أفكار في الدعوة إلى الله (١)
الخطبة الأولى:
الحمد لله ربِّ العالمين جعل الدعوةَ إلى الله سبيل الأنبياء والمرسلين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أظهر دينَه على الدين كلِّه ولو كره المشركون، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، خاتمُ الأنبياء وقدوة الدعاة والمصلحين، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارضَ اللهم عن أصحابه أجمعين والتابعين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٣).
إخوة الإسلام: الحديثُ عن الدعوة حديثٌ عن دين الله، والحديث عن الدعاة المخلصين حديث عن الصفوة من عباد الله، ولئن كان الحديثُ عن الدعوة والدعاة يطول ويتشعب وهو بمجمله نافعٌ ومفيد، إلا أنني سأقصر الحديث هنا على أمور، منها:
أولًا: قيمة الدعوة وفضلُ الدعاة، وفي هذا يحكم الحقُّ ﵎ أن لا أحد أحسن قولًا ممن دعا إلى الله وعمل صالحًا: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٤).
стр. 2032
الدعوةُ إلى الله سبيلُ الأنبياء ﵈، وطريق المؤمنين التابعين يعني لهم إلى يوم الدين: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (١).
وعن فضل الدعوةِ والدعاة قال ﵊: «من دعا إلى هُدًى كان له من الأجر مثلُ أجرِ من تبعه - إلى يوم القيامة - لا ينقص من أجورهم شيئًا».
وفي الحديث الآخر: «لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك من حُمرِ النعم».
ثانيًا: تجريدُ الدعوة وإخلاصُ الدعاة ... فلا ينبغي أن تقومَ الدعوةُ لأغراضٍ شخصيةٍ أو مطامعَ دنيويةٍ، ولا يليق بالدعاة أن يأكلوا بدعوتهم، أو يخادعوا الناس في حقيقتهم وواقع أمرهم، أو يتكلفوا ما لم يأذن به الله، وفي التنزيل: ﴿مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ (٢)، ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٣)، وإذا لم يخش أولئك المتزيدون بالدعوة الفضيحة في الدنيا، فليتذكروا الفضيحة الكبرى يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
ثالثًا: تاريخ الدعوة، إن تاريخ الدعوة إلى الخير والقسطِ قديمةٌ قدم الزمان، ومصاحبةٌ للأمم الخوالي، وقام بها الأنبياء ﵈ مع أممهم من نوح إلى محمد عليهم الصلاة والسلام: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ (٤)، استحقت أن يُقتل لها الأنبياء، ويُقتل أتباعهُم أو يعذبوا، وفي هذا يقول الحقُّ ﵎ حاكيًا نموذجًا من نماذج الدعوة والإيذاء. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ
стр. 2033
(٢١) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾.
روى أبو عبيدة بنُ الجراح أن النبي ﷺ قال: «قتلت بنو إسرائيل ثلاثةً وأربعين نبيًا من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مئةُ رجل واثنا عشر رجلًا من عُباد بني إسرائيل فأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، فقُتلوا جميعًا في آخر النهار من ذلك اليوم، وهم الذين ذكرهم الله في هذه الآية» (١).
وما أسوأ المجتمع إذا تحول إلى هذا النموذج السيّئ ولذا روي عن ابن مسعود ﵁ قال: قال النبيُّ ﷺ : «بئس القومُ قومٌ يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس، بئس القومُ قومٌ لا يأمرون بالمعروف، ولا ينهونَ عن المنكر، بئس القوم قوم يمشي المؤمن بينهم بالتقية» (٢).
والقرآن يُحذر من هذه النماذج حين عرضها، ويحذر من الرضا عن أصحابها، وإن لم يفعلوا كفعلهم، ولهذا وقف القرطبي عند هذه الآية - بعد أن ساق النصوص السابقة متسائلًا، فإن قال قائل: الذين وُعظوا بهذا لم يقتلوا نبيًا. فالجواب عن هذا: أنهم رضوا فعلَ من قتل فكانوا بمنزلته.
رابعًا: أمدُ الدعوةِ وأثرُها ... وعلى الدعاةِ ألا يحددوا زمنًا لأثرِ دعوتهم، فأمدُ الدعوة قد يطول، وآثارها قد لا تظهر إلا بعد حين، وحسب الدعاة أن يتسلوا بقوله تعالى عن نوح ﵇: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ (٣).
وفي هذه القرونِ المتطاولة من أول الرسل ﵇ كانت الدعوةُ مستمرةً ليلًا ونهارًا، سرًا وعلانية.
стр. 2034
خامسًا: لا يأس ولا إحباط ... ومهما طال أمدُ الدعوة أو قلَّ الاستماعُ للدعاة، فلا ينبغي أن يُحبطوا أو ييأسوا، وكيف يُحبط الدعاةُ أو ييأسون وقد قيل للمرسلين قبلهم: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ (١) وقيل: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٢)، وكيف يحبطون لقلةِ الأتباع وقد قيل لأحد المرسلين: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (٣).
وفي الحديث يأتي النبيُّ ومعه الرجلُ والرجلان، ويأتي النبيُّ وليس معه أحد!
سادسًا: وللدعوة تكاليفُ، وعلى الدعاةِ أن يتحملوا الأذى في سبيل الله، وألا يجعلوا فتنة الناس كعذاب الله. وسنةُ الله في الابتلاء جاريةٌ: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (٤).
سابعًا: والصبرُ زادُ الدعوة، وهو طريق لتمكين الدعاة: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ (٥)، ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (٦)، ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (٧).
ثامنًا: وهناك أدواءُ مهلكةٌ وعلى الدعاة أن يحذروها كالعُجْبِ والرياء، والطمع في السيادة والرئاسة، والحسد والغرور، ونحوها.
تاسعًا: ولا ينبغي أن ترتبط الدعوةُ بالأشخاص أو تحدَّ بمناهجَ ضيِّقةٍ، فالأشخاصُ يذهبون ويجيئون، والمناهج يطرأ عليها التغيير، وهي والأشخاصُ عرضةٌ للخطأ، وينبغي أن يكون المعوَّلُ في الدعوة على هدي الكتاب والسنة،
стр. 2035
وينبغي أن يُتخذ من منهج الأنبياء ﵈ طريقًا في الدعوة، ومن قال الله عنهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (١).
عاشرًا: وإذا كان الجوهرُ ثمينًا فينبغي أن يكون الوعاءُ الحاملُ له نظيفًا سليمًا، وكذلك الدعوة، ينبغي أن تُحمل للناس وتؤدّى بالحكمة والموعظة الحسنة، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٢)، وليُحذر من الغلظة والشدةِ والفظاظة: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (٣)، وما كان الرفقُ في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه.
حادي عشر: والدعوةُ تكون بحقٍّ، وقد تكون بباطل، وكما يوجد دعاةٌ إلى الحقِّ، فثمة دعاةٌ للباطل، فهناك دعاةٌ للملل غير الإسلام، وهناك دعاةٌ لنحلٍ باطلة - وإن انتسب أصحابها إلى الإسلام - وهناك منافقون يتسترون بالإسلام، ويخفون الكفر والإلحاد، وهناك مبتدعة تختلف مشاربُهم وتلتقي أهدافهم لمحاربة الإسلام والسنة، وخاب وخسر من كان في منظومة الدعاة على أبواب جهنم، والمصيبة حين ينشط هؤلاء المبطلون، ويُصاب أهلُ الحق والسُّنَّةِ بالضعف أو الهوان، أو يدعم أولئك، ويُضَيِّقُ على هؤلاء.
ثاني عشر: والتميزُ بين أصحاب الحقِّ والباطل قديم في الأمم، وفي «صحيح مسلم» عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ما من نبيٍّ بعثه الله في أمةٍ قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلُفُ من بعدهم خلوفٌ يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم
стр. 2036
بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبةُ خردل» (١).
ثالث عشر: ولذا فمن أهداف الدعوة ومسؤولية الدعاة تعليم الجاهل، وتذكيرُ الغافل، والحوارُ مع الشاكِّ والمتردد، يُنْشَرُ بالدعوة الخير، ويقام العدل، ويحاصرُ الباطلُ، وتصحح المفاهيمُ الخاطئة، ويكشف زيف المبطلين، تُنشر بها أعلامُ السنة، وتُقمع البدع، ويحذر من أصحاب الشهوات والأهواء، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (٢).
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وسنة رسوله، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين.
стр. 2037
الخطبة الثانية:
الحمد لله ربِّ العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين.
وعن وسائل الدعوة يقال كلامٌ كثير، ويُقترح وسائلُ نافعةٌ بإذن الله، كالمحاضرة والدرس والندوة والموعظةِ الحسنة، وتوزيع الكتاب، والشريط والمطوية النافعة، والدعوة عبر الرسالة والمراسلة، وفي محيط الأسرة، والجيران، وبين زملاء العمل والدراسة وأصدقاء العمر، وفي المناسبات العامة، وداخل المدن أو في القرى والمناطق النائية، وعبر الكتابة في وسائل الإعلام، أو البرامج المذاعة، وفي التجمعات الشبابية، أو دور الرعاية، وأماكن الإصلاحيات والسجون، والاستفادة من إمكانات الحاسب ومواقع الانترنت، وداخل أروقة المستشفيات، وغرف المرضى، وفي الفنادق والاستراحات المؤجرة، واستثمار الأوقاف الخيرية العامة في الدعوة إلى الله ... إلى غير ذلك من الوسائل التي قاربت المائة وسيلة عند بعض المعنيين برصد الوسائل الدعوية، وقد يزيدها آخرون.
وفوق ذلك كله فهناك وسائل دعويةٌ قد يُغفلُ عنها مع يسرها، وعدم الكلفة فيها، والاقتدار عليها، وحين يكون الحديث عن وسائل الدعوة لا بد من الإشارة إلى أهمية التجديد في وسائلها بشكل عام، ولا بد من القناعة أن ما صلح لزمن قد لا يكون بالضرورة هو الأصلح لزمان أو مكان آخرين، فحسنُ تعامل الموظف مع المراجعين، وتيسيرُ أمورهم أسلوبٌ من أساليب الدعوة - إذا أحسن الموظف تقديمه وتوظيفه، والسماحة في البيع والشراء، والنصحُ وعدمُ الغش أو المغالاة في السعر أسلوب في الدعوة يملك به الباعةُ قلوبَ المشترين، لا سيما إذا قدموه على أنه جزءٌ من تعاليم الإسلام وهديه. والمعلمُ
стр. 2038
المخلصُ في رسالته التعليمية، والمدركُ لدوره التربوي، والمنصفُ لطلابه، والمتأدبُ الخلوق مع زملائه، هو أحدُ الدعاةِ إلى الله - وإن لم يتَسَمَّ بذلك فلا عبرة بالمسميات - ولكنها الوسائل النافعة ورصيد الأخلاقيات. والمرأةُ المحتشمة في لباسها، والهادئةُ في طبعها، وتعاملها، والمبتسمةُ في وجه صويحباتها، والمعرضةُ عن ما لا يعنيها والداعيةُ للخير بسلوكياتها، هذه تعمل عملها، وربما فاق أثرُها حديثًا نظريًا طويلًا. يا أيها المقتدرُ على حاجةٍ من حوائج المسلمين، ولربما كان في قضائك لأحدهم حاجةً أثر في قبول صاحب الحاجة للخير، وانصرافه عن شرٍّ هو واقعٌ فيه، ولربما كانت هذه منك إليه رسالةً وأنت لا تدري، ما لم يكن في تقديم هذه الحاجة محظور.
أيها المسؤول: وأنت في موقع مسؤوليتك مهما صغرت أو كبرت تستطيعُ أن تُقدم الخير، وتدعو إلى دين الله من خلال فرص الخير التي أقدرك الله عليها، وأنت أدري الناسِ بها، لا سيما إذا لم يكن كرسيُّ المسؤولية هدفك، والتعالي على الناس غرورًا لحق بك، والمطامعُ الشخصيةُ هي المحركة لتصرفاتك.
أيها المسلمون: وكم نغفل - في أساليب الدعوةِ إلى دين الله - عن إسعاف مريض، أو نقلِ مصاب، أو إعانة متعطل في البراري أو الطرق السريعة - وقد يكون أحوجَ ما يكون لمساعدتك ووقوفك إلى جانبه - ومواقف المعروف والإحسان تبلغ - أحيانًا - مبلغها، وتؤثر أثرها في الآخرين، وقد نشعر بذلك وقد لا نشعر ... إلى غير ذلكم من وسائل قد لا نقدرها حقَّ قدرها، وقد تبلغ في آثارها مبلغًا عظيمًا، والمهم أن تُقدر كُلَّ موقفٍ، وتحتسب على الله كلَّ حركة، وتخلص النية وتحسن القصد، وتوظف ذلك في الدعوة لدين الله، وقد كان المعلمُ الأول ﷺ يحتسبُ في نظرته وابتسامته ومزاحه، فضلًا عن جدِّه وأمره ونهيه، ولكم في رسول الله أسوة حسنة.
стр. 2039
إن من الخطأ - معاشر المسلمين - أن نقصر الدعوة على وسائلَ محددةٍ، أو نخصَّ بها صنفًا من الناس، لا نجاوزها إلى غيرهم، ففي ذلك غمطٌ لحقوق الآخرين، وتحجيرٌ لواسع.
وإذا عُدّت وسائلُ الدعوة فينبغي أن تشمل كلّ جهدٍ خيرٍ نفع اللهُ بجهد صاحبه الإسلامَ والمسلمين. وينبغي أن يتسع مفهومُ الدعاةِ لكل داعيةٍ إلى الخير، مهما كان موقعُه وأيًا كانت وسيلته، ما دامت في إطار الشرع الحنيف، ولربما غاب عن أنظار الناس أشعثُ أغبر، لو أقسم على الله لأبره، ولكنه معدودٌ عند الله في طليعة الذين يأمرون بالقسط من الناس، وكم في ميدان الدعوة من جنودٍ مجهولين وهم من الأخفياء الأتقياء.
أيها المؤمنون: وأنتم مدعوون جميعًا لتكونوا من أنصار الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ﴾ (١)، وبالإيمان والعمل الصالح يتحقق لكم الخير، وبالدعوة إلى الله والأمر بالمعروف تكونون من المفلحين.
стр. 2040
وقفات مع الزلزال المدمّر (١)
الخطبة الأولى:
الحمد لله ربِّ العالمين، جعل الأرضَ قرارًا، وجعل خلالها أنهارًا، وجعل لها رواسي، وجعل بين البحرين حاجزًا، أإله مع الله! بل أكثرهم لا يعلمون، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ومن آياته الليلُ والنهارُ والشمسُ والقمر، ومن السنة الإلهية والقدرات الربانية أن الشمس لا ينبغي لها أن تدرك القمر، ولا الليلُ سابق النهار، وكلٌّ في فلك يسبحون، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، أخبر الأمة عن الآيات البينات في الكون والأنفس والآفاق، فآمن المؤمنون وأبى المبطلون، اللهم صلِّ وسلم عليه، وعلى سائر أنبياء الله ورسله، وارضَ اللهم عن أصحابه أجمعين والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٣).
عباد الله: ومن تأمل أحوال الكونِ وما فيه من مخلوقات وموجوداتٍ أدرك عظمة الله وكمال قدرته، وتفرُّدَه بالربوبية والألوهية: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (٤).
стр. 2041
فالسماءُ مرفوعةٌ بلا عمد، وهي سقف العالم المرفوع، والأرضُ مستقرٌّ ومستودع، وقد ذلَّلها الله وأرساها ليمشي الناسُ في مناكبها، ويستخرجوا خيراتها، والشمسُ والقمرُ سراجان يُزهران، وبهما ضياءُ الكون ونورُه، ولا يتخلف نورُهما إلا لعارضٍ يقدره العليمُ الخبيرُ، والنجومُ مصابيحُ وزينةٌ وأدلة للمسافرين، والجواهرُ والمعادن مخزونة في هذا العالم العجيب، وأنواعُ النباتِ وصنوفُ الحيوان، كل ذلك مسخَّر لبني الإنسان ... كل ذلك ليُستدل به على عظمة الخالق وليُعبد الله وحده لا شريك له ... ولِتُعْمَرَ الأرضُ بذكره وشكره.
أيها المسلمون: وفي مفتاح دار السعادة حديثٌ مطولٌ عن بديع خلق الله في الكون، بسمائِهِ وأرضه ونجومه وأحيائِه، وهو جدير بالقراءة والتأمل.
إخوة الإسلام: بين عشية وضحاها تحولت مساحةٌ قدرها مائةٌ وإحدى وثلاثون ألف كيلومتر مربع شمال غرب تركيا، إلى ساحة لمأساة مفتوحة، تملؤها مشاهدُ الموت والدمار، ويلفها الحزنُ الكئيب، وتعصفُ بها رياحُ الفزعِ والأمطار الحمضية القاتلة، خمسةٌ وأربعون ثانية فقط - من زلزال تركيا المدمّر - كانت كافيةً لوقوع ما يقرب من خمسة وأربعين ألف قتيل وجريح، ومائتي ألف مشرد في العراء، يبحثون عن مأوى، والألمُ يعتصرهم، ومخاوفُ المستقبل تحيط بهم، ورائحة الموتى، وحطامُ المباني، والبحثُ عن أقاربهم، تبثُّ الرعب في قلوبهم، وتزيدهم هلعًا، إنها ثوانٍ تعصف بالحياة والأحياء، وتخلِّف خسائر تقدّر بخمسةٍ وعشرين مليار دولار، وأعظم منها خسائر الأرواح التي لا تعوض.
سبحان الله ... ! في لحظة من الزمن كان من هو أعلى الأرض في أسفلها، ونقص عدد الأحياء، وارتفع مؤشر الأموات، فضلًا عن الرعب والرهبة، وكيف لا يكون ذلك، وقد ذكر أحدُ المراصد الأمريكية أن هذا الزلزال يعادل قوة أربع
стр. 2042
مائة قنبلةٍ ذرية من النوع الذي ألقي على هيروشيما - من قبل - (١).
عباد الله: ولا غرابة أن يكون الحدثُ محل اهتمام العالم ومتابعاته، وما حدث في تركيا يفوق الوصف، وتعجِزُ الأقلامُ وتتعثر الألسنُ وهي تصف الحدث وأثره، وفي خلال خمس وأربعين ثانية - لم تبلغ الدقيقة - تغير ما على وجه الأرض من الحياة والأحياء، وأسفر الحدثُ عن آلاف القتلى والجرحى، فضلًا عن المفقودين، واتسعت دائرة الحدث الذي لم يستكمل الدقيقة لتمتد على مساحة ثلاث مائة كيلو طولًا، وما يقرب من أربعين كيلو عرضًا، ولتشمل مجموعةً من البشر والمنشآت فتخلفها أجداثًا وأنقاضًا، وتترك ورائها آلافًا من البشر دون مأوى، إلى غير ذلك من أرقام موحشة وأنَّاتٍ موجعةٍ، وخسائر فادحةٍ في الأرواح والممتلكات.
ترى ما العبرُ والدروس والوقفات المهمة وراء الحدث؟
- الوقفة الأولى: القدرةُ الإلهية وضعفُ البشر، فأيُّ قدرة مهما بلغت لا تستطيعُ أن تعملَ بهذه القدرة والسرعة كالذي حصل في زلزال تركيا وغيره من الزلازل والبراكين الأخرى، وفي مواقع متعددةٍ من العالم، والحدث مع قوته مفاجأةٌ لا تملك هيئة أو جهة التحذير منه قبل وقوعه بوقتٍ كافٍ، للإخلاء على الأقل، فضلًا عن أن تملك التحذير قبلَ فترة تمكِّنُ الناسَ من تقليل الخسائر، إنه قدرُ الله وتوقيته، ولا أحد يملك العلمَ أو التدخلَ، وكفى بالله وكيلًا، ومن جانب البشر تتضاءل قواهم، وينحصر جُهدهم في الإنقاذ على بطء، ولربما سمعوا الأنين ولم يستطيعوا الوصول إلى صاحبه إلا بعد مفارقتِهِ الحياة، ولربما التهمت الأرض من الموتى ما يقارب من خرجوا أحياء أو في عداد الموتى، بل
стр. 2043
ويظهر الضعفُ في البشر بعد وقوع الحدث، فعمليةُ الإنقاذ سارت ببطءٍ في بدايتها، وهوُ الفاجعة وضعفُ الإدارة أخَّر عمليات الإنقاذ لساعات طويلة، حتى خرجت عناوينُ الصحف التركية منتقدةً لهذا الوضع، ومن هذه العناوين: (الدولة تحت الأنقاض)، (أتى الصليب الأحمر، أين الهلال الأحمر)، (أنقرة نمر من ورق) (١).
إنها صورةٌ مكشوفة من صور قدرة الله وضعف البشر أمامها.
- الوقفة الثانية: أنفرحُ للمصاب أم نحزن؟ ولربما فرح البعضُ لما حصل، وتعليلهم أن في ذلك درسًا لكل من يتمرد على شرع الله ويحارب أولياءَهُ، ويضيق الخناق على سنة محمد ﷺ ، ويستدلُ هؤلاء بأن تركيا مؤخرًا أقامت للعلمانية سوقًا رائجة، حكمت بموجبها البلاد وطارت العباد، ونحّت شرع الله، ومنعت الخيرين من مزاولة الإصلاح ودعوة الناس للخير، وتقام الدنيا من أجل امرأةٍ محجبةٍ دخلت البرلمان، بل ويُمنع الحجاب في المدارس والجامعات، وتُنحَّى الأحزابُ الإسلاميةُ عن الحكم، وتُباح المحرمات كالزنا والخمور ونحوها، إلى غير ذلك من أمورٍ لا شك أنها محاربةٌ لله ولرسوله وللمؤمنين ... ولكن الأمر لا ينتهي إلى ذلك فقط - بل ينبغي أن نستشعر الحزن لما حصل في تركيا، فثمة طوائف من المتضررين من إخواننا المسلمين، ولا حول ولا قوة لهم، بل قد يكونون كارهين لما يقع، وأمرٌ آخر ينبغي أن نستشعره دائمًا؛ فما يقع من مصيبة في بلد من بلدان المسلمين هو مصيبة على العالم الإسلامي بأسره، يُنقص فيه من موارده، ويفنى فيه عددٌ من طاقاته، وأهمُّ من ذلك كله فناءُ عدد من أبناء الأمة الإسلامية. وهؤلاءُ أو أبناؤهم من بعدهم هم
стр. 2044
من جنود الإسلام وحماته، فكيف إذا كان زلزالٌ هنا أو فيضانات هناك، وجفاف في موقع ثالثٍ من عالمنا الإسلامي وهكذا. أفنفرح بالمصاب على إخواننا وننسى أنها مصيبتنا جميعًا؟
الوقفة الثالثة: وفرقٌ بين التشفِّي والفرح، وبين الاعتبار والتأسف، فحين نعتبر بما يقع بجزء من عالمنا، ونصلح ما فينا نحن من خللٍ، فذلك خيرٌ من أن ننشغل بنقد الآخرين والتسلي بأحداثهم، ومن باب الاعتبار نقول: وينبغي ألا ننسى أنه كان لتركيا يومًا من الدهر تاريخٌ مجيد. لقد كانت موطن الخلافة الإسلامية، ورائدة الفتوح في مشرق الأرض ومغربها، ولا تزال شعوبٌ مسلمةٌ تدين بالفضل بعد الله للأتراك إذ دعوهم للإسلام وأدخلوهم في قوائم المسلمين ... ومع ما أُخِذَ على الدولة العثمانية من مآخذ فقد كانت إيجابياتها ظاهرة لكل منصف ... وهنا يرد السؤال وهو أيضًا للاعتبار؟ ماذا دهى تركيا في تاريخها المعاصر؛ لماذا استبدلت الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ وهل ينجح المستعمرون في فصل تركيا عن العالم الإسلامي وهي لحمة منه، وعضوٌ فاعلٌ من أعضائه؟ .. وهل تحرك هذه المصائبُ الواقعةُ مشاعر العقلاء، وهل تكون تلك الخسائرُ الفادحةُ نذرًا يستيقظ فيها الأتراك المخلصون فيعيدون تاريخ أجدادهم السابقين، وهل يسارع العالم الإسلامي في مساعدة إخوانهم الأتراك في مصابهم، أم تسبقهم الدولُ الغربية، متخذةً من ذلك وسيلةً لمزيد من التغريب والعلمنة، في بلدٍ كان يقود العالم الإسلامي بأسره؟ ومما يلفت النظرَ - في زلزال تركيا - أن تُستغلُ المساعداتُ الإنسانية لمآرب سياسية، فقد تحدثت صحيفة (معاريف) الصهيونية صراحةً عن أن: تل أبيب، وعواصم الاتحاد الأوروبي قررت تقديم الدعم للنظام العلماني التركي في محنته، خوفًا من سقوطه أمام موجة الاستياء الشعبي، وخشية أن يستفيد الإسلاميون من هذه
стр. 2045
الحالة لتوسيع نفوذهم (١). من هنا ينبغي أن يفكر المسلمون بالفرح أو الحزن لما يجري ويحدث في تركيا، ولا ينبغي أن تَغلِبَ العواطفُ دون نظرٍ عميق وخطوات متزنة وشاملة للتقييم.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٢).
стр. 2046
الخطبة الثانية:
الحمد لله ربِّ العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاةُ والسلام على سائر أنبياء الله والمرسلين.
أيها المسلمون: أما الوقفة الرابعة فهي بين المصائب والذنوب، فمما لا شك فيه ارتباط العقوبات الإلهية بذنوب البشر وانحرافهم، وهذا لا يخص تركيا وما وقع فيها، بل يعم كلَّ أرضٍ ويشمل جميع البشر، وتلك سنةٌ إلهية مضت وتتكرر ليتعظ الناس ويصلحوا أحوالهم: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (١).
يقول تعالى مؤكدًا هذه السنة: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (٢)، ويقول جلّ ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ (٤)، إلى غير ذلك من نصوصٍ تُخَوِّفُ المسلم من آثار المعصية وتحسسه بارتباط العقوبة بالذنب، وتنذره قبل يوم الحساب.
الوقفة الخامسة: إذا كثر الخبث ... والسؤال المطروح: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم إذا كثر الخبث» وفي الحديث: «إن الناس إذا رأوا الظالمَ ثم لم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمَّهم اللهُ بعقاب من عنده»، ومن هنا تأتي قيمةُ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة للخير ومحاربة الفساد، وكشف أوكار المفسدين حتى لا تغرق السفينة ويتساقط الأبرار مع الفجار، عن
стр. 2047
أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يبيت قومٌ من هذه الأمةِ على طعام وشراب ولهوٍ، فيصبحون قد مسخوا خنازيرَ، وليخسفن بقبائل فيها، وفي دور فيها حتى يصبحوا فيقولوا: خُسف الليلة ببني فلان، خسف الليلة ببني فلان، وأرسلت عليهم حصباءُ حجارة، كما أرسلت على قوم لوط، وأرسلت عليهم الريح العقيم، فتنسفهم كما نسفت من كان قبلهم بشربهم الخمر، وأكلِهم الربا، ولبسهم الحرير، واتخاذهم القينات، وقطيعتهم الرحم، قال: وذكر خصلة أخرى فنسيتُها (رواه الحاكم وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم).
الوقفة السادسة: بينا يكونُ المرء فيها مُخبرًا، وإذا به خبرٌ من الأخبار، وسبحان الله كم بين الحياة والممات؟ ما هي إلا عددٌ من الثواني، وإذا بصفحة الحياةِ كلِّها تطوى، وينتقل المرء من حالٍ إلى حال، ومن دارٍ إلى أخرى. تاركًا وراءه نوايا وإرادات وهمومًا وأعمالًا عاجلة الأجل دون إتمامها. وهنا يرد السؤال: حين ينام المرءُ ماذا يبيِّت من النوايا وهو قد لا يصبح، وحين يستقل سيارته مسافرًا ماذا ينوي وهو قد لا يعود من سفره، ولقد أدرك الناسُ أن زلزال تركيا وقع في الهزيع الأخير من الليل وما من شكٍّ أن عددًا ممن قبضت أرواحهم في الحدث كانوا ركعًا لله سجدًا، وعددٌ أكبر كانوا يقضون الليل بسهرات صاخبة بأنواع من المعاصي والسلوكيات المنحرفة، وعددٌ يؤمنون بيوم المعاد، وعددٌ آخر يظنون الحياة الدنيا نهاية المطاف ... وهكذا: همومٌ ونوايا ... قد يهلك أصحابها جميعًا بحدثٍ عام، ولكنهم يبعثون على نياتهم يوم القيامة.
الوقفة السابعة: والسعيدُ من وُعظ بغيره، وكم ننشغل بأحداث الآخرين وننسى أنفسنا، والله يمهل ولا يهمل، وقد يبتلي قومًا بالضراء ويبتلي غيرهم بالسراء، وقد تكون النازلةُ في بلد من بلدان المسلمين نذيرًا لهم ولمن وراءهم
стр. 2048
من المسلمين، والسعيدُ من وُعِظَ بغيره، والمسكين من خدعه الأمل، وغرّه طولُ الأجل، وفي القرآن عمومًا تذكيرٌ مستمرٌّ لنا بمن أصبحوا في ديارهم جاثمين، وبمن أصبحوا لا يُرى إلا مساكنهم، وبالقرية الآمنة المطمئنة يأتيها رزقُها رغدًا من كل مكان، فكفرت بأنعم الله، فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون، فهل نتعظ بمن مضى ومن لحق .. ؟
الوقفة الثامنة: ولا تعارض بين قدر الله ومعرفة العلماء بالحدث أو تحليل أسبابه، فقد تقع الزلازلُ في أرض يفسر أهلُ الاختصاص جيولوجيًا سبب وقوعه، وقد يقع الكسوفُ أو الخسوف وفق حسابات يعلمها الفلكيون بالحساب ... لكنَّ أحدًا من البشر لا يستطيع أن يقدم موعد الزلازل أو يؤخرها، أو يختار مكانها، أو يحدد خسائرها، فذلك لله وحده، وكذلك الكسوف والخسوف فعلمُ البشر ينتهي عند حسابه، لكنهم لا يملكون تقديمه أو تأخيره أو اختيارَ مكانه ... وإذا علم هذا فلا ينبغي أن يكون دورُ وسائل الإعلام الإخبارَ عن هذه الحادثات الكونية وتجريدها من بأس الله وقوته، وانحرافِ البشر وعقوبتهم، ولا ينبغي التركيزُ كذلك على التحذير من عمى الأبصار، وإغفال الحديث عن عمى البصيرة - وهو أشد - وهكذا ينبغي أن يتميز الإعلام الإسلامي بطَرْقِ الأحداث جامعًا بين الحقائق العلمية، والسنن الإلهية، وينبغي أن يذكرهم بشدة بأسِ الله وغيرته حين تُنتهك محارمه، وإنه لبالمرصاد، وإنَّ أخْذَه أليم شديد.
الوقفة التاسعة: هزات أرضية تبعث الحياة، وتلك هي نوعٌ آخرُ من هزات الأرض تنبعث لها الحياة، بخلاف الهزات التي تؤدي إلى الوفاة، وهذه الهزة الباعثةُ على الحياة برهان للبعث والنشور، وآيةٌ على قدرة العزيز العليم، وعن هذا النوع من الهزة ودرسها قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا
стр. 2049
أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١).
الوقفة العاشرة: وفوق ذلك كلَّه، فكثرةُ الخسوف في الأرض أمارةٌ من أمارات الساعة، وفي الحديث الصحيح عن حذيفة بن أسيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الساعة لا تقوم حتى تكون عشرُ آيات: الدخانُ والدجال والدابة وطلوعُ الشمس من مغربها، وثلاثةُ خسوف: خسفٌ بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف في جزيرة العرب، ونزولُ عيسى ابن مريم، وفتحُ يأجوج ومأجوج، ونارٌ تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر، تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا». رواه أحمد ومسلم وغيرهما.
стр. 2050
من مقاصد الحج وأسراره ومعانيه وعشر ذي الحجة (١)
الخطبة الأولى:
الحمد لله جعل الحجَّ إلى بيته الحرام ركنًا من أركان الإسلام، لا يتم إسلامُ العبدِ إلا بأدائه، وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له، جعل التطوافَ في مشاعر الحج ومناسكه هديًا للأنبياء عليهم الصلاةُ والسلام، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، خالف قومه المشركين في عوائدِهم في مناسك الحج، واتّبع ملةَ إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارضَ اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (٢)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٣).
أيها المسلمون: للحجِّ مقاصدُ جليلة، ومعانٍ عظيمة، وآثارٌ إيجابية كثيرة على الفرد في ذات نفسه، وعلى الأمة المسلمة بمجموعها، وحريٌّ بالمسلم أن يعلمَ شيئًا منها إن حجَّ العام أو أعوامًا تليها، حتى تؤتيَ العبادةُ غرضها، وتتحقق
стр. 2051
للحاج منافعُ الحج التي أخبر عنها المولى بقوله: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ (١).
وإليك - أخي المسلم، أختي المسلمة - شيئًا من مقاصد الحجِّ ومعانيه، ومنها:
١ - مزيدُ الارتباط بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام من لَدُن إبراهيم ﵇ حيث بنى البيت، وابنهِ إسماعيل ﵇، إلى نبينا محمد ﷺ حيث عظَّم البيت، وأعاد له طهره وتوحيده، وحطَّم الأصنام المحيطة به، ولم يعد للمشركين سلطانٌ عليه، وحي ينزل الحاج في تلك الرحاب الطاهرة يرتبط في ذهنه سِيَرُ الأنبياء ويتجذّر في قلبه الاقتداءُ بهم، والله يقول: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (٢).
٢ - وفي الحج تحقيقٌ للعبوديةِ لله وإذعانٌ لشرعه، فلا ترى الحاجَّ إلا متذللًا خاضعًا لله، منكسرًا بين يديه، متجردًا من ملابسه، مسافرًا عن أهله وبلدِه، تاركًا شهواته وملاذه لله ربِّ العالمين، وتراه في الحج يتنقل من عبادةٍ إلى أخرى، تلبيةٍ وذكرٍ وصلاةٍ، ودعاء، طوافٍ ... وسعي، رمي وحلق وهدي ... وهكذا تتحقق العبوديةُ للحاج بأوفى صورها وأتمِّ معانيها، وحريٌّ بهذه العبودية لله أن تستمر في سلوكيات المسلم بعد الحج، وحريٌّ بهذه الطاعة لله والاستسلام لشرعه أن تدوم في مكة أو سواها من بلاد الله.
٣ - ويتذكرُ الحاجُ الفطنِ بأعمالِ الحج ومناسكه الموتَ والآخرة، ألا تراه يلبس ما يُشبه الأكفانَ حين يُحرم، متجردًا عن زينةِ الدنيا، متخففًا من كلِّ لباس عدا إزارٍ ورداءٍ يلفُّ بهما جسدَه، ويستر بهما عورتَه، لا فرق في ذلك بين الغني والفقير، والملكِ والمملوك، والصغير والكبير ... وإذا كان هذا التجردُ من الدنيا وزينتها بوابةَ الآخرة، فالحاج كذلك يتذكر الآخرةَ وجمعَها، حين يجتمعُ
стр. 2052
الناسُ على صعيد عرفات، وحين يبلغُ الزحامُ مبلغه في الطواف والسعي، ورمي الجمار، وقد تكون واحدةٌ من هذه المشاعر بدايةَ نقلِهِ إلى الآخرة، فكم من حاجٍّ في القديم والحديث قضى نحبه في مشاعرِ الحج ولم يعد إلى أهله.
٤ - ومن مقاصد الحج ومعانيه: ارتباطُ المسلمين بقبلتهم التي يولون وجوههم شطرَها في صلواتهم خمسَ مراتٍ في اليوم، ومع ارتباط الحجِّ بالصلاة، إذ الكعبةُ قبلتهم في الصلاة والحج، فالارتباطُ بالكعبة هنا سِرٌّ بديع يحققُ للمسلمين أصالتهم ويذكرُهم بتاريخهم العظيم، وينبغي أن يصرفهم عن التوجه إلى غربٍ كافر، أو شرقٍ ملحدٍ، وأن يُشعرهم هذا التوحدُ في الاتجاه في أركان الإسلام بالتوحدِ في الكلمة، والهدفِ، والقيم الخالدة، وذلك كلُّه مصدرُ قوةٍ وعزةٍ للمسلمين لو عقلوه وعملوا به.
٥ - وفي الحج إرهابٌ لأهلِ الكفرِ والضلال بهذا الاجتماعِ العظيم للمسلمين، فإنهم وإن كانوا مفترقين مختلفين، فإنَّ اجتماعهم في الحج وتوحدهم في المشاعر مؤشرٌ إلى إمكانية اجتماعهم وتوحدهم في غير الحج، واجتماع المسلمين وتوحدهم - لاشك - مقلقٌ للكفار مرهبٌ للأعداء لا سيما وموسمُ الحجِّ تبرز فيه المفاصلةُ التامةُ مع أهل الشرك والكفر ويُحظَرُ حضورهم لهذه المناسبة بأي شكل من الأشكال منذ نزول قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (١).
٦ - ومن أسرارِ الحجِّ ومقاصده تربيةُ النفوس على جملٍ من معاني الخير ومكارم الأخلاق، إذ تتدربُ نفسُ الحاجِّ على الصبرِ والتحمل، والصفح والعفو، والنفقةِ والبذلِ والإحسان، وتعليم الجاهل، والدعوة للخير، وهذه
стр. 2053
المعاني والمكتسباتُ الخُلقية - ونحوها - يمارسها الحاجُّ ويحتاج إلى التعامل بها مع رفقته الأقربين، ومع سائر الحجاج من إخوانه المسلمين، وحريٌّ بمن كَسَبَ هذه الأخلاق في الحج أن يحافظ عليها بعد الحج.
٧ - ومن المعاني والأسرارِ اللطيفة في الحج: تعويدُ النفسِ على انتظارِ الفرجِ بعد الشدة، وفي الحجِّ درسٌ عمليٌّ، يقول: إن الشَّدةَ لا تطول، وإن الفرج بعد الضيق، وإن مع العسر يسرًا، ألا ترى الحجاج وهم يسعون بين الصفا والمروة يتذكرون ما مرَّ بأم إسماعيل من ضيق وشدة وما أعقبه من فرج وفضل ورحمة. بل ألا ترى الحاج يبصر - أحيانًا - شدة الزحام في المطاف أو المسعى أو رمي الجمرات، فيضيقُ صدره، وربما ظن أنه غيرُ مستطيع أداءَ هذا النسك، ثم لا يلبثُ إلا قليلًا ... وإذا بالضيق يخفُّ شيئًا فشيئًا، وبالشدة تذهب رويدًا رويدًا، وبالجموع المخيفة تَنْقَلُ، وبالرهبة تخفُّ حتى يؤدي المرءُ ما كان متهيبًا من أدائه من قبل، ولربما أضمر المرءُ حين الشدة أنه لن يحج بعد العام، فلما كان الفرجُ واليسرُ زال ذاك الهمُّ، وتبدل العهدُ والوعد، وهكذا تنتهي الشدائد وتُفرج الكربات، لا في مشاعرِ الحجِّ وحدها، بل وفي كلِّ مكانٍ وزمانٍ، وعلى المسلم ألا ييأسَ من رَوْحِ الله ... ولا يقنط من فضله ونصر أوليائه.
٨ - وفي الحج تذكيرٌ بقيمةِ الزمن وإمكانية استثماره في طاعة الله أمثلَ استثمار ... فالحاجُّ في برهة يسيرة من الزمن يحقق من الطاعات والقربات ما هو جديرٌ بتحفيزه على استمرار استثمار الوقت بما ينفع، فالوقتُ رأس مالِ الإنسان، والوقت أَجَلُّ ما يُصان عن الإضاعةِ والإهمال، ومن المؤسف أن تضيع أوقاتُ المسلم سُدًى، ولربما أمضى فترةً من عُمره وشطرًا من حياته في أمور لا تنفعه شخصيًا، وتخسر بها الأمة طاقةً من طاقاتها ... وفي الحجِّ ومناسكه وانتقال المرءِ فيه من عبادةٍ إلى أخرى ما ينبغي أن يشحذَ الهمم،
стр. 2054
ويقوي العزائم على استثمار الوقتِ بعد الحج فيما ينفع به نفسه، وتستفيد الأمةُ المسلمةُ من ورائه.
٩ - أيها الحاج: أما مغفرةُ الذنوب، ورفعةُ الدرجات في الجنان فذاك الذي أخبر عنه المصطفى ﷺ بقوله: «من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمُّه» رواه البخاري ومسلم، ويقول ﷺ : «العُمرة إلى العمرة كفارةٌ لما بينهما، والحجُّ المبرور ليس له جزاءٌ إلا الجنة». رواه مسلم.
يا عبدَ الله: وإذا كان لك ماضٍ تستحي من ذكره، وتخافُ الله من حسابك، فاستغفر الله وتب إليه بالحج، فقد قال النبيُّ ﷺ لعمرو بن العاص ﵁ حين جاء مسلمًا مشترطًا أن يُغفر له: «وإن الحجَّ يهدم ما كان قبله» رواه مسلم.
١٠ - أيها الحاج: وفي الحج تنبعث عبوديةُ الشكرِ لله وتقوى، فالحاجُّ يُبصر الشيخ الضعيف، والفقير والمسكين، ومن يفترشون الأرض ويلتحفون السماءَ، يبصر الأعرج والأعمى، والمريض والمبتلى والمعاقين والزَّمني ... وأصنافًا من خلق الله حلَّ بهم ما هو منه سالمٌ معافى، فيدعوه ذلك لشكرِ أنعمِ الله عليه، ويتذكرُ ما هو فيه من نعمةٍ قد لا تتوفر عند غيره، فيقيدُ هذه النعمِ بالشكر، ويلهجُ لسانُه وقلبه بالذكرِ والشكرِ، بل وفوق ذلك كلِّه يتذكر نعمة الإسلام التي هو فيها، والأمم والشعوب التي حُرِمتها فيزيد شكره وتمسكه بدينه، ويعودُ من رحلة الحجّ مستمسكًا بالدين الحق، داعيًا غيره ممن لم يتذوق نعمة الإيمان واليقين.
حجاج بيت الله: ولا يليق بالمسلم أن يحافظ على الواجبات كالصلوات المفروضة في الحج فحسب، فإذا ما عاد تهاون بها، كما لا يليق بالمسلم أن يمتنع عن المحرمات، فإذا ما انتهى من رحلةِ الحجِّ مارسها، بل وأطلق لنفسه العنان فيها.
أيها الحاج: ألا فاتخذوا من ذكر الله وتلاوة كتابه - في الحج - والحرص
стр. 2055
على السنن المشروعة بشكل عام فرصةً لتعويدِ النفسِ عليها، والمداومةِ عليها بعد الحج.
وإذا ما قُدّر لك - أخي الحاج - أن تطَّلع على شيء من أحوال إخوانك المسلمين وحوائجهم - في الحج - فليكن ذلك داعيًا لك للاهتمام بشأن المسلمين ومتابعة قضاياهم وسدِّ حوائجهم بعد الحج.
وبهذه المشاعر والمعاني والأحاسيس والمقاصد يعود للحجِّ قيمته وأثره، ويعود الحاجُّ ممتلئًا بأسرار الحج ومنافعه ... وإنما شرعت الطاعاتُ والقرباتُ في الإسلام لتهذيب النفوس وتزكيتها، وترويضها على الفضائل، وتطهيرها من النقائص، وتحريرها من رقِّ الشهوات، والرقي بها إلى أعلى المقامات والكرامات، ودونك هذه المعاني وأكثر، في قوله تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩) ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ (١).
стр. 2056
الخطبة الثانية:
الحمد لله أفاء على عباده من مواسم الخيرات ما يرفع لهم به الدرجات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدُه لا شريك له، نِعمُه لا تعدُّ ولا تحصى، ومن تأمل في شريعة الإسلام وجد بها السماحة والندى والفضل العظيم لمن أناب واهتدى، أعمالٌ ماحيةٌ للذنوب والمعاصي، ومواسمُ للطاعات يرتفع بها العبدُ درجات ... ذكرٌ وشكر، صلاةٌ وصيام، سننٌ ونوافل، صدقاتٌ وصلات، وأضاحي.
وأشهد أن محمدًا رسولُ الله، ندب الأمة إلى المسارعة في الخيرات، وخصَّ ربُّه بالفضل أيامًا معدودات ... والموفق من اغتنم المواسم وسابق الخيرات، اللهم صلِّ وسلم عليه، وعلى سائر الأنبياء والمرسلين.
عبادَ الله: وفضلُهُ ورحمته تشمل الحجاج وغيرَهم، بُشراكم معاشر المسلمين بأيامٍ أوشكت أن تعمكم بفضلها، وهنيئًا لمن قدّر فضلَ الزمان فاستثمره بالطاعة، وتقرب إلى مولاه بالعبادة الخالصة.
عشرُ ذي الحجة أيامٌ فضّلها الله على ما سواها، وأقسم بها تعظيمًا لشأنها، فقال جلّ ثناؤه: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ (١).
قال ابنُ عباس، وابنُ الزبير، ومجاهدٌ وغيرُ واحدٍ من السلفِ والخلف: إنها عشرُ ذي الحجة.
قال ابنُ كثير: وهو الصحيح، ونسبه الشوكاني إلى جمهور المفسرين (٢).
стр. 2057
وبيَّنَ المصطفى ﷺ فضل عمل الصالحات فيها، فقال في الحديث الذي أخرجه البخاريُّ وغيرُه: «ما من أيامٍ العملُ الصالح فيهن أحبُّ إلى الله منه في هذه الأيامِ العشر» قالوا: ولا الجهادُ في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهادُ في سبيل الله، إلا رجلٌ خرج بنفسِه وماله ولم يرجع من ذلك بشيء».
قال ابنُ حجر ﵀: والذي يظهر أن السببَ في امتياز عشر ذي الحجة لمكان اجتماعِ أمهاتِ العبادة فيه، وهي الصلاة والصيامُ والصدقة والحج، ولا يتأتى ذلك في غيره (١).
عبادَ الله: ومن الطاعات المشروعةِ في هذه العشر الإكثارُ من الذكر كالتهليل والتكبير والتحميد، وفي هذا يقول النبيُّ ﷺ : «ما من أيام أعظمُ عند الله ولا أحبُّ إليه العملُ فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد» (٢).
قال العلماء: والتكبيرُ في الأضحى مطلق ومقيد، فالمقيدُ عقيبَ الصلوات، والمطلق في كل حال في الأسواق وفي كل زمان (٣).
وقد أخرج البخاري في «صحيحه» معلقًا مجزومًا به أن ابن عمر وأبا هريرة ﵄ كانا يخرجان إلى السوق أيام العشر يكبران ويكبرُ الناسُ بتكبيرهما (٤) فمن يُذكِّر الناسَ في هذه الأيام بالتكبير فبه شبهٌ بهذين الصحابيين الجليلين، ومن أحيا سنةً نبويةً أميتت فله من الأجر مثلُ من عمل بها من غير أن ينقص من أجور العاملين شيئًا (٥).
стр. 2058
أيها المسلمون: والصيام قربةٌ إلى الله في كل زمان، ولا شك أنه في الأزمنة الفاضلة أحبُّ إلى الله وأكثر أجرًا، فمن قدر على صيام شيء من هذه العشرِ فأجرُه على الله ... ومن ضعفت همتُه فلا أقل من صيامِ يوم عرفة لغير الحاج، فقد جاء في فضله أنه: «يُكفر السنة الماضية والسنة القابلة» رواه مسلم.
أيها المسلمُ والمسلمةُ: وإن تيسَّر لك الحجُّ فهو من أعظم الأعمال في هذه العشر، وإن لم يتيسر فاحرص على الأعمال الصالحة بشكل عام كالذكرِ وتلاوة القرآن وكثرة السُّنن - بعد المحافظة على الفرائض - وصلة الأرحام، والصدقة على الفقراء والمحتاجين، والأمرِ بالمعروفِ والدعوةِ للخير وزيارة المرضى، والصلاة على الأموات، وزيارة المقابر، والدعاء للأحياء والأموات ... إلى غير ذلك من قربات يجدر بك أن توليها من العناية في هذه العشر أكثر ممّا توليها في سائر الأيام.
أيها المؤمنون والمؤمنات: عشرُ ذي الحجة غُرةٌ في جبين الدهر، لا تتكرر في العام إلا مرة، فكيف ستكون هممكم للطاعةِ حين تُستثار الهممُ؟ وأين موقع خيلكَ أيها المسلم والمسلمة - للسباق حين تُضمرُ جيادُ الآخرين؟ وما مدى شعورك بقيمةِ الزمن، وتقديرك لمواسم الطاعة؟ هل تشعرُ بالفرح وأنت تنتظرها، وهل تكونُ من العاملين المخلصين حين مجيئها؟
وليس يخفى أن الجهاد في سبيل الله ذروةُ سنام الإسلام، فإن عجزتَ أو لم يُقدَّر لك الجهاد، ففي عمل الصالحات - في هذه العشر - فرصةٌ للتعويض، ووسيلةٌ لبلوغ أجرِ المجاهدين، وقد مرَّ بك أنَّ عمل الصالحات فيها أحبُّ إلى الله إلا رجلٌ خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع بشيء من ذلك - وإن كان الجهادُ من حيث الجملة أفضلَ مما سواه - لكنَّ عملَ الصالحات في هذه العشر له مزيةٌ وفضل (١).
стр. 2059
أيها المسلمُ والمسلمة: وحاذر من المعاصي في كل زمان ومكان، وعظِّمْ حرمات الله بشكل عام، والأزمنةَ الفاضلةَ بشكل خاص، وقد سُئل شيخُ الإسلام ﵀ عن عقوبة المعاصي في الأزمنة الفاضلة فقال: «والمعاصي في الأيام الفاضلة والأمكنة المفضلة تغلظُ، وعقابُها بقدر فضيلة الزمان والمكان» (١).
عباد الله: ومما يجدر التنبيهُ عليه أنَّ من أراد الأضحية فعليه أن يمسك عن الأخذِ من شعرِه وظفره وبشرته منذُ دخول العشر حتى يذبح أضحيته لقوله ﷺ : «إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدُكم أن يضحي فليمسك عن شعرِه وأظفاره حتى يُضحي»، وفي رواية: «فلا يمسَّ من شعرِه وبشرته شيئًا» رواه مسلم.
والأمرُ هنا - كما قال العلماء - للوجوب، والنهيُ - عن الأخذ - للتحريم، لكن لو تعمد الأخذَ فعليه أن يستغفر الله ويتوب إليه، ولا فدية عليه إجماعًا، ومن احتاج إلى أخذِ شيءٍ من ذلك لتضرره ببقائه كانكسار ظفرٍ أو جرح عليه شعرٌ يتعين أخذه - أو نحو ذلك - فلا بأس، ولا حرج على الرجل والمرأة أن يغسل رأسه في هذه العشر، فالنهي عن تعمدِ الأخذ، وينبغي أن يعلمَ أيضًا أن النهيَ يخص صاحبَ الأضحية دون الزوجة والأولاد، إلا إن كان لأحدٍ منهم أضحيةٌ تخصه، كما أن النهي لا يشمل الموكَّل بذبح أضحيته عن حي أو ميت، وإنما يخص صاحب الأضحية فقط. أما من عزم على الحج وله أضحية فإنه لا يأخذ من شعره وظفره إذا أراد الإحرام؛ لأنَّ هذه سنة عند الحاجة، فيرجح جانبُ الترك على جانب الأخذ، أما تقصيرُ المتمتع لشعره حين الانتهاء من العمرة فلا بأسِ بهِ؛ لأن ذلك نسك، وكذا حلقُ الرأس يوم العيد بعد رمي جمرة العقبة (٢).
стр. 2060
مكفرات الذنوب (١)
الخطبة الأولى:
الحمد لله واهبِ النعم ومجزلِ الفضل دافع النقم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، غافرُ الذنب وقابلُ التوب شديدُ العقاب، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه صفوةُ البشرِ، وخير من حج واعتمر، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر النبيين والمرسلين، وارضَ اللهم عن الصحابة أجمعين، والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٢).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٣).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (٤).
عبادَ الله: وعاد حُجاجُ بيت الله سالمين غانمين - إن شاء الله - معافيْنَ في أجسادهم، آمنين في أداء مناسكهم، ونسأل الله أن يديم لهذا البيت أمنه، وأن يزيده تشريفًا وتعظيمًا، وأن يجزل المثوبة لكل من أسهم في أمنِه وتعظيمه، وتيسير السبلِ، والراحة للحجاج والمعتمرين.
حجاجَ بيت الله: هنيئًا لمن تقبل الله عمله فعاد من حجِّه كيوم ولدته أمُّه: «والحجُّ المبرور ليس له جزاءٌ إلا الجنة» وهل للمسلم غايةٌ أعظم من الجنة،
стр. 2061
وفي الحج فرصةٌ لإظهار عالميتنا الأصيلة، فشعَارُنا في الحج واحد ومناسكنا واحدة، والعربي والأعجمي والغني والضعيف كلنا في صعيد واحد، يتوحدُ لباسنا وتتوحد مشاعرنا، وفرق بين هذه العالمية الأصيلة والعولمة المصطنعة.
أما من خرج حاجًا أو معتمرًا، فأدركته المنيةُ قبل إتمام نسكه، فأجره على الله: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (١)، وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من خرج حاجًا فمات، كُتب له أجر الحاج إلى يوم القيامة، ومن خرج معتمرًا فمات، كُتب له أجر المعتمر إلى يوم القيامة، ومن خرج غازيًا فمات، كُتب له أجر الغازي إلى يوم القيامة» (٢).
وفضل ربي واسع، ومن لم يكتب له الحج هذا العام ووفق لصيام يوم عرفة، كفر اللهُ عنه به السنة الماضية والباقية. (رواه مسلم بمعناه).
وعن أبي يعلى: «من صام يوم عرفة غفر له ذنب سنتين متتابعتين». ورجاله رجال الصحيح (٣).
بل إن فضل الله واسع، يمتد ليشمل أصحاب الطاعات الخالصة لله، فقد روى أبو داود بسند حسن عن أبي أمامة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: «من خرج من بيته متطهرًا إلى صلاة مكتوبة، فأجره كأجر الحاج المحرم، ومن خرج إلى تسبيح الضحى لا ينصبه إلا إياه، فأجره كأجر المعتمر، وصلاةٌ على أثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين» (٤).
стр. 2062
إخوة الإسلام: ومن فضل الله على هذه الأمة أن ختام العام في شهر ذي الحجة وفيه مغفرة الذنوب لمن حج البيت، أو صام يوم عرفة - لغير الحاج - وابتداءُ العام التالي بشهر الله المحرم، وفي يومُ عاشوراء، وصيامُ عاشوراء يكفر السنة الماضية - كما روى مسلمٌ في «صحيحه»، وبين شهر الله المحرم، وشهر ذي الحجة يأتي شهر رمضان، ومن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه.
أيها المسلمون: ولا ينقطع فضل ربنا، ولا تنتهي مكفرات الخطايا والذنوب عند أعمال الحج والصيام.
بل توجد مكفرات للذنوب نمارسها في اليوم والليلة، كالصلوات، فالصلوات الخمس، مكفرات لما بينها إذا ما اجتنبت الكبائر، ومساكين من يضيِّعون هذه الصلوات أو يتهاونون في أدائها، ومكفراتٌ نمارسها متى شئنا في ليلٍ أو نهار، ولا تكلفنا إلا تحريك اللسان واستحضار القلب، كالذكر والاستغفار، وفي الحديث المتفق على صحته قال ﷺ : «من قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر» (١).
دونكم - معاشر المسلمين - ذكرًا قد يبدأ به أعداد من المسلمين، فيعاجلهم الشيطان فيقطعونَهُ قبل إتمامه، وإذا عوجل المسلم عن إتمام الذكر ... وهو بعد في المسجد؛ فكيف ترى الشيطان يصنع به خارج المسجد، وعن هذا الذكر يقول المصطفى ﷺ : «من سبح اللهَ في دبرِ كلِّ صلاةٍ ثلاثًا وثلاثين، وحمد الله ثلاثًا وثلاثين، وكبر اللهَ ثلاثًا وثلاثين، فتلك تسع وتسعون، وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير،
стр. 2063
غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر» (١) إن في ذلك لمزية للمصلين وفضلًا للذاكرين.
أيها المسلمون: ومن مكفرات الذنوب ما نكره وقوعُه علينا ظاهرًا وإن كان فضلًا من الله ورحمة بنا باطنًا، كالأمراضِ نحاذرها جميعًا، ونتقي أسبابها، فإذا حلت بأحدنا وصبر واحتسب كانت كفارة لسيئاته ورفعةً لدرجاته، وكذا المصائب في الأموال والأولاد ... وعن هذه وتلك يقول المصطفى ﷺ : «إن العبد إذا سبقت له من الله منزلةٌ لم يبلغها بعمله، ابتلاه الله في جسده، أو في ماله، أو في ولده، ثم صبَّره على ذلك حتى يُبلغه المنزلة التي سبقت له من الله تعالى» (٢).
قال يزيدُ بن ميسرة ﵀: إن العبدَ ليمرض وما له عند الله من عمل خيرٍ، فيذكِّره اللهُ سبحانه ببعضَ ما سلف من خطاياه، فيخرجُ من عينه مثلُ رأسِ الذباب من الدمع من خشية الله، فيبعثه الله إن يبعثْهُ مطهرًا، أو يقبضه إن قبضه مطهرًا» (٣).
عبادَ الله: والهمومُ والأحزانُ التي تصيب المسلمَ هي الأخرى مكفراتٌ للخطايا، أخرج البخاريُّ ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ما يصيبُ المؤمنَ من نَصَبٍ - وهو التعبُ الشديد - ولا وصبٍ - وهو المرض - ولا همٍّ ولا حزنٍ ولا أذىً ولا غمٍّ، حتى الشوكة يُشاكها إلا كفَّر الله بها من خطاياه».
стр. 2064
وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا كثرت ذنوبُ العبدِ فلم يكن له من العمل ما يكفرها ابتلاه الله بالحزنِ ليكفرها عنه» أخرجه أحمدُ بسند حسن (١).
يا أخا الإسلام: وثمةُ أعمالٌ يسيرة ولكنها عندِ الله عظيمةٌ لمن احتسب أجرَها، وهي داخلةٌ في مكفرات الخطايا، فالصلاةُ على الرسول ﷺ جاء في فضلها قوله ﷺ : «من صلى عليَّ واحدة صلى الله عليه عشر صلوات، وحطَّ عنه عشرَ خطيئات، ورفع له عشرَ درجات»، أخرجه أحمدُ وغيره بإسناد صحيح (٢).
وسلامُ المسلم على أخيه المسلم من أسبابِ مغفرةِ الذنوب، وفي الحديث: «ما من مسلميْن يلتقيان فيتصافحان إلا غفر الله لهما قبل أن يتفرقا» أخرجه أحمدُ والترمذي وغيرُهما بسندٍ حسن (٣).
وإدخالُ السرور على المسلم موجبٌ للمغفرةِ، قال ﷺ : «إن من موجبات المغفرة إدخالَ السرورِ على أخيك المسلم» (٤). وهذه أعني إدخال السرور على المسلم - فوق ما فيها من مغفرة الذنوب، هي نموذج لعظمة الإسلام في بناء العلاقات الحسنة بين المسلمين.
يا أخا الإسلام: وهل أعظمُ من ربٍّ وأسمى من دين تأكل الأكلة فتحمده عليها، فيغفر الله ذنبك، أو تلبَسُ الثوب فتحمده عليه فيغفر ذنبك، وفي هذا يقول المصطفى ﷺ : «من أكل طعامًا فقال الحمدُ لله الذي أطعمني هذا الطعام ورزقنيه من غير حولٍ مني ولا قوة، غفر اللهُ له ما تقدم من ذنبه، ومن لبس ثوبًا
стр. 2065
فقال الحمد له الذي كساني هذا ورزقنيه من غير حولٍ مني ولا قوة غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر». رواه أحمدُ والحاكم بسند حسن صحيح (١).
يا عبدَ الله: ألا ما أعظم فضلَ الله وأكثر طرقَ الخير والمغفرة، فسارع إلى الخيرات جهدك، وإياك أن تغتَّر بعملك، أو تمنَّ على الله بما هداك له، بل الصالحون يأتون ما آتوا وقلوبهم وجلة، وأولئك قال الله عنهم: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ (٢).
جعلنا الله منهم ... أقول ما تسمعون وأستغفر الله ...
стр. 2066
الخطبة الثانية:
الحمد لله خلق الخلق لعبادته، ووعد الطائعين جنته، وجعل مصير الكافرين النار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله ... صلى الله عليه وعلى إخوانه وآله ..
إخوة الإسلام: ويتصل بمكفراتِ الذنوب والخطايا، عيادةُ المريض، والوضوء، والصلاة ..
يقول ﷺ : «ما من رجلٍ يعود مريضًا ممسيًا إلا خرج معه سبعون ألف ملكٍ يستغفرون له حتى يصبح، ومن أتاه مصبحًا خرج معه سبعون ألف مَلَكٍ يستغفرون له حتى يمسي» رواه أبو داود والحاكمُ بسند صحيح (١).
وتأمل - يا أخا الإيمان - ما في الوضوء من تكفير للخطايا، فقد روى مسلمٌ في «صحيحه» من حديث عمرو بن عبسة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «ما منكم من رجلٍ يقرب وضوءه فيتمضمضُ ويمجُّ ويستنشقُ فينتثرُ إلا جرت خطايا وجهه وفيه وخياشيمه، ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله إلا جرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثم يغسلُ يديه إلى المرفقين إلا جرت خطايا يديه من أطراف أنامله مع الماء، ثم يمسح رأسَه كما أمره الله إلا جرت خطايا رأسه من أطرافِ شعره مع الماء، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين كما أمره الله إلا جرت خطايا رجليه من أطراف أنامله مع الماء، فإن هو قام فصلى فحمد الله وأثنى عليه، ومجده بالذي هو أهلُه، وفرّغ قلبه لله، إلا انصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمُّه» (٢).
عبادَ الله: ويومكم هذا يومٌ عظيم يكفر الله به الخطايا لمن تطهر وأتى
стр. 2067
المسجدَ، وأنصت للخطبة، يقول ﷺ : «ما من رجل يتطهر يوم الجمعة كما أُمر، ثم يخرجُ من بيته حتى يأتي الجمعة وينصت حتى تقضى صلاته إلا كان كفارةً لما قبله من الجمعة» (١).
يا عبدَ الله: ويرشدك المصطفى ﷺ إلى طريق من طرق مغفرة الذنب فيقول: «ما من عبدٍ يذنب ذنبًا، فيتوضأُ فيحسنُ الطُّهور، ثم يقومُ فيصلي ركعتين، ثم يستغفرُ الله لذلك الذنب إلا غفرَ الله له» رواه أحمد وغيرهُ بإسناد صحيح (٢).
أيها المسلمون: وطرقُ الخير لا تنتهي، وكفاراتُ الذنوب أكثرُ من أن تحصر، وصلاةُ الضحى واحدةٌ من المكفرات، وفي الحديث: «من قعد في مصلاه حين ينصرفُ عن صلاة الصبح حتى يُصلي ركعتي الضحى لا يقول إلا خيرًا، غُفرت له خطاياه وإن كانت مِثْلَ زبد البحر». رواه أحمد وأبو داود، وأبو يعلى بسند صحيح (٣).
وصلاةُ الليل كذلك مكفرةٌ للسيئات، وفي الحديث: «عليكم بقيام الليل فإنه دأبُ الصالحين قبلكم، ومقربة لكم إلى ربكم، ومكفرة للسيئات، ومنهاةٌ عن الإثم، ومطردة للداءِ عن الجسد». رواه الترمذي وابنُ أبي الدنيا وابنُ خزيمة والحاكم وصححه (٤).
والطوافُ بالبيت في عداد المكفرات، وفي الحديث الذي أخرجه الترمذيُّ والنسائي والحاكم بسند صحيح عن ابن عمر ﵄، قال ﷺ : «من طاف بهذا البيت أسبوعًا فأحصاه، كان كعتق رقبة، لا يضعُ قدمًا ولا يرفعُ أخرى، إلا حطَّ الله عنها بها خطيئة وكتب له بها حسنة» (٥).
стр. 2068
إخوة الإسلام: تلك إشارات إلى بعض المكفرات للخطايا يمكن إجمالهن في أكثر من خمسة عشر مكفرًا: الحج، والصلاة المفروضة، والنافلة، والصوم، والوضوء، والسلامُ، وحمدُ الله عند أكل الطعام أو لبس الثوب، والصلاةُ على الرسول ﷺ ، والذكرُ، والأمراضُ والمصائبُ، والهمُّ والحزن، وعيادةُ المريض، والتطهُر والإنصاتُ للجمعة وصلاة الليل، والطواف بالبيت وإدخال السرور على المسلم، وإن كان هناك أمورٌ غيرها استوقفت العلماء السابقين واللاحقين فألّفوا في مكفرات الخطايا والذنوب، من أمثال المروزي، والمنذري، والأوزاعي وابن حجر العسقلاني، ومن المتأخرين، حامد أحمد، محمد حسين العقبى، لكنني أقف في نهايتها مذكرًا بأمرين: أحدهما: أن يحرصَ المسلم على تجنب أسباب عدم المغفرة كالإشراك بالله، والشحناء بين المسلمين، والسّحر، فاللهُ تعالى: ﴿لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١).
ويقول ﷺ عن الشحناء ما أخرجه مسلم في «صحيحه» عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «تُعرض أعمالُ الناسِ في كلِّ جمعةٍ مرتين يوم الاثنين ويوم الخميس، فيُغفر لكل عبدٍ مؤمنٍ إلا عبدًا بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: اتركوا هذين حتى يفيئا - أي يرجعا عن شحنائهما - فيغفر لهما».
وهؤلاء الثلاثة المعوقات عن المغفرة يشملهن حديث: «ثلاث من لم يكن فيه واحدة منهن فإن الله يغفر له ما سوى ذلك لمن يشاء، من مات لا يشرك بالله شيئًا، ولم يكن ساحرًا يتبع السحرة، ولم يحقد على أخيه» (٢)، يضاف إليهن الكبائرُ بشكل عام، فتركهن كفارات للسيئات، كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا
стр. 2069
كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (١).
أما الأمرُ الثاني فهو الحذرُ من شؤمِ المعصية، وعدم الاستهانةِ بالسيئة مهما صغرت، يقول ﷺ : «إياكم ومحقرات الذنوب - كقوم نزلوا في بطنِ وادٍ فجاء (ذا) بعودٍ، وجاء (ذا) بعودٍ حتى أنضجوا خبزتهم، وإن محقراتِ الذنوب متى يُؤخذُ بها صاحبُها تُهلكه» (٢).
ومن هذا المعنى حذر الشاعرُ من الذنوب صغيرها وكبيرها فقال:
خلِّ الذنوبَ صغيرَها ... وكبيرَها ذاكَ التقى
واصنع كماشٍ فوق أر ... ض الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرن صغيرةً إن ... الجبالَ من الحصى (٣)
وإذا ابتليت بالذنب فبادر بالتوبة والاستغفار، وما تعظمت الذنوب إلا بسبب الغفلة وعدم التوبة والندم. قال كعبٌ: إن العبد ليذنب الذنبَ الصغيرَ ولا يندم عليه ولا يستغفرُ منه، فيعظمُ عند الله حتى يكون مثلَ الطور، ويعملُ الذنب العظيم فيندم عليه ويستغفرُ منه فيصغرُ عند الله حتى يغفر له (٤).
قال الفضيل ﵀: بقدرِ ما يصغر الذنبُ عندك كذا يعظم عند الله، وبقدر ما يعظم عندك كذا يصغر عند الله (٥).
يا عبدَ الله: وإياك والمجاهرة بالمعصية - إذا سترك الله، والرسولُ ﷺ يقول: «كلُّ أمتي معافى إلا المجاهرون». متفق عليه.
يا أخا الإيمان: سائل نفسك أولًا عن ممارسة هذه المكفرات، ثم سائل
стр. 2070
نفسك ثانيًا عن بعدك عن مقومات المغفرة، ثم استيقن أن فضلَ الله عليك عظيم، وأن فرص الخير لا تقف في زمان أو عند نوع من الأعمال، والموفَّقُ من وفَّقه الله، اللهم لا تحرمنا فضلك. ولا تصدنا عن سبيلك، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، واجعل أعمالنا صائبةً ولوجهك خالصة يا رب العالمين، اللهم اغفر لنا ذنوبنا، واستر عيوبنا.