← Джавами‘

Джавами‘ · id 20948

شعاع من المحراب

سليمان بن حمد العودة

Полный текст (3 545 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

الخطبة الثانية: الحمد لله ربِّ العالمين، أحمده تعالى وأشكره وأثني عليه الخير كلَّه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. أيها المؤمنون: توبوا إلى الله جميعًا لعلكم تفلحون، وحاسبوا أنفسكم ومَنْ تحت أيديكم قبل أن تُحاسَبوا، وَمُرُوا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، قبل أن يضرب الله قلوبَ بعضِكم ببعض، ويُردَّ عليكم دعاءكم، وتطلبون النصرَ فلا يُستجاب لكم. قال ﷺ : «قال الله تعالى: مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، قبل أن تدعوني فلا أستجيبُ لكم، وقبل أن تسألوني فلا أعطيكم، وقبل أن تستنصروني فلا أنصركم». وفي لفظ آخر من حديث حذيفة بن اليمان ﵄ قال ﵊: «والذي نفسي بيده لتأمرنَّ بالمعروف، ولتنهونَّ عن المنكر، أو ليوشكنَّ اللهُ أن يبعث عليكم عقابًا من عندِه، ثم لتدعونه فلا يستجيب لكم» رواه الإمام أحمد. أيها العقلاء ... أيها النبلاء: وكما أن مسؤولية الدعوة للخير، والتحذير من الشر، مسؤوليةٌ وشرفٌ لنا جميعًا، فكذلك تحقيقُ الأمن ونزولُ البركات مسؤوليتنا جميعًا، وبالإيمان يتحقق الأمن، وبالإيمان والتُّقى تُفتح بركاتُ السماء، ذلك وعدٌ غير مكذوب. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (١).

стр. 1892

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (١). ومؤلمٌ أن يتطاول المجرمون بنشر فسادهم، أو السخرية بمن يأمرهم وينهاهم، أو بنوعٍ من الأذية لمن يحاول كشف أوكارِ فسادهم، وهنا لا بد من تكاتف الجهود، والشجاعة - دون تهوّرٍ - في الأمر والنهي. والرفقُ ما كان في شيء إلا زانه، ولا نُزع من شيء إلا شانه، والصبرُ مطلبٌ رئيس في الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وقبل ذلك وبعده فلا بد من العلم بما يُؤمر به وما ينهى عنه ... والحلمُ على من يُؤمر ويُنهى، وعدمُ الانتصار للنفس أو الغضب للذات، بل غيرةً لدين الله وحرماته، وحرصًا على هداية الآخرين واستقامتهم، وعدم تجاوز منكرهم إلى غيرهم. ولا بد كذلك من وازع سلطانٍ وقوة حاكم يذل لسطوته المجرمون وينتصر للمظلومين، وقد ثبت عن عثمان ﵁: إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن» (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ومن النهي عن المنكر إقامةُ الحدود على من خرج من شريعة الله، ويجب على أولي الأمر - وهم علماءُ كلِّ طائفةٍ وأمراؤها ومشايخُها - أن يقوموا على عامتهم ويأمروهم بالمعروف، وينهوهم عن المنكر .. إلى آخر كلامه يرحمه الله (٣). عباد الله: أما وازعُ القرآن فيملكه كلُّ مسلمٍ ومسلمةٍ قادرٍ على أن يأمر بالمعروف الذي جاء في القرآن، وينهى عن المنكر الذي نهى عنه، وإياكم يا

стр. 1893

أخوة الإسلام أن تخذلوا أنفسكم وتخذلوا رجال الحسبة، وذلك بزهدكم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مسؤولية كل مسلم ومسلمة - وكلٌّ بحسبه - والآثارُ المترتبةُ على تركِ الأمر والنهي أو ضعفهما تلحق بنا جميعًا، إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة للخير، والتحذير من الشر وظيفةُ الأنبياء والمرسلين ﵈، وهي باقيةٌ في عقبهم وأتباعهم إلى يوم الدين، هي من واجبات العلماء، والقضاة، والدعاة، وطلبة العلم، وهي من مسؤوليات رجالات الفكر والإعلام، وهي جزءٌ من رسالة المدرسِ في مدرسته والموظف في وظيفته، والتاجر في متجره، وهي من الأمانة التي استرعى الله المسلم والمسلمة في بيوتهم وبين أبنائهم وبناتهم، وذوي رحمهم وجيرانهم ... إنها استجابةٌ لدعوة محمد ﷺ : «من رأى منكم منكرًا فليغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». وهي علامةُ الإيمان ومؤشرٌ للانضمام في حزب المؤمنين الذين قال الله في وصفهم: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (١) .. الآية. إخوة الإيمان: وحين يكتملُ وازعُ القرآن ووازع السلطان ينتشر الخيرُ ويتوارى الشرُّ، ويُبلس المجرمون، وهاكم نموذجًا يتحقق فيه صدقُ الوازعين، وجرت أحداثُه أيام الخليفة العباسي المعتضد، والقصةُ طويلة كما رواها ابن كثير (٢)، وخلاصُتها: أن أميرًا تركيًّا من أعالي الدولة سطا على امرأةٍ حسناء وتعلق بها ليدخلها في منزله وهي تصيح بأعلى صوتها: يا مسلمون أنا امرأة ذات زوج، وهذا رجلٌ يريدني على نفسي، وقد حلف زوجي بالطلاق ألا أبيت إلا في منزله، فغلبها الأميرُ فأدخلها، فتحركت الغيرةُ عند رجلٍ خياط، وكان إمامًا

стр. 1894

لأحد المساجد، فقام فأنكر على الجاني، فضربه الأميرُ التركي بدبوس شجّ رأسه به، فذهب الإمام وغسل الدم وصلى بجماعته العشاء، فأخبرهم الخبر، وطلب الذهاب إليه مرةً أخرى، فخرجوا معه، فأخرج الأمير إليهم جماعةً من غلمانه فأخذوا يضربون الناس بعصيهم ودبابيسهم، وقصد الجاني الإمام من بينهم فضربه ضربًا شديدًا حتى أدماه - مرة أخرى - فرجعوا وهم في غاية الإهانة. يقول الإمام الخياط: فلما رجعت إلى منزلي وأنا منهك من كثرة الدماء وشدة الوجع، لم تغتمض عيني بنوم، وجعلت أفكر في وسيلة ثالثة أستنقذ بها المرأة من ظالمها، فاهتديت إلى أن أُذن لصلاة الفجر في منتصف الليل، حتى يظن الأميرُ أن الفجر قد طلع فيخشى الفضيحة ويخرج المرأة قبل الفجر، فبينا أنا كذلك، وإذا برجالات وشرطة المعتضد يحيطون بي، ويأخذوني إلى الخليفة، فلما وقفت بين يدي المعتضد - وأنا أرتعد من شدة الخوف - قال: أنت الذي أذَّنت في هذه الساعة؟ قلت: نعم، قال: فما حملك على هذا وقد بقي من الليل أكثرُ مما مضى منه، فَتُغِرُّ بذلك الصائم والمسافر والمصلي وغيرَهم، فقال: تؤمنني يا أمير المؤمنين؟ قال: أنت آمنٌ، فأخبره الخبر، فغضب الخليفة غضبًا شديدًا، وطلب إحضار الأمير والمرأة من ساعته، فبعث بالمرأة إلى زوجها، ثم أقبل على الأمير يسأله عن رزقه، وعدد جواريه وزوجاته، فذكر له شيئًا كثيرًا، ثم قال له: ويحك أما كفاك ما أنعم اللهُ به عليك حتى انتهكت حرمة الله، وتجرأت على السلطان، ثم عمدت إلى رجل أمرك بالمعروف ونهاك عن المنكر فضربته وأهنته وأدميته، فلم يُحر الأميرُ جوابًا، ثم أمر الخليفة به، فجُعل في رجله قيدٌ وفي عنقه غلٌّ، وأدخل في جوالق، ثم أمر به، فضرب بالدبابيس ضربًا شديدًا حتى خفت، ثم أمر فألقي في دجلة، فكان ذلك آخر العهد به، ثم التفت

стр. 1895

الخليفة للرجل المحتسب وقال له: كلما رأيت منكرًا صغيرًا كان أو كبيرًا - ولو على هذا - وأشار إلى صاحب الشرطة - فأعلمني، وإلا فالعلامة بيني وبينك بالأذان إن لم تجدني، فكان هذا الخياط بعد يرهب الأمراء بالتهديد بالأذان إن لم يسمعوا لأمره ونهيه. أيها الناس: وإذا كان في هذه الحادثة درسٌ في قوة وازع السلطان وأثره، ففيها درس وتسليةٌ للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر. ألا وإن من فضل الله علينا في هذه البلاد وجود جهاز للهيئات، وهي سمةٌ تخصُّ بلاد الحرمين دون سواها، وأملنا ورجاؤنا أن تبقى السمةُ باسمها ومسماها، يُدعمُ رجالُها، وتُستحدث أجهزتُها، وتوسع صلاحيتُها، فرجالُها مع رجال الأمن عيون ساهرة، دعمُهم دعمٌ لنا جميعًا، وضعفُ أدائهم تحيق آثارُه المُرَّةُ بنا جميعًا. اللهم احفظ بلادنا وبلاد المسلمين من كل سوء ومكروه، اللهم جنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.

стр. 1896

(١) أطفالنا ومسؤولية التربية (١) الخطبة الأولى: الحمد لله القائل في محكم التنزيل: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٢). وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أوحى إلى عبده، فيما أوحى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٣). وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، أخبر - وهو الصادقُ المصدوق - أن: «كلُّ مولودٍ يولد على الفطرة فأبواه يهوِّدانه، أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه» متفق عليه (٤). اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٥). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٦).

стр. 1897

أيها المسلمون: حديثُ اليوم عن فئةٍ تملأ علينا بيوتَنا، وتُسرُّ لأحاديثهم قلوبنا، نضيق بتصرفاتهم حينًا، ونستملح حركاتهم حينًا، حديث عن حبّاتِ القلوب، وفلذاتِ الأكباد، وقرة العيون، ورياضِ البيوت، وبهجة الحياة. إنهم أطفالُنا، وهبةُ الرحمن لنا: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ (١)، تُعنى الشعوبُ كافةً بأطفالها، وتُعقد الأيام العالميةُ للطفل، ولكن يظل الإسلامُ متميزًا في عنايته بالطفل، وتبدأ العنايةُ به قبل وجوده، فأمُّهُ تُختار من ذواتِ الدين والنسب: «فاظفرْ بذاتِ الدين تربتْ يداك»، «تخيَّروا لِنُطفِكم فإنَّ العرقَ دسَّاس». وفي لقاء الزوج بالزوجة لإلقاء النطفة التي يشاءُ الله منها الطفل يُحث على ذكر الله ودعائه بحفظ هذا المولود من كل مكروه، قال ﷺ : «لو أن أحدَهم إذا أتى أهلَه، قال: بسم الله، اللهم جنِّبنا الشيطان وجنِّبِ الشيطانَ ما رزقتنا، فقُضي بينهما ولدٌ، لم يضرَّهُ الشيطانُ». بل ويُحث العقيمُ على ذكر الله والاستغفار والصدقة، وقد يشاءُ الله أن يكون ذلك لمجيء الولد سببًا. روى أبو حنيفة في «مسنده»، عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما أنه جاء رجلٌ من الأنصار إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ما رزقت ولدًا قطُّ ولا وُلدَ لي، قال ﷺ : «فأين أنت من كثرة الاستغفار، وكثرةِ الصَّدقة تُرزقُ بها» فكان الرجلُ يُكثر الصدقة ويكثر الاستغفار، قال جابر: فولد له تسعةُ ذكور. قال مُلا علي في شرحه للحديث: «ولعله مقتبسٌ من قوله تعالى حكايةً عن

стр. 1898

نوح ﵇: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ (١). إخوة الإسلام .. وهؤلاء الأطفال الذين يمثلون البراءة وترسم على وجوههم وحركاتهم إشراقةُ الفطرة الربانية، ماذا صنعنا لهم بعد وجودهم؟ ما هي أخطاؤنا معهم؟ وكيف واقُعنا وإياهم، وما هي أنسبُ الطرق وأفضلُ الوسائل لتربيتهم؟ إن الطفل ببراءته ونقائه لوحةٌ نظيفة يكتب فيها المربون ما شاءوا، ولكن ما يُكتب اليوم له أثرهُ في مستقبل الطفل غدًا ... ومن هنا يأتي خطؤنا أحيانًا في عدم تقدير النظرة للطفل، فضلًا عن الكلمة، أو السلوك أمام الأطفال بشكل عام .. وما من شكٍّ أن هذه النظرة أو الكلمة التي وجهناها للطفل، أو السلوك الذي تعاملنا به معه تظل كلُّها عالقةً في ذهنه، وذات أثرٍ في سلوكه فيما بعد. ومن أخطائنا - مع أطفالنا - أننا نُعنى كثيرًا بشكلهم الظاهر، ونوفر لهم أنواع الملابس وأصناف الطعام، وننزعج للمرض يصيب أبدانهم. ويضعف اهتمامُنا بتهذيب نفوسهم، وإصلاح قلوبهم، والعناية بأخلاقهم ومتابعة أدبهم، وينشأ عن هذا وذاك نشأتُهم معظمين للشكليات، مهتمين بكماليات الحياة، وفيهم ضعفٌ ظاهر في تقدير القِيَم، وعلوِّ الهمم، وخوض غمار الحياة مع الحفاظ على محاسن الأخلاق، وجميل السلوكيات. ومن أخطائنا قِلةُ الأوقاتِ المخصصة للجلوس مع الأطفال، وإذا قُدر لنا الجلوسُ فدون برامج مدروسة، وربما غابت أهدافُ التربية أو عُدِمْنَا الوسيلةَ

стр. 1899

المناسبةَ للتربية ... ولو أن المربي أو المربية في كل جلسة علموه أدبًا، أو حفَّظوه آيةً، أو نبهوه إلى خطأ، أو علموه ما يجهل، بأسلوب مناسب، وبقليل من الوقت - لتشكل من ذلك رصيدٌ نافعٌ لهذا الطفل يدعوه للمكاره ويحفظه من المزالق بإذن الله. وإذا كان هذا من أخطائنا في البيوت؛ فخطأ المدرسة مع الطفل إنما يكون حين تُركِّزُ على تلقينه المعلومات تحفيظًا، وتقلل من ممارسته لما حفظ سلوكًا عمليًا، فيظل الطفلُ يحفظ ذهنيًا، ويمارس سلوكيًا غير ما حفظ، وربما حفظ في الصفوف الأولى ما لم يمارسه إلا في الصفوف الأخيرة من المرحلة الابتدائية، وبهذه الطريقة التلقينية المجردة تضيع أو تضعف القيمة التربوية للتعليم، ويتركز الهدف أكثر على النجاح أو الرسوب. ومن أخطائنا في التربية وعلاج مشكلات الأطفال أننا ننظر إليهم أحيانًا على أنهم كبار، يدركون الخطأ ولكنهم يقصدون العناد؛ وبالتالي نحتد في النقاش معهم، ونشتد في ضربهم، وليس كلُّ مخالفةٍ للوالدين، أو خروج عن الأعراف السائدة في المجتمع من قبل الأطفال عنوان شرٍّ ورمز شقاوة، بل قد تكون من علائم النجابة مستقبلًا، وفي «نوادر الترمذي»: «عُرامُ الصبي نجابة» أي: شدته وشراسته، وفي رواية: «عرامة الصبي في صغره زيادةٌ في عقله في كبره» (١). ومن أخطائنا: الاستهانة بنوع الرفيق لهم في مرحلة الطفولة، فقد يرافقون من يبدأ الطفلُ خطوات الانحراف الأولى برفقتهم، وقد نجهل أن هذا الرفيق يهدم ما نبني، أو يبني ما نهدم. ومن أخطائنا: ضعفُ همَّتنا في تربية أطفالنا على النماذج العالية للأطفال؛

стр. 1900

أو عدمُ قدرتنا على مواصلة التربية حتى يكونوا رجالًا، ومما يشحذ الهمم أن نتصور أن هذا الطفل الضعيف اليوم قد يكون من أفذاذ الرجال غدًا ... أو تكون هذه البُنيَّةُ المسكينةُ اليوم من خيار النساء غدًا، فلا تأسفْ على جهدٍ بذلته، ولا تحقرنَّ طفلًا لطفولته، وإذا قرأت في سير العظماء فتيقن أنهم مرُّوا بمرحلة الطفولة حتمًا .. ولكن طفولة العظماء، والعناية بهم تنتج - بإذن الله - رجالًا أو نساءً عظماء، ويحدثنا الإمام الشافعيُّ ﵀ عن طفولته ويقول: حفظتُ القرآن وأنا ابنُ سبع سنين، وحفظتُ «الموطأ» وأنا ابنُ عشر (١). ونقل الغزاليُّ قول سهل بن عبد الله التستري عن نفسه؛ قال: فمضيتُ إلى الكُتَّابِ، فتعلمت القرآن وحفظتُه، وأنا ابنُ ستِّ سنين أو سبع سنين (٢). وأين الأمهاتُ من أمِّ أنس بن مالك ﵁ والتي ما فتئت أمُّه تُعلمه وتربيه حتى دفعته وهو صغيرٌ للنبي ﷺ لتكتمل على يديه ﷺ تربيتُه ويَحْسُنَ تعليمُه؟ بل أين الأمهاتُ من تلك المرأة التي دفعت إلى ابنها يوم أحدٍ السيف فلم يُطقْ حمله، فشدته على ساعده بِنسْعه، ثم أتت به النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله: هذا ابني يقاتل عندك، فقال النبي ﷺ : «أي بني: احمل هاهنا، أي بُني احْمِل هاهنا» فأصابته جراحةٌ فصدع، فأُتي به النبيُّ ﷺ فقال: «أي بنيّ لعلك جزعت؟ » قال: لا يا رسول الله (٣). والنماذجُ في هذا أكثرُ من أن تحصى، وهي شاهدة على همم الأطفال، وأثر

стр. 1901

تربيتهم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (١).

стр. 1902

الخطبة الثانية: الحمد لله ربِّ العالمين، أحمده تعالى وأشكره، وأثني عليه الخير كلَّه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخيرته من خلقه، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. أيها الآباء وأيتها الأمهات: وأنتم أصحابُ المسؤولية الأولى في تربية الأطفال وتنشئتهم على الخير، وكذلك حَمّلَكُمُ الإسلام الأمانة وأنتم مسئولون عن رعايتها في بيوتكم، وخصَّكم نبيُّ الهدى والرحمةِ بالحفاظ على فطرةِ الله التي فطر الأطفال عليها، وتأملوا في قوله ﷺ : «كلُّ مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه». إذ ليس فيه ذكر للإسلام، فلم يقل: أو يسلمانِهِ؛ لأن الإسلام هو الأصل، وهو فطرةُ الله، وعملُ الآباء والمربين إنما ينحصر في الحفاظ على هذه الفطرة سليمةً نقية، وفي صقلها وتفجير طاقات الخير، وينابيع الابداع في أعماقها (١). ويؤخذ من الحديث كذلك أن اتجاه الطفل الفكري والخُلقيَّ والاجتماعيَّ متأثرٌ أولًا وقبل كلِّ شيء ببيئة الوالدين وأفكارهما، وأخلاقهما، وأساليب تربيتهما (٢). فهل يُقدر الأبوان عِظَم المسؤولية، ويعرفونهم بالإسلام على حقيقته، ويجنبونهم كلَّ ما يُخالف الإسلام؟ أو يبعدهم عن صفائه وسمو مبادئه؟ ألا وإن القدوة مهمةٌ بكل حال، والإسلام ينهى عن مخالفة الأفعال للأقوال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا

стр. 1903

تَفْعَلُونَ﴾ (١)، والقدوةُ مع الأطفال من أمضى وسائل التربية، والطفل يُجيد التقليد والمحاكاة، وحقٌّ على المربين أن يكونوا قدوةً صالحة، وليحذروا من أن تقع أعينُ الأطفال منهم على قبيح من القول أو منكرٍ من الأفعال، قال عقبةُ بن أبي سفيان لمؤدب ولده: وليكن أول ما تبدأ به إصلاح بنيَّ: إصلاحُ نفسِك، فإن أعينهم معقودةٌ بعينك، فالحَسنُ عندهم ما استحسنتَ، والقبيحُ عندهم ما استقبحت (٢). أيها الآباء والمربون، أيتها الأمهاتُ والمربيات: عوِّدوا الأطفال على الخير فهم يعتادونه، وعلموهم ما ينفعهم فهم يسمعونه. قال عبدُ الله بن مسعود ﵁: «عوِّدوهم الخيرَ، فإن الخيرَ عادةٌ». وأول ما ينبغي تعليمُهم إياه كتبُ الله منذ نعومة أظفارهم. قال السيوطيُّ: تعليمُ الصبيان القرآن أصلٌ من أصول الإسلام فيُنَشّؤون على الفطرة، ويسبق إلى قلوبهم أنوارُ الحكمة قبل تمكُّنِ الأهواء منها، وسوادِها بأكدار المعصية والضلال (٣). وما أجمل المربي والمربية وهم يفتحون أذهان الناشئة على عظمة الله والخوف منه، من خلال صفحة الكون وآيات الله الباهرة في الأنفس والآفاق، وبالأسلوب المناسب للطفل ... ثم يتدرجون معهم إلى تعليم أركان الإسلام، وبعض الواجبات والمستحبات والآداب النافعة في الأكل والشرب والتحية، وفي حال النوم واليقظة، وما فيهما من أذكار وأوراد مستحبة. فإذا بلغ الطفلُ سبع سنين أُمر بالصلاة تدريبًا له على الخير، وربطًا له

стр. 1904

بالمسجد، وتعريفًا له وتأليفًا مع جماعة المسلمين، ويُضرب على التهاون بها إذا بلغ العشر، ويُفرق فيها بين الذكر والأنثى في المضاجع، إبعادًا لهم عن الريب، وصونًا لهم من الانحراف، وقد يتهاون البعضُ بهذه الآداب الإسلامية المشروعة، وقد يظهر آثارُ التهاون عليه فيما بعد، وقد صح الخبرُ عن رسول الله ﷺ : «مُروا أولادكم بالصلاة وهم أبناءُ سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناءُ عشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع» حديث حسن أخرجه أحمدُ والحاكم وأبو داود (١). ومن هدي السلف تدريبُ أطفالهم على الصيام، وربما حجوا بهم وهم صبيان، ومما ينبغي أن يُعلم أن الأطفال يستجيبون للتعليم والتأديب بشكل عام مع الحوافز المشجعة، والوعود الصادقة بالمكافأة - وإن كانت يسيرة - كما يستجيبون للحكايات والقصص، وقد تؤثر فيهم أسرع من غيرها، وعلى المربي أن يختار القصة ذات الهدف التربوي ويستثمرها في توجيه الأطفال. وإذا امتلأ كتابُ الله بذكر قصص السابقين لأخذ العبرة منها، والتسلية بأحداثها، فلا شك أن للقصص أثرًا في صياغة عقل وسلوكيات الأطفال، وقد قال بعضُ العلماء: «الحكايات جندٌ من جنود الله تعالى يثبت الله بها قلوب أوليائه»، وشاهدُه من كتاب الله قوله سبحانه: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢). ويروى عن أبي حنيفة ﵀: الحكايات عن العلماء ومحاسنهم أحبُّ إليَّ من كثير من الفقه، لأنها آدابُ القوم، وشاهدُه من كتاب الله قولهُ تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (٣). (٤).

стр. 1905

أيها المربون، أيتها المربيات: وكم نغفل عن هذا الجانب التربوي مع الأطفال، وفي سيرة محمدٍ ﷺ أو سير الأنبياء السابقين ماله أعظمُ الأثر في تربية الأطفال على الفضيلة والخير، وكذا سير العلماء والصالحين، أو سير الآباء والأجداد .. والمهم أن تصاغ بأسلوب يفهمه الطفل، وأن يُعلَّقَ على القصة الموردة بما ينتفع به الطفل من أمر أو نهي أو توجيه. ولا شك أن اختيار الوقت المناسب للتوجيه مهمٌّ بكل حال، ولا سيما مع الأطفال، ففي حالِ الركوب والأسفار، وحين تنفتح نفسية الطفل للطعام والشراب، أو حين يقعده المرضُ فتجتمع له سجيّةُ الطفل وَرِقَّةُ القلب بالمرض - فهذه الحالات وأمثالُها حَرِيَّةٌ بقبول الطفل للتوجيه أكثر من غيرها، وينبغي للمربين أن يستثمروها، وفي سيرة النبي ﷺ ما يؤكد حسن اختيار الوقت للتوجيه والدعوة، فقد روى البخاري عن أنس ﵁؛ قال: كان غلام يهوديٌّ يخدم النبي ﷺ فمرض الغلام فأتاه النبيُّ ﷺ يعوده، فقعد عند رأسه فقال له: «أسلم» فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال: أطع أبا القاسم، فأسلم الغلام فخرج النبي ﷺ وهو يقول: «الحمد لله الذي أنقذه من النار». أرأيت كيف اختار النبي ﷺ الوقت المناسب لدعوته، مع إمكانية الدعوة قبل ذلك ... عباد الله: وهناك أساليبُ أخرى في تربية الأطفال .. وهناك محاذيرُ ينبغي أن نتنبَّه لها، وأمورٌ أخرى تتعلق بالأطفال أرجئُ الحديث عنها للخطبة القادمة بإذن الله. أسأل الله أن يصلح نِيَّاتنا وذرياتنا .. وأن يغفر زلاتنا، ويعيننا على تربية أنفسنا وأبنائنا.

стр. 1906

(٢) أطفالنا ومسؤولية التربية (١) الخطبة الأولى: إنَّ الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ... إخوة الإسلام: وحديثُ اليوم استكمالٌ لحديث قبله عن أطفالنا، ومسؤولية التربية، وما يقع من أخطاءٍ في تربيتهم، وتنبيهاتٌ ومحاذيرُ، أرجو الله أن ينفعنا بها جميعًا، والِدَيْن وأولادًا. وكيف لا نُعنى بمثل هذه الأمور مع أطفالنا، وعنايةُ الإسلام بالطفل سبقت وفاقت غيرها من النظم والقوانين البشرية، وإن أعجب البعضُ منا بالنظريات الحديثة الوافدة. أجل؛ إن الصلاة المفروضة تُخفَّفُ لبكاء الأطفال رحمة بهم وبأمهاتهم، يقول ﵊: «إني لأدخل في الصلاة، وأنا أريد أن أُطيلها، فأسمع بكاءَ الصبيِّ، فأتجوَّز في صلاتي، مما أعلمُ من شدةِ وجدِ أمِّه ببكائه» متفق عليه (٢). وتفطرُ الحاملُ والمرضعُ إذا خشيت الضرر على أطفالهما، ويُرجأ القصاصُ عن الحامل حتى تضع حملها، والموءودة تسأل بأي ذنب قتلت؟ ! ثم إن ختانه، واختيار اسمه، والعقَّ عنه، إلى غير ذلكم من أحكام وضعها الإسلامُ حمايةً للأطفال قبل أو بعد ولادتهم.

стр. 1907

عباد الله: وكيف لا نعتني بهؤلاء الأطفال صغارًا، وهذه العناية بإذن الله سببٌ للانتفاع بهم كبارًا، وفي الحديث: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث» وذكر منها ولدًا صالحًا يدعو له، علمًا بأنه لا مفرَّ من المسؤولية: «فكلكم راعٍ وكلكم مسئولٌ عن رعيته». وإذا كان للوالدين حقوق مشروعة، فعليهم واجبات ومسؤولية، ولئن قيل للأولاد: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ (١)، فقد قيل للآباء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (٢)، قال مقاتل في معنى هذه الآية: أن يؤدب المسلمُ نفسَه وأهلَه فيأمرهم بالخير وينهاهم عن الشر (٣)، بل قال بعضُ أهل العلم: إن الله سبحانه يسأل الوالدَ عن ولده يوم القيامة قبل أن يسأل الولد عن والده. ويؤكد ابن القيم ﵀ على أهمية تربية الأولاد، وأثر إهمالهم مستقبلًا فيقول في (تُحفة الودود): فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعُه وتركه سُدًى، فقد أساء غاية الإساءة، وأكثرُ الأولاد إنما جاء فسادهم من قِبل الآباء وإهمالهم لهم، وترك تعليمهم فرائض الدين وسننه، فأضاعوهم صغارًا فلم ينتفعوا بأنفسهم ولم ينفعوا آباءهم كبارًا ... ويقول الغزالي: فالصبيُّ إذا أُهمل في ابتداء نشوئه خرج في الأغلب رديء الأخلاق كذابًا حسودًا سروقًا، نمامًا، ذا فضول، وضحك وكيادٍ ومُجانةٍ، وإنما يُحفظ عن جميع ذلك بحسن التأديب. أيها المربون والمربيات: وإذ سبق الحديثُ عن بعض وسائل تربية الأطفال

стр. 1908

كالقدوة، وتعويد الخير، وتعليم ما ينفع مباشرةً، أو عن طريق القصة الهادفةِ أو الحكايات المفيدة، وتحيُّن الفرص المناسبة للتوجيه، وإشعار الطفل بعظمة الله من خلال التأمل في مخلوقاته، وكل ذلك يندرج تحت بناء العقيدة وتحبيب الطفل للعبادة والخير، فهناك تربيةٌ إجتماعية للأطفال، ومن وسائلها: حضورُهم مجالس الكبار للاستفادة من أحاديثهم ورصيد تجاربهم، وإرسالهم لقضاء الحاجات لتدريبهم على شؤون الحياة، وإعطائهم الثقة مع المراقبة والتوجيه، وإياك أيها المربي أن تكفَّ الطفل عن الكلام كلما همَّ بالحديث والتعبير عن وجهة نظره، وإياك أن تزجره إذا رغب في الجلوس مع الكبار، فينشأ الطفل رعديدًا يفرُّ من كل غريب، ويتخوف من كل قادم، وفي أخبار الصفوة ما يفيد حضورَ الغلمان مجالس الشيوخ، بل واستئذانهم في حقوقهم، وهذا رسولُ الهدى ﷺ يؤتى بشراب فيشرب منه، وعن يمينه غلام قيل هو ابن عباس، وعن يساره أشياخٌ، فلما شرب استأذن الغلام في أن يعطي الأشياخ قبله، فلم يأذن الغلامُ وهو يقول: لا والله يا رسول الله؛ لا أُوثر بنصيب منك أحدًا، فأعطاه إياه وتلَّه في يده. (متفق عليه). وابن عمر ﵄ يحضر مع أبيه وكبار الصحابة مجلس رسول الله ﷺ ، فيسأل رسولُ الله ﷺ عن شجرة تشبه المسلم، فيخوض الصحابةُ في عدد من الشجر، ليست هي، ويتبادر إلى ذهن الغلام أنها النخلة (وهي كذلك) فما يمنعه من الحديث إلا الأدب مع الكبار، فلما قال ذلك لأبيه شجَّعه أكثر، وقال له: لو كنت قلتها كان أحبَّ إليَّ من كذا وكذا .. رواه البخاري في «صحيحه»، ولقد أفاد ابن عباس وابن عمر وأمثالهما من هذه المجالس، فكانوا بَعْدُ من قادة الأمة وخيارها. ومن وسائل التربية الاجتماعية: تعويدُ الطفل تحيةَ الإسلام، وأدبَ

стр. 1909

الاستئذان، وعيادةَ المرضى، والعطفَ على الفقراء، وحضورَ الصلاة، ودفنَ الموتى. إخوة الإيمان: وثمة بناءٌ أخلاقي وتربية على جملة من الآداب لا بد للمربين والمربيات أن يرعوها، كالأدب مع الوالدين، ومع العلماء ومع كبار السن، وأدب الاحترام والمحادثة مع الآخرين، والأدب مع الأقارب والجيران، وآداب الطعام واللباس، وآداب المسجد، والمجلس. ونحو ذلك. ولا بد من تعويده الصدق في الحديث، وحفظ الأمانة، وكتم الأسرار، وسلامة الصدر من الأحقاد، والكرم، والشجاعة والسماحة، ونحوها من كريم الأخلاق والآداب. أيها المربون والمربيات: ويحتاج الناسُ عامة، والأطفالُ خاصةً إلى لين الجانب ورقة العاطفة، فالبناءُ العاطفيُّ أسلوب مهمٌّ من أساليب تربية الأطفال، فالابتسامة، والقبلةُ، ومسحُ الرأس، والهديةُ، والممازحةُ ... كلُّها تُساهم في فتح قلب الطفل لك، وتهيّئُهُ لقبولِ نُصحك وتوجيهك. ولقد كان من خُلق المصطفى ﷺ ممازحةُ الأطفال، ومداعبتُهم وتقبيلُهم، وإن لم يكونوا أبناءه، وفي «صحيح البخاري»: باب من ترك صبية غيره حتى تلعب، أو قبَّلها أو مازحها، وفي الباب عن أمِّ خالد بنت خالد بن سعيد قالت: أتيتُ رسول الله ﷺ مع أبي وعليَّ قميصٌ أصفر، فقال: «سَنَهْ سنهْ» ومعناه بالحبشية (حسنة) قالت: فذهبتُ ألعبُ بخاتم النبوة، فزجرني أبي (أي نهرني) فقال رسول الله ﷺ : «دعها» ثم قال: «أبْلي واخْلفي، ثم أبلي واخلفي، ثم أبلي واخلفي» الحديث. ولا يدري الناظرُ في الحديث أيعجب من ثنائه ﷺ على قميص البُنية، أم على تركها تلعب بخاتمه، أم بدعائه لها؟ قال ابنُ حجر في تعليقه على الحديث: والممازحةُ بالقول والفعل مع الصغيرة، إنما يُقصد به

стр. 1910

التأنيسُ، والتقبيلُ من جملة ذلك (١)، وهو القائلُ ﷺ لغلام صغير يداعبه ويكنيه: «يا أبا عمير ما فعل النُّغير» (٢). أيها المربون والمربيات: والغلظةُ مع الأطفال ليست مفخرة، والتصابي لهم وتطييبُ خواطرهم ليست مذمة ولا ذلة، وقد لام الرسولُ ﷺ من أخبره أن له عشرة من الولد لم يقبل أحدًا منهم، وقال له: «أَو أَملكُ أن نزع الله الرحمة من قلبك؟ ». وروى الحاكمُ وصححه أن الحسين ﵁ جاء والنبيُّ ﷺ يصلي بالناس، فركب عنقه وهو ساجد، فأطال السجود، فلما قضيت الصلاة قال الصحابةُ: أطلت السجود يا رسول الله، حتى ظننا أنه قد حدث أمرٌ، فقال: «إن ابني قد ارتحلني فكرهتُ أن أُعجله حتى يقضي حاجته» (٣). عباد الله: وما أجمل التصابي أو المداعبة أو حسن الخلق، ولين العاطفة مع الأطفال إذا كانت سبيلًا لدعوتهم للخير، وتحذيرهم من الشر، فتلك وسيلةٌ نافعةٌ بإذن الله للأطفال .. ولكنها لا ينبغي أن تكون الدهر كلَّه إذ يحتاج الطفلُ أحيانًا إلى الحزم والعزم لبلوغه المعالي، بل ربما احتاج إلى الضرب، ولكن الضرب له قواعدُه ومواصفاته، ومتى يكون ومتى يُمنع، وهو بكلِّ حال أدبٌ لا انتقام، ولا يُحبَّذُ في حال الغضب، ولا يصلح لكل الأطفال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (٤). إخوة الإيمان: ومهما بلغت وسائلنا في تربية أطفالنا فلا غنى لنا عن دعاء ربنا

стр. 1911

لإصلاحهم والانتفاع بهم، وأنتم واجدون في كتاب الله من دعاء الصالحين لذراريهم من مثل قوله: ﴿قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ (١)، ومن مثل قوله: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ (٢). نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وسنة نبيه، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 1912

الخطبة الثانية: الحمد لله رب العالمين، خلقَ الخَلق، ومن ضعفٍ، ثم جعل من بعد ضعفٍ قوة، ثم جعل من بعد قوة ضعفًا وشيبة، يخلق ما يشاءُ وهو العليم القدير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، عرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسانُ، إنه كان ظلومًا جهولًا، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله أخبرَ وهو الصادقُ المصدوق أنه ما نحلَ والدٌ ولدًا خيرًا من أدبٍ حسن. اللهم صلِّ وسلِّمْ عليه وعلى سائر النبيين. أيها المسلمون: وهناك وسيلةٌ لطيفة في التربية وذاتُ أثر على الأولاد عمومًا: والأطفال منهم على الخصوص، ألا وهي التفاهمُ بين الزوجين على علاج الخطأ الواقع من الأولاد أو ما يمكن تسميته (باصطناع المرونة)، فإذا اشتدت الأمُّ على الطفل لان الأب، وإذا عنَّف الأبُ لانت الأم، فقد يقع الولدُ في خطأ فيؤنبه والدُه تأنيبًا يجعله يتوارى خوفًا من العقاب الصارم، فإذا غاب جاءت الأم لتطيب خاطره وفي نفس الوقت لتوضح له خطأه برفق، وحينها يشعر الولدُ بأن أبويه على حق وصواب، فيقبل من الأب تأنيبه - وربما اعتذر إليه - ويحفظ للأم معروفها - وربما شكرها - والنتيجة أنه سيتجنبُ الخطأَ مرة أخرى (١). وهذا الأسلوبُ أنفعُ من اعتذار أحد الأبوين للطفل عن خطئه، والدفاع عنه حين تأديبه، إذ يشعره ذلك بالدلال السلبي، ويدعوه للتعاظم وإن كان مخطئًا، وعدم القبول ممن وجهه، وإن كان ناصحًا.

стр. 1913

أيها الآباء والأمهات: واحتسبوا الجلوس مع أطفالكم على موائد القرآن والسنة والدروس النافعة، فتلك وسيلةٌ مهمة من وسائل تربيتهم، وروّضوا أنفسكم على سماع شكواهم، وتقدير وجهات نظرهم، وإن كان رأيُهم متواضعًا، فذلك ينشئُ فيهم الثقة ويدعوهم للإفصاح عما في نفوسهم، والجرأة على التعبير عن آرائهم مع الآخرين مستقبلًا. وثمة وسيلةٌ مساعدةٌ على تربية الأولاد ألا وهي زيارةُ الأسر التي تُعنى بتربية أولادها، فتلك مفيدةٌ في التربية، وطريق لنقل التجربة الناجحة، والوسيلة المناسبة. وإذا تم في لقاءات العوائل عملُ برامج للأطفال فتلك نافعة بإذن الله تعالى، ومعينة على ترابط الأسرة وتآلفهم. أيها المربون والمربيات: هذه أنماطٌ من وسائل التربية للأطفال، وقد تكونون مارستم بعضها أو ما هو أفضل منها، والمهم استشعارُ المسؤولية مع هؤلاء الأطفال، وتقديمُ ما نُعذر به، أمام الله وأمامهم، ومن عمل صالحًا فلنفسه ومن أساء فعليها، والله لا يضيع أجر من أحسن عملًا، ولا بد أنْ يثمر الغرسُ الطيب جنًى طيبًا، إن في الدنيا أو في الآخرة، وإياك أن تحقر وسيلةً من وسائل التربية، أو تظن أن الطفل لا ينتفع بها، ولربما رأيت أو رأى غيرُك ثمار التوجيه الحسن، وقد حُدثت أن طفلًا في المرحلة الابتدائية تأخر يومًا في أداء الواجب، فهمّ مدرّسُه بضربه، فقال له الطالب: أتحداك أن تضربني، فتعجب المدرسُ من مقولته هذه وسأله عن السبب، فقال الطفل: لأنني صليت اليوم الفجر مع الجماعة، وقد قال النبيُّ ﷺ : «من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله حتى يمسي» فأنا في ذمة الله، وكان من عَقْلِ المعلم ومشاركته في التربية أن ترك الطفل ولم يضربه.

стр. 1914

أيها الآباء والأمهات، ويا أيها المربون والمربيات: وبقي أن نُعرِّج على شيءٍ من أخطائنا في تربية أطفالنا ... فمن أخطائنا: أطفالُ الخادمات وذلك حينما نكل للخادمة كلَّ شيء في أمر الأطفال، تربيهم كيف شاءت، وتعودهم من الأخلاق ما تريد، وقد تكون الخادمةُ كافرةً أو ذات معتقد أو مذهبٍ فاسد فتُنشئُ ناشئتنَا أبعد ما تكونُ عن قيمنا وعاداتنا وأخلاقنا الإسلامية. ومن أخطائنا: أطفالُ الشاشات، وذلك حينما نوفرُ للطفل ما هبَّ ودبَّ من وسائل اللهو المحرمة، ونهيئُ له الفرصة للنظر بكل شاشة فاتنة .. فينشأ جيل مغرمٌ باللهو .. مفتونٌ بالقنوات، يربيه غيرُنا ويتشكلُ عقلهُ وفكره من بيئات وأممٍ تضمر العداوة لنا ولأطفالنا، وماذا نتوقعُ المستقبلَ لأطفال ربتهم الشاشاتُ الهابطة، وأُشربوا حُبَّ القنوات الفضائية المعادية؟ وهناك بدائل صالحة في هذا لمن شاء. ومن أخطائنا: الدعاءُ على أطفالنا، أو لعنهم ... وتلك حماقةٌ تصدر من الوالدين أحيانًا - وخاصة الأمهات - وهم المتحملون لوزرها، وقد قيل إن الدعوات كالحجارة التي يُرمى بها، وقد تُصيب وقد تخطئ، ولهذا نهى محمدٌ ﷺ عن الدعاء على الأولاد، وقال: «لا تدعوا على أنفسكم ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعةً يُسْأل فيها عطاءً فيستجيب لكم» (١). ومن الأخطاء: الشماتةُ بالمبتلين من أولاد غيرنا، وبدل أن نسأل الله لهم العافية، ونشكره على أن أصلح ولدنا، ترى بعض الناس يشمت بهؤلاء ويلوم أهلهم ويعنفُ عليهم، وقد يكونون مجتهدين، ولكن الله لم يشأ هدايتهم، وربما

стр. 1915

انتقل الداءُ إليه عقوبةً من الله على شماتته وعدم شكره (١). أيها الناسُ: ومن أخطائنا مع أطفالنا استحياؤنا من تعليم أولادنا أحكام البلوغ وعلاماته قبل بلوغهم، ولذا فقد تصوم أو تصلي الفتاة العذراءُ وهي حائض أو جنب، وقد يصلي الشابُّ المحتلم وهو جُنبٌ ... وهكذا. ومن أخطائنا: عدمُ تحذير أطفالنا مما نخشاه عليهم أو نحاذر من وقوعهم فيه من قبلُ، فقد يقعون في شرب الدخان أو المخدرات وهم يظنون ذلك من الرجولة، وقد يختارون رفقاء السوء وهم يحسبونه جليسًا صالحًا. ومن أخطائنا: التفريق بين أولادنا في الأعطيات المادية أو المعنوية فيتولد عندهم الحقدُ، وينشأ الحسدُ، ونضع الكرة فيما بيننا وبينهم - وبالعدل قامت السماوات والأرض - وعلى الوالدين قدر الإمكان ألا يُظهرا الأولاد على خلافاتهم، وألا يكثروا من الشجار والخصومة بحضرتهم، فذلك مؤثرٌ على نفسياتهم، وقد يؤثر في سلوكياتهم. ومن أخطائنا: تخويف أطفالنا تخويفًا وهميًا حتى يستجيبوا لمطلبنا، ولكن هذا التخويف قد يخلف آثارًا سيئة على مستقبلهم. ومن أخطائنا: ضعفُ النساء - إلا ما ندر - في تربية الأطفال على معالي الأمور، واشتغالهن أكثر بملبسه وشكله وطعامه، وليتهن يقتدين بالأمهات السابقات، ومن نماذجهن أمُّ سفيان الثوري (فقيه العرب والمسلمين ومحدثهم) وقد ورد عن الإمام أحمد أن أمَّ سفيان قالتْ له: يا بنيّ، اطلب العلم وأنا أكفيك بمغزلي، ثم كانت تتعهده بالنصح والتربية، فقد روى أحمد كذلك أنها قالت له يومًا: يا بني: إن كتبت عشرة أحرف فانظر هل ترى في نفسك زيادةً في

стр. 1916

خشيتك وحلمك ووقارك، فإن لم تر ذلك فاعلم أنها تضرك ولا تنفعك (١). أيها المؤمنون: وخلاصة القول: استجيبوا لنداء ربكم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (٢)، وقدروا مسؤوليتكم مع أبنائكم «فكلكم راعٍ وكلكم مسؤولٌ عن رعيته» وأدوا الأمانة التي ائتمنتُمْ عليها وارعوها حقَّ رعايتها، وإياكم أن تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون، أسأل الله العظيم ربَّ العرش الكريم أن يصلح نياتنا وذرياتنا، وأن يصلح أحوال المسلمين ويردهم إليه ردًّا جميلًا، وأن يحفظ شبابهم وشاباتهم من كل مكروه ومن كل فتنةٍ.

стр. 1917

الأزمات العالمية (١) الخطبة الأولى: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له .. أيها المسلمون: يمرُّ العالمُ اليوم بأزمات متعددة، وتُصاب الشعوبُ بنكساتٍ مروعة، ولا تزالُ تلهث بعيدًا عن هدى الله، فيتعاظم الخطبُ، ويتصاعد مؤشرُ الانحراف، وتطلق صيحاتٌ من هنا وهناك محذرةً من النهاية البائسة ... ولكن أين المجيب؟ إن الأزمة الاقتصادية التي يمر بها عالمُ اليوم واحدةٌ من نماذج هذه الأزمة الخانقة، ومن عجب أن توجد هذه الأزمةُ مع تضخم رأس المال، ومخزون النفط، وكثرة الإنتاج في مجال الزراعة والصناعة ووجود أسواق بيضاء وسوداء، ونحو ذلك من الأخذ بأسباب النموِّ الاقتصادي المعاصر ومع ذلك كلِّه فإن شبح الانهيار الاقتصادي يطارد الدول الكبرى، تُرى ما أسبابُ هذا الانهيار؟ يُحلل اقتصاديون متخصصون - وغيرُ مسلمين - هذا الانهيار بارتفاع سعر الفائدة، وكثرة المديونية، والعجز عن السداد، ويرون المخرج من هذا تقليل حجم الفائدة، وباختصار: فهم يرون الربا ومعاملاته الجائرة سببًا رئيسًا لهذا الفساد الاقتصادي المهدد بالسقوط. وهذه حقيقةٌ كشفها القرآن قبل ما يزيدُ على ألف عام حين أعلن اللهُ حربه على

стр. 1918

المصرِّين على التعامل بالربا، وأنَّى لقوة - مهما كانت - أن تصمد لحرب الله، واللهُ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (١). إنه جزءٌ من انتقام الله الذي وعد به المرابين: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٢)، ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ (٣). ويؤكد الذي لا ينطق عن الهوى في سنته، أن عاقبة الربا إلى قلٍّ وإن توهم المرابون خلاف ذلك، وانخدعوا بالورم الخبيث، روى الحاكمُ بسند صحيح عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الربا وإن كثر، فإن عاقبته تصير إلى قلّ» (٤). والمصيبةُ أن يسير المسلمون في اقتصادهم مسيرة العالم الكافر ويربطوا اقتصادهم باقتصاده، وهم يتلون كتاب الله وفيه مخرجٌ لأزماتهم كلِّها، ومن بينها الاقتصاد، فهم يؤمنون أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، ويعتقدون أن ما عندهم ينفذُ وما عند الله باق، ويدركون السرِّ في قوله تعالى: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ (٥)، وقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٦). ولا يخالجهُم أدنى شكٍّ في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٧)، وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (٨).

стр. 1919

أين هذا ممن لا يزالون يصرون على الربا ... وتنبت أجسادُهم وأجسادُ ذويهم على السحت، وأي جَسَدٍ نبت على حرام فالنار أولى به، ألا فلينتبه المؤمنون بربهم والتالون لكتابه عن الربا، وليتقبلوا عظة الله: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١). أيها المؤمنون: وثمة أزماتٌ سياسيةٌ وعسكرية، لم تحلها المجالسُ الكبرى، والمنظمات العالمية، ولم تسهم مخزوناتُ الأسلحة العظمى بحلها، بل زادتها تعقيدًا، وكلما انطفأ الفتيلُ في مكان - أو كاد - وإذا به يشتعلُ في مكان آخر، وهكذا يختل الأمنُ وتتصاعد الأزمة، وتتقاسم الدولُ الكبرى النفوذ، وتتوازع المصالح ... فلا يزيدها ذلك إلا ضعفًا وانهيارًا وكرهًا من قبل الشعوب الأخرى. والمأساة أن المسلمين لا دور لهم يُذكر في إنشاء أو إطفاء هذه الأزمات الكبرى، بل ربما استنفرت طاقاتُهم، وحوصرت شعوبُهم، وربما خرجوا من المعركة بلا شيء أو بشيءٍ سلبي، وليتهم عادوا إلى إسلامهم، فسيجدون في كتاب ربهم حلًا لأزمة الأمن التي يدفعون ضريبتها في مثل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٢). إذا الإيمان ضاع فلا أمانٌ ولا دنيا لمن لم يُحيي دينا وسيظل المسلمون يشاركون غيرهم في الانتكاسة والخوف، ويهددونهم بالحروب حتى يعودوا إلى هويتهم، وينطلقوا من تعاليم دينهم: «إنَّ الله لا يُغَيِّر ما بقوم حتى يغيِّروا ما بأنفسِهم». إخوة الإسلام: أما أزمة الأخلاق التي يعيشها عالمُ اليوم فهي أزمة مدمرةٌ

стр. 1920

بكل المقاييس، أفل فيها نجمُ العفةِ والفضيلة والحياء، وأعلنت الفاحشةُ على الملأ وانتشر سوقُ المخدرات، وبات يُستعاض بها عن الحروب العسكرية الأخرى، وأصبح الغزو الفكريُّ فنًّا تمارسه الحضاراتُ الماديةُ على من سواها، فلم يُرع جانبُ الدين والخلق، ولم تُقدر الحضارةُ الإسلامية حقَّ قدرها، وأصبح أتباعُها - مع الأسف - يتوارون خجلًا عن الإفصاح عن هويتهم في المحافل الدولية والمؤتمرات الكبرى، إلا من رحم الله. معاشر المسلمين: ونتج عن هذه الأزمات العالمية وغيرها أن تأثرت بلادُ المسلمين، فشاع الفقرُ، وسُلِّط الأعداءُ على المسلمين، وفشا الموت، ومنعوا النبات وحُبس القطر .. أو أمطرت السماءُ ولم تنبت الأرض .. أو زاد حجمُ الأمطار .. فكانت الفيضاناتُ المدمرة، أو زادت نسبُ التصحر في البلاد المسلمة، فهلك الحرث والنسل، وكل ذلك بما كسبت الأيدي كما قال ربنا: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (١). وهو تحقيقٌ لوعد الصدق الذي جاء به محمدٌ ﷺ وحذّر الأمة من آثاره فقال: «خمسٌ بخمس، ما نقض قومٌ العهد إلا سُلّط عليهم عدوُّهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقرُ، ولا ظهرت فيهم الفاحشةُ إلا فشا فيهم الموتُ، ولا طففوا المكيال إلا منعوا النبات وأُخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حُبس عنهم القطرُ» (٢). اللهم ألهمنا رشدنا، وبصّرْنا بمواطن الضعف في نفوسنا، وردنا إليك والمسلمين ردًا جميلًا ... وأعذنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 1921

الخطبة الثانية: الحمد لله رب العالمين، وما بكم من نعمةٍ فمن الله، وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يبتلي الناس بالشرِّ والخير فتنة وإليه يرجعون. وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، لم يتوفاه الله حتى دلَّ الأمة على كل خير، وحذرهم من كل شرٍّ، اللهم صلِّ وسلِّمْ عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. عباد الله: يتبادر إلى أذهان الغيورين حين الحديث عن هذه الأزمات العالمية عدةُ أسئلة، ومنها: أين موقعُ المسلمين في هذه الأزمات؟ وهل يتوفر الصوتُ الإسلامي الداعي للإنقاذ؟ وما هي مسؤولية المسلمين في حلِّ أزمات إخوانهم المسلمين، إن أعياهم الحلُّ لأزمة العالم كلِّه؟ وبم يكون الحلُّ؟ إن سيطرة الجاهلية اليوم، وتنحية الإسلام عن القيادة سبقتها جاهلياتٌ أخرى، وفي أزمنةٍ متعددة، ودعونا نستقرئ أحداث التاريخ فيما مضى، وخاصة يوم بعث المصطفى ﷺ ، فقد عمت الجاهليةُ أنحاء الأرض، ونظر اللهُ إلى أهل الأرض - حينها - فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب - كما صح عن رسول الله ﷺ فكان الفسادُ العقديُّ، والوثنيةُ تضرب أطنابها، ليس في عالم الفرس والروم فحسب - بل وبجوار بيت الله الحرام، والأزماتُ الاقتصادية والعسكرية على قدم وساق، إذ يشيع الربا وأكل أموال الناس بالباطل، ليس فقط عند أهل الوثنية الجاهلية، بل يشاركهم أهلُ الكتاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ

стр. 1922

وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١)، ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ (٢). أما الأزمات العسكرية فشاهدُها اشتعال الحروب لأتفه الأسباب، وربما امتدت الحربُ عدة عقود، فأفنت الرجال وسبيت الذرية - وربما كان لأهل الكتاب دورٌ في هذه الحروب - وكانت الجزيرةُ وما حولها مسرحًا للنهب والسلب، لغةُ القوة فيها هي السائدة، ويعبرُ عنها الشاعرُ بقوله: ونشرب إن وردنا الماء صفوًا ويشربُ غيرُنا كدرًا وطينًا وبعث محمدٌ ﷺ وفارسُ والروم تسيطران على أطراف الجزيرة وما حولها ... ولربما قال قائل: وما موقع المسلمين المستضعفين المطاردين في هذا العالم المسيطر؟ ومع صدق الانتماء، وقوة اليقين، وشحذ الهمم والتربية الجادة من قبل محمد ﷺ تأسست شجرةُ الإيمان وصُقلت مواهبُ المؤمنين ... وبدأ البساطُ يسحب من تحت أقدام الكافرين شيئًا فشيئًا حتى شمل نورُ الإسلام المعمورة ودخل الناسُ في دين الله أفواجًا، لا يضير المسلمين في هذا أن يقدموا عددًا من الشهداء، أو تمر بهم عددٌ من الأزمات فيتجاوزوها، وهنا أُذكر بواحدة من الأزمات الاقتصادية التي مرت بالمسلمين في عهد الراشدين، وكيف تجاوزوها وتعامل معها الفاروقُ ﵁ بمساعدة المسلمين له، إنها أزمةُ المجاعةِ في السنة السابعة عشرة للهجرة، أو ما يُعرف بعام الرمادة، تلك التي قال الطبريُّ في وصفها: كانت الرمادةُ جوعًا أصاب الناس بالمدينة ومن حولها فأهلكهم، حتى جعلت الوحوشُ تأوي إلى الإنس، وحتى جعل الرجلُ يذبح الشاة فيعافها من قُبحها، وإنه لمقفر (٣)، وحتى أن الأعرابي ليردُ إلى المدينة فيقسم ما أكل

стр. 1923

سمنًا ولا زيتًا، ولا أكلًا منذ كذا وكذا (١) ... وحينها تعامل الفاروقُ مع الحدث بكل جديّةٍ وعدالة وصدق، فبعث أمراءه إلى الأمصار يستغيثهم ويستمدهم، ولربما كتب في الكتاب الواحد (الغوث الغوث مائتي مرة)، وأدرك أمراءُ الأمصار صدق عمر فصدقوا في الاستجابة معه، وقد جاء في ردِّ أحدهم: لُبيت، لبيت، لبيت يا عمر، أتاك الغوث، بعثتُ إليك عيرًا أولُها بالمدينة وآخرها بالشام (٢)، وما بالُ هؤلاء لا يستجيبون للنداء، وقد ضرب عمرُ بنفسه نموذجًا رائعًا في مشاركة المسلمين في أزمتهم، فلقد حلف لا يأكل عمرُ سمنًا ولا لحمًا حتى يحيا الناس ولربما أشحبّ لونه، أو سمع قرقرة لبطنه، فألزمها الجوع والصبر حتى تنكشف الغمةُ عن المسلمين؟ ولقد رؤي الفاروقُ عند جماعة من الناس أقدمهم الجوعُ وبلغ بهم الجهدُ مبلغه، ومعهم جلدُ ميتة مشوية يأكلونه، فما كان من عمر إلا أن نزل وطرح رداءه، ثم طبخ لهم حتى طعموا وشبعوا ... (٣) لقد بلغ عمرُ من الاهتمام بأمر المسلمين مبلغًا قدَّره له الصحابةُ والتابعون حين قالوا: «لو لم يرفع الله المَحْلَ والرمادة لظننا أن عمر يموت همًّا بأمر المسلمين» (٤). وهكذا يكون الاهتمام بأمر المسلمين! ومع الجهود التي بذلها عمرُ والمسلمون معه عام الرمادة، فلم ينس عمرُ ربَّه في الدعاء لتفريج الكربات، ولقد أشير عليه أن يستسقي بالمسلمين، فخرج عمرُ بالمسلمين لصلاة الاستسقاء، فصلى بهم ودعا دعاءً كثيرًا، واستغفر حتى رؤيت الدموعُ تسيل على خديه، وقد بكى الناس معه، وكان يقول: لقد طلبتُ الغيث بمجادف السماء

стр. 1924

التي بها يُستنزل المطر، ثم قرأ: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ (١) (٢)، هذا فوق تضرع عمر في خلواته وداخل بيته في هزيع الليل، وقد سمعه ابنه يومًا يقول في دعائه: «اللهم لا تجعل هلاك أمة محمد على يدي» (٣). وكذلك يمثل عمر نموذجًا للخليفة الصالح، والرجل الناصِحِ لنفسه وأمته، والمقتدر على المشاركة في حل الأزمة، وتفعيل الأمة لحلها. وكذلك تخرج الأمةُ من الأزمات بصدق التوجه إلى الله، والجدية في العمل والتعاون على البر والتقوى.

стр. 1925

أذية المسلمين (١) الخطبة الأولى: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره. إخوة الإسلام: يُشيع الإسلامُ المحبة بين المسلمين، وتوثق شرائعُه روابط الودِّ بين المؤمنين، وتنهى تعاليمُه عن كلِّ ما يَخِلُّ بتآلفهم وصفاء نفوسهم، ولكن الشيطان قاعدٌ للإنسان بأطرقه كلِّها ينزغ، ويوسوس، ويؤز، ويؤلب، وينصب رايته في الإفساد هنا وهناك، ولئن كان كيدُ الشيطان ضعيفًا، فما أكثرُ الناس ولو حرصت بمؤمنين، وقليل من عباد الله الشكور. إن أذية المسلم بأي شكل كانت، وبأي وسيلة تمَّت، هي من نزغات الشيطان، وهي استجابة يضعُفُ فيها الإنسانُ، وينسى فيها أو يتناسى رقابة الرحمن، وهي بلاء يُبلى بها بعضُ الناسي، ويبتلي الله بها آخرين. وإذا كانت أذيةُ الذميِّ (غير المسلم) منهيًّا عنها في شريعة الإسلام، فما الظنُّ بأذية المسلم لأخيه في الإسلام؟ جاء في الخبر: «من آذى ذمِّيًا فأنا خصمُه يوم القيامة». أما أذية المؤمن فقد عَظَّم اللهُ أمرها، ورتَّب العقوبة عليها فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ (٢)، والمعنى - كما قال ابن كثير ﵀: أي ينسبون إليهم ما هم برءاءُ منه، لم يعملوه ولم يفعلوه، ثم ساق الخبر عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ

стр. 1926

لأصحابه: أيُّ الربا أربى عند الله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «أربى الربا عند الله استحلالُ عرض امرئٍ مسلم، ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ ... الآية (١). لقد أعلنها رسولُ الهدى ﷺ صريحةً مجلجلةً: «كلُّ المسلم على المسلم حرام: دمُه، ومالُه، وعرضُه»، بل صح عنه ﷺ أنه صعد المنبر فنادى بصوت رفيع قال: «يا معشر من أسلم بلسانه، ولم يُفض الإيمانُ إلى قلبه، لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عورة أخيه المسلم تتبَّع الله عورته، ومن يتَّبعِ الله عورتَهُ يفضَحْه ولو في جوف رَحْلِه» (٢). وفي «صحيح سنن الترمذي» أن ابن عمر نظر يومًا إلى البيت أو إلى الكعبة فقال: ما أعظمك وأعظم حرمتك، والمؤمنُ أعظمُ حرمةً عند الله منك (٣). أيها المسلمون: ما أحوجنا إلى هذا الفهم لقيمة أعراض المسلمين وحرماتهم ... ومن لم يخشَ عقوبة الآخرة فلينتظر عقوبةً معجلةً في الدنيا، فيفضحه اللهُ في جوف رحله، نسأل الله السلامة والعافية؟ قالت أعرابيةٌ توصي ولدها: «إياك والتعرض للعيوب فتُتخذ غرضًا، وخليقٌ ألا يثبت الغرضُ على كثرة السهام، وقلما اعتورت السهامُ غرضًا حتى يهي ما اشتدَّ من قوته» (٤). وقال الأحنفُ بن قيس ﵀: «من أسرع إلى الناس فيما يكرهون قالوا فيه ما لا يعلمون».

стр. 1927

ومن دعا الناس إلى ذمِّه ذمُّوه بالحقِّ وبالباطل إنها أخلاق السوءِ - نعوذ بالله منها - تجر أصحابها إلى الإساءة للآخرين إن بحقٍّ أو بباطل ... وتسري آثارُهم المدمرة لتدمر ما حولها، ثم تعود لتدمر نفسها في النهاية، وكذا تفرق النميمةُ بين الأحبة، وتفرق الأمة المجتمعة. ومن نمَّ في الناس لم تؤمن عقاربُه ... على الصديق ولم تؤمن أفاعيه كالسيل بالليل لا يدري به أحدٌ ... من أين جاء ولا من أين يأتيه فالويلُ للعهد منه كيف ينقضهُ ... والويلُ للودِّ منه كيف يُفنيه (١) يا عباد الله: إيّاكُمْ والسخريةَ بالآخرين، والتجسسَ عليهم، وسوء الظن بهم، فذاك من الأذى المنهيّ عنه في كتاب الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ (٢). أيها المسلمون: ومظاهرُ الأذية للمسلمين لا تقف عند حدِّ الاعتداء على الأعراض - مع خطورتها وعظيم جرمها، وقبح آثارها - فهناك مظاهرُ أخرى للأذى ومنها أذيةُ المسلمين في بيوتهم كالمعاكسات الهاتفية، وكمن يتصل هاتفيًا في ساعات محرجة، فإذا فُزع أهل البيت وأجابوا النداء وإذا بالسماعة تُغلق في وجوههم، ولربما أصابوا دعوةً فتحت لها أبوابُ السماء ... فهل هذا من خُلُق الإسلام، أم هو نوعٌ من الأذى؟

стр. 1928

وفي (أدب الهاتف) قال فضيلةُ الشيخ بكر أبو زيد عن هذه الاتصالات والمعاكسات: فهذا وايمُ الله حرامٌ حرام وإثمٌ وجناح، وفاعله حريٌّ بالعقوبة، فيخشى أن تنزل به عقوبةٌ تلوث وجه كرامته» (١). وقد تكون الأذية للمسلمين في الشوارع والطرقات، فالقيادةُ المتهورة، وحركاتُ التفحيط البهلوانية، ورفعُ أصوات الغناء عند الإشارات المرورية - دون ذوق أو حياء أو تقدير لمشاعر الآخرين - كلَّ ذلك أذيةٌ للمسلمين. كما أن من الأذية للمؤمنين والمؤمنات الجلوسَ في الطرقات للنظر في النساء، أو تصيد الشباب الحسان، أو التعرض للفتيات حين خروجهن من مدارسهنَّ، ومن قُدر له الجلوسُ في الطرقات لغرض صحيح فلا بد أن يعطي الطريق حقه. والمماطلة في أداء الحقوق المستحقَّة نوع من الأذية، ويبلغ الأذى مبلغه بقتل النفس المعصومة بغير حقٍّ. عباد الله: وقد يتحول الأذى إلى المسلمين في مساجدهم، كمن جاء للمسجد وفي فمه رائحةٌ كريهةٌ من ثوم أو بصل أو كراث أو دخانٍ أو نحوها ... أو في بدنه أو في ملبسه ما يُستنكر ويُستقذر وهو قادرٌ على إزالته، ودعوة القرآن: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (٢)، والذين يحضرون أطفالًا يلعبون في المسجد ويزعجون ويشغلون المسلمين عن عبادتهم وخشوعهم، يؤذون المسلمين وإن كان قصدُهم حسنًا، والذي يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة ليصل إلى مكان متقدم مع تأخره في المجيء يؤذي، وكذا أن يحضر أطفاله فيتحدثون والإمام يخطُب يؤذي الآخرين ويشوش عليهم. فتنبهوا معاشر المسلمين لهذا كله.

стр. 1929

أيها المسلمون: وثمة أذيّةٌ للمسلمين في الأماكن والمحافل العامة، كمن يشرب الدخان في أماكنَ التدخين ممنوعٌ فيها، أو يجاهر بمعصيةٍ ليستفز المشاعر، أو يطلق عباراتٍ لا زمام لها ولا خُطام حين يُقدر له الحديثُ نيابةً عن الآخرين، والله يقول: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ (١) ويقول: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبيِنًا﴾ (٢). اللهم جنبنا الزلل في القول والفعل، واصرفنا واصرف عنا الأذى، وعن إخواننا المسلمين.

стр. 1930

الخطبة الثانية: الحمد لله ربِّ العالمين، فرَّق بين الناس في أخلاقهم وتعاملهم، كما فرّق بينهم في أشكالهم وأرزاقهم، فجعل منهم مفاتيح للخير مغاليق للشر، وجعل آخرين بضدهم، وهو العليمُ الحكيم. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كما أمر بحسن عبادته، أمر بالإحسان إلى خلقه، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، قال للناس يوم الحجِّ الأكبر - فيما قال -: «إلا أن المسلم أخو المسلم، فليس يحلُّ لمسلمٍ من أخيه شيءٌ إلا ما أحلَّ من نفسه ... » (١). اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. عباد الله: وأذيةُ الجار لجاره نوعٌ من الأذى المنهيِّ عنه، فللجار المسلم حقُّ الجوار، إضافةً إلى حقِّ إخوة الإسلام، وسواء كان ذلك بإسماعه ما يكره، أو تتبع عوراته، أو إفشاء أسراره، أو تخوينه فيما هو مؤتمنٌ عليه، وبالجملة فـ «لا يدخل الجنةَ من لا يأمن جاره بوائِقَه» رواه مسلم عن أبي هريرة: «ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره ... » رواه أحمد واتفق عليه الشيخان وغيرهم (٢). ألا واحذروا الأذية للخدم والسائقين، والعمالة المستقدمة والمكفولين، واعلموا أن أذيتكم لهم تحفر في قلوبهم الكره لكم ولدينكم وإن كنتم لا تشعرون، واجعلوا من هؤلاء سفراء لبلادكم ودعاةً إلى الله في بلادهم بحسن تعاملكم وطيب أخلاقكم، ولئن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك من حُمر
следующие страницы →