← Джавами‘

Джавами‘ · id 20948

شعاع من المحراب

سليمان بن حمد العودة

Полный текст (3 545 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

الْجَحِيمِ﴾ (١)، ويرحم الله أقوامًا كانت ذنوبُهم قليلةً، وحياتُهم عبادةً وخشوعًا وزهدًا وورعًا، ومع ذلك يقول أحدُهم تورعًا وتواضعًا وخشية: «لو كان للذنوب ريحٌ ما جلس إليَّ أحد» (٢) هكذا كان يقول محمد بن واسع الأزدي ﵀، الذي قال عنه سليمان التيمي ﵀: (ما أحدٌ أحبُّ أن ألقى الله بمثل صحيفته مثل محمد بن واسع) (٣). يا عبدَ الله: كم في صحائفك الماضية من توبة واستغفار، والله يقول: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ (٤)، ويقول: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ (٥). وفي الأثر: «طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارًا كثيرًا». وهذا سيدُ البشر المغفورُ له ما تقدم من ذنبه وما تأخر يقول: «والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة» (٦). كم تُراغم الشيطان بالتوبة، وكم تُحتُّ الخطايا بالاستغفار، فكيف إذا كانت التوبة واجبةً ثابتةً بنصوص الكتاب والسنة كما قرر العلماء؟ ! (٧) وينسب للإمام أحمد ﵀ قوله (٨): لَهَوْنا عن الأيام حتى تتابعتْ ... ذنوبٌ على آثارهنَّ ذنوبُ فيا ليت أنَّ اللهَ يغفرُ ما مضى ... ويأذنُ في توباتنا فنتوبُ إذا ما مضى القرنُ الذي أنت فيهمُ ... وخُلّفتَ في قرنٍ فأنت فيهم غريبُ

стр. 1962

عباد الله: وفي سبيل محاسبة أنفسكم في نهاية عام وابتداء عام، تذكروا أن أشقَّ شيء على النفوس جمعيتُها على الله، وهي تناشد صاحبها أن لا يوصلها إليه، وأن يشغلها بما دونه، فإنَّ حبسَ النفس على الله شديد، وأشدُّ منه حبسُها على أوامره، وحبسُها عن نواهيه، فهي دائمًا ترضيك بالعلم دون العمل (١). أيها المسلمون: ما أجمل الأعمار تختم بالتوبة والاستغفار، وسبيلُ المسلمين في ذلك أن نختم كلَّ عملٍ، وكلَّ مجلسٍ، وكلَّ خطأ أو ذنبٍ بالتوبة والاستغفار ... ولا يزال اللهُ يعفو ما أحدث العبدُ توبةً وندمًا واستغفارًا ... فإن نسيت التوبة أو فاتك الاستغفار في شيء من أيام العام، فلا يفوتنَّك ذلك في نهاية العام، فالأعمالُ بالخواتيم، وصحائف العام لم تُطْوَ بعد، فأشهد ربَّك على توبتك، ولا تصرَّ على صغيرة، أو تحقرن من الذنوب شيئًا وإن داخلك الشيطانُ بتعاظم ذنبك وعدم مغفرة ربك، فاعلم أن رحمة الله وسعت لكَّ شيء، والله يغفر جميعًا ... ربنا كريم يحب عبده إذا اقترب منه، ويمحو عنه زلاته، قال اللهُ في الحديث القدسي: «من عمل حسنةً فله عشرُ أمثالها أو أزيد، ومن عمل سيئةً فجزاؤه مثلها، أو أغْفِر، ومن عمل قُرابَ الأرض خطيئة ثم لقيني لا يشرك بي شيئًا جعلتُ له مثلها مغفرة، ومن اقترب إليَّ شبرًا اقتربت إليه ذراعًا، ومن اقترب إليَّ ذراعًا اقتربت إليه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة» (٢)، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ (٣).

стр. 1963

الخطبة الثانية: الحمد لله كلُّ شيء هالكٌ إلا وجهه، له الحكم وإليه ترجعون، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (١)، وأشهد أن محمد عبدُه ورسوله، أدركته سنةُ الله في المرسلين قبله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ (٢). اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. أيها المسلمون: أما العامُ الجديدُ فهو صفحةٌ بيضاء ينتظر الحفظةُ الكاتبون ما أنتم عاملون، ألا فاستقبلوه بعزائم قويةٍ، ونية صادقة على فعل الخير، وسيحفظ لكم النقيرُ والقطمير، ولن تُكْفَروا من أعمالكم شيئًا: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾ (٣). تذكروا أن عامًا بأكمله سيُجزي الله فيه من الأحداث ما يجري ويقدر ما يشاء، ألا فاسألوه من خير هذا العام، واستعيذوا به من شروره وفتنه، فلا يَردُّ القضاءَ إلا الدعاءُ، وكم من فتنة حصلت؟ وكم من أمراض ومصائب وشرور حدثت في العام المنصرم؟ فإذا سلمكم الله منها فيما مضى فاسألوهُ أن يحفظكم منها، ويعيذكم من شرورها فيما تستقبلون من عامكم الجديد. استقبلوا العام الجديد بوضع عددٍ من التساؤلات والنقاط تحددون بها مساركم، وتقيِّمون فيها بُعْدكم أو قربكم من الخير، وعلى سبيل المثال لا الحصر، فمن هذه النقاط في التقويم: ما نوع العلاقة مع الله؟ وما نوع العلاقة

стр. 1964

مع الخلق؟ كيف أنت في العبادات؟ وكيف أنت في المعاملات؟ ما هي الخطيئة أو الخطايا التي لازمتك في عامك المنصرم وتنوي الخلاص منها في عامك الجديد؟ ما هي الفضيلة أو الفضائل التي فاتتك في عامك الماضي، وتفكر جادًا ألا تفوتك في العام المقبل؟ كيف أنت وفتنة الأهواء والشهوات والشبهات والفضائيات؟ ما قيمة الوقت عندك؟ وبماذا تستثمره؟ طاقاتك كيف تُصرف، وقدراتك بماذا تستثمر؟ ما نوع اهتمامك، هل تحمل همَّ الإسلام؟ وهل تستشعر قضايا المسلمين؟ وبماذا ساهمت فيها؟ ما مدى شعورك بانتصار الحقِّ وأهله؟ وما مدى أسفك لغلبة الباطل وكثرة المبطلين؟ هل تشكل الدعوة إلى الله جزءًا من حياتك؟ وما نصيب أهلك وأبنائك وذوي رحمك وجيرانك وزملائك وعموم المسلمين منها؟ هل تُجدد في أساليب دعوتك، وهل تتحرى الحكمة في قولك وفعلك؟ ما مدى قيامك بواجبك الوظيفي، وعلى أي نحوٍ تؤدي الأمانةَ التي أؤتمنت عليها في أي موقع كنت؟ حاسب نفسك في نوع مطعمك ومشربك، وملبسك، وماذا تسمع وتبصر، وبم تنطق، وماذا تُضمر في فؤادك: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (١). راجع نفسك في أداءِ الفرائض، وكم قدرُ الاحتياطي عندك في السُّنن، فهن مكملات لنقص الفرائض، مسدداتٌ للخلل، رافعات للدرجات، مكفرات للسيئات، ما نصيبك من ذكر الله؟ وكيف صلتك بكتاب الله؟ وكيف أنت والنفقات الواجبة والمستحبة؟

стр. 1965

أيها المسلمون: هذه وأمثالها مراجعات يحسن بالمرء أن يراجع نفسه ويسألها عنها على الدوام ... وهي خليقةٌ بالمحاسبة مع انصراف عامٍ وبدء عامٍ، وإذا أخرجت لنفسك ميزانيةً في آخر العام عرفت قدر المكاسبِ فيها والخسران، وإذا علمت ذلك سددت وقاربت قدر الإمكان، وتلك الميزانية والمحاسبة، وربّي، أولى من غيرها في موازين الدنيا ومحاسباتها ... والغفلةُ تورث الهلكة ... وما أعظم الحسرةَ حين يرد الناسُ يوم القيامة بحسنات كالجبال، ويرد المفرِّطون الغافلون بالخيبة والخسران، يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون. عباد الله: نهايةُ عام وبدءُ عام مذكِّرةٌ بسرعة الأيام وانقضاء الأعمار، فإذا كانت الساعةُ تشكل قدرًا في أجل الإنسان، فكيف مما يزيد على ثمانية آلاف وست مئة ساعة في السنة، والله يقول: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (١). يا عبدَ الله: وبين عامٍ مضى وعام يوافي عبرٌ توقظُ الضمير الغافي، وهل نسيت أنه حصل في العام المنصرم عللٌ وأسقام، وفتن وهموم، وفقرٌ وحروب، وأمواتٌ رحلت، ودماءٌ أزهقت، وأطفالٌ ونساءٌ تأيمت ... فإذا سلمك الله من هذا كله فاحمد الله واشكره، واعلم أن ما تخطاك لغيرك سيتخطى غيرك إليك، فكن مستعدًا للقاءِ ربك، مغتنمًا شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل مرضك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك، والكيِّسُ من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني.

стр. 1966

أيها المسلم: ومما يفيدك في المحاسبة - بشكل عام - أن تنظر في أمور دينك إلى من فوقك فذلك أدعى لرفع همتك، وتنظر في أمور دنياك إلى من هو دونك حتى لا تزدري نعمة الله عليك. إخوة الإسلام: نهاية العام فرصةٌ للتأمل في المتغيرات التي تحصل في المجتمعات فما موقع المسلمين في خارطة العالم، وما نوع القوى التي تحظى بالنفوذ والسيطرة؟ إلى أين يسير الشباب؟ وماذا يراد للمرأة المسلمة؟ وماذا تصنع القنوات، وكم هي ضحايا الخمور والمخدرات؟ وكيف السبيل لتصحيح المسار، والوقايةُ خير من العلاج. ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (١)، ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦) وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ (٢). عباد الله: وهذا اليوم - الذي نحن فيه - هو اليوم الموفي للعام المنصرم، أو هو أولُ أيام العام الجديد، وإذ يوافق يوم الجمعة ومنه ساعة استجابة لا يوافقها عبدٌ مسلم يسأل الله شيئًا من أمور الدنيا والآخرة إلا أعطاه الله إياه، فإنني أذكر نفسي وإخواني بقيمة الدعاء فيه، ولا سيما في آخر ساعة منه. اللهم احفظ علينا أمننا وإيماننا، واجمع كلمتنا على الحق والهدى، واغفر لنا ما سلف من ذنوبٍ وأخطاء فيما مضى من عامنا واجعل عامنا الجديد عام خير وبركة ونصرٍ للإسلام والمسلمين، اللهم أعنّا فيه على عمل الصالحات وجنِّبنا الموبقات والمهلكات.

стр. 1967

من أنصار المرأة ؟ (١) الخطبة الأولى: إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده. إخوة الإسلام: المسلم الحقُّ هو الذي يقبل أحكامَ الإسلام كلَّها، في حال يُسره وعُسره، ومنشطهِ ومكرهه، ولا يجعل لنفسه خيرةً فيما اختار الله، ولا يرتاب في صلاحية شرع الله لكل زمان ومكان، امتثالًا لقوله سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (٢). واستجابة لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٣). وعملًا وأدبًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ (٤). وليس من الإيمان في شيء التحاكمُ إلى غير شرع الله، بل من شروط الإيمان وصحته، التحاكمُ، والرضى، والتسليمُ، وعدمُ الحرج بحكم الله وشرعه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٥).

стр. 1968

إن دعوى الإيمان مع إرادة التحاكم إلى قوانين البشر وطواغيتهم، زعمٌ حَكَمَ القرآن ببطلانه، وفضح أصحابه، وحكم عليهم بالضلال، ومتابعة الشيطان بقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (١). بل تلك سمةٌ من سمات المنافقين، إذ جاء بعدها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ (٢). إنهما حكمان متباينان لا ثالث لهما: إما حُكمُ الله، أو حكم الجاهلية: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (٣). أيها المسلمون: وتعالوا بنا لنطبق هذه القواعد الكُليَّة على قضايا المرأة المطروحة هذه الأيام - حتى لا نُخدع بأن الخلاف في قضايا فقهية، أو ندع غيرنا ليحدد لنا ميدان المعركة، فإن كان الزاعمون لتحرير المرأة مؤمنين حقًا بأحكام الإسلام وتشريعات القرآن، وهدي محمد ﷺ فحسبُهم أن يُذكروا بالنصوص الآمرة والناهية والهادية للمرأة، وهي مبثوثة في كتاب الله، وفي سورتي «النور» و «الأحزاب» على الخصوص شيء عظيم، أما «سورةُ النساء» فحسبُ المرأة شرفًا - في الإسلام - أن تُسمى سورةٌ باسمهن، بل أكثر من سورة، هذا فضلًا عما في سورتي «النساء» و «مريم» من آداب وأحكامٍ تعجز النظمُ البشرية - على امتداد تاريخها - أن تبلغ شأوها .. وفي النبوة عدلٌ ووفاء، وبرٌّ ورحمة، ودعوةٌ للرفق بالنساء والوصية بهن

стр. 1969

خيرًا، وعدم كسرهن وحسن العشرة لهن وإن كان بهن عوج، فإن كره منها خُلقًا رضي منها آخر ... وإن لم يرض أدعياءُ تحرير المرأة بهذا فالخلاف معهم في المنطلقات والأصول ينبغي أن يتفق عليها قبل بدء الحوار في الأمور الأخرى. عباد الله: وهنا يُطرح سؤال مهم: من هم أنصارُ المرأةِ حقًا؟ أهم أولئك الذين يريدون أن يرتبط تاريخها بآسية المؤمنة التي خلّد القرآن ذكرها، ورفضت ظلم فرعونَ وعدوانَه، وعلت همتُها عن متاع الدنيا وزينتها واتصلت بالملأ الأعلى، وكانت الجنةُ غايتها؟ ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها، وبارك اللهُ في نسلها وكفاها فخرًا أن ينسب إليها نبيُّ الله عيسى ابنُ مريم. أم أولئك النفر الذين يريدون أن ينتهي ارتباطُ المسلمة بالنساء الكاسيات العاريات - تجدهن في المراقص ودور السينما، وبهن تروج أسواقُ البغاء وتنتشر فاحشةُ الزنا ... وينتهي بهن المطافُ إلى المصحات النفسية، ولهن تقامُ عيادات الإجهاض، فلا يكتفين بقتل حيائهن، بل يساهمن مساهمةً كبرى في إهلاك الحرثِ والنسلِ. من أنصارُ المرأة حقًا؟ أهم أولئك الذين يريدون المرأة درةً مكنونةً وجوهرةً مصونة، ناعمة اليدين، يزيدها الخمارُ جمالًا وهيبة، وتقيها جدرانُ بيتها من السموم والرياح الحارة أو الباردة، وتأمن بعدم اختلاطها من سُعار الذئاب الجائعة؟ أم أنصارها أولئك الذين يريدون لها اللهاث وراء السراب الخادع، يتصبب عرقُها من جبينها في المصنع، وتتورم يداها، ويتناثر شعرُها وتخلق ثيابها في الورشة والمعمل، تؤمر وتنهى، بل يباع عرضها ويُشترى حياؤها، وربما هُددت بالفصل أو نقصِ المرتب إذا لم تستجبْ لمطالب الطامعين فيها؟ إن أنصار المرأة حقًا هم الذين يكشفون لها خلاصة تجربة المرأة الغربية -

стр. 1970

حين خرجت - ببؤسها وتعاستها، وتعالت صيحات العقلاء محذرين من مجاراتها لا أولئك المنهزمين فكريًا، ويريدون للمرأة المسلمة أن تدخل النفق المظلم وتلج جُحْرَ الضبِّ الخرب؟ إنه لا يغيب عن ذهن المرأة المسلمة الواعية أننا في زمن (عودة الحجاب) على أثر حصاد تجربة مُرّةٍ تورطت بها بعضُ نساءِ المسلمين حين خرجت واختلطت فعادت تحذر بنات جنسها وتدعو للزوم الحجاب، وثمة نموذجٌ آخر يشهد على وعي المرأة واعتزازها بحجابها، تدور أحداثه طريةً في تركيا المسلمةِ أصلًا ... والعلمانية حديثًا، وصاحبته المرأة المحجبة مروة قاوقجي، تلك التي أصرت على لزوم الحجاب، وفرضهِ على أكبر مؤسسات الدولة، رغم العلمنة والتغريب، وسيطرة العسكر ونفوذ الغرب وبكل حال فستبقى هذه الأفكارُ المطروحةُ وثائق تكشف عن التوجهات الفكرية، وتحصي أصحاب الثقافة المستوردة، وستحتفظ ذاكرة التاريخ، ويشهد الجيلُ على أولئك الذين أرادوا بمجتمعهم السوء والشرور وإن زعموا الإصلاح، والتحرير، فتلك شنشناتٌ سُبقوا إليها واكتشف الناسُ فيما بعدُ زيفها. ولعل من أبرز النماذج على ذلك الفكرُ الذي طرحه قاسم أمين حول (تحرير المرأة) فقد اكتشف الجيلُ اللاحق له ما في فكره من فساد وانحراف وفتن أكثر مما اكتشفه الجيلُ المعاصر له. وهكذا تتكشف الحقيقة وإن طُليت بطلاء خادع فترة من الزمن. اللهم اهد ضالّ المسلمين، وثبت هداتهم على الحقّ يا رب العالمين. ترى أيفيق الناسُ من رقدتهم، وينادي بعضنا ببدء السباتِ من جديد، أيتحرر المسلمون من ربقة الاستعمار والتبعية والتقليد، ويُصر بعضُ المخدوعين عندنا على استمراء العبودية، والفرق كبيرٌ بين الحرية والعبودية، كما الفرقُ بين لباس التقوى الأصيل، ولبوس العارية المصطنع؟ وهنا وفي مجال الانهزامية التي

стр. 1971

يعيشها البعض، أنقل كلامًا جميلًا للدكتور فهد آل إبراهيم في مقال له بعنوان: (شقائق الرجال) ونشر بجريدة الجزيرة في ٢٥/ ١/ ١٤٢٠ هـ، مما جاء فيه قوله: أما أهزوجة ما يسمى بتحرير المرأة التي يترنم بها البعض، فهم إما جاهلون بحقيقة ما تعانيه المرأة في المجتمعات الأخرى، أو منهزمون نفسيًا ومتأثرون بالثقافة الغربية، ويرون تطبيقها بصرف النظر عن سلبياتها، وهم يرون في زيف الحضارة الغربية أنموذجًا يُحتذى بعد أن فتنتهم بريقُ العيون الزرقاء .. فحجب عنهم رؤية القذارةِ النابعة من واقع هذا الانحلال الخُلقي. واللافتُ للنظر عند هؤلاء ربطهم غيرُ المنطقي بين دورِ المرأةِ ووظيفتها في المجتمع وبين (أضحوكة) قيادتها للسيارة، وكأن الدور المطلوب منها في خدمة دينها ووطنها امتهانُ وظيفة (سائق)؟ ! انتهى. أيها المسلمون والمسلمات: إن أنصار المرأة حقًا هم أولئك الذين يطالبون باستيفاء حقّ المرأة في العلاج، وحقها في التعليم وصياغة مناهجه، وفق طبيعتها واحتياجاتها، وضمان حقها في أسلوب التعامل معها أو صيانة حقوقها المالية، أو تشغيلها في وظائف نسوية لا يزال الرجالُ يقومون بها، أو تقوم بها نساءٌ كافرات وافدات لا تُؤمن غوائلهن. أو نحو ذلك من أمور - سآتي على تفصيلها. وليس أنصارُ المرأة أولئك الذين تنتهي طموحاتهم وآمالهم عند حدود نزعها للحجاب وقيادة السيارة، والاختلاط بالرجال، وإشاعة الفاحشة، وتفريق المجتمع، وضياع الأمة وصدق الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١).

стр. 1972

الخطبة الثانية: الحمد لله ربِّ العالمين، أرسل رسوله بالهدى ودين الحقِّ ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الأمرُ أمرُه، والحكم إليه ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١)، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، حذّر أمته من الفتن وأخبر أن أخوف ما يخاف على أمته المنافق العليم اللسان. اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. إخوة الإيمان: إن أنصار المرأة حقًا هم الذين يطالبون باستيفاء المرأة حقَّها في العلاج، وذلك بتوفير مستشفيات ومراكز صحية أو عيادات بطاقم نسائي متكامل يتعامل مع المرأة في الإدارة، والتمريض والتطبيب والصيدلة وغيرها من إجراء العمليات القادرة عليها النساء، وذلك كلُّه مذهبٌ للحرج الذي تجده - أحيانًا - بعضُ النساء جراء معاملة الرجال لهن ... إنها دعوةٌ للمسئولين وللقادرين من رجالات الأعمال لتوفير هذا النوع من المستشفيات خدمةً للمرأة، وحفاظًا على حرمات الأمة. وأنصار المرأة حقًا هم الذين يطالبون بمزيد من العناية بتعليم المرأة، وذلك بصياغة مناهج تخص المرأة وتلبي مطالبها - التي فطرها اللهُ عليها - وتفي بحاجتها وتتفق ومع ما يُراد للمرأة مستقبلًا، إن إشراك الفتاةِ مع الفتى في مناهج معينةٍ لا تخدمها ولا تحتاج إليها، هدرٌ ينبغي أن يستعاض عنه بأمور تصلح للمرأة وتتفق مع مهمتها الأساسية في الحياة، ومن المناهج إلى المعلمين، فلماذا نحتاج إلى رجل يعلم المرأة عبر الشاشة، ولماذا نحتاج إلى إداريين

стр. 1973

تتعامل المرأة معهم، أليس بالإمكان توفيرُ طاقم نسائي يتعامل مع المرأة في كافة شؤونها التعليمية؟ وفي التعليم الجامعي يُطالب أنصارُ المرأة الخيرون ويقترحون إيجاد جامعةٍ للنساء تُصاغ مناهجُها بعناية ويُختار لمسؤولياتها من ذوات الخلق والدين والخبرة والكفاءة، وتحدد أقسامها وكلياتها حسب طبيعة المرأة وحاجاتها، وربما ينسجم مع وظيفتها في الحياة، وبهذه الجامعة يمكن استيعابُ عدد من النساء من جهة، ونقي المرأة من دعوات الاختلاط المحمومة من جهة أخرى. عباد الله: ومن حقها في التعليم والعلاج إلى حقوقها وواجباتها في الدعوة والحسبة والإرشاد، وقد سبقت الإشارة إلى إمكانية وجود عدد من النساء في الدعوة ليتفرغن لدعوة بنات جنسهن في المساجد، ومدارس البنات، ونحوها من تجمعات النساء. وكذا الأمر في الحسبة، وذلك بتخصيص وظائف في الهيئات لإيجاد فرع نسائي تكون مهمتهُن وعظ النساء والإنكار عليهن، وحضَّهُنَّ على المعروف، ومحاورتَهن بالحسنى. وكذا الأمرُ بالنسبة لتعليم البنات لإيجاد مرشدات للطالبات تكون مهمتهُن مراقبة سلوكيات الطالبات، ودعوتهن للخلق القويم، وتحذيرهن من أسباب الانحراف وموجات التبعية والتقليد. إخوة الإسلام: وأنصارُ المرأةِ حقًا هم الذين يطالبون برفع أيِّ ظلمٍ أو هضم يقع على المرأة في حقوقها المعنوية أو الحسية، فلا يرضون بإهانتها أو احتقارها، أو ضربها بغير حقٍّ انطلاقًا من قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (١)، وتأسيًا بهدي محمد ﷺ إذ يقول: «خيرُكم خيركم لأهله وأنا

стр. 1974

خيركم لأهلي»، وهم الذين يقفون في وجه الجهلة المنتقصين لحقوقها المالية في الإرث أو العطاء ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (١) «والنساء شقائق الرجال»، وبالجملة: فلا يُهضم لها حقٌّ ولا تساوي بالرجل في كل شيء، والله أحكمُ الحاكمين، وفي شريعته عدلٌ ورحمة للرجل والمرأة، ومن قال إنه سيعطي المرأة أكثر مما أعطاها خالقها فقد ظلم نفسه وأساء الأدب مع ربِّه، وما أولئك بالمؤمنين. أيها المسلمون: وأنصارُ المرأة الوهميون على كثرة مطالبهم للمرأة لم يعنوا كثيرًا بهذه الأمور، ولا بالوظائف النسوية التي لا يزال يشغلها رجال أو نساء أجنبيات - لا سيما الكافرات منهن - وقد أجادت د. رقية المحارب حين أحصت ما يقرب من أربعة آلاف مشغل نسائي في الرياض وحدها، وكلُّها أو معظمها تُدار بعمالة وافدة، فأين المطالبة بتوظيف النساء فيها؟ أم المقصود بهذه الدعوات المحمومة أن يأتي اليومُ الذي تكون فيه المرأة السعوديةُ المسلمة بائعة شاورما، أو نادلةً في مقهى إلى منتصف الليل، أو أن ترفع عن ساقيها لتتدحرج الكرة هنا وهناك، كما تقول الكاتبة (هياء المنيع) والتي أحسنت فهم أهداف اللعبة لإفساد المرأة حين قالت: «إن كثرة الفزع على موضوع عمل المرأةِ يكشف عن قلوبٍ تتسللُ لواذًا لدمار هذا المجتمع المحافظ .. ». إخوة الإسلام: وبهذا يتبينُ الفرقُ بين أنصار المرأة الحقيقيين وأنصارها الوهميين، وإننا على ثقة أن المرأة في بلاد الحرمين لديها من الحصافة والوعي والثقة بدينها ما تميز به بين الضار والنافع، والأنصار والخصوم، لكنها الذكرى

стр. 1975

والذكرى تنفع المؤمنين، كيف لا، ونحن في زمن صحوة شملت النساء إلى الرجال، وفي زمن حرب العقائد والأفكار، والمرأةُ كالرجل تدرِكُ أنه لا مكان لمعدوم الهوية الدينية أو مهزوز الثقة بالمبدأ الذي ينتمي إليه، ومن المؤلم حقًا أن يتشبث أصحابُ الأديان والنِّحَلِ الفاسدة بمبادئهم ولو كانت باطلة، ويوجد في المسلمين من تهتز ثقته بدينه ومبادئه، وهي الحقُّ ليس غيره، وصدق الله: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ (١).

стр. 1976

الغفلة إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، اللهم صلِّ وسلم عليه، وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارضَ اللهم عن أصحابه أجمعين، والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١) إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ (٢). أيها المسلمون: كثيرةٌ هي أدواؤنا التي تحتاج إلى الدواء الناجع لعلاجها، ولكن ثمة داءٌ يهيمن على كثير من هذه الأدواء، وربما كان السببَ الأكبر لها ... وهذا الداءُ المهيمن تتعدد مظاهرُه، وتتسع دائرتُه لتشمل الشيوخ والشباب، والنساء والرجال، وأهل العلم والدعوة، وأصحاب المال والسلطان .. ولا تسأل عن غفلة ما سوى هؤلاء؟ وإن كانت الغفلةُ نِسبًا، والناسُ فيها بين مُقلٍّ ومستكثر. إن أعظمَ قضية يجب أن تشغلَ بالَ كل واحدٍ منا - معاشر المسلمين - هي

стр. 1977

قضيةُ وجوده، والغايةُ من حياته، ومستقبله الحق، وشقاؤه وسعادته، ومن فضل اللهِ على عباده أن هذه وتلك لا تشترى بالدرهم ولا الدينار، ولكنها تُنال بالهمم والجدِّ في عمل الصالحات، والسير إلى الله، والموفَّقُ من أيقن واستيقظ لحقائق القرآن، وسائل نفسك: لأي شيء خلق اللهُ الموت والحياة، والجوابُ حاضرٌ في قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (١)، بل ولأي شيء خُلقتَ أنتَ؟ ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٢). ويتحاشى الناسُ، كلُّ الناس الخسارة والفشل في الحياة الدنيا، ولكن القلةَ منهم من يتأمل في الخُسران والفشل الأخروي: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ (٣). أيها المسلمون: إن الغفلةَ عن قيمة الحياة، وهدف الوجودِ سببٌ للضياع والقلق في هذه الحياة، والنهايةُ مؤلمةٌ حين الورود على الله، وها هي الصورةُ تُقرَّب لك، والمشهدُ يُعرض عليك صباح مساء، فهل أنت مدَّكِرٌ: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠) وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ (٤). أي عبدَ الله؛ أيَّ خيرٍ ترتجي، وأيَّ نهايةٍ تنتظر إذا كنت من الغافلين الذين لا يرجون لقاءَ الله، ورضيت بالحياة الدنيا واطمأننت إليها ... تأمل مليًّا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٥).

стр. 1978

يا ابن آدم: حسبك بالقرآن واعظًا: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١) مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ (١). إنها آياتٌ تهز الغافلين هزًّا، فالحساب يقترب وهم في غفلة، والآيات تعرض وهم معرضون عن الهدى، والموقفُ جِدٌّ وهم لا يشعرون بالموقفِ وخطورته، وكلما سمعوا الحقَّ قابلوه باللهو والاستهتار، واستمعوه وهم هازلون. إن النفوس حين تستحوذُ عليها الغفلةُ لا تصلح للنهوض بعبءٍ، ولا للقيامِ بواجب، تغدو الحياةُ فيها عاطلةً هينةً رخيصةً، وحين يهون المرءُ في نظر نفسه يهون على الآخرين، وحين ينسى العبدُ ربَّه، ينساه الله وتحيق به الخسارة في الدارين. أيها المسلمُ والمسلمة: لقد مُيزتم بحواسٍ ومدارك تَفضْلون بها غيرَكم، وتدركون بها ما يضركم وما ينفعكم، وحين تُعطَّلُ هذه الحواسُّ، وتُحيط الغفلةُ بالناس ينحدرون إلى درك الأنعام، بل هم أضلُّ: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (٢). عباد الله: إن من مظاهر الغفلة في حياتنا الانفتان بالدنيا والتخوف والتحوط لها، في مقابل الإعراض عن الآخرة وعدم التفكير بجدٍّ في نعيمها أو جحيمها، ومن مظاهر الغفلة الغضب للدرهم والدينار، وضعف الغيرة لدين الله. ومن مظاهر الغفلة في حياتنا الضعفُ في أداء الواجبات والزهدُ في عمل المستحبات، والتسامحُ في مقارفة السيئات، وهتك أستار المحرمات. ومن

стр. 1979

مظاهر الغفلة تعلّقُ نفوسنا بتوافه الأمور، وعجزُها عن التعلق بالمعالي، وكسلُها عن جلائل الأعمال الصالحة. نغفل عن الموتِ وسكرتهِ، وعن الحسابِ وشدتهِ، نغفل عن ذوات أنفسنا وما يصلحها أو يفسدها، وآن لنا أن نستيقظ لمخططات أعدائنا وما يريدونه لنا، وأنى لنا أن نكشف النفاق وتميّز المنافقين وتلك حالُنا. أيها المؤمنون: وكثيرةٌ هي الأسباب الجالبةُ للغفلة، فأنفسُنا الأمَّارة بالسوء تدعونا للغفلة، وشياطين الجن يقعدون لنا بكلّ طريق من طرق الخير، وإبليسُ يعدنا ويَمُنَنِّينا ويخوِّفنا تارة، ويزيِّن لنا أخرى، ويأتينا من بين أيدينا، ومن خلفنا، وعن أيماننا وعن شمائلنا، ولكنَّ الله لم يجعل له سلطانًا من فوقنا، وجعل الباب بيننا وبينه مفتوحًا، فمن استعاذ به أعاذه، ومن لاذ بحماه أجاره، ومن استعان به أعانه: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ (١)، ويتلمس شياطينُ الإنس المراصد والوسائل التي بها يصدوننا عن ديننا، وتستحكم الغفلةُ في قلوبنا، ومن أبرز وسائلهم الفنُّ الرخيص، والرياضَةُ الفاتنة، وكم نسي المسلمون قضاياهم الكبرى بسبب هذه الوسائل الملهية الفاتنة؟ وكم غفلوا عن مخططات أعدائهم في سبيل الترويح عن أنفسهم - كما يقولون -. أيها الناس: وأورثت الغفلةُ طول الأمل، فقست القلوب، وقلّ أثر المواعظ في النفوس، وكثرة الفسوقُ والفجور، ودونكم هذا التشخيص لهذا المرض فاعقلوه، يقول ابنُ قدامة يرحمه الله: واعلم أن السببَ في طول الأمل شيئان: أحدُهما: حبُّ الدنيا، والثاني: الجهل. أما حبُّ الدنيا فإن الإنسان إذا أنس بها

стр. 1980

وبشهواتها ولذاتها ثقل على قلبهِ مفارقتُها، فامتنع قلبُه من الفكرِ في الموت الذي هو سببُ مفارقتها، وكل من كره شيئًا دفعه عن نفسه، والإنسان مشغولٌ بالأماني الباطلة، فيمنِّي نفسه أبدًا بما يوافق مراده من البقاء في الدنيا، وما يحتاج إليه من مال وأهل ومسكن، فيلهو بذلك عن الموت ولا يقدر قربه، فإذا خطر له الموتُ في بعض الأحوال، والحاجةُ للاستعداد له سوّف بذلك ووعد نفسه، وقال: الأيامُ بين يديك إلى أن تكبر ثم تتوب، وإذا كبر قال: إلى أن تصير شيخًا، وإن صار شيخًا قال: إلى أن يفرغ من بناء هذه الدار، وعمارة هذه الضيعة أو يرجع من هذه السفرة، فلا يزال يسوّف ويؤخر إلى أن تتخطفه المنيةُ في وقت لا يحتسبه، فتطول عند ذلك حسرته. السبب الثاني: الجهل، وهو أن الإنسان يعوّل على شبابه ويستبعد قربَ الموت مع الشباب، ولو تفكَّر المسكين أن مشايخ بلده لو عُدُّوا لما كانوا عشرة؟ لأدرك أنهم إنما قَلُّوا؛ لأن الموت في الشباب أكثرُ، وإلى أن يموت شيخٌ قد يموت ألفُ صبي، وقد يغترُّ بصحته ولا يدري أن الموت يأتي فجأة، ولو تفكر أن الموت ليس له وقت مخصوص ولا يبعده الشباب أو تدفعه الصحة واكتمالُ القوى لَعظُمَ ذلك عنده واستعد للموت وما بعده (١). أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ (٢).

стр. 1981

الخطبة الثانية: الحمد لله شرح صدور المؤمنين لطاعته وذكره، وتوعد القاسيةَ قلوبهم بالويل والضلال المبين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له بذكره تطمئن القلوب، والمستهترون بآياته حقُّهم الرانُ على القلوب ... ومصيرُهم الجحيم، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، أمره ربُّه بذكره تضرعًا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال، وألا يكون من الغافلين، وامتثل أمر ربِّه، وكان قدوة الذاكرين وموقظًا للغافلين، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى إخوانه المرسلين. عباد الله: وفي حياتنا اليومية ضروب وأشكالٌ من الغفلة، ومنا من يصبح معه الشيطان ويمسي، وعند الطعام والشراب والكساء، وخيرُنا من لا يجد الشيطانُ عليه سبيلًا. وجماع ذلك وأسبابه الذكرُ أو الغفلة، قال ﵊: «إذا دخل الرجلُ بيتَهُ فذكر اللهَ تعالى عند دخوله وعند طعامه، قال الشيطانُ لأصحابه: لا مبيتَ لكم ولا عشاءَ، وإذا دخل فلم يذكر اللهَ تعالى عند دخوله قال الشيطان: أدركتم المبيتَ والعشاءَ» (١). لقد كان رسولُ الله ﷺ مستحضرًا لذكرِ الله آناء الليل وأطراف النهار، مُذكرًا بأهوال يوم القيامة، عن أُبي بن كعبٍ ﵁ قال: كان رسولُ الله ﷺ إذا ذهب ثلثُ الليل قام فقال: «يا أيها الناس اذكروا اللهَ، جاءت الراجفةُ، تتبعها الرادفةُ، جاء الموتُ بما فيه، جاء الموت بما فيه» (٢). أيها الناس: لا بد لمن يريد علاج ضعف إيمانه من الإكثار من ذكر الله وعدم الغفلة، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ (٣).

стр. 1982

قال العارفون: وفي القلب قسوةٌ لا يذيبها إلا ذكرُ الله تعالى. وقال رجل للحسن: يا أبا سعيد أشكو إليك قسوة قلبي؟ قال: أدبه بالذكر. وإذا كان الذكرُ شفاءَ القلب ودواءَه، فالغفلةُ داؤه وشقاؤه (١). وهناك صنفٌ من الناس بلغت الغفلة بهم حدَّ قول القائل: فنسيانُ ذكرِ الله موتُ قلوبهم وأجسامُهم قبل القبور قبورُ وأرواحُهم في وحشةٍ من جسومِهم وليس لهم حتّى النشورِ نشورُ أيها المسلمون: وإذا كان الذكرُ علاجًا للغفلة، فقراءة كتاب الله وتدبُّر آياته ووعده ووعيده، والاتعاظُ بقصصه كفيل بيقظة الإنسان وتذكُّره، قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ (٢). ومن وسائل علاجِ الغفلة مصاحبةُ الأخيار، وحضورُ مجالس الذكر، وملازمة العلماء، فذلك - وإن احتاج إلى صبرٍ ومجاهدة - فعاقبته حميدة، ومعالجته للغفلة ظاهرة، قال تعالى - وهو أصدق القائلين: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ (٣). ومما يعين على علاج الغفلةِ زيارة المقابر، قال ﵊: «كنتُ نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها، فإنها تذكِّرُكم الموتَ .. » حديث صحيح (٤) وتشييعُ الجنائزِ، وتذكرُ ساعةِ الاحتضار ... كل ذلك موقظٌ من الغفلة لمن في قلبه حياة، ويصف ابنُ الجوزي ساعة الاحتضار ويقول: «من أظرف الأشياء إفاقةُ المحتضر عند موته، فإنه ينتبه انتباهًا لا يوصف، ويقلق قلقًا لا يُحَدُّ،

стр. 1983

ويتلهف على زمانه الماضي، ويودُّ لو تُرك يتدارك ما فاته، ويصدق في توبته على مقدار يقينه بالموت، ويكاد يقتل نفسه قبل موتِها بالأسف، ولو وُجدت ذرةٌ من تلك الأحوال في أوان العافية حصل كلُّ مقصودٍ من العمل بالتقوى، فالعاقلُ من مثل تلك الساعةَ وعمل بمقتضى ذلك» (١)، وصح في الخبر أنه ﷺ قال: «عودوا المريضَ واتَّبعوا الجنازة تذكركم الآخرة» (٢)، وقال الأعمش: كنا نشهد الجنازة ولا ندري من المُعزى فيها لكثرة الباكين، وإنما كان بكاؤهم على أنفسهم لا على الميت»، وحين مرت بالحسن البصري جنازةٌ قال: يا لها من موعظةٍ ما أبلغها وأسرعَ نسيانها، يا لها من موعظة، لو وافقت من القلوب حياةً، ثم قال: يا غفلة شاملةً للقوم، كأنهم يرونها في النوم، ميّتُ غدٍ يدفن ميتَ اليوم (٣). ومن أنفع الأدوية لعلاج الغفلة: المداومة على محاسبة النفس، وحسبُ العاقل أن يقف في محاسبته لنفسه على قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ (٤). وصدق من قال: حاسِبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا. أيها الناس: اعملوا على مهل، وكونوا من الله على وجل، ولا تغتروا بالأمل ونسيان الأجل، وقفوا عند قول الحق: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ (٥)، كان مطرف بن عبد الله يقول: إن هذا

стр. 1984

الموت قد أفسد على أهل النعيم نعيمهم، فاطلبوا نعيمًا لا موت فيه (١). هل فكرت في نوع حياتك بعد الممات؟ والله يقول: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (٢).

стр. 1985

الزكاة، والعشر (١) الخطبة الأولى: الحمد لله أغنى وأقنى، يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له، وهو الحكيمُ العليم، وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له، خزائنه ملاء، وما كان عطاء ربك محظورًا، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، وأكرمُ الخلق على الله، ومع ذلك عاش حياة الكفاف، وربما ربط الحجر على بطنه من الجوع، زهدًا في الدنيا وطلبًا لنعيم الآخرة - اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارضَ اللهم عن أصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٢). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٣). أيها المسلمون: المالُ من زينة الحياة الدنيا، تُسرُّ له النفوس، تفرح إذا أعطيت، وتحزن إذا مُنعت، وليس العطاءُ دليل الرضا، ولا المنعُ علامةَ الغضب، ومن عباد الله من لا يصلح له إلا الغنى، ولو أفقره الله ما صلح له ذلك، ومن عباده من لا يصلح له إلا الفقر، ولو أغناه الله ما صلح له ذلك، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، وهو الحكيم الخبير. عبادَ الله: والمتأمِّلُ في نظام الإسلام الاقتصادي والاجتماعي يتبين له أنه أعدلُ نظام عرفته البشرية، فالأغنياء الموسرون في أموالهم حقٌ للسائل

стр. 1986

والمحروم، يؤجرون على البذل ويبارك لهم في المال مع الصدقة، ويجازون بالإحسان على الإحسان، يعطيهم اللهُ من رزقه ويطلب منهم القرض الحسن للمحتاجين من خلقه، تُضاعف لهم الأجور في الصدقات، ويحفظ اللهُ أموالهم من الكوارث والنكبات بإخراج الزكاة وإعطاء الصدقات. والفقراءُ يحتاجون فلا يجدون، ويصبرون فيؤجرون، تضنُّ عليهم الحياة، وتلاحقهم همومُ الديون وغلبته وقهر الرجال، فيشكون الحاجة إلى خالقهم وينزلونها به دون خلقه، فيجعل لهم بعد العسرِ يسرًا، ومن الهموم فرجًا، كم لهم من الأجر حين يصبرون على شظف العيش وكفاف الحياة ... وكم تصفو نفوس الزهاد في الدنيا حين لا يشغل بالهم الصفق بالأسواق، ومتابعة مؤشرات الأسهم ... بل يتفرغون لطاعة الله وذكره والتزود لآخرته. عباد الله: والزكواتُ والصدقاتُ، والعطايا، والهدايا والهبات ... كلُّها إنفاقٌ يؤجر عليه المسلمُ إذا كان خالصًا لوجه الله ... وتلك تخفف معاناة الفقر، وتذهب شحَّ النفوس، وتجعل في الحياة فرصًا للخير والودِّ، والرحمة، وكيف يكون شعورُ محتاجٍ ضائقٍ بالديون، أو عاجز عن النفقة الواجبة أو شابٍ رغب العفاف بالزواج وأظلمت الدنيا في وجهه، إذ لا يجد ما يغنيه إذا ما امتدت إليهم يدُ محسن فأعطاهم ما يغنيهم، وشاركهم في آلامهم، وسرَّى عنهم همومهم ... إنه شعورٌ يفيض بالمحبة والتقدير، ولن ينسى ذلك الفقيرُ المحتاجُ لهذا الغني المتصدق ما أنفقت يداه ... والأجر في الآخرة أعظم، ومن فرَّج عن مسلم كربةً من كرب الدنيا نفَّس الله بها عنه كربة من كُرَب يوم القيامة، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه. أيها المسلمون: وحين يكون الحديثُ عن الزكاة الواجبة يمكن لنا أن نقف حيالها الوقفات التالية:

стр. 1987

أولًا: تُعد الزكاة طُهرةً لمال الغني، وتزكيةً لنفسه، وهي تنفيسٌ للفقير وتسلية له، وسدٌّ لحاجتِه. ثانيًا: وفرض الزكاةِ مرةً في العام أعدلُ ما يكون، إذ لو جعلت كلَّ شهر أو كلَّ أسبوع لضرّ بأرباب المال، ولو جُعلت في العمرة مرة لضرَّ بالمساكين، وليس أعدل من حكم الله وجعلها في العام مرة (١). ثالثًا: ويلحق ضررٌ بالمساكين المحتاجين، إما من صاحب المال إذا منع ما يجب عليه، أو من الآخذ، إذا أخذ ما لا يستحق أخذه، وهكذا يتولد الضرر من بين هاتين الطائفتين على المساكين وأهل الحاجات الحقيقية، لا أصحاب الحيلِ والملحفين بالمسألة، والله أعلم بما يملكون. رابعًا: وكان من هديه ﷺ إذا علم من الرجل أنه من أهل الزكاة أعطاه، وإن سأله أحدٌ من أهلها ولم يعرف حاله أعطاه بعد أن يخبره أنه لا حظَّ فيها لغني ولا لقوي مكتسب (٢). خامسًا: والذين يُبعثون لأخذ الزكاة لا بد أن يتمثلوا العدل فيما يأخذون أو يدعون، وفي موقف عبد الله بن رواحة ﵁ نموذجٌ يُحتذى، وقد بعثه النبي ﷺ إلى يهود خيبر ليخرص لهم الثمار والزروع، فأراد اليهود أن يرشوه، فقال لهم عبدُ الله: تطعموني السُّحتَ؟ والله لقد جئتكم من عند أحبِّ الناس إليّ، ولأنتم أبغضُ إليّ من عدَّتكم من القردة والخنازير، ولا يحملني بُغضي لكم وحبي إياه، أن لا أعدل عليكم، فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض (٣). سادسًا: ولا بد من العدلِ مع النفس وتربيتها على إخراج الواجب من المال

стр. 1988

طيبةً راضية غير متأففة ولا مانّة ... ولا ملحقةٍ أذى بمن تُعطي .. وإذا هالك أخي الغني كثرةُ الزكاة من مالك ... فانظر في كثرة أصل مالك، واشكر الله على أن أعطاك الله الكثير وطلب منك القليل، واحمده على أن كنت يدًا تعطي لا تأخذ، وتذكر أنك مأجورٌ على العطاء ... مؤاخذٌ على الشح والبخل والمَنْع. سابعًا: وكان من هديه ﷺ الدعاءُ لمعطي الزكاة، فتارةً يقول له: اللهم بارك فيه وفي إبله، وتارة يقول: اللهم صلِّ عليه. وكل ذلك تشجيع على العطاء، ودعوةٌ للمنفقين بالحسنى، وكم يُسرُّ الغنيُّ والمعطي بدعوة الفقير له ... أو دعوة الآخذ من ماله ليوصلها إلى غيره من ذوي الحاجات. ثامنًا: ولا محاباة في الزكاة، ويخطئ من يحابي بها قريبًا، أو يبرّ بها صديقًا إلا أن يكون محتاجًا، ولا تجب عليه نفقته ... فالزكاة حقٌّ واجبٌ في المال لفئة محددة، تولّى الربُّ سبحانه قسمتها على الأصناف الثمانية في كتاب الله. قالَ ابن القيم: ويجمعهم صنفان من الناس: أحدهما: من يأخذ لحاجة وهم الفقراءُ، والمساكين، وفي الرقاب، وابن السبيل. والثاني: من يأخذ لمنفعة، وهم العاملون عليها، والمؤلفة قلوبهم، والغارمون لإصلاح ذات البين، والغزاةُ في سبيل الله، فإن لم يكن الآخذ محتاجًا، ولا فيه منفعة للمسلمين، فلا سهم له في الزكاة (١). تاسعًا: والويلُ شديدٌ لمانعي الزكاة، والعقوبة قد تُعجّل في الدنيا بحصول الكوارث أو مَحْقِ البركة ... ولو سَلِمَ من هذا فعذابُ الآخرة أشدُّ وأنكى، ومن

стр. 1989

يشك في وعد الله؟ ! وأي جسد يتحمل العذاب والله يقول: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (١). وفي «صحيح مسلم» عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ما من رجل لا يؤدِّي زكاةَ ماله إلا جُعل له يومَ القيامةِ صفائحُ من نارٍ، فيكوى بها جنبُه وجبهتهُ وظهرُه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يُقضى بين العباد، ثم يرى سبيلَه إما إلى الجنة، وإما إلى النار». عباد الله: ما قيمةُ المال إذا انتهى بصاحبه إلى هذه النهاية المؤسفة، ومهما تنعَّم المرءُ بالمال في الحياة الدنيا، فليس ذلك يقارن بالجحيم والشقاء في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة. هذا فضلًا عما تؤدي إليه الزكاةُ من بركة ونماء وتزكية وتطهير: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ (٢). وفي الحديث الذي رواه الحاكم وصحَّحه، وقال: على شرط الشيخين ولم يخرجاه - قال ﷺ : «إن اللهَ لم يفرضِ الزكاةَ إلا ليطيبَ بها ما بقي من أموالكم، وإنما فرض المواريث من أموال تبقى بعدكم» (٣). أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ (٤). نفعني الله وإياكم بهدي كتابه.

стр. 1990

الخطبة الثانية: الحمد لله تتوالى مننُه ورحماتُه على العباد ... وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كلَّ يوم هو في شأن، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، اجتهد في طاعة ربِّه وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ليكون عبدًا شكورًا ... اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. عباد الله: وما أسرع الزمان ... وبالأمس كنا نترقب هلال رمضان ... واليوم نترقب دخول العشر الأواخر من الشهر. عباد الله: ولا زال منادي الرحمن ينادي: أن هلموا إلى جنةٍ عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين. أيها المسلمون: والليالي القادمة غرةٌ في جبين الدهر في فضلها، جاء في القرآن: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (١). وليلة القدر أمر المسلمون بتحريها في العشر الأواخر من رمضان ... ألا وإن من الغبن أن يفرط المرءُ في ليال عشر يضمن فيها ليلة القدر. لقد كان رسولُ الهدى ﷺ يجتهد في هذه العشر ما لا يجتهده في سواها، وأم المؤمنين عائشة ﵂ تحكي لنا اجتهاده وتقول - كما في الحديث المتفق على صحته -: «كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشرَ شدَّ مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله» وفي رواية: «أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجدّ، وشدَّ المئزر».

стр. 1991

واستنبط العلماءُ من سننه ﷺ في العشر - ألوانًا من العبادة والاجتهاد .. ومن ذلك: - إحياءُ الليلِ أو غالبِه بالتهجد. - إيقاظ الأهل للصلاة في ليالي هذه العشر. - وكانوا يستحبون في هذه الليالي المباركة - ولا سيما التي تُرجى فيها ليلةُ القدر - كانوا يستحبون التزين والتنظف والطيب، ولبس أحسن الثياب كما يُشرع ذلك في الجمع والأعياد، قال ابنُ جرير ﵀: كانوا يستحبون أن يغتسلوا كلَّ ليلةٍ من ليالي العشر الأواخر. وكان بعضُهم يلبس ثوبين جديدين ويستجمر. ومما يشرع في هذه الليالي: الاعتكاف، وفي «الصحيحين» عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ كان يعتكفُ العشرَ الأواخر من رمضان حتى توفاه الله. وفي رواية للبخاري عن أبي هريرة ﵁: كان ﷺ يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العامُ الذي قُبض فيه اعتكف عشرين. كم في الاعتكاف من خلوةٍ مع الله، وانقطاع عن مشاغلِ الدنيا وصوارف الحياة؟ وما أحوج النفوس في مثل هذا الزمان إلى سويعات يخلو فيها العبدُ بخالقه، ويُجرد نفسه من أطماع الدنيا وفتنة المال والأهل والولد، وفي معتكفه يمارس أنواع الطاعات من صلاةٍ، وذكرٍ، وتلاوةٍ، وتفكرٍ، ويتطلع إلى الجنانِ وحورِها وأنهارها، ويستعيذ بربه خاشعًا خائفًا من النار وسلاسلها وزقومها .. أما الاجتماعُ في المعتكف والسمرُ على أحاديث الدنيا، وجعلُه فرصةً للخلوة ببعض الأصحاب وتجاذب أطراف الحديث معهم - بعيدًا عن الذكرِ والتلاوة والصلاة فما هذا بالاعتكاف المشروع، بل اعتكافُ النبي ﷺ لونٌ، وهذا لونٌ آخرٍ.

стр. 1992

عباد الله: تتوفر فرصُ الاعتكاف في هذا الزمان - فالبيوتُ قريبةٌ من المساجد، وعددٌ من البيوت فيها من الولدِ من يقوم بشؤون أهله فترة اعتكاف الأب ... أو يكون الولدُ مكفيًا عن شؤون أهله بأبيه أو إخوانه الآخرين، والبعضُ ليس لديه من مشاغلِ الدنيا ما يمنعه - شرعًا - من الاعتكاف ... ومع ذلك يقلُّ العملُ بهذه السُّنة النبوية، ويرحم الله الزهري إذ قال في زمانه: عجبًا للمسلمين، تركوا الاعتكاف مع أنَّ النبي ﷺ ما تركه منذ قدم المدينة حتى قبضه الله، ولربما تهيب البعض في البداية ... ولو أقدم لوجد السهولة والسعادة، ومن يتق الله يجعل له مخرجًا. ويبدأ المعتكفُ من بعد غروبِ شمسِ اليوم العشرين، أو من فجر الواحد والعشرين، وينتهي بعد غروب شمس ليلة العيد. أيها المسلمون ... والدعاءُ مشروعٌ في كل حين ... ولكنه في هذه الأيام والليالي أبلغُ وأسمع، سواءٌ كان المسلمُ معتكفًا أو غير معتكف، ولا سيما في الليالي التي يُتحرى فيها ليلة القدر، قال سفيان الثوري ﵀: الدعاءُ في تلك الليلة أحبُّ إليَّ من الصلاة، ومرادُه أن كثرة الدعاءِ أفضل من الصلاةِ التي لا يكثر فيها الدعاء، وإن قرأ ودعا كان حسنًا. وليس يخفى أن فضل الله واسع، وهو جوادٌ كريم، وحريٌّ بالمسلم أن يسأل من خيريِّ الدنيا والآخرة، له ولأقاربه ولعموم المسلمين. ومما ورد النصُّ عليه في هذه الليالي: «اللهم إنك عفوٌّ تحب العفو فاعفُ عني»، وهنا لطيفةٌ نبّه إليها بعض العلماء في حكمة سؤال العفو بعد الاجتهاد في الأعمال، قالوا: لأن العارفين يجتهدون في الأعمال ثم لا يرون لأنفسهم عملًا صالحًا، ولا حالًا ولا مقالًا، فيرجعون إلى سؤال العفوِ كحال المُذنب المقصر (١).

стр. 1993

إخوة الإيمان: والأعمالُ الصالحةُ عمومًا - وفي هذه العشر خصوصًا - أكثرُ من أن تحصر ... إنها لرحمةٌ من رحماتِ الله وفضله على هذه الأمة، إذ هيّأ لها مثلَ هذه الفرص ... التي يباركُ الله فيها لهم بالأعمال والأعمار .. وحين قصُرت أعمارُ هذه الأمة عن الأمم السابقة عوضها الله بمثل ليلة القدر التي يعدل العملُ فيها، بل هو خيرٌ من عمل ثلاث وثمانين سنة، فلا تحرمْ نفسك يا أخا الإسلام هذه الفرصة - ولا يقعدْ بك الكسلُ أو تستجبْ لنزعات الشيطان، بل قم مع القائمين، وشارك المسلمين في دعواتهم وخشوعهم، وأسأل ربَّك القبول فلا تدري أتشهدها في عام قابل أم تكون في عداد الموتى؟ اللهم لا تحرمنا فضلك، وأعِنَّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك، وتقبل منا ومن إخواننا المسلمين.

стр. 1994

زيارات واستقبالات رمضان (١) الخطبة الأولى: الحمد لله رَبّ العالمين، يُقلبا الليل والنهار، إن في ذلك لعبرةً لأولي الأبصار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، بتقديره تنصرم الشهورُ والأعوام، وتفنى الأممُ وتعقبها أممٌ وأجيال، وهو وحده الحي القيوم، كل شيء هالك إلا وجهه. وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله ... كان عمره قصيرًا، ولكن حياته كانت مليئةً بالجهاد والدعوة والعلم والعمل، والبرِّ والإحسان، وكريم الخصال والأخلاق، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارضَ اللهم عن الصحابة أجمعين والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (٣). أيها المسلمُ والمسلمة: ما نوعُ تفكيرك في الآخرة، وما مقدارُ جديتك في السعي لها، وهل تستثمر الفرص وتفرح بالمناسبات التي تصلك بفضل الله ورحمته، وتُشرع فيها أبواب الجنة وتغلق أبواب النار ... قد تكون الإجابةُ بالإيجاب ... ولكن السلوك العملي هو الذي يحدد الدقة في الإجابة، ويحكم بصدق المتحدث أو كذبه.

стр. 1995

قف مع نفسك وقفةً صادقة، وتأمل في الدنيا وقصرها، وما في الآخرة من نعيم أو جحيم يطول أمدُه، ويشتد الفرحُ أو الحزنُ له ... ودعك من غرور الأماني، وتمثل موقفَ إبراهيم التميمي ﵀، قال سفيانُ بنُ عيينة ﵀ قال إبراهيم التيمي: «مثَّلتُ نفسي في الجنة، آكلُ من ثمارها وأشربُ من أنهارها وأعانق أبكارَها، ثم مثَّلتُ نفسي في النار، آكلُ من زقومها، وأشرب من صديدها، وأعالجُ سلاسلها وأغلالها، فقلتُ لنفسي: أيَّ شيء تريدين؟ قالت: أريد أن أُرَدَّ إلى الدنيا، فأعمل صالحًا، قال: قلتُ: فأنت في الأمنية فاعملي» (١). يا عبدَ الله: وحين يقتربُ شهرُ الصيام، ويتنافس الصالحون في الطاعات والقربات أدعوك - لتحفيز همتك للخير - إلى زيارات ثلاث، وما لم تستطع زيارتَه ببدنك فزره على الأقل بخيالك ومشاعرك. - أما الموقعُ الأول: فهو المقابر، حيث القبور والموتى والرهبة والخشوع ... وحين تُسلِّم عليهم وتدعو لهم - سلهم قائلًا: ها نحن في أواخر شعبان، وننتظر شهر رمضان، فما أمانيكم لو عدتم إلى الدنيا هذه الأيام؟ ولا تنتظرْ منهم إجابة فإنك لا تُسمِعُ الموتى وما أنت بمسمعٍ من في القبور؟ ولكنَّ أحدًا منهم لو استطاع الإجابة لقال: أمَّا نحن فقد انقطع أملُنا في الرجوع إلى الدنيا ... ونحن الآن مرتهنون بما سبق وإن عملنا، وبما خلفنا من ولدٍ صالح، أو علم ينتفع به، أو صدقة جاريةٍ لنا. ولكن، أنتم معاشر الأحياء، كم لله عليكم من فضل حين يبلغكم شهر الصيام والقيام فتصومون، وتقومون، وتتصدقون، وتذكرون، وتدعون، وتستغفرون،

стр. 1996

وتسبحون، إلى غير ذلك من قرباتٍ تُضاعف فيها الحسنات، وتزيد المضاعفة في شهر الصيام ... وقد وجدنا ما وعدنا ربُّنا حقًا، وودنا لو ازددنا فما وجدنا غير عمل الصالحات بقي لنا يؤنسُ وحشتنا، ويرفعُ درجاتنا، وكم يُغبن بعضُكم - معاشر الأحياء - حين لا يستثمر فُرص الطاعة، ولو عرف هؤلاء ما نحن فيه لاختلاف سعيهم وتحركت هممُهم. ثم قف أيها الزائر متأملًا في الحُفر والقبور، وما تخفيه من أسرار، وما بين أصحابها من تفاوت في المنازل وإن كانوا في القبور سواء، وتصور وكأنك لحقت بهم غدًا، فماذا سيكون حالُك بينهم ... ثم لا تخرج إلا وقد سألت لهم الغفران، وسلِّهم بدعاء المسلمين لهم، ولا سيما في شهر الصيام والقيام والدعاء ... وقبل أن تخرج عاهد نفسك على أن تختار لها أحسنَ المساكن بينهم، فلا مناص لك عن سكنى هذه الدار، وثمنُ تلك الدار ليس بالدرهم والدينار ... لكنه بعمل الصالحات ... واجعل من رمضان فرصة لإحكام البناء، وتوسيع المسكن، وحبور الدار، واختم ذلك بالدعاء الصادق: اللهم بلِّغني رمضان وأعنِّي على الصيام والقيام. أيها المسلم والمسلمة: أما الموقع الثني الذي أدعوكم لزيارته، فالمستشفيات العامة حيث يرقد على أسرَّتها البيضاء جموعٌ من المرضى يختلفون في شكواهم ... وقد يتفقون أو يتفاوتون في آلامهم ... لكن أحدًا من هؤلاء المعنيين بالزيارة - لا يستطيع الخروج - على الأقل في شهر رمضان ... وأقصد أصحاب الهمم منهم، وسلهم عن مشاعرهم حين يدخلُ شهر الصيام، ولا تستغربْ إن أجابتك العيون بالدموع قبل الألسنة بالكلام، أسفًا على عدم قدرتهم على الصيام، ومشاركة المسلمين في القيام، وحين لا تنس هؤلاء من دعوة بالشفاء العاجل وتعظيم الأجر على المرض والبلوى، فلا تنسَ كذلك أن تسليهم بقول المصطفى ﷺ : «إذا مرض العبدُ أو سافر كُتِبَ له مثل ما كان يعملُ

стр. 1997

صحيحًا مقيمًا» (١)، وقبل أن تخرج من زيارة المريض تذكر نعمة الله عليك بالصحة والعافية، واعلم أنك مغبونٌ فيها أو مغبوط. مغبون إن فرطت وأضعت الوقت بما لا ينفع ... ومغبوط إن استخدمت الصحة واستثمرتها في طاعة الله ... ولئن كان هناك من يعيشون مع الأحياء الأصحاء وهم في عداد الموتى ... فهناك من يعيشون مع الأصحاء وهم في عداد المرضى ... وموتى الأحياء، أو مرضى الأصحاء في رمضان - هم من يدخل عليهم الشهرُ ويخرجُ ولم تتحركْ هممهم للخير، ولم تنشط أنفسُهم للطاعة، قعد بهم الشيطان عن مشاركة المسلمين في قيامهم ودعائهم، ولربما قعد ببعضهم عن الصلاة المفروضة، والصيام الواجب وهم أصحاء أقوياء! ! وصدق رسول الهدى ﷺ : «نعمتان مغبون فيهما كثيرٌ من الناس: الصحةُ والفراغ». ألا فاغتنم الفرص يا عبد الله، وخذ من صحتك لمرضك، ومن شبابك لهرمك، ومن فراغك لشغلك، ومن حياتك لموتك ... وشهرُ رمضان يستحق أن تستثمر فيه الصحة والفراغ، ومن يدري، فقد يأتي عليك رمضان بعدُ وأنت طريح الفراش فتتمنى لو كنت صحيحًا معافى ... فها أنت كذلك، فماذا أنت صانع. أيها المسلمون: أما الزيارة الثالثة فإلى أحد مواقع المسلمين المضطهدين في الجهاد ... حيث يحاصرون ويطاردون عن ديارهم ... قاذفات الطائرات من السماء، ورصاصُ المدفعيات من الأرض ... وبين نيران السماء والأرض، شدةُ الجوع حيث يقلّ الطعام، وشدة البرد حين تتساقط الثلوجُ في الشتاء، ومع ذلك كلِّه يلفُّ أهلَ تلك الديار الخوف، ويحيط بهم القلقُ، ففي كل يومٍ يفقدون

стр. 1998

أبًا أو ابنًا أو يشهدون رضيعًا يتضور جوعًا ... أو امرأة يُنتهك عرضُها - وهكذا من صور المآسي والآلام - وهل بإمكان هؤلاء أن يصوموا أو يقوموا أو يتفرغوا لتلاوة القرآن ... أو يتنفَّسوا عبير شهر الصيام ... فإذا تصورت حال هؤلاء في شهر الصيام فأدركهم بصدقةٍ قد تنقذ بها نفسًا ... وبدعوة صادقة قد يفرج الله بها كربًا ... وعد إلى نفسك وأنت آمن في سربك ومعافى في بلدك وبدنك وقل: يا نفسُ ها قد حل شهرُ الصيام واقترب، فكوني في قائمة المسارعين للخيرات، والمتسابقين لصنوف الطاعات، وسل ربَّك العاقبة، وفي حندس الظلام وحين تسجد لله سل لإخوانك المسلمين الخلاص من المحن والنصر على الأعداء ... فرمضان شهرُ الدعاء، كما هو شهر المواساةِ والصدقات، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١).

стр. 1999

الخطبة الثانية: الحمد لله خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسنُ عملًا، وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له، وَفَّقَ الله من شاء لطاعته، وهدى أولياءه لاستثمار مواسم الخيرات، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، أمر بالمبادرة إلى الأعمال الصالحة قبل حلول الفتن والأسقام أو نحوها من الصوارف والشواغل، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائرِ الأنبياء والمرسلين. عبادَ الله: بمِ نستقبل رمضان؟ هنا تتفاوت الهممُ، وتختلف الإجابةُ على صعيد الواقع وإن اتفق الناسُ في الكلام والأماني، ودعونا نتواصى بالصبر والحق - فتلك من علامات المؤمنين - ونتذاكر في عددٍ من الأمورِ نستقبلُ بها هذا الضيف الكريم. فنستقبله أولًا بالفرح والبشرى، فهو من فضل الله ورحمته علينا، والله يقول: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (١). بُشرى العوالم أنت يا رمضانُ هتفتْ بك الأرجاءُ والأكوانُ لك في السماءِ كواكبٌ وضَّاءةٌ ولك النفوسُ المؤمناتُ مكانُ ٢ - ونستقبله - ثانيًا - بالعزيمة على عمل الطاعات، ثم نتبع ذلك بالمسارعةِ للخيرات، فرمضانُ موسمٌ للهدى والخير والبركات، وميدانٌ رحب للتسايق في عمل الصالحات. ٣ - ونستقبله بالتوبة النصوح من الذنوب والأخطاء، وفتح صفحاتٍ أكثر إشراقًا وقربًا إلى الله ... وأنت - أيها المسلمُ والمسلمة - واجدٌ لك في هذا

стр. 2000

الشهر عونًا على التوبةِ والإنابة، فالصيامُ يورث التقوى، ويردع عن الفواحشِ، ويكسرُ شهوةَ البطن والفرج، ومردةُ الشياطين تُصفَّد، وأبوابُ الجنة تفتح، وأبواب النار تغلق - وكل ذلك من دواعي التوبة ومعينٌ عليها، ومحرومٌ من دخل عليه شهرُ رمضان ثم خرج ولم يُغفر له «رغمُ أنفُ رجلٍ دخل عليه رمضانُ ثم انسلخ قبل أن يغفر له». ٤ - ونستقبله، بل نبدأ الصيام والقيام، بالإخلاص لله ورجاءِ مثوبتهِ .. فالإيمانُ والاحتسابُ شرطان للمغفرة للصائمين والقائمين، وفي الحديث المتفق على صحته: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه»، «ومن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه». ٥ - ونستقبله ونتواصى فيه على الجود وزيادة المعروف والإحسان، وفي رسول الله أسوةٌ حسنة، وكان أجودَ ما يكونُ في رمضان، ووصف جودُه - حين يلقاه جبريلُ في رمضان - بأنه كان أجودَ بالخير من الريح المرسلة (١). ٦ - معاشر الأئمةِ: واستقبلوا رمضان بحثِّ جماعتكم على الخير، وبحسن تلاوة كتاب الله حين تؤمُّون المسلمين، وترغيب الناس في التراويح والقيام، ومراعاة أحوال الناس قدر الإمكان، وبما لا يُخلُّ بواجب، أو يفوِّتُ سُنَّةً، واختاروا الكتاب المناسب للقراءة، والموضوعات المفيدة للحديث للرجل والمرأة، والصغير والكبير، والخيِّر والراغب في الهداية، ومن الخير أن يكون هذا الإعدادُ سابقًا لدخولِ رمضان. ٧ - أيها الأخيارُ في كل حي: وجميلٌ منكم أن تسهموا مع الأئمة وجماعة المسجد على كل خير، لا سيما وجموعٌ من المصلين تَفِد إلى المساجد في شهر
следующие страницы →