ذلك يُعجل النصر ... ويقرب النهاية للباطل وأهله.
اللهم انصر دينك، واجعلنا من أنصار دينك يا رب العالمين، اللهم إنا نعوذ بك من الوهن والوهم، وحبّ الدنيا وكراهية الموت، اللهم اجمع كلمتنا على الحق، وطهر بلادنا من الفساد والمفسدين، واحم حوزة الدين، واجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًا وسائر بلاد المسلمين، وأصلح أئمتنا وولاة أمرنا والمسلمين، واجعل ولايتنا في من خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.
стр. 2102
بين عالميتنا وعولمتهم (١)
الخطبة الأولى:
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢)، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٣)، ﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٤).
أيها المسلمون: العولمة، والنظامُ العالمي الجديد، مصطلحاتٌ صُدِّرَتْ لنا بمفاهيم فكريةٍ، وأنماطٍ سلوكيةٍ معينة، حددها غيرُنا، وأريدُ لنا أن نلبسَ لبوسَها، ونسيرَ في ركابِ مهندسيها، وقبل أن نتحدث عن هذه العولمةِ الغازيةِ ... لا بد من العلم والتأكيد بأننا نحن المسلمين عالميون برسالتنا وتعاليم ديننا، وببعثةِ النبيِّ العالمي الخاتم إلينا ... وإن قَصُرت هممنا، أو قعدت بنا سلوكياتُنا عن إطار العالميةِ الإسلامية المنشودة.
أجل إن كتابنا ذكرٌ للعالمين: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ (٥)، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ (٦)، ونبينا محمدٌ ﷺ رحمةٌ للعالمين ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً
стр. 2103
لِلْعَالَمِينَ﴾ (١)، ورسالتُه للناس كافة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (٢).
وفي إطار تعاليم ديننا تتحقق الأخوة للأسود والأحمر، والغني والفقير، والرئيس والمرؤوس، والذكر والأنثى، والصغير والكبير ... ولكن بشرط الإيمان الحق: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (٣).
بل وفي ظل مفاهيم الإيمان والإسلام نتجاوز القرون، وتتشكل عالميتُنا عبر الأمم السابقةِ واللاحقة ويجمعنا ربُّنا بقوله: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (٤)، ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ (٥).
أجل، إننا معاشرَ المسلمين، كُنا - يوم أن كنا نموذجًا حقًا لإسلامنا - روادَ منهج عالمي فائق، واليومَ بمقدورنا إذا عُدنا لأصالتنا أن نكون كذلك، فلئن غاب الرواد فما زال المنهجُ حاضرًا ... ولئن عفونا فترةً فبإمكاننا أن نستيقظ على هجمات الغُزاةِ المتسللين.
عبادَ الله: وما من دينٍ على وجه الأرض اليوم يستطيع أن يستوعب البشرية، ويحققَ لها العدلَ والرقي والأمن والسلام ... سوى ديننا دين الإسلام. وإذا ما لاح في الأفق قياداتٌ فاجرة، أو مِللٌ ونحلٌ فاسدة، أو أيدلوجيات غريبة ... فليس العيبُ في الإسلام حين يغيب عن معترك الحياة، أو يُغيَّبُ عن التوجيه والقيادة، وإنما العيبُ في المنتسبين للإسلام.
لقد سعدت البشريةُ بالإسلام حينًا من الدهر، وأحسَّ غيرُ المسلمين بعدالة الإسلام، واعترف النصارى بخيريةِ عمامةِ المسلمين على تاج البابوية، وقالها
стр. 2104
الزعيمُ الديني البيزنطي في القسطنطينية لوكاس ناتوراس صريحةً حين أعلن: إنه خيرٌ لنا أن نرى العِمامةَ في مدينتنا القسطنطينية من أن نرى فيها تاج البابوية (١)، ويعترف المؤرخُ البريطاني توينبي وهو غيرُ مسلم بحسن سياسةِ العثمانيين وعدلهم في أوروبا، وكون الدولة العثمانية أصبحت ملاذًا للهاربين من الاضطهاد الديني في إسبانيا وأوروبا، ويقول: إنها لأول مرةٍ في التاريخ استطاعت أن تتوحدَ الكنيسةُ الأرثوذكسيةُ في ظل هذه الدولةِ التي كانت إستراتيجيتُها وحِّد واحكم، بينما كانت الإستراتيجيةُ الاستعمارية تتبنى مبدأ (فرِّق تسد) (٢).
فإذا كان هذا التوحيدُ بين غير المسلمين، فلا تسأل عن توحيد المسلمين، وإذا كان هذا نموذجَ الدولةِ العثمانية فلا تسأل عن دولِ الإسلام السابقة، ولا سيما في خير القرون ... وردد مع الشاعرِ فخره واعتزازه:
ملكنا هذه الدنيا قرونًا ... وأخضعها جدودٌ خالدونا
وسطرنا صحائفَ من ضياءٍ ... فما نسي الزمانُ ولا نسينا
أيها المسلمون: وليس الحديثُ عن عالميتنا وتاريخنا وعدلِنا، ولكنه حديث عن العولمة الجديدة - تلك التي نبتت في أرض الغرب وبالتحديد في أمريكا، منذ أن أعلن الرئيسُ الأمريكي جورج بوش في خطابه الموجه إلى الأمة الأمريكية بمناسبة إرسال القوات الأمريكية إلى الخليج عام تسعين وتسع مائة وألف للميلاد مبادئ وأفكار هذه العولمةِ المزعومة ... ونصَّ على: عالِم متحررٍ من الإرهاب، فعّالٍ في البحث عن العدل، والأمنِ والسلام ... ومعلومٌ ما يريده الغربُ بمصطلح الإرهاب، وماذا يعني السلامُ والرخاءُ عندهم؟
стр. 2105
عبادَ الله: ونستطيع وصفَ هذه العولمةِ الجديدة بأنها غربيةُ الولادة، غربيةُ الفكرِ والهوية، ولم يبعد عن الحقيقة من قال: إن العولمة باختصار هي: تنميطُ العالم وترويضُه على الحياة الغربية، بقيمهِ وأنظمته ونظرته للحياة.
وهي لونٌ جديد من ألوان الهيمنةِ والاستعمارِ للعالم، لا تُتخذُ لها الجيوشُ وسيلةً، وإنما تتخذُ الفِكْرَ والثقافةَ وسيلةً للتذويبِ والتبعية، والاقتصادَ أداةً للضغط والتطويع.
أيها المسلمون: والعولمةُ نظامٌ يدور في إطار العلمانية الشاملة، ولا يقيم وزنًا للقيمِ والأخلاق، ولا أثرَ فيه للرسالات السماوية، ولا مكان فيها، أو تقديرٌ للضعفاء والأقليات.
إنها العولمة الغازية، ظاهرةٌ تتداخل فيها أمورُ السياسةِ والاقتصاد، والثقافةِ والاجتماع، والسلوك، وتحدث فيها تحولاتٌ على مختلفِ الصور، تؤثرُ في النهاية على سلوكِ الإنسان، ونمطِ حياتِه على كوكب الأرض التي تصل إليها.
بل هي كما قيل: عصا استعماريةٌ جديدةٌ بحكومةٍ عالميةٍ خفية لها مؤسساتُها: البنكُ الدولي، وصندوق النقدِ الدولي، ولها أدواتُها: منظمةُ الجات، والسبعةُ الكبار.
إن العولمةَ الغازية تسير إلى تحقيق هدفٍ غير نزيه، ولئن كانت لا تؤمن بالتعددية والتنوع، ولو كان صالحًا فهي ترتكزُ على الانحياز إذ هو فكرتُها الأولى، ومحركُها الأساس، وتنطلقُ من تعظيم الذات، والتعصبِ الممقوت، وبالطبع الذات الغربية والقيم الفاسدة، وفيها تجاهلٌ بل تحطيم للآخرين، وفي العولمة إلغاء للحدود والفوارق الجغرافية، والمسلمات التاريخية (١).
стр. 2106
إخوة الإسلام: ويتَّخذُ الغربُ وسائلَ ظاهرةً، وأخرى خفيةً مقنَّعةً في سبيل تحقيق العولمة. فالمقنعةُ كالتجارة الدولية والمؤتمرات الدولية، كمؤتمر السكّان بالقاهرة، ومؤتمر المرأة في بكين ونحوها، والوسائلُ الظاهرة كالإعلام وشبكات الاتصال ذات الزخم الإعلامي الكبير لترويج هذه البضاعة المزجاة، وقد بلغ هذا الزخمُ الإعلامي حدًا من الانتشار إلى درجةٍ تضايقت فيه أوروبا ... وفرنسا على وجه الخصوص من الحضور الأمريكي الطاغي، وارتفعت أصواتٌ تدعو لمقاومة المدِّ الإعلامي الأمريكي الغازي! ! (١)
وإذا كان الواقع الإعلاميُّ الغربي، وبالذات الأمريكي منه مؤثرًا ومنتشرًا ووعاءً ناقلًا للعولمة، فالمطلعون يحذرون أكثر من مستقبل هذا الإعلام، ويقولون محذرين وموقظين للهمم، لا مخوفين ومثبطين عن العمل، يقولون: إن إحدى الشركات الأمريكية بصدد إطلاقِ قمرٍ صناعي جديد عام ٢٠٠٢ م قادرٍ على بثِّ ألفٍ وخمس مائة قناة تلفازية في وقت واحدة ويعادل أداؤه مجموعة من الأقمار الصناعية الحالية.
أما الانترنت؛ فالشبكةُ القادمة والتي بدأ تطبيقُها في بعض الجامعات الأمريكية ستصلُ سرعتُها إلى ألفِ ميجابيت، أي ما يعادل ألفي ضعف الشبكة الحالية، وعشرةِ آلاف ميجابيت في غضون بضع سنوات كما يقولون (٢).
عبادَ الله: ومع هذا كلِّه فهذه العولمةُ بصورها المختلفة ووسائلها المتعددة جزءٌ من مكرِ البشرِ وكيد الأعداء، وهي ضمن قدر الله وحكمته وتدبيره لهذا الكون، وعلى المسلمين أن يدركوا حقيقة اللعبة، وأن يتجاوزوا المحنة بالعمل الجاد والتعاون المثمر والتخطيط للمستقبل، وأن يثقوا بأن الله مع الذين اتقوا
стр. 2107
والذين هم محسنون، وأن مكرَ الله أعظمُ من مكر البشر، ويدُه فوق أيديهم: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١).
اللهم بصِّرنا بمواطن الضعف في نفوسنا، وقوِّ عزائمنا على الخير، وادفع عنا كيدَ الفجار يا ربَّ العالمين، أقول قولي هذا وأستغفر الله.
стр. 2108
الخطبة الثانية:
الحمد لله كتب العزةَ له ولرسوله وللمؤمنين ولكنَّ المنافقين لا يعلمون، وقضى بأن الأرضَ يرثها عبادُ الله الصالحون، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يمهل للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، وقد تغر الدنيا بزينتها ومباهجها، وقد تكون نهايتُها على أثر هذه الزينة بغتة، والله يقول: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١).
وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، حذّر أمتَه من الفتن، وبشَّر بمستقبل للإسلام والمسلمين لم تُستكملْ بَعْدُ مبشراتُه، ولو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطوّل الله هذا اليوم حتى يقع ما صح من خبره ومبشراته ... اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر النبيين والمرسلين.
إخوة الإيمان: ويرى البعضُ أن العولمةَ التي نعيشها هذه الأيام هي مرحلةُ التصفيةِ الروحية أو ما يسمى: بالانتحار الروحي، وقد سبقتها مراحلُ من العولمة مهدت لها، وهذه المرحلةُ الأخيرة من العولمة ستترك أثرين متغايرين تمامًا: السلبي منهما يكمن في إخراج جيل مشوَّشِ الفكر، فاقدٍ للهوية يسخر من لغتهِ ودينه وتاريخه وقيمه، أما الإيجابي فيكمن في إيقاظ روح التحدي، والشعور بأهمية المقاومة والصمود لإثبات الذات، وتأكيد أصالة القيم، وبعث الحماس على استخراج مكنوز الحضارة الإسلامية، والتأكيد على أهمية القيم الإسلامية، والتاريخ الإسلامي والبقاء للأصلح، والزبدُ يذهب جفاءً، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض، تلك سنةُ إلهية ماضيةٌ تتكرر.
стр. 2109
عبادَ الله: وعلى إثر هذه السُّنةِ الإلهية والمبشراتِ النبوية يرد السؤال: هل يمكن أن تستمرَ هذه العولمةُ، وإلى أي حدِّ يمكن أن تنجح؟
لا شك أن الغيب لا يعلمه إلا علام الغيوب، ولكن ظاهر الأمر يوحي بأن هذه العولمة قد تحقق بعض النجاحات، ولكن بذورها الأولى تحمل هلاكها، إذ فيها مصادمةٌ لفطرِ البشر، وتجاهلٌ للتاريخ، واغتصابٌ للثقافة، وتنحيةٌ لتعاليم السماء، ومصادمة للمبشرات النبوية بانتصار الحقِّ وغلبة المسلمين وسيادةِ الإسلام، وتقوم العولمة على القهر والاستبداد وتعظيم الأغنياء والأقوياء، وسحق الفقراء والضعفاء، ومن هنا جاءت قوى الرفضِ لهذه العولمة من قلب الدولِ الراعية لها، وأفشل مجموعةٌ من الأمريكان مؤتمر سياتل الذي حضرته مائة وثلاثون دولة قبل أن يصلَ إلى قرارات، بل وقبل أن يحصلوا على توقيعات الدول النامية على توصياته، بل حتى قبل الوصول إلى مقر المؤتمر (١)، وانتشر الرفضُ للعولمة، وسار قطاره مسرعًا من أمريكا إلى أوروبا إلى غيرها.
إخوة الإسلام: وهنا يرد سؤال وكلُّنا مطالبٌ بالإجابة عليه، والسؤال يقول: ما موقفُنا من هذه العولمة وماذا ينبغي أن تُحرك فينا؟
إننا معاشرَ المسلمين جميعًا عربًا وعجمًا، شرقًا وغربًا، شمالًا وجنوبًا، مدعوون إلى إقامة عالمية تقوم على الاجتماع والألفة والأخوة، فالاجتماع قوة، والمؤمنون دون سواهم إخوة، والله يدعونا إلى الاجتماع وينهانا عن الفرقة، ويقول: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (٢).
وهذه العالميةُ التي ندعو لها لا تُقارن مصداقيتُها بعولمتهم، وهي تختلف في
стр. 2110
آثارها وأساليبها عن عولمتهم، ودعونا نعقد مقارنةً سريعةً بين عالميتنا وعولمتهم، فعالميتُنا عدلٌ ورخاء، وعولمتُهم جورٌ وشقاء، عالميتُنا يستخرج بها الناسُ من ذلِّ العبودية وإزهاق الكرامة، وعولمتهم تكريسٌ للذل والتبعية، وسحق للحرية والكرامة، عالميتُنا طُهرٌ وعفاف، وعولمتهم عُهرٌ وشذوذ وانحراف، وسل مؤتمر بكين للمرأة ينيبك الخبر اليقين، عالميتُنا شورى وإقناع، وعولمتُهم استبداد وإكراه، عالميتنا تعمير للكون وتسبيح بآلاء الله، وعولمتُهم تدميرٌ للحرث والنسل، وفي مؤتمر الإسكان الدولي شاهدٌ لما نقول، عالميتُنا سَعُد بها المسلمون وغير المسلمين، واستظل بظلالها الوارفة القريبُ والبعيد، وعولمتهم لم تستطع أن تحقق الرخاءَ للقريب فضلًا عن البعيد، وقامت صيحاتُ المعارضة ضدها من داخل الأرض التي نبتت فيها، وأنَّى لها أن تحقق الخيرَ والسعادةَ للآخرين، عالميتنا رحمةٌ للعالمين، وعولمتهم نكدٌ وعذابٌ وظلمٌ واستبداد، عالمتُنا لا تسأل الناس أجرًا على البلاغ والهدى، وعولمتُهم نهبٌ للموجود وتعسفٌ على الفقير، ومن ملامحها كما يُقال إنها ستفقرُ الدول النامية وستزيد الدول الغنية غنى ... عولمتهم تتجاهل رسالة السماء المحفوظة، وعالميتُنا تتعامل بالعدل مع أصحابِ الأديانِ ولو كانت محرفة، وتنظّم حقوقًا خاصةً بأهل الذمة، عولمتهم قائمةٌ على الانحياز والتعصب إن شئتَ في الاقتصاد أو السياسة أو الأخلاق والفكر والقيم، لا يُقال هذا عاطفةً، بل يؤكده الواقعُ المشاهد، فأيُّ نوع تمارسه هذه العولمةُ في الاقتصاد؟ إنه الاقتصادُ الحرُّ من كلِّ قيود، القائمُ على الربا والاحتكار والجشع والطمع بكل وسيلة، وإن بلغت مبلغًا من الذكاء والتقنية والتخطيط.
وأي نوع تمارسه هذه العولمةُ وأربابُها في السياسة؟ تجيبك المآسي القائمةُ للمسلمين في أرض الشيشان حاضرًا، ومن قبل في البوسنة والهرسك وكوسوفا، وفلسطين وغيرها، فأينَ السلامُ المنشود؟
стр. 2111
وأين تحقيقُ العدل والأمن الذي يتشدقُ به قادةُ هذه العولمة؟ وتكشف أحداث تيمور الشرقية أخيرًا، ومن قبل جورجيا وغيرها من الجمهوريات النصرانية عن حقيقة هذا التحيز والتعصب.
стр. 2112
شعاع من المحراب
الجزء الثامن
إعداد
د. سليمان بن حمد العودة
стр. 2113
مشاعر ما بعدَ رمضانَ (١)
الخطبة الأولى:
الحمدُ لله جعلَ في تعاقبِ الليلِ والنهارِ وقضاءِ الشهور والأيام آيةً لمن أرادَ أن يذّكر أو أرادَ شكورًا، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، تفضّلَ على عباده بمواسمِ الطاعاتِ لتعظيمِ أجورِهم، وشرعَ لهم من أيام الأعيادِ والأفراحِ والمسرّاتِ ما تطيبُ به نفوسُهم وتَنْشرحُ له صدورُهم، ووعدهم بالمزيد في حال شكرِهِم، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، كان ومن سبقَه من الأنبياءِ شاكرينَ لربِّهم، ذاكرينَ لخالقِهِم. اللهمّ صلِّ وسلِّم عليهم أجمعين، وارضَ اللهمّ عن الصحابةِ أجمعينَ، والتابعينَ ومن تبعَهُم بإحسانٍ إلى يوم الدين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٢).
إخوة الإيمان: قبلَ أيامٍ ودّعْنا رمضانَ .. ودّعَنا رمضانُ إلى عامٍ قابلٍ، سيكون بعضُنا حينها شاهدًا حَيًّا، وسيكون آخرونَ غائبينَ في عِداد الموتى .. وإلى ذلك الحين، بل وفي كلّ حينٍ نستودعُ اللهَ دينَنا وأماناتِنا وخواتيمَ أعمالِنا لمن كتبَ اللهُ له الحياةَ، أو قدّر عليه المماتَ.
أجل؛ لقد ودّعَ المتقونَ رمضانَ بالدموعِ من العيونِ والحزنِ من القلوبِ .. إنّهم حَزِنونَ على فُرَصِ الطاعةِ من صيامٍ وقيامٍ وذِكْرٍ وتلاوةٍ وإحسانٍ .. وحَزِنون على أيامٍ فُتحتْ فيها أبوابُ الجنةِ وكَثُر العُتقاءُ من النارِ .. وصُفِّدت الشياطينُ، حزِنون على ذهاب أيامِ نالت النفوسُ من التقوى حظَّها .. ومن شهودِ آياتِ الله
стр. 2114
في الأنفسِ والآفاقِ ما عظّمَ الخالقَ في قلوبها .. حَزِنون على أيامٍ تُعَمَّرُ فيها المساجدُ بالمصلينَ والتَّالينَ والذاكرينَ ..
إي وربي، إنهم حزِنونَ على كلِّ فرصةٍ للطاعةِ تُضاعَفُ فيها المثوبة، وحزِنونَ أكثر إذ تَهْجُرُ فِئامٌ من المسلمينَ هذه الطاعاتِ أو بعضَها إلى رمضانَ القادمِ .. وبين الرمضانيين مَفاوزُ لا تنقطعُ فيها أعناقُ الإبلِ فقط، بل وتنقطعُ فيها أنفاسُ البشر، ويرحلُ عن هذه الحياةِ جُموعٌ من المسلمينَ استكملت رزقَها وأجلَها، وأتاها اليقينُ من ربِّها.
أيّها المسلمونَ: لقد فازَ في رمضانَ من جاهدَ نفسَه على طاعةِ الله، فكانَ في عِدادِ الحافظينَ لصيامِهِم من قولِ الزورِ وعملِ الزورِ، وكانَ في عدادِ القائمينَ والراكعينَ والساجدينَ والمستغفرينَ بالأسحارِ .. وكان من المساهمينَ في الدعوةِ والإحسانِ .. أجل، إنها نفوسٌ استطاعت أن تَشُدّ المَآزِرَ، وأن تتجافى المضاجِعَ .. وأن تتغلبَ على أهواءِ النفسِ .. وعسى اللهُ أن لا يحرمَ هؤلاءِ الأجرَ، وأن يُضاعِفَ لهم المثوبةَ، وأن يتجاوزَ لهم عن الخطيئةِ والغفلةِ، ولكن ماذا بعدَ رمضانَ؟ إن ثمّةَ فئةً أُخرى قادرةٌ على مواصلةِ المسيرِ بعد رمضانَ .. وعندها هِمّةٌ على مراقي العزّ في شوالَ وما بعدَه من أيام وشهورِ العام .. أولئكَ أحسُّوا بلذةِ الطاعةِ فما عادوا يُطيقونَ هجرَها .. وأولئكَ وفَّقهمُ الله لعملِ الحسنةِ على إثرِ الحسنة. وعملُ الحسنةِ اللاحقةِ مؤشّرٌ على قَبول الحسنةِ السابقة، وفضلُ اللهِ يؤتيه من يشاءُ، أولئكَ يَسْتَشْعِرونَ أن قِصَرَ الحياةِ الدنيا - بجانب الآخرةِ - لا يستحقُّ أن يُصرَفَ من العمرِ شيءٌ بالعبثِ واللَّهوِ والغفلةِ والتفريط .. وهذه الحياةُ الدنيا متاعٌ، والآخرةُ دارُ القرارِ.
يا أخا الإسلامِ: وحين تزدحمُ هذه المشاعرُ الفياضةُ بعد رمضانَ .. فإني
стр. 2115
سائلُكَ .. وأدَعُ الإجابةَ لكَ فأنتَ على نفسِكَ رقيبٌ .. ولن يكونَ أحدٌ أحرصَ منكَ على نجاةِ نفسِكَ وإسعادِها.
والسؤالُ الموجّه يقول: بِم تُفكّرُ بعدَ انقضاءِ شهرِ رمضانَ؟ وأُسارعُ إلى مساعدتِكَ في اختيارِ الجواب لأقولَ لك: إن كنتَ عَزَمتَ على مواصلةِ الخيرِ فرعاكَ اللهُ وسدَّدكَ ووفَّقكَ وأعانكَ، وأَنتَ أهلٌ لحُسنِ الظنّ بكَ، وإن ضعُفتْ نفسُكَ وفكّرتَ بأمرِ سوء .. وهممتَ بنقضِ غَزْلِكَ في رمضانَ، والعودة إلى مُنكراتٍ كنتَ تُزاوِلُها قبلَ رمضانَ، فاتّقِ اللهَ وادفعْ هذه الفِكَر السيئةَ، وجاهدْ نفسَكَ على الخلاصِ منها، وهل ترضى أن تُصنّفَ مع أقوامٍ بئسَ هُمُ القومُ، لا يعرفونَ اللهَ إلا في رمضانَ .. وليس من العقلِ أو الحزمِ أن تُضيِّعَ رصيدًا جمعْتَه في شهرِ الصيامِ .. استبشرتَ به أنتَ، وحفِظَه لك الكرامُ الكاتبون، وستلقاهُ مذخورًا لكَ يومَ الحسابِ.
يا أخا الإيمانِ: إنّ تقوى الصيامِ ينبغي أن تظهرَ على المسلمِ في شهرِ الصيامِ وبعد شهرِ الصيامِ .. وإلا فَما تحقَّقتِ التقوى - وهي الحكمةُ - من وَراءِ الصيام.
أيّها الناسُ: كُلُّنا غَدَا بالأمسِ للعيد، وكلُّنا لبسَ الجديدَ، وتلك مظاهرُ نشتركُ فيها جميعًا .. ولكن ثمةَ مظاهِرُ نتفاوتُ فيها، وتلكَ التي تستحقُّ أن نَتنبَّه لها وأن نتنافسَ فيها .. إن الموفَّقَ حقًا - يومَ العيدِ - من كان بالطاعةِ سعيدٌ .. والموفَّقُ من حفظَ له الكرامُ الكاتبونَ ما يُسعدُه يومَ الوعيدِ .. وتلكَ وربِّي، وإن لم نقطعْ بها لأحدٍ في هذه الحياةِ فستنكشفُ يومَ العرضِ على اللهِ .. وما أعظمَ الفَضيحةَ حين يُكشفُ عن ساقٍ ويُدعى أقوامٌ للسجود فلا يستطيعونَ .. وحينَ تتطايَرُ الصّحفُ، فمنهم من هو آخذُها باليمينِ وهو في العيشةِ الراضيةِ والجنةِ العاليةِ .. ومنهم من يأخذُها بالشمال وأولئكَ الذين يُقال لهم: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠)
стр. 2116
ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ (١) - وأولئكَ أهلُ الزَّقومِ والغِسلين.
أيّها المسلمونَ: وفرحتُكم بالعيدِ مَظهرٌ من مظاهرِ دينِكم، وشِعارٌ للفرحةِ بإتمامِ الصيام والتوفيقِ للقيام، وتلاوةِ القرآن .. بل هي جزءٌ من قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (٢).
ولكن هذه الفرحةَ ينبغي أن لا تُنسيَكُم جموعًا من إخوانكمُ المسلمينَ كتبَ اللهُ أن يعيشوا في مِحَنٍ وبلايا - وحصارٍ وأذى من قِبَلِ الأعداءِ .. وأولئك المُمْتَحنونَ لا ندري كيفَ كانَ عيدُهم .. وإلى أيّ مدى استشعروا العيدَ وفرحتَه كما استشعره إخوانُهم .. ولكنا بكلِّ حالٍ ينبغي أن ندركَ أنهم جزءٌ مِنّا .. وعلينا أن نسعى لإسعادِهم، وأن نساهِمَ بما نستطيعُ في رَفْعِ نوازِلِهم، وعسى اللهُ أن يأتي العيدُ القادمُ وهم سالمونَ آمنونَ، أعزّاء منتصرون.
إخوة الإسلام: إن في دينِنَا فسحةً للفرحِ والبهجةِ - ولاسيما في أيامِ العيدِ .. ولكن احذروا أن يتحوّلَ الفرحُ المشروعُ إلى بَطَرٍ وأَشَرٍ، وفيما أحلّ اللهُ غنيةٌ عمّا حرَّمَ. عَظّموا اللهَ في حالِ سَرّائِكم وضرّائِكم، واعبدُوه وأطيعوه في حال أفراحِكُم وأحزانِكُم، فأنتم مأمورونَ بالعبوديةِ للهِ في كلّ حالٍ من أحوالكم: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٣).
عبادَ الله: اجعلوا من أيامِ العيدِ فرصةً للصِّلةِ والزيارةِ، والعفوِ والمسامحةِ، والمحبةِ والرحمةِ .. وما لم تتصافى النفوسُ في أيام الأعيادِ والبهجةِ والسرورِ،
стр. 2117
فمتى يتمّ ذلك؟ ! وما لم يتجاوزِ المسلمونَ الأحقادَ والضغينةَ على أثرِ تقوى الصيامِ والقيام - فأيّ أيامٍ هي أَحرى بالمسامحةِ والوئامِ، واعلموا أن الشيطانَ أَيِسَ أن يُعبدَ في أرضِكُم، ولكن بالتحريش بينكم، أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (١).
стр. 2118
الخطبة الثانية:
الحمدُ للهِ ربّ العالمينَ أضحكَ وأبكى وأماتَ وأحيا، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريكَ له، إليه المنتهى وعليه النشأةُ الأُخرى، وأشهدُ أنّ محمدًا عبدُه ورسوله خيرةُ الأنبياءِ ﵈، وصفوةُ الخلقِ - اللهمّ صلّي وسلم عليه وعلى إخوانِه وآله ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يومِ المُلتقى.
إخوةَ الإسلام: لا جُناح أن يفرحَ الناسُ بالعيد، ففريقٌ إلى البريةِ يَرحلونَ، وفي كونِ الله الفسيحِ يتفكرونَ، وفريقٌ آخرُ يجتمعون ويلتقونَ لصلةِ ذوي القُربى في البيوتِ أو الاستراحاتِ .. فيأنسُ بعضُهم ببعضٍ ويتآلفونَ على الخيرِ، ويتعاونونَ على البِرِّ والتقوى، ولا خيرَ فيمن لا يألفُ ولا يُؤلف، وإذا تباعدتْ بالناسِ الدِّيارُ أو فرّقتهم أنواعُ الأعمالِ وأماكنُ الارتباطاتِ، ففي أيامِ العيدِ والإجازاتِ فرصةٌ لتعويضِ ما فاتَ ووَصْلِ ما انقطعَ.
نعم أيّها المسلمونَ، كم هو عظيمٌ الإسلامُ في تشريعاتِه، يدعو إلى الصِّلةِ والقُربى والأُنسِ والمحبةِ، ويجزي على ذلك الجزاءَ الأوفى .. لقد تعلّقتِ الرحمُ بالرَّحمن حين خَلَقَ الخلقَ وقالت: «هذا مقامُ العائذِ بكَ من القَطيعةِ، فقال اللهُ : ألا تَرْضيْنَ أن أَصِلَ من وَصَلَكِ، وأقطعَ من قَطعكِ؟ قالت: بلَى، قال: فذاك» (١).
أجل، يكفي الواصلينَ أجرًا وفخرًا أن يصلَهُم الرحمنُ .. وكفى للقاطعين عقوبةً أن يقطعَهُم الله؟
وفي كتاب الله جاءَ الربطُ بين قطيعةِ الرحمِ والإفسادِ في الأرض، فقال
стр. 2119
تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ (١) على أن الرحم قد تطلقُ ويُرادُ بها - مع الأقربين - الأبعدونَ من أهلِ الإسلامِ والإيمان - وهناك وقفةٌ للقرطبي ﵀ في تفسير الآيةِ السابقة، قال فيها: وبالجملةِ فالرحمُ على وجهينِ: عامةٍ وخاصةٍ.
فالعامةُ: رَحِمُ الدِّين، ويجب مواصلتُها بملازمةِ الإيمانِ، والمحبةِ لأهلِه ونُصرتهم، والنصيحةِ وتركِ مضارتهم، والعدلِ بينهم، والنَّصفةِ في معاملتِهم، والقيامِ بحقوقِهم الواجبةِ، كتمريضِ المرضى وحقوقِ الموتى، من غَسلِهم والصلاةِ عليهم ودفنِهم، وغير ذلك من الحقوقِ المترتبةِ لهم.
وأما الرّحِمُ الخاصةُ، وهي رَحِمُ القرابةِ من طرفي الرجلِ أبيهِ وأمّهِ، فيجبُ لهم الحقوقُ الخاصةُ وزيادةٌ، كالنفقةِ وتفقُّدِ أحوالهم، وتركِ التغافلِ عن تعاهُدهِمِ في أوقاتِ ضروراتِهم، وتتأكدُ في حقّهِم حقوقُ الرحمِ العامةِ، حتى إذا تزاحمتِ الحقوقُ بُدئَ بالأقربِ فالأقربِ. (الجامع لأحكام القرآن ١٦/ ٢٤٧).
عبادَ الله: ألا فصِلُوا أرحامَكُم في كلّ حينٍ، واستثمروا فُرصَ الأعيادِ لمزيدِ الصِّلةِ والإحسان، ولا تنسَوا حقوقَ إخوَّةِ الإسلامِ ورَحمَ الدِّين، لا سيّما لمن بهم حاجةٌ إليكم.
ألا وإن من المظاهرِ الطيبةِ لقاءاتِ العوائلِ الزَّمانيةِ أو الموسميةِ، تلكَ التي لا تخلو من كلمةٍ طيبةٍ، أو برنامجٍ لطيفٍ هادفٍ، أو التفاتةٍ للمحتاجينَ في الأسرةِ ودعمِهم من خلالِ صندوقِ الأسرة، أو إعاناتٍ وتبرعاتٍ مقطوعةٍ - أو نحو ذلك من مشاريعَ تزيدُ في بناءِ الأسرةِ، وتُسهمُ بشكلٍ عامٍّ في بناءِ المجتمع الإسلامي على الرحمة والبِرِّ والإحسان .. وكم هو جميلٌ حينَ يكونُ للمرأةِ
стр. 2120
المسلمةِ داخلَ الأسرةِ نصيبُها من البرامجِ والمشاريعِ النافعةِ، فتساهِمُ الأُسرُ في مزيدِ بثّ الوعيِ لحقوقِ المرأةِ وواجباتِها في الإسلام، كما تُسهم في صَدِّ الهجماتِ الشرسةِ الموجهةِ للأسرةِ عمومًا، وللمرأةِ على وجهِ الخصوص.
أيّها المسلمونَ: إن تلكَ معانٍ من الصلةِ ينبغي أن نستشعِرَها في كلّ حينٍ، وأن نُجسِّد بها فرحتَنا بالعيدِ.
ألا فأنيبوا إلى رَبّكم وأسلِموا له .. وحافظوا على رصيدِكُم من عملِ الصالحاتِ .. ولا تكونوا كالتي نقضَتْ غَزلَها من بعدِ قوةٍ أَنْكاثًا.
واعلموا أن من صامَ رمضان ثم أتبعَه ستًّا من شوال كان كصيامِ الدهر، وفي صيامِ النفلِ، فرصةٌ لسدّ النقصِ والخَلَل في صيام الفرض.
عبادَ الله: وثمّةَ أمرٌ آخرُ ينبغي أن نستحضِرَه ونحنُ نفرحُ بالعيد، بل وبكلّ فرحةٍ عارضةٍ زائلة، أن نتذكَّرَ الفرحةَ الكبرى الدائمةَ في جِوارِ الرحمن، في مقعدِ صدقٍ عند مليكٍ مُقْتَدِر - هناك الحُبورُ والسرورُ فلا ينقطعان .. وهناك اللَّذَةُ والنعيمُ فلا يُنغَّصان، فرحٌ لا يَعقُبُه حُزنٌ، وبهجةُ نفوسٍ لا تنقطعُ ولا تَبلى ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ (١).
إن الفرقَ كبيرٌ بين من تمتدّ أفراحُهم في الدُّنيا إلى أفراحِ الآخرةِ، أولئكَ أهلُ الإيمانِ وعملِ الصالحاتِ والمؤمنونَ بالبعثِ والنشور .. وبين من يُنقلونَ فجأةً من السُّرورِ إلى الثُّبور، وأولئك هُم المغررونَ في الدُّنيا، الغافلونَ عن الرجوعِ إلى رَبّهم للحسابِ والمتشكّكونَ في البعثِ والجزاء، لقد انقضتْ فرحتُهم في الدنيا وحطُّوا رحالَهُم في النَكدِ والشقاءِ وأولئك قال الله عنهم: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ
стр. 2121
كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (١٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤) بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ (١).
أجل، لقد كانَ رسولُ الهدى ﷺ يربطُ بين الفرحتينِ ويذكّرُنا بفرحةِ الآخرةِ حينَ يخبرنا بفرحةِ الدنيا، وهو القائل: «للصائمِ فرحتانِ: فرحةٌ عند فِطره وفرحةٌ عند لقاءِ ربِّه» (٢).
أيها المسلمونَ، أيها الصائمونَ: ورحمةُ ربِّنا واسعة، ورجاءُ المسلم بربِّه كبيرٌ، وأسألُ اللهَ أن ينقلكم من فرحةِ الدُّنيا إلى فرحةِ الآخرةِ، وربُّنا غفورٌ شكور، وإذا نهى المسرفينَ على أنفسهِم بالمعاصي أن يَقْنَطُوا من رحمته وهو القائل: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٣) فغيرهم ممن عملَ الصالحاتِ أولى بالرجاءِ، وقد كانَ السلفُ الصالحُ يستحبونَ الحديثَ عن الرجاءِ على إثرِ عملِ الصالحات.
стр. 2122
فشلُ اليهود ونهايتُهم (١)
الخطبة الأولى:
الحمدُ لله ربِّ العالمينَ، يُقلِّبُ الليلَ والنهارَ، إنّ في ذلك لعبرةً لأولي الأبصار، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، يُدِيلُ المسلمينَ على عدوِّهم ثم يُديل عدوَّهُم عليهم، وتلك سُنةٌ ربانيةٌ ماضيةٌ تتجددُ ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (٢).
وأشهدُ أنّ محمدًا عبدُه ورسولُه، مَرّت حياتُه بالضّراءِ والسّراءِ وتقلّبَ - هو وأصحابُه - بالظّفْرِ والنصرِ تارةً، وبالمصيبةِ والهزيمةِ تارةً أخرى ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ (٣).
اللهمّ صلِّ وسلم عليه وعلى سائرِ الأنبياءِ والمرسَلينَ، وارضَ اللهمَّ عن أصحابِه والتابعينَ وتابِعيهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين.
عبادَ الله: اتقوا اللهَ حق تُقاتِه ولا تَمُوتُنّ إلا وأنتم مسلمون، واتقوا الله ويُعلّمكمُ الله، ومن يتّقِ الله يجعلْ له مَخْرَجًا، وربُّكم أهلُ التقوى وأهلُ المغفرة.
أيّها المسلمونَ: نخطئُ أحيانًا حين نُعظِّم أعداءنَا، ونبالغُ في وَصْفِ قوّتِهم وجبروتِهم إلى حدٍّ نُصيبُ به أنفسَنا بالإحباط، ونقعدُ بها عن المقاومةِ والاستعداد، ونضيفُ إلى قوةِ العدوِّ قوةً وهيبةً، ما كان لنا أن نَمنَحُهم إيّاها - لولا ضعفُنا وتخويفُ الشيطان لنا، واللهُ تعالى يعلّمُنا أن لا نخافَ العدوَّ إذا
стр. 2123
تحققَ إيمانُنا ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١) ويرشدنا إلى أن هذا الخوفَ من أسلحةِ الشيطان ومَكْرِه ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ (٢)، بل ويأمرُنا ربُّنا بمقاتلةِ أولياءِ الشيطانِ، ويؤكّدُ لنا ضعفَ الشيطان ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ (٣).
إن عقدةَ المؤامرةِ تُسيطِرُ على مخيّلةِ البعضِ منّا، فكلّ حدثٍ يقعُ - وإن كان عفويًّا - نُحيطُه بهالةٍ معيّنةٍ، ونبحثُ عن مؤامرةٍ خلفَه، وغالبًا ما نُضْفي على عدوِّنا هالةً وراءَ هذا الحدثِ أو ذاك، وهذا يجعلُنا دائمًا نتخوفُ ونحجمُ ونعطي الأمورَ أكبرَ من حَجْمِها، ونَرْفَعُ من أسهُمِ أعدائنا، ونَضَعُ من أسهُمِنا، ونحنُ نشعرُ أو لا نشعر.
إخوةَ الإيمان: صحيحٌ أننا نعيشُ في زمنِ المؤامراتِ العالميةِ والنفاقِ الدولي، والتخطيط الأُمَمي .. لكنّ ذلك كلّه لا ينبغي أن يدعونا إلى المبالغةِ في تقييمِ الأشياءِ، وتناسي سُننِ اللهِ في الكونِ، وضَعْفِ كيدِ الشيطانِ وحِزْبِه، ونصرةِ الله لجندهِ المؤمنين، وكونه مع الذينَ اتقوا والذينَ هم مُحسِنون.
إن من أسرار قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ (٤)، أن قوةَ المسلمينَ ليس بالضرورةِ أن تكونَ مكافِئةً لقوةِ الكافرين، وبالتالي فهم إذا أعدّوا القوةَ التي يستطيعونَها، ثم أكملوها بالإيمانِ الحقِّ والعمِل الصالح .. حقّقَ اللهُ لهم النصرَ ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٥).
والمتأملُ - في أحداثِ التاريخ الإسلاميِّ - يرى أن معظمَ، أو كلَّ المعاركِ التي خاضها المسلمونَ وانتصروا فيها على عدوِّهِم، كانوا أقلَّ عددًا وعُدةً منهم
стр. 2124
- هذا في الماضي.
وفي الحاضر يقفُ المتأمّلُ في الأحداثِ المعاصرةِ على نماذجَ لقوى كبرى اندحرتْ رغم فارقِ القوةِ مع من دَحرَها، ألم تخرجْ أمريكا من فيتنام؛ وهي صاغرة؟ ! ألم يتمكن الأفغانُ من طردِ روسيا من أفغانستان، ولا مقارنةَ في القوة؟ ! بل ربما كانت هزيمةُ الروسِ في الأفغانِ البدايةَ لتفكُّكِ الاتحادِ فيما بعد؟
وأخيرًا ألم يخرجِ اليهودُ وتنسحبُ إسرائيلُ من جنوبِ لبنانَ - وهي تجرُّ أثوابَ الهزيمةِ والخَيبةِ .. رغمَ أنه لم يمضِ على عناقيدِ الغضبِ فترةٌ طويلةٌ من الزمن؟ ولا يزالُ غيبُ الله يُخفي ألوانًا من هذه الهَزائمِ التي ستقعُ على هؤلاءِ المُتجبّرينَ الظالمين، وسُنَّةُ الله جاريةٌ ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ (١) ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ (٢)، ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٣).
وبالجملةِ فالمتأملُ في كتابِ الله يجدُ أنّ اللهَ يأخذُ بالذنبِ يقع، ويؤاخذُ على الظلمِ يُمارَس، واقرأوا - إن شئتم - ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (٤).
عبادَ الله: ودعونا نُسلِّطُ الضوءَ على أشدّ الأعداءِ (اليهود) وهمُ اليومَ يمارسونَ عداوتَهم وظلمَهُم على المسلمين، لنرَى كيف فشلوا في عددٍ من
стр. 2125
مخططاتِهم، وأفلسوا في عددٍ من مؤامرتِهم وكيدِهم على الإسلامِ والمسلمين، فقد خَطّطَ لقتلِ الرسولِ ﷺ بنو النضيرِ، واتفقوا على إلقاءِ حجرٍ على النبيّ ﷺ فَعلِمَ بمخطّطِهِم وأبطلَ اللهُ كيدَهم، فكانَ هذا الغدرُ سببًا لجلائهمِ عن المدينة، وفي غزوةِ خيبرَ حاولَ اليهودُ قَتْلَ الرسولِ ﷺ بالسّمّ، فكشفَ اللهُ أمرَهُم، وأنطقَ اللهُ الذّراعَ المسمومةَ، فلفظَ اللقمةَ ثمّ قتلَ اليهوديةَ بعد أن ماتَ أحدُ أصحابهِ (بشرُ بنُ البراءِ) ﵁ متأثرًا بهذا السُّمَّ، كما حاولوا سحرَه ﷺ فحفظَه اللهُ.
وبلغ كيدُ اليهودِ - في غزوة الخندقِ - مبلغًا كبيرًا، حينما ساهمتْ طوائفُ منهم في التخطيطِ للمعركةِ، من خارجِ المدينةِ، وساهمتْ طائفةٌ أخرى بالغدرِ والخيانةِ - من داخلِ المدينةِ - فأبطلَ اللهُ الكيدَ وفشلتِ المؤامرةُ. وانتقمَ المسلمونَ من يهودَ.
ومن بعد تفرُّقِهم وجلائِهِم عن المدينةِ لم يجتمعْ لهم شملٌ، ولم يستطيعوا تأسيسَ دولةٍ مستقلةٍ عبرَ القرون - بل كانَ غايةُ ما يصنعونَ الكيدَ متستِّرين، أو ممارسةَ الإفسادِ عبر وزراءَ أو مستشارينَ لهم في الدولِ التي مكّنتهم لقربِ الصلةِ بهم (كالعبيد) أو لدولٍ لم تستشعرْ خطرَهم لغفلةِ الأمراءِ والحكامِ المسلمين؟ أو كان تخطيطُهم سرًا لم يشعرْ به المسلمون؟
أما دولةُ اليهودِ اليومَ فلم يقيموها بأنفسِهِم، بل أُقيمتْ لهم بمساعدةِ الآخَرين، وبعدَ قِيامِها لمَ يَستقلّ اليهودُ بضمانِ بقائها، بل لا تزالُ تُحاطُ وتُدْعَمُ من أطرافٍ غير محسوبةٍ على اليهودِ، كالنصارى الذين أخذوا على عاتِقِهم حمايةَ يهودَ، والمطالبةَ بحقوقهم نيابةً عنهم، ويكفي أن يأتي زعيمُ أكبرِ دولةٍ في العالمِ إلى شرمِ الشيخ لينتزعَ قرارًا في المؤتمر لصالح اليهود، ومهما كان حجمُ الداعمِ، فإن من لا يستقلّ بنفسِه حَرِيٌّ بالسقوطٍ، مهدّدٌ بالخطرِ والأُفول.
стр. 2126
أيها المسلمونَ: وحين نتحدثُ عن فشلِ اليهود، فلا بد أن نتحدثَ كذلكَ عن تسليطِ الأممِ والقوى على يهودَ .. ومنذُ أن سحقَهم بختنصَّر، ثمّ كانوا في قهرِ الملوكِ اليونانيين والكُشدانيين، والكُلدانيين ثم صاروا في قهرِ النصارى .. حتى انتهى أمرُهم إلى النازيين.
بل وعموم الأوروبيين - فقد كان للإنجليز والفرنسيين والأسبان مواقفُ مشينةٌ معهم، بل والأمريكان في بدايةِ تأسيسِهِم لولاياتهم، ويكفي أن تستمعَ إلى خطابِ (فرانكلين) رئيسِ أمريكا الأسبق حين قال في أوّلِ خطابٍ بعد الاستقلال عام ١٨٧٩ م: «إنّ هؤلاءِ اليهودَ هم أبالسةُ الجحيمِ وخفافيشُ الليل، ومصَّاصو دماءِ الشعوبِ. أيها السادة: اطردوا هذه الطغمةَ الفاجرةَ من بلادنا قبلَ فواتِ الأوانِ ضمانًا لمصلحةِ الأمةِ وأجيالِها القادمةِ، وإلا فإنكم سترونَ بعدَ قرنٍ واحدٍ أنهم أخطرُ مما تفكرون .. إلى أن يُقول: ثِقوا أنكم إذا لم تتخذوا هذه القرارَ فورًا، فإنّ الأجيالَ الأمريكيّة القادمةَ ستلاحقُكم بلعناتِها، وهي تئنّ تحتَ أقدامِ اليهودِ» (١).
وهم اليومَ وغدًا ينتظرونَ وعدَ اللهِ فيهم بالسّوْمِ والعذابِ إلى يومِ يبعثونَ، وفي ذلك يقول ربّنا: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ (٢).
وفي خبر المصطفى ﷺ : «إن آخِرَ أمرِهم أنهم يخرجونَ ليكونوا أنصارَ الدجّال، فيقتلُهم المسلمونَ مع عيسى ابن مريم ﵇ وذلك آخر الزمان» (٣).
ولا بد ثالثًا - وقبل المواجهةِ مع يهودَ - أن نعلمَ شيئًا من أوصافِ اللهِ لهم،
стр. 2127
فهم جُبناءُ - وإن خُيِّل لبعضِنا خلافَ ذلك ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ (١). وهم متفرِّقون، وإن ظنَّ بعضُنا أنهم متفقون ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ (٢).
وحروبُهم أينما أوقدوها أطفأَها الله ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ (٣).
وحكمَ اللهُ عليهم بالفُرْقَةِ والشتاتِ في الأرض ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا﴾ (٤) ﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ (٥).
بل وبالعداوة - فيما بينهم - ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (٦).
والخلاصةُ، أن حديثَ القرآنِ عنهم مُبطلٌ لدعوى قُوّتِهم، ومكذّبٌ لاجتماعِ كلمَتِهم أو عُلوِّ شأنهم، مؤكدٌ لشتاتِهم وجُبنهم واستمرار العداوةِ بينهم، وعلى وقوع البلاء عليهم في الماضي والحاضرِ والمستقبلِ، وحديثُ الواقعِ التاريخيِّ شاهدٌ على استذلالِ الشعوبِ والأممِ لهم، وكاشفٌ على إحباط كيدِهم ومؤامراتهم، تلكَ حقائقُ ووقائعُ لا بد أن يعيَها المسلمونَ وهم يواجهونَ يهودَ، وإذا كان الشعورُ بالعِزّةِ مقدمةً للنصرِ، فإن الإحباطَ والشعورَ بالوَهَن داعٍ للهزيمةِ وليَخْتَر مسلمو اليوم ما شاءوا، وسيرى الصادقونَ من المسلمينَ ما لم يَرَهُ غيرُهم حين يأتي بقومٍ يُحبّهم ويحبّونَه، أذلةٍ على المؤمنينَ أعزّةٍ على الكافرينَ، يجاهدونَ في سبيلِ الله ولا يخافونَ لومةَ لائم.
стр. 2128
الخطبة الثانية:
الحمدُ لله ربّ العالمين، أحمدهُ تعالى وأشكرُه وأُثني عليه الخيرَ كلَّه، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، صلى اللهُ عليه وعلى إخوانِه وآلِه.
إخوةَ الإسلامِ: وحين نتحدثُ عن فشل اليهودِ وجُبنِهم والخلافِ الواقعِ بينهم، أو نحو ذلك من عوامل الضعفِ عندهم، فلا يلزمُ من ذلك أن ننكرَ ما لديهم من قوةٍ وقدرةٍ على التخطيط - وتفوّقٍ في المجالِ العسكري .. وهذه وتلك فَرضَتْهُم كجسمٍ غريبٍ في الأمةِ، ولكن هذه كذلكَ لا ينبغي أن تقعدَ بنا عن الاستعدادِ لمواجهتهم، أو تؤدي بنا للتخوّفِ السلبي حين الحديثُ عنهم - أو تفسيرُ كل حدثٍ لمصلحتهم - كما صنع مؤلف كتاب «أحجار على رقعةِ الشطرنج» أو كتاب «بروتوكولات حكماء صهيون» أو كتاب «حكومةُ العالمِ الخفية» أو كتاب «اليهودي العالمي» أو مثيلات هذه الكتب التي يُقال: إنها أُلِّفت لمصلحةِ اليهودِ وإن حذّرت منهم، وظهرَ من ينتقدُ هذا الأسلوبَ المعظّم لليهود، وإن كشف شيئًا من مؤامراتهم.
ولعل من المناسبِ حينَ تُذْكَرُ هذه الكتب أنْ نذكُرَ إلى جانبها كُتبًا تتحدث عن انهيار ما يُسمى بإسرائيلَ، ويُعَوِّل مؤلفوها على إمكانية قيام حربٍ أهليةٍ داخلَ المجتمعِ اليهوديِّ حتى تتعادلَ الكفةُ، ونتوازنَ في النظرة.
وكم هي كلمةٌ جميلةٌ، وتعبيرٌ واثقٌ حين يقولُ أحدُ الكتّاب: هل من المصلحةِ أن نتصوّرَ دائمًا أن اليهودَ شَعْبٌ لا يُقهَرُ، لا يُخطئُ، كلّ عملِهم تخطيطٌ، حتى إذا انهزموا قلنا: خططوا للهزيمةِ؟ إن من المصلحةِ أن نرفُقَ بنفسيّاتِ الشعوبِ المسلمةِ ونقولَ لها: إن اللهَ يُقيمُ لكم الدليلَ بعد الدليلِ على أن اليهودَ
стр. 2129
شعبٌ من سائرِ الناسِ، فيهم النقائصُ المذكورةُ، والعيوبُ المأثورةُ، وأن الهزائمَ تأتيهم من هنا وهناك، وبأعمالٍ بسيطةٍ يقع لليهود خذلانٌ وهزائمُ ونكباتٌ لم تخطر على بالِ أحد.
أيّها المسلمون: وحين نربِّي أنفسَنا وأجيالَنا اللاحقةَ على عدم التهيُّبِ من يهودَ، بل ونكشفُ جبنَهم وضعفَهم عند اللقاءِ. فَلأنَّ معركتَنا معهم معركةٌ أزليّةٌ .. ونحنُ واجدونَ تأكيدَ هذه المعركةِ الأزليةِ مع اليهود في كتابِ الله لعدة أمورٍ، منها:
١ - كثرةُ حديثِ القرآنِ عنهم منبِّهًا ومحذِّرًا - فما تحدَّث وكشفَ أُمّةً كاليهود.
٢ - تقدّمَ حديثُ القرآنِ عنهم في الفترةِ المكيةِ، وهي فترةٌ لم يكن فيها احتكاكٌ مع اليهودِ، بل كان لدى المسلمين من جبهاتِ المشركينَ ما يكفيهم عن فتحِ جبهةٍ مع غيرِهم .. فلماذا تقدّمَ حديثُ القرآنِ عنهم؟
لقد قيل: لعلّ من حِكَم ذلك أن تعلمَ الأجيالُ اللاحقةُ من المسلمينَ أن المعركةَ مع اليهودِ معركةٌ مستمرةٌ، بغضّ النظرِ عن المواقع التي يحتلُّها كلٌّ من الطرفينِ، قوّةً أو ضعفًا، والله أعلم (١).
٣ - وثالثُ هذه المؤشّرات على أنّ الصراعَ مع اليهودِ أزليٌّ، أن آياتِ القرآنِ الكريمِ ما فَتئتْ تنزِلُ مخاطبةً الأحفادَ بجرائمِ الأجدادِ لليهود، واللهُ تعالى حَكَمٌ عَدْلٌ، لا يُؤاخِذُ أحدًا بجريرةِ غيرِه، لكن قيل: من أسرار هذا التقريعِ أن اليهودَ جنسٌ واحدٌ، وفصيلةٌ متقاربةٌ، وطِباعُهم وخصائِصُهُم تسري من الكبارِ إلى الصِّغارِ، وتتوارثُها الأجيالُ إثْرَ الأجيال .. ولذلكَ يُخاطَبُ اللاحقونَ بما صنَعه
стр. 2130
السابقون، فهم على إثرِهم مقتدونَ. وعلى المسلمينَ وهم يقرءونَ هذه الصفاتِ لليهود ألا يظنُّوها في أجيالِهم السابقةِ، بل وفي اللاحقةِ على حدٍّ سواءٍ، وأن يستعدّوا للمعركةِ معهم بطبائعِهم وخصالِهم، وأن يتخذوا من القرآنِ دستورًا لتوجيههم في معركتهم مع يهودَ.
٤ - ويتذكَّرُ المسلمُ كلَّ يومٍ، بل في كلِّ لحظةٍ يقومُ فيها لله مُصليًا انحرافَ اليهودِ - وكذا النصارى - عن صراطِ الله المستقيم، كُلَّما قرأ سورةَ الفاتحةِ، ومنها ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (١) ويستشعرُ عداوتهم، ويستعدُّ لمواجهتهم.
إخوة الإيمانِ: وأهلُ الإسلامِ يملكونَ سلاحًا معنويًا قادرًا على إمدادِهِم بالنصرِ لو استشعروه واستثمروه، إنهم يملكونَ المنهجَ الحقَّ، وهذا المنهجُ قادرٌ على توحيدِهم وعلى دَفعِهم لمواجهةِ المُبْطلينَ - أيًّا كانوا - واللهُ تعالى معهم يدعوهم لقتالِ أعدائهم ويعدهم بالنصر ويتوعد غيرهم بالعذاب ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ (٢) فكيف إذا تزوّدت الأمةُ المسلمةُ - مع سلاحِ الإيمانِ بسلاحِ العلم، وأخذتْ نصيبَها من التقنيةِ؟ أما الأممُ الكافرةُ - وفيهم اليهودُ والنصارى - فمهما قيل عن امتلاكهم لأنواعِ الأسلحةِ وتفوُّقهم في التقنيةِ، فلربّما أتى عليهم يومٌ يعانونَ فيه من تبعاتِ هذه الأسلحةِ النووية - كما تُعاني اليومَ الدولُ الشرقيةُ - من تبعاتِ تدميرِ الأسلحةِ النووية التي خلَّفها لها الاتحادُ السوفيتي، وبالتالي تتحولُ هذه الأسلحةُ من كونها مصدرَ رعبٍ وقوةٍ إلى كونها مصدرَ ضعفٍ وخوفٍ.
عبادَ اللهِ: وخلاصةُ القولِ أنه لا خيارَ للأمةِ عن مواجهةِ اليهودِ، بعد أن
стр. 2131
فشلتْ كلُّ الخياراتِ الأخرى، ولكنّ المواجهةَ لا بد أن يسبقها استعدادٌ يقضي بإصلاحِ النفوسِ وترتيبِ الصُّفوف، فصلاحُ الدِّينِ - يرحمه اللهُ - عُنِيَ بإصلاحِ الجبهةِ الداخليةِ قبلَ المواجهةِ مع الصليبيين، فأصلحَ الصفَّ المسلمَ من المنافقينَ والمُرْجفين، وقوّى عزائمَ الخائفينَ والمتثاقلينَ، وكان إلى جانب صلاحِ الدين جمهورٌ من العلماءِ والقادةِ الناصحين، وهؤلاءِ جميعًا أسهموا في تقويةِ العزائمِ ودفعِ حركةِ الجهادِ، حتى إذا قادَ صلاحُ الدين المعركةَ الفاصلةَ - لتحريرِ المقدساتِ الإسلاميةِ تهاوتْ عروشُ الظالمينَ، وتناثرتْ الجُثثُ على سيوفِ المسلمينَ، وعادَ تكبيرُ المآذنِ بدلَ ناقوسِ الكنائسِ وأجراسِها، واستبشرَ المسلمونَ، وهلّلَ الكونُ لهذا النصرِ المبينِ - وطُويت صفحاتٌ من إفسادِ الصليبيين لهذه المقدساتِ لعقودٍ قاربت المائة عام.
ومسلمو اليوم حريُّونَ بتطهيرِ المقدساتِ من عبثِ اليهودِ وتخليصِ المسلمينَ من طيشِ المعتدينَ - لكن بعدَ أن يَصدُقوا مع ربِّهم ويُصلحوا ما بأنفُسهِم ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (١)، ونهايتُهم على أيدي المسلمين محسومةٌ بالخبرِ الصادقِ: «لا تقومُ الساعةُ حتى يُقاتلَ المسلمونَ اليهودَ، فيقتلُهم المسلمونَ، حتى يختبئَ اليهوديُّ، وراءَ الحَجَرِ أو الشَجَرِ، فيقولُ الحَجَرُ أو الشجرُ: يا مسلمُ يا عبدَ اللهِ، هذا يهوديٌّ خلفي فتعالَ فاقْتُلْهُ، إلا الغَرْقَد، فإنهُ من شَجَرِ يهودَ» (٢).
وذلك ذكرى للذاكرين.
стр. 2132
الأشهر الحُرُم وبدع رجب (١)
الخطبة الأولى:
إن الحمدَ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.
إِخوةَ الإسلامِ: والمؤمنُ الحقّ هو الذي يُعظمُ شعائرَ اللهِ، يمتثلُ الأوامرَ ويجتنبُ النواهي، ويسارعُ إلى الخيراتِ، ويقومُ بالواجبات، ويحرصُ على فعلِ المستحبّاتِ، ويكره الفسوقَ والعصيانَ، ويتجنّبُ المحرماتِ، ويجاهدُ نفسَه على البعدِ عن المكروهاتِ.
والمسلمُ الحقُّ هو الذي يحرّمُ ما حرّمَ اللهُ، ويعظِّمُ ما عظَّمَه اللهُ، ومما عظَّم اللهُ الأشهرُ الحُرم، فما هي الأشهرُ الحُرم؟ وكيف تعظَّم؟
معاشرَ المسلمينَ: وأنتم اليومَ في واحدٍ من هذه الأشهرِ الحُرمِ - وهو رجبُ الفرد - والأشهرُ الحرمُ في كتاب الله أربعة: هي ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم، ورجب، وإليها أشار القرآنُ بقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٢).
стр. 2133
إن عددًا من المسلمينَ قد لا يعلمونَ هذه الأشهرَ الحُرمَ، وعددًا آخر قد يعلمونها ولكن لا يُعظمونها كما أمرَ اللهُ، ولقد كانت العربُ في جاهليتها تُعظمُ هذه الأشهرَ الحُرمَ؛ فلا تسفكُ فيها دمًا ولا تأخذُ فيها بثأرٍ .. وإن كانت تتحايلُ أحيانًا فتُنْسِئ الأشهرَ، وتجعلُ من الشهرِ الحرامِ حلالًا والعكس.
وجاء الإسلامُ ليؤكدَ حُرمةَ الأشهرِ الحرمِ، وينهى عن التلاعبِ فيها تقديمًا أو تأخيرًا.
ووقفَ رسولُ الهدى ﷺ بمكةَ خطيبًا في حجة الوداع ليؤكد حُرمةَ الزمانِ وحُرمةَ المكان، وحرمةَ الدماءِ والأموالِ والأعراضِ ويقول: «إنَّ دماءكُم وأموالَكُم وأعراضَكُم عليكم حرامٌ كحرمةِ يومِكُم هذا، في شهرِكُم هذا، في بلدِكُم هذا، وستلقونَ ربَّكُم فيسألُكم عن أعمالِكُم، ألا لا ترجعوا بعدي ضُلالًا يضربُ بعضُكم رقابَ بعضٍ، ألا هل بلغتُ؟ ألا ليبلِّغ الشاهدُ الغائبَ منكم، فلعلّ مَنْ يبْلُغه يكونُ أوعى له من بعضِ من يسمعه» (١).
أيّها المسلمونَ: إن تعظيمَ شعائر اللهِ .. وتقديرَ ما حرّمَ اللهُ من تقوى القلوبِ: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (٢).
وإذا كان المسلمُ مطالبًا على الدوامِ بتعظيمِ حرماتِ اللهِ، فإن مطالبَته بذلك في الأشهرِ الحُرمِ آكدُ، ولذا قال تعالى: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ (٣)، أي في هذه الأشهرِ الحرمِ، لأنه آكدُ وأبلغُ في الإثمِ من غيرِها.
ويُروى عن ابن عباس ﵄: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: في الأشهرِ كلِّها، ثم اختَصَّ من بين ذلك أربعةَ أشهرِ فجعلهنَّ حرامًا وعظَّمَ حُرماتِهن،
стр. 2134
وجعل الذنبَ فيهنّ أعظمُ، والعملَ الصالحَ والأجرَ أعظم (١).
عبادَ الله: هل نُعظمُ هذه الأشهرَ الحُرم، وكم من المسلمينَ يُعظِّمُها؟ ! وتعظيمُها إنما يكون بعملِ الصالحاتِ المشروعةِ، والبُعدِ عن المحرَّماتِ.
وهل يكونُ أهلُ الجَاهليةِ بكفرهِم وإثمِهِم وانحرافِهِم أكثرَ تعظيمًا لحُرماتِ اللهِ من أهلِ الدِّين الحقِّ والفطرةِ السليمةِ؟ !
إنَّ كثيرًا من المسلمينَ يُعظِّمون شهرَ الصيامِ، ويتقربونَ إلى الله فيه بالطاعاتِ، واجتنابِ المحرّماتِ - وذلك أمرٌ طيبٌ ومحمودٌ - ولكن كم مِنَ المسلمينَ يفعلُ ذلك في الأشهرِ الحُرم؟
كم نظلمُ أنفسَنا بارتكابِ المعاصي وفعلِ الآثامِ، ونحن منهيّونَ عن ذلك على الدَّوام، والنهيُ آكدُ في الأشهرِ الحُرمِ.
لقد كثُرتِ المآثمُ .. وظهر الفسادُ في البَرِّ والبحرِ بما كسبت أيدي الناس .. وتلاعبَ الشيطانُ بالناسِ وأضلَّهم عن صراطِ اللهِ المستقيم، فهذا صريعُ الشهواتِ، وذلكَ مفتونٌ بالشُّبهاتِ، وثالثٌ غافلٌ عن الأوامرِ الربّانيةِ، ورابعٌ غارقٌ في المحرَّمات، وخامسٌ لا يقتصرُ على إفسادِ نفسِه، بل يدعو غيرَه لاقترافِ المحرَّمات، ويحاولُ جهدَه خرقَ جدارِ الفضيلةِ .. وتحطيمَ سياجِ الواجباتِ، وبينَ هؤلاءِ وأولئكَ فئَامٌ من المسلمينَ تعيشُ على تقليدِ الآخرين، وتتّبِعُ الموجاتِ، وصلاحُهم أو فسادُهم مربوطٌ بالآخرين .. فلا إرادةَ لهم ولا همةَ ترتفعُ بهم .. رعاعٌ هَملٌ، يتبعونَ الناعقَ حيثُ صاحَ بهم، حتى وإن كان يقودُهم إلى الهاويةِ.
أما الذين ينظرونَ بنورِ اللهِ، ويهتدونَ بهدي القرآن، ويقتدونَ بمحمدٍ عليه
стр. 2135
الصلاةُ والسلامُ، فأولئكَ يعلمونَ الحقَّ ويعملونَ به، ويدعونَ الناسَ إليه، ويكرهونَ الباطلَ ويحذِّرونَ الناسَ منه .. وهؤلاء وإن قلّ عددُهم واستحكمت غُربتُهم .. فطوبى لهم .. وموعدُهم وموعدُ غيرِهم يومَ التنادِ - وهناك الجزاءُ الحقُّ وذلك يومُ التغابن.
إخوةَ الإيمانِ: وإذا كانَ يجدرُ بنا في هذا الشهرِ الحرام أن نحاسبَ أنفسَنا، وأن نعَظّم حُرماتِ اللهِ، وأن نتقربَ إلى اللهِ بطاعته، فهل نتخذُ من ذلك وسيلةً لتربيةِ النفوسِ على طاعةِ الله ومحاسبتهِا على الدَّوام.
عبادَ الله: وقد اقتضتْ حكمةُ الله - يومَ أن خلَقَنا واستخْلَفَنا في الأرض - ألا نكون ملائكةً لا نعصي اللهَ أبدًا .. فقد يقعُ الذنبُ، وقد يُقصِّرُ العبدُ فيما أوجبَ اللهُ عليه، ولكن هل تستمرُّ الغفلةُ، وهل يستمرِئُ المسلمُ المعصيةَ ويستمرُّ على الذنبِ. إن الذكرى تنفعُ المؤمنين، والموعظةُ تنبهُ الغافلينَ، ومن في قلبه حياةٌ تتحركُ هِمّتُه للخيرِ إذا دُعِيَ إليه، ويخافُ من عقوبةِ الذنبِ إذا حُذِّرَ منه.
والناسُ في ارتكابِ المعاصي والذنوبِ على ثلاثةِ أصنافٍ - كما قال العلماءُ-:
صنفٌ من الذنب تائبٌ موطنٌ لنفسِه على هجرانِ ذنبِه، لا يريدُ الرجوعَ إلى شيءٍ من سيئتِه وهذا - هو المُبرِّز -.
وصنفٌ يذنبُ ثم يندمُ، ويذنبُ ويحزنُ، ويذنبُ ويبكي، هذا يُرجى له ويُخافُ عليه.
وصنفٌ يذنبُ ولا يندمُ ولا يحزنُ، ويذنبُ ولا يبكي، فهذا الكائنُ الحائدُ عن طريقِ الجنةِ إلى النار (١).
стр. 2136
يا أخا الإسلام: راجع نفسكَ وتفكَّر في حالِكَ، وانظر في أيِّ الفئاتِ أنتَ، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ (١). نفعني الله وإياكم بهدي كتابه.
стр. 2137
الخطبة الثانية:
الحمدُ للهِ ربّ العالمينَ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وليُّ الصالحينَ، أشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، سيدُ الأولينَ والآخرينَ، اللهم صلِّ وسلِّم عليه وعلى سائرِ النبيينَ والمرسلينَ.
أيها المسلمونَ: وتعظيمُ الأشهرِ الحُرمِ لا يعني تخصيصَها بشيءٍ من العباداتِ لم يشرَعْهُ اللهُ، ولم يأذنْ به رسولُ الله ﷺ ، فذلك خروجٌ عن السُّنةِ إلى البدعةِ، ونحنُ مأمورونَ بالاتباعِ لا الابتداع، وكلُّ شيءٍ ليسَ عليه أمرُ النبيِّ ﷺ فهو رَدٌّ.
والشيطانُ يفرحُ بالبدعةِ أكثرَ من غيرِها، ويتلاعبُ بأصحابِ البدعِ حين يُضلُّهم عن العملِ الصالح إلى السيئِ، وتأمَّلُوا أثرَ البدعةِ في الحديثِ الذي رواه الإمامُ أحمدُ وغيرُه، أن النبي ﷺ قال: «ما ابتدعَ قومٌ بدعةً إلا نزعَ اللهُ عنهم منَ السُّنَّةِ مثلَها» (١).
وقد بيَّن العلماءُ أن الشرائعَ أغذيةُ القلوبِ؛ فمتى اغتذت القلوبُ بالبدعِ لم يبقَ فيها فضلٌ للسُّننِ، فتكونُ بمنزلةِ من اغتُذي بالطعامِ الخبيثِ.
عبادَ الله: والناسُ في هذا ثلاثةُ أصنافٍ:
صنفٌ جاهلٌ مفرطٌ، لا يعرفُ سنّةً ولا بدعةً، بل هو مسرفٌ في المعاصي والذنوبِ حسبَ رغبةِ نفسِه ومتطلباتِ شهوتِه.
وصنفٌ قد أحدثَ من الطاعاتِ وكلّفَ نفسَه ما لم يؤذن به، فتراه يخصُّ زمنًا بصلاةٍ أو صيامٍ أو عمرة .. وليس له في ذلكَ مستندٌ شرعيٌّ، وهم أصحابُ البدع.
стр. 2138
وصنفٌ ثالثٌ هم المعظمونَ لما عظّمه الله، والواقِفونَ عندَ حدودِ السنّةِ والمُقْتَدونَ بهدي محمدٍ ﷺ ، وأولئكَ أهلُ السُّنَّةِ وأصحابُ المنهجِ الحقِّ .. فلا يحيفونَ، ولا يغلونَ، ولا إفراطَ ولا تفريط.
عبادَ الله: وفي شهرِ رجب بدعٌ أحدثتها الرجبيةُ، وليس عليها مستندٌ شرعي، ولابن حجرٍ ﵀ رسالةٌ عنوانها «تبيين العجب بما وردَ في فضلِ رجب»، وقد قال ﵀ في هذه الرسالة: لم يرد في فضل شهرِ رجبٍ ولا في صيامِه ولا في صيامِ شيءٍ منه معيَّن، ولا في قيامِ ليلةٍ مخصوصةٍ منه حديثٌ صحيحٌ يصلحُ للحُجّةِ. ثم ساقَ ﵀ عامةَ الأحاديثِ المرويةِ في ذلك مع بيانِ الحكمِ عليها.
وقال ابنُ رجب ﵀: «لم يصحَّ في شهرِ رجَب صلاةٌ مخصوصةٌ تختصّ به. وقال: لم يصح في فضل صومِ رجبٍ بخصوصه شيءٌ عن النبيِّ ﷺ ، ولا عن أصحابه». ولذا فقد كرهَ السلفُ إفرادَ رجب بالصيام (١).
ومما ذكرهُ العلماءُ من بدعِ رجب:
١ - صلاةُ الرغائبِ: وهي صلاةٌ تصلَّى في أوَّل ليلةِ جمعةٍ من شهرِ رجب .. وكلُّ ما وردَ فيها من أحاديثَ فهيَ موضوعةٌ، ولم يثبت منها شيءٌ عن رسولِ الله ﷺ ، ولا أثرٌ عن أصحابه رضوانُ الله عليهم.
٢ - تخصيصُه بالصيام: وهو كذلك لم يرد، بل جاءَ أنّ عمرَ ﵁ كان يضربُ أكفَّ المترجِّبينَ - أي الذين يصومونَ في رجب - حتى يضعها في الطعامِ، ويقول: كُلوا فإنَّ الجاهليةَ يُعظِّمونَ ذلك - أي شهرَ رجب.
٣ - وكذلك العمرةُ في رجب: فليسَ لها مَزيةٌ على غيرهَا، وليس في هَدْي المصطفى ﷺ ما يرغبُ في ذلك بخصوصها.
стр. 2139
٤ - وفي شهرِ رجب نسيكةٌ يسمّونها (العَتيرة) وهي تذبحُ في رجب، وقد اختلفَ العلماءُ فيها بين قوله ﷺ : «لا فَرْعَ ولا عَتيرةَ» (١). وبين قوله: «العتيرةُ حقٌّ» (٢). ووجهوها على العتيرةِ المشروعةِ التي تذبحُ قربةً لله لا لتعظيمِ رجب، والمنهيّ عنها هي التي أبطلها الإسلامُ وهي عتيرةُ الجاهليةِ.
- ومن الأمورِ المحدَثةِ في رجب ما يعتقده بعضُ المسلمينَ من تعظيمِ ليلةِ السابعِ والعشرينَ، ويعتقدونَ أن في هذه الليلةِ حصلَ الإسراءُ والمعراج. ولم يأتِ نصٌّ صريحٌ في ذلك، ولا نُقلَ عن رسولِ الله ﷺ ، ولا عن أصحابه تعظيمُ هذه الليلةِ وتخصيصُها بشيءٍ من الصلاةِ أو الذكرِ أو الأورادِ، أو نحوها من العبادات.
عبادَ الله: عظِّموا ما عظَّم اللهُ ورسولُه، وعليكم بالسُّنَّةِ، وإياكم ومُحدَثاتِ الأمورِ، فإن كلَّ بدعةٍ ضلالةٌ، وكلَّ ضلالةٍ في النار.
стр. 2140
أبو ذر ﵁ إسلامه وحياتُه (١)
الخطبة الأولى:
الحمدُ لله يهدي من يشاءُ، ويضلّ من يشاءُ، ومن يضلل اللهُ فما له من هادٍ، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، له الدينُ واصبًا، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، اجتباه ربُّه وهداهُ إلى صراطٍ مستقيمٍ، اللهمّ صلِّ وسلِّم عليه وعلى سائرِ الأنبياءِ والمرسلينَ، وارضَ اللهمَّ عن أصحابه أجمعين، والتابعينَ ومن تبعَهُم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّين.
عبادَ اللهِ: وصيةُ اللهِ لكم ولمَن قبلَكُم ومَن بعدَكُم التقوى، فاتقوا اللهَ، ومن يتقِ اللهَ يجعلْ له مخرجًا، ومن يتقِ اللهَ يكفِّرْ عنه سيئته ويعظمْ لهُ أجرًا.
أيّها المسلمون: يطيبُ الحديثُ عن صحابةِ رسولِ الله ﷺ عمومًا؛ لأنه حديثٌ عن خيرِ القرونِ، وعن منِ اختارَهم اللهُ لخيرِ المسلمين، ويطيبُ أكثرُ حينَ يكونُ عن واحدٍ من السابقين .. صَلّى سنتينِ قبلَ مَبعثِ النبيِّ ﷺ ، قيل له: فأين كنتَ توجّهُ؟ قال: حيثُ وجَّهني اللهُ، وجاءَ من بلادِ قومه يبحثُ عن الإسلامِ، ويرغبُ اللقاءَ بمحمدٍ ﵊، ومع تخفِّيه واحتياطِه بالسؤال، إلا أنه لم يَسلم من أذى قريشٍ وصَلَفِها؛ إذ كانت تؤذي كلَّ من ينتسبُ إلى محمد ﷺ أو يتصلَ به، ولكن صاحِبَنا - صاحبَ رسولِ الله ﷺ كان رابط الجأشِ، قويَّ الإرادةِ، قادرًا على التَّحدي والصُّمودِ في سبيلِ اعتِنَاقِ الدِّينِ الحقِّ، ولقد راغمَ قريشًا بعد إسلامِه فأقسم ليصرَخنّ بالشهادتينِ بين ظَهرانَي قريش - في وقتٍ كانت قريشٌ تخنقُ الأنفاسَ - فخرج حتى أتى المسجدَ، فنادى