← Джавами‘

Джавами‘ · id 20948

شعاع من المحراب

سليمان بن حمد العودة

Полный текст (3 545 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

الخطبة الثانية: الحمد لله خلق الخلق لعبادته، ووعد الطائعين جنته، وجعل مصير الكافرين النار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله ... صلى الله عليه وعلى إخوانه وآله .. إخوة الإسلام: ويتصل بمكفراتِ الذنوب والخطايا، عيادةُ المريض، والوضوء، والصلاة .. يقول ﷺ : «ما من رجلٍ يعود مريضًا ممسيًا إلا خرج معه سبعون ألف ملكٍ يستغفرون له حتى يصبح، ومن أتاه مصبحًا خرج معه سبعون ألف مَلَكٍ يستغفرون له حتى يمسي» رواه أبو داود والحاكمُ بسند صحيح (١). وتأمل - يا أخا الإيمان - ما في الوضوء من تكفير للخطايا، فقد روى مسلمٌ في «صحيحه» من حديث عمرو بن عبسة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «ما منكم من رجلٍ يقرب وضوءه فيتمضمضُ ويمجُّ ويستنشقُ فينتثرُ إلا جرت خطايا وجهه وفيه وخياشيمه، ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله إلا جرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثم يغسلُ يديه إلى المرفقين إلا جرت خطايا يديه من أطراف أنامله مع الماء، ثم يمسح رأسَه كما أمره الله إلا جرت خطايا رأسه من أطرافِ شعره مع الماء، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين كما أمره الله إلا جرت خطايا رجليه من أطراف أنامله مع الماء، فإن هو قام فصلى فحمد الله وأثنى عليه، ومجده بالذي هو أهلُه، وفرّغ قلبه لله، إلا انصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمُّه» (٢). عبادَ الله: ويومكم هذا يومٌ عظيم يكفر الله به الخطايا لمن تطهر وأتى

стр. 2067

المسجدَ، وأنصت للخطبة، يقول ﷺ : «ما من رجل يتطهر يوم الجمعة كما أُمر، ثم يخرجُ من بيته حتى يأتي الجمعة وينصت حتى تقضى صلاته إلا كان كفارةً لما قبله من الجمعة» (١). يا عبدَ الله: ويرشدك المصطفى ﷺ إلى طريق من طرق مغفرة الذنب فيقول: «ما من عبدٍ يذنب ذنبًا، فيتوضأُ فيحسنُ الطُّهور، ثم يقومُ فيصلي ركعتين، ثم يستغفرُ الله لذلك الذنب إلا غفرَ الله له» رواه أحمد وغيرهُ بإسناد صحيح (٢). أيها المسلمون: وطرقُ الخير لا تنتهي، وكفاراتُ الذنوب أكثرُ من أن تحصر، وصلاةُ الضحى واحدةٌ من المكفرات، وفي الحديث: «من قعد في مصلاه حين ينصرفُ عن صلاة الصبح حتى يُصلي ركعتي الضحى لا يقول إلا خيرًا، غُفرت له خطاياه وإن كانت مِثْلَ زبد البحر». رواه أحمد وأبو داود، وأبو يعلى بسند صحيح (٣). وصلاةُ الليل كذلك مكفرةٌ للسيئات، وفي الحديث: «عليكم بقيام الليل فإنه دأبُ الصالحين قبلكم، ومقربة لكم إلى ربكم، ومكفرة للسيئات، ومنهاةٌ عن الإثم، ومطردة للداءِ عن الجسد». رواه الترمذي وابنُ أبي الدنيا وابنُ خزيمة والحاكم وصححه (٤). والطوافُ بالبيت في عداد المكفرات، وفي الحديث الذي أخرجه الترمذيُّ والنسائي والحاكم بسند صحيح عن ابن عمر ﵄، قال ﷺ : «من طاف بهذا البيت أسبوعًا فأحصاه، كان كعتق رقبة، لا يضعُ قدمًا ولا يرفعُ أخرى، إلا حطَّ الله عنها بها خطيئة وكتب له بها حسنة» (٥).

стр. 2068

إخوة الإسلام: تلك إشارات إلى بعض المكفرات للخطايا يمكن إجمالهن في أكثر من خمسة عشر مكفرًا: الحج، والصلاة المفروضة، والنافلة، والصوم، والوضوء، والسلامُ، وحمدُ الله عند أكل الطعام أو لبس الثوب، والصلاةُ على الرسول ﷺ ، والذكرُ، والأمراضُ والمصائبُ، والهمُّ والحزن، وعيادةُ المريض، والتطهُر والإنصاتُ للجمعة وصلاة الليل، والطواف بالبيت وإدخال السرور على المسلم، وإن كان هناك أمورٌ غيرها استوقفت العلماء السابقين واللاحقين فألّفوا في مكفرات الخطايا والذنوب، من أمثال المروزي، والمنذري، والأوزاعي وابن حجر العسقلاني، ومن المتأخرين، حامد أحمد، محمد حسين العقبى، لكنني أقف في نهايتها مذكرًا بأمرين: أحدهما: أن يحرصَ المسلم على تجنب أسباب عدم المغفرة كالإشراك بالله، والشحناء بين المسلمين، والسّحر، فاللهُ تعالى: ﴿لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١). ويقول ﷺ عن الشحناء ما أخرجه مسلم في «صحيحه» عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «تُعرض أعمالُ الناسِ في كلِّ جمعةٍ مرتين يوم الاثنين ويوم الخميس، فيُغفر لكل عبدٍ مؤمنٍ إلا عبدًا بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: اتركوا هذين حتى يفيئا - أي يرجعا عن شحنائهما - فيغفر لهما». وهؤلاء الثلاثة المعوقات عن المغفرة يشملهن حديث: «ثلاث من لم يكن فيه واحدة منهن فإن الله يغفر له ما سوى ذلك لمن يشاء، من مات لا يشرك بالله شيئًا، ولم يكن ساحرًا يتبع السحرة، ولم يحقد على أخيه» (٢)، يضاف إليهن الكبائرُ بشكل عام، فتركهن كفارات للسيئات، كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا

стр. 2069

كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (١). أما الأمرُ الثاني فهو الحذرُ من شؤمِ المعصية، وعدم الاستهانةِ بالسيئة مهما صغرت، يقول ﷺ : «إياكم ومحقرات الذنوب - كقوم نزلوا في بطنِ وادٍ فجاء (ذا) بعودٍ، وجاء (ذا) بعودٍ حتى أنضجوا خبزتهم، وإن محقراتِ الذنوب متى يُؤخذُ بها صاحبُها تُهلكه» (٢). ومن هذا المعنى حذر الشاعرُ من الذنوب صغيرها وكبيرها فقال: خلِّ الذنوبَ صغيرَها ... وكبيرَها ذاكَ التقى واصنع كماشٍ فوق أر ... ض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرةً إن ... الجبالَ من الحصى (٣) وإذا ابتليت بالذنب فبادر بالتوبة والاستغفار، وما تعظمت الذنوب إلا بسبب الغفلة وعدم التوبة والندم. قال كعبٌ: إن العبد ليذنب الذنبَ الصغيرَ ولا يندم عليه ولا يستغفرُ منه، فيعظمُ عند الله حتى يكون مثلَ الطور، ويعملُ الذنب العظيم فيندم عليه ويستغفرُ منه فيصغرُ عند الله حتى يغفر له (٤). قال الفضيل ﵀: بقدرِ ما يصغر الذنبُ عندك كذا يعظم عند الله، وبقدر ما يعظم عندك كذا يصغر عند الله (٥). يا عبدَ الله: وإياك والمجاهرة بالمعصية - إذا سترك الله، والرسولُ ﷺ يقول: «كلُّ أمتي معافى إلا المجاهرون». متفق عليه. يا أخا الإيمان: سائل نفسك أولًا عن ممارسة هذه المكفرات، ثم سائل

стр. 2070

نفسك ثانيًا عن بعدك عن مقومات المغفرة، ثم استيقن أن فضلَ الله عليك عظيم، وأن فرص الخير لا تقف في زمان أو عند نوع من الأعمال، والموفَّقُ من وفَّقه الله، اللهم لا تحرمنا فضلك. ولا تصدنا عن سبيلك، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، واجعل أعمالنا صائبةً ولوجهك خالصة يا رب العالمين، اللهم اغفر لنا ذنوبنا، واستر عيوبنا.

стр. 2071

عناصر القوة للمسلم (١) الخطبة الأولى: الحمد لله جلَّ في علاه، له الأسماءُ الحسنى والصفاتُ العلى، هو الأول والآخرُ والظاهر والباطن، وهو بكل شيء عليم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يعلم خائنةَ الأعينِ وما تخفي الصدور، ما من دابةٍ في الأرض إلا هو آخذٌ بناصيتها، إن ربي على صراط مستقيم، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله وخيرتُه من خلقه، اللهم صلِّ وسلِّم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارضَ اللهم عن أصحابه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلِّم تسليمًا كثيرًا. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (٢). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٣). أيها المسلمون: هناك حقيقة يؤكدها القرآنُ الكريم في أكثر من موضع، ويشهد بها واقعُ الناسِ في كل زمان ومكان، ألا وهي: كثرةُ الخبيث في الأرض، وزيادة أعداد المفسدين، وندرةُ الإيمان، وقلةُ المؤمنين. يقول تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ (٤) ويقول جلّ ذكره: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (٥)، ويقول:

стр. 2072

﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (٣). قال ﵊ حين سُئِلَ: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم، إذا كثر الخبث». وفي الحديث الآخر: «لا تقوم الساعةُ حتى يرفع العلم، ويظهر الجهل، ويفشو الزنا، ويشرب الخمر» متفق عليه. وعن الزبير بن عدي قال: أتينا أنسًا فشكونا إليه ما نلقى من الحجَّاج، فقال: اصبروا، فإنه لا يأتي عليكم زمانٌ إلا والذي بعده شرٌّ منه حتى تلقوا ربكم، سمعته من نبيكم ﷺ ، رواه البخاري. هذه الكثرةُ للفسادِ والمبطلين، والقلةُ لأهل الصلاح والتقوى واليقين لحكمة يعلمها الله ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (٤). والغفلةُ عن حكمة الله وتقديره في هذا الكون، قد تضعف معها بعضُ النفوس أحيانًا، وقد ينظرُ المرءُ أحيانًا إلى الفسادِ يسري في الأرض سريان النار في الهشيم، وإلى المفسدين تُتاح لهم من الفرص ما لا تُتاح للخيرين ... هنا ربما وهن عزمُ المسلمِ أو ساورته بعض الشكوك في طريقه إلى الله، ولربما أساء الظنَّ بربه، أو قلل الأدبَ مع خالقه، فقال بلسان حالهِ أو مقاله: ولماذا يُمَكَّنُ المفسدون؟ وكيف تكون الغلبةُ للكافرين، والذلةُ والتشرذمُ من نصيب المسلمين؟ والله لا يُسألُ عما يفعل وهم يسألون. ولو فتَّش في نفسه وفي

стр. 2073

حال إخوانه لوجد من الضعف وعدم الجدية في حمل هذا الدين، ما سبب هذا الواقع المهين، ولا يظلم ربك أحدًا، ولا يخلف الله وعده، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. والمهمُّ أن نتعرف على الأسباب التي تجعلُ من الضعيف قويًا، ومن القلةِ ذاتِ أثرٍ فاعل، وإن شئت فقل: ما عناصرُ القوةِ للمسلم؟ إن أول عناصر القوة: الإيمانُ الحقُّ بالله، وذلك الإيمانُ يربي النفوس على عدم الخوف من أحدٍ مهما كان، إلا الله الواحد القهار: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١). لقد تحدى السحرةُ بهذا الإيمان فرعون: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ (٢)، وبالإيمان صرّح الرجلُ الذي جاء من أقصى المدينة يسعى ويحث على إتباع المرسلين: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ (٣)، وكذلك استعلى بالإيمان أصحاب الأخدود ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (٤)، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى. العنصرُ الثاني: صدقُ التوكل على الله، فمنه يُستجلبُ النصرُ، وبه يُدفع الضرُّ، ومع التوكل عليه وحده يبطل كلُّ كيد ويعيش المتوكلُ قرير العين، متحديًا كلَّ أحد.

стр. 2074

وهاك نموذجين لآثار التوكل على الله، قصَّ الله علينا خبرهما عن نوح وهود ﵉، فقال عن الأول: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾ (١)، فهو لا يبالي بهم ولا بقوتهم وكيدهم، ولا يخاف معرَّتهم، وإن كانوا أشداء أقوياء، ما دام متوكلًا على الله، آويًا إلى ركنه. وفي النموذج الثاني قال تعالى عن هود ﵇: ﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢)، إنه بالتوكل على الله يتحداهم أجمعين ودون تأخير، ويقول: فكيف أخاف مَنْ ناصيتهُ بيد غيره، وهو في قهره وقبضته؟ عباد الله: إن الإيمانَ الحق يستلزم التوكلَ على الله: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ (٣). جاء في الأثر: «من أحبَّ أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله، ومن أحبَّ أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق بما في يديه، ومن أحبَّ أن يكون أكرمَ الناسِ فليتق الله» (٤). أما العنصرُ الثالثُ من عناصر قوةِ المؤمن فهو تفويضُ الأمر لله بعد عمل

стр. 2075

الأسباب الممكنة شرعًا، ولا بد لمن فوض أمره إلى الله أن يهديه ويقيه، ودونكم تفويض مؤمن آل فرعون ونتائجه وهو القائل: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٤٤) فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ (١). أيها المسلمون: ويكتسب المؤمن قوةً وحمايةً وأمنًا من خلال دفاع الله عنه ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ (٢). وهذا هو العنصر الرابعُ من عناصر القوة ... ومن يستطيعُ إلحاق الضرر والأذى بمن يتولى الله الدفاع عنه، كلما أجلب الناس عليه ... ؟ ! وكفاية الله لعبده المؤمن عنصرٌ خامسٌ من عناصر قوته، وإن خُوِّف بمن دونه: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (٣). ولا تستطيعُ قوةٌ من البشر - مهما بلغت - أن تُلحق بعبدٍ ضررًا لم يكتبه اللهُ عليه: «واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك». بل يجعل الله تعالى من نفسه محاربًا لمن عادى وليَّه المؤمن: «من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب»، وهل يقوى على حرب الله أحدٌ؟ ومما يقوي المؤمنَ ضعفُ سلطانِ الشيطان عليه: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ

стр. 2076

بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ (١). ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ (٢). ومحبة الخلق للمؤمن رصيد يسليه ويقويه ويؤنسه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ (٣). وصبرُه على الضراءِ، وشكرُه على السراء، فوق ما فيه من تقويته فهو يفوّت الفرصةَ على كل من أراد بالمؤمن سوءًا أو فتنة، وهذا الصنفُ لا تتعلق نفسُه بعطاء الدنيا، ولا تضجر للبلاء: «عجبًا لأمر المسلم إن أمره كلَّه خير، إن أصابته سراءُ فشكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراءُ صبر فكان خيرًا له، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن». وما أجمل قول القائل: صبرًا جميلًا ما أسرع الفرجا مَنْ صدق اللهَ في الأمور نجا من خشي اللهَ لم ينلْه أذى ومن رجا اللهَ كان حيث رجا (٤) وأبلغ من ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (٥) ولن يغلب عسرٌ يسرين، كما قال العلماء. اللهم اجعلنا من الصابرين، ومن أهل الإيمان واليقين، أقول ما تسمعون.

стр. 2077

الخطبة الثانية: الحمد لله ربِّ العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه إمام المتقين وسيدُ ولد آدم أجمعين، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. عبادَ الله: ومن عناصر قوة المؤمن وأسلحته التي يحتمي بها الدعاء، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (١). والله تعالى هو المدعو عند الشدائد، والمرجو عند النوازل: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٢)، ﴿أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (٣). قال ابن كثير ﵀ في «تفسيره» عنده آية النمل هذه عن وهبِ بنِ منبه قال: قرأتُ في الكتاب الأول أن الله تعالى يقول: بعزتي إنه من اعتصم بي فإن كادته السماواتُ بمن فيهن، والأرضُ بمن فيهن، فإني أجعلُ له من بين ذلك مخرجًا، ومن لم يعتصم بي فإني أخسفُ به من تحت قدميه الأرضَ، فأجعلُه في الهواء فأكلُه إلى نفسه. كما نقل عن الحافظ ابن عساكر الحكايةَ التالية عن رجلٍ قال: كنتُ أكاري على بغلٍ لي من دمشق إلى بلد الزبداني، فركب معي ذاتَ مرةٍ رجلٌ، فمررنا على بعض الطريق على طريق غير مسلوكة، فقال لي: خذ في هذه فإنها أقرب، فقلتُ: لا خبرةَ لي فيها، فقال: بل هي أقرب، فسلكناها، فانتهينا إلى مكان

стр. 2078

وعرٍ، ووادٍ عميق، وفيه قتلى كثيرة، فقال لي: امسك رأس البغل حتى أنزل، فنزل وتشمر، وجمع عليه ثيابه وسلَّ سكينًا معه وقصدني، ففررت من بين يديه فتبعني، فناشدته الله وقلتُ: خذ البغل بما عليه، فقال: هو لي، وإنما أريدُ قتلك، فخوفته الله والعقوبة فلم يقبل، فاستسلمتُ بين يديه وقلت: إن رأيت أن تتركني حتى أصلي ركعتين فقال: عجِّل، فقمت أصلي، فارتج عليَّ القرآنُ، فلم يحضرني منه حرفٌ واحد، فبقيت واقفًا متحيرًا وهو يقول: هيه، افرغ، فأجرى الله على لساني قوله تعالى: ﴿أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ (١) فإذا أنا بفارس قد أقبل من فم الوادي وبيده حربةٌ، فرمى بها الرجلَ فما أخطأت فؤادَه، فخرَّ صريعًا، فتعلقتُ بالفارس وقلت: بالله من أنت؟ فقال: أنا رسولُ الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء، قال: فأخذت البغلَ والحملَ ورجعتُ سالمًا (٢). أيها المسلمون: وكذلك الله يكفي ويشفي ويجيب المضطرَّ إذا دعاه ويكشف السوء، وهو خيرٌ حافظًا وهو أرحم الراحمين، ومن تعرَّف على الله في الرخاء عرفه في الشدائد والمحن، وقد يغتر الجاهل بقوته، أو يتمادى في جوره وطغيانه حيث أمهله الله، فإذا به يأخذه على حين غرّة، ومن حيث لا يحتسب، ومن نماذج السوء فرعون، فحين بلغ به الطغيان قال: أنا ربُّكم الأعلى، ونادى في قومه قال: يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون، وسخر بموسى ومن معه من المؤمنين فأخذه الله نكالَ الآخرة والأولى، وجعله عبرة للمعتبرين، ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ (٣).

стр. 2079

وكذلك قارون الذي ناءت بحمل مفاتيح كنوزه أولو العصبة من أصحاب القوة ... وقال متطاولًا مستكبرًا: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ (١) فكانت النتيجة: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾ (٢). إن الضعيف يقوى إذا احتمى بالله وركن إليه، وأن القويَ يضعف وتهن قواه إذا تجبر وطغى. وينبغي أن يُقدر المسلمون أن صلتهم بالله مصدرُ قوتهم وعزتهم، وأن بداية سقوطهم ضعفُ صلتهم بالله وتنكُّرُهم لشرعه، واعتمادُهم وتوكلُهم على غيره. يا أخا الإسلام: وإياك إياك أن تستوحش من سلوك طريق الخير لقلة السالكين، أو تغترّ بسلوك طريق الشرِّ لكثرةِ الهالكين، فأنت سترد على الله فردًا، وإذا كان لا يغني في موقف العرض الأكبرِ الاعتذارُ بتقليد الآباء والأجداد ... فكيف يغني اعتذارُك بتقليد من سواهم! ! إن مما يُسلي المؤمن ويسري عنه أنَّ غربة اليوم والثبات على الحق عاقبتُها جناتُ المأوى، كذا أخبر المصطفى: «بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء» أتدري من هؤلاء الغرباء؟ الذين يصلحون إذا فسد الناس، وفي رواية: «يصلحون ما أفسد الناس» فأصلح نفسك إذا فسد الزمان وساهم في إصلاح غيرك، فلأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم. اللهم أصلحنا، وأصلح بنا، اللهم احفظنا واحفظ لنا، اللهم ارزقنا الاستقامة على دينك، والعمل بسنة نبيك ... واجعلنا ممن يرد حوضه، وينال شفاعته، ولا تجعلنا ممن يُذاد عنه وعنهم، يقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك.

стр. 2080

المعركة المتجددة (١) الخطبة الأولى: الحمد لله خلق الخلق لحكمةٍ جليلةٍ، وهو أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أحاط بكل شيءٍ علمًا، وجعل لكل شيءٍ قدرًا، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، بلّغ وأرشد، وحذَّر وأنذر، ومن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها ... اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارضَ اللهم عن الصحابة أجمعين والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٢). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٣). عبادَ الله: من طبائع الأمور أن يستعد المرءُ لعدوِّه المحارب له بكل وسيلةٍ ممكنة، ويَحْذَرَه على نفسه ومن تحت يده، ويودُّ لو استطاع دفعه عن إخوانه المسلمين، حتى ولو كلفه ذلك من جهده وماله ووقته، ويسعدُ إذا انتهك المعركةُ لصالحهِ وضد عدوِّه، لكن ما رأيكُم في معركةٍ، بل معارك يدور رحاها في كلّ يوم، بل وفي كل لحظةٍ، والعدوُّ فيها يتسلل إلى قلب الديار فيفسدُها، بل إلى أعماق البيوت فيحدث الخللَ فيها، بل يصيرُ إلى قلوب العباد، فيعكر صفوها ويضعف إيمانها. وربما قطع صلتها بخالقها.

стр. 2081

والعدوُّ هنا يتسلل على مرأى منا، ويُفسد حين يُفسد بمحضِ رغبتنا وغلَبةِ شهواتنا وأهوائنا، وتلك من أعظم المصائب وأقسى المعارك. نعم إن معركتنا مع الشيطان معركةٌ دائمةٌ متجددةٌ يتخذ فيها الشيطانُ كلَّ أنواع السلاح، ويحيط بالمرء من كافة الجهات، ويراوغه ويمنِّيه بكافةِ أنواع المغريات: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ (١)، ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ (٢). أيها المسلمون: ويملك الشيطانُ في معركته مع بني الإنسان عددًا من الجنود يستخدمهم في المعركة، وتختلط خيالتُهم بالرجَّالة، وهو حريصٌ على مشاركتهم في الأموال والأولاد لإفسادهم. والشيطان يستنزلُ ويستفزُّ بصوته الداعي إلى المعصية كلَّ من استطاع وخدع، يقول تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ (٣). إنها معركةٌ صاخبةٌ تُستخدم فيها الأصواتُ والخيلُ والرجل على طريقة المعارك والمبارزات، يُرسل فيها الصوتُ، فيُزعج الخصوم ويخرجهم من مراكزهم الحصينة، أو يستدرجهم للفخِّ المنصوب والمكيدة المدبرة، فإذا استدرجهم إلى العراء أخذتهم الخيلُ وأحاطت بهم الرجال، لكن هذه المعركة - مع شدتها - تهون على أهلِ الإيمان وعبادِ الله الصالحين، الذين يعرفون كيده، ولا يستجيبون لندائه وأصواته، ولا ينخدعون بوعوده، أولئك الذين

стр. 2082

استثنى الله بقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ (١). إخوة الإيمان: وتجدون راية الشيطان منصوبةً في كل مكان. يا صاحب المال: ستجد رايةَ الشيطان منصوبةً، وإن لم تبصرْها، في كل مالٍ جمعته من حرام، أو أنفقته في الحرام، أو منعت الإنفاق الواجب منه في الحلال؟ فانظر في مالك من أين جمعته وفيما تنفقه؟ أيها الشابُّ والشابة: وتنصب رايةُ الشيطان وإن لم تروها حين يستزلكم الشيطانُ بقضاءِ الشهوةِ المحرمة في الزنا أو اللواط. أو مقدماتهما - فاحذروا الفواحش ما ظهر منها وما بطن. أيتها المرأة المسلمة: وتنصب رايةُ الشيطان حين يستشرفك الشيطانُ بالخروج متزينةً متعطرةً فتفتنين عبادَ الله، ويقع بسببك من البلاء والفسادِ ما يُغضب الرحمن، ويطربُ له الشيطان، فاتقي الله يا أمة الله، ولا تجعلي للشيطان سبيلًا عليك وعلى المؤمنين. وإذا كانت وسوسته تُلازم المسلم وهو في أشرف البقاعِ حين يقوم للصلاة ... فلا تسأل عن وسوسته وغروره وأمانيه خارج المسجد وخارج الصلاة. يا أيها المسلمُ والمسلمة: وكلما حصل منك فتورٌ عن العبادةِ أو تراخٍ عن أداء الواجبات وتساهل في اقتحام المحرمات، فاعلم أن الشيطان حاضرٌ فاستعذْ بالله منه تجدْ من الله عونًا «وكفى بربك وكيلًا»، وكلما ضَعُفَتْ نفسك أمام الشهوة المحرمة، كالزنا واللواط، والغناء، وشرب المسكرات وتناول المخدرات أو نحوها من المآثم ... فاعلم أنك مغلوبٌ في المعركةِ مع

стр. 2083

الشيطان. وكلما غلبتك عينُك على النظرة المحرمة، أو خانتك أذُنكَ على السماع المحرم، أو مشت بك رجلُك إلى الحرام، أو امتدت يدُك إليها فاعلم أنك ضعفت في المقاومة أمام جند الشيطان ... وسينقلونك إلى معركةٍ أخرى، وستقع في النهاية ضحيةً لمكرِ الشيطان وتلاعبه. يا أيها الإنسانُ ما غرك بربك الكريم ... أترضى بغرور الشيطان، وتستلمُ لعدوك، وقد أخرج أبويك من الجنةِ، وأهبطهما إلى الأرض حين استزلهما وأخرجهما مما كانا فيه؟ ولا يغرنك بنصحِه فقد قاسم أبويك وهو كذوب: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ (١) فكانت النتيجة ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ (٢) وما أشدَّ حسرتك حين يوقعك ثم يعود لك لائمًا مُتبرئًا: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣). وفي تاريخ البشرية كلِّها قديمها وحاضرها، لم يُرفع سلاحٌ بغير حق إلا وكان للشيطان فيه نصيبُ الإغواء، ولم يقع خلافٌ بين ابنٍ وأبويه، أو زوجٍ وزوجته أو أخ لأخيه ... إلا وكان الشيطانُ حاضرًا مُغْويًا، ولم يكن ثمةَ انحرافٌ في الفكر والمعتقد، أو خلٌ في السلوك وتساقطٌ في الأخلاق، وانهيارٌ في القيم إلا وكان للشيطانِ فيها خطواتٌ مُستدرِجة ثم موقعة، ثمَّ تعقبها الحسرةُ والندامة. أفلا يفكرُ العقلاءُ بالنتائج المُرَّةِ لطاعةِ الشيطان، إنْ في الدنيا بالخزي والذلِّ والندامة وشؤم المعصية، أو في الآخرةِ حيثُ الإقامةُ الدائمةُ والعذابُ المهين، والحسرة والندامةُ، لقد قرع الأسماعَ تحذيرُ اللطيف الخبير من مكر الشيطان وغدره، ونودي بنو آدم من السماء نداءً صادقًا: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٤).

стр. 2084

ولا يزالون يذُكَّرون العهدَ بعداوة الشيطان وأثره في إغواء البشرية ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ (١). عباد الله: لا بد من الحذرِ من مكرِ الشيطان، ولا بد من الاستعداد لهذه المعركةِ التي لا يخبو أوارُها، ولا يُسَلِّمُ أو ييأسُ محركُها ... إن الشيطان يحضر غداءكم وعشاءكم، ويقتحم عليكم بيوتكم وفرشكم، وهو معكم في حين خلوتكم أو اجتماعكم، وفي حال فقركم أو غناكم، مع الذكر والأنثى والصغير والكبير ... معكم ما دامت أرواحكم في أجسادكم، وما برحت الدماءُ تسري في عروقكم، وكفى بحديث المصطفى ﷺ دقةً وتبيانًا لحضور الشيطان، حين يقول: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم» متفق عليه (٢). إنها البليةُ العظمى والفتنة المستشرية، والمعركةُ المتجددةُ، ولكن الله جعل لنا مخرجًا، ويكفي أن يستأنس المؤمنون بقوله تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ (٣)، وبقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ (٤)، ويعترف الشيطان بعجزه عن إغواء المخلصين: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (٥). فالله الله أن يتلاعب الشيطانُ بأحدِكم كما يتلاعب الغلمانُ بالكرة، وإياكم أن تخسروا كلَّ أو معظم المعارك مع الشيطان حتى إذا وردتم على الله محمَّلين بالخطايا والآثام أخلفكم وعده، وصدقكم وهو الكذوبُ قال الله على لسانه: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ

стр. 2085

وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١). هناك ما أعظم الحسرة والندامة، ولكن هيهات فقد فات الأوان ... اللهم انفعنا بالقرآن، واكفنا شرَّ إغواءِ الشيطان، ولا تجعل له علينا سبيلًا، وأعذنا من مكرِه وشرِّه، أقول ما تسمعون.

стр. 2086

الخطبة الثانية: الحمد لله خالق الخلق أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقضي بالحق ويحكم بالعدل، ولا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب، وأشهد أن محمدًا عبدُه كان له قرينٌ من الجن فأسلم ... اللهم صلِّ وسلِّم عليه وعلى سائر النبيين والمرسلين. أيها المسلمون: وقد يسأل سائل ويقول: ما هي السبلُ والوسائلُ التي يُبطل بها كيدُ الشيطان، وما نوعُ الأسلحة التي يُهزم بها الشيطانُ وجنده؟ وهنا أعرضُ مذكرًا بعشر وسائل - أو تزيد - للوقاية من كيد الشيطان ومكره، فمنها: ١ - الاستعاذة بالله من الشيطان، والتوكلُ على الله، يقول خالقُنا وخالقُ الشيطان: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (١)، ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ (٢)، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ (٣). ويقول جلّ ذكره: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (٤). حُكي عن بعضِ السلف أنه قال لتلميذه: ما تصنع بالشيطان إذا سوّل لك الخطايا؟ قال: أجاهده، قال: فإن عاد؟ قال: أجاهده، قال: فإن عاد؟ قال: أجاهده، قال: هذا يطول عليك، أرأيت لو مررت بغنم فنبحك كلبُها ومنعكَ من العبور، ما تصنع؟ قال: أكابده وأردّه جهدي قال: هذا يطول عليك، ولكن

стр. 2087

استغِث بصاحب الغنم يكفُّه عنك (١). ٢ - ومن الأسلحة الواقية من كيد الشيطان وجنده قراءةُ القرآن وتدبُّره ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ (٢)، ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ (٣)، قيل: ليس شيءٌ أطرد للشيطان من القلبِ من قول: لا إله إلا الله وأنت تتلو القرآن ... وذلك طاردٌ للمشركين وقيل: للشياطين (٤). وإذا كانت تلاوةُ القرآنِ - عمومًا - مُبعدةً للشياطين، فثمةَ سورٌ، أو آياتٌ معينة جاء النصُّ عليها أن تحفظُ من الشيطان، فـ (المعوذات) ما استعاذ متعوذٌ بمثلهما، وحريٌّ بالمؤمن أن يقرأهما في الصباح والمساء. وآيةُ الكرسي حين يقرأها المسلمُ في فراشه، فلن يزال عليه من الله حافظٌ ولا يقربه شيطان حتى يصبح. والآيتان الأخيرتان من سورة البقرة، لا يقرآن في دارٍ ثلاث ليالٍ فيقربها الشيطان (٥). ٣ - والذكرُ يا عبادَ الله حصنٌ منيعٌ من الشيطان، وما يزال المرءُ يذكر الله حتى يطمئن قلبُه، وتندفع عنه وساوسُ الشيطان، وصدق الله: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (٦). ٤ - والاستغفار والتوبة من أمضى الأسلحة لمكافحة الشيطان وقد قال:

стр. 2088

وعزتِك يا ربِّ لا أبرحُ أغوي عبادَك ما دامت أرواحُهم في أجسادهم، وقال الربُّ ووعدُه حق: وعزتي وجلالي لا أزالُ أغفرُ لهم ما استغفروني. وقال الشيطانُ: أحرقتُ بني آدم بالمعاصي فأحرقوني بالاستغفار. والتوبةُ سبيلٌ لإغاظةِ الشيطانِ ومراغمتهِ، وما يزال العبدُ يُراغم الشيطان بالتوبة والإنابة حتى يحصلَ على محبةِ الله ورضوانه، بل وتُستبدل سيئاتُه حسنات ... وذلك أكبرُ مغيظٍ للشيطان، وبالجملة فشأنُ المسلم اللبيب - كلما أحدث ذنبًا أحدث لله توبةً وعملًا صالحًا، ففي ذلك مراغمةٌ للشيطان وردٌ لكيده، وقد جاء عن بعض السلف أنه قال: «إن المؤمن لينضي شيطانه كما يُنضي أحدُكم بعيره» (١). ٥ - وحُسن الخُلق - بشكل عام - جالبٌ للمودة، دافعٌ لنزغات الشيطان ... وسوءُ الخلق داعٍ للرذيلة ... وطريقٌ لدخول الشيطان ... أرأيت كيف يصنع الأحمقُ الغضبان من المآثم ... وما كان الرفق في شيءٍ إلا زانه. وإذا كان القولُ الحسنُ من جملة الأخلاق الفاضلة، فتأمل أثر نقيضه من فحش القول في نزغ الشيطان، يقول تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبيِنًا﴾ (٢). ٦ - عباد الله: والمحافظون على الصلوات أبعدُ من غيرهم عن كيد الشيطان، فالصلاةُ تنهى عن الفحشاء والمنكر، والشيطانُ إذا سمع الأذان أدبر وله ضراط - وفي الصلاة من الذكر والخشوعِ والتلاوة والعبودية لله ما يُسهم في حماية العبد بإذن الله من مكر الشيطان وكيده. ٧ - ومن الأسلحة المكافحة للشيطان أن تعوِّدَ نفسَك كلما عملت سيئةً أن

стр. 2089

تبادرَ بعملِ حسنةٍ أو حسناتٍ بعدها، فتلك تمحوها وتراغم الشيطان، وفي التنزيل: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (١)، ومن مشكاة النبوة: «وأتبعِ السيئة الحسنة تمحُها». ٨ - ومن الأسلحة كذلك أن تحزن للسيئة - إذا بُليت بها - ولا تُعجب بالحسنةِ - إذا وفقك الله لها - وإن فرحت بها، فقد تقودك السيئةُ - مع الحزن على فعلها والندم على مقارفتها - إلى فعل حسناتٍ كثيرة، وتوجِدَ عندك من الذلّ والعبودية والانكسار لله ما يجلب حسناتٍ كثيرةً - تفوق بآثارها هذه السيئة - وفي المقابل قد تقودك هذه الحسنةُ التي أعجبت بها إلى العُجب والكبر والمنة على الله وتزكية النفس ... فتحمل بسببها من السيئات ما يُهلكك. ومن مأثور كلام السلف: «قد يعمل العبدُ الذنب فيدخل به الجنة، ويعمل الطاعة فيدخل بها النار» (٢). ٩ - أيها المسلم والمسلمة: وحصِّن نفسك عن مكرِ الشيطان بتزكيتها ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (٣)، ومن أقوى وسائل تزكيتها: غضُّ البصرِ، وحفظُ الفروج، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ (٤). قال ابن تيمية ﵀: فجعل سبحانه - غضَّ البصر، وحفظ الفرج هو أقوى تزكية للنفوس (٥). ١٠ - والدعاءُ سلاحٌ به يتقي المسلمون كيدَ الشيطان وحضورَهُ، وقد أوحي

стр. 2090

للنبي ﷺ قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ (١). فاستعاذةُ سواهُ باللهِ أولى، واللهُ هو الذي أعطى الشيطانَ القدرة على الإغواء، وهو وحده القادرُ على الحماية والحفظ، فلنرفع إليه أكفَّ الضراعة سائلين، وهو قريبٌ مجيبُ الدعاء. عباد الله: وثمةَ وسائلُ أخرى وأسلحةٌ واقيةٌ من مكر الشيطان تُذهب أو تُخفف من حدة المعركة معه، كقوةِ العزيمة وتنمية الهمة العالية على فعلِ الخير واجتناب الشر، وعدم الانخداع بأسرِ الشهوةِ الحاضرة، والنظرِ في عواقبها الوخيمة، والتطلع إلى نعيم الآخرة، وعدم الغرورِ بالدنيا، والحرصِ على إصابة السُّنةِ في القول والعمل، والحذرِ من البدعةِ في المعتقد والعمل، إلى غير ذلك من وسائل يمارسها العارفون، ويحتمى بها من الشيطان عبادُ الله المخلصون. أيها المسلم والمسلمة: وإذا علمت أنك في كل لحظةٍ، بل وفي كل خاطرة في معركة مع الشيطان، فانظر في نتائج المعركةِ معه، ولا يغبْ عن بالك أن المتقين للمعاصي يمسُّهم - أحيانًا - طائفٌ من الشيطان، لكن الفرق بينهم وبين غيرهم أنهم يتذكرون قدرة الله فينتهون ويبصرون، وغيرهم - من إخوان الشيطان - يتمادون في غيهم ولا تقصر الشياطينُ عنهم. اقرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١) وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ (٢). فكُنْ من المُتَّقين، لا من إخوان الشياطين.

стр. 2091

بشائر بمستقبل الإسلام (١) الخطبة الأولى: الحمد لله ربِّ العالمين، يعلم السرَّ وأخفى، وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له، إليه المنتهى، وما من دابةٍ في الأرض إلا هو آخذٌ بناصيتها، ويعلم مستقرَّها ومستودَعها، كلٌّ في كتاب مبين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، كان واثقًا بربه مطمئنًا إلى نصره، صابرًا على البلاء يصيبه، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارضَ اللهم عن الصحابة أجمعين، والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أوصي نفسي وإياكم - معاشر المسلمين - بتقوى الله: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ (٢)، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (٣)، ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ (٤). أيها المسلمون: هل يخالجكم شكٌّ في قوة الله وقدرته على نصرةِ دينه وأوليائه؟ وهل ترتابون في ضعف كيد الأعداء مهما بلغت قوتُهم وكثر جمعُهم؟ وهل يتردد مسلمٌ في الاعتقاد بأن العاقبةَ للتقوى والمتقين، والغلبةَ في النهاية للإسلام والمسلمين. تلك مُسَلّماتٌ لا تقبل الجدل، وأدلتُها في الكتاب العزيز والسنة المطهرة أكثرُ

стр. 2092

من أن تُحصر ... وإن كان اللهُ جعل لكل شيءٍ قدرًا، وربط الأمور بأسبابها، وجعل للنصرِ والتمكين شروطًا لا بد من توفرها ... ولكن هذه الأسباب والشروط ليست ضربًا من المستحيل، ولا فوق طاقات البشر، لكنها محتاجةٌ إلى صدق وإخلاصٍ وجهادٍ ونية، وأنتم اليوم - كما كان أسلافكم من قبل - مُمتحنون على صدق الجهاد لدينه، والولاء لشرعه وللمؤمنين، والبراءة من الشرك وأهله، وقد قيل لمن هو خير منا: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ (١). عباد الله: ودعونا نستبشر ونبشر بنصر الله، ونقارن بين العسر واليسر، ونُجدد عزائم النفوس، ونطرد بالأمل والبشرى دواعي الألمِ والقنوط ومظاهرَ الإحباط واليأس. إن الدينَ دينُ الله، والحُرمات حرماتُه، واللهُ أغيرُ على دينه وحرماتِه منا، وهو الذي أنزل الدين، وأرسل الرسل، وتكفّل بإظهار دينه ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (٢)، ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (٣) ويقول جلَّ قائلًا عليمًا ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (٤). ومن قديم الزمنِ وحديثهِ والأعداءُ يتربصون بالمؤمنين الدوائر، ويكيدون لهم، وفي مثل هذا الزمن يبلغ كيدُ الأعداء مبلغًا ربما ظن معه ضعفاءُ الإيمان أن المسلمين لن تقوم لهم بعده قائمة ولن ترتفع لهم راية ... ولكن العودةَ إلى آيات

стр. 2093

القرآن تكشف عن مكرٍ قديمٍ للأعداء، وعن إنفاقِ الأموال للصد عن سبيله ... ومع ذلك باءت هذه المحاولاتُ بالفشل بالنهاية، وكشف اللهُ عن ضعفِ كيد الأعداء وغلبتهم في النهاية، واقرأ بتمعُّن هذين النموذجين في زمنين مختلفين. يقول تعالى عن الأول: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (٤٨) قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٤٩) وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (١). وقال عن النموذج الثاني: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ (٢). عباد الله: وينبغي أن لا يغيب عن بالنا ونحن نقاوم أعداء الإسلام أن هؤلاء الأعداء أعداءٌ لله قبل أن يكونوا أعداءَ لنا، تجدون ذلك في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ (٣)، وإنهم يكذبون بآيات الله قبل أن يكذبوا المرسلين، أو يسخروا بالمسلمين، يقول تعالى لنبيه ﷺ : ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (٤)، والله تعالى أغير على دينه وحرماته ... ولكنه القدرَ الإلهيَّ بامتحان الناس بالشر والخير فتنة، وبالجملة فمهما بلغ كيدُ الأعداء، فالله موهنُ كيدهم، والله يمهلهم قليلًا ثم يأخذهم، تأملوا قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾ (٥)، وقوله: ﴿إِنَّهُمْ

стр. 2094

يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ (١). أيها المسلمون: وشرطُ التمكين لكم والنصر على أعدائكم الإيمانُ وعملُ الصالحات: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٢). وإذا تحقق الشرطُ فوعدُ الله حقٌّ، وهو لا يخلف الميعاد ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣)، ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (٤). عبادَ الله: ومنذُ نزل على رسولِ الله ﷺ قولُه تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ الله أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ (٥)، ودينُ الله ينتصر، والمسلمون يسيحون في الأرض ينشرون الإسلام، ويبشرون برضوان الله والجنة، حتى بلغ الإسلامُ مبلغًا لم يبلغه أيُّ دين، ودخل في الإسلامِ ما لم يدخل في غيره من الأديان ... ولم تتوقف حركةُ المدِّ الإسلامي حتى اليوم - وإن كانت بشكل عامٍ تقوى أو تضعف، حسب قوة المسلمين أو ضعفِهم، ولكن سورة النصرِ - بشكل عام - فيها إشارةٌ إلى أنَّ النصر يستمرُّ للدين ويزدادُ عند حصول التسبيح بحمد الله واستغفاره وشكره، كما نقل ذلك أهل التفسير (٦).

стр. 2095

أيها المسلمون: ومن آيات القرآن إلى نصوص السنة وبشائرها، إذْ تجدون في هدي الذي لا ينطق عن الهوى وعودًا صادقةً بنصرة الدين، وبلوغه ما بلغ الليل والنهار، وفي حديث تميم الداري ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «ليبلغن هذا الأمرُ ما بلغ الليلُ والنهار، ولا يتركُ اللهُ بيتَ مدرٍ ولا وبرٍ إلا أدخله اللهُ هذا الدين بعزِّ عزيزٍ، أو بذلِّ ذليل، عِزًّا يُعز اللهُ به الإسلام، وذُلًا يُذلُّ الله به الكفرَ»، رواه أحمدُ والحاكمُ وغيرهما بسند على شرط مسلم (١). وتجدون كذلك وعدًا بفتح للمسلمين لم يفتحوه بعد، فقد سُئل رسولُ الله ﷺ : أيُّ المدينتين تُفتح أولًا: أقسطنطينية أم رُوْمية؟ فقال رسولُ الله ﷺ : «مدينةُ هرقلَ تُفتح أولًا، يعني: «القسطنطينية» (٢). وعلى ذلك فالمسلمون على وعدٍ بفتح روما - وهي واحدةٌ من قلاع النصارى، وحاضرةٌ كبرى من حواضر النصرانية. أما اليهود فتجدون وعدًا نبويًا آخر صادقًا بوقوع معركة فاصلة مع اليهود، ينتصر فيها المسلمون وتُغلب اليهود، ويقول ﵊: «لا تقومُ الساعةُ حتى يقاتلُ المسلمون اليهودَ، فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهوديُّ من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجرُ أو الشجر: يا مسلمُ، يا عبدَ الله، هذا يهوديٌّ خلفي فتعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود» متفق عليه (٣). أيها المسلمون: وما ترون اليومَ من مللٍ زائغة كاليهودية والنصرانية ونحوها ستنتهي ويبقى الإسلام، وفي آخر الزمان وحين ينزل عيسى ﵇ لا يحكم

стр. 2096

بالنصرانية، وإنما يحكم بالإسلام، فقد أخبر النبيُّ ﷺ ، في الحديث الصحيح فقال: «والله لينزلن ابنُ مريم حكمًا عادلًا فليكسِرنَّ الصليب، وليقتلن الخنزير، وليضعَنَّ الجزية» رواه البخاري ومسلم. وفي رواية أبي داود: «فيقاتل الناسَ على الإسلام، فيدُقَّ الصليبَ، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويُهلك الله في زمانه الملل كلَّها إلا الإسلام» (١). فهل يفقه المسلمون مدلولات هذه الأحاديث؟ وهل تزيدهم ثقةً بدينهم، وتدعوهم إلى الدعوة للحق الذي يملكون؟ حتى وإن كان أصحابُه اليوم مستضعفين، وتقلل في أذهانهم من شأن اليهود والنصارى وتلقي في روعهم بطلان عقائدهم وإن كانوا اليوم غالبين.

стр. 2097

الخطبة الثانية: الحمد لله ربِّ العالمين ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ (١)، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وعَد، ووعدُه حق، بنصر رسله والمؤمنين في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (٢)، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، بَشَّر أمتَه بالسَّناءِ والنصرِ والتمكين فقال: «بشر هذه الأمة بالسَّناء (٣) والنصر والتمكين، ومن عَمِل منهم عملَ الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب» (٤). اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائرِ الأنبياء والمرسلين. عبادَ الله: نحتاج إلى التذكير بالمبشرات الصادقة، لندفع بها اليأس والإحباط، ونجدد العزائم ونتلمس أسبابَ النصر، ومن رحمة الله بهذه الأمة أن جعل لهم بعد العسرِ يسرًا، وبعد الضيق والشدة، السعةَ والفرج. أجل لقد أوحى اللهُ إلى نبيه ﷺ فيما أوحى - ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (٥). وقد فهم السلفُ معنى الآية واعتقدوه، وقالوا: لن يغلب عُسرٌ يسرين لأن في الآية عُسرًا واحدًا معرفًا، ويسرين منكرين». وفَهِمَ الخلفُ - كذلك مدلولات الآية - وقال الشيخُ السعدي ﵀: في تفسير الآية بشارةٌ عظيمة، إنه كلما وُجد عُسرٌ وصعوبةٌ فإن اليسرَ يقارنه ويصاحبِه،

стр. 2098

حتى لو دخل العسرُ جُحرَ ضبٍّ لدخل عليه اليسرُ فأخرجه، كما قال تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ (١)، وكما قال النبيُّ ﷺ : «وإن الفرج مع الكرب، وإن مع العسر يسرًا» ثم قال الشيخ: وتعريف (العسر) في الآيتين يدل على أنه واحد، وتنكير (اليسر) يدل على تكراره فلن يغلب عُسرٌ يسرين، وفي تعريفه بالألف واللام الدال على الاستغراق والعموم، دلالة على أن كلَّ عسرٍ وإن بلغ من الصعوبة ما بلغ، فإنه في آخره التيسيرُ ملازمٌ له (٢). عبادَ الله: وتمثل الشعراءُ بهذه المعاني القرآنية، وسلوا أنفسهم بالفَرَجِ على إثر الشدائد، وقال ابنُ دريدٍ: أنشدني أبو حاتمٍ السجستاني: إذا اشتملتْ على اليأسِ القلوبُ ... وضاق لما بِه الصدرُ الرحيبُ وأوطأت المكارهُ واطمأنت ... وأرستْ في أماكِنها الخُطوبُ ولم تر لانكشافِ الضرِّ وجهًا ... ولا أغنى بحيلته الأريبُ أتاك على قنوطٍ منك غوثٌ ... يَمنُّ به اللطيفُ المستجيبُ وكلُّ الحادثاتِ إذا تناهت ... فموصولٌ بها الفرجُ القريبُ إخوة الإسلام: ومهما تلاحقت الخطوبُ واشتدت المكاره، وتفنن الأعداءُ في أساليب العداوةِ والبغضاء، فلا يغبْ عن بالكم أن نصرَ الله قريب، وأن كيدَ الشيطان ضعيف، وأن الغلبة في النهاية للحق وأهله: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ (٣). إن الشدةَ تخفي وراءها فرجًا بإذن الله، والمكروه يحمل الخير القادم بإذن الله، وإن الدلائل والبشائر - من نصوص الكتاب والسنة، ومن واقع الحضارات

стр. 2099

المادية المنهارة، والآيلةِ للانهيار، ومن واقع الأمة الإسلامية التي باتت الصحوةُ تسري بين رجالها ونسائها ومثقفيها وعوامها، ومن لم يستطع منهم العمل للإسلام تراه متحسرًا على واقع المسلمين داعيًا على أعدائهم محاولًا إصلاح شأنه على الأقل ومن يعول. ومن واقع الأعداءِ كذلك وتآزرهم لضرب الإسلام وخنق المسلمين، كلُّ هذه وغيرها تقول بلسان الحال: إن الإسلام قادم، وإن الجولة القادمة للمسلمين - إن شاء الله. فالأيامُ دول، وحركةُ التاريخ لم تتوقف عن التغيير، ولم يحدث أن توقفت النوبةُ عند أمةٍ من الأمم لم تتجاوزها إلى غيرها. يا أخا الإسلام: جنّد نفسَك لخدمةِ دين الله، وساهم في جهاد أعداءِ الله، واعلم أنك تنفع نفسك، وإلا فالله غني عنك وعن جهادك: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (١). واعلم كذلك أن الله قادر على الانتقام من أعدائه، والانتصارِ عليهم، ولكن ليبلوَ الناس ويُميزَ الصادقين المجاهدين من الكاذبين المتخاذلين ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ (٢). إخوة الإيمان: وثمة تساؤل يطرحه بعضُ من لا يعلم سُنن الله في الكون ويقول: كيف يكون المستقبل للإسلام والغلبةُ للمسلمين في مثل هذا الزمن الذي اجتمع فيه الأعداء وتغلبوا على المسلمين، بمقدراتهم ومخترعاتهم المادية؟ كيف ينتصر المسلمون وعدوُّهم يملكُ القنابل النووية والأسلحة المتطورة، والمسلمون دون عدوِّهم في وسائل القتال والتقنية بمراحل؟ والجواب أن على المسلمين أن يُعدِّوا أنفسهم بما يستطيعون كما قال تعالى:

стр. 2100

﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ (١)، لكن عليهم أن يدركوا أن النصر لهم في النهاية ليس بقوة المسلمين وجهدهم، وإنما بقوة الله ودفعه كما قال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ (٢). والمسلمون، إذا صدقوا، سببٌ لتحقيق قدرِ الله وإرادته في عدوه وعدوهم: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (٣). وكل ذلك لا يدعو المسلمين للتواكل، ولكنه مشعرٌ لهم أن النصر من عند الله، وهو مُشعرٌ كذلك ألا يهن المسلمون ويضعفوا وهم يرون ما بالأعداء من قوة، فـ «يدُ الله فوق أيديهم»، وأمرُه إذا أراد شيئًا بين الكاف والنون: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ (٤). وقد سبق للمسلمين والرسول ﷺ بين ظهرانيهم أن هُزموا وهم كثرة كما في حنين، وانتصروا وهم قلة كما في بدر، وفي واقعنا المعاصر يشهد الناسُ نماذج لانتصار المسلمين وهم قِلة مستضعفون، واندحار المبطلين وهم كثرةٌ مدججون بالسلاح، أفلا يفيقُ المسلمون ويدركون أسباب النصر وجهته، والله يذكرهم بهذا في كتابه ويقول: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (٥)، ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (٦). تلك معانٍ ورؤىً لا بد أن نستشعرها في حربنا مع أعدائنا، ولا بد أن نعيها حين نريد التمكين في الأرض، ولا بد من الإيمان بها ونحن نستشرف المستقبل للإسلام والغلبةَ للمسلمين إن شاء الله، تحقيقًا لا تعليقًا، ولكن أمدَ ذلك علمُه عند الله، ولكن يقظة المسلمين واجتماع كلمتِهم وصدقِهم وجهادهم ... كلُّ

стр. 2101

ذلك يُعجل النصر ... ويقرب النهاية للباطل وأهله. اللهم انصر دينك، واجعلنا من أنصار دينك يا رب العالمين، اللهم إنا نعوذ بك من الوهن والوهم، وحبّ الدنيا وكراهية الموت، اللهم اجمع كلمتنا على الحق، وطهر بلادنا من الفساد والمفسدين، واحم حوزة الدين، واجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًا وسائر بلاد المسلمين، وأصلح أئمتنا وولاة أمرنا والمسلمين، واجعل ولايتنا في من خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.

стр. 2102

بين عالميتنا وعولمتهم (١) الخطبة الأولى: إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢)، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٣)، ﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٤). أيها المسلمون: العولمة، والنظامُ العالمي الجديد، مصطلحاتٌ صُدِّرَتْ لنا بمفاهيم فكريةٍ، وأنماطٍ سلوكيةٍ معينة، حددها غيرُنا، وأريدُ لنا أن نلبسَ لبوسَها، ونسيرَ في ركابِ مهندسيها، وقبل أن نتحدث عن هذه العولمةِ الغازيةِ ... لا بد من العلم والتأكيد بأننا نحن المسلمين عالميون برسالتنا وتعاليم ديننا، وببعثةِ النبيِّ العالمي الخاتم إلينا ... وإن قَصُرت هممنا، أو قعدت بنا سلوكياتُنا عن إطار العالميةِ الإسلامية المنشودة. أجل إن كتابنا ذكرٌ للعالمين: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ (٥)، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ (٦)، ونبينا محمدٌ ﷺ رحمةٌ للعالمين ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً

стр. 2103

لِلْعَالَمِينَ﴾ (١)، ورسالتُه للناس كافة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (٢). وفي إطار تعاليم ديننا تتحقق الأخوة للأسود والأحمر، والغني والفقير، والرئيس والمرؤوس، والذكر والأنثى، والصغير والكبير ... ولكن بشرط الإيمان الحق: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (٣). بل وفي ظل مفاهيم الإيمان والإسلام نتجاوز القرون، وتتشكل عالميتُنا عبر الأمم السابقةِ واللاحقة ويجمعنا ربُّنا بقوله: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (٤)، ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ (٥). أجل، إننا معاشرَ المسلمين، كُنا - يوم أن كنا نموذجًا حقًا لإسلامنا - روادَ منهج عالمي فائق، واليومَ بمقدورنا إذا عُدنا لأصالتنا أن نكون كذلك، فلئن غاب الرواد فما زال المنهجُ حاضرًا ... ولئن عفونا فترةً فبإمكاننا أن نستيقظ على هجمات الغُزاةِ المتسللين. عبادَ الله: وما من دينٍ على وجه الأرض اليوم يستطيع أن يستوعب البشرية، ويحققَ لها العدلَ والرقي والأمن والسلام ... سوى ديننا دين الإسلام. وإذا ما لاح في الأفق قياداتٌ فاجرة، أو مِللٌ ونحلٌ فاسدة، أو أيدلوجيات غريبة ... فليس العيبُ في الإسلام حين يغيب عن معترك الحياة، أو يُغيَّبُ عن التوجيه والقيادة، وإنما العيبُ في المنتسبين للإسلام. لقد سعدت البشريةُ بالإسلام حينًا من الدهر، وأحسَّ غيرُ المسلمين بعدالة الإسلام، واعترف النصارى بخيريةِ عمامةِ المسلمين على تاج البابوية، وقالها

стр. 2104

الزعيمُ الديني البيزنطي في القسطنطينية لوكاس ناتوراس صريحةً حين أعلن: إنه خيرٌ لنا أن نرى العِمامةَ في مدينتنا القسطنطينية من أن نرى فيها تاج البابوية (١)، ويعترف المؤرخُ البريطاني توينبي وهو غيرُ مسلم بحسن سياسةِ العثمانيين وعدلهم في أوروبا، وكون الدولة العثمانية أصبحت ملاذًا للهاربين من الاضطهاد الديني في إسبانيا وأوروبا، ويقول: إنها لأول مرةٍ في التاريخ استطاعت أن تتوحدَ الكنيسةُ الأرثوذكسيةُ في ظل هذه الدولةِ التي كانت إستراتيجيتُها وحِّد واحكم، بينما كانت الإستراتيجيةُ الاستعمارية تتبنى مبدأ (فرِّق تسد) (٢). فإذا كان هذا التوحيدُ بين غير المسلمين، فلا تسأل عن توحيد المسلمين، وإذا كان هذا نموذجَ الدولةِ العثمانية فلا تسأل عن دولِ الإسلام السابقة، ولا سيما في خير القرون ... وردد مع الشاعرِ فخره واعتزازه: ملكنا هذه الدنيا قرونًا ... وأخضعها جدودٌ خالدونا وسطرنا صحائفَ من ضياءٍ ... فما نسي الزمانُ ولا نسينا أيها المسلمون: وليس الحديثُ عن عالميتنا وتاريخنا وعدلِنا، ولكنه حديث عن العولمة الجديدة - تلك التي نبتت في أرض الغرب وبالتحديد في أمريكا، منذ أن أعلن الرئيسُ الأمريكي جورج بوش في خطابه الموجه إلى الأمة الأمريكية بمناسبة إرسال القوات الأمريكية إلى الخليج عام تسعين وتسع مائة وألف للميلاد مبادئ وأفكار هذه العولمةِ المزعومة ... ونصَّ على: عالِم متحررٍ من الإرهاب، فعّالٍ في البحث عن العدل، والأمنِ والسلام ... ومعلومٌ ما يريده الغربُ بمصطلح الإرهاب، وماذا يعني السلامُ والرخاءُ عندهم؟

стр. 2105

عبادَ الله: ونستطيع وصفَ هذه العولمةِ الجديدة بأنها غربيةُ الولادة، غربيةُ الفكرِ والهوية، ولم يبعد عن الحقيقة من قال: إن العولمة باختصار هي: تنميطُ العالم وترويضُه على الحياة الغربية، بقيمهِ وأنظمته ونظرته للحياة. وهي لونٌ جديد من ألوان الهيمنةِ والاستعمارِ للعالم، لا تُتخذُ لها الجيوشُ وسيلةً، وإنما تتخذُ الفِكْرَ والثقافةَ وسيلةً للتذويبِ والتبعية، والاقتصادَ أداةً للضغط والتطويع. أيها المسلمون: والعولمةُ نظامٌ يدور في إطار العلمانية الشاملة، ولا يقيم وزنًا للقيمِ والأخلاق، ولا أثرَ فيه للرسالات السماوية، ولا مكان فيها، أو تقديرٌ للضعفاء والأقليات. إنها العولمة الغازية، ظاهرةٌ تتداخل فيها أمورُ السياسةِ والاقتصاد، والثقافةِ والاجتماع، والسلوك، وتحدث فيها تحولاتٌ على مختلفِ الصور، تؤثرُ في النهاية على سلوكِ الإنسان، ونمطِ حياتِه على كوكب الأرض التي تصل إليها. بل هي كما قيل: عصا استعماريةٌ جديدةٌ بحكومةٍ عالميةٍ خفية لها مؤسساتُها: البنكُ الدولي، وصندوق النقدِ الدولي، ولها أدواتُها: منظمةُ الجات، والسبعةُ الكبار. إن العولمةَ الغازية تسير إلى تحقيق هدفٍ غير نزيه، ولئن كانت لا تؤمن بالتعددية والتنوع، ولو كان صالحًا فهي ترتكزُ على الانحياز إذ هو فكرتُها الأولى، ومحركُها الأساس، وتنطلقُ من تعظيم الذات، والتعصبِ الممقوت، وبالطبع الذات الغربية والقيم الفاسدة، وفيها تجاهلٌ بل تحطيم للآخرين، وفي العولمة إلغاء للحدود والفوارق الجغرافية، والمسلمات التاريخية (١).
следующие страницы →