لأصحابه: أيُّ الربا أربى عند الله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «أربى الربا عند الله استحلالُ عرض امرئٍ مسلم، ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ ... الآية (١).
لقد أعلنها رسولُ الهدى ﷺ صريحةً مجلجلةً: «كلُّ المسلم على المسلم حرام: دمُه، ومالُه، وعرضُه»، بل صح عنه ﷺ أنه صعد المنبر فنادى بصوت رفيع قال: «يا معشر من أسلم بلسانه، ولم يُفض الإيمانُ إلى قلبه، لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عورة أخيه المسلم تتبَّع الله عورته، ومن يتَّبعِ الله عورتَهُ يفضَحْه ولو في جوف رَحْلِه» (٢).
وفي «صحيح سنن الترمذي» أن ابن عمر نظر يومًا إلى البيت أو إلى الكعبة فقال: ما أعظمك وأعظم حرمتك، والمؤمنُ أعظمُ حرمةً عند الله منك (٣).
أيها المسلمون: ما أحوجنا إلى هذا الفهم لقيمة أعراض المسلمين وحرماتهم ... ومن لم يخشَ عقوبة الآخرة فلينتظر عقوبةً معجلةً في الدنيا، فيفضحه اللهُ في جوف رحله، نسأل الله السلامة والعافية؟
قالت أعرابيةٌ توصي ولدها: «إياك والتعرض للعيوب فتُتخذ غرضًا، وخليقٌ ألا يثبت الغرضُ على كثرة السهام، وقلما اعتورت السهامُ غرضًا حتى يهي ما اشتدَّ من قوته» (٤).
وقال الأحنفُ بن قيس ﵀: «من أسرع إلى الناس فيما يكرهون قالوا فيه ما لا يعلمون».
стр. 1927
ومن دعا الناس إلى ذمِّه ذمُّوه بالحقِّ وبالباطل
إنها أخلاق السوءِ - نعوذ بالله منها - تجر أصحابها إلى الإساءة للآخرين إن بحقٍّ أو بباطل ... وتسري آثارُهم المدمرة لتدمر ما حولها، ثم تعود لتدمر نفسها في النهاية، وكذا تفرق النميمةُ بين الأحبة، وتفرق الأمة المجتمعة.
ومن نمَّ في الناس لم تؤمن عقاربُه ... على الصديق ولم تؤمن أفاعيه
كالسيل بالليل لا يدري به أحدٌ ... من أين جاء ولا من أين يأتيه
فالويلُ للعهد منه كيف ينقضهُ ... والويلُ للودِّ منه كيف يُفنيه (١)
يا عباد الله: إيّاكُمْ والسخريةَ بالآخرين، والتجسسَ عليهم، وسوء الظن بهم، فذاك من الأذى المنهيّ عنه في كتاب الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ (٢).
أيها المسلمون: ومظاهرُ الأذية للمسلمين لا تقف عند حدِّ الاعتداء على الأعراض - مع خطورتها وعظيم جرمها، وقبح آثارها - فهناك مظاهرُ أخرى للأذى ومنها أذيةُ المسلمين في بيوتهم كالمعاكسات الهاتفية، وكمن يتصل هاتفيًا في ساعات محرجة، فإذا فُزع أهل البيت وأجابوا النداء وإذا بالسماعة تُغلق في وجوههم، ولربما أصابوا دعوةً فتحت لها أبوابُ السماء ... فهل هذا من خُلُق الإسلام، أم هو نوعٌ من الأذى؟
стр. 1928
وفي (أدب الهاتف) قال فضيلةُ الشيخ بكر أبو زيد عن هذه الاتصالات والمعاكسات: فهذا وايمُ الله حرامٌ حرام وإثمٌ وجناح، وفاعله حريٌّ بالعقوبة، فيخشى أن تنزل به عقوبةٌ تلوث وجه كرامته» (١).
وقد تكون الأذية للمسلمين في الشوارع والطرقات، فالقيادةُ المتهورة، وحركاتُ التفحيط البهلوانية، ورفعُ أصوات الغناء عند الإشارات المرورية - دون ذوق أو حياء أو تقدير لمشاعر الآخرين - كلَّ ذلك أذيةٌ للمسلمين.
كما أن من الأذية للمؤمنين والمؤمنات الجلوسَ في الطرقات للنظر في النساء، أو تصيد الشباب الحسان، أو التعرض للفتيات حين خروجهن من مدارسهنَّ، ومن قُدر له الجلوسُ في الطرقات لغرض صحيح فلا بد أن يعطي الطريق حقه.
والمماطلة في أداء الحقوق المستحقَّة نوع من الأذية، ويبلغ الأذى مبلغه بقتل النفس المعصومة بغير حقٍّ.
عباد الله: وقد يتحول الأذى إلى المسلمين في مساجدهم، كمن جاء للمسجد وفي فمه رائحةٌ كريهةٌ من ثوم أو بصل أو كراث أو دخانٍ أو نحوها ... أو في بدنه أو في ملبسه ما يُستنكر ويُستقذر وهو قادرٌ على إزالته، ودعوة القرآن: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (٢)، والذين يحضرون أطفالًا يلعبون في المسجد ويزعجون ويشغلون المسلمين عن عبادتهم وخشوعهم، يؤذون المسلمين وإن كان قصدُهم حسنًا، والذي يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة ليصل إلى مكان متقدم مع تأخره في المجيء يؤذي، وكذا أن يحضر أطفاله فيتحدثون والإمام يخطُب يؤذي الآخرين ويشوش عليهم. فتنبهوا معاشر المسلمين لهذا كله.
стр. 1929
أيها المسلمون: وثمة أذيّةٌ للمسلمين في الأماكن والمحافل العامة، كمن يشرب الدخان في أماكنَ التدخين ممنوعٌ فيها، أو يجاهر بمعصيةٍ ليستفز المشاعر، أو يطلق عباراتٍ لا زمام لها ولا خُطام حين يُقدر له الحديثُ نيابةً عن الآخرين، والله يقول: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ (١) ويقول: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبيِنًا﴾ (٢).
اللهم جنبنا الزلل في القول والفعل، واصرفنا واصرف عنا الأذى، وعن إخواننا المسلمين.
стр. 1930
الخطبة الثانية:
الحمد لله ربِّ العالمين، فرَّق بين الناس في أخلاقهم وتعاملهم، كما فرّق بينهم في أشكالهم وأرزاقهم، فجعل منهم مفاتيح للخير مغاليق للشر، وجعل آخرين بضدهم، وهو العليمُ الحكيم.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كما أمر بحسن عبادته، أمر بالإحسان إلى خلقه، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، قال للناس يوم الحجِّ الأكبر - فيما قال -: «إلا أن المسلم أخو المسلم، فليس يحلُّ لمسلمٍ من أخيه شيءٌ إلا ما أحلَّ من نفسه ... » (١).
اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين.
عباد الله: وأذيةُ الجار لجاره نوعٌ من الأذى المنهيِّ عنه، فللجار المسلم حقُّ الجوار، إضافةً إلى حقِّ إخوة الإسلام، وسواء كان ذلك بإسماعه ما يكره، أو تتبع عوراته، أو إفشاء أسراره، أو تخوينه فيما هو مؤتمنٌ عليه، وبالجملة فـ «لا يدخل الجنةَ من لا يأمن جاره بوائِقَه» رواه مسلم عن أبي هريرة: «ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره ... » رواه أحمد واتفق عليه الشيخان وغيرهم (٢).
ألا واحذروا الأذية للخدم والسائقين، والعمالة المستقدمة والمكفولين، واعلموا أن أذيتكم لهم تحفر في قلوبهم الكره لكم ولدينكم وإن كنتم لا تشعرون، واجعلوا من هؤلاء سفراء لبلادكم ودعاةً إلى الله في بلادهم بحسن تعاملكم وطيب أخلاقكم، ولئن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك من حُمر
стр. 1931
النعم، ومَنْ سنَّ في الإسلام سُنةً حسنةً، فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سنَّ سنةً سيئةً فعليها وزرُها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، ولا تحقرنَّ من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق.
أيها المسلمون: وإذ عرفنا حُرمة أعراض المسلمين، وليس أقلَّ منه دماؤهم وأموالُهم، وألمحنا إلى أنواع من الأذى - ينبغي للمسلم أن يترفع عنها.
فما موقفُ المؤذي ممن تَعَرَّض له بالأذى؟
لا بد له من الصبر، والصبرُ على ما يصيب المسلمَ من عزم الأمور، ولا بد من احتساب الأجر، والثقة بعدل الله وجزائه إن في الدنيا، أو في الآخرة وهو أعظمُ وأبقى.
ولا بد من الحِلْم مع من يؤذي، وعدم مجاراة الجهول بجهله، وقد قيل:
إذ أنا كافيتُ الجهولَ بفعله فهل أنا إلا مثلُه إذ أحاوره
ولكن إذا ما طاش بالجهل طائشٌ عليَّ فإني بالتحلُّم قاهرُه
وقال آخر:
احفظ لسانك إن لقيتَ مشاتمًا ... لا تجرينَّ مع اللئيم إذا جرى (١)
من يشتري عرض اللئيم بعرضه ... يحوي الندامة حين يقبض ما اشترى
ومن الأمور التي تحسنُ بمن أوذي تجاهُل المؤذي، حتى لا يضيع الوقتُ سدى في الهراش معه، وحتى لا يشيع ذكرُه، وقد يكون تجاهلُه أقصر الطرق لسقوطه ونهايته وأخمل لذكره، وكم هو جميلٌ قولُ القائل:
ولقد أمرُّ على اللئيم يسبُّني ... فمضيت ثَمّةَ قلتُ لا يعنيني
وأجملُ من ذلك ألا يحمل الحقد أو الاشتغال بمعايب من آذاه، بل يدفع عنه
стр. 1932
على حدِّ قول القائل:
إذا قدحوا لي نار حربٍ بزِندِهم ... قدحتُ لهم في كل مكرمة زندا
وإن أكلوا لحمي وفرْتُ لحومَهم ... وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا
ولا أحملُ الحقد القديمَ عليهمٌ ... وليس رئيسُ القوم من يحمل الحقدا
لا شك أن هذه مرتبة عليّةٌ لا يستطيعها إلا عظماءُ الناس؟
إخوة الإيمان: وعلى من أوذي ثم اعتُذر إليه أن يقبل العذر، سواء كان المعتذرُ صادقًا أم كاذبًا، وفي هذا روي الحديث: «من اعتذر إليه أخوه بمعذرة فلم يقبلْها، كان عليه من الخطيئة مثلُ صاحب مُكْسٍ» (١).
والحديث وإن ضعّفه العلماء فقد قالوا بقبول عُذرِ المعتذر، قال أبو حاتم بن حبان:
«ولا يخلو المعتذرُ في اعتذاره من إحدى حالتين: إما أن يكون صادقًا في اعتذاره، أو كاذبًا، فإن كان صادقًا فقد استحق الغفران؛ لأن شرَّ الناس من لم يُقل العثرات ولا يستر الزلات، وإن كان كاذبًا فالواجبُ على المرء إذا علم من المعتذر إثم الكذب وريبته، وخضوع الاعتذار وذلته، ألا يعاقبه على الذنب السالف، بل يشكر له الإحسان المحدث الذي جاءه به في اعتذاره، وليس يعيب على المعتذر إن ذلَّ وخضع في اعتذاره إلى أخيه، وأنشد بعضهم:
أليس اللهُ يُستعفى فيعفو ... وقد ملك العقوبة والثوابا
أيها المؤذي ومن كمال عقلك وصلاح دينك ودنياك أن تتخذ من نيل الآخرين لك فرصةً لإصلاح عيوبك وتسديد نقصك، فلا يُستعانُ على العدوِّ بمثل إصلاح العيوب، وتحصين العورات، فلا تتضايق من كل نقدٍ يوجه إليك وإن كان فيه
стр. 1933
حق، وليكن سبيلك سبيل من قال: «رحم اللهُ من أهدى إليَّ عيوبي» (١).
يا أخا الإسلام: إياك والأذى لعباد الله بأي نوع من الأذى، فأعراضُ المسلمين كالميتة، ولحوم العلماء مسمومة، وليس يخفاك أن الله يعفو ويصلح ويغفر، أما الخلق فستطلب حقها منك في يوم لا تملك فيه إرضاءهم بالدرهم والدينار فيؤخذ لهم من حسناتك، فإن فنيت قبل قضاء حقوقهم أخذ من سيئاتهم فطرحت عليك ثم طرحتَ في النار، وذلك منتهى الخزي والخسران، كن عنصرًا نافعًا في المجتمع تجمع وتؤلف وتصلح، ولا تفرقْ وتفسد، وما بالأمة المسلمة حاجةٌ لمزيد الفرقة، وحاجتُها إلى الألفة والوحدة والتعاون على الخير ودفع الشرور لا تقلُّ عن حاجتها إلى الطعام والشراب، اللهم اجمع شمل المسلمين، ووحِّد كلمتهم على الهدى والدين، اللهم اقطع دابر المفسدين، اللهم لا تشمت بنا عدوًا ولا حاسدًا ...
стр. 1934
(١) الأخلاق الفاضلة (١)
الخطبة الأولى:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له.
إخوة الإسلام: والبرُّ حُسن الخلق.
وما فتئ المرسلون ﵈ يدعون الناس لمكارم الأخلاق ويحذرونهم من مساوئها، حتى جاء محمدٌ ﷺ ليُتممَ مكارم الأخلاق، ويقول: إنما بعثت لأتمّمَ مكارم الأخلاق.
وجاءت شريعةُ الإسلام داعيةً لكلِّ خلقٍ كريم، وناهيةً عن كلِّ خلق ذميم، وبعث محمدٌ ﷺ بالحنيفية السمحة، يأمر أُمته بالمعروف ويحل لأمته الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم.
أما هو فوصَفَهُ ربُّه بكمال الخلق فقال: «وإنك لعلي خلق عظيم».
وشهد له ﷺ بحُسن الخلق القريبُ منه والبعيد، والعدوُّ والصديق، ولم يتمالك سيدُ بني حنيفة في زمنه، ثمامةُ بن أثال ﵁ من الاعتراف بفضله، والشهادة بحسن خلقه، حتى أسلم، وكان قبلُ مشركًا محاربًا، ثم أعلن له إعجابه بشخصه وبدينه حين قال: يا محمد والله ما كان على وجه الأرض وجهٌ أبغض إلي من وجهك، وقد أصبح وجهُك الآن أحب الوجوه إليّ، والله ما كان على وجه الأرض دينٌ أبغض إليّ من دينك، وقد أصبح دينُك الآن أحبَّ الأديان إلي ... إلخ كلامه، ﵁.
стр. 1935
تُرى من أين نشأت هذه المحبةُ؟ وكيف انقلبت الموازين في حياة ثمامة؟ إنها مكارمُ الأخلاق، وأدبُ المعاملةِ، والعفوُ مع القدرة على الانتقام ... وإذا كانت تلك المعاملةُ مع الكافر فكيف ترون معاملته ﷺ مع المسلم؟
ويكفي هنا أن نشير إلى مقولة أنسٍ ﵁: خدمتُ رسول الله ﷺ عشر سنين، والله ما قال لي أفٍّ قطُّ ولا قال لي لشيء: لم فعلت كذا وهلا فعلت كذا، رواه مسلم. فإذا وضعت في الحسبان طول هذه المدة في الخدمة، وأن الخادم غلامٌ صغير - ومظنّةُ الخطأِ منه أكثر من الكبير .. أدركت كم هو عليه ﷺ من مكارم الأخلاق، وحسن المعاشرة.
معاشر المسلمين: أين التأسي برسول الله ﷺ في حُسن الخُلُق، ومَن منا يرغِّب الآخرين في الإسلام من خلال حسن خُلُقِه وطيب معاملته؟ وكم مِن المسلمين من يدعو للإسلام بسلوكياته الفاضلة وأخلاقه العالية قبل أن يدعو بلسانِه ومقالِه؟
إنها أزمةُ أخلاق يعيشها أعدادٌ كثيرةٌ من المسلمين، وكم يخسر العالمُ بانحطاط أخلاق المسلمين، فوق ما يخسره المسلمون أنفسهم.
عباد الله: ومما يدعو إلى حسن الخلق فضلُه العظيم، ومكانةُ أصحابه عند الله وعند رسوله ﷺ ، وبين الناس. فصاحبُ الخُلقِ الحسن من أكمل المؤمنين إيمانًا. رواه أبو داود والترمذي وصححه ابنُ حبان (١).
وأصحاب الخُلُق الحسَنِ من خيار المسلمين: «إنَّ من خيركم أحسنِكم خُلُقًا» رواه البخاري في «صحيحه» (٢).
وإذا تنافس المتنافسون في الصلاة والصيام فينبغي كذلك أن يتنافسوا في
стр. 1936
مكارم الأخلاق، وفي الحديث: «وإن صاحب حُسنِ الخُلُق ليبلغ درجةَ صاحب الصوم والصلاة» (١)، وإذا طاشت موازينُ العبدِ أثقلها حسنُ الخلق، يقول ﵊: «ما من شيء أثقل في الميزان من حسن الخلق» (٢)، والجنة مبتغى العاملين المخلصين، وحُسن الخلق يوصل العبد إليها بإذن الله، «سئل رسول الله ﷺ عن أكثر ما يدخل الناس الجنة فقال: تقوى الله وحسنُ الخلق» (٣)، ومع محبة الرسول ﷺ لأصحاب الأخلاق الفاضلة فهم أقربُ الناس إليه ﷺ يوم القيامة، يقول ﷺ : «إن من أحبكم إليَّ وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا ... » (٤).
عبادَ الله: ولئن ضاقت أموالكم أن تسع الناس فسعوهم بأخلاقكم «إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحسنُ الخلق» (٥).
ويح المفلسين لا من الدرهم والدينار ... ولكن من رصيد الأخلاق، قال ﵊: «ولكن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيُعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناتُه قبل أن يُقضى ما عليه أُخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار» (٦).
стр. 1937
يا أخا الإسلام: أتقدر هذا الموقف حقَّ قدره وأنت تتعامل مع الناس، ولربما أغواك الشيطان أو زين لك إخوانُ الشياطين فظننتَ أن التَّحيُّل على الخلقِ بالإساءة نوعٌ من الشطارة، وأن الغشَّ في المعاملةِ قدرةٌ فائقةٌ ... وويل لمن يأمنه الناس ظاهرًا، فإذا به يغدر بهم سرًا، وبئس أخو العشيرة من ودعه الناسُ اتقاءَ فحشِه، وأولئك شرُّ الناس منزلة عند الله، كما أخبر النبيُّ ﷺ ، وما أعظم الخطبُ حين تسوء أخلاق أهل الديانة والفضل والعلم، وأعظم منه حين يمارس الخطأ ... ويسوء الخُلُق وصاحبُه يظن ذلك من الدين ... وأين حسنَ الخلق من تقطيب الجبين، أو من الشدة في معاملة الآخرين، أو الثورة العارمة لخطأ يقع من جاهل في الدين أو سفيه غرّه صلفُ الشباب - وتقويمُه ليس عسيرًا، وصلاحه ليس مستحيلًا؟ وينبغي أن يُفرق بن الغيرة لدين الله، والتصرف المحمود حيال المنكر وحسن المعاملة مع المخطئ - وقد يقود الإنكار الخالي من حسن الخلق إلى وجودِ منكر أبكر ... ولقد أوحي إلى خير البرية من ربه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (١).
أيها المسلم: ومن حُسن خُلُقِك أن تفشي السلام على من عرفت ومن لم تعرف، وإذا كان سهلًا عليك أن تنبسط إلى أصحابك وخلانك ... فالامتحانُ في قدرتك على الانبساط مع الآخرين وحسن تعاملك معهم، وكونهم يألفونك وتألفهم، ويثقون بك ويأمنونك على أسرارهم، ولا خير فيمن لا يألف ولا يُؤلف.
إخوة الإيمان: وتعجز الحضاراتُ المادية المجردة من تعاليم السماء وهدي
стр. 1938
المرسلين أن ترقى بأصحابها إلى معالي الأخلاق، مهما أوتوا نصيبًا من العلم في مظاهر الحياة الدنيا، ويأبى اللهُ لغير شرعه إلا أن يرتكس أصحابُه في حمأة الرذيلة، ويتمرغوا في أوحال الفساد ويسقوا كؤوسًا مرة في أنواع الجريمة وتكاثرها ... وكذلك الحالُ في واقع هذه الدول الكافرة وليس الخبرُ كالعيان.
والمصيبةُ أن هذه الأخلاق الفاسدة من قبل هذه الدول الكافرة بدأت تغزو العالم الإسلامي، وعبر وسائل جديدة، وقلَّ من يتفطن لمخاطرها الخلقية في الحاضر والمستقبل.
أجل: إن فضائيات اليوم في معظمها لا تستحي من نقل الصورة العارية والمسلسل الهابط، والفكر المنحرف، وكل ذلك معاولُ هدمٍ للقيم والأخلاق ... وهي جريمة كبرى بحق القيم والأخلاق يتولى كبرها الدولُ المصدرةُ لها.
ولم يبعد عن الحقيقة من قال: «إن الحضارة الغربية ارتكبت أعظم جرم عرفه التاريخ بحقّ ثقافات العالم وشعوبه لتبني لنفسها حضارةً سلطويةً شرسة تتجه اتجاهًا كارثيًا مخيفًا، ربما يؤدي في النهاية إلى الدمار» (١).
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٢).
стр. 1939
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا اللهُ ولي الصالحين وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله صفوة الخلق أجمعين، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر النبيين.
إخوة الإيمان: وبالأخلاق الكريمة جاءت شرائعُ السماء وبعث المرسلون لعلاج ما فسد من فطر الناس وأخلاقهم، وبالأخلاق الحسنة أوصى الحكماءُ أبناءهم.
فمما أدرك الناسُ من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت، ولا شك أن الحياء من أساسيات الأخلاق الفاضلة.
ومن وصايا لقمان لابنه: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ (١).
إن الخُلُق في منابع الإسلام الأولى - من كتاب وسنة - هو الدين كلُّه وهو الدنيا كلُّها، فإن نقصت أمةٌ حظًا من رفعة في صلتها بالله، أو في مكانتها بين الناس فبقدر نقصانِ فضائلها وانهزام خُلُقِها (٢).
أجل: إن الأخلاق عمادُ الأمم، وهي سببٌ مهم في تماسك الدول وبقائها.
وإنما الأممُ الأخلاقُ ما بقيتْ ... فإن هُمُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا
وعلى المسلمين أن يتنبهوا إلى قيمة الأخلاق في صراعهم الحضاري مع الأمم الأخرى ... وهل تستطيع أمة أن تثبت وجودها إذا أضاعت مقوماتِ شخصيتها؟ وانهارت أخلاقُها؟
стр. 1940
ولا غرابة أن تنحى الدولُ الكبرى منحى جديدًا في حرب القيم والأخلاق في سبيل القضاء على خصومها ... وذلك أن هذا النوع من الحربِ أكثرُ أثرًا وأقلُّ خسارة من الحروب المادية.
وعلى كل مسلم أن يتصور أنه كلما ضعف في انتمائه لدينه، وتمسُّكه بأخلاقه، فإنما يقلل بسلوكه هذا من جنود المسلمين، ويزرع جنديًا آخر غريبًا في بلاد المسلمين.
إن فساد الأخلاق طريق لانتهاك الأعراض، وضياع الأموال، وقتل الأنفس بغير حق، وفي حسن الأخلاق ضمان بإذن الله للأمن، وانتشار الخير، وحصول الرخاء.
عباد الله: وإذا كانت الأخلاقُ الكريمةُ بهذه المثابة من الأجر والأثر، فما أحرانا أن نتعرف عليها أو على شيء منها، ومن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فليجاهد نفسه على الإصلاح والاستقامة، وقد يطول بنا المُقام لو ذهبنا نحصي الأخلاق الكريمة: كالصدق والصبر والشجاعة والحِلْمِ والحياء، والكرم والرفق ونحوها؛ ولكن بعض العارفين أرجع هذه الأخلاق الفاضلة إلى أربعة أصول، هي: الصبر، والعفةُ، والشجاعة، والعدل، والسرُّ في ذلك - كما قيل - إن الصبر يَحْمِل صاحبه على الاحتمال وكظم الغيظ، وإماطة الأذى، والحلم، والأناة، والرفق وعدم الطيش والعجلة. والعفة تحمله على اجتناب الرذائل والقبائح من القول والفعل وتحمله على الحياء، وهو ركنُ كل خير، وتمنعه من الفُحشِ والبخل والكذب والغيبة والنميمة.
والشجاعةُ تحمله على عزةِ النفس وإيثار معالي الأخلاق والشيم وعلى البذل والندى (١)، الذي هو شجاعةُ النفس وقوتها على إخراج المحبوب ومفارقته،
стр. 1941
كما تحمله الشجاعةُ على كظم الغيظ والحلم، وهذه هي حقيقة الشجاعة، فهي مَلَكةٌ يقتدر بها على قهر خصومه: «وليس الشديد بالصرعة، إنما الشديدُ الذي يملك نفسَه عند الغضب».
أما العدلُ فيحمل صاحبه على اعتدال أخلاقه وتوسطه بين طرفي الإفراط والتفريط، فلا يُسرف ولا يُقتر، ولا يجبن ولا يتهور، ولا يغضب ولا يُهان ... وهكذا ... (١).
يا أخا الإسلام: عُدْ إلى نفسك وتأمل قربك أو بعدك من هذه الأخلاق، واعلم أنها سببٌ للسعادة في الدنيا وطريق إلى الجنة في الآخرة، فيها رضى الله وقربٌ من الرسول ﷺ وبها تحصل محبة الناس، والعكسُ بالعكس ... وفضل الله يؤتيه من يشاء: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (٢).
وهنا يرد سؤال مهم، هل يمكن اكتسابُ هذه الأخلاق الفاضلة ... أم أنها فطرية جِبلِّية يقسمها الله وهو أعلم وأحكم؟
وما الطريقُ لاكتساب الأخلاق الفاضلة؟
وما الأسباب في انتشار الأخلاق السيئة.
كلُّ ذلك وغيره، أستكمل الحديث عنه في الخطبة القادمة بإذن الله.
اللهم ألهمنا رشدنا، وأصلح أحوالنا، اللهم وكما حَسَّنت خَلْقَنا فَحسِّن خُلُقنا ...
стр. 1942
(٢) الأخلاق الفاضلة (١)
طرق اكتسابها: أسباب ضعفها
الخطبة الأولى:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له.
أيها المسلمون: قال رجل لرسول الله ﷺ : أوصني فقال: «اتق الله حيث كنت» قال: زدني، قال: «أَتبع السيئة الحسنةَ تمحُها» قال: زدني، قال: «خالق الناسَ بخُلق حسن» (٢).
وفي حديث آخر قال ﵊: «كَرَمُ المؤمنِ دينُه، وَحسَبُه حُسْنُ خُلُقِه، ومروءتُهُ عقلهُ» (٣).
وقال الحسن: من ساء خُلُقُه عذَّب نفسَه (٤).
وقال الفضيل: لأن يصحبني فاجرٌ حسنُ الخلق، أحب إليَّ من أن يصحبني عابدٌ سيئُ الخلق (٥).
ومن وصايا عمر بن الخطاب ﵁: «خالطوا الناسَ بالأخلاق وزايلوهم بالأعمال» (٦).
стр. 1943
وقال الجنيد: أربعٌ ترفع العبدَ إلى أعلى الدرجات، وإن قلَّ عملُه وعلمُه: الحلمُ، والتواضع، والسخاء، وحسنُ الخُلُق، وهو كمالُ الإيمان (١).
إخوة الإيمان: وحيث مضى حديثٌ عن فضلِ حسن الخلق وأثره، ونماذج من خُلقُه ﷺ وإشارة إلى أصول الأخلاق الفاضلة.
فحديث اليوم يرتكز على ثلاث نقاطٍ أساسية:
١ - فطرية بعض الأخلاق واكتساب بعضِها.
٢ - العوامل المؤثرة سلبًا في الأخلاق.
٣ - العلاج وطرق اكتساب الأخلاق الفاضلة.
أما فطرية الأخلاق، وإمكانيةُ تقويمها، فقد ذهب بعضُ الباحثين والفلاسفة إلى أن الأخلاق غرائزُ في النفس الإنسانية لا تقبل تقويمًا ولا تعديلًا، وهذه نظرةٌ خاطئةٌ، وقد استغلها من ثقلت عليه مجاهدةُ نفسهِ فراح يبرر لها ما هو مقيمٌ عليه من ذميم الأخلاق، بأنه ليس في وسعه تغيير ما طُبع عليه وجُبل.
ولكن الصواب من القول أن من الأخلاق الكريمة ما يطبع عليه صاحبُه - فهذا يحمد الله على ما آتاه اللهُ من فضله، ومن الأخلاق الكريمة ما يُنال بالاكتساب والمجاهدة.
وفي حديث أشج عبد القيس أن النبيَّ ﷺ قال له: «إن فيك لخصلتين يحبهما الله: الحلمَ والأناةَ» قال: يا رسول الله قديمًا كانا فيَّ أو حديثًا؟ قال: «قديمًا» قال: الحمدُ لله الذي جبلني على خُلُقين يحبهما الله (٢).
قال ابنُ حجر في شرحه للحديث: فترديده السؤالَ وتقريره عليه يُشعر بأن في
стр. 1944
الخلق ما هو جبلِّي وما هو مكتسب (١).
ويقول القرطبي مشيرًا إلى ما في الخُلُق من جبلةٍ وما يمكن أن يكتسب: الخُلُق جبلةٌ في نوعِ الإنسان وهم فيه متفاوتون، فمن غلب عليه شيء منها إن كان محمودًا، وإلا فهو مأمور بالمجاهدة فيه حتى يصير محمودًا، وكذا إنْ كان ضعيفًا فيرتاض صاحبه حتى يقوى (٢).
وفي حديث الغزالي في «الإحياء» عن الأخلاق، عقد فصلًا في (بيان قبول الأخلاق للتغيير بطريق الرياضة)، ومما قاله: (فلو كانت الأخلاقُ لا تقبلُ التغيير لبطلت الوصايا والمواعظ، والتأديبات، ولما قال رسول الله ﷺ «حسِّنوا أخلاقَكم»).
وكيف يُنكر هذا في حقِّ الآدمي، وتغييرُ خلق البهيمةِ ممكن، إذ ينقل البازيُّ من الاستيحاش إلى الأنس، والكلبُ من شره الأكل إلى التأدب والإمساك والتخلية، والفرس من الجماح إلى السلاسة والانقياد، ولك ذلك تغييرٌ للأخلاق ... إلخ كلامه الطويل (٣).
عباد الله: ولو كان تقويم الأخلاق وتهذيبُها غيرَ مستطاع لكانت دعوةُ الشرائع إلى ذلك عبثًا لا طائل تحته - والشريعة الربانية تُنزَّه عن هذا، والله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، ولا يحملها ما لا تطيق، وقد حثت الشريعة على كريم الأخلاق، كما أنه صحَّ عن رسولِ الله ﷺ أنه قال: «إنما العلم بالتعلم، والحِلْمُ بالتحلم، ومن يتحرَّ الخير يُعطه» (٤).
стр. 1945
وفي هذا دليلٌ على إمكانية اكتسابِ الأخلاقِ الفاضلةِ، وترويض النفس عليها.
إخوة الإسلام: وقبل أن أعرض للطرق المعينة على اكتساب الأخلاق الفاضلة، أقف عند العوامل المؤثرة على سوء الأخلاق، وكيف تتأثر القيمُ، وتنحدر الطباع.
ومن أقوى العوامل المؤثرة على سوء الخلق: ضعفُ الإيمان بالله، وضعفُ اليقين بجزاء الآخرة، وهذا الصنفُ لا يهمه حسنت أخلاقُه أم ساءت، أما الذين يرجون لقاء ربهم فيدللون على ذلك بعملهم الصالحات، والأخلاقُ جانب مهم منها.
والمتقون لو ضعفوا ومسَّهم طائف من الشيطان تذكَّروا فإذا هم مبصرون، ولا يتورع المجرمون والمفلسون عن ضرب هذا، وشتم هذا، وأكل مال هذا، والتطاول على عرض ذاك، وهكذا تتراكم سوءات الأخلاق لمن لا خلاق لهم ولا يرجون لقاء ربِّهم ولا يطمعون في رفيع الدرجات.
ومن العوامل: القرين، فله أثره على قرينه.
ومن العوامل كذلك: حبُّ الدنيا، والطمعُ فيها والجشع، وكل ذلك يعمي صاحبه عن معالي الأمور والتعامل مع الناس بالحسنى، وكم وقع بين الناس بسبب ذلك من قطيعة وخصومة وتنافر، وشحناء، ولربما تسابقوا في سوء الخلق ورديء الكلام، وأين هذا من السخاء والكرم، والصبر والحِلْمِ والتواضع والصفح، والتعاون على الخير ... وغيرها من خلال كريمةٍ لا يُلقَّاها إلا الذين صبروا، وما يلقَّاها إلا ذو حظٍّ عظيم، ولو هانت الدنيا في قلوبهم لحسنت أخلاقُهم، وساد الودُّ والوئام بينهم، وإلى الله المشتكى.
ثالثًا: ومن عوامل ضعف الأخلاق: ضعفُ الرادع، وغياب العقوبة أو
стр. 1946
ضعفُها أحيانًا - إذ في النفوس من لا تردعها إلا العقوبة وسلطانُ الجزاء، وسواء كانت العقوبة حسيةً أم معنويةً - فكل ذلك وازعٌ ومهذبٌ للنفس، ويزعُ اللهُ بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، وعذابُ الدنيا عند الجهلة أخوفُ من عذاب الآخرة.
وقد تؤدي العقوبةُ المعنويةُ مثل أو أعظم ممّا تؤديه العقوبة الحسية، وهاكم نموذجًا من هديه ﷺ في علاج رديء الأخلاق، أخرج الإمام أحمد في «مسنده» من حديث عائشة ﵂ قالت: كان رسولُ الله ﷺ إذا اطلع على أحدٍ من أهل بيته كذب كذبةً لم يزل معرضًا عنه حتى يحدث توبة (١).
وهذا أُسلوب تربوي في علاج الأخطاء على المربين أن يتأملوه ويعملوا به: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥) وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (٢).
стр. 1947
الخطبة الثانية:
الحمد لله ربِّ العالمين، يحب الصابرين والمحسنين، ويجزي المتصدقين، وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له، أمر بالتقوى والعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، ونهى عن الفحشاء والمنكر والبغي.
وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، لم يكن فاحشًا ولا متفحشًا، ولا صخَّابًا بالأسواق، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين.
أيها المؤمنون: أما السبب الرابعُ من أسباب تلوّث الأخلاق ورداءتها، فهو ذلك الركامُ الهائلُ الذي تبثه وسائل الإعلام وتدمر به الأخلاق وتهدم القيم.
وإنها لحرب أعنفُ وأمضى أثرًا من الحروب العسكرية، إذ كانت الحربُ فيما مضى قصرًا على الرجالِ المحاربين، أما هذه الحربُ الإعلاميةُ فهي شاملةٌ للنساءِ والأطفال، والشيوخ والشباب، وكنا في حروبنا مع أعدائنا فيما مضى ندافعهم حتى يسقط آخرُ سهمٍ بأيدينا، أما الآن فنحن نستجلب من الوسائل ما يدمرنا، ونفتعل حروبًا مدمرةً لأهلينا وأولادنا، داخل بيوتنا.
عباد الله: أليست البرامجُ الهابطة المثيرة للغرائز سببًا في انتشارِ فواحشِ الزنا واللواط، أليست الصورة الفاتنة سببًا للسفور ودعوة لنزع الحجاب؟ أليست الثقافةُ المسمومة سببًا في الانحراف الفكري والتغريب الثقافي، وهكذا يتردى الناسُ في الفتن وتتلوث أخلاقهم وهم لا يشعرون، والفتنة أشدُّ من القتل ... والقتلُ - وإن كان بطيئًا - فهو أشدُّ أثرًا من الجراح في معركةٍ يتقابل فيها المحاربون. ألا فانتبهوا عباد الله لأثر هذه الوسائل المدمرة، وحصِّنوا أنفسكم ومَنْ تحت أيديكم من آثارها، ومن استرعاه اللهُ رعيًّة فمات وهو غاشٌّ لها لم يرح رائحة الجنة.
стр. 1948
أيها المسلمون: ولئن سألتم عن العلاج وطرق اكتساب الأخلاق الفاضلة، فهي كثيرة ... ولكنها محتاجة إلى صدق ويقين وحزم وعزم ومجاهدة للنفسِ وترويضٍ لها.
وهذه أولى القواعد، وهي منطلقة من قاعدة: «إنَّما العلم بالتعلم والحلم بالتحلُّم»، وكم أفلح المروضون لأنفسهم والمزكون لها: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (١).
ولا بد ثانيًا من انتزاع معوقات اكتساب الأخلاق الفاضلة من النفس، فإذا كان الطمعُ والخوفُ من أهم هذه المعوقات فيمكن استبعادُهما بالثقة بما عند الله والتوكل عليه وحده.
وهكذا ينبغي أن يُنتزع من النفس كلُّ خُلقٍ رديء يعوِّقُ عن اكتساب الخلُق الحَسَنِ.
٣ - ومن الأمور المعينة على اكتساب الأخلاق الفاضلة، تقديرُ الأمور العامة في التربية والتأكيدُ عليها، فالأبوان مثلًا عنصرٌ مهم في التربية، وللعلماء دور في قيادة الأمة وتوجيهها، ويوم أن تسقط هيبةُ الوالدين عند الأولاد أو يقل تقدير العامة لأهل العلم فإن مؤشر الأخلاق ينحدر، وتُحطَّم الحواجز، ويقود السفينة غيرُ ربانها.
٤ - وقراءةُ السير وتراجم النبلاء طريقٌ من طرق اكتساب الأخلاق، ويقال: تراجمُ الرجال مدارسُ الأجيال، ومعلومٌ أن الخير مُفرَّق بين الناس - قديمًا وحديثًا - فهذا حليم، وهذا شجاع، وذاك كريم، ورابع يضرب المثلُ بصبره ... وهكذا، والإطلاعُ على هذه في تراجم أصحابها يدعو الأجيال اللاحقة لمحاكاتها،
стр. 1949
فتتحسّن أخلاقهُم، وتتهذب سلوكياتهم، ويتصل أواخرُ هذه الأمة بأوائلها.
٥ - وتقديرُ مشاعرِ الآخرين طريق لاكتساب الخُلق الفاضل، ومن جَليل الحكم: وآتِ للناس الذي تحبُّ أن يؤتى إليك، وأحبَّ للناسِ ما تحبه لنفسك. وصاحبُ هذا الشعور كلما همَّ بخلقٍ سيّئٍ للآخرين تذكر كرهَه هو لإساءة الآخرين له فأقلع عما هَمَّ به.
٦ - والشكرُ والاعترافُ بما أنعم اللهُ به عليك طريقٌ مهم لاكتساب الأخلاق الفاضلة، ذلك أن في النفس شرهًا وكفرانًا للنعم لا تستقيم معه الأخلاقُ الفاضلة، وتقييدها بلجام الشكرِ لله على كل نعمة، وسؤاله المزيد من فضله، وتذكر من هو أقلَّ منه، أو من حُرم النعمة التي أُوتيها كل ذلك يهذب النفس من جانب، ويدعو لمزيد من النعم: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (١).
٧ - ولا بد من الاعتدال والتوازن لمن يريد اكتساب الأخلاق الفاضلة، والحدُّ الوسطُ في الاعتدال كما قيل أن تُعطيَ من نفسِك الواجبَ وتأخذَه، وحدُّ الجور: أن تأخذه ولا تعطيه (٢).
٨ - وثمة أمرٌ مهم لاكتساب الخُلُق الفاضل ألا وهو الدعاء، فلا تجعل بينك وبين الله وسائط في سؤال أيِّ نعمةٍ، ومنها الخلق الحسن، وقد كان من دعائه ﷺ في استفتاح الصلاة: «واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت» (٣).
فإذا كان هذا دعاءَ من قيل له: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (٤)، فكيف يزهد غيره بالدعاء عامة وفي حسن الخلق خاصة؟ !
стр. 1950
أفكار في التربية والتعليم مع بدء العام الجديد (١)
الخطبة الأولى:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارضَ اللهم عن الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٢).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (٣).
عباد الله: انقضت إجازةٌ تعد من أطول الإجازات، طويت فيها صحائفُ ورحل فيها عن الدنيا من رحل، وولد فيها من ولد، وأطلّ على الدنيا خلالها جيلٌ جديد، وعمّر من عمَّر: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (٤)، ومن جانب آخر: كسب من كسب في هذه الإجازة بحفظ الوقت وصرف الأعمار بطاعة الله وطلب علم أو عمل مفيد لنفسه أو لمجتمعه أو للأمة من حوله، وفرّط من فرط بكثرة النوم، أو إضاعة الأوقات دون فائدةٍ، أو صرفها بما يضرُّ في دينه أو دنياه ... وكذلك يتفاوت الناسُ دائمًا في تقدير قيمة الزمن، ومستوى الهمم، وهيهات أن يعود الزمان بعد ذهابه،
стр. 1951
وسيكون شاهدًا للمرء أو عليه ... وفي سرعة الزمن عبرةٌ موقظةٌ لذوي البصائر، إذ هو منبهٌ لقصر الآجال، وفناء الأعمار، وما الدنيا كلُّها بالنسبة للآخرة إلا قليل: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ (١).
أيها المسلمون: تلك وقفةٌ أولى حول انقضاء الإجازة، أما الوقفة الثانية، فهي التذكيرُ بالحاجة الملحة إلى وضع برامج مفيدة طوال فترة الإجازة، إذ من الظواهر التي لا تكاد تخفى على مُطَّلِعٍ ضياعُ أوقات الناس - وبخاصة الشباب - من الجنسين - بكثرة النوم أو بسفريات غير مدروسة الأهداف، وقليلة الفوائد، وحريٌّ بالمؤسسات التربوية، وبالمربين أن يدرسوا هذه الظاهرة ويفكروا في عددٍ من الوسائل لاستثمار أوقات الشباب بما يعود عليهم وعلى مجتمعهم بالنفع، إذ هم عماد الأمة مستقبلًا، وبإعدادهم وتربيتهم يكون تحدي الأمم، ويُصنع التاريخ، وبوركت الأمة تُعنى بشبابها وفتياتها، وتستثمر أوقاتهم وتُهيِّئُ الفرص النافعة لهم.
إن المراكز الصيفية والدورات العلمية، والرحلات الهادفة وأمثالها وسائل في الطريق الصحيح لاستثمار الإجازة ولكنها غيرُ كافية، وغيرُ شاملة لعموم الشباب والشابات، وذلك يستدعي مزيدًا من التفكير، والتطوير في الوسائل والبرامج حتى تستوعب هذه البرامجُ أكبر عددٍ ممكن، وتَملأ أوقات الفراغ بالمفيد المنتج، وتسهم بإعداد جيلٍ قادر على التحدي، بل وعلى الصمود في مواجهة الحروب الباردة أو الساخنة، ثابتٍ على المبدأ الحق في زمن غزو الفضائيات، ومشاريع العولمة، ونحوها.
أيها الشباب، أيتها الفتيات: وانقضت الإجازة وبدأ العامُ الدراسيُّ الجديد،
стр. 1952
فبأي همةٍ استقبلتم العام الجديد. والمؤملُ فيكم استقبالُ العام بجدية في التحصيل العلمي وإخلاص في طلب العلم، وتزينٍ بأخلاق العلم، وارتداء لَبُوسِ العلماء، ولا ينبغي أن يكون الهدف الأولُ والأخير من العلم الحصول على الشهادة، وتوفر الوظيفة ... فهذه وإن كانت مهمةً فالعلم أغلى وأجلُّ، ولئن دعت الحاجةُ في الدنيا إلى الوظيفة والعمل، فالحاجة أدعى إلى تعلم العلم الذي به يصل المرءُ إلى المنازل العالية في الجنة، وبالعلم النافع يعرف المرءُ ربَّه، وبه يتعلم أحكام الدين، وأدب التعامل مع الآخرين، ويكفي العلمَ فخرًا ورفعة أن يقول الله عن أصحابه: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (١)، ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢).
وإذا كان العلمُ يرفع بيتًا لا عماد له، فالجهلُ يهدم بيت العز والشرف.
أيها المربون أنتم مؤتمنون على التعليم وعلى رعاية المتعلمين، هيِّئوا الفُرصَ المناسبة لهم. واعتمدوا الانطلاقة من الثوابت والأصول في شريعة الإسلام، جدِّدوا في الوسائل التعليمية بما يساير العصر - واستحدثوا من البرامج التعليمية ما يجعل أبناءنا في مقدمة الركب، واجعلوا من التعليم أداةً للصمود في حرب العقائد وغزو الأفكار والقيم، فالأمة مقبلة على مستقبل مخيف، تتناوشه طروحات غريبة، ويمسك بالقيادة غير المسلمين. وفرقٌ بين تطوير التربية والتعليم بما ينفعُ الأمة في حاضرها ومستقبلها، وبين التضليل وعلمنة التعليم، فتلك هزيمةٌ مبكرّة، بل وانتقال من الاستعمار العسكري إلى الاستعمار الثقافي، وليس الآخرُ بأقلَّ خطرًا من الأول.
إنها مأساةٌ حين تختلط في أذهان بعض المثقفين أو المثقفات حتميةُ العلمنة
стр. 1953
مع التطوير في أي جانب من جوانب الحياة، ومن أبرزها التربية والتعليم، ومأساةٌ أخرى حين يظُن آخرون أن من لوازم الأصالة نفيَ التطوير ولو كان سليمًا نافعًا، ولعل من المفيد أن نتذكر واحدةً من توصيات المؤتمر الأول للتعليم الإسلامي المنعقد بمكة المكرمة عام سبعة وتسعين وثلاث مائة وألف للهجرة، وقد جاء في هذه التوصية: «لا قيود على العلم النظري أو التجريبي في التصور الإسلامي سوى قيدٍ واحدٍ يتصل بالغايات والمقاصد، فلا ينبغي أن يستخدم في إفساد العقيدة والأخلاق، كما لا يجوز أن يكون أداةً للإضرار والعدوان» (١).
إخوة الإسلام: إن من الفساد والعدوان في تطوير المناهج أن تبرز نظريات في عالمنا الإسلامي تنادي بالمساواة بين المسلم واليهودي والنصراني، وتدعو إلى وحدة الأديان، والأخطرُ حين ينتقل إلى خطوات عملية، فتحذفُ من المناهج الدراسية آياتٌ قرآنيةٌ محكمة تتحدث عن اليهود أو النصارى بوصفهم أعداء للمسلمين، لا يجوز موالاتُهم، أو تُنكرُ نصوصٌ من السنة النبوية الصحيحة تحذر من التبعية لليهود والنصارى، وتكشف عداوتهم للمسلمين، أو تحذف الموضوعات المتعلقة بالجهاد في سبيل الله. أو نحو ذلك. وانكشفت بتعاليمه ﷺ ضلالاتُ أهلِ الكتاب وتعسفهم وظلمهم وصدق الله: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢).
معاشر المسلمين: ومن الحقِّ والعدل أن نقولَ: إنَّ المناهج الدراسية في هذه
стр. 1954
البلاد المباركة تُعدُّ من أفضل المناهج في عالمنا الإسلامي، ورغم وجهاتِ النظرِ الغربية التي تطرح أحيانًا لتغيير المسار الآمن، فلا يزال عند المسؤولين قناعةٌ بأهمية التميِّز والأصالة في مناهج بلاد الحرمين، وبما لا يتعارض مع التطوير المثمر والتجديد للأحسن، ولا سيما ونحن في زمن باتت الدولُ تعنى بتراثها وتنطلق من أصولها العقدية والفكرية.
ونحن في هذه البلاد نفخر بذكر تجربة في التعليم طبقت أول ما طبقت في بلادنا، ثم عمَّ نورُها الأرض من حولنا، تلكم هي التجربة الأولى في التعليم التي قادها محمد ﷺ بتوجيه رباني: «اقرأ باسم ربك» وحينها كانت أمة العرب أمةً أميةً، وكانت الأمم من حولها تفاخر بعلمها وحضارتها، ولكن علمَ هؤلاء وحضارتهم أضاف إلى الكون ظلمةً وأسبغ على الشعوب الذلة والمهانة، وساد الظلم وأسنت الحياة، فبعث المعلمُ الأولُ بها الحياة من جديد، بمنهج رباني يقوم على تحرير الناس من كل عبودية سوى العبوديّة للهِ، وتعليم الناس ما ينفعهم في دينهم ودنياهم، وعلى أضواء هذا العلم الكاشف تلاشت الظلمات، وبدأ بساط الظلم والجهل يُطوى وانتشر الخير وعمَّ العدلُ.
стр. 1955
الخطبة الثانية:
الحمد لله الذي أنزل على رسوله أول ما أنزل: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (١).
والصلاةُ والسلام على النبيِّ الأمي الذي عَلَّمَهُ ربُّه ما لم يكن يعلم، فعلَّمَ الأميين، وفاق بأدبه وخلقه وعلمه أهل الكتاب الذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنًا قليلًا، فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون.
اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر النبيين والمرسلين.
وبعد - إخوة الإسلام -: فمن الوقفات مع بدء العام الدراسي الجديد - وقفةٌ مع المعلمين والمعلمات تذكرهم بأمانة التعليم ومسؤولية التربية، وأهمية القدوة والإخلاص في الأداء، وربط المعلومة بالواقع، ومتابعة الطلاب والطالبات، وتشجيع النابهين وإعانة المتخلفين، وتقويم ما انحرف من سلوك، وعدم تكليف الطلاب والطالبات ما يشق عليهم أو أوليائهم.
وهنا وقفةٌ أخرى يشترك في ضرورة التنبيه إليها إدارة المدرسة مع المعلمين، مع الأولياء، ألا وهي عدمُ المبالغة في تأمين الأدوات المدرسية، والإسراف في الطلبات إلى حد يرهق الأولياء، وربما كسر قلوب الفقراء الذين لا يجدون ما يوفرون به هذه المتطلبات من جانب، ويجدون إلحاحًا من أبنائهم وبناتهم على توفيرها من جانب آخر، ويدخل في هذا الجانب إسرافُ بعض الأولياء في النقود
стр. 1956
التي يصرفونها لأبنائهم وبناتهم للفسحة بما يفوق حاجتهم، ويؤثر على نفسيات أبناء الأسر الفقيرة من زملائهم، وتحية للأولياء المقتصدين، ولو كانوا قادرين، واضعين نصب أعينهم مشاعر الآخرين، وهنا اقتراحٌ حريٌّ بالدراسة وهو دفعُ مبلغ من المال محدد من كل طالب وطالبة مع بداية الفصل، وتتولى المدرسة تأمين فسحةٍ يومية مناسبة لكل طالب وطالبة على حدٍّ سواء، فذلك يريحُ الأولياء من جانب، ويشعرُ الطلاب بالمواساة من جانب آخر، وربما كان فيه ترشيدٌ للنفقة من جانب ثالث، وتسهم المدرسةُ فيه بتأليف قلوب الطلبة والطالبات وإشراك بعضهم في خدمةِ بعض من جانب رابع ... وهكذا ... وكذلك الأدوات المدرسية لو أمكن تحديدُها من قبل المدرسة بشكل جماعي محدد ومقتصد لأراح الأولياء والمدرسة ... إنها مشكلةٌ أن يتعلق الطالبُ أو الطالبة بشكليات التعليم، ويتنافس الأولياء في تأمين أحسن الأنواع، أما لبُّ التعليم والهدفُ من التحصيل فلا نجد فيه مثل هذه المنافسة.
وهنا أقف مذكرًا إخواني الطلاب وأخواتي الطالبات بمسألة غايةٍ في الأهمية، بل لعلها الهدفُ من التعليم أساسًا ألا وهي العملُ بالعلم واستثمارُ العلم وسيلةً لنهوض الأمة وتقدمها، وتلك مسألة لا ينفرد الطلاب في التنبيه عليها، بل هي جزءٌ من مسؤولية المعلمين والمعلمات، والآباء والأمهات ... فما قيمة العلم بلا عمل ... إن رسالة التعليم لا تعني في أهدافها وغاياتها أن يحمل الطلابُ والطالبات على عواتقهم كمًّا من المقررات طيلةَ فصلٍ أو عام ثم يرون أنهم يتخففون منها بأداء الإمتحان.
إن رسالة التعليم لم تبلغ الغاية منها إذا حفَّظت طالبًا أو طالبة نصوصًا في أهمية الصلاة وكيفية أدائها وشروطها وواجباتها، فإذا بالطالب أو الطالبة لا يُصلي إلا قليلًا، أو يصليها على غير ما تعلمها، ووظيفة المعلم والمعلمة لا
стр. 1957
تكتملُ بتلقين الطلبة والطالبات نصوصًا في برِّ الوالدين واحترام الآخرين، حين يوجد من بين المتعلمين والمتعلمات عددٌ من العاقِّين لوالديهم والمتعاملين بنوع من الفظاظة والشدة مع الناس من حولهم، وقلْ مثل ذلك عن بقية مفردات المناهج في النواحي السلوكية والخلقية، فلا بد من وعي وتأكيد على النواحي العملية وربط التعليم بواقع الطلاب والطالبات، ولا بد كذلك من مشاركة البيت في تطبيق ما تعلَّمه الدارسون والدارسات في المدرسة، ومثل ذلك يقالُ عن المناهج العلمية التطبيقية؛ إذ لا بد من تأمين المعامل الكافية في المدرسة، ولا بد من متابعة الجديد في التقنيات الحديثة، ولا بد كذلك من تأمين فرصٍ للتدريب خارج المدرسة، ولا بد من تحفيز النابهين على الاختراع ... وهكذا حتى لا تظلَّ الأمةُ المسلمةُ دائمًا عالةً على الآخرين في منتجاتها وسوقًا تروّج فيها بضائع الآخرين، وهي تمتلك عقولًا كعقول الآخرين أو أحسن، ولا تنقصها المادةُ المموّلة للإنتاج والاختراع.
وهكذا نستثمر التعليم، ونرقى بمستوى المتعلمين، ونتجاوزُ الشكليات إلى الجواهر، دون أن نُخِلَّ بأصولنا ومنطلقاتنا الفكرية، أو نقعدَ عن مسايرة الركب في بناء الحضارة الحقّةِ، تلك أفكارٌ ووقفات أثق أن المسئولين في التعليم يقدرونها حقَّ قدرها، وأثق أنها لا تغيب عن بال المعلمين والمعلمات، ويطمع الأولياء أن يصل إليها أبناؤهم، ويود الطلابُ والطالبات لو استثمروا التعليم بشكل جيد ... ولكنها الذكرى، ولنتعاون جميعًا على تحقيقها، وبارك الله في جهدِ كلِّ عامل مخلص، وربّك لا يضيع أجر من أحسن عملًا. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا.
стр. 1958
كيف نودع عامًا وبم نستقبل آخر (١)
الخطبة الأولى:
الحمد لله ربّ العالمين: ﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٩) وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (٢).
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (٣).
وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، توفاه ربُّه بعد أن عمّره ما شاء واستكمل أجله، وعلّم أمته أن أعمارهم ما بين الستين إلى السبعين وأقلُّهم من يجوز ذلك، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر النبيين، وارضَ اللهم عن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٤).
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ (٥).
إخوة الإسلام: كيف نودع عامًا، وبم نستقبل عامًا آخر؟ سؤال يفرض نفسه هذه الأيام، تُرى كم هم الذين يشغل بالهم هذا السؤال؟ وكم من المسلمين لا يلفت نظرهم على الإطلاق هذا السؤال؟ إلا بفارق السنة الهجرية، أو تذكر
стр. 1959
العلاوة السنوية؟ ودعونا نحسن الظنَّ بالناسِ ونقول: إن فئةً من المسلمين يشغل بالهم هذا السؤال من ذواتِ أنفسهم، وفئةً أخرى قد تكون غافلةً لكنها إذا ذُكرت تذكرت ... ولنعد إلى السؤال: بم نستقبل وكيف نودع؟
إن نهاية عام تعني ذهاب ثلاث مئة وستين يومًا من عمر الإنسان، وتلك تحوي أعدادًا كثيرةً من الساعات وأضعافها من الدقائق والثواني، كما تحوي عددًا من الأعمال دقت أو جلت، صلحت أم خبثت، وتحوي في طياتها عددًا من الخطرات، وأنواعًا من الهواجس، وألوانًا من الحركات ... وهذه فيها الصالحُ والطالحُ، وفيها ما هو في سبيل الله وابتغاءَ مرضاته، وفيها ما تهوي الأنفسُ وتلذ الأعينُ وإن كانت في غير مرضاة الله، ومخالفةً لهدي رسول الله ﷺ .
في هذه الأيامِ والساعاتِ والدقائقِ أعمالٌ صالحةٌ تُسرّ النفسُ لذكراها، ويود المرءُ لو كانت حياتهُ كلُّها على منوالها، وقد يكون فيها من أعمال السوءِ ما يودُّ صاحبُها أن يتناساها، ويرغب أنه لم يقترفها، ويوم القيامة يود لو كان بينه وبينها أمدٌ بعيدٌ ...
تُرى هذه الأعمالُ والحركات والرصيدُ المتجمع خلال عام أليس خليقًا بالمحاسبة والتذكُّر؟ والمحاسبةُ النافعة هي التي تقود صاحبها إلى استدامة عمل الخير، وقصرِ النفس قدر المستطاع عن عمل السوء، والنظرُ في العواقب تلقيحُ العقول - كما قيل - ومن أقوال الحكماء: شيئان إذا عملت بهما أصبت خيرَ الدنيا والآخرة. تحملُ ما تكره إذا أحبه الله، وتتركُ ما تحب إذا كرهه الله (١).
وقال العارفون: ما أحببتَ أن يكون معك في الآخرة فاتركه اليوم، وانظر كلَّ عملٍ كرهت الموتَ من أجله فاتركه، ثم لا يضرُّك متى متَّ؟ (٢)
стр. 1960
كم تلهينا الدنيا وهي متاعُ الغرور، فتمر الأيامُ والأعوامُ سراعًا بلا تفكير، وكم تفتنَّا بزينتها، ومتاعُها في الآخرة قليل، وإن يومًا عند ربِّك كألف سنةٍ مما تعدون ... وكلُّ نفسٍ مصيرُها على الموت والفناء ... ولكن المهمَّ ما بعد ذلك: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (١)، وكم ننخدع بوساوس الشيطان، وقد عُصي فلم يضر، وأُطيع فما نفع ... ويوم القيامة يتبرأ من متبوعيه ويقول حين يُقضى الأمر: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢).
من قدوتُك في هذه الحياة؟ وما نوع الخليل الذي تتخذه لك صديقًا، والله يقول: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ (٣)، ويقول ﷺ : «المرءُ على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل». هل تفكر جادًا في الموت وما بعده؟
عباد الله: وكم نتساهل بالذنوب وهي - كما قيل - مهلكاتٌ تفوّت على الإنسان سعادةَ الدنيا والآخرة، وتحجبه عن معرفة ربِّه في الدنيا، وعن تقريبه في الآخرة (٤): ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ (٥)، ومصيبةٌ حين تتراكم علينا الذنوب ونحن لا نشعر، فيكون الرانُ على القلوب ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو
стр. 1961
الْجَحِيمِ﴾ (١)، ويرحم الله أقوامًا كانت ذنوبُهم قليلةً، وحياتُهم عبادةً وخشوعًا وزهدًا وورعًا، ومع ذلك يقول أحدُهم تورعًا وتواضعًا وخشية: «لو كان للذنوب ريحٌ ما جلس إليَّ أحد» (٢) هكذا كان يقول محمد بن واسع الأزدي ﵀، الذي قال عنه سليمان التيمي ﵀: (ما أحدٌ أحبُّ أن ألقى الله بمثل صحيفته مثل محمد بن واسع) (٣).
يا عبدَ الله: كم في صحائفك الماضية من توبة واستغفار، والله يقول: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ (٤)، ويقول: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ (٥).
وفي الأثر: «طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارًا كثيرًا».
وهذا سيدُ البشر المغفورُ له ما تقدم من ذنبه وما تأخر يقول: «والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة» (٦).
كم تُراغم الشيطان بالتوبة، وكم تُحتُّ الخطايا بالاستغفار، فكيف إذا كانت التوبة واجبةً ثابتةً بنصوص الكتاب والسنة كما قرر العلماء؟ ! (٧)
وينسب للإمام أحمد ﵀ قوله (٨):
لَهَوْنا عن الأيام حتى تتابعتْ ... ذنوبٌ على آثارهنَّ ذنوبُ
فيا ليت أنَّ اللهَ يغفرُ ما مضى ... ويأذنُ في توباتنا فنتوبُ
إذا ما مضى القرنُ الذي أنت فيهمُ ... وخُلّفتَ في قرنٍ فأنت فيهم غريبُ
стр. 1962
عباد الله: وفي سبيل محاسبة أنفسكم في نهاية عام وابتداء عام، تذكروا أن أشقَّ شيء على النفوس جمعيتُها على الله، وهي تناشد صاحبها أن لا يوصلها إليه، وأن يشغلها بما دونه، فإنَّ حبسَ النفس على الله شديد، وأشدُّ منه حبسُها على أوامره، وحبسُها عن نواهيه، فهي دائمًا ترضيك بالعلم دون العمل (١).
أيها المسلمون: ما أجمل الأعمار تختم بالتوبة والاستغفار، وسبيلُ المسلمين في ذلك أن نختم كلَّ عملٍ، وكلَّ مجلسٍ، وكلَّ خطأ أو ذنبٍ بالتوبة والاستغفار ... ولا يزال اللهُ يعفو ما أحدث العبدُ توبةً وندمًا واستغفارًا ... فإن نسيت التوبة أو فاتك الاستغفار في شيء من أيام العام، فلا يفوتنَّك ذلك في نهاية العام، فالأعمالُ بالخواتيم، وصحائف العام لم تُطْوَ بعد، فأشهد ربَّك على توبتك، ولا تصرَّ على صغيرة، أو تحقرن من الذنوب شيئًا وإن داخلك الشيطانُ بتعاظم ذنبك وعدم مغفرة ربك، فاعلم أن رحمة الله وسعت لكَّ شيء، والله يغفر جميعًا ... ربنا كريم يحب عبده إذا اقترب منه، ويمحو عنه زلاته، قال اللهُ في الحديث القدسي: «من عمل حسنةً فله عشرُ أمثالها أو أزيد، ومن عمل سيئةً فجزاؤه مثلها، أو أغْفِر، ومن عمل قُرابَ الأرض خطيئة ثم لقيني لا يشرك بي شيئًا جعلتُ له مثلها مغفرة، ومن اقترب إليَّ شبرًا اقتربت إليه ذراعًا، ومن اقترب إليَّ ذراعًا اقتربت إليه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة» (٢)، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ (٣).
стр. 1963
الخطبة الثانية:
الحمد لله كلُّ شيء هالكٌ إلا وجهه، له الحكم وإليه ترجعون، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (١)، وأشهد أن محمد عبدُه ورسوله، أدركته سنةُ الله في المرسلين قبله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ (٢).
اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين.
أيها المسلمون: أما العامُ الجديدُ فهو صفحةٌ بيضاء ينتظر الحفظةُ الكاتبون ما أنتم عاملون، ألا فاستقبلوه بعزائم قويةٍ، ونية صادقة على فعل الخير، وسيحفظ لكم النقيرُ والقطمير، ولن تُكْفَروا من أعمالكم شيئًا: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾ (٣).
تذكروا أن عامًا بأكمله سيُجزي الله فيه من الأحداث ما يجري ويقدر ما يشاء، ألا فاسألوه من خير هذا العام، واستعيذوا به من شروره وفتنه، فلا يَردُّ القضاءَ إلا الدعاءُ، وكم من فتنة حصلت؟ وكم من أمراض ومصائب وشرور حدثت في العام المنصرم؟ فإذا سلمكم الله منها فيما مضى فاسألوهُ أن يحفظكم منها، ويعيذكم من شرورها فيما تستقبلون من عامكم الجديد.
استقبلوا العام الجديد بوضع عددٍ من التساؤلات والنقاط تحددون بها مساركم، وتقيِّمون فيها بُعْدكم أو قربكم من الخير، وعلى سبيل المثال لا الحصر، فمن هذه النقاط في التقويم: ما نوع العلاقة مع الله؟ وما نوع العلاقة
стр. 1964
مع الخلق؟ كيف أنت في العبادات؟ وكيف أنت في المعاملات؟
ما هي الخطيئة أو الخطايا التي لازمتك في عامك المنصرم وتنوي الخلاص منها في عامك الجديد؟
ما هي الفضيلة أو الفضائل التي فاتتك في عامك الماضي، وتفكر جادًا ألا تفوتك في العام المقبل؟ كيف أنت وفتنة الأهواء والشهوات والشبهات والفضائيات؟
ما قيمة الوقت عندك؟ وبماذا تستثمره؟ طاقاتك كيف تُصرف، وقدراتك بماذا تستثمر؟ ما نوع اهتمامك، هل تحمل همَّ الإسلام؟ وهل تستشعر قضايا المسلمين؟ وبماذا ساهمت فيها؟ ما مدى شعورك بانتصار الحقِّ وأهله؟ وما مدى أسفك لغلبة الباطل وكثرة المبطلين؟ هل تشكل الدعوة إلى الله جزءًا من حياتك؟ وما نصيب أهلك وأبنائك وذوي رحمك وجيرانك وزملائك وعموم المسلمين منها؟ هل تُجدد في أساليب دعوتك، وهل تتحرى الحكمة في قولك وفعلك؟ ما مدى قيامك بواجبك الوظيفي، وعلى أي نحوٍ تؤدي الأمانةَ التي أؤتمنت عليها في أي موقع كنت؟ حاسب نفسك في نوع مطعمك ومشربك، وملبسك، وماذا تسمع وتبصر، وبم تنطق، وماذا تُضمر في فؤادك: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (١).
راجع نفسك في أداءِ الفرائض، وكم قدرُ الاحتياطي عندك في السُّنن، فهن مكملات لنقص الفرائض، مسدداتٌ للخلل، رافعات للدرجات، مكفرات للسيئات، ما نصيبك من ذكر الله؟ وكيف صلتك بكتاب الله؟ وكيف أنت والنفقات الواجبة والمستحبة؟
стр. 1965
أيها المسلمون: هذه وأمثالها مراجعات يحسن بالمرء أن يراجع نفسه ويسألها عنها على الدوام ... وهي خليقةٌ بالمحاسبة مع انصراف عامٍ وبدء عامٍ، وإذا أخرجت لنفسك ميزانيةً في آخر العام عرفت قدر المكاسبِ فيها والخسران، وإذا علمت ذلك سددت وقاربت قدر الإمكان، وتلك الميزانية والمحاسبة، وربّي، أولى من غيرها في موازين الدنيا ومحاسباتها ... والغفلةُ تورث الهلكة ... وما أعظم الحسرةَ حين يرد الناسُ يوم القيامة بحسنات كالجبال، ويرد المفرِّطون الغافلون بالخيبة والخسران، يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون.
عباد الله: نهايةُ عام وبدءُ عام مذكِّرةٌ بسرعة الأيام وانقضاء الأعمار، فإذا كانت الساعةُ تشكل قدرًا في أجل الإنسان، فكيف مما يزيد على ثمانية آلاف وست مئة ساعة في السنة، والله يقول: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (١).
يا عبدَ الله: وبين عامٍ مضى وعام يوافي عبرٌ توقظُ الضمير الغافي، وهل نسيت أنه حصل في العام المنصرم عللٌ وأسقام، وفتن وهموم، وفقرٌ وحروب، وأمواتٌ رحلت، ودماءٌ أزهقت، وأطفالٌ ونساءٌ تأيمت ... فإذا سلمك الله من هذا كله فاحمد الله واشكره، واعلم أن ما تخطاك لغيرك سيتخطى غيرك إليك، فكن مستعدًا للقاءِ ربك، مغتنمًا شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل مرضك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك، والكيِّسُ من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني.