← Джавами‘

Джавами‘ · id 20948

شعاع من المحراب

سليمان بن حمد العودة

Полный текст (3 545 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

(٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ (١). ورد في سبب نزول هذه الآية الكريمة عن عائشة ﵂ قالت: جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إنك لأحبُّ إليّ من نفسي، وأحبُّ إليَّ من أهلي، وأحبُّ إليَّ من ولدي، وإني لأكونُ في البيت فأذكركَ فما أصبرُ حتى آتيك فأنظر إليك، وإذا ذكرتُ موتي وموتك عرفتُ أنك إذا دخلت الجنةَ رُفعت مع النبيين، وإن دخلتُ الجنة خشيتُ أن لا أراك، فلم يردَّ عليه النبي ﷺ حتى نزلت عليه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ (٢) الآية. رواه ابن مردويه، والمقدسيُ في «صفة الجنة» وقال: لا أرى بإسناده بأسًا (٣). عباد الله: وإذا كان هذا نموذجًا لمحبة الأصحاب لمحمد ﷺ ، فهناك نموذجًا آخر لمحبة الأصحاب بعضهم بعضًا وما فيه من مغنم: عن أبي إدريس الخولاني قال: دخلتُ مسجدَ دمشق، فإذا فتًى براقُ الثنايا والناسُ حوله، فإذا اختلفوا في شيء أسندوه إليه وصدروا عن رأيه، فسألتُ عنه فقالوا: هذا معاذُ بنُ جبلٍ، فلما كان الغدُ هجَّرتُ إليه، فوجدتُه قد سبقني بالتهجير، ووجدتُه يصلي، فانتظرتُه حتى قضى صلاته، ثم جئتُه من قِبَلِ وجهه، فسلمتُ عليه، ثم قلتُ: والله إني لأُحبك في الله، فقال: آلله؟ فقلتُ: آلله، فقال: آلله؟ فقلتُ: آلله، فأخذ بحبوة ردائي فجبذني إليه وقال: أبشر، فإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «قال اللهُ ﵎: وجبت محبتي للمتحابين فيَّ، والمتجالسين فيَّ، والمتزاورين فيَّ، والمتباذلين فيَّ». أخرجه مالكٌ في «الموطأ»، والحاكمُ وصححه، وابنُ عبد البرِّ وغيرُهم (٤).

стр. 1857

يا أخا الإسلام: أفلا يقودُك هذا الحديثُ ومثلُه إلى محبة الخيِّرين والقربِ منهم والجلوسِ إليهم، والله تعالى يقول يوم القيامة: «أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلُّهم في ظلِّي يوم لا ظلَّ إلا ظلِّي». أخرجه مسلمٌ ومالك في «الموطأ» (١). ورسولُه ﷺ يقول: «إن من عبادِ الله لأُناسًا ما هم بأنبياءَ ولا شهداء، يغبطهم الأنبياءُ والشهداءُ يوم القيامةِ بمكانهم من الله». قالوا: يا رسولَ الله تخبرنا مَن هم؟ قال: «هم قومٌ تحابُّوا بروح الله على غيرِ أرحامٍ بينهم، ولا أموالٍ يتعاطونها، فوالله إن وجوَههُم لنورٌ، وإنهم لعلى نورٍ، لا يخافون إذا خاف الناسُ، ولا يحزنون إذا حزنَ الناسُ». وقرأ هذه الآية: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٢). أخرجه أبو داود، وفي سنده انقطاع، ولكن رواه ابنُ حبان في «صحيحه» بسند حسن، وأورد المنذريُّ في «الترغيب» حديثًا بمعناه وحسَّن إسناده، والحاكمُ وقال: صحيح الإسناد (٣). يا أخا الإسلام: وإن قعدتْ بك همتُك عن مجاراةِ الخيِّرين في طاعاتهم وعباداتهم، فلا تنفكَّ عن محبتهم والتشبُّه بهم، وهاك هذه البشارة فاعقلها وعضَّ عليها بالنواجذ: روى البخاريُ ومسلم عن ابن مسعودٍ ﵁ قال: جاء رجلٌ إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله: كيف ترى في رجلٍ أحبَّ قومًا ولمَّا يلحق بهم؟ فقال رسولُ الله ﷺ : «المرءُ مع من أحبَّ» (٤). وإذا كان صحابة رسول الله ﷺ قد فرحوا بها واستبشروا، حتى قال أنس:

стр. 1858

فما فرح المسلمون فرَحهم بهذا الحديث (١). أفلا يدعوك ذلك للفرح والبُشرى ومحبّةِ الخير لأهلِه صدقًا وعدلًا، لا نفاقًا أو رياءً؟ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (٢).

стр. 1859

الخطبة الثانية: الحمد لله ربِّ العالمين، يُحب التوابين ويحب المتطهرين، ويحب المحسنين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا يحب الفاحش المتفحش ولا يحب البذيء، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أخبر أن عطاء الله لعبدٍ من أمور الدنيا لا يعني المحبة والرضا فقال: «إذا رأيتَ اللهَ تعالى يُعطي العبدَ من الدنيا ما يُحبُّ وهو مقيمٌ على معاصيه، فإنما ذلك منه استدراجٌ» رواه أحمد وغيره بسند صحيح (١). اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. أيها المسلمون: ومن عظمة هذا الدين أنه يُشيع المحبةَ بين المسلمين فيجزي على الابتسامة المؤنسة: «وتبسُّمكَ في وجْهِ أخيك صدقةٌ». ويهدي لاختيار أطيب عبارةٍ حين المحادثة، ويرتب عليها المثوبة: «والكلمةُ الطيبةُ صدقةٌ» ويدعو إلى النظرة الهادفة لتأليف القلوب، وقد كان ﷺ يُقبِل بوجهه وحديثه على أشرِّ القومِ يتألَّفهم بذلك - كما قال عمرو بنُ العاص ﵁ (٢). كان من هديه ﷺ بسطُ النفس ومداعبة من يحتاج إلى المداعبة .. وكلُّ ذلك تشريعٌ للأمةِ ودعوةٌ لها إلى مكارم الأخلاق، وإشاعةِ المحبةِ والخير بين المسلمين. بل دعا إلى إظهار المحبة بين المتحابين؛ لأنه أبقى في الألفةِ وأثبتُ في المودة، وفي هذا يقول ﵊: «إذا أحبَّ أحدكم أخاه في الله، فليُعْلمْه، فإنه أبقى في الألفةِ وأثبتُ في المودَّة»، رواه ابنُ أبي الدنيا بسندٍ حسنٍ، عن مجاهد مرسلًا (٣). بل لقد ورد في بعض روايات الحديث: «إذا

стр. 1860

أحبَّ أحدُكم صاحبَه، فليأتِه في منزلِه فليخبِرْهُ أنه يُحبُّه للهِ». رواه أحمد والضياءُ بسند صحيح (١). أيها المسلمون: وثمَّة ما يستدعي النظر ويستحق الوقفة، فبعضُ الناس يظن التعبيسَ في وجوه الآخرين دينًا يتقربُ به إلى الله، أو ربما ظنه بعضُ الخيرين تأكيدًا للولاء والبراءِ المشروعيْن .. وليس الأمرُ كذلك، فليس من هَدْي الإسلام ازدراءُ الناسِ واحتقارُ أعمالهم في مقابلِ تزكيةِ النفس، وليس من هدي محمدٍ ﷺ الانقباضُ عن الناس وشدةُ القولِ ورديءُ الكلام ولو كانوا أصحابَ سوء. وفي «صحيح البخاري» من حديث عائشة ﵂ قالت: استأذن على النبي ﷺ رجلٌ فقال: ائذنوا له فبئس ابنُ العشيرة، أو بئس أخو العشيرة، فلما دخل ألانَ له الكلام، فقلتُ له: يا رسولُ الله: قلتَ ما قلت، ثم ألنْتَ له في القول، فقال: «أيْ عائشةُ: إنّ شرَّ الناسِ منزلةً عند الله من تركَه أو وَدَعَهُ الناسُ اتقاءَ فُحْشِه» (٢). هكذا ساقه البخاريُّ في كتاب الأدب، باب: المداراة مع الناس. وساقه مسلم في كتاب البرِّ والصلة والآداب، باب مدارةِ من يُتقى فحشه (٣). ولقد فهم الصحابةُ رضوان الله عليهم هذا الأدب ومغزاه وتمثلوه ودعوا إلى دين الله من خلاله، وهذا أبو الدرداءِ ﵁ يقول: إنا لنكشر في وجوه أقوامٍ وإن قلوبنا لتلعنهم (٤). قال الحافظُ ابن حجر يرحمه الله: هذا الحديث أصلٌ في المداراة (٥).

стр. 1861

وقال ابنُ بطالٍ يرحمه الله موضحًا معنى المداراةِ والفرق بينها وبين المداهنة: «المداراةُ من أخلاق المؤمنين، وهي خفضُ الجناح للناس، ولينُ الكلمة، وتركُ الإغلاظ لهم في القول، وذلك من أقوى أسباب الألفة، وظن بعضُهم أن المداراة هي المداهنةُ فغلط؛ لأن المداراةَ مندوبٌ إليها، والمداهنةَ محرمةٌ، والفرقُ بينهما: أن المداهنةَ من الدِّهان، وهو الذي يظهر على الشيء ويسترُ باطنه، وفسرها العلماءُ - يعني المداهنة - بأنها معاشرةُ الفاسق وإظهارُ الرضا بما هو فيه من غير إنكارٍ عليه، والمداراةُ هي الرفقُ بالجاهل في التعليم، وبالفاسق في النهي عن فعله وترك الإغلاظ عليه حيث لا يُظهر ما هو فيه، والإنكارُ عليه بلطف القول والفعل، ولا سيما إذا احتيج إلى تألفه ونحو ذلك (١). ألا ما أنفس هذا الكلام وأحرى للمسلم بالعمل به. عبادَ الله: ولا يعني إشاعةُ المحبة بين الناس إضاعة الدين أو تذويبَ الفوارق بين المؤمنين والكافرين والمنافقين، كلا فمبدأ الولاء للمؤمنين والبراءة من الكافرين عقيدة يحفظها المسلمون من كتاب ربِّهم وسنة نبيه ﷺ ، ويعمل بها المؤمنون، وهم يقرؤون: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ ... الآية (٢). ويقرؤون قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ (٣) الآيات. وقوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (٤).

стр. 1862

بل لقد قَسَّم أَهلُ العلم الناسَ في الحُب والبغض إلى ثلاثة أصناف: الأول: من يحبُّ جملة، وهو من آمن بالله ورسوله وقام بوظائف الإسلام علمًا وعملًا واعتقادًا، وأخلص في أفعاله وأقواله لله، وانقاد لأوامره، وانتهى عن نواهيه. الثاني: من يحبُّ من وجهٍ، ويُبغض من وجهٍ، فهو المسلمُ الذي خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا، فيحب ويوالى على قدر ما معه من الخير، ويبغض ويعادى على ما معه من الشر. الثالث: من يبغض جملةً، وهو من كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ولم يؤمن بالقدر خيره وشره، وأنكر البعث أو شيئًا من أمور الدين الثابتة، أو استحلّ ما عليه أهلُ البدع والأهواء المضللة .. فليفهم هذا جيدًا. أيها المسلمون: والموفقُ من وفَّقه اللهُ لطاعتهِ وحسنِ عبادتهِ، وهل علمتم أن توفيق العبد لذلك دليلُ محبة اللهِ له، وإذا كان اللهُ يعطي الدنيا من أحبَّ ومن لم يحب، فاللهُ لا يُعطي الدين إلا من أحبَّ .. وثمة علامةٌ أخرى لمحبة الله للعبد، وذلك بإشاعةِ حبِّه بين الناس. روى البخاري في «صحيحه» عن أبي هريرة ﵁ أن النبيّ ﷺ قال: «إذا أحبَّ اللهُ العبدَ نادى جبريلَ: إن اللهَ يُحبُّ فلانًا فأَحِبُّوه، فيحبه أهلُ السماءِ، ثم يوضعُ له القبولُ في الأرض» (١).

стр. 1863

ورواه مسلم وزاد: «وإذا أبغضَ اللهُ عبدًا دعا جبريلَ فيقولُ: إني أبغضُ فلانًا فأبغِضْهُ، فيبغِضُه جبريلُ، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلانًا فأبغضوهن قال: فيبغضونه، ثم توضع البغضاءُ في الأرض» (١). وفي «مسلم» أيضًا ذكر هذه الصورة العملية للحب، فعن سهيل بن أبي صالح قال: كنا بعرفة، فمرَّ عمرُ بنُ عبد العزيز وهو على الموسم، فقام الناسُ ينظرون إليه، فقلتُ لأبي: يا أبتِ إني أرى الله يحبُّ عمرَ بنَ عبد العزيز، قال: وما ذاك؟ قلتُ: لِمَا له من الحبِّ في قلوب الناس، قال: فأنبِّئُك؟ إني سمعتُ أبا هريرة يحدث عن رسول الله ﷺ .. ثم ذكر الحديث السابق (٢)، وأخرجه الترمذيُ بمثل حديث مسلم وزاد: فذاك قولُ الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ (٣). اللهم اجعلنا من أحبابك، ووفقنا لطاعتك وحسن عبادتك، وثبِّتنا إلى أن نلقاك وأنت راضٍ عنا يا ذا الجلال والإكرام .. هذا وصلوا.

стр. 1864

الرحمة (١) الخطبة الأولى: الحمد لله ربِّ العالمين الرحمن الرحيم، وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له، أحاط بكل شيء علمًا، ورحمتُه وسعت كلَّ شيء، ورحمة ربِّك خيرٌ مما يجمعون. وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه وأحرصَ الناس على هداية أمته، وجاء في صفته: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٢). اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، الذين كانوا رحمةً مهداةً من الله لأممهم، أنقذ اللهُ بهم من شاء من الغواية إلى الهدى، ومن دركات الجحيم إلى درجات الجنان، ومن يُضلِلِ اللهُ فما له من هاد، وارضَ اللهم عن آلِ محمد المؤمنين وعن صحابته أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. فأما بعد: فاتقوا الله معاشر المسلمين امتثالًا لأمر الله ووحيه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٣). أيها المسلمون: والرحمةُ كلمة نديَّةٌ، رخية في لفظها، وهي ذاتُ مفاهيم ومدلولات كبيرةٍ في معناها، بها ينتشر الودُّ، ويتحقق الإخاءُ، ويسود القسط. وبالرحمة تُرعى كرامةُ بني الإنسان، وينتشر العدل، بها تستعلي النفوسُ إلى

стр. 1865

أصل فطرتها، وبفقدها يهوي الإنسانُ وترتكسُ فطرتُه إلى منازل الجماد الذي لا يعي ولا يهتز. أجل إن الرحمة كمالٌ في الطبيعة، وجمالٌ في الخلُق، يَرِقّ صاحبُها لآلام الخلق ويسعى لإزالتها، ويأسى لأخطائهم وجنوحهم، فيترحم عليهم ويتمنى لهم الهداية والرحمة. أما القسوة فتبلُّدٌ في الحس، وارتكاسٌ في الخُلُق، وغلظةٌ في الطبع، وغرور وكبرياء، لا يكاد تفكيرُ أصحاب هذا الطبع أن يتجاوز دوائرهم الضيقة، وذواتهم المريضة. بالرحمة أو خلافها يتميز الناسُ إلى رحماءَ يرحمهم الرحمان، وقساةِ قلوبٍ لهم الويلُ في الحياة وبعد الممات. إخوة الإسلام: ويطيبُ الحديثُ عن الرحمة في كل آنٍ، ولكنه يجمل ويتأكد حين يستعلي الكبراء، ويتغطرس الأقوياء، حين تبقى فئةٌ من البشر تتحكم في الموارد والأرزاق، فتعطي وتشترط، وتمنع وتحاصر، تهدد بالحصار العسكري تارة، وبالحصار الاقتصادي أخرى، وبين هذا وذاك تعملُ بكل ما أوتيت من قوة في سبيل الحصارِ الفكري والتعبير الثقافي في المجتمع العالمي. وحين تفقد الرحمةُ تموت آلافٌ من الأطفال حتف نفسها جوعًا أو عريًا - وتشردُ آلافٌ أخرى من البشر عن ديارها وتُباح لغيرها ظلمًا وعدوانًا، ويُعتدى على النساء بغيًا، بل وتبقر بطونُ الحوامل لاستخراج ما في أرحامها همجيةً وحقدًا! أين هذا من شرع السماء وهدي الأنبياء ﵈؟ ! والرحمةُ في أفقها الأعلى صفةٌ من صفات الربِّ ﵎، وملائكةُ السماء تشهد بذلك وتتضرع إلى خالقها: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ (١).

стр. 1866

بل اللهُ أرحمُ الراحمين، ويشهد برحمته كلُّ من قرأ: «الرحمن الرحيم» أو يقرأ: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (١). إنها رحمةُ من يقتدر على الأخذ بقوة: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (٢). وهي رحمةٌ لا يستطيع كائنٌ إمساكًا لها أو إرسالًا: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٣). أيها المسلمون: ورحمةُ ربي شاملةٌ للحياةِ والأحياء لبني الإنسان والجن والحيوان، للمتقين والفجار، للأولين والآخرين، وفي الدنيا والآخرة. وظواهر هذه الرحمة يدركها من يتأمل كتاب الله أو ينظرُ في ملكوت الله. ومن مظاهرها: تسخيرُ الكائنات: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٤). ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (٥). ويمتد التسخيرُ للمركوب والمأكول، ويربط ذلك برحمة الله كما قال تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٦). ومن مظاهر الرحمة: رفعُ البلاء، وإن جحد المُبتلون: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا﴾ (٧). ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا

стр. 1867

هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ (١). وفرق بين من يُقال عنهم: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (٢)، وبين من قيل عنه: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ (٣). أجل إنها رحمةٌ وذكرى كما قال ربنا، ولكنها لمن؟ للعابدين. عباد الله: ومن مظاهر رحمة الله رفعُ الحرج لمن به عِلَّةٌ أو حاجةٌ: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤)، ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٥). ومن مظاهرها: قبولُ التوبة للمذنبين: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٦)، وليست قصرًا على آدم وحده، بل تشمل غيره: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٧)، ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (٨). يا أخا الإسلام: وهل علمت أن هبةَ اللهِ الأهل، والذرية الصالحة من رحمة الله ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ (٩)، ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ

стр. 1868

زَكَرِيَّا﴾ (١)، ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (٢). وأن إنزال الغيث رحمةٌ من الله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ (٣)، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ (٤). تُرى أيُّ حدٍّ لرحمةِ الله، وتقديرُها أزليٌّ في كتاب عنده فوق العرش! كما قال ﵊: «لما خلق اللهُ الخلقَ كتب في كتابه، فهو عنده فوقَ العرشِ: إنَّ رحمتي تغلبُ غضبي» رواه البخاري ومسلم (٥). وأثرها يمتد من الدنيا إلى الآخرة، وهو في الآخرة أعظم، والحاجة إليها أكبر فقد صحّ عنه ﷺ : «إن للهِ مئةَ رحمةٍ، أنزل منها رحمةً واحدةً بين الجنِّ والإنس والبهائم والهوام، فيها يتعاطفون، وفيها يتراحمون، وبها تعطف الوحشُ على ولدِها، وأخَّرَ اللهُ تسعًا وتسعين رحمةً يرحمُ بها عبادَه يوم القيامة» (٦). رواه مسلم. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (٧). نفعني الله وإيّاكم بِهدْي كتابه.

стр. 1869

الخطبة الثانية: الحمد لله ربِّ العالمين صاحبِ الفضل والإحسان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شمل بفضله ورحمته الإنس والجان والمتقين والفجار، وشهد جوده وآلاءه أولو الألباب، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، ناله من رحمة ربِّه ما ألان قلبه لمن حوله فاجتمعوا إليه، ولو كان فظًّا غليظًا لانفضُّوا من حوله، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. أيها المسلمون: وإذا كانت الرحمة بمفهومها العام شاملةً للخلق حتى تقوم الحياةُ ويُبتلى الأحياءُ، ويتميز الشاكرون المؤمنون عن الكافرين الجاحدين، فثمة نوعٌ من الرحمة رجّح ابن القيم أنّ المقصود بها النعمة، فرحمته: نعمته. ثم قال: فالهدى والفضل، والنعمة والرحمة متلازمان، لا ينفكُّ بعضها عن بعض (١). ونقل القرطبي عن السلف تفسير فضل الله بالقرآن، والرحمة بالإسلام. عن أبي سعيد الخدري وابن عباس: فضل الله: القرآن، ورحمته أن جعلكم من أهله. وعن الحسن والضحاك ومجاهد وقتادة: فضل الله: الإيمان، ورحمته: القرآن (٢). هذه الرحمة ينالها طائفةٌ من عباد الله بعمل الصالحات والمجاهدة والإحسان، والمتتبعُ لآيات القرآن يجد بيان ذلك واضحًا .. فبم تنال هذه الرحمةُ؟ إن مما تُنال به الرحمةُ المجاهدةَ في سبيل الله، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ (٣)، ﴿ثُمَّ

стр. 1870

إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١). كما تنال الرحمةُ بالصبر: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (٢). وتُنال بالإحسان كما قال تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣)، ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤). وتنال الحرمةُ بالإيمان والتقى والطاعة لله والرسول وأداء الواجبات: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٥)، ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ﴾ (٦)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ (٧). ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ (٨) الآيات. كما أنّ للقانتين آناء الليل كفلًا من رحمته: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ (٩). عباد الله: ومن علائم السعادة أن تسود الرحمةُ مجتمع المسلمين إذا شقي غيرُهم بالغلظة والأنانية والجفاء، ورحمةُ الخلق سببٌ لرحمة الخالق، قال عليه

стр. 1871

الصلاة والسلام: «الراحمون يرحمُهمُ الرحمانُ، ارحموا مَنْ في الأرض يرحمُكم مَنْ في السماءِ .. » رواه أبو داود والترمذي وهو صحيح بشواهده (١). وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما: «لا يرحم اللهُ من لا يرحمِ الناسَ» (٢). إن نزع الرحمة من علائم الشقاء كما قال المصطفى ﷺ : «لا تنزعُ الرحمةُ إلا من شقيٍّ». حديث حسن أخرجه الترمذي وأبو داود (٣). وإذا كانت القسوة في خُلق الأفراد دليلَ نقصٍ كبير، فهي في تاريخ الأمم دليلُ فسادٍ خطير، وهي علةُ الفسوق والفجور كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (٤). أيها المسلم والمسلمة: إن أحدنا قد يهشُّ لأصدقائه حين يلقاهم، وبكل تأكيد يَرِقّ لأولاده وأحبائه حين يراهم، وتلك جوانبُ من الرحمة، بيد أن المفروض في المؤمن أن تكون دائرةُ رحمته أوسع، فهو يبدي بشاشتَه، ويظهر مودَّتَه واحترامه لعامة المسلمين (٥). فالمؤمنون إخوة، وتبسُّمك في وجه أخيك صدقة، وأقرب الناس منزلةً من الرسول ﷺ أحاسنهم أخلاقًا، الذين يألفون ويؤلفون، ولا خير في من لا يؤلف. بل شملت الرحمةُ في الإسلام الحيوان فضلًا عن الإنسان، فقد شكر اللهُ

стр. 1872

وغفر للرجل أو المرأة البغي الذي سقي الكلب الذي كان يأكل الثرى من العطش. متفق عليه (١). ودخلت النار امرأةٌ بسبب هرَّةٍ ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض. متفق عليه (٢). وإذا انتكست الفطرُ سُحق الإنسانُ، وبات يحوم حول المزابل بحثًا عن طعامٍ أو شراب، أو شُلَّت أعضاؤه من ويلات الحروب وقنابل الدمار، هذا إن كان في عداد الأحياء. وباتت القططُ والكلابُ مدللةً إلى حَدِّ الترف في المطعم والمشرب والمسكن، وملازمةً لأصحابها في الحلّ أو الترحال، وأين هذا والرحمةُ في شريعة الإسلام؟ ! أيها المؤمنون: وليس من الرحمة في الإسلام تركُ الأدب لمن به حاجةٌ إليه، حتى وإن بدا فيه قسوةٌ على المؤدب ظاهرًا. فقسا ليزدجروا ومن يكُ راحمًا ... فليقْسُ أحيانًا على من يرحمُ وليس من الرحمةِ تعطيلُ حدود الله على من يقترف محظورًا يستحق العقاب: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٣). ومن بلاغة القرآن أن عبّر عن قتل القصاص بالحياة لما في ذلك صيانة الأحياء واستمرار الحياة: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٤). إن الرحمة يا عباد الله - في الإسلام - ليست حنانًا لا عقل معه، أو شفقةً تتنكر للعدلِ والنظام، كلا إنها عاطفةٌ متَّزنة ترعى الحقوق كلَّها وتقيم وزنًا

стр. 1873

لمصلحة الفرد والمجتمع والأمة .. وبهذه وتلك فاقت رحمةُ الإسلام كلَّ رحمة، وانتشر صيتُ رحمة المسلمين في الآفاق، ودخلت أممٌ في الإسلام لم يقهرها السيف، ولم يستهوها الدرهمُ والدينار - لكنها القناعةُ بشريعة الإسلام والإعجابُ بأخلاق المسلمين .. على حين أفلست الحضارةُ المادية المعاصرة رغم تشدقها بالعبارات الخادعة، لم يشفع لها بريق الهيئات والمنظمات الكاذبة .. فحقوقُ الإنسان. ومنظماتُ العدل الدولية، وهيئاتُ الأمم .. وما شاكلها، كلُّ هذه وتلك عند واقع الحال وحين يتعلق الأمر بالمسلمين بالذات، ألقاب مملكة في غير موضعها كالهر يحكي انتفاخًا صولةَ الأسدِ؟ وما أحوج الدنيا إلى شرع السماء وهدي الأنبياء، وتلك مسؤولية المسلمين شعوبًا وحكومات: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ (١). اللهم أصلح أحوال المسلمين وردّهم إليك ردًّا جميلًا. اللهم هبَّ لنا من رحمتك ما تصلح به أحوالنا في الدنيا، وترحمنا يوم العرض عليك في الآخرة؛ فأنت أرحم الراحمين.

стр. 1874

وصايا لقمان وسنن وبدع شعبان (١) الخطبة الأولى: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسولُه، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارضَ اللهم عن أصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. فأما بعدُ: فاتقوا الله معاشر المسلمين واعلموا أن تقوى الله أقومُ وأقوى، وهي للخير قائدٌ ودليل، وعن الشرِّ سياجٌ منيع، هي وصيةُ الله لكم فاعقلوها واعملوا بها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٢). ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٣). أيها المسلمون: وفي وصايا لقمان الحكيم متسعٌ للحديث، وفيها عبرٌ ودروس للأبناء والآباء. وحيث مضى التعريفُ بلقمان، ووصيتُه لابنه بالبعد عن الشرك بالله لعظيم خطره، وتنبيهُهُ لمراقبة الله، وبيانُ شيء من قدرته، فلا يزال لقمانُ يوصي ابنه بإقامة الصلاة: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ (٤) والصلاةُ صلةٌ بين العبد

стр. 1875

وخالقه، وفيها عونٌ للمرء على حوائج دينه ودنياه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ (١)، ولم تكن الوصية بالصلاة قصرًا على الحكماء، بل أُوصى بها الأنبياءُ، وأُمر بها المرسلون ﵈: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ (٢)، ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ (٣)، ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٤). وأَمر بها المرسلون أهليهم وأممهم: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ (٥)، ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ (٦). وفي ساحات الوغى لم يُعذر المسلمون بترك الصلاة، بل نزل تشريعُ صلاة الخوف، ثم قيل لهم: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (٧). أيها المسلمون: ويبلغ الاهتمامُ بالصلاة عند عباد اللهِ الصالحين إلى درجة تُنحر الجيادُ من الخيل، إذا ألهت عن الصلاة في وقتها، ولو كان عددُها كثيرًا، ولو كان الهدفُ منها جليلًا، وكذلك أثنى اللهُ على سليمان ﵇ وأعاضه عن الخيل بالريح المسخرة، فكان يقطع عليها من المسافة في يومٍ ما يقطع مثله على الخيلِ في شهرين غدوًّا ورواحًا (٨). أيها المتكاسلون عن أداء الصلاة في وقتها، اسمعوا ثناء الله على سليمان ﵇ بشأن الصلاة: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢)

стр. 1876

رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ (١). واستمر للصلاة وزنُها وقيمتُها عند الأخيار على تعاقب الأجيال، واعتبرها العلماءُ ميزانًا لأخذ العلم عن الرجال أو تركه، وهذا أبو العالية الريحاني العالمُ الثقة كان يرحل لسماع الحديثِ عند بعض أهله، فإذا وصل إلى صاحب الحديث أخذ يتفقد صلاته، فإن وجده يحسن صلاته أقام عنده، وإن وجد فيه تضييعًا رحل ولم يسمع منه وهو يقول: من ضيّع الصلاة فهو لما سواها أضيع (٢). عباد الله: ولقد أوصى لقمان ابنه بإقام الصلاة، وليس مجرد أدائها وإقامتها، أي: بحدودها وفروضها وأوقاتها (٣). والويلُ لمن هُمْ عن صلاتهم ساهون: ﴿وَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ (٤)، والحذر الحذر يا عبد الله أن تكون ممن قال اللهُ فيهم: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ (٥)، وليس من الرحمةِ للأبناء ضعفُ أمرهم بالصلاة، إذ كانوا نائمين - أو كان الجو باردًا، أو الليل قصيرًا. أيها المسلمون: وحين يبلغُ لقمانُ في وصيته لابنه هذا المبلغ فيربِّيه على عدم الإشراكِ بالله، وعلى دوام المراقبة والخوف من الجليل ودوام الصلة والعبادة .. فهو لا يقصره على ذلك، بل يُعلمُه نشر الخير للآخرين ويقول له: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٦)، وكذلك تُربى النفوسُ على حبِّ الخير

стр. 1877

والدعوة إليه، وكذلك أثنى اللهُ على هذه الأمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (١). بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يتحقق الفلاحُ للآمر والمأمور، وتُصان سفينةُ المجتمع من الغرق، هو علامةُ خير، ودليلُ الإيمان، وهو مؤشِّرٌ للغيرة على دين الله وحرماته، والذين يرون المنكراتِ تسري في المجتمعات، فلا تتمعَّر وجوهُهم لله .. أولئك في إيمانهم ضعف، وفي إحساسِهم نوعٌ من التبلُّد، والذين بإمكانهم أن يشيعوا الخير ويأمروا بالمعروف ثم لا يفعلوا، أولئك محرومون من فضلِ الله، فالكلمةُ الطيبةُ صدقة، ولئن يهدي اللهُ بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك من حُمر النعم، ولئن اختص اللهُ بهداية القبولِ والتوفيق للخير، فهدايةُ الدلالةِ والإرشاد بوسع البشر أن يؤدوها، ولولا ذلك لتعطلت نصوصُ الشرع في الأمر والنهي والدعوة والجهاد في سبيل الله، فصححوا الفهم الخاطئ، وفرقوا بين هداية التوفيق والقبول، وهداية الدلالة والإرشاد. إخوة الإيمان: وإذا تعاظم أجرُ الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، والداعين للخير والناهين عن الشر ... فذلك أمرٌ لا تطيقه بعضُ النفوس لأنه محتاج للصبر والمصابرة على التواءِ النفوس وعنادِها، وانحراف القلوب وإعراضها، ويقلُّ من الناس من يصبرُ على الأذى، تمتدُّ به الألسنة، وربما امتدت به الأيدي، أو يصبرُ على الابتلاءِ في المال أو النفسِ أو الأهل والولد عند الاقتضاء. ولهذا لم ينس لقمانُ وصيةَ ابنه بالصبرِ على ما يصيبُه في طريق الخير: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ (٢).

стр. 1878

ويخطئ الذين يظنون أن بإمكانهم أن يدعوا للخير وينهوا عن الشرِّ ثم تسلم أعراضُهم .. أو لا يصيبهم ضرٌّ في أنفسهم أو أهليهم أو أموالهم، أو مصالحهم المادية بعامة .. وإذا لم يسلم الأنبياءُ والمرسلون فغيرُهم من باب أولى .. وصدق الله: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (١). ولكن عزاءَ الصابرين على الدعوة للخير أن العاقبة حميدة، فالعاقبة للمتقين، كما حكم ربُّنا، وأن ذلك من عزم الأمور كما قال تعالى في وصايا لقمان: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (٢). قال ابنُ عباس في تأويل ذلك: يعني من حقيقة الإيمان الصبرُ على المكاره (٣). أيها الداعي للخير: وإذا أردت أن تروِّضَ نفسك على هذا الطريق فاقرأ قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ (٤)، وتأمل قوله ﷺ وهو يحكي نبيًا من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، ضربه قومُه فأدموه، وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: «اللهم اغفرُ لقومي فإنهم لا يعلمون» (٥). متفق عليه. ولكن ذلك لا يعني بحال أن تُعرِّض نفسك للبلاء فوق ما تطيق أو تستحمل الخطأ، أو تُذل نفسك، فقد نهى عن ذلك المصطفى ﷺ حين قال: «لا ينبغي لمؤمنٍ أن يُذلَّ نفسَه: يتعرض للبلاء ما لا يطيق» رواه أحمد والترمذي

стр. 1879

وابن ماجه عن حذيفة بسند صحيح (١). عباد الله: ولا بد مع الصبر على المكاره من عدم الكبر والخيلاء، وتلك واحدة من وصايا لقمان لابنه، فالدعوةُ للخير لا تجيز التعالي على الناس والتطاول عليهم باسم قيادتهم للخير، ومن باب أولى أن يكون التعالي والتطاولُ بغير دعوةٍ إلى الخير أقبح وأرذل (٢). ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (٣). أي: لا تتكبر فتحتقر عباد الله أو تعرض عنهم بوجهك إذا كلموك (٤)، ولا يظهر في مشيتك الكبرُ والخيلاء ... وتذكر أن بدايتك من ماءٍ مهين، وأنك مهما بلغت من الجاه والسلطان، واجتمع لك من الأموال والأولاد فنهايتُك إلى التراب، وقد قيل: أن القبر يكلم صاحبه إذا وُضع فيه ويقول: يا ابن آدم ما غرّك بي، ألم تعلم أني بيتُ الوحدة، ألم تعلم أني بيتُ الظلمة، ألم تعلم أني بيتُ الحق. يا ابن آدم ما غرّك بي، لقد كنت تمشي حولي فدَّادًا - والمعنى: ذا مالٍ كثير وذا خيلاء. فهل يتكبر العقلاءُ الذين يتذكرون المبدأ والمنتهى؟ ألا إن في آيات الذكر عبرة .. وفي وصايا لقمان عظة ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ (٥). نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، وسنة نبيه ﷺ .. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله.

стр. 1880

الخطبة الثانية: الحمد لله أمر بالعدل والإحسان، ونهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. عباد الله: وحين ينهى لقمان ابنه عن التكبُّر والخيلاء في الهيئة أو المِشية، وفي التعامل مع الناس أو تعاظم النفس وغرورها وعُجبِها، فهو يأمرُه بالاعتدال في مشيه والقصد فيه: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ (١)، والمعنى: امشِ مشيًا مقتصدًا ليس بالبطيءِ المتثبِّط، ولا بالسريع المفرط، ومشية متواضعة، هي وسطٌ بين مشيةِ المرحِ والبطرِ والتكبر، ومشية التماوتِ والتباطُؤ، فالمشيةُ المحمودةُ وسط بين مشيتين مذمومتين، وعلى المربين أن يعوا هذه اللفتة التربوية، فيمنعون ما يحرم، ويقدمون البديل الحلال، كما أن عليهم نزع الخلقِ المذموم قبل إعطاء البديل المحمود، فالتخليةُ قبل التحلية كما يُقال. أيها المسلمون: ولا ينسى لقمانُ - في وصاياه لابنه - أن يعلمه أدبَ الحديث إذا نطق: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ (٢)، والغضُّ من الصوت فيه أدبٌ وثقة بالنفس واطمئنان إلى صدق الحديث وقوته، وما يزعقُ أو يُغلظ في الخطابِ - دون حاجة - إلا سيِّئ الأدب، أو شاكٌّ في قيمة قوله، أو قيمة شخصه يحاول إخفاء هذا الشك بالحدة والغلظة والزعاق (٣). وحتى يَقْبَح رفعُ الصوتُ ويُستهجن إغلاظه يُضرب لذلك مثلٌ تشمئز منه

стр. 1881

النفوسُ، إنه صوتُ الحمار: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ (١)، فعلوُّ صوت الحمار لم يُحسنه بل قبَّحه وشانه، ولذلك ينبغي أن يخفض العقلاء أصواتهم حين حديثهم ... وما من شك أن الكلمة الطيبة تبلغ مبلغها وينفع اللهُ بها - وإن كانت هادئة - والكلمة الخبيثةُ تُضِلُّ وتسيء وإن بالغ أصحابُها في رفع أصواتهم، ... وإذا عُدَّ في مساوئ الآداب أن يجري ذكرُ الحمار في مجالس الكرماء ... أفيليق التشبه به برفع الصوت في النُّطق، ذلك توجيه ينبغي أن يعيه الآباء والأبناء. وبعدُ: أيها المؤمنون - فهذه وصايا نافعةٌ جدًا، وهي من قصص القرآن عن لقمان الحكيم ليتمثلها الناسُ ويقتدوا بها كما قال الحافظُ ابن كثير (٢). ألا ما أحوج الآباء والمربين إلى الوقوف عندها طويلًا لفهمها والعمل بمقتضاها، وخليق بمن أوصى بهذه الوصايا أن يكون مخصوصًا بالحكمة، مشهورًا بها - وخليق بالعقلاء أن يستفيدوا من حكم الحكماء .. كيف لا وقد أصبحت قرآنًا يُتلى، وتوجيهًا إلهيًا .. فهل يعقل الآباءُ هذه الوصايا .. وهل يستفيدُ الأبناءُ منها، ذلك هو المؤملُ والمرتجى، والله من وراء القصد. أيها المسلمون: وأنتم تعيشون شهرَ شعبان، فيحسن التذكيرُ بشيء مما جاء فيه عن رسول الهدى ﵊. فقد كان من هديه ﷺ كثرةُ الصيام في شعبان. فقد روى البخاري ومسلم رحمهما الله، عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: «لم يكن النبيُّ ﷺ يصوم شهرًا أكثر من شعبان، فإنه كان يصومُ شعبان كلَّه ... » (٣).

стр. 1882

وأخرج النسائيُّ - بسند حسنٍ - من حديث أسامةَ بن زيد ﵁ قال: قلتُ: يا رسول الله: لم أرك تصوم شهرًا من الشهور ما تصومُ من شعبان! قال: «ذلك شهرٌ يَغْفَلُ الناسُ عنه بين رجبَ ورمضانَ، وهو شهرٌ تُرفعُ فيه الأعمالُ إلى ربِّ العالمين، فأحبُّ أن يرفعَ عملي وأنا صائم» (١) ولمزيد توضيح ذلك قال ابنُ القيم يرحمه الله في «تهذيب السنن»: وفي صومه ﷺ شعبان أكثر من غيره ثلاثُ معان: أحدها: أنه كان يصومُ ثلاثة أيامٍ من كل شهرٍ، فربما شُغل عن الصيام أشهرًا، فجمع ذلك في شعبان ليدركه قبل صيام الفرض. الثاني: أنه فعل ذلك تعظيمًا لرمضان، وهذا الصومُ يُشبه سنة فرضِ الصلاة قبلها تعظيمًا لحقها. الثالث: أنه شهر ترفع فيه الأعمالُ، فأحبَّ ﷺ أن يُرفعَ عملُه وهو صائم، ثم يقول: والحديثُ يدل على فضل الصوم في شعبان. وقولُ عائشة: «وكان يصوم شعبان كلَّه» المرادُ بالكلِّ: أكثرهُ، كما جاء في الرواية الأخرى: «كان يصومُ شعبان إلا قليلًا». إلى أن يقول: ولا تعارض بين هذه الأحاديث، وبين أحاديث النهي عن تقدم رمضان بصوم يومٍ أو يومين، وحديث: «إذا انتصف شعبانُ فلا تصوموا» وهو حديث على شرط مسلم، بأن يُحمل النهيُ على من لم تكن له عادةٌ في الصيام من أول شعبان، فجاء النصفُ الثاني وأراد أن يصوم هذا في التطوع، أما إن كان عليه قضاءٌ أو نذرٌ فيجوز له القضاءُ ولو بعد النصف الثاني. وأحاديثُ الجواز تُحمل على من اعتاد الصوم من أوله، ولذلك قال ﷺ : «إلا

стр. 1883

رجلًا كان يصوم صومًا فليصمْهُ» متفق عليه. انتهى كلامه يرحمه الله (١). أيها المؤمنون: وحتى لا تختلط السُّنةُ بالبدعة، فلا بد من الحذر من تخصيص يوم النصف من شعبان بالصيام، أو الاجتماع ليلة النصف منه للصلاة، وفي هذا يقول الإمام ابن تيمية يرحمه الله: «فأما صومُ يوم النصف مفردًا فلا أصل له، بل إفرادُه مكروه، وكذلك اتخاذُه موسمًا تُصنع فيه الأطعمة، وتُظهر فيه الزينةُ، هو من المواسم المحدثة المبتدعة التي لا أصل لها، وكذلك ما قد أحدث في ليلة النصف من الاجتماع العام للصلاة الألفية - هي التي تقرأ فيها بـ: «قل هو الله أحد» ألف مرة - في المساجد الجامعة، ومساجد الأحياء والدروب والأسواق، فإن هذا الاجتماع لصلاة نافلةٍ قصيرةٍ بزمان وعدد وقدر من القراءة لم يشرع مكروه، فإن الحديث الوارد في الصلاة الألفية موضوعٌ باتفاق أهل العلمِ بالحديث .. إلى آخر كلامه يرحمه الله (٢). والشيخُ يرحمه الله، قبل ذلك أبانَ عن فضل ليلة النصف من شعبان ... ومن كان من السلف يخصها بالصلاة، ومن كان يكره ذلك ويطعن في الأحاديث الواردة فيها ... ثم قال: لكن الذي عليه كثيرٌ من أهل العلم أو أكثرهم من أصحابنا وغيرهم على تفضيلها، وعليه يدل نص أحمد (٣). ألا فاستمسكوا - عباد الله - بالهدي والسنن، واحذروا البدع ومحدثات الأمور ... فإنَّ كلَّ محدثة في دين الله بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة، وكلَّ ضلالة في النار ... وفي السنن كفايةٌ عن البدع ... والشيطانُ حريصٌ على ابتداع المبتدعين ... وربما نشطهم لها ويثبطهم عن إتباع السنة.

стр. 1884

وليس يخفى أن الشيطان لكم عدوٌّ فاتخذوه عدوًا ... وإياكم والتعبد محاكاةً وتقليدًا ... فمن عمل عملًا ليس عليه أمر الرسول ﷺ فهو ردّ ... والله لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصًا صوابًا ... اللهم وفقنا لإتباع السنن، وهجر البدع - واسلك بنا سبيل الهداة المهتدين، وجنِّبنا طرائق الضالّين المضلِّين.

стр. 1885

الحسبة والمحتسب (١) الخطبة الأولى: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر أنبياء الله ورسله، وارضَ اللهم عن أصحابه أجمعين وتابعيهم والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٢). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣). عبادَ الله: ثبت من حديث المصطفى ﷺ أن هذه الأمة متممةٌ لسبعين أُمة قبلها ... وهي خيرُها: «أنتم توفون سبعين أمة، أنتم خيرُها وأكرمها على الله ». ولكن هذه الخيرية بشروط ومواصفات، والأمرُ بالمعروف والنهي عن المنكر في مقدمتها، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ... ﴾ الآية (٤).

стр. 1886

وفي موطِنٍ آخرَ من كتاب الله، قُدِّم الأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر على عمود الإسلام الصلاة، وأعظم ركنٍ بعد الشهادتين، وعلى الزكاة الركن الثالث من أركان الإسلام، فقال تعالى في وصف المؤمنين: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١)، فما السرُّ؟ وما المعنى يا تُرى في تقديم الأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكر تارةً على الإيمان، وتارة على الصلاة والزكاة ونحوها؟ قال سماحةُ الشيخ ابنُ باز يحفظه الله: لا شك أنه قُدِّم لعظم الحاجة إليه، وشدةِ الضرورة إلى القيام به، ولأن بتحقيقه تصلح الأمةُ ويكثرُ فيها الخير، وتظهرُ فيها الفضائل، وتختفي فيها الرذائل ... وبإضاعته والقضاء عليه تكون الكوارثُ العظيمة، والشرورُ الكثيرة، وتفترق الأمة، وتقسو القلوبُ أو تموت ... ويُهضم الحقُّ، ويظهر صوتُ الباطل (٢). أيها المسلمون: ولا غَرْوَ بتقديم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ هما شاملان للدعوة لكل خير، والتحذير من كل شر، وذلك أساسُ دعوة الرسل، ولأجله أنزلت الكتب. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية يرحمه الله: الأمر بالمعروف والنهيُ عن المنكر هو الذي أنزل الله به كتبه، وأرسل به رسله (٣). وجاء النصُّ عليه في وصف رسالة محمدٍ ﷺ بقوله تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (٤). إنه الوثاق المتين الذي تتماسك به عرى الدين، وتحفظ به حرماتُ

стр. 1887

المسلمين، وتظهر أعلامُ الشريعة، وتغشو أحكام الإسلام، وبارتفاع سهمه يعلو أهلُ الحق والإيمان، ويندحر أهل الباطل والفجور، يورث القوة والعزةَ في المؤمنين، ويُذلُّ أهلُ المعاصي والأهواء، وتُرغم أنوفُ المنافقين. قال سفيان ﵀: «إذا أمرتَ بالمعروف شددتَ ظهر أخيك، وإذا نهيتَ عن المنكر أرغمتَ أنف المنافق» (١). يا عباد الله: وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يتميز أهل الإيمان عن المنافقين، فمِنْ سيما المؤمنين: الأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٢) الآية ... ومن علامات المنافقين والمنافقات: أمرُهم بالمنكر ونهيُهم عن المعروف: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ (٣). إياك يا أخا الإيمان أن تخرج عن دائرة المؤمنين بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي هذا يقول الغزالي: فالذي هجر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خارجٌ عن هؤلاء المؤمنين (٤). وإياك أن تظنَّ أن تركَ الأمرِ والنهي من الكياسةِ والبعد عن الفضول، فتلك من عدوى مخالطة أهل النفاق لأهل الإيمان، وفي هذا يقول الإمامُ أحمدُ يرحمه الله: إن المنافق إذا خالط أهل الإيمان فأثمرت عدواه ثمرتها صار المؤمنُ بين الناس معزولًا؛ لأن المنافق يصمت عن المنكر وأهلِه، فيصفه الناسُ بالكياسة والبعدِ عن الفضول، ويسمون المؤمن فضوليًّا (٥).

стр. 1888

أيها المسلمون: وتتعاظم مسؤوليةُ المسلم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كلما تعاظم الفسادُ وكثر المفسدون، وكلما قلَّ عددُ المنكرين، أو ضعف أثرُهم، أو كان حجمُ الشرِّ والفساد فوق طاقتهم، أو تعجزُ عن الإحاطةِ به إمكاناتُهم. وإذا كان العلماءُ قد قرروا وجوبَ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأجمع السلفُ وفقهاءُ الأمصار على وجوبه - كما نقل الجصاصُ وغيرهُ (١). فقد قرروا كذلك أنه فرضٌ على الكفاية - إذا قام به من يكفي، سقط الإثم عن الباقين. وهنا يرد السؤال: وما الحكمُ إذا لم يقمْ بواجب الأمر والنهي من يكفي؟ لقد قرر أهلُ العلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد يتحول إلى الوجوب العيني على كل فرد، ويأثمُ كلُّ قادرٍ عليه ولم يقم بواجبه، وفي هذا يقول شيخُ الإسلام ابن تيمية يرحمه الله: «فإذا لم يقمْ به من يقوم بواجبه، أثِمَ كلُّ قادرٍ بحسب قدرته، إذ هو واجبٌ على كلِّ إنسان بحسب قدرته» (٢) ... ويقول سماحةُ الشيخ عبدُ العزيز بنُ باز يحفظه الله: وقد يكون هذا الواجبُ فرض عينٍ على بعض الناس إذا رأى المنكرَ وليس عنده من يُزيله غيرَه .. وإذا لم يكن في البلد أو القبيلة إلا عالم واحدٌ وجب عليه عينًا أن يُعلِّم الناسَ ويدعوهم إلى الله، ويأمرَهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر حسب طاقته (٣). يا أخا الإسلام: ولستَ أغيرَ من الله على شرعه ومحارمه ... ولكنك ممتحنٌ في غيرتك لشرعِ الله ودينه حين ترى منكرًا يسري بين الناسِ وأنت قادرٌ

стр. 1889

على إزالته، أو ترى أصحاب منكر يتطاولون بمنكراتهم، ويفتنون الناسَ بباطلهم وأنت قادرٌ على الإخبار عنهم إن لم تستطع نهيهم، هنا ينكشف إيمانك، وتمتحن غيرتك لدين الله وشرعه، فهل تنضم إلى قافلة المؤمنين الذين علمت أن من صفاتهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أم تلوذ بالمعاذير، وتبحث لنفسك عن المبررات، ثم ترضى لنفسك أن تكون في عداد موتى الأحياء، وقد قيل لابن مسعود ﵁: من ميتُ الأحياء؟ فقال: الذي لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا. ثم يعلق ابنُ تيمية على قول ابن مسعود بقوله: وهذا هو المفتون الموصوفُ بأن قلبه كالكوز مجخِّيًا، كما في حديث حذيفة في «الصحيحين» (١). أيها المسلمون: والأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر واجبُنا جميعًا - وكلٌّ بحسبه، إن في بلده، أو قريته، أو أسرته، أو أهله، فإن عجز عن ذلك كلّه، أو أْعْيَوْه ولم يستجيبوا له، فعليه أمرُ نفسه بالمعروف، ونهيُها عن المنكر ... ومن الخطأ الاعتقادُ بأنه لا يأمر ولا ينهى إلا الكاملُ في نفسه، فقد قرر أهلُ العلم أنه لا يشترطُ في منكرِ المنكر أن يكون كامل الحال ممتثلًا لكل أمرٍ، مجتنبًا لكل نهي، بل عليه أن يسعى في إكمال حاله، مع أمره ونهيه لغيره، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى في بني إسرائيل: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ (٢)، مما يدل على اشتراكهم في المنكر، ومع ذلك حصل عليهم اللومُ على ترك التناهي فيه. وفي الحديث المتفق على صحته: «إن الله ليُؤَيِّدُ هذا الدين بالرجل الفاجر». يا أخا الإيمان: انجُ بنفسك من غضب الله وعقوبته بالأمر بالمعروف، وقول كلمة الحق، وفي الحديث الحسن قال ﷺ : «ثلاث منجياتٌ» وذكر منها:

стр. 1890

«وكلمة الحقِّ في الغضب والرضا» (١). وساهم في نجاة سفينة المجتمع من الغرق والعطب، وأنت خبيرٌ بحديث المصطفى ﷺ ودلالته، في مثلِ القائم بحدود الله والواقع فيها كمثل قومٍ استهموا على سفينة، فصار بعضُهم أعلاها وبعضُهم أسفلها. وَكُنْ من أهل رحمة الله وأولئك هم الآمرون الناهون الذين قيل عنهم: ﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ (٢)، وما أسعدك وأطيب عيشك إن كنت من أهل الفلاح الذين قال الله عنهم: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٣). اللهم انفعنا بهدي القرآن وسنة محمد ﷺ ، أقول قولي هذا وأستغفر الله ...

стр. 1891

الخطبة الثانية: الحمد لله ربِّ العالمين، أحمده تعالى وأشكره وأثني عليه الخير كلَّه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. أيها المؤمنون: توبوا إلى الله جميعًا لعلكم تفلحون، وحاسبوا أنفسكم ومَنْ تحت أيديكم قبل أن تُحاسَبوا، وَمُرُوا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، قبل أن يضرب الله قلوبَ بعضِكم ببعض، ويُردَّ عليكم دعاءكم، وتطلبون النصرَ فلا يُستجاب لكم. قال ﷺ : «قال الله تعالى: مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، قبل أن تدعوني فلا أستجيبُ لكم، وقبل أن تسألوني فلا أعطيكم، وقبل أن تستنصروني فلا أنصركم». وفي لفظ آخر من حديث حذيفة بن اليمان ﵄ قال ﵊: «والذي نفسي بيده لتأمرنَّ بالمعروف، ولتنهونَّ عن المنكر، أو ليوشكنَّ اللهُ أن يبعث عليكم عقابًا من عندِه، ثم لتدعونه فلا يستجيب لكم» رواه الإمام أحمد. أيها العقلاء ... أيها النبلاء: وكما أن مسؤولية الدعوة للخير، والتحذير من الشر، مسؤوليةٌ وشرفٌ لنا جميعًا، فكذلك تحقيقُ الأمن ونزولُ البركات مسؤوليتنا جميعًا، وبالإيمان يتحقق الأمن، وبالإيمان والتُّقى تُفتح بركاتُ السماء، ذلك وعدٌ غير مكذوب. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (١).

стр. 1892

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (١). ومؤلمٌ أن يتطاول المجرمون بنشر فسادهم، أو السخرية بمن يأمرهم وينهاهم، أو بنوعٍ من الأذية لمن يحاول كشف أوكارِ فسادهم، وهنا لا بد من تكاتف الجهود، والشجاعة - دون تهوّرٍ - في الأمر والنهي. والرفقُ ما كان في شيء إلا زانه، ولا نُزع من شيء إلا شانه، والصبرُ مطلبٌ رئيس في الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وقبل ذلك وبعده فلا بد من العلم بما يُؤمر به وما ينهى عنه ... والحلمُ على من يُؤمر ويُنهى، وعدمُ الانتصار للنفس أو الغضب للذات، بل غيرةً لدين الله وحرماته، وحرصًا على هداية الآخرين واستقامتهم، وعدم تجاوز منكرهم إلى غيرهم. ولا بد كذلك من وازع سلطانٍ وقوة حاكم يذل لسطوته المجرمون وينتصر للمظلومين، وقد ثبت عن عثمان ﵁: إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن» (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ومن النهي عن المنكر إقامةُ الحدود على من خرج من شريعة الله، ويجب على أولي الأمر - وهم علماءُ كلِّ طائفةٍ وأمراؤها ومشايخُها - أن يقوموا على عامتهم ويأمروهم بالمعروف، وينهوهم عن المنكر .. إلى آخر كلامه يرحمه الله (٣). عباد الله: أما وازعُ القرآن فيملكه كلُّ مسلمٍ ومسلمةٍ قادرٍ على أن يأمر بالمعروف الذي جاء في القرآن، وينهى عن المنكر الذي نهى عنه، وإياكم يا

стр. 1893

أخوة الإسلام أن تخذلوا أنفسكم وتخذلوا رجال الحسبة، وذلك بزهدكم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مسؤولية كل مسلم ومسلمة - وكلٌّ بحسبه - والآثارُ المترتبةُ على تركِ الأمر والنهي أو ضعفهما تلحق بنا جميعًا، إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة للخير، والتحذير من الشر وظيفةُ الأنبياء والمرسلين ﵈، وهي باقيةٌ في عقبهم وأتباعهم إلى يوم الدين، هي من واجبات العلماء، والقضاة، والدعاة، وطلبة العلم، وهي من مسؤوليات رجالات الفكر والإعلام، وهي جزءٌ من رسالة المدرسِ في مدرسته والموظف في وظيفته، والتاجر في متجره، وهي من الأمانة التي استرعى الله المسلم والمسلمة في بيوتهم وبين أبنائهم وبناتهم، وذوي رحمهم وجيرانهم ... إنها استجابةٌ لدعوة محمد ﷺ : «من رأى منكم منكرًا فليغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». وهي علامةُ الإيمان ومؤشرٌ للانضمام في حزب المؤمنين الذين قال الله في وصفهم: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (١) .. الآية. إخوة الإيمان: وحين يكتملُ وازعُ القرآن ووازع السلطان ينتشر الخيرُ ويتوارى الشرُّ، ويُبلس المجرمون، وهاكم نموذجًا يتحقق فيه صدقُ الوازعين، وجرت أحداثُه أيام الخليفة العباسي المعتضد، والقصةُ طويلة كما رواها ابن كثير (٢)، وخلاصُتها: أن أميرًا تركيًّا من أعالي الدولة سطا على امرأةٍ حسناء وتعلق بها ليدخلها في منزله وهي تصيح بأعلى صوتها: يا مسلمون أنا امرأة ذات زوج، وهذا رجلٌ يريدني على نفسي، وقد حلف زوجي بالطلاق ألا أبيت إلا في منزله، فغلبها الأميرُ فأدخلها، فتحركت الغيرةُ عند رجلٍ خياط، وكان إمامًا

стр. 1894

لأحد المساجد، فقام فأنكر على الجاني، فضربه الأميرُ التركي بدبوس شجّ رأسه به، فذهب الإمام وغسل الدم وصلى بجماعته العشاء، فأخبرهم الخبر، وطلب الذهاب إليه مرةً أخرى، فخرجوا معه، فأخرج الأمير إليهم جماعةً من غلمانه فأخذوا يضربون الناس بعصيهم ودبابيسهم، وقصد الجاني الإمام من بينهم فضربه ضربًا شديدًا حتى أدماه - مرة أخرى - فرجعوا وهم في غاية الإهانة. يقول الإمام الخياط: فلما رجعت إلى منزلي وأنا منهك من كثرة الدماء وشدة الوجع، لم تغتمض عيني بنوم، وجعلت أفكر في وسيلة ثالثة أستنقذ بها المرأة من ظالمها، فاهتديت إلى أن أُذن لصلاة الفجر في منتصف الليل، حتى يظن الأميرُ أن الفجر قد طلع فيخشى الفضيحة ويخرج المرأة قبل الفجر، فبينا أنا كذلك، وإذا برجالات وشرطة المعتضد يحيطون بي، ويأخذوني إلى الخليفة، فلما وقفت بين يدي المعتضد - وأنا أرتعد من شدة الخوف - قال: أنت الذي أذَّنت في هذه الساعة؟ قلت: نعم، قال: فما حملك على هذا وقد بقي من الليل أكثرُ مما مضى منه، فَتُغِرُّ بذلك الصائم والمسافر والمصلي وغيرَهم، فقال: تؤمنني يا أمير المؤمنين؟ قال: أنت آمنٌ، فأخبره الخبر، فغضب الخليفة غضبًا شديدًا، وطلب إحضار الأمير والمرأة من ساعته، فبعث بالمرأة إلى زوجها، ثم أقبل على الأمير يسأله عن رزقه، وعدد جواريه وزوجاته، فذكر له شيئًا كثيرًا، ثم قال له: ويحك أما كفاك ما أنعم اللهُ به عليك حتى انتهكت حرمة الله، وتجرأت على السلطان، ثم عمدت إلى رجل أمرك بالمعروف ونهاك عن المنكر فضربته وأهنته وأدميته، فلم يُحر الأميرُ جوابًا، ثم أمر الخليفة به، فجُعل في رجله قيدٌ وفي عنقه غلٌّ، وأدخل في جوالق، ثم أمر به، فضرب بالدبابيس ضربًا شديدًا حتى خفت، ثم أمر فألقي في دجلة، فكان ذلك آخر العهد به، ثم التفت

стр. 1895

الخليفة للرجل المحتسب وقال له: كلما رأيت منكرًا صغيرًا كان أو كبيرًا - ولو على هذا - وأشار إلى صاحب الشرطة - فأعلمني، وإلا فالعلامة بيني وبينك بالأذان إن لم تجدني، فكان هذا الخياط بعد يرهب الأمراء بالتهديد بالأذان إن لم يسمعوا لأمره ونهيه. أيها الناس: وإذا كان في هذه الحادثة درسٌ في قوة وازع السلطان وأثره، ففيها درس وتسليةٌ للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر. ألا وإن من فضل الله علينا في هذه البلاد وجود جهاز للهيئات، وهي سمةٌ تخصُّ بلاد الحرمين دون سواها، وأملنا ورجاؤنا أن تبقى السمةُ باسمها ومسماها، يُدعمُ رجالُها، وتُستحدث أجهزتُها، وتوسع صلاحيتُها، فرجالُها مع رجال الأمن عيون ساهرة، دعمُهم دعمٌ لنا جميعًا، وضعفُ أدائهم تحيق آثارُه المُرَّةُ بنا جميعًا. اللهم احفظ بلادنا وبلاد المسلمين من كل سوء ومكروه، اللهم جنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.
следующие страницы →