلمين صلواتهم ودعاءهم وهم في عداد القائمين المضيعين لأوقاتهم والمزحين لفراهم بالقيل والقال والسهر الذي لا طائل من ورائه، ولا نفع يرجى من خلاله إلا من رحم الله.

стр. 232

فهل يتأمل الشاردون في غبنهم، وهل يعيد المفرطون الحساب مع أنفسهم ومع خالفهم، ونحن بعد في مستهل هذه العشرة التي ضمنها الله تعالى ليلة: العبادة فيها خير من العبادة في ما يزيد على ثلاثة وثمانين عامًا، وربك تعالى يقول ﴿ليلة القدر خير من ألف شهر﴾ وكم هي نعمة أن يتخفف المرء في هذا الشهر من الذنوب والأوزار التي لو كان لها جرم لما أطاق الإنسان حملها لثقلها، ولو كان للذنوب رائحة لزكمت الأنوف لشدة نتنها «ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه». هكذا يقول المصطفى ﷺ ، والذي يحتسبون على الله قيام ليالي العشر لابد وأن يدركوا هذه الليلة، فهي في العشر الأواخر، وهي في الأوتار أحرى وآكد. وفي الليل سواء كان في رمضان أو غيره- ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله شيئًا من أمور الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه، ولكم هو وقت النزول الإلهي، ومنه الثلث الأخير من الليل، يقول المولى ﷻ في هذه الساعة: هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ .. فأين أنت يا عبد الله عن هذا المورد العظيم، وإذا غلبتك نفسك في سائر العام أفلا تغلبها على الأقل في هذه الليالي والأيام. أخوة الإيمان إذا كان قيام الليل أعظم ما يرجى وأزكى ما يقدم في هذه العشر منحة قربات حري بالمؤمن أن يتقدم بها لمولاه في هذه الليالي والأيام الفاصلة .. فذكر الله على كل حال سياج من الشيطان ودرع واق للإنسان، ويكفي أن يعلم أن مثل الذي يذكر الله والذي لا يذكره كمثل الحي والميت .. ويرحم الله أمواتًا رغبوا لأنفسهم الموت وهم بعد أحياء، ويرحم الله أمواتًا إذا ذكرهم الناس ذكروا الله وإن كانوا أجداثًا في قبورهم. فليس من مات فاستراح ... بميت إنما الميت ميت الأحياء.

стр. 233

فلا تمت نفسك أخي المسلم بالغفلة عن ذكر الله وأنت بعد على قيد الحياة. وبادر باغتنام هذه العشر لمزيد ذكر الله والأنس به ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾ ومن رحمة الله أن فضل الذكر عظيم وهو لا يكلف المرء عناءً، وبإمكان المرء أن يذكر الله قائمًا أو قاعدًا أو على جنبه. فلا يستحوذن عليكم الشيطان. عباد الله حذار أن ينسيكم الشيطان ذكر الله والباري يقول في محكم التنزيل ﴿استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون﴾. ومن الأمور المعينة على ذكر الله الاعتكاف في المساجد، وهي سنة أغفلها كثير من الناس، ومنها انقطاع عن الخلق واتصال بالخالق تعين المرء على ذكره والإنس به وحده، وفيها تفريغ للقلب من المشاغل التي طالما فرقته في أودية الدنيا وهمومها، ويخطأ بعض الناس فيظن أن الاعتكاف لازم للعشر كلها، وليس الأمر كذلك فبإمكان الإنسان أن يعتكف نصفها، أو بعضًا منها، أو يومًا أو ساعةً منها، فهل تحيي هذه السنة النبوية في مساجدنا وتشجع كبارنا وصغارنا على المسارعة في الخيرات واغتنام الأوقات؟ وليس يخفي أن الإكثار من تلاوة القرآن، والسنن النوافل والصدقات، وصلة الأرحام، والعمرة، ونحوها من القربات، تحسن في كل حال، ولها ميزتها في مثل هذه الأيام، ولا تنسوا أنكم مقبلون على إجازة، الكيس منكم من استثمرها في الطاعة، والمسكين من فرط فيها بكثرة النوم وضياع الأوقات. أيها المسلمون وثمة عبادة يحسن التذكير بها في كل حال، وهذه الليالي والأيام بالذات ميدان للاجتهاد فيها- ألا وهي الدعاء. إخوة الإيمان والدعاء هو سهام الليل يطلقها القانتون، وهي حبل ممدود بين السماء والأرض يقدره حق قدره عباد الله المخلصون.

стр. 234

هو الربح ظاهرًا بلا ثمن، وهو المغنم في الدنيا والآخرة بلا عناء، هو التجارة الرابحة يملكها الفقراء كما يملكها الأغنياء على حد سواء، يتفاوت الناس في هذه العبادة بين مقل ومستكثر، بين حاضر القلب، وشارد الذهن، بين خاشع متأمل لما يقول وبين قاس القلب لا يتأثر ولا يلين وهو طريق للفلاح في الآخرة، وهو سبب من أسباب السعادة في الدنيا بإذن الله ذلكم هو الدعاء، بل هو العبادة، كما قال ﵊: «الدعاء هو العبادة» (١). قال الله تعالى: ﴿وقال ربكم ادعوني استجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾ (٢). فالآية في بدئها تسمية الدعاء، وفي نهايتها أطلق عليه العبادة، مما يؤكد لك أهمية الدعاء، وكونه هو العبادة. وإذا كان الله يصف الراغبين عن الدعاء بالاستكبار كما في الآية السابقة، فاعلم أخي المسلم- أن ليس شيء أكرم على الله من الدعاء، كما أخبر بذلك المصطفى ﷺ في الحديث الذي رواه الترمذي وابن ماجه بسند حسن (٣) - يا أخا الإسلام أترغب أن توصف بالعجز والكسل، وهل علمت أن المقصر في الدعاء من أعجز الناس بقول الرسول ﷺ «أعجز الناس من عجز عن الدعاء وأبخل الناس من بخل بالسلام» (٤). لقد أمر الله المسلمين بالدعاء ووعدهم بالاستجابة، وهل بعد ذلك من كرم، فقال أكرم الأكرمين: ﴿وقال ربكم ادعوني استجب لكم﴾، لكنها الاستجابة

стр. 235

المشروطة بالاستجابة لله والإيمان به، وهذا وذاك طريق الرشد وسبيل الخير ﴿وإذا سألك عبادي عني فاني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون﴾ (١). وهل علمت أخا الإسلام أن الدعاء وتعليمه يأتي في مرتبة تالية للصلاة، للداخلين في الإسلام فقد كان الرجل إذا أسلم علمه النبي ﷺ الصلاة ثم أمره أن يدعو بهؤلاء الكلمات «اللهم اغفر لي وارحمني، واهدني وعافني وارزقني» وكان ﵊ يقول في فضل هذه الدعوات: إنها تجمع الدنيا والآخرة (٢). وهل علمت أن صاحب الدعاء كاسب على كل حال إذا لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، وتأمل جيدًا هذا الحديث النبوي الشريف الذي قال فيه النبي ﷺ : «ما على الأرض مسلم يدعو الله تعالى بدعوة إلا أتاه الله إياها، أو صرف عنه من السوء مثلها ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، فقال رجل من القوم: إذا نكثر (يعني من الدعاء) قال ﷺ : الله أكثر (٣). وحاصل ذلك أن الداعي لا يعلم أحد ثلاثة أمور، إما أن يستجاب دعوته عاجلاً، أو تأخر له في القيامة، أو يدفع عنه من السوء مثلها. وهذا أو ذاك لا شك فضل عظيم ومنة من الله يمتن بها على عباده الداعين، اسأل الله سبحانه وتعالي أن يتقبل منا إنه هو السميع العليم.

стр. 236

الخطبة الثانية فإذا عرفت فضل الدعاء وأهميته فينبغي أن تعرف أن للدعاء آدابًا وسننًا، تخفي على كثير من الناس، ومعرفتها والعمل بها سبب في استجابة الدعاء بإذن الله. فمن آداب الدعاء أن يبتدأ الداعي دعوته بحمد الله والثناء عليه والاعتراف بتقصير العبد وحاجته إلى الله، وقد سمع رسول الله ﷺ رجلاً يدعو ويقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، فقال ﷺ «لقد سألت الله تعالى بالاسم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب». وفي رواية: «لقد سألت الله باسمه الأعظم» (١). بما هو أهله وتأمل في دعاء ذي النون إذ دعا ربه وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب له (٢). وإذا كان هذا الثناء على الله في بدء الدعاء، فمن آداب الدعاء وسننه كذلك أن نختمه بالصلاة والسلام علي الرسول ﷺ ، وقد جاء في الحديث لا يزال الدعاء معلق بين السماء والأرض حتى يصلي الداعي على الرسول، فإذا صلى رُفِعَ الدعاء. وفي صحيح الجامع «كل دعاء محجوب حتى يُصَلِّي على النبي ﷺ ». فهل تعمل بهذا الأدب في الدعاء في البدء والنهاية إن ذلك أرجى للقبول وأدعى لفتح أبواب السماء.

стр. 237

ومن سنن الدعاء أن يختار الداعي الأوقات الفاضلة، والأزمنة الشريفة، كيوم عرفة، وشهر رمضان، ويوم الجمعة، والثلث الأخير من الليل، ووقت الأسحار، وبين الأذان والإقامة، ودبر الصلوات. وقد سئل رسول الله ﷺ : أي الدعاء أسمع؟ قال: جوف الليل الآخر، ودبر الصلوات المكتوبة (١). ومن آداب الدعاء- بل هو من أهم الآداب- حضور القلب وخشوعه لله ومعرفة ما يدعو به، فإن الغافل اللاهي تتحرك شفتاه بالدعاء وقلبه مشتغل بأمر آخر وأنَّى لهذا الدعاء أن يصعد للسماء، والحق يرشدنا إلى هذا الأدب ويقول ﴿ادعوا ربكم تضرعًا وخفية إنه لا يحب المعتدين﴾ (٢). ويصف حال طائفة من المؤمنين فيقول عنهم: ﴿إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبًا ورهبًا وكانوا لنا خاشعين﴾ (٣). ومن آداب الدعاء وسننه بدأ يستقبل القبلة ويكون على طهارة، فذلك أقرب للقبول وإن لم يكن ذلك شرطًا لازمًا فيمكن أن يدعو المرء على كل حال وفي أي اتجاه كان- لكن إن تيسر له الاستقبال وكان على وضوء فهو أولى وأحرى. ومن آداب الدعاء أن يعزم الداعي الدعاء، ويوقن بالإجابة، فلا يقول مثلاً: اللهم اغفر لي إن شئت، أو ارزقني إن رغبت، فإن الله لا مكره له، بل يعزم المسألة، ولا يخامره شك في الاستجابة واضعًا ذهنه أنواع الاستجابة المعملة أو الموكلة أو دفع السوء والمكروه، كلما تقدم قال سفيان بن عيينه يرحمه الله:

стр. 238

لا يمنعن أحدكم من الدعاء ما يعلمه من نفسه، فإن الله تعالى أجاب شر المخلوقين إبليس إذ ﴿قال أنظرني إلى يوم يبعثون قال إنك من المنظرين﴾ (١). ومن آداب الدعاء عدم التكلف في الدعاء، وخفض الصوت، وتكرار الدعاء ثلاثًا والإلحاح في الدعاء، والدعاء في الرخاء إذ هو سبب لقبول الدعاء في حال الشدة والضر، وقد ورد في الحديث: «من سره أن يستجيب الله تعالى له عند الشدائد والكرب فليكثر الدعاء في الرخاء» (٢). هذه أبرز آداب الدعاء، ويبقى بعد ذلك أمر مهم وهو معرفة موانع الاستجابة للدعاء ليتجنبها. ومن أبرز أسباب عدم قبول الدعاء المطعم الحرام والملبس الحرام، ورد في ذلك خبر الأشعث الأغبر الذي لا يزال يسأل ومطعمه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب له الحلال يستجب الله دعاءكم. ومن موانع الاستجابة: الاستعجال في الدعاء والتوقف عنه والرسول ﷺ يقول: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول: قد دعوت ربي فلم يستجب لي» (٣). وفي رواية لمسلم قيل يا رسول الله ما الاستعجال؟ قال: «يقول قد دعوت وقد دعوت فلم أر من يستجب لي فيستخسر عند ذلك ويدع الدعاء» (٤). ومن موانع الاستجابة في الدعاء الاعتداء في الدعاء والزيادة عن المشروع، والله تعالى يقول: ﴿دعوا ربهم تضرعًا وخفية إنه لا يحب المعتدين﴾ (٥) وكم من

стр. 239

دعوة بلغت عنان السماء وصاحبها خاشع لا يكاد جاره يسمع به لكن قلبه مرتبط بالسماء وشفتاه وقسمات وجهه تعبر عن صدق التضرع والالتجاء وكم من داع علا صوته وأسمع من حوله .. ولكن دعوته لم تتجاوز حدود مكان الدعاء، ولم يؤذن لها باختراق الحجب، بسبب اعتداء صاحبها أو تفريطه في الذنوب والمعاصي وعدم إقباله على الله بصدق وإخلاص وتوبة نصوح. وأخيرًا يبقى أن تعلم أخي السلم- أختي السلطة- نماذج من الدعاء، حرص النبي ﷺ على تكرارها أو أوصى أحد أصحابه بالدعاء بها، فهي عون لك بإذن الله، وهب في عداد جوامع الدعاء التي ينبغي الحرص عليها وتكرارها، ومن هذه الأدعية الجوامع: «اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك» رواه مسلم. وعلم أبا بكر أن يقول في الصلاة: «اللهم أني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم». (متفق عليه). قال الإمام النووي: وهذا الدعاء وأيه كان ورد في الصلاة فهو حسن نفيس صحيح فيستحب في كل موطن، وقد جاء في رواية «وفي نيتي» (١). وفي صحيح البخاري ومسلم عن أنس ﵁ قال: كان أكثر دعاء النبي ﷺ : «اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار» زاد مسلم في روايته قال «وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة دعا بها، فإذا أراد أن يدعو بدعاء دعا بها فيه» (٢).

стр. 240

ومن الأدعية التي ينبغي الإكثار منها: يا ذا الجلال والإكرام، فقد ورد: «ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام» (١) والمعنى الزموا هذه الدعوة وأكثروا منها. وجاء رجل إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله: أي الدعاء أفضل؟ قال: «سل ربك العافية والمعافاة في الدنيا والآخرة»، ثم أتاه في اليوم الثاني فسأله فقال له مثل ذلك، ثم أتاه في اليوم الثالث كذلك فقال له مثل ذلك، وقال: «فإذا أعطيت العافية في الدنيا وأعطيتها في الآخرة فقد أفلحت» (٢). ومن جوامع الدعاء ما علمه النبي ﷺ عائشة ﵂: اللهم إني أسألك من الخير كله عاجله وآجله وأعوذ بك من الشر كله .. وأسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار .. وأسألك خير ما سألك به عبدك ورسولك محمد ﷺ وأعوذ بك من شر ما استعاذك منه عبدك ورسولك ... وأسألك ما قضيت لي من أمر أن تجعل عاقبته رشدًا (٣). إخوة الإسلام ومن رحمة الله بنا وسعة فضله علينا في الدعاء أنه لا يعجل بإجابة الداعي على نفسه أو ولده أو ماله بالشر في حال الضجر والغضب وضعف النفوس، وذلك لعلمه سبحانه أن ذلك غير مقصود منا، وإنما هو التفريج عن الشدة التي نجدها أحيانًا في نفوسنا، فنظن أننا نفرغها بالدعاء على أنفسنا وأموالنا وأولادنا. وبعكس ذلك في دعائنا بالخير فهو يستعجل الإجابة لنا، ويعطينا سؤلنا أو يدخر لنا خيرًا منه في أخرانا. ولكم معاشر المسلمين فضل من الله وإحسان ..

стр. 241

ويأملوا في حقيقة ذلك في قوله تعالى ﴿ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم فنذر الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون﴾ (١). ومع ذلك- إخوة الإيمان- فلا ينبغي للمسلم أن يكثر من الدعاء على نفسه أو ولده أو ماله، مهما ضجر أو غضب، فالعاقبة وخيمة كلما قال ﵊ «لا تدعوا على أنفسكم، لا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة فيها إجابة فيستجيب لكم» (٢). قال مجاهد في تفسير هذه الآية ﴿ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير﴾ وهو قول الإنسان لولده وماله إذا غضب عليه «اللهم لا تبارك فيه والعنه، فلو يعجل لهم الاستجابة في ذلك كما يستجاب لهم في الخير لأهلكهم» (٣).

стр. 242

النصر والتمكين في يوم عاشوراء (١) الخطبة الأولى إن الحمد لله نحمد ونستعينه .. أما بعد إخوة الإسلام فإن ثوبي الكبرياء والعظمة لله لا ينبغي لأحد من البشر مهما كان أن ينازع فيهما، قال الله تعالى في الحديث القدسي «الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري فمن نازعني واحدًا منهما قذفته في النار» (٢) والظلم مرتعه وخيم، والمكر السيئ لا يحيق إلا بأهله تلك معان وحقائق يعرضها علينا القرآن في أكثر من مشهد وغير واحد من المواقف والقصص في أخبار السابقين، ولكنها تتجلى بشكل واضح، ويزداد تكرارها في القرآن في قصة موسى ﵇ وفرعون اللعين، بشكل ملفت للنظر لمن تمعن في قصص القرآن، فلماذا يكثر ذكر قصة موسى ﵇ مع فرعون في القرآن؟ وقد أجاب أهل التفسير عن ذلك بأنها من أعجب القصص، أما وجه العجب فقالوا: إن فرعون حذر من موسى كل الحذر فسخره الله أن ربى هذا الذي يحذر منه على فراشه ومائدته بمنزلة الولد، ثم ترعرع وعقد الله له سببًا أخرجه من بين أظهرهم، ورزقه النبوة والرسالة والتكليم، وبعثه الله إليه ليدعوه إلى الله تعالى ليعبده ويرجع إليه، هذا مع ما كان عليه فرعون من عظمة الملك والسلطان، فجاءه برسالة الله وليس له وزير سوى أخيه هارون ﵇، فتمرد فرعون واستكبر وأخذته الحمية والنفس الخبيثة الأبية وركب رأسه وتولى بركنه وادعى ما ليس له

стр. 243

وتهجم على الله وعتا وبغى، وأهان حزب الإيمان من بني إسرائيل، والله تعالى يحفظ رسوله موسى وأخاه هارون- ﵉ ويحوطهما بعنايته ويحرسهما بعينه التي لا تنام، ولم تزل المحاجة والمجادلة والآيات تقوم على يدي موسى شيئًا بعد شيء ومرة بعد مرة مما يبهر العقول ويدهش الألباب مما لا يقوم له شيء، ولا يأتي به إلا من هو مؤيد من الله، وصمم فرعون وملأه- قبحهم الله- على التكذيب بذلك كله، والجهد والعناد والمكابرة حتى أحل الله بهم بأسه الذي لا يرد، وأغرقهم في صبيحة واحدة أجمعين ﴿فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين﴾ (١). فهل من مدكر؟ وكيف وقع الغرق؟ وما هي عاقبة الظلم والطغيان، وكيف نستفيد من قصص القرآن؟ تلك أسئلة مهمة، ومفتاح الإجابة عليها في أمثال قوله تعالى ﴿وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون﴾ (٢). وفي قوله تعالى ﴿وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيًا وعدوًا حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين * الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين * فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيرًا من الناس عن آياتنا لغافلون﴾ (٣). وتأويل ذلك: أن بني إسرائيل حين خرجوا من مصر صحبة موسى ﵇ وهم فيما قيل ستمائة ألف مقاتل سوى الذرية- ويقال: إن إسرائيل وهو يعقوب ﵇

стр. 244

حين دخل مصر دخلها في ستة وسبعين نفسًا من ولده وولد ولده، فأنمى الله عددهم وبارك في ذريتهم (١) وكانوا بنو إسرائيل حين خرجوا قد استعاروا وكان من القبط حليًا كثيرًا (ومتاعًا وأحل الله ذلك لبني إسرائيل) (٢) فخرجوا به معهم، فاشتد حنق فرعون عليهم، فأرسل في المدائن حاشرين، يجمعون له جنوده من أقاليمه، فركب وراءهم في أبهة عظيمة وجيوش هائلة لما يريده الله تعالى بهم، ولم يتخلف عنه أحد ممن له دولة وسلطان في سائر مملكته فلحقوهم وقت شروق الشمس (وذكر الطبري أن فرعون أعلم أن موسى سرى ببني إسرائيل من أول الليل فقال: لا يتبعهم أحد حتى تصيح الديكة، فلم يصح تلك الليلة بمصر ديك، وأمات الله تلك الليلة كثيرًا من أبناء القبط فاشتغلوا في الدفن وخرجوا في الاتباع مشرقين (٣) ﴿فلما تراءا الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون﴾ وذلك إنهم لما انتهوا إلى ساحل البحر وأدركهم فرعون لم يبق إلا أن يتقاتل الجمعان، وألح أصحاب موسى ﵇ عليه بالسؤال كيف المخلص مما نحن فيه؟ فيقول: إني أمرت أن أسلك ﴿ها هنا كلا إن معي ربي سيهدين﴾ فعندما ضاق الأمر اتسع، فأمره الله أن يضرب البحر بعصاه، فضربه فانفلق ﴿فكان كل فرق كالطود العظيم﴾ أي كالجبل العظيم، وصار اثني عشر طريقًا لكل سبط واحد، وأمر الله الريح فنشفت أرضه ﴿فاضرب لهم طريقة في البحر يبسًا لا تخاف دركًا ولا تخشى﴾ وتخرق الماء بين الطرق كهيئة الشبابيك ليرى كل قوم ألاخرين حتى لا يظنوا أنهم هلكوا، وجاوز بنوا إسرائيل البحر، فلما خرج آخرهم منه انتهى فرعون وجنده إلى حافته من الناحية الأخرى (وعدتهم فيما قيل ألف ألف ومئتا ألف) (٤)

стр. 245

ومعهم مائة ألف أدهم (فرس) سوى بقية الألوان، فلما رأى ذلك فرعون هاله البحر وأحجم وهاب وهم بالرجوع وهيهات ولا حين مناص، نفذ القدر واستجيبت الدعوة، وجاء جبريل على فرس وديق حائل (ويقال إنه لم يكن في خيل فرعون فرس أنثى، ويقال أن جبريل جاء في صورة هامان وقال له: تقدم، ثم خاض البحر فتبعهما حصان فرعون وميكائيل يسوقهم لا يشذ منهم أحد (١) ولم يبق فرعون يملك من نفسه شيئًا فتجلد لأمرائه، وقال لهم: ليس بنو إسرائيل بأحق بالبحر منا. فاقتحموا كلهم عن آخرهم، فلما اجتمعوا فيه وتكاملوا، وهو أولهم بالخروج منه أمر الله القدير البحر أن فارتطم عليهم، فارتطم فلم ينج منهم أحد، وجعلت الأمواج ترفعهم وتخفضهم، وتراكمت الأمواج فوق فرعون وغشيته سكرات الموت فقال وهو كذلك ﴿آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين﴾ فآمن حيث لا ينفعه الإيمان ﴿فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون﴾ (٢). وهكذا قال الله تعالى في جواب فرعون حين قال ما قال ﴿آلان وقد عصيت قبل﴾ أي أهذا الوقت تقول وقد عصيت الله قبل هذا فيما بينك وبينه ﴿وكنت من المفسدين﴾ (٣). إخوة الإسلام هذا الذي حكاه الله عن فرعون في حاله ذاك من أسرار الغيب التي يعلم الله بها رسوله محمدًا ﷺ فلم يسمعها، بل ربما لم يسمعها أحد من خلقه بقي على الحياة بعد فرعون، ولكن جبريل وقد حضر الواقعة وسامع

стр. 246

الكلمة- أوحى بها بأمر الله إلى نبيه محمد ﷺ ، وبلغه كذلك بغيرها مما وقع بينه وبين فرعون قي لحظاته الأخيرة، فقد أخرج الإمام أحمد والترمذي عن ابن عباس ﵄ قال قال رسول الله ﷺ : لما قال فرعون ﴿آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل﴾ قال: قال لي جبريل: يا محمد لو رأيتني وقد أخذت حالاً من حال البحر (وهو الطين الأسود في قاع البحر) فدسسته في فيه مخافة أن تناله الرحمة» (١). تلك واحدة من أسرار القرآن، وهي معدودة في دلائل نبوته ﵇ حتى قال الطبري «وفي أخبار القرآن على لسان محمد ﵊ بهذه المغيبات التي لم تكن من علم العرب ولا وقعت إلا في حق بني إسرائيل دليل واضح عند بني إسرائيل قائم عليهم بنبوة محمد ﷺ (٢). والحادثة بمجملها تؤكد نهاية الطغيان وهلاك المجرمين، ونصرة الحق ونجاة المؤمنين، وإذا كانت هذه الحقيقة بارزة في هذا المشهد والحق ينتصر على مشهد من الناس في هذه الحياة، فليس ذلك شأن القصص كله في القرآن، إذ ليس أمد النصر ينتهي في هذه الحياة: وليس معنى النصر مقصورًا على النصر المحسوس للناس، فقد ينال النصر فرد أو مجموعة من الصادقين وإن خيل للناس أنهم قد استضعفوا أو أهينوا أو غلبوا في هذه الحياة الدنيا أجل لقد انتصر الخليل ﵇ على الطغاة وإن قذف في النار، وانتصر أصحاب الأخدود وإن حفرت لهم الأخاديد وأحرقوا، وانتصر الغلام المؤمن وإن كانت روحه قد أزهقت على ملأ الناس الذي لم يتمالكوا أنفسهم وقالوا آمنا برب الغلام. وهكذا يبدو النصر أشمل من صورته الظاهرة المحسوسة، وينبغي أن يعلم الناس أن الثبات على المبدأ الحق حتى الممات نصر، وأن نصر المبادئ والقيم

стр. 247

نجاح ونصر، وينبغي ألا يصاب الناس بالإحباط إذا لم يشهدوا نصر الحق وأهله في هذه الحياة الدنيا، فليست هذه الدار نهاية المطاف، بل وليست أعمارهم هم مستغرقة لكل هذه الحياة الدنيا وقد يشهد أبناؤهم أو أحفادهم النصر الذي بذرت بذوره الأولى في عهد آبائهم وأجدادهم، ولهذا أوحى الله إلى نبيه ﷺ فيما أوحى ﴿وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون﴾ (١)، وأوحى إليه أيضًا ﴿فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون﴾ (٢). كل ذلك حتى لا يستعجل النصر ولا يتعلق به أكثر وتعلقه بتهيئة أسبابه والصبر على متطلباته. تلك قيمة كبرى من قيم القرآن، وعبرة عظمى من عبر التاريخ لابد من وعيها. ولله الأمر من قبل ومن بعد ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

стр. 248

الخطبة الثانية الحمد لله الواحد القهار، ذي الجبروت والسلطان، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر أنبياء الله ورسله، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. إخوة الإسلام ثمة درس ثالث وقيمة كبرى نستفيدها من قصص القرآن ألا وهي الحفاظ على النصر، ومضاعفة الشكر حين تتضاعف النعم، وكما يمتحن الله بالضعف والذلة والهزيمة والمطاردة يمتحن بذلك بالقوة والعزة والنصر والتمكين، فمن الناس من يصبر حال الضعف والقلة، ولا يشكر في حال القوة والكثرة، والمؤمنون الصادقون هم الذين يصبرون في الضراء ويشكرون في السراء قال ﵊ «عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له» رواه مسلم. ووصف الله عباده الذين يستحقون التمكين في الأرض ويستحقون النصر بقوله ﴿ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور﴾ (١). وتعالوا بنا إخوة الإيمان لنقرأ على عجل شيئًا من تاريخ هذه الأمة التي نصرت ورأت من آيات الله الباهرات ما رأت، هل قدرت هذا النصر وأورثها التقى والهدى واتباع المرسلين، أم زاغت وحرفت وبدلت وآذت المرسلين؟ .

стр. 249

إن تاريخ بني إسرائيل شهد من المعجزات على يدي موسى ﵇ ما لم تشهده أمة من الأمم قبلهم، وشهد في الوقت نفسه من الحيل والصدود والإيذاء لموسى ﵇ ما يجل عن الوصف، وحذرت هذه الأمة أن تسلك مسلكهم ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيهًا﴾ (١). وإليكم طرفًا من سيرتهم: ذكر أبو بكر بن أبي شيبة عن قيس بن عباد أن بني إسرائيل قالت: وما مات فرعون وما كان ليموت أبدًا، فلما أن سمع الله تكذيبهم بنبيه ﵇ رمى به على ساحل البحر كأنه ثور أحمر يتراءاه بنو إسرائيل، فلما اطمأنوا وبعثوا من طريق البر إلى مدائن فرعون حتى نقلوا كنوزه وغرقوا في النعمة رأوا قومًا يعكفون على أصنام لهم قالوا: يا موسى اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة- حتى زجرهم موسى وقال: أغير الله أبغيكم إلهًا وهو فضلكم على العالمين- أي عالمي زمانه- ثم أمرهم أن يسيروا إلى الأرض المقدسة التي كانت مساكن آبائهم ويتطهروا من أرض فرعون، وكانت الأرض المقدسة في أيدي الجبارين قد غلبوا عليها، فاحتاجوا إلى دفعهم عنها بالقتال، فقالوا: أتريد أن تجعلنا لحمة للجبارين، فلو أنك تركتنا في يد فرعون لكان خيرًا لنا فدعا عليهم وسماهم فاسقين .. فبقوا في التيه أربعين سنة عقوبة لهم، ثم رحمهم فمن عليهم بالسلوى والغمام. ثم سار موسى ﵇ إلى طور سيناء ليجيئهم بالتوراة فاتخذوا العجل، ثم قيل لهم: قد وصلتم إلى بيت المقدس فادخلوا الباب سجدًا وقولوا حطة، فبدلوا وأنزل الله بهم وأنزل كما في القرآن الكريم، وكان موسى ﵇ شديد الحياء

стр. 250

ستيرًا وكانوا هم يغتسلون عراة يرى بعضهم عورة بعض، فقالوا: ما استتر إلا أنه آدر أي من عيب خلقي في خصيته- حتى كشف الله لهم الحقيقة حينما ذهب الحجر بثوبه فأبصروه لا عيب فيه، ولما مات هارون قالوا: أنت قتلته وحسدته حتى نزلت الملائكة بسريره وهارون ميت عليه .. إلى غير ذلك من مواقفهم المشينة حتى بلغ بهم الأمر أن بدلوا التوراة، وافتروا على الله، وكتبوا بأيديهم ما لم يأذن به الله، واشتروا به عرضًا من الدنيا، ثم صار أمرهم إلى أن قتلوا أنبياءهم ورسلهم، فهذه معاملتهم مع ربهم وسيرتهم في دينهم وسوء أخلاقهم (١). أجل لقد شاء الله أن تكون هذه الأمة نموذجًا لمن بغى وتجبر وأعرض وأنكل بعد أن أبصر من آيات الله ما أبصر فأحل الله بهم بأسه ومسخهم قردة وخنازير وألحقهم بمن سلفهم، وكذلك تعمى القلوب وتصم الآذان عن رؤية الحق وسماع الهدى لدى القوم الفاسقين الغافلين، وصدق الله ﴿وما تغنى الآيات والنذر عن قوم ير يؤمنون﴾ (٢). إخوة الإيمان هذه الملحمة الكبرى وهذا النصر المبين لحزب الله المؤمنين والغرق والهلاك للطغاة والمفسدين وقع كله في العاشر من هذا الشهر شهر الله المحرم، وعليه فيوم عاشوراء يوم من أيام الإيمان، ومناسبة تستحق الشكر والعرفان- بما شرع الله لا بما يهوى البشر، لا بما يتوارثه أصحاب النحل والملل والأهواء الفاسدة. وقد قدر المؤمنون على مدار التاريخ هذا اليوم وعظموه وكانت اليهود يصومون ويقولون: إن موسى ﵇ صامه شكرًا لله، فصامه الرسول ﷺ وقال:
следующие страницы →