← Джавами‘

Джавами‘ · id 20948

شعاع من المحراب

سليمان بن حمد العودة

Полный текст (3 545 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

وتسبحون، إلى غير ذلك من قرباتٍ تُضاعف فيها الحسنات، وتزيد المضاعفة في شهر الصيام ... وقد وجدنا ما وعدنا ربُّنا حقًا، وودنا لو ازددنا فما وجدنا غير عمل الصالحات بقي لنا يؤنسُ وحشتنا، ويرفعُ درجاتنا، وكم يُغبن بعضُكم - معاشر الأحياء - حين لا يستثمر فُرص الطاعة، ولو عرف هؤلاء ما نحن فيه لاختلاف سعيهم وتحركت هممُهم. ثم قف أيها الزائر متأملًا في الحُفر والقبور، وما تخفيه من أسرار، وما بين أصحابها من تفاوت في المنازل وإن كانوا في القبور سواء، وتصور وكأنك لحقت بهم غدًا، فماذا سيكون حالُك بينهم ... ثم لا تخرج إلا وقد سألت لهم الغفران، وسلِّهم بدعاء المسلمين لهم، ولا سيما في شهر الصيام والقيام والدعاء ... وقبل أن تخرج عاهد نفسك على أن تختار لها أحسنَ المساكن بينهم، فلا مناص لك عن سكنى هذه الدار، وثمنُ تلك الدار ليس بالدرهم والدينار ... لكنه بعمل الصالحات ... واجعل من رمضان فرصة لإحكام البناء، وتوسيع المسكن، وحبور الدار، واختم ذلك بالدعاء الصادق: اللهم بلِّغني رمضان وأعنِّي على الصيام والقيام. أيها المسلم والمسلمة: أما الموقع الثني الذي أدعوكم لزيارته، فالمستشفيات العامة حيث يرقد على أسرَّتها البيضاء جموعٌ من المرضى يختلفون في شكواهم ... وقد يتفقون أو يتفاوتون في آلامهم ... لكن أحدًا من هؤلاء المعنيين بالزيارة - لا يستطيع الخروج - على الأقل في شهر رمضان ... وأقصد أصحاب الهمم منهم، وسلهم عن مشاعرهم حين يدخلُ شهر الصيام، ولا تستغربْ إن أجابتك العيون بالدموع قبل الألسنة بالكلام، أسفًا على عدم قدرتهم على الصيام، ومشاركة المسلمين في القيام، وحين لا تنس هؤلاء من دعوة بالشفاء العاجل وتعظيم الأجر على المرض والبلوى، فلا تنسَ كذلك أن تسليهم بقول المصطفى ﷺ : «إذا مرض العبدُ أو سافر كُتِبَ له مثل ما كان يعملُ

стр. 1997

صحيحًا مقيمًا» (١)، وقبل أن تخرج من زيارة المريض تذكر نعمة الله عليك بالصحة والعافية، واعلم أنك مغبونٌ فيها أو مغبوط. مغبون إن فرطت وأضعت الوقت بما لا ينفع ... ومغبوط إن استخدمت الصحة واستثمرتها في طاعة الله ... ولئن كان هناك من يعيشون مع الأحياء الأصحاء وهم في عداد الموتى ... فهناك من يعيشون مع الأصحاء وهم في عداد المرضى ... وموتى الأحياء، أو مرضى الأصحاء في رمضان - هم من يدخل عليهم الشهرُ ويخرجُ ولم تتحركْ هممهم للخير، ولم تنشط أنفسُهم للطاعة، قعد بهم الشيطان عن مشاركة المسلمين في قيامهم ودعائهم، ولربما قعد ببعضهم عن الصلاة المفروضة، والصيام الواجب وهم أصحاء أقوياء! ! وصدق رسول الهدى ﷺ : «نعمتان مغبون فيهما كثيرٌ من الناس: الصحةُ والفراغ». ألا فاغتنم الفرص يا عبد الله، وخذ من صحتك لمرضك، ومن شبابك لهرمك، ومن فراغك لشغلك، ومن حياتك لموتك ... وشهرُ رمضان يستحق أن تستثمر فيه الصحة والفراغ، ومن يدري، فقد يأتي عليك رمضان بعدُ وأنت طريح الفراش فتتمنى لو كنت صحيحًا معافى ... فها أنت كذلك، فماذا أنت صانع. أيها المسلمون: أما الزيارة الثالثة فإلى أحد مواقع المسلمين المضطهدين في الجهاد ... حيث يحاصرون ويطاردون عن ديارهم ... قاذفات الطائرات من السماء، ورصاصُ المدفعيات من الأرض ... وبين نيران السماء والأرض، شدةُ الجوع حيث يقلّ الطعام، وشدة البرد حين تتساقط الثلوجُ في الشتاء، ومع ذلك كلِّه يلفُّ أهلَ تلك الديار الخوف، ويحيط بهم القلقُ، ففي كل يومٍ يفقدون

стр. 1998

أبًا أو ابنًا أو يشهدون رضيعًا يتضور جوعًا ... أو امرأة يُنتهك عرضُها - وهكذا من صور المآسي والآلام - وهل بإمكان هؤلاء أن يصوموا أو يقوموا أو يتفرغوا لتلاوة القرآن ... أو يتنفَّسوا عبير شهر الصيام ... فإذا تصورت حال هؤلاء في شهر الصيام فأدركهم بصدقةٍ قد تنقذ بها نفسًا ... وبدعوة صادقة قد يفرج الله بها كربًا ... وعد إلى نفسك وأنت آمن في سربك ومعافى في بلدك وبدنك وقل: يا نفسُ ها قد حل شهرُ الصيام واقترب، فكوني في قائمة المسارعين للخيرات، والمتسابقين لصنوف الطاعات، وسل ربَّك العاقبة، وفي حندس الظلام وحين تسجد لله سل لإخوانك المسلمين الخلاص من المحن والنصر على الأعداء ... فرمضان شهرُ الدعاء، كما هو شهر المواساةِ والصدقات، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١).

стр. 1999

الخطبة الثانية: الحمد لله خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسنُ عملًا، وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له، وَفَّقَ الله من شاء لطاعته، وهدى أولياءه لاستثمار مواسم الخيرات، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، أمر بالمبادرة إلى الأعمال الصالحة قبل حلول الفتن والأسقام أو نحوها من الصوارف والشواغل، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائرِ الأنبياء والمرسلين. عبادَ الله: بمِ نستقبل رمضان؟ هنا تتفاوت الهممُ، وتختلف الإجابةُ على صعيد الواقع وإن اتفق الناسُ في الكلام والأماني، ودعونا نتواصى بالصبر والحق - فتلك من علامات المؤمنين - ونتذاكر في عددٍ من الأمورِ نستقبلُ بها هذا الضيف الكريم. فنستقبله أولًا بالفرح والبشرى، فهو من فضل الله ورحمته علينا، والله يقول: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (١). بُشرى العوالم أنت يا رمضانُ هتفتْ بك الأرجاءُ والأكوانُ لك في السماءِ كواكبٌ وضَّاءةٌ ولك النفوسُ المؤمناتُ مكانُ ٢ - ونستقبله - ثانيًا - بالعزيمة على عمل الطاعات، ثم نتبع ذلك بالمسارعةِ للخيرات، فرمضانُ موسمٌ للهدى والخير والبركات، وميدانٌ رحب للتسايق في عمل الصالحات. ٣ - ونستقبله بالتوبة النصوح من الذنوب والأخطاء، وفتح صفحاتٍ أكثر إشراقًا وقربًا إلى الله ... وأنت - أيها المسلمُ والمسلمة - واجدٌ لك في هذا

стр. 2000

الشهر عونًا على التوبةِ والإنابة، فالصيامُ يورث التقوى، ويردع عن الفواحشِ، ويكسرُ شهوةَ البطن والفرج، ومردةُ الشياطين تُصفَّد، وأبوابُ الجنة تفتح، وأبواب النار تغلق - وكل ذلك من دواعي التوبة ومعينٌ عليها، ومحرومٌ من دخل عليه شهرُ رمضان ثم خرج ولم يُغفر له «رغمُ أنفُ رجلٍ دخل عليه رمضانُ ثم انسلخ قبل أن يغفر له». ٤ - ونستقبله، بل نبدأ الصيام والقيام، بالإخلاص لله ورجاءِ مثوبتهِ .. فالإيمانُ والاحتسابُ شرطان للمغفرة للصائمين والقائمين، وفي الحديث المتفق على صحته: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه»، «ومن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه». ٥ - ونستقبله ونتواصى فيه على الجود وزيادة المعروف والإحسان، وفي رسول الله أسوةٌ حسنة، وكان أجودَ ما يكونُ في رمضان، ووصف جودُه - حين يلقاه جبريلُ في رمضان - بأنه كان أجودَ بالخير من الريح المرسلة (١). ٦ - معاشر الأئمةِ: واستقبلوا رمضان بحثِّ جماعتكم على الخير، وبحسن تلاوة كتاب الله حين تؤمُّون المسلمين، وترغيب الناس في التراويح والقيام، ومراعاة أحوال الناس قدر الإمكان، وبما لا يُخلُّ بواجب، أو يفوِّتُ سُنَّةً، واختاروا الكتاب المناسب للقراءة، والموضوعات المفيدة للحديث للرجل والمرأة، والصغير والكبير، والخيِّر والراغب في الهداية، ومن الخير أن يكون هذا الإعدادُ سابقًا لدخولِ رمضان. ٧ - أيها الأخيارُ في كل حي: وجميلٌ منكم أن تسهموا مع الأئمة وجماعة المسجد على كل خير، لا سيما وجموعٌ من المصلين تَفِد إلى المساجد في شهر

стр. 2001

رمضان، فرحبوا جميعًا بمقدمهم، وتعاونوا مع الأئمة على أسباب انقطاع من ينقطع بعدُ منهم، تفقدوا المحتاجين. ٨ - أيها المحاضرون والمتحدثون - وأنتم خليقون أن تختاروا الكلمة المناسبة في رمضان، وأن تجتهدوا في التحضير والإعداد، وتجددوا في أساليب طرحكم، وتعيشوا هموم الناس، وتجيبوا على تساؤلاتهم. فليس المهمُ أن تتاحَ الفرصةُ للحديث فحسب، بل وبماذا وعن أي شيء تتحدثون! ٩ - أيها الأغنياء: واجتهدوا في إحصاءِ زكاة أموالكم، وأخرجوها راضية بها أنفسُكم، وتحققوا في المحتاجين، وليكن للمجاهدين واللاجئين والمنكوبين في العالم الإسلامي نصيب من زكاتكم وصدقاتكم. ١٠ - أيتها المرأة: وإن أخطأت بعضُ النساء فاستقبلت رمضان بأنواع المآكل والمشارب، أو بالخروج وكثرة التردد على الأسواق، أو بطول النوم، أو الحديث في الغيبة والنميمة، أو سماع المحرم، أو نحو ذلك مما يحرم على المسلم، ويخدش الصيام، فلا تقعي أنت في شيء من هذا، ونبهي أخواتك المسلمات ... فالنساء شقائق الرجال، ورمضان فرصة للمسارعة للخيرات للرجال والنساء، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون. أيها المسلمون: لا تستقبلوا رمضان بصوم يوم قبله تحوُّطًا إذ لا يجوز صيام يوم الشك، وإذا ثبت دخولُ الشهر فلا بد من تبييت النية للصوم الواجب، وذلك في القلب، والتلفظُ بها بدعة، ولا تشترط النيةُ لصوم النفل، وإذا كانت نوافل الصلاة تجبر مما في الفرائض من خلل فكذلك صيام النفل ... هذا فضلًا عما فيها من رفعة الدرجات وتكفير السيئات - ومن صيام النفل الصيام في شهر شعبان، وفي الحديث المتفق على صحته عن عائشة ﵂ قالت: لم يكن النبيُّ ﷺ يصوم من شهر أكثر من شعبان، فإنه كان يصوم شعبان كلَّه، وفي

стр. 2002

رواية: كان يصوم شعبان إلا قليلًا (١) ومن لم يعلم بدخول شهر رمضان إلا بعد طلوع الفجر فعليه أن يمسك بقية يومه، وعليه القضاءُ عند جمهور العلماء (٢). ومن قاتل عدوًا وأحاط العدوُّ ببلده، والصومُ يضعفه عن القتال، ساغ له الفطر ولو بدون سفر، وكذلك لو احتاج للفطر قبل القتال أفطر (٣). اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلِّغنا رمضان، وأعِنَّا فيه على الصيام والقيام، واجعلنا ممن صامه وقامه إيمانًا واحتسابًا يا رب العالمين، اللهم أهلَّ رمضان علينا وعلى المسلمين بالخير واليمن والبركات.

стр. 2003

أصحاب الفيل (١) الخطبة الأولى: الحمد لله القوي العزيز، أهلك عادًا الأولى، وثمود فما أبقى، والمؤتفكةَ أهوى، فغشَّاها ما غشّى، فبأيِّ آلاء ربك تتمارى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ردَّ أصحاب الفيل وجعل كيدهم في تضليل، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، تزامن مولدُه مع حادثة الفيل عبرة وعظة. اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارضَ اللهم عن أصحابه أجمعين، والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا. عباد الله: أوصي نفسي وإياكم بلزوم تقوى الله، فلباسُها خيرُ لباس، وأصحابُها في جنات ونهر، وبالتقوى يجعل الله من كل ضيق مخرجًا، ويرزق من حيث لا يحتسب المرزوق، ومن يتقِ الله يجعلْ له فرقانًا ويكفرْ عن سيئاته ويُعظمْ له أجرًا. أيها المسلمون: سورةٌ في كتاب الله قليلٌ آيُها، كبيرٌ حدثها، وعظيمٌ مدلولها، تنبئ عن نهاية الظلم، وهلاك المتكبرين ... لا بسلطانِ البشر وقوتهم، ولكن بقوة الله وحده وجبروته ... وتؤكد السورة ألا قوة فوق قوة الله ... وأن القوى الظالمة مهما تجبرت وطغت فنهايتها الفناء. أخرج الحاكم مختصرًا وصححه، وزاد غيره - قصة أصحاب الفيل - عن ابن عباس ﵄ قال: أقبل أصحابُ الفيل (عليهم أبو يكسوم صاحبُ الحبشة)

стр. 2004

ومعه الفيل، حتى إذا دنوا من مكة (عند الصفاح) استقبلهم عبدُ المطلب (جدُّ النبي ﷺ فقال لملكهم: ما جاء بك إلينا، ألا بعثت فنأتيك بكل شيء أردت؟ قال: أخبرتُ بهذا البيت الذي لا يدخله أحدٌ إلا أمِن، فجئتُ أخيفُ أهله، فقال: إنا نأتيك بكل شيءٍ تريد فارجع، فأبى إلا أن يدخله، فقال (عبد المطلبُ): إن هذا بيتُ الله تعالى لم يُسلط عليه أحدًا، قالوا: لا نرجعُ حتى نهدمه، وانطلق يسير نحوه، وتخلف عبدُ المطلب فقام على جبل فقال: لا أشهد مَهْلِكَ هذا البيت وأهله، ثم قال: اللهم إن لكلِّ إلهٍ ... حلالًا فامنع حلالك لا يغلبن مِحالُهم ... أبدًا مِحالك اللهم فإن فعلتَ ... فأمرٌ ما بدا لك فلما انتهى الجيشُ إلى الحرم برك الفيل وحبسه الله عن مكة فأبى أن يدخلَ الحرم، فإذا وُجه راجعًا أسرع راجعًا، وإذا أريد على الحرم أبي، وجعل اللهُ كيدهم في تضليل، فأقبلت مثلُ السحابة من نحو البحر طيرٌ صغارٌ بيض، أبابيل، لها خراطيمُ كخراطيم الطير وأكُفٌّ كأكُفِّ الكلاب، في أفواهها حجارة أمثال الحِمِّصِ سوداء بها نضح حمرة، كأنها جَزَعُ ظفار، في منقارِ كل واحدٍ منها حجرٌ، وحجران في رجلين (من طين)، فأقبلتْ حتى أظلتهم فجعلت ترميهم بها، ولا تصيب شيئًا إلا هشمته، فجعل الفيل يَعج عجًا، فجعلهم اللهُ كعصف مأكول، فكان لا يقع منها حجرٌ على أحدٍ منهم إلا تفطر مكانَه، فذلك أولُ ما كان الجدري، ولم تُصبهم كلَّهم، فأخذتهم الحكةُ، فكان لا يحك إنسانٌ منهم جلده إلا تساقط لحمُه، فأصيب أبو يكسوم في جسده فهرب، وكلما قدم أرضًا تساقط بعضُ لحمه، حتى أتى قومه فأخبرهم الخبر ثم هلك. وأرسل الله إليهم سيلًا فذهب بهم وألقاهم في البحر، وبقي خزق الفيل

стр. 2005

أخضرُ محيلًا بعد عام، وكان يقف عليه البعضُ ينظر إليه، ومنهم قباث بن أشيم أخو بني يعمر بن ليث وأمُّه، وعاش سائس الفيل وقائده بمكة أكثر من خمسين سنة بعد هذه الحادثة، ولكنهما عميا، ورأتهما عائشة ﵂ وهام أعميان مقعدان، يستطعمان الناس. وفي فجر ذلك اليوم العظيم الذي ردَّ الله فيه كيد أصحاب الفيل، ولد محمد ﷺ ، في الثاني عشر من شهر ربيع الأول (١). أجل: لقد كانت حادثةُ الفيل تقدمةً بين يدي مولد رسول الله ﷺ ، وإرهاصًا، ومقدمة لبعثته وما سيكون له من شأن في البلد الحرام. يقول ابنُ القيم ﵀: وكان أمرُ الفيل تقدمةً قدمها اللهُ لنبيه وبيته، وإلا فأصحابُ الفيل كانوا نصارى أهلَ كتاب، وكان دينُهم خيرًا من دين أهل مكة إذ ذاك؛ لأنهم كانوا عُبَّادَ أوثان، فنصرهم الله على أهل الكتاب نصرًا لا صنع للبشر فيه، إرهاصًا وتقدمة للنبي ﷺ الذي خرج من مكة وتعظيمًا للبيت الحرام (٢). وكانت حادثة الفيل معجزةً من معجزات محمد ﷺ ودليلًا على نبوته، كيف لا وقد نزل عليه الوحيُ من ربِّه يخبره عن هذه القصة الواقعة، ويؤكد لأهل مكة ما قد رأوه بأعينهم. قال القرطبي ﵀: قال علماؤنا: كانت قصةُ الفيل فيما بعدُ من معجزات النبي ﷺ ، وإن كانت قبله؛ لأنها كانت توكيدًا لأمره وتمهيدًا لشأنه، ولما تلا عليهم رسولُ الله ﷺ سورة الفيل كان بمكة عددٌ كثير ممن شهد تلك الوقعة

стр. 2006

ولهذا قال: «ألم تر» (١). أيها المسلمون: وتؤكد حادثةُ الفيل أن القوة لله جميعًا ... وإن قوى البشرِ مهما بلغت تتضاءل أمام قوةِ الله ... كما تكشف الحادثة عن ضعف البشر مهما تجبروا وآتوا من قوة أمام سلطان الله. أجل: لقد أرعد وأزبد أبرهة وأقسم ليهدمنَّ الكعبة، وليصرفن العرب في الحج إلى الكنيسة القُلِّيس التي بناها في صنعاء، وكتب إلى سيده في الحبشة يقول: إني قد بنيت لك أيها الملكُ كنيسةً لمن يبن مثلُها لملكٍ كان قبلك، ولستُ بمنته حتى أصرف إليها حَجَّ العرب ... وحين احتملتُ الحميةُ واحدًا من العرب، فذهب وأحدث في هذه الكنيسة ما أحدث استشاط أبرهة غضبًا، وشكل جيشًا عظيمًا تقدمه الفيلة، وزاد من غيظه أنه حين بعث إلى بني كنانة - قبيلة الرجل الذي أحدث في الكنيسة - يطلب منهم الحج إلى كنيسته قتلت بنو كنانة رسوله، فتجهز الأحباشُ النصارى وساروا بقيادة أبرهة بجيش عرمرم، فتسامعت العربُ بمخرجه وهدفه، فعظموا بيتَ الله ورأوا قتالَ أبرهة والتصدي له واجبًا عيهم، وإن كانوا أقلَّ منه شأنًا، وتعرضوا له بالحرب، ولكنه أوقع فيهم وانتصر على كل من خرج عليه منهم، حتى بلغ بيت الله ... وانتهت دونه الحماية البشرية ولم تبق إلا قوة الله، ولم يبق من ناصرٍ أو معينٍ قادرٍ على دفع الظالمين ... وأنَّى لقريش بضعف قواها ... أو ضعف معتقدها أن تصمد لجيش حطّم القوى قبلها ... وكان من عقل عبد المطلب أن يطلب من قومه الخروج من جوار الكعبة، إذ لا قبل لهم بأبرهة وجيشه، ويقول قولته المشهورة: أنا رب الإبل وللبيت رب يحميه، وأن توكل حماية البيت إلى ربه والآمر ببنائه،

стр. 2007

وقد كان، فجاءت جنودُ السماء تحمل العذاب الأليم لهؤلاء المستكبرين ... وكانت النهايةُ لهؤلاء القوم، ولم تكن نهايتهم بداية الهلاك للأمم والقوى الظالمة، فقد سبقتها قوى حُطمت، وقرى أهلكت، وديارها أطلالٌ موحشة تحكي قصتها كما قال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ (١)، وأصحاب الفيل نموذج من نماذج الظالمين المُهْلكين، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ (٢).

стр. 2008

الخطبة الثانية: الحمد لله رَبِّ العالمين ناصرِ دينه، ومعزِّ أوليائه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، نصر عبدَه وهزم الأحزاب وحده، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله ... نصره ربُّه بالرعب، فما لقيه أحدٌ إلا هابه وقدَّره، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر المرسلين. عبادَ الله: لا تعني حادثةُ الفيل أن يتعطل المسلمون عن فعل الأسباب المشروعة لمقارعة الباطل وأهله، فالتوجيه واضح: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (١). ولكنها تؤكد عدم الاستسلام للباطل مهما انتفش أصحابُه، وتؤكد عدم اليأس من نصرِ الله حين يُستضعف المسلمون - إذا ما صدقوا مع خالقهم. كما تؤكد عدم الإحباط عند رؤية القوى الكبرى تبطش وتقهر، وتحلّ وتعقد ... فربك للظالمين بالمرصاد، وهو يمهل ولا يهمل، وأخذه أليم شديد، ونواميسُ الكون بيده ... وهو واهبُ القوى، والقادرُ على نزعِها ... وما قدر وقضى لحكمٍ قد يعلمُ البشرُ بعضَها، وقد يخفى عليهم الكثيرُ منها. أيها المسلمون: ومن دلالات حادثة أصحاب الفيل أن الاعتقادَ بتخليد قوة مهما بلغت وديمومتها ظنٌّ خاطئٌ يُكذبه الواقع، ويشهد بخلافه ناموسُ الكون بقدرة الله .. فأين عادٌ التي لم يُخلق مثلُها في البلاد؟ وأين ثمود الذين جابوا الصخر بالواد، وأين فرعونُ الذي قال: ما علمتُ لكم من إله غيري، وقال: أنا ربكم الأعلى؟ وأين قارون الذي آتاه اللهُ من الكنوز ما إنَّ مفاتِحَه لتنوء بالعصبة

стр. 2009

أولي القوة، وقال: إنما أوتيته على علم عندي؟ أين جحافلُ التتار الذين عاثوا في الأرض الفساد، يقتلون ويرهبون؟ وأين أصحابُ الحملات الصليبية على مدى قرنين من الزمان؟ وأين أصحاب الحربين العالمية الأولى والثانية، وما خلفتاها من دمار؟ بل أين دهاقنة الشيوعية الحمراء؟ وقد أذن الله مؤخرًا بسقوط دولة الاتحاد السوفيتي بتمزق الاتحاد دولًا، ولا تزال روسيا تصارع من أجل البقاء ... وتصب جام غضبها على المسلمين. إن تاريخ القوى المحطمة والدول المتتالية في السقوط عبر القرون يؤكد حقيقة الملك لله والتفرد لله ... وكلما زاد الظلم تسارع السقوط، وكلما كان الهدى والصلاحُ عُمرت الدول، صدق الله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ (١). إخوة الإسلام: ومن دلالات حادثة الفيل أن العرب لا شيء بدون الإسلام، فلم يكن لهم دورٌ في الأرض أو شأن يذكر، بل ولا كيانٌ يرهب قبل الإسلام. لم يستطيعوا حماية البيت، ولم يشأ الله أن يحمي بيته المشركون ... ولكنه حين شاء وقدّر أن يبعث فيهم رسولًا إلى البشرية وأن تكون الكعبةُ قبلتَه حمى بيته، فعظّم العرب هذتا البيت المحمي من قبل الله ... وزاد ذلك من تقدير العرب لقريش حتى إذا بُعث النبيُّ منهم كانت حادثة الفيل إرهاصًا لمولده وبعثته. وتحت راية الإسلام ولأول مرة في تاريخ العرب أصبح لهم دور عالمي يؤدونه، وأصبحت لهم قوةٌ دولية يُحسب لها حساب ... حملوا عقيدةً ضخمةً يهدونها إلى البشرية رحمةً وبرًا بها، ولم يحملوا قوميةً ولا عصبية ... حملوا

стр. 2010

فكرةً سماويةً يعلمون الناس بها، ولا مذهبًا أرضيًا يخضعون الناس لسلطانه، وخرجوا من أرضهم جهادًا في سبيل الله وحده، ولم يَخرجوا ليؤسسوا إمبراطوريةً عربيةً ينعمون ويرتعون في ظلها، ولم يُخرجوا الناس من حكمِ الروم والفرس إلى حكم العرب، وإنما أخرجوهم من عبودية البشر بعضهم لبعض إلى عبودية ربِّ البشر، عندئذ كان للعرب وجودٌ وقوةٌ وقيمةٌ، وقيادة وقوة ترهب، وسلطانٌ يمتد، وتسارع الناس إلى الدخول في دينهم وتحت حكمهم العادل، وامتدَّ ضياءُ الإسلام يطوي بساط الظلام. عبادَ الله: وإذا قيل بالأمس: ما العربُ بغير الإسلام؟ ! أمكن القول اليوم وما العرب، بل وما المسلمون بغير الإسلام الحق؟ ! ويأتيك الجوابُ عاجلًا ودون تردد: لا شيء لا شيء، أجل وربي، إن العقيدة الحقة هي التي جعلت للعرب بالأمس شأنً يذكر، وهي التي يمكن أن تعيد لهم سلطانهم ودورهم في الأرض اليوم، وما أحوج الوجود إلى عقيدتهم الحقة - بها ينشرون العدل والخير، وبها تُطوى صفحاتُ الظلم والهضم، وبها تتساقط القوى الوهمية وتنتهي الشعاراتُ الخادعة، وحين يصدق المسلمون في عقيدتهم وتوجههم لخالقهم يكفيهم كيد الكائدين، ويدفع عنهم قوى الأرض مهما كان حجمُها ونوعُ قوتها ... فالذي دفع أصحاب الفيل وردّهم خاسئين وجعل كيدهم في تضليل، قادرٌ على دفع غيرهم من الأمم الكافرة الظالمة. ولم يكن أصحاب الفيل هم القوة الأولى ولا الأخيرة في هذا الكون ممن دمرهم الله وأهلكهم بظلمهم. ووفق سنة الله في الكون فسيظل الهلاكُ والتدمير لكل من عتى وتسلط وتكبر: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١).

стр. 2011

مراتب الجهاد (١) الخطبة الأولى: إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، وخيرته من خلقه، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارضَ اللهم عن الصحابة أجمعين، والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. عبادَ الله: اتقوا الله حقَّ تقاته ولا تموتنَّ إلا وأنتم مسلمون، واتقوا الله وكونوا مع الصادقين، واتقوا الله ويعلمكم الله. إخوة الإسلام: وهناك شعيرةٌ عظيمةٌ من شعائر ديننا يقلُّ الحديثُ عنها، أو يُقصَّرُ في مفهومها، وربما قلَّ أو ضعف العملُ فيها، أو في أحدٍ من جوانبها. إنها شعيرةُ الجهادِ في سبيل الله بمفهومها الواسع، وبأنواع الجهادِ ومراتبهِ المختلفة. إن عددًا من النساء حين يسمع كلمةَ الجهاد يتبادر إلى ذهنِهِ جهادُ الأعداء بالسيف، وقتالُ الكفار بالأسلحة المادية، وهذا النوعُ من الجهاد - وإن كان مهمًا ودرجتُه عاليةٌ في الأمة - فليس هو الجهاد كلَّه، فثمةَ مراتبُ أخرى من مراتب الجهاد، أوصلها بعضُ العلماء إلى ثلاثة عشرَ مرتبةً، لا بد من معرفتها والعمل بها. وهذه المراتبُ المختلفةُ والمتفاوتةُ لا يُعفى مسلمٌ ولا مسلمةٌ من الإسهامِ

стр. 2012

فيها، وكلما أخذ المرءُ منها بنصيبٍ أوفر، كان نصيبُه من الإيمان والجهاد أكبر، أجل، لقد جاء ذكرُ الجهاد في كتاب الله كثيرًا، وشملت آياتُه جهادَ الكفارِ، وجهادَ المنافقين، وجهادَ النفس، وجهادَ الشيطان، والجهادَ بالمال، وجهاد الحُجَّة والبيان، وكذا جاءت نصوصُ السنةِ النبوية مبيّنةً لما أُجمل في القرآن، وموضحةً فضلَ ومنازلَ المجاهدين. ومما يلفت النظر، ويوسع مفهوم الجهاد في القرآن، أن واحدةً من آيات الجهاد نزلت في سورة مكية - أي قبل أن يفرض الجهادُ في المدينة. يقول تعالى في سورة الفرقان مخاطبًا نبيَّه ﷺ وآمرًا له بالجهاد من حين بعثه: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (٥١) فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ (١). قال ابنُ عباس ﵄: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ﴾ يعني: بالقرآن، وقال ابنُ زيدٍ: بالإسلام، وقيل: بالسيف، وهذا فيه بُعْدٌ؛ لأن السورة مكية نزلت قبل الأمر بالقتال - كذا نقل القرطبي، وقال في معنى ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ﴾ أي: لا يخالطه فتور (٢). يا أخا الإسلام: وإليك مراتب الجهادِ، وسائل نفسك بأي قدرٍ أخذت منها، بل وكم نجحت أو غُلبت في شيءٍ منها. قال ابنُ القيم ﵀: الجهادُ أربعُ مراتب: جهادُ النفس، وجهادُ الشيطان، وجهادُ الكفار، وجهادُ المنافقين، فجهادُ النفس أربعُ مراتب أيضًا: الأولى: أن يُجاهدها على تَعلُّم الهدى ودينِ الحق الذي به سعادةُ المرءِ وفلاحُه في الدارين.

стр. 2013

الثانية: أن يجاهدها على العمل به بعد علمه، وإلا فمجردُ العلمِ بلا عمل إن لم يضرَّها لم ينفعها. الثالثة: أن يجاهدها على الدعوة إليه وتعليمه من لا يَعلمُه، وإلا كان من الذين يكتمون ما أنزلَ الله من البيناتِ والهدى. الرابعة: أن يجاهدها على الصبر على مشاقِّ الدعوة إلى الله وأذى الخلق، ويتحمل ذلك كلَّه لله، فإذا استكمل هذه المراتب الأربع صار من الربانيين، فإن السلفَ مجمعون على أن العالِمَ لا يستحقُّ أن يُسمى ربانيًا حتى يعرفَ الحقَّ، ويعملَ به، ويُعلِّمَه. وأما جهادُ الشيطان فمرتبتان: جهادُه على دفْع ما يُلقي إلى العبد من الشبهات، والشكوك القادحة في الإيمان. والثانية: جهادُه على دفع ما يُلقي إليه من الإيرادات الفاسدة والشهوات. وأما جهادُ الكفارِ والمنافقين فأربعُ مراتب، بالقلب، واللسان، والمال، والنفس. وجهادُ الكفارِ أخصُّ باليد، وجهادُ المنافقين أخصُّ باللسان. وأما جهادُ أرباب الظلم والبدعِ والمنكرات فثلاثُ مراتب، الأولى: باليد إذا قدر، فإن عجز انتقلَ إلى اللسان، فإن عجز جاهد بقلبه. فهذه كما يقول ابنُ القيم ﵀ ثلاثة عشر مرتبةً من الجهاد: «ومن مات ولم يغزُ ولم يُحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق» (١). إخوة الإيمان: ويحتاج المسلمُ والمسلمةُ إلى المعرفة والعمل بهذه المراتب كلِّها - في كل زمان - ولكن الحاجةَ إلى ذلك تشتد في مثل هذه الأزمان التي

стр. 2014

تكاثر فيها الأعداءُ على المسلمين، فالعدوُّ الخارجي انتهك بلادهم، وقتل وشرد، واستباح حرماتهم، والمنافقون باتوا يجمعون فلولهم وجاؤوا يركضون، وأشغلوا الأمة عن قضاياها المصيرية مع أعدائها بطرح شعارات كاذبة، ودعاوى خبيثة، وفتنٍ مستشريةٍ، هذا مع ما في الأمة من ضعف وخورٍ، وجُبنٍ وهلع، وتبعية ممقوتة، وتشبث بمظاهر كاذبةٍ، وتعلق بأشياء تافهة إلا ما شاء الله، والمؤلمُ إذا سرى في الأخيار منهم داءُ الوهم والوهن، وأصيبوا بالتلاوم والإحباط، وشغلوا بالدنيا عن الدين، أو بالمهاترات والخلافات الممقوتة، وحصروا أنفسهم في دائرةٍ ضيقةٍ ما كان العدوُّ يطمعُ أن يصيروا إليها. عبادَ الله: ونحتاج لمعرفة هذه المراتبِ من الجهاد في معركتنا المتجددة مع أنفسنا ومع الشيطان، وفي ظل معركةِ الشبهات والشهوات، وفي عالم حرب الفضائيات وغزو القنوات. ونحتاج للعلم والعمل بهذه المراتب الجهادية لانتشار رقعةِ الفساد، وغربة الإسلام، وموجةِ التقليد، وإعجابِ كلِّ ذي رأي برأيه، وغياب الهدفِ الأسمى للوجود في هذه الحياة عند فئامٍ من المسلمين. أيها المسلمون: ويستخلص مما مضى أن أعداء الإنسان المأمور بمجاهدتها أربعة: النفسُ، والشيطان، والكفارُ، والمنافقون، وإن هناك حكمةً إلهيةً لتسليط هؤلاء الأعداء على الإنسان، وذلك ليبلوَ الله الصادقين من الكاذبين، ويميز الخبيث من الطيب، ويمتحن الله من يتولاه ورسلَه، عمن يتولى الشيطانَ وحزبه، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ (١).

стр. 2015

وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ (٢). عبادَ الله: وفي ظل هذه المعركة، والأعداءِ المسلطة، لم يترك اللهُ عبدَه دون مدد، ولم يُخلِهِ من مدافعة، بل جعل له السمع والبصر والعقلَ والقُوى، وأنزل عليه كتبه، وأرسل إليه رسله، وأمدهم بملائكته، وقال لهم: ﴿أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٣). وأمرهم بدوام المجاهدةِ والمصابرة، ووعدهم على ذلك رضاه والجنة، وأخبرهم أنه مع المتقين، ومع المحسنين، ومع المؤمنين، ومع الصابرين، وذلك حتى لا يستوحشوا أو يفتروا، بل أخبرهم بدفاعه عنهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٤). ولكن هذه المدافعة بحسب إيمانهم، وثقتهم وتوكلهم ودعائهم لخالقهم ... مهما أحاطت بهم الخطوب، وتكاثرت عليهم الأعداء، ومن قبلُ قال إخوانُهم المؤمنون: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ (٥)، بل وكان حالُ الأنبياء السابقين مع النصر كما قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (٦). نفعني الله وإيّاكم بهدي كتابه.

стр. 2016

الخطبة الثانية: الحمد لله ربِّ العالمين أوحى إلى عبده: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (١). وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فاوت بين المجاهدين والقاعدين من المؤمنين غير أولي الضرر: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٢). وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، أخبر أن طائفةً من أمته: «لا تزال تُقاتل على الحق، ظاهرين على من ناوأهم حتى يُقاتل آخرُهم المسيحَ الدجال» (٣). اللهم صلِّ وسلم عليه، وعلى سائر أنبياء الله ورسلِه. إخوة الإيمان: أخرج الإمام أحمدُ ﵀ من حديث فضالة بن عبيد ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ في حجة الوداع: «ألا أخبركم بالمؤمن؟ مَنْ أَمِنَهُ الناسُ على أموالهم وأنفسهم، والمسلمُ من سلم الناس من لسانه ويده، والمجاهدُ من جاهد نفسَه في طاعة الله، والمهاجرُ من هجرَ الخطايا والذنوب»، والحديث صححه ابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي. «المستدرك»: ١/ ١١ (٤). وهكذا يتسعُ مفهومُ الجهاد في السنة، ويؤكد المصطفى ﷺ فيه على تربية النفس على طاعة الله، والإقلاع عن الذنوب والخطايا ... فتلك بدايات أساسية للجهاد في مجالاته الأخرى، قال العارفون: إن مجاهدة النفس مقدمٌ

стр. 2017

على جهاد العدوِّ في الخارج، فإنه ما لم يجاهدها لتفعلَ ما أمرت به، وتتركَ ما نُهيت عنه، لم يمكنه جهادُ عدوِّه في الخارج ... بل لا يمكنه الخروجُ لمنازلة العدو حتى يجاهدَ نفسه على هذا الخروج (١). عبادَ الله: ولا يتم الجهادُ إلا بالهجرة، ولا الهجرةُ والجهادُ إلا بالإيمان، والراجون رحمةَ الله هم القائمون بهذه الثلاث كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢). وكما أن الإيمان فرضٌ على كل أحدٍ، ففرضٌ عليه هجرتان في كل وقت: هجرةٌ إلى الله بالتوحيد، والإخلاص، والإنابة والتوكل، والخوف، والرجاء، والمحبة، والتوبة. وهجرةٌ إلى رسوله ﷺ بالمتابعة والانقياد لأمره والتصديق بخبره، وتقديم أمرِه وخبرِه على أمرِ غيرِه وخبره (٣). وهكذا - إخوةَ الإيمان - يتسعُ مفهومُ الهجرةِ كما اتسع مفهومُ الجهاد - ويَفرضُ على كلِّ مسلم جهادُ نفسه في ذات الله، وجهادُ شيطانه، وهذا مما لا ينوب فيه أحدٌ عن أحد، فانظر - أيها العاقل - في نفسك، وقوِّمها في باب المجاهدة والهجرة، فإن وجدت خيرًا فاحمدِ الله؛ واسأل ربَّك الثبات والمزيد، وإن وجدتَ خلاف ذلك فتدارك نفسَك ما دام في الأمر مهلةٌ، وتُبْ مما يُثقل كاهلك يوم العرض على الله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ

стр. 2018

يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (١). يا أخا الإسلام: إياك أن تكون عنصر تعويق في أمتك، واعلم أن معصيتك لله، وانحرافك عن صراطه المستقيم خرقٌ في سفينة الأمة، وأن ضعفك وتراخيك في مجاهدة نفسك أو مجاهدةِ الأعداء، إنما هو ثُلمةٌ في بنيان أمتك، ورحم اللهُ الخليقةَ الراشد حينما أوصى قائد جنده السائر للمعركة بقوله: «واعلم أن ذنوب الجيش أشدُّ عليه من أعدائه». أما طاعتُك - أخا الإسلام - وجهادُك في سبيل الله فهو رافدٌ لنهضة الأمةِ، وسببٌ من أسباب نصرها، فإياك أن تحقر نفسك، أو تهمش دوركَ، أو تُرحل المسؤولية على غيرك، فعليك سهمٌ في الجهاد والدعوة أينما كان موقعُك، ومهما كانت قدراتك: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٢) ولكن: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ (٣)، فإن قلت أنك في عداد الضعفاء، فليس يعجزك أن ترفعَ يديك إلى السماء داعيًا بتسديد سهام المجاهدين، وإبطال كيد الكائدين، وذكِّر رهبانَ الليل بسهم الدعاء فهو لا يخطئ، ولا يغبْ عن بالك أن الأمة إنما يرحمون وينصرون بضعفائهم ... وهكذا تتكامل الطاقات، وتسدد المواقع، وتوصد الأبوابُ دون المفسدين. يا أخا الإيمان: وكيف تتأخرُ في التقوى والمجاهدة، وربُّك يخاطبك بآيتين حريٌّ بك أن تتأملهما وتعمل بمقتضاهما، وهما: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٤)، والأخرى قوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٥).

стр. 2019

قال العالمون: ولم يُصبْ من قال إن الآيتين منسوختان، لظنه أنهما تضمنتا الأمرَ بما لا يُطاق، ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ و ﴿حَقَّ جِهَادِهِ﴾ هو ما يُطيقه كلُّ عبدٍ في نفسه، وذلك يختلف باختلاف أحوالِ المكلفين في القدرة، والعجز، والعلم، والجهل، فحقُّ التقوى وحقُّ الجهاد بالنسبة إلى القادر المتمكن العالم شيءٌ، وبالنسبة إلى العاجز الجاهل الضعيف شيء ... وفي قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ تأكيدٌ على أن الأمر يَسعُ كلَّ أحدٍ، وكلٌّ بحسبه (١). لا مفرَّ - يا أخا الإيمان - من المسؤولية، ولا مناص عن المشاركة في الجهاد والدعوة ... ولربما فاق درهمٌ ألفَ درهم، وكم من فئةٍ قليلةِ غلبت فئةً كثيرةً بإذن الله، وصدق الله: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ (٢). فإذا علمت سعةَ مفهوم الجهاد ... وكثرةَ مراتبه ... فسارع إلى المساهمة العاجلة في الخير، وفكّر في أي أبواب الجهاد تثمر، وأعْمِلْ فكرك، وجدِّد في وسائل الدعوة ومشاريعها ... وأرجو أن أعينك بشيء من ذلك مستقبلًا، نفعك الله ونفع بك وسدد سهامك، وأقال عثرتك، وشتَّت شمل عدوِّك وعدوِّ المسلمين، إنه سميع الدعاء.

стр. 2020

ما قبل الزواج (١) الخطبة الأولى: الحمد لله ربِّ العالمين، خلق الزوجين الذكرَ والأنثى، من نطفة إذا تُمْنَى، وأن عليه النشأةَ الأخرى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢). وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، جاءت شريعتُه حاثّةً على كل خير، مستجيبةً لنداء الفطرة، معالجةً لنوازع البشر ورغباتهم، وهو القائل: «حُبب إليَّ من دنياكم النساء والطيب، وجُعلت قرة عيني في الصلاة». اللهم صلِّ وسلم عليه، وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارضَ اللهم عن الصحابة أجمعين، والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٣). ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٤). عبادَ الله: والحديثُ عن الزواج حديثٌ تدعو الحاجةُ إليه عمومًا، وفي هذه الأيام على الخصوص، وفيه عدةُ تنبيهات يحسن الإشارة إليها، وفي الحديث

стр. 2021

عن الزواج مشاركةٌ لهموم قطاع كبير من الشباب والفتيات، فضلًا عن الكبار من الرجال والعانساتَ من النساء. وسأقصر الحديث في هذه الخُطبة على (ما قبل الزواج)، فماذا يدورُ في مخيلة الشباب حين يُفكر في الزواج، لماذا يتزوج؟ وبمن يتزوج؟ هل يتزوج لغرضٍ واحدٍ، أم في ذهنه للزواج عدةُ أغراض، ويفهمُ للزواج عدة حكمٍ وأهداف، ماذا يُخيفه من الزواج؟ وما الشبحُ الذي يطارده؟ وقد يقعد به عن الزواج! ! والفتاةُ - هي الأخرى - لماذا تتزوج، وما الزوج المفضلُ لها؟ ولماذا ترفض الزواج - أحيانًا - وما المؤثراتُ التي تؤثر عليها في تأخير الزواج؟ وما أثرُ هذا التأخير على حياتها ومستقبلها؟ وماذا يُقال عن عزوبةِ الرجال وعنوسة النساء؟ أما المجتمع - سواء كان مجتمعَ الزوجين القريبين - أو المجتمعَ الكبيرَ بأسره، فيسأل: ما سُبل تيسيرِه للزواج؟ وما المعوقاتُ والعوائدُ الاجتماعية التي تُثقل بها كاهلَ الزوجين - من حيث يشعر أو لا يشعر، ويكون بها سببًا لتأخير الزواج! وفئةٌ رابعةٌ يحسن الحديث عنها وعن أثرها على الزواج، وعلى دورها في ترسيخ مفاهيم خاطئةٍ عن العلاقة بين الجنسين، ومشروعية الزواج وما ينبغي أن يكون لها أو لبعضها من أثرٍ في تيسير الزواج، ونشر المفاهيم الصحيحة لعلاقة الزوجين، والأهداف المشروعة من وراء عقد الزواج، إلى غير ذلك من نشر الوعي وصدِّ الهجمات المعادية. أيها الشاب المسلم: والمفترضُ أنك حين تَهمُّ بالزواج، وفي ذهنك عدةُ أغراضٍ، وتريد أن تحقق أكثر من هدف للزواج، فإحصانُ فرجِكَ عن الحرام طريقه الزواج المشروع: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا

стр. 2022

مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ (١). فلا النظرة المحرمة، ولا العادة السرية، ولا الارتماء في أحضان الساقطات ... يحقق لك أهداف الزواج وتحقيقُ سُنةِ الأنبياء ﵈ في الزواج - وإكمالُ الدين هدفٌ ينبغي ألا يغيب عن ذهنك، وقد قال الله تعالى لمحمد ﷺ : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ (٢). وتكثيرُ نسل المسلمين، والسعيُ لإيجاد ذريةٍ صالحةٍ تعتزُّ بها وتسعدُ في حياتك، وينفعك اللهُ بها والمسلمين بعد مماتك ... هدفٌ جليل ينبغي أن تضعه نصب عينيك، وتسعى في سبيله لاختيار الولود الودود من النساء، ومحمد ﷺ يوصيك بهذا ويقول: «تزوجوا الولودَ الودودَ، فإني مكاثرٌ بكم الأممَ يوم القيامة». ومن أهداف الزواج التي يباركها الإسلام، ترابطُ الأسرة، وتقويةُ أواصرِ المحبةِ بين الزوجين، وتنميةُ غزيرة الأبوةِ والأمومةِ، ومزيدُ الشعور بحقِّ الوالدين من خلالِ محبة الأطفال ورعايتهم، والشعورُ بمسؤوليةِ الزواج وما يدفعه إلى العمل وبذلِ الأسباب في سبيل الاستغناء وإغناء من يعولهم، كلُّ ذلك إيجابياتٌ وواجباتٌ حثَّ الإسلامُ عليها. وكل ذلك لا ينافي الاستمتاعَ بما أحل الله من ملاذ الدنيا، وقضاء الوطر حسب ما شرع الله: «فالدنيا متاع، وخيرُ متاعها المرأةُ الصالحة» رواه مسلم. وحين تكون هذه الأهدافُ حاضرةً في ذهنك، فإني أنصحك أخي الشاب أن تختار لنطفتك فالعرقُ دساس، وألا يكون الجمالُ وحده مؤشر الاختيار عندك، فكم من حسناء تنبت في منابت السوء، فإياك وخضراءَ الدِّمَنِ، وإذا كان رسولُ

стр. 2023

الهدى ﷺ قد حَدَّدَ الأغراض التي تنكح لها المرأةُ غالبًا، فقد قال في النهاية موصيًا: «فاظفر بذات الدين تربتْ يداكَ». وحريٌّ بك أن تختار زوجتك من بيئةٍ كريمةٍ، معروفة باعتدال المزاج وهدوء الأعصاب، والبعد عن الانحرافات الخلقية والنفسية، فإنه أجدرُ أن تكون هذه المرأة حانيةً على ولدها، راعيةً لحقِّ زوجها (١). قال ﵊: «خيرُ نساءٍ ركبن الإبل صالحُ نساءِ قريش، أحناه على ولدٍ في صغره، وأرعاه على زوجٍ في ذات يده» متفق عليه. أيها الشابُّ: ونذكرك ألا تكون الشهوةُ الجنسيةُ - هدفك الأول والأخير - مع حلِّها لك - كي تبلغ الكمال في رجولتك، وتُعدِّدَ أغراض الزواج في حاضرك ومستقبلك، لنفسك ولزوجك ولأولادك وللمجتمع من حولك، وإياك أن تُسرف في الشروط والمواصفات، أو أن تخشى الفقر من زواجك وأولادك، فتلك معوقاتٌ وهميةٌ فاحذرها، وإن طاردك شبحُ غلاء المهور، فعسى أن يجعل اللهُ لك مخرجًا ويرزقك من حيث لا تحتسب، والزم أمر الله: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٢)، وتمسك بهدي رسول الله ﷺ : «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغضُّ للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء» متفق عليه. أيتها الفتاة: ويُقال لكِ ما قيل للشاب في أغراض الزواج وحِكَمِهِ، ولا يغب عن بالِك أنك لبنةٌ مهمةٌ في بناء الأسرة المسلمة، وكم يحرص الأعداءُ على تقويض هذه الأسرة بوسائل مختلفةٍ، واعلمي أن في تأخيرك الزواج بحجج واهية تأخيرًا لبناءِ الأسرة، وتقليلًا لنسل الأمة المسلمة، واستجابةً لأهدافِ الأعداء، وتأثرًا بالغزو الفكري.

стр. 2024

أختاه: وفي زمن استشراءِ صورِ الإغراء والإغواء، واستهداف المرأة عمومًا بالإفساد، يلزم الفتاة ألا تَرُدَّ خاطبًا يُرضي دينُه، وخُلقُه، وأمانتُه، ومن حقها أن تتأكد أو يُتأكد لها عن استقرارِه النفسي، وطيب الأسرة التي ينتمي لها، وخلوِّه من الموانع الشرعية لمثلها ... وألا يكون تركيزُها على شكله الظاهر فحسب، أو على نوع وظيفته، ومركزه الاجتماعي. قال ﵊: «إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخُلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنةٌ في الأرض وفسادٌ عريض» (١). أيتها الفتاةُ المسلمةُ: وفي الزواج المبكر خيرٌ لك وللمجتمع من حولك، وهل غاب عنك أن أمَّ المؤمنين عائشة ﵂، دخل بها سيدُ المرسلين وهي بنتُ تسع سنين. متفق عليه. ولا ينبغي أن تقعد بك مواصلةُ الدراسة، أو الرغبة في الوظيفة أو مشورة الصديقة، أو رغبةُ الأهلِ في التأخير لأسباب غير مشروعة ... عن الزواج المبكر. كما لا ينبغي أن تؤثر فيك وسائلُ الإعلام الغازية، والمحذرة لك عن الزواج المبكر، فثمة ذئابٌ تلبس لبوس الضأن وتظهر بمظهر الناصح، والله أعلم بما يكتمون. أختاه: وحذاري أن يطاردك - في المستقبل - شبح العنوسةِ بسبب الرفض المبكر، والاعتذار عن الزواج حين يتواردُ الخُطَّاب، فأنتِ الخاسرُ الأكبر، وستعُضين أصابع الندامة، حين ينصرف الشبابُ عنكِ، وهل ترغبين أن تكوني مثل هذه المرأة التي قالت: «لا نرجو مالًا، بل نريد أزواجًا، شبحُ العنوسة يطاردنا»؟ ! .

стр. 2025

أختاه: احذري التبذلَ والسفور ومواطن الريب، ولا تُسْتَجَرِّي للاختلاط وسيّئ الأخلاق ... فكل ذلك يجعل الأزواج حذرين من التقدم لخطبتك، فهم يبحثون عن الأمينة العفيفة والجوهرة المصونة، تسّره إذا نظر إليها، وتحفظه في نفسها وماله وأولاده إذا غاب عنها، كما ينفر الأزواج من المرأة التي لا تقومُ بأعباء الحياة الزوجية وواجباتها، فليكن لك في بيت أهلك مراسٌ في أمور البيت، قبل أن تتحملي المسؤولية كاملة في بيت الزوج.

стр. 2026

الخطبة الثانية: الحمد لله ربّ العالمين، جعل الزواجَ عبادةً يتقرب بها العبدُ إلى مولاه، وامنَّ على عباده بنعمةِ الزوج والولد فقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ (١). وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، أخبر وهو الصادقُ المصدوق، عن قيمة الزواج بقوله: «من رزقه اللهُ امرأةً صالحةً، فقد أعانه على شطر دينهِ، فليتق الله في الشطر الباقي» رواه الطبراني والحاكم وقال: صحيح الإسناد. وقال ابنُ مسعود ﵁: لو لم يبق من أَجَلي إلا عشرة أيام وأعلم أني أموتُ في آخرها، ولي طوْل النكاح فيهن لتزوجتُ مخافة الفتنة (٢). اللهم صلِّ وسلم على نبينا محمد وسائر الأنبياء والمرسلين، وارضَ اللهم عن الصحابة والتابعين إلى يوم الدين. أيها المسلمون: ويشكل المجتمعُ عاملًا مساعدًا على الزواج أو عائقًا دونه، فبذلُ المحسنين لمساعدةِ المتزوجين يُسهم في كثرة الزواج ومبادرة الشباب للزواج، واستشعارُ عددٍ من الجمعيات الخيرية لدورها في دعم الشباب الراغب في الزواج ومساعدتهم، أو إقراضهم، كل ذلك خطوات إيجابية ومظاهر صحيّة تُشكر عليها هذه الجمعيات، ويُشكر القائمون عليها لاستشعارهم بهذا الدور الرائد. كما أن مما يُعد من مشجعات الشباب على الزواج تيسير المجتمع تكاليف

стр. 2027

الزواج، وتخفيض المهور، والاقتصاد في مؤنه، وإلغاء الموائِدِ المكلِّفة والتي لم ينزل الله بها من سلطان. أما ما يعدُ من معوقات المجتمع للزواج، فمنها: المغالاةُ في المهور وما يتبعها من تكاليف أخرى، والتشددُ أحيانًا في الشروط، والمؤسف حين يكون تأخيرُ الزواج سببه عَضْلُ الآباء لبناتهم، وعدمُ رغبتهم في زواجهن، مع كثرة الخُطَّاب الأكفاءِ لهن، ولا سيما إن كانت موظفةً يستفيد من مرتبها، ويخشى انقطاع ذلك بزواجها، وقد يرفضُ قبل أن يستأذنها. ومن المعوقات: إجبارُ الأهل للفتاة أو للفتى، على الزواج ممّن لا تتوفر فيه الرغبة، ليس لشيء إلا لصلة القرابة أو نحو ذلك، مما لا يستوجب إكراه الفتى أو الفتاة على الزواج، فتتأخر الفتاةُ أو الفتى عن الزواج بسبب ذلك. ومن الأخطاء التي تُمارس في المجتمع - أحيانًا - عدمُ استئذان الزوجة في الزوج الذي تريد أن ترتبط معه طيلة حياتها، وشريعة الإسلام، وسنة محمدٍ ﵊ تأمر باستئذانِ المرأةِ، يقول النبيُّ ﷺ : «لا تُنكح الأيمُ حتى تُستأمر، ولا تُنكح البكرُ حتى تُستأذن» قالوا: يا رسول الله وكيف إذنها؟ قال: «أن تسكت» متفق عليه. سئل شيخ الإسلام ابنُ تيمية ﵀ عن حكم إجبار البكر البالغة على النكاح، فقال فيه قولان: والصوابُ عدمُ إجبارها، ثم يقول: وأما تزويجُها مع كراهتها للنكاح فهذا مخالفٌ للأصول والعقول، واللهُ لم يسوّغ لوليها أن يكرهها على بيع أو إجارة إلا بإذنها، ولا على طعام أو شرابٍ أو لباسٍ لا تريده، فكيف يكرهها على مباضعةِ ومباشرةِ من تكره مباضعته ومباشرته ... إلخ كلامِه (١).

стр. 2028

أيها الوليُّ: ليس من حقك أن تُجبر ابنتك أو أختك على الزواج بمن تكرهه، أما إن كان الزوج صاحبَ فسقٍ مصرًا على الفسوق، فلا ينبغي أن يُزوج كما قال ابن تيمية (١). قالت عائشة ﵂: «النكاحُ رقٌّ، فلينظر أحدكُم أين يضعُ كريمته» (٢). أيها الأولياء: ومن السُّنة أن ينظرَ الخاطبُ إلى مخطوبته، ولكن دون خلوةٍ بها، قال ﷺ : «انظر إليها، فإنه أحرى أن يُؤدمَ بينكما»، أي: أجدرُ أن يدوم الوفاق بينكما (٣). قال العلماء: والأحاديث في النظر لم تُعين مواضع النظر، بل أُطلقت، لينظر إلى ما يحصل له المقصودُ بالنظر إليه، وليس النظرُ حكمًا مقصورًا على الرجل، بل وللمرأة؛ لأنه يعجبها ما يعجب الرجال وتكره ما يكرهون (٤). ومما ينبغي التنبيهُ عليه، ألا يطول أمدُ الخطبة، وليكن الردُّ - بعد السؤال والتحري - عاجلًا، إما بالقبولِ أو بالرّد، حتى لا تتأذى المخطوبة، ولا يتعطلُ الخاطب، ولطول الانتظارِ ألمٌ ونكدٌ لا يعرفه إلا من كابَده، والضررُ أشد إن فسخ الخِطبةَ بعد طول انتظار، وبعد أن ينسلخ من عُمر المرأة سنون، فذلك أحدُ أسباب العنوسة (٥) ودبلةُ الخطوبةِ تقليد غربي، لا أساس له في شريعة الإسلام، إذ لا يتم عقدُ أواصرِ الزوجية إلا بعقد الزواج المشروع، والقائم على الإيجاب والقبول، وقال شيخ الإسلام ابنُ تيمية: وينعقد النكاحُ بما عده الناسُ نكاحًا، بأي لغة ولفظٍ وفعل كان (٦). قال العلماء: وألفاظ الإيجاب مثل: زوجتُك، أنكحتك.

стр. 2029

والقبول مثل: قبلت، وافقت، أمضيت (١). أيها المسلمون: وإذا كانت وسائل الإعلامُ المقروءةُ والمسموعة أو المرئية، تعمل عملها في الشباب، فعملها في الفتيات أشدّ، لا سيما القنوات التي بدأت تغزو العقول والأفكار، وتسيء إلى القيم وتهدم الأخلاق، فاحذر أخي الشاب وأختي الفتاة، واحذروا أيها الأولياء من آثارها، فكم هيجت من غرائز، وكم أفسدت من عفيفِ أو عفيفة، وكم بلبلتْ من فكر، ولا سيما تلك التي تشوّه أحكام الله في النكاح والعشرة، فهذا برنامجٌ يعرض للاختلاط ويحطِّم الحواجز بين الأجانب من الجنسين ويتحدث الرجلُ إلى المرأةِ ويمازُحها وكأنها زوجته أو أخته، وتصور الخلوةُ المحرمة والسفور وكأنها تقدمٌ وحضارة، والحشمةُ والعفاف وكأنها تقاليدُ بالية، أما القُبلةُ وما وراءها من سفاسف الأمور المنتهية باللقاءات الجنسية، فكم تغزو أفلامُها بلاد المسلمين، وتقع المسؤولية الكبرى على الأولياء حين يوفرون هذه الأطباق العارضة لزبالة أفكار البشر وأخلاقهم، وغزوُ اليوم غزو أفكار وأخلاق، وعلى المسلمين أن يدركوا ميدان المعركة، وألا يقع أحدٌ منهم في أتونها. وعلى صعيد آخر، فكم تعرض وسائل الإعلام ما يشوّه صورة التعددِ المباح في الإسلام مثلًا، أو غير ذلك مما جاءت به شريعة الإسلام. وفي مقابل ذلك يمكنُ لوسائلِ الإعلام أن تكون وسيلةَ توجيهٍ، وإصلاحٍ تعرض لأحكام الله في النكاح، وتوضح سنة المصطفى ﷺ في الزواج، وتبيّن للزوجين أسسَ العشرة الصحيحة، وتعرض لأخطاء المجتمع بالنقد، وتنقل

стр. 2030

الصور الإيجابية ليعم النفعُ بها، وهكذا تتكامل الوسائلُ المصلحة، ويعود ذلك بأثره الإيجابي على المجتمع بأسره. اللهم يسِّر للشباب والفتيات نكاحهم، وبارك لهما، وبارك عليهما واجمع بينهم بخير.

стр. 2031

أفكار في الدعوة إلى الله (١) الخطبة الأولى: الحمد لله ربِّ العالمين جعل الدعوةَ إلى الله سبيل الأنبياء والمرسلين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أظهر دينَه على الدين كلِّه ولو كره المشركون، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، خاتمُ الأنبياء وقدوة الدعاة والمصلحين، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارضَ اللهم عن أصحابه أجمعين والتابعين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٣). إخوة الإسلام: الحديثُ عن الدعوة حديثٌ عن دين الله، والحديث عن الدعاة المخلصين حديث عن الصفوة من عباد الله، ولئن كان الحديثُ عن الدعوة والدعاة يطول ويتشعب وهو بمجمله نافعٌ ومفيد، إلا أنني سأقصر الحديث هنا على أمور، منها: أولًا: قيمة الدعوة وفضلُ الدعاة، وفي هذا يحكم الحقُّ ﵎ أن لا أحد أحسن قولًا ممن دعا إلى الله وعمل صالحًا: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٤).

стр. 2032

الدعوةُ إلى الله سبيلُ الأنبياء ﵈، وطريق المؤمنين التابعين يعني لهم إلى يوم الدين: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (١). وعن فضل الدعوةِ والدعاة قال ﵊: «من دعا إلى هُدًى كان له من الأجر مثلُ أجرِ من تبعه - إلى يوم القيامة - لا ينقص من أجورهم شيئًا». وفي الحديث الآخر: «لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك من حُمرِ النعم». ثانيًا: تجريدُ الدعوة وإخلاصُ الدعاة ... فلا ينبغي أن تقومَ الدعوةُ لأغراضٍ شخصيةٍ أو مطامعَ دنيويةٍ، ولا يليق بالدعاة أن يأكلوا بدعوتهم، أو يخادعوا الناس في حقيقتهم وواقع أمرهم، أو يتكلفوا ما لم يأذن به الله، وفي التنزيل: ﴿مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ (٢)، ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٣)، وإذا لم يخش أولئك المتزيدون بالدعوة الفضيحة في الدنيا، فليتذكروا الفضيحة الكبرى يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. ثالثًا: تاريخ الدعوة، إن تاريخ الدعوة إلى الخير والقسطِ قديمةٌ قدم الزمان، ومصاحبةٌ للأمم الخوالي، وقام بها الأنبياء ﵈ مع أممهم من نوح إلى محمد عليهم الصلاة والسلام: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ (٤)، استحقت أن يُقتل لها الأنبياء، ويُقتل أتباعهُم أو يعذبوا، وفي هذا يقول الحقُّ ﵎ حاكيًا نموذجًا من نماذج الدعوة والإيذاء. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ

стр. 2033

(٢١) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾. روى أبو عبيدة بنُ الجراح أن النبي ﷺ قال: «قتلت بنو إسرائيل ثلاثةً وأربعين نبيًا من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مئةُ رجل واثنا عشر رجلًا من عُباد بني إسرائيل فأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، فقُتلوا جميعًا في آخر النهار من ذلك اليوم، وهم الذين ذكرهم الله في هذه الآية» (١). وما أسوأ المجتمع إذا تحول إلى هذا النموذج السيّئ ولذا روي عن ابن مسعود ﵁ قال: قال النبيُّ ﷺ : «بئس القومُ قومٌ يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس، بئس القومُ قومٌ لا يأمرون بالمعروف، ولا ينهونَ عن المنكر، بئس القوم قوم يمشي المؤمن بينهم بالتقية» (٢). والقرآن يُحذر من هذه النماذج حين عرضها، ويحذر من الرضا عن أصحابها، وإن لم يفعلوا كفعلهم، ولهذا وقف القرطبي عند هذه الآية - بعد أن ساق النصوص السابقة متسائلًا، فإن قال قائل: الذين وُعظوا بهذا لم يقتلوا نبيًا. فالجواب عن هذا: أنهم رضوا فعلَ من قتل فكانوا بمنزلته. رابعًا: أمدُ الدعوةِ وأثرُها ... وعلى الدعاةِ ألا يحددوا زمنًا لأثرِ دعوتهم، فأمدُ الدعوة قد يطول، وآثارها قد لا تظهر إلا بعد حين، وحسب الدعاة أن يتسلوا بقوله تعالى عن نوح ﵇: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ (٣). وفي هذه القرونِ المتطاولة من أول الرسل ﵇ كانت الدعوةُ مستمرةً ليلًا ونهارًا، سرًا وعلانية.

стр. 2034

خامسًا: لا يأس ولا إحباط ... ومهما طال أمدُ الدعوة أو قلَّ الاستماعُ للدعاة، فلا ينبغي أن يُحبطوا أو ييأسوا، وكيف يُحبط الدعاةُ أو ييأسون وقد قيل للمرسلين قبلهم: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ (١) وقيل: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٢)، وكيف يحبطون لقلةِ الأتباع وقد قيل لأحد المرسلين: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (٣). وفي الحديث يأتي النبيُّ ومعه الرجلُ والرجلان، ويأتي النبيُّ وليس معه أحد! سادسًا: وللدعوة تكاليفُ، وعلى الدعاةِ أن يتحملوا الأذى في سبيل الله، وألا يجعلوا فتنة الناس كعذاب الله. وسنةُ الله في الابتلاء جاريةٌ: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (٤). سابعًا: والصبرُ زادُ الدعوة، وهو طريق لتمكين الدعاة: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ (٥)، ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (٦)، ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (٧). ثامنًا: وهناك أدواءُ مهلكةٌ وعلى الدعاة أن يحذروها كالعُجْبِ والرياء، والطمع في السيادة والرئاسة، والحسد والغرور، ونحوها. تاسعًا: ولا ينبغي أن ترتبط الدعوةُ بالأشخاص أو تحدَّ بمناهجَ ضيِّقةٍ، فالأشخاصُ يذهبون ويجيئون، والمناهج يطرأ عليها التغيير، وهي والأشخاصُ عرضةٌ للخطأ، وينبغي أن يكون المعوَّلُ في الدعوة على هدي الكتاب والسنة،

стр. 2035

وينبغي أن يُتخذ من منهج الأنبياء ﵈ طريقًا في الدعوة، ومن قال الله عنهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (١). عاشرًا: وإذا كان الجوهرُ ثمينًا فينبغي أن يكون الوعاءُ الحاملُ له نظيفًا سليمًا، وكذلك الدعوة، ينبغي أن تُحمل للناس وتؤدّى بالحكمة والموعظة الحسنة، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٢)، وليُحذر من الغلظة والشدةِ والفظاظة: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (٣)، وما كان الرفقُ في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه. حادي عشر: والدعوةُ تكون بحقٍّ، وقد تكون بباطل، وكما يوجد دعاةٌ إلى الحقِّ، فثمة دعاةٌ للباطل، فهناك دعاةٌ للملل غير الإسلام، وهناك دعاةٌ لنحلٍ باطلة - وإن انتسب أصحابها إلى الإسلام - وهناك منافقون يتسترون بالإسلام، ويخفون الكفر والإلحاد، وهناك مبتدعة تختلف مشاربُهم وتلتقي أهدافهم لمحاربة الإسلام والسنة، وخاب وخسر من كان في منظومة الدعاة على أبواب جهنم، والمصيبة حين ينشط هؤلاء المبطلون، ويُصاب أهلُ الحق والسُّنَّةِ بالضعف أو الهوان، أو يدعم أولئك، ويُضَيِّقُ على هؤلاء. ثاني عشر: والتميزُ بين أصحاب الحقِّ والباطل قديم في الأمم، وفي «صحيح مسلم» عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ما من نبيٍّ بعثه الله في أمةٍ قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلُفُ من بعدهم خلوفٌ يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم
следующие страницы →