← Джавами‘

Джавами‘ · id 20948

شعاع من المحراب

سليمان بن حمد العودة

Полный текст (3 545 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

يا أخا الإسلام: راجع نفسكَ وتفكَّر في حالِكَ، وانظر في أيِّ الفئاتِ أنتَ، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ (١). نفعني الله وإياكم بهدي كتابه.

стр. 2137

الخطبة الثانية: الحمدُ للهِ ربّ العالمينَ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وليُّ الصالحينَ، أشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، سيدُ الأولينَ والآخرينَ، اللهم صلِّ وسلِّم عليه وعلى سائرِ النبيينَ والمرسلينَ. أيها المسلمونَ: وتعظيمُ الأشهرِ الحُرمِ لا يعني تخصيصَها بشيءٍ من العباداتِ لم يشرَعْهُ اللهُ، ولم يأذنْ به رسولُ الله ﷺ ، فذلك خروجٌ عن السُّنةِ إلى البدعةِ، ونحنُ مأمورونَ بالاتباعِ لا الابتداع، وكلُّ شيءٍ ليسَ عليه أمرُ النبيِّ ﷺ فهو رَدٌّ. والشيطانُ يفرحُ بالبدعةِ أكثرَ من غيرِها، ويتلاعبُ بأصحابِ البدعِ حين يُضلُّهم عن العملِ الصالح إلى السيئِ، وتأمَّلُوا أثرَ البدعةِ في الحديثِ الذي رواه الإمامُ أحمدُ وغيرُه، أن النبي ﷺ قال: «ما ابتدعَ قومٌ بدعةً إلا نزعَ اللهُ عنهم منَ السُّنَّةِ مثلَها» (١). وقد بيَّن العلماءُ أن الشرائعَ أغذيةُ القلوبِ؛ فمتى اغتذت القلوبُ بالبدعِ لم يبقَ فيها فضلٌ للسُّننِ، فتكونُ بمنزلةِ من اغتُذي بالطعامِ الخبيثِ. عبادَ الله: والناسُ في هذا ثلاثةُ أصنافٍ: صنفٌ جاهلٌ مفرطٌ، لا يعرفُ سنّةً ولا بدعةً، بل هو مسرفٌ في المعاصي والذنوبِ حسبَ رغبةِ نفسِه ومتطلباتِ شهوتِه. وصنفٌ قد أحدثَ من الطاعاتِ وكلّفَ نفسَه ما لم يؤذن به، فتراه يخصُّ زمنًا بصلاةٍ أو صيامٍ أو عمرة .. وليس له في ذلكَ مستندٌ شرعيٌّ، وهم أصحابُ البدع.

стр. 2138

وصنفٌ ثالثٌ هم المعظمونَ لما عظّمه الله، والواقِفونَ عندَ حدودِ السنّةِ والمُقْتَدونَ بهدي محمدٍ ﷺ ، وأولئكَ أهلُ السُّنَّةِ وأصحابُ المنهجِ الحقِّ .. فلا يحيفونَ، ولا يغلونَ، ولا إفراطَ ولا تفريط. عبادَ الله: وفي شهرِ رجب بدعٌ أحدثتها الرجبيةُ، وليس عليها مستندٌ شرعي، ولابن حجرٍ ﵀ رسالةٌ عنوانها «تبيين العجب بما وردَ في فضلِ رجب»، وقد قال ﵀ في هذه الرسالة: لم يرد في فضل شهرِ رجبٍ ولا في صيامِه ولا في صيامِ شيءٍ منه معيَّن، ولا في قيامِ ليلةٍ مخصوصةٍ منه حديثٌ صحيحٌ يصلحُ للحُجّةِ. ثم ساقَ ﵀ عامةَ الأحاديثِ المرويةِ في ذلك مع بيانِ الحكمِ عليها. وقال ابنُ رجب ﵀: «لم يصحَّ في شهرِ رجَب صلاةٌ مخصوصةٌ تختصّ به. وقال: لم يصح في فضل صومِ رجبٍ بخصوصه شيءٌ عن النبيِّ ﷺ ، ولا عن أصحابه». ولذا فقد كرهَ السلفُ إفرادَ رجب بالصيام (١). ومما ذكرهُ العلماءُ من بدعِ رجب: ١ - صلاةُ الرغائبِ: وهي صلاةٌ تصلَّى في أوَّل ليلةِ جمعةٍ من شهرِ رجب .. وكلُّ ما وردَ فيها من أحاديثَ فهيَ موضوعةٌ، ولم يثبت منها شيءٌ عن رسولِ الله ﷺ ، ولا أثرٌ عن أصحابه رضوانُ الله عليهم. ٢ - تخصيصُه بالصيام: وهو كذلك لم يرد، بل جاءَ أنّ عمرَ ﵁ كان يضربُ أكفَّ المترجِّبينَ - أي الذين يصومونَ في رجب - حتى يضعها في الطعامِ، ويقول: كُلوا فإنَّ الجاهليةَ يُعظِّمونَ ذلك - أي شهرَ رجب. ٣ - وكذلك العمرةُ في رجب: فليسَ لها مَزيةٌ على غيرهَا، وليس في هَدْي المصطفى ﷺ ما يرغبُ في ذلك بخصوصها.

стр. 2139

٤ - وفي شهرِ رجب نسيكةٌ يسمّونها (العَتيرة) وهي تذبحُ في رجب، وقد اختلفَ العلماءُ فيها بين قوله ﷺ : «لا فَرْعَ ولا عَتيرةَ» (١). وبين قوله: «العتيرةُ حقٌّ» (٢). ووجهوها على العتيرةِ المشروعةِ التي تذبحُ قربةً لله لا لتعظيمِ رجب، والمنهيّ عنها هي التي أبطلها الإسلامُ وهي عتيرةُ الجاهليةِ. - ومن الأمورِ المحدَثةِ في رجب ما يعتقده بعضُ المسلمينَ من تعظيمِ ليلةِ السابعِ والعشرينَ، ويعتقدونَ أن في هذه الليلةِ حصلَ الإسراءُ والمعراج. ولم يأتِ نصٌّ صريحٌ في ذلك، ولا نُقلَ عن رسولِ الله ﷺ ، ولا عن أصحابه تعظيمُ هذه الليلةِ وتخصيصُها بشيءٍ من الصلاةِ أو الذكرِ أو الأورادِ، أو نحوها من العبادات. عبادَ الله: عظِّموا ما عظَّم اللهُ ورسولُه، وعليكم بالسُّنَّةِ، وإياكم ومُحدَثاتِ الأمورِ، فإن كلَّ بدعةٍ ضلالةٌ، وكلَّ ضلالةٍ في النار.

стр. 2140

أبو ذر ﵁ إسلامه وحياتُه (١) الخطبة الأولى: الحمدُ لله يهدي من يشاءُ، ويضلّ من يشاءُ، ومن يضلل اللهُ فما له من هادٍ، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، له الدينُ واصبًا، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، اجتباه ربُّه وهداهُ إلى صراطٍ مستقيمٍ، اللهمّ صلِّ وسلِّم عليه وعلى سائرِ الأنبياءِ والمرسلينَ، وارضَ اللهمَّ عن أصحابه أجمعين، والتابعينَ ومن تبعَهُم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّين. عبادَ اللهِ: وصيةُ اللهِ لكم ولمَن قبلَكُم ومَن بعدَكُم التقوى، فاتقوا اللهَ، ومن يتقِ اللهَ يجعلْ له مخرجًا، ومن يتقِ اللهَ يكفِّرْ عنه سيئته ويعظمْ لهُ أجرًا. أيّها المسلمون: يطيبُ الحديثُ عن صحابةِ رسولِ الله ﷺ عمومًا؛ لأنه حديثٌ عن خيرِ القرونِ، وعن منِ اختارَهم اللهُ لخيرِ المسلمين، ويطيبُ أكثرُ حينَ يكونُ عن واحدٍ من السابقين .. صَلّى سنتينِ قبلَ مَبعثِ النبيِّ ﷺ ، قيل له: فأين كنتَ توجّهُ؟ قال: حيثُ وجَّهني اللهُ، وجاءَ من بلادِ قومه يبحثُ عن الإسلامِ، ويرغبُ اللقاءَ بمحمدٍ ﵊، ومع تخفِّيه واحتياطِه بالسؤال، إلا أنه لم يَسلم من أذى قريشٍ وصَلَفِها؛ إذ كانت تؤذي كلَّ من ينتسبُ إلى محمد ﷺ أو يتصلَ به، ولكن صاحِبَنا - صاحبَ رسولِ الله ﷺ كان رابط الجأشِ، قويَّ الإرادةِ، قادرًا على التَّحدي والصُّمودِ في سبيلِ اعتِنَاقِ الدِّينِ الحقِّ، ولقد راغمَ قريشًا بعد إسلامِه فأقسم ليصرَخنّ بالشهادتينِ بين ظَهرانَي قريش - في وقتٍ كانت قريشٌ تخنقُ الأنفاسَ - فخرج حتى أتى المسجدَ، فنادى

стр. 2141

بأعلى صوتِه: أشهدُ أنْ لا إله إلا اللهُ، وأنَّ محمدًا رسولُ الله، فثارَ القومُ فضربوه حتى أضجعوه .. حتى تدخَّل العباسُ ﵁ وأَكبَّ عليه فتركوه. فمن يكون هذا الصحابيُّ المِقدامُ، والباحثُ عن الإسلام رَغمَ المصاعِبِ والآلام؟ إنه أبو ذرٍّ الغِفاريُّ ﵁ «أولُ من حيّا رسولَ اللهِ ﷺ بتحيةِ الإسلام» (١). نموذجٌ في الصدق «ما أقلَّتِ الغبراءُ، ولا أظلَّت الخضراءُ أصدقَ لهجةً من أبي ذر» (٢). وفي العلم له قدمُ صِدْقٍ حتى قال عليٌّ ﵁: «أبو ذرٍّ وعاءٌ مُلئَ علمًا ثم أُوكي عليه» (٣). لم يشهد أبو ذرٍّ بدرًا، ولكنّ عمرَ ألحقه بهم، وكان - كما يقال - يوازي ابنَ مسعود في العلم (٤). أبو ذر ﵁ تحمّل في سبيلِ الإسلامِ وأيامه الأُولى أذى قريش، لكنه دقَّ مسمارًا في نَعْشِ دِيانتهم، وحطمَ كبرياءَهم، وأسمعهم كلمةَ الحقِّ وهم كارهون. ولئن آذوه - وهو يُعلنُ إسلامَه - فقد آذوه من قبلُ وهو في طريقِ البحثِ عن الإسلام حين مالَ عليه أهلُ الوادي بكلِّ مَدَرَةٍ وعَظْمٍ حتى خَرّ مغشيًّا عليه، ثمّ ارتفعَ وكأنه نُصُبٌ أحمرُ (٥) (يعني من كثرةِ الدماء).

стр. 2142

وبالجملةِ فقصةُ إسلامهِ وخبرُ مجيئِه إلى مكةَ جاءت في «الصحيحين» مطوّلةً .. ومن أحداثِها ودروسها - غيرَ ما سبق: ١ - أنه مكثَ بمكة قبلَ لُقياهُ بالنبيِّ ﷺ ثلاثين ما بين يومٍ وليلة، وما كان له طعامٌ إلا ماءَ زمزم، ومع ذلك سَمِن منها، وما وجدَ على بطنه سَخَفَةَ جوعٍ - كما يقول - وحينها قالَ له ﵊: «إنها مباركةٌ، إنها طعامُ طُعْمٍ» أي يَشبعُ الإنسانُ إذا شربَ ماءها كما يشبعُ من الطعام (١). فرقٌ بين من يُهاجرُ باحثًا عن الإسلام دون زادٍ ومأوى، ومتعرّضًا للشدائدِ واللأواء فيصبرُ ويبلغُ مقصَدَه، وبينَ من يولدُ وينشأ في الإسلامِ ثمّ لا تراه يصبرُ على بعضِ تكاليفِ الإسلامِ. كان ﵁ رأسًا في الزهدِ والصدقِ والعلمِ والعملِ، قَوّالًا بالحقّ، لا تأخذه في اللهِ لومةُ لائمٍ على حِدّةٍ فيه. كما قال الذهبي ﵀ (٢). ٢ - وأبو ذرٍّ ﵁ لم يكن نموذجًا في الإسلام والثباتِ على الحقِّ في الظروفِ الصعبةِ فحسب، بل كان نموذجًا في الدعوةِ إلى الله، وفي رواية «الصحيح» أن أبا ذرٍّ حين أسلمَ انطلقَ إلى أخيه (أُنيس) فقال له: ما صنعت؟ قال أبو ذرٍّ: صنعتُ أني أسلمتُ وصَدقتُ، قال (أخوه): ما بي رغبةٌ عن دينِكَ، فإني قد أسلمتُ وصَدّقتُ، قال: ثم أتينا (أُمّنا) فقالت: ما بي رغبةٌ عن دينكُما، فإني قد أسلمتُ وصدَّقتُ، قال: فاحتملنا (يعني متاعَنا وأنفسَنا على إِبِلنَا وسِرْنا) حتى أتينا قومَنا (غِفارًا) فأسلمَ نصفُهم .. وقال نصفُهم: إذا قدِمَ رسولُ اللهِ ﷺ المدينةَ أسلَمنا، وصدَقوا، فلما قدمَ رسولُ الله ﷺ المدينةَ أسلمَ نصفُهم الباقي. أرأيتم آثارَ الصِّدقِ، ونتائجَ الدعوةِ من المخلصين، وإلا فأيُّ شيءٍ كانَ يملك

стр. 2143

أبو ذرٍّ من العلمِ ووسائل الدعوة، وهو يُعَدّ حديثَ عهدٍ بالإسلام .. لكن وَضعَ وصيةَ الرسول ﷺ نُصْبَ عينيهِ حين قال له: «هل أنت مُبلِّغٌ عنِّي قومَكَ؟ عسى اللهُ أن ينفعَهُم بكَ ويأجُركَ فيهم؟ » (١). وكذلك يتداعى الخيرُ ويشيعُ الإسلامُ، وينتشرُ من خلالِ حركةِ المؤمنينَ ودعوةِ الصادقينَ .. فلم يكن الأمرُ قَصْرًا على غِفارٍ، بل أسلمَ بإسلامِهم (أَسْلَمُ) حين جاءوا إلى رسولِ اللهِ ﷺ فقالوا: يا رسول اللهِ، إخوَانُنا - يعنونَ غِفارًا - نُسلمُ على الذي أسلموا عليه، فأسلموا، فقالَ رسولُ الله ﷺ : «غِفارٌ غفرَ اللهُ لها، وأسْلَمُ سالمَها الله» (٢). أين الذينَ يحملونَ الإسلامَ كما حملَه أبو ذرٍّ .. وفي الأرضِ اليومَ أممٌ وشعوبٌ وقبائلُ وأفرادٌ تحتاجُ إلى الإسلامِ، كما احتاج إليه من قبلَهُم؟ وأين أثرُ الدُّعاةِ مع قبائِلِهم كما صنعَ أبو ذرّ مع قبيلتِه؟ وهل يا تُرى تتحققُ للدُّعاةِ نتائجُ كما تحققتْ لأبي ذرٍّ؟ كفاكَ فخرًا يا أبا ذرٍّ أن تكونَ سببًا في إسلامِ غفارٍ أولًا .. ثم تكونُ سببًا في إسلامِ (أسلَم) ثانيًا .. ثمّ تظلُّ بعد ذلك صاحبًا لرسول الله ﷺ يُبادركَ إذا حضرتَ، ويسألُ عنك ويتفقّدكَ إذا غبتَ. ٣ - والمتأملُ في قصةِ إسلامِ أبي ذرّ وشخصيته عمومًا، يدركُ أثرَ الإسلامِ في تغييرِ العادات والطبائعِ إلى الأحسنِ .. أجل إنّ غفارَ - التي ينتسبُ لها أبو ذرٍّ - كانت من الشِّدَةِ والبأسِ والقسوةِ ما جعلَها في طليعةِ القبائلِ القائمةِ على الغارةِ والنهبِ والسَّلْبِ، ولقد عَبّر عنهم الأقرعُ بن حابسٍ حين قالَ للرسول ﷺ : إنما بايعَك سُرّاقُ الحَجيجِ من أسلمَ وغفار، فردَّ عليه الرسول ﷺ ردًّا أسكتَهُ.

стр. 2144

وأبو ذرّ نفسُه يقول: حين سألني رسولُ الله ﷺ : «مَنْ أنتَ؟ ». قُلت: من غفار، قال: فأهوى بيدِهِ فوضَعَ أصابِعَهُ على جبهتِه، فقلتُ في نفسي: كرِهَ أَنِ انتميتُ إلى غِفار (١). بل لقد جاء في ترجمةِ أبي ذرّ نفسِه .. أنه كان يُغيرُ على الصِّرم في عِمايِة الصُّبح على ظهرِ فرسِه وقدميه كأنه السَّبُعُ، فيطرقُ الحيّ ويأخذُ ما أخذ (٢). حتى إذا قذفَ اللهُ الإسلامَ في قلب أبي ذرّ وقومِه تغيرتِ الحالُ، وصنعَ الإسلامُ من أبي ذرٍّ نموذجًا للزُّهدِ والعفافِ، يتورعُ عن جمعِ المالِ وكنزِه - وإن كان حلالًا - وأنّى له أن يفكِّرَ في أخذِ الحرامِ أو الاعتداءِ على حقوقِ الآخرين؟ لقد ودّعَ أبو ذرٍّ الدنيا وهو لا يملكُ من متاعِها إلا القليلَ، ولم يُخلف بعد موتِه أموالًا ولا ضِياعًا، ولربما أعياه توفيرُ الكفنِ الذي يُكفنُ به - كما سيأتي البيان. وكذلك يسمو الإسلامُ بالنفوسِ ويرفعها عن حُطامِ الدُّنيا، فإذا الآخرةُ محطُّ أنظارِها، وإذا الجِنانُ والأنهارُ محلُّ تفكيرِها، وفرقٌ بين من تكون الدُّنيا هدفَهُ وغايةَ طموحِه، ومن تكون الآخرةُ همَّه ومجالَ تفكيرِه. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ (٣).

стр. 2145

الخطبة الثانية: الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، ولا عدوانَ إلا على الظالمينَ، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وليُّ الصالحينَ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه خاتمُ النبيينَ، وسيدُ ولدِ آدمَ أجمعينَ، ﷺ وعلى إخوانِه من النبيينَ. أيّها المسلمون: وانقلبَ زهدُ أبي ذرٍّ في عقلياتِ الجهلةِ والموتورينَ إلى انحرافٍ يُبَرّئ عن ساحَتهِ صاحبُ رسولِ الله ﷺ ، فقد ظلموا أبا ذرّ حين زعموا أنه رائدُ الاشتراكيةِ الوضعية .. وما كانَ زُهدُ أبي ذرٍّ، بل ولا كانت حياةُ أبي ذرٍّ إلا استجابةً لوصايا رسولِ الله ﷺ ، وهو القائل: «أوصاني خليلي ﷺ بسبعٍ: أمرني بحبِّ المساكينِ والدُّنوِّ منهم، وأمرَني أن أنظرَ إلى ما هو دوني، وألا أسأل أحدًا شيئًا، وأن أصِلَ الرحمَ وإن أدبرتْ، وأن أقولَ الحقَّ وإن كان مُرًّا، وألا أخافَ في اللهِ لومةَ لائم، وأنْ أُكثرَ من قولِ لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله، فإنهنّ من كنزٍ تحتَ العرش» (١). وأينَ هذه الوصايا النبويةِ من مبادئِ الاشتراكية العَفنةِ؟ وظلَمَ المُغرضونَ ومن في قلوبهم مرضٌ عثمانَ وأبا ذرٍّ ﵄ حين زعموا أن عثمانَ نفاهُ إلى الرّبذةِ .. وقد دلّتِ الرواياتُ الصحيحةُ وتكاثرتْ على أن أبا ذر اختارَ بنفسِه سُكْنَى الربذةِ - في آخرِ حياته، وأنه استأذنَ عثمانَ فأذِنَ له، بل وأمرَ له بنَعمٍ من نَعَمِ الصدقةِ - تغدو غليه وتَروحُ - فاعتذر عنها قائلًا: يكفي أبا ذرٍّ صُريمتَه - يعني: إبلَه وغنَمه (٢).

стр. 2146

كما تزيَّدَ المناوئونَ لمعاويةَ ﵁ .. والذين يحاولونَ الاصطيادَ في الماءِ العَكرِ .. حين اتهموا معاويةَ بالإساءةِ إلى أبي ذرٍّ، وعدمِ منحِه حقَّه، وطرْدِه من الشام، ولفّقوا في ذلكَ مروياتٍ تلقَّفوها من أفواهِ أهلِ الأهواءِ والرَّيبِ .. والذينَ عجزوا عن التصريح باتهامِ عثمانَ جعلوا معاويةَ هدفًا لسهامِهم، فَمعاويةُ - كما قال السلفُ - أشبَهُ بالبوابةِ لصحابةِ رسولِ الله ﷺ ، فمن هزَّ البابَ أوشكَ أن يدخلَ الدارَ؛ ولذا كانوا يتهمونَ من تعرّضَ لمعاويةَ ويُعدّونه من أهلِ الرَّيب؟ وحين يحرصُ السلفُ ومن تبعَهُم بإحسانٍ من الخَلَف على حفظِ أعراضِ صحابةِ رسول الله ﷺ لا يدَّعونَ العصمةَ لهم، ولا ينزهونهم عن الخطأ؛ لكنهم يرونهم مجتهدينَ فيما صاروا إليه، فمن أصابَ فله أجران، ومن أخطأ فله أجرُ المجتهدِ المخطئِ. عبادَ الله: وبشكلٍ عام فَحبُّ الصحابةِ من الإيمان، وبُغضُهم - أو أحدٍ منهم - من علاماتِ النفاق وهي سمةٌ من سيما أهلِ الأهواءِ في كلِّ زمانٍ ومكان. أيها المسلمون: ودعونا نعودُ إلى حياةِ أبي ذرٍّ، ونعيشُ معه أيامَه الأخيرةَ، وكيفَ رحلَ من الدنيا في مشهدٍ يُحرّكُ القلوبَ، وتدمعُ له العيونُ. فقد أخرجَ أبو حاتمٍ ابن حبانَ في «صحيحه» بسنده - حسّنهُ بعضُهم - عن أمّ ذرٍّ ﵂ قالت: لما حضرَتْ أبا ذرٍّ الوفاةُ بكيتُ، فقال أبو ذرٍّ: ما يبكيك؟ فقلتُ: ما لي لا أبكي وأنتَ تموتُ في فَلاةٍ من الأرضِ، وليس عندي ثوبٌ يَسعُكَ كفنًا، ولا يَدَانِ لي في تَغييبكَ. قال: أَبشري ولا تبكي، فإني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ لنفرٍ أنا فيهم: «لَيَموتَنّ رجلٌ منكم بفلاةٍ من الأرضِ يَشهدُهُ عصابةُ من المسلمينَ». وليسَ أحدٌ من أُولئكَ النفرِ إلا وقد ماتَ في قريةٍ وجماعةٍ، فأنا ذلكَ الرجلُ، فوالله ما كَذَبْتُ ولا كُذِبْتُ، فأبصري الطريقَ. فقلتُ: أنَّى وقد ذهبَ الحاجُّ وتقطَّعتِ الطرقُ؟ فقال: اذهبي فتبصَّري. قالت:

стр. 2147

فكنتُ أُسندُ إلى الكَثيبِ أتبصّرُ، ثم أرجعُ فأمَرضهُ، فبينما أنا وهو كذلك، إذ أنا برجالٍ على رِحالِهم، كأنهم الرّخَمُ، تَخُبُّ بهم رواحلُهم، قالت: فأشرتُ إليهم فأسرعوا إليّ حتى وقفوا عليَّ، فقالوا: يا أمةَ اللهِ ما لَكِ؟ قلتُ: امرؤٌ من المسلمينَ تُكفِّنونه، قالوا: ومن هو؟ قلت: أبو ذرٍّ، قالوا: صاحبُ رَسول الله ﷺ ؟ قلتُ: نعم، فَفدَوه بآبائِهم وأمهاتِهم وأسرعوا عليه حتى دخلوا عليه، فقال لهم: أبشروا، فإني سمعتُ رسولَ الله ﷺ لنفرٍ أنا فيهم: «ليموتنّ رجلٌ منكم بفلاةٍ من الأرضِ يشهدُه عصابةٌ من المؤمنينَ». وليس من أولئك النفرِ رجلٌ إلا وقد هلكَ في جماعةٍ، واللهِ ما كَذَبتُ ولا كُذبتُ، إنه لو كان عندي ثوبٌ يَسعُني كفنٌ لي أو لامرأتي لم أكفّن إلا في ثوبٍ هو لي أو لها، فإني أنُشدكم اللهَ، ألا يكفنني رجلٌ منكم كان أميرًا أو عريفًا أو بريدًا أو نقيبًا، وليس من أولئك النفرِ أحدٌ إلا وقد قارفَ بعضَ ما قال، إلا فتىً من الأنصار، قال: أنا يا عمُّ أُكفنكَ في ردائي هذا، وفي ثوبين من عَيبتي من غَزْلِ أُمي، قال: أنت فكفِّني، فكفّنه الأنصاريُّ، وقاموا عليه وكفَّنوهُ في نَفَرٍ كلُّهم يَمانٍ (١). تلكم إطلالةٌ يسيرةٌ على حياةِ واحدٍ من صحابةِ رسول الله ﷺ ، فتى غِفار، والفارِس المِغوار، والمتألِّه قبلَ الإسلام، والعابدُ الزاهدُ في الإسلام، حتى لقد رُوي: «مَنْ سَرَّهُ أن ينظرَ إلى زُهدِ عيسى، فلينظرْ إلى أبي ذرٍّ» (٢). رضيَ اللهُ عنك يا أبا ذرّ وأرضاكَ وسائرَ أصحابِكَ صحابةِ رسولِ الله ﷺ ، اللهم إنّا نُشهدكَ على محبَّتهم فاحشُرنا معهم.

стр. 2148

الأمنُ الشامُل مسئوليتنا جميعًا (١) الخطبة الأولى: الحمدُ لله مَنَّ على عبادِه بنعمٍ لا تُعدُّ ولا تُحصى، فمنهم من يشهدُها - أو بعضَها - فيزدادُ لرّبه شكرًا، ومنهم من يجهلُها أو يتجاهلُها، فلا تزيدُه النِّعمُ إلا بَطَرًا وأَشَرًا، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، أحاطَ بكلِّ شيءٍ علمًا .. وشملت رحمتُه الثَّقلين إنسًا وجنًّا .. وهي أقربُ للمحسنينَ وأظهرُ عند المسلمين. وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه حَذّر وأنذرَ أذيّةَ المسلمينَ، فكلُّ المسلمِ على المسلمِ حرامٌ، دمُه ومالُه وعِرضُه .. اللهمّ صلِّ وسلم عليه وعلى سائرِ الأنبياءِ والمرسلين، وارضَ اللهمّ عن الصحابةِ أجمعينَ والتابعين ومن تَبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدِّين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (٣). عبادَ الله: الأمنُ مَطلبٌ لنا جميعًا، والأمنُ مسئوليتُنَا جميعًا، والحياةُ لا طعمَ لها إذا فُقد الأمنُ، والأحياءُ تسودُ حياتَهُم الفوضى، وتنقلبُ السعادةُ إلى شقاءٍ إذا فُقدَ الأمنُ وعمّتِ الفوضى، والله تعالى يُذكِّرنا بنعمةِ الأمن في أكثرِ من موطنٍ في كتابه، ويربطُ ذلك بعبوديته، ويُحذّرُ من مَغبَّةِ فقده، والكفرِ بنعمِه،

стр. 2149

ويقول تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ (١). ويقول جلّ ذكرهُ: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (٢). وهكذا يتضحُ أن حاجةَ الناسِ للأمنِ لا تقلُّ عن حاجتِهم للطعامِ، ولذا قيل: «الأمنُ أهنأُ عيشٍ، والعدلُ أقوى جيشٍ». وإذا تنافستِ الدولُ مسلمُها وكافرُها، قديمُها وحديثُها في رعايةِ الأمنِ وتوفيرِه لرعاياها، كان للإسلامِ - بحقّ - قَصَبُ السبقِ في توفيرِ الأمن، عبرَ ضوابطَ وحدود، وأخلاقٍ وآدابٍ، وحقوقٍ وواجباتٍ على الفردِ والمجتمعِ، لا يتوفرُ مثلُها أو قريبٌ منها في غيرِه، وكانَ للمسلمينَ - كذلك - ميزةٌ على غيرهم في توفيرِ الأمنِ بطواعيةٍ واختيار .. إذ كلُّهم بوازعِ الدينِ والرقابةِ الداخلية والقيامِ بِشعيرةِ الأمرِ بالمعروفِ والنهي عن المنكر، يُشكّلونَ أنفسَهُم حُماةً للأمنِ يردعونَ الجُناةَ، ويكشفونَ أوكارَ الفسادِ، وينشرونَ المعروفَ، ويساهمونَ جميعًا في حراسةِ الفضيلةِ .. وتلك أيضًا لا تتوفرُ لغيرِهِم من الشُّعوبِ من أبناءِ المِللِ الأخرى. أيّها المسلمون: وما فئتتِ الدولُ المتقدمةُ تُطالبُ بحقوقِ الإنسان .. وهي نفسُها التي تُهلكُ الإنسانَ وتُؤذِي كرامتَه، وما فئتت هذه الدولُ تبحثُ عن ضماناتٍ تحفظُ الأخلاقَ، وتُصانُ بها الحقوقُ .. وهي بواقِعِها ووسائِلِها تُدمّرُ الأخلاقَ وتسحقُ الحقوق.

стр. 2150

أما نحنُ، معاشرَ المسلمينَ، فحقوقُنا محفوظةٌ، وآدميتُنا مكرّمةٌ، وأخلاقُنا الإسلاميةُ سياجٌ للكرامةِ والفضيلة .. وحدودُنا الإسلاميةُ مكفراتٌ ومطهراتٌ للجُناة، بل وفي قِصاصِنا حياةٌ - كما أخبر العليمُ القدير - حتى وإن اتهَمَنا الآخرونَ وشنُّوا حملاتِهم الظالمةَ على تنفيذِ أحكامِ اللهِ وحدودِه، وهم حينَ عجزوا عن الوصولِ إلى تطبيقِ هذه الأحكامِ، وأفلتَ المجرمونَ من أيديهِم، وتوسّعَ الخَرْقُ على الراقع، أرادوا أن يحسدُونا ويشوّهوا صورتَنا؛ لنرتكسَ في حَمَأَةِ الرذيلةِ التي ارتكسوا فيها .. ولتعودَ حياتُنا بهيميّةً كحياتِهم، ويأبى اللهُ ذلك والمؤمنون. إن البعضَ قد ينخدعُ بهذه الصيحاتِ الفاجرةِ، فيستصعبُ قتلَ القاتلِ أو رجمَ الزاني، أو قطعَ يدِ السارق - أو نحوها من الحدودِ، وينسى رحمةَ اللهِ بعبادِه عمومًا في تقريرِ هذه الأحكام، وما لها من آثارٍ في تقليلِ الجرائمِ والحدِّ من عنفوانِ المجرمين، وحماية المجتمع كلِّه من الفسادِ والمفسدين. يقولُ ابن تيميةَ ﵀: العقوباتُ الشرعيةُ كلُّها أدويةٌ نافعةٌ، يُصلحُ اللهُ بها مرضَ القلوبِ، وهي من رحمةِ اللهِ بعبادِهِ، ورأفتِه بهم الداخلةِ في قولِه تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (١). فمن تركَ هذه الرحمةَ النافعةَ لرأفةٍ يجدُها بالمريض، فهو الذي أعانَ على عذابِه وهلاكِه، وإن كان لا يريدُ إلا الخيرَ؛ إذْ هو في ذلك جاهلٌ أحمقُ، كما يفعل بعضُ النساءِ والرجالِ بمرضاهم أو بمن يربُّونَهُم من أولادِهم وغلمانِهم في تركِ تأديبهم وعقوبَتِهم، على ما يأتونَه من الشرّ ويتركونه من الخيرِ رأفةً بهم، فيكونُ ذلك سبَبَ فسادِهم وعدوانِهم وهلاكهم (٢).

стр. 2151

إخوةَ الإسلام: والعقوباتُ في الإسلامِ لا يُرادُ منها التسلّطُ على الأفراد، وليس فيها ظلمٌ لهم، وليست أكبرَ من جرائمِهم .. أجل لقد أحكمَ اللهُ سبحانه وجوهَ الزجرِ الرادعةِ عن هذه الجناياتِ غايةَ الإحكام، وشرَعها على أكملِ الوجوهِ المتضمنةِ لمصلحةِ الردعِ والزجرِ، مع عدم المجاوزةِ على الجاني، فلم يشرعْ في الكذِبِ قطعَ اللسانِ، ولا في الزنا الخِصاءَ، ولا في السرقةِ إعدامَ النفس، وإنما شرعَ لهم ما تزولُ به النوائبُ وتنقطعُ الأطماعُ، وما تكون سبيلًا إلى أن يقنَع كلُّ فرد بما قسمَ اللهُ له (١). إن أحكامَ اللهِ وحدودَه تؤمّنُ للناسِ الانتظامِ في عيشِهم، وتدفعُ عنهم الأضرارَ من غيرهم، يقول ابنُ القيم ﵀: «ولولا عقوبةُ الجُناةِ والمفسدينَ لأهلكَ الناسُ بعضُهم بعضًا، وفسدَ نظامُ العالَم، وصارتْ حالُ الدوابِّ والأنعامِ والوحوشِ أحسنَ من حالِ بني آدم» (٢). أيّها المسلمون: وإذا كانت مسئوليةُ الأمنِ تحظى باهتمامِ الدولةِ - وفقها الله - بكافةِ أجهزتِها وقطاعاتِها، ويشهدُ المواطنونَ والمقيمونَ آثارَها، فينبغي أن نكونَ جميعًا عونًا لها في تحقيقِ هذا المطلبِ الضروريِّ للحياةِ والأحياء، فلا نتسترُ على مجرم، ولا نعينُ ظالمًا على ظلمِه، ولا نسمحُ لمن يريدُ أن يُخِلّ بالأمن، أو يهددَ الكرامة، أو يستهينَ بالخُلقِ الكريمِ، بل يجدرُ بنا أن نكونَ جميعًا حُرّاسًا أوفياءَ للفضيلةِ، وعيونًا ساهرةً لمحاصرةِ الجريمةِ، وكشفِ أوكارِ المفسدين. وإنَّ من السلبيةِ أن نرى أو نعلمَ ما يُخلُّ بالأمنِ ثم نتخلّى عن المسئوليةِ؛

стр. 2152

بحجةِ أن هذه ليست من وظيفِتنا، علمًا بأن الفسادَ إذا وقعَ فلن نسلمَ من آثارِه جميعًا، والمجرمونَ إذا تجاوزونا إلى غيرنا حينًا .. فقد يتجاوزونَ غيرَنا ويصلونَ إلينا حينًا أخرى، والله تعالى أمرَنا بالتعاونِ على البِرِّ والتقوى، ونهانا عن التعاونِ على الإثمِ والعُدوان، ورسولُنا ﷺ أخبرنا أننا إذا رأينا الظالمَ ثم لم نأخذْ على يديه أوشكَ اللهُ أن يعُمّنا بعقابٍ من عندِه. وعلينا جميعًا أن نتفطنَ ولا ننخدعَ بمن يُظهرونَ الخيرَ والنزاهةَ، ويبطنونَ الشرَّ ويتلبّسونَ سِرًّا بالجرائم، وإذا وُجِدَ مثلُ هؤلاءِ المخادعينَ في عصورِ الراشدين، فما الظن بغيرِهم، ودونكم هذه الحادثةَ فتأمَّلُوها. أخرجَ الإمامُ مالك في «موطأه» أن رجلًا من أهلِ اليمنِ أقطعَ اليدِ والرِّجلِ قدمَ المدينةَ، فنزلَ على أبي بكرٍ الصديق ﵁، فشكى إليه أن عاملَ اليمن قد ظلمَه، فكانَ يُصلّي من الليل، فيقول أبو بكر: وأبيكَ ما ليلُكَ بليلِ سارقٍ، ثم إنهم فقدوا عِقدًا لأسماءَ بنتِ عميس - امرأةِ أبي بكرٍ الصديقِ - فجعلَ الرجلُ يطوفُ معهم ويقولُ: اللهمَّ عليكَ بمن بيّتَ أهلَ هذا البيتِ الصالح. فوجدوا الحُلِيَّ عند صائغٍ زعمَ أن الأقطعَ جاءَ به، فاعترفَ به الأقطعُ أو شُهِدَ عليه بهِ، فأمرَ به أبو بكرٍ فقُطعتْ يدُه اليُسرى، وقال أبو بكر: واللهِ لدعاؤهُ على نفسِه أشدّ عندي عليه من سرقتِه (١). أعوذُ باللهِ من الشيطانِ الرجيم ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٢).

стр. 2153

الخطبة الثانية: الحمدُ لله أكرمَنا بالإسلامِ وشرَّفَنا بالقرآن، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، منِ استمسكَ بشرعهِ فاز في الدنيا وأفلحَ في الأخرى، ومن أعرضَ عن سبيله فإن له معيشةً ضَنْكًا، ويُحشرُ يومَ القيامةِ أعمى. وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه جاءَ ليتمّمَ مكارمَ الأخلاقِ، وكانت بعثتُه هدىً وتكريمًا للإنسان، أفلحَ وأنجحَ من اتبعَ هُداهُ، وضلّ وارتكسَ من حاربَه أو عاداهُ أو خالفَ هُداهُ. اللهم صلِّ وسلِّم عليه وعلى سائر الأنبياءِ والمرسلينَ. أيّها المسلمون: وكما يتحقّقُ الأمنُ بوازعِ السلطانِ، والخوفِ من عقوبةِ الدنيا، يتحقَّقُ الأمنُ كذلكَ بوازعِ الإيمانِ، والخوفِ من عقوبةِ اللهِ في الآخرةِ، وإذا علمتم أثرَ الإيمانِ في تحقيقِ الأمنِ في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (١). فتأملوا أثرَ الكفرِ بأنعُمِ اللهِ بإلباسِ الناسِ لبوسَ الجوعِ والخوفِ بعدَ الأمنِ ورَغدِ العَيْش، ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (٢). إنه الإيمانُ والتُّقى؛ بهما تُفتَحُ بركاتُ السماءِ والأرضِ، وبهما يتحققُ الأمنُ والرخاءُ، ذلك وعدٌ غيرُ مكذوب، ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٣). ومن هنا فعلينا أن نفهمَ الأمنَ بمفهومِه الشامل؛ الأمنُ الفكريُّ والعَقديُّ،

стр. 2154

والأمن الخُلُقي والقِيَمي، والأمنُ الجنائي، والأمنُ الصحيُّ والغذائي، حين يُخلِصُ الأطباءُ وتتوفرُ الأجهزةُ والأدويةُ، حين لا يغشُّ المزارعونَ، ولا يحتكرُ البائعون، أجل إننا حين نغفلُ عن انتشارِ الأفكارِ الرديئةِ، ثم تتسللُ إلى عقولِ أبنائِنا وبناتِنا تحدثُ فيها جنوحًا نحوَ الجريمةِ، وتُسَهّلُ عليهم اقترافَها .. وكم تفعلُ القصةُ الهابطة، أو الروايةُ ذاتُ الفصولِ السيئة، أو الكِتابُ المنحرفُ، أو المقالةُ الداعيةُ للفجورِ، كم تفعلُ هذه وتلك من فعلٍ في العقولِ، وكم تُنشئُ من سلوكياتٍ محذورةٍ شاذةٍ، بها يهتزّ الأمنُ وتكونُ الجريمة. وحينَ نتسامحُ في زمالةِ الأديان، ونرضى أن يزاحم دينَ الإسلامِ الحقَّ أديانٌ محرّفةٌ، ونِحَلٌ فاسدةٌ، فلا شكّ بأثرِ ذلك على الأمنِ العقديِّ؛ إذ يُحدثُ هؤلاءِ من الجرائمِ ما هو مسموحٌ لهم في أديانهم، وليسَ كذلك في دينِنَا، بل ربما فَتنوا العامةَ بشعائرهِم وطقوسِهِم، فَخلّفَ أثرَه على الأمن، ولا شكّ أن العقائدَ المنحرفةَ، والتصوراتِ الفاسدةَ تقودُ إلى سلوكياتٍ منحرفة تُخِلُّ بالأمن. أما الأمنُ الخُلقيُّ والقِيَمي فيكونُ برعايةِ الأخلاقِ الفاضلةِ، وحمايةِ القيمِ الإسلاميةِ من التلوثِ والانحدار، ويوم لا يكونُ قيمةٌ للخُلُقِ ولا رعايةٌ للقيم، يومَها تتحولُ الحياةُ إلى مسرحٍ للفوضى؛ يأكلُ القويُّ الضعيفَ، وحينها ينفرطُ عقدُ الأمنِ، وتشيعُ الفاحشةُ، ويكثرُ المجرمون، وتتوارى الفضيلةُ والفضلاءُ. أما الأمنُ الجنائيُّ فيتحققُ يومَ لا يُسمحُ للسارقِ بأخذِ حقِّ غيرِه، ولا لصاحبِ المُسْكرِ أو المُخدّرِ أن يُحدِثَ الضررَ بنفسِه أو بمن حوله، ولا للأحمقِ والأهوجِ أن يقتلَ أو يضربَ من اختلفَ أو تنازعَ معَه، ولا لأصحابِ الشهواتِ أن يقضوا وَطَرَهُم فيما حرّم اللهُ عليهم، أو يُمكَّنُ الأحداثُ من قيادةِ السياراتِ دون استشعارٍ للمسئوليةِ؛ فيُهلِكوا أَنْفسهم وغيرَهم، أو نحو ذلك من ممارساتٍ أو اغتصابٍ تُحدثُ فجوةً في الأمنِ لا تُحمدُ عُقباه.

стр. 2155

عبادَ الله: إن مسئولِيّتَنا الشرعيةَ والخُلقيةَ والوطنيةَ توجبُ علينا المساهمةَ في الحفاظِ على الأمن، وردعِ وفضحِ من تُسوِّلُ لهم أنفسُهُم العبثَ بأمنِ البلادِ والعبادِ، وينبغي ألا تَجُرَّنا العواطفُ للتسامحِ والتساهل، أو الوساطةِ للمجرمين، أو الشفاعةِ في الحدود. لقد عدَّتِ الشريعةُ الإسلاميةُ الشفاعةَ في إسقاطِ الحدِّ، أو العدولَ عنه، جَوْرًا مُهلِكًا، وقال ﷺ مُنكِرًا على أسامةَ بن زيدٍ ﵄ شفاعَتَه في إسقاطِ حدِّ السرقةِ عن المخزوميةِ التي سرقتْ، وأَهَمَّ قريشًا أمرُها: «أتشفعُ في حَدٍّ من حدودِ الله؟ ! ». ثم قامَ خطيبًا في المسلمين - يعلِّمُهم ومَن وراءَهم من المسلمين - كيف يكون العدلُ ويقول: «أيها الناسُ، إنما ضلَّ من كان قبلَكُم أنهم كانوا إذا سرقَ الشريفُ تَركُوه، وإذا سرقَ الضعيفُ فيهم أقاموا عليه الحَدَّ، وأيمُ اللهِ، لو أنّ فاطمةَ بنتَ محمدٍ سرقتْ لقطعَ محمدٌ يدها» (١). إخوةَ الإسلام: إن الحديثَ عن الأمنِ والمساهمةِ في توفيرهِ ينبغي أن تشاركَ فيه المؤسساتُ التربويةُ والعلميةُ، والأجهزةُ الإعلاميةُ، فضلًا عن الأجهزةِ المعنيةِ بالأمن، ينبغي أن يكونَ همًّا يُحِسُّ به الأولياءُ ويتحسّبُ لآثاره الأبناءُ، وإذا تميزَ أبناءُ المجتمعاتِ الإسلامية بشعيرةِ الأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكرِ عن المجتمعاتِ الأخرى، فينبغي أن تُستثمرَ هذه الشعيرةُ العظيمةُ في تحقيقِ الأمنِ وكفِّ المجرمينَ. إننا - بحمد الله - نعيشُ في هذه البلادِ حالةً أمنيةً لا نظيرَ لها في عالم اليوم، وإن وُجِدَتْ أحداثٌ وقضايا تُخلّ بالأمن أحيانًا فتلكَ - مع عدمِ خُلوّ مجتمع

стр. 2156

منها أو قريبٍ منها - هي كذلك تخفُّ إذا تضافرتِ الجهودُ على مراقبةِ أصحابِهَا من قِبَلِ عمومِ المجتمعِ، وتخفُّ كذلك كلّما نشِطتِ الجهاتُ المعنيةُ بالأمنِ على الإخلاص في عملِها وتحديثِ أساليبها، وتطويرِ الأداءِ لدى الأفرادِ العاملين فيها. أما تطبيقُ الحدودِ، وإحالةُ المجرمينَ للقضاءِ، فلا شكّ أنها ضمانٌ بإذن اللهِ لنشرِ العدلِ وتحقيقِ الأمنِ. أما التوعيةُ بقيمةِ الأمنِ والتحذيرِ من ارتكابِ المحظوراتِ والجرائمِ بوسائلَ مختلفةٍ، فتلكَ وسيلةٌ وقائيةٌ غايةٌ في الأهميةِ؛ لأننا لا نفرحُ بوجودِ المجرمِ لنعاقبَهُ، بل نُسرُّ لانخفاضِ معدلِ الجرائم واستصلاحِ المجرمين، وفتحُ بابِ الأملِ والتأكيدُ على قيمةِ التوبةِ، يُسهمُ كذلك في استصلاحِ مَنْ به فسادٌ وعنده استعدادٌ للصلاحِ ونسيانِ الماضي، وفي الحديثِ الحسن «التائبُ من الذَّنبِ كَمَنْ لا ذنبَ له» (١).

стр. 2157

تسع قوارب للنجاة من الفتن (١) الخطبة الأولى: إن الحمدَ لله نحمدُه ونستعينُه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، اللهم صلِّ وسلِّم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا. إخوةَ الإيمانِ: ليس شيءٌ في الوجودِ أغلى من الإيمان .. وما من نعمةٍ امتَنّ اللهُ بها على الإنسان أعظمُ من نعمةِ الإسلام - وما من بلاءٍ أشدُّ من الفتنةِ في الدّين - فالفتنةُ أشدُّ من القتل، بنصِّ القرآنِ. والفتنةُ سُنةٌ ربانيةٌ جاريةٌ في الأوّلين والآخرين، ليتبينَ الصادقون من الكاذبين: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (٢). والفتنُ التي يمكنُ أن يتعرّضَ لها المسلمُ أو المسلمةُ أنواعٌ؛ فمنها الفتنُ في الأهلِ والولدِ، ومنها الفتنةُ بالمالِ أو الجَاهِ، ومنها الفِتنُ بانتشار المُنْكراتِ وكثرةِ الدُّعاةِ على أبواب جهنّمَ، ومنها فتنُ الشّهواتِ، وفتنُ الشُّبُهاتِ، واختلاطُ الحقِّ بالباطلِ، وكثرةُ الاختلافِ، وغَلَبةُ الأهواءِ، هناك فتنةُ الأحياءِ، وفتنةُ الأمواتِ، وفتنةُ المسيحِ الدّجالِ، إلى غيرِ ذلك من أنواعِ الفتنِ .. وليس

стр. 2158

المَقامُ مَقامَ حصرٍ لها، ولكنّ حديثَ اليوم يُعني ببيان المَخْرجِ من الفتنِ والحَذَرِ منها، ووسائلِ الخروجِ وقواربِ النّجاةِ منها. وأبدأُ هذه الوسائل المعينةَ على السلامةِ من الفتن، بما عمله الرسولُ ﷺ ألا وهو: ١ - الدعاءُ والتعوذُ باللهِ من الفتن .. واللهُ تعالى هو ملاذُ المسلم في كلِّ حالٍ، فكيف في أزمان الفتن؟ روى البخاريُّ ومسلمٌ وغيرُهُما منِ حديثِ عائشةَ ﵂، أن النبيَّ ﷺ كان يقول: «اللهمّ إني أعوذُ بكَ من الكَسَلِ والهَرَمِ، والمَأْثَمِ، وعذابِ النارِ، ومن شَرِّ فتنةِ القبرِ، وعذابِ القبرِ، ومن فتنةِ النارِ، وعذابِ النار، وأعوذُ بكَ من فتنةِ المسيحِ الدّجالِ ... » (١). وفي الحديث الصحيح الآخر، قال ﷺ : «وأعوذُ بك من فتنةِ المَحْيَا والمَمَات» (٢). فهل نلجأ إلى اللهِ في كلِّ حينٍ .. وكلّما اشتدت الفِتَنُ زدنا في الضّراعةِ واللُّجوءِ. ٢ - الحذرُ من الانتكاسةِ في الفتن، حين لا يَعرفُ الإنسانُ المعروفَ ولا يُنكِرُ المنكرَ .. قال حذيفةُ ﵁: كنّا عند عمرَ ﵁ يومًا فقال: أَيُّكم سَمِعَ رسولَ اللهِ ﷺ يَذكرُ الفِتنَ؟ فقال قومٌ: نحن سمعناه، فقال: لعلَّكم تعنونَ فتنةَ الرجلِ في أهلهِ وجارهِ؟ قالوا: أجلْ، قال: تلك تُكفّرُها الصلاةُ والصيامُ والصدقةُ، ولكن أيُّكُم سمعَ النبيَّ ﷺ يَذكرُ الفتنَ التي تموجُ موجَ البحرِ؟ قال حذيفةُ: فَأَسْكَتَ القومُ،

стр. 2159

فقلتُ: أنا، قال: للهِ أبوكَ. ثم قال حذيفةُ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: «تُعرَضُ الفِتنُ على القلوبِ كالحصيرِ عُودًا عُودًا - أي كما يُنسجُ الحصيرُ عودًا عودًا - فأيُّ قلبٍ أُشْرِبَها نُكِتَ فيه نُكتةٌ سوداءُ، وأيُّ قلبٍ أنكَرَها نُكِتَ فيه نُكتةٌ بيضاءُ، حتى تصيرَ على قلبينِ: على أبيضَ مثلِ الصَّفا فلا تضرُّه فتنةٌ ما دامتِ السماواتُ والأرضُ، والآخرَ أسودُ مُرْبادًّا - أي بياضٌ يسيرٌ فيه سواد - كالكوزِ مُجَخِّيًا - أي مَنكوسًا - لا يعرفُ معروفًا ولا يُنكِرُ منكرًا، إلا ما أُشرِبَ من هَواهُ» (١). ٣ - الحذرُ من السير في رِكاب المنكَر، والسلامةُ إنما تكونُ في الإنكارِ، روى مسلمٌ في «صحيحه» عن أمِّ سلمةَ ﵂: أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: «ستكونُ أمراءُ فتعرفونَ وتُنكِرونَ، فمن عَرَفَ فقد بَرِئَ، ومن أنكرَ سَلِمَ، ولكنْ مَنْ رضيَ وتابَعَ». قالوا: أفلا نُقاتِلُهم؟ قال: «لا، ما صَلَّوا» (٢). قال النوويّ - في شرحه للحديث - قوله: «مَنْ عرفَ فقد بَرئَ» معناه: من عرف المنكرَ ولم يَشتبه عليه فقد صارت له طريقٌ إلى البراءةِ مِنْ إثمِهِ وعقوبتهِ؛ بأنْ يُغيّرَه بيديهِ أو بلسانِه، فإن عَجَزَ فليكرهْه بقلبهِ. وقوله: «ولكن من رضيَ وتابع». أي: ولكن العقوبةَ والإثمَ على من رضي وتابع (٣). فهل نحذر من المنكراتِ - وما أكثرَها - بما نستطيعُ من درجات الإنكارِ .. ففي ذلك سلامةٌ لنا أولًا، قبل سلامةِ الواقعين في المنكرِ، ومن تهاونَ أو قصّر فلا يلومَنّ إلا نفسَه! ٤ - السيرُ في رِكابِ جماعةِ المسلمين وإمامِهم .. فذلك مَخْرَجٌ من الفتن،

стр. 2160

وقاربٌ من قواربِ النّجاةِ بإذن اللهِ .. عن حذيفةَ ﵁ قال: كان الناسُ يسألونَ رسولَ الله ﷺ عن الخيرِ، وكنتُ أسألُه عن الشرِّ مخافةَ أن يُدرِكَني، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنّا كنّا في جاهليةٍ وشرٍّ، فجاءنا اللهُ بهذا الخيرِ، فهل بعد هذا الخيرِ من شرٍّ؟ قال: «نَعَم». قلتُ: وهل بعد ذلك الشرّ من خيرٍ؟ قال: «نعم، وفيه دَخَنٌ» - أي كَدَرٌ - قلتُ: وما دَخَنَهُ؟ قال: «قومٌ يَهْدُونَ يغير هَدْيِي؛ تَعرفُ منهم وتُنكِرُ». قلت: فهل بعد ذلك الخيرِ من شرّ؟ قال: «نعم، دُعاةٌ على أبوابِ جهنّمَ، مَن أجابَهم إليها قَذَفوه فيها». قلتُ: يا رسولَ الله، صِفْهُم لنا، قال: «هُم من جِلْدَتِنا؛ ويتكلّمون بألسِنتنا». قلتُ: فما تأَمُرُني إنْ أدرَكَني ذلك؟ قال: «تلزمُ جماعةَ المسلمين وإمامَهُم». قلتُ: فإن لم يكن لهم جماعةٌ ولا إمام؟ قال: فاعتزِلْ تلكَ الفرق كلَّها، ولو أنْ تَعَضَّ بأصلِ شجرةٍ حتى يُدْرِكَكَ الموتُ وأنتَ على ذلك» (١). رضيَ اللهُ عنك يا حذيفةُ وأنتَ الرجلُ الحَصيفُ، وما زلتَ تستخبرُ رسولَ الله ﷺ عن الفتنِ، وتسألُ عن ملامِحِها وهويّةِ أصحابِهَا، حتى كشفَ الرّسولُ ﷺ لك وللأُمة من وَرائكَ الأمرَ، وأَرشدَ إلى المَخْرج .. فهؤلاء الدُّعاةَ إلى الباطل ليسوا يهودًا ولا نصارى ولا أعاجم، بل هم من جِلْدَتنا ويتكلّمون بألسنتنا، وما أخطرَ الغَزوَ إذا كان من الداخل .. والمَخرجُ بلزوم جماعةِ المسلمين وإمامِهم، وأن يحرصَ المسلمُ على أن يكونَ من الطائفةِ المنصورةِ، فأولئك لا تضرُّهم الفتنُ حتى يَلْقَوا ربَّهم وهو راضٍ عنهم، وأولئك هم الغرباءُ الذين يَصْلحون إذا فسدَ الناسُ، أو يُصلِحون ما أفسدَ الناسُ، وأولئك قال عنهم النبيُّ ﷺ : «لا تزالُ طائفةٌ من أُمتي يُقاتِلونَ على الحقِّ، ظاهرينَ على من نَاوأَهُم

стр. 2161

حتى يُقاتِلَ آخِرُهُم المسيحَ الدّجالَ» (١). فإن لم يكن فالعزلةُ والفِرارُ بالدين، حتى يموت المسلمُ دون الفتن ولو عضّ على أصلِ شجرة. ٥ - الرّكونُ إلى العلم والتثبّتُ من الأخبار، وعدمُ الخوضِ بالباطل، أو اعتبارُ القصصِ الواهيةِ والشائعاتِ أساسًا للحُكمِ والتقييم. أجل، إنَّ العلماءَ الرَّبانيين أبعدُ الناس وقوعًا في الفتن، يحفظُهمُ اللهُ بالعلم النافع، وفي «صحيح البخاريِّ» عن أبي بكرةَ ﵁ قال: لقد نفعَني اللهُ بكلمةٍ سمعْتُها من رسولِ الله ﷺ أيامَ الجَمَلِ بعد ما كِدْتُ أنْ ألحقَ بأصحابِ الجَملِ فأُقاتلَ معهم، قال: لما بلغ رسول الله ﷺ أن أهلَ فارسَ قد ملَّكوا عليهم بنتَ كسرى قال: «لن يُفلحَ قومٌ وَلّوْا أمْرَهم امرأةً» (٢). وبالعلم النافع يميز المرءُ بين الحقِّ والباطل، وسُلطةُ الشيطان على العلماء أقلّ من سُلطتِه على العوامّ والجَهلةَ؛ فهو يتلاعبُ بهؤلاء وتسقط حِيَلُه عند عَتَباتِ العلم والعلماء، وصدق الله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٣). ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (٤). إن التثبتَ من الأخبار من سِيما العلماءِ، أما التخوُّضُ في الباطل واعتمادُ أخبارِ الفاسق، والاتّكاءُ على القصص والحكاياتِ الغريبةِ؛ فذلك شأنُ الجهلةِ الذين يطيرون بأيِّ خَبَرٍ يسمعونَه، وتأملوا قولَ ابنِ عمرَ ﵄ في انتشارِ القصصِ

стр. 2162

في زمان الفتن، حيث قال: لم يكن يُقَصّ في زمانِ رسولِ الله ﷺ ولا أبي بكر ولا عمر ولا عثمان، إنما كان القَصصُ في زمن الفتنة (١). وعلى سبيل الاحتياط والتحفُّظ نهى الرسولُ ﷺ عن إتيان الدَّجال فقال: «مَنْ سمعَ بالدّجالِ فلا يأتِه، فإن الرَّجلَ يسمعُ به ويقول: أنا أعرفُه، إنه الكذابُ، ثم لا يلبثُ أن يذهبَ إليه فيَتْبَعُه» (٢). ويمتد أثرُ العلماءِ من هذه الحياةِ إلى مشاهدِ القيامةِ حين يشهدون على أهلِ الفتنِ والأهواءِ والفجورِ بالتمتيع والإنظار في الحياة الدّنيا، بخلاف ما كانوا يتوهّمون: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٣). عبادَ الله: ومن لم يستطعْ أن يُلِمَّ بالعلم من أطرافِهِ، فلا أقلَّ من العلم بأنواعِ الفتنِ وأسبابِها، وقواربِ النجاةِ من الفتن، وإذا لم يكن لديهِ قدرةٌ على معرفةِ ذلك بنفسِهِ فليسأل أهلَ العلمِ بذلك، كما قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٤). واحذروا الفتنَ أيها المسلمون ما ظهرَ منها وما بطن، وتذكروا عُظْمَ وَقْعِها، وتعوَّذوا بالله منها، وتوبوا إلى بارئِكُم، ولا تكونوا ممَّن قال اللهُ فيهم: ﴿أَوَلَا

стр. 2163

يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (١). عصمني اللهُ وإياكم والمسلمينَ من الفتن، ورزقنا العلمَ النافعَ والعملَ الصالحَ، أقول ما تسمعونَ وأَستغفرُ اللهَ لي ولكم.

стр. 2164

الخطبة الثانية: الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، يبتلي عبادَهُ بالشرِّ والخير فتنةً، ويوفّق مَنْ شاءَ لطاعتِه، ومن يضللِ اللهُ فما له من هادٍ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه، لا ملجأَ ولا مَنْجا منه إلا إليه، وهو الذي يُفَرُّ إليه ويُعتَصمُ به، وأشهد أنّ محمدًا عبدُه ورسولُه، بيّن بسُنّتهِ القوليةِ وسيرَتِه العمليةِ كيف يكون الفرارُ من الفتن وسُبلَ النجاة منها .. اللهمَّ صلّ وسلِّم عليه وعلى سائر الأنبياءِ والمرسلين. إخوة الإسلام: ٦ - ومن قوارب النّجاةِ في أزمان الفتنِ: العبادةُ الحقّةُ لله، والعبادةُ لله - بشكل عام - هدفُ الوجودِ من الحياة، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١). وتشتد الحاجةُ للعبادة كلّما اشتدتِ الفتنُ وتلاحقتْ؛ ذلك لأنَّ الإنسانَ يأنسُ بالعبادةِ وينشرحُ صدرُه، ويطمئنُّ قلبُه، وبها يحرُسه اللهُ من وَسوسةِ الشياطين وإغوائِهم، وحين ينقطعُ القلبُ عن خالقهِ تستحوذُ عليه الشياطينُ ويقع في أنواع الفتن .. والبيتُ الخَرِبُ - غالبًا - مأوى للشياطين. لقد أرشد النبيُّ ﷺ إلى العبادةِ وحَثَّ على المبادرة عليها في أوقاتِ الفتن؛ فقال: «بادِروا بالأعمالِ الصالحةِ فِتَنًا كَقِطَعِ الليلِ المُظلمِ، يُصبحُ الرجلُ مؤمنًا ويُمسي كافرًا» (٢). وبيّن ﵊ قَدْرَ العبادةِ وقيمتَها في أوقاتِ الفتن فقال:

стр. 2165

«العبادةُ في الهَرْج كَهِجْرَةٍ إليّ» (١). والهرجُ: استحكامُ القتل بين المسلمين، وهو نوعٌ من الفتن. أيها المسلمون: وفرقٌ بين من يشتغلون - أوقاتَ الفتن - بالقيلِ والقالِ وتخطئةِ هذا وتصويبِ ذاكَ، أو بمجرَّدِ ذِكر أنواع الفتن وما بُليَ به الناسُ دون أن يكون هناك عملٌ صالحٌ، أو دعوةٌ للإصلاح، وبين من يشتغلون بعبادةِ ربِّهم في حالِ خَلَواتِهم، ويعملونَ في الدعوةِ والإصلاحِ وتسكينِ الفتنِ في حالِ اجتماعِهِم بالناس. ٧ - أيُّها الناسُ: والدعوةُ إلى اللهِ وإلى سبيلِه قاربٌ آخرُ من قواربِ النجاةِ، فالدُّعاةُ إلى الله يُحذِّرون من الوقوع في الفتن، ويرشدون إلى سُبلِ النَّجاةِ منها، وأول ما يُنقذُ الدعاةُ أنفُسَهم، فليس من الدعوةِ الحقَّةِ أن ينهى الدعاةُ غيرَهم عن الفتنِ وهم واقعون فيها، وكم وقى اللهُ من فتنةٍ بسببِ جهودِ الدُّعاةِ وتوفيق اللهِ لهم، وكم أحيا اللهُ بالدعوةِ أشخاصًا كانوا غارقين في الفتن. إن الفرقَ كبيرٌ بين من يُحيون الأمةَ بالدعوة، ويُجدِّدون عَزْمها ويزيدون من إيمانها .. وبين من هَمُّهُم التثبيطُ والإحباطُ والحكمُ على الناس بالهلاك، دون تقديمِ أيِّ جُهْدٍ في الإصلاح، وفي الحديث: «مَنْ قالَ: هَلَكَ الناسُ فهو أهلكُهُم». وفي رواية: «فهو أهلَكَهُم». وعلى أيِّ المعنييْنِ سواء كان هو أشدَّهم هلاكًا، أو كان السببَ في إهلاكِهم، فذلك معنىً سلبيٌّ، وتلك سلبيةٌ لا تليقُ بالمسلم بشكل عامّ، ولا ينبغي أن يكون ذلك جهدَه في وقتِ الفتن على وجْهِ الخصوص.

стр. 2166

فهل يا تُرى ينشطُ المسلمون للدعوة في كلّ زمانٍ، ويشتد نشاطُهم للدعوة في أزمان الفتنِ لشدةِ الحاجة لدعوتِهم؟ ٨ - وفي سبيل النجاةِ من الفتن لا بد من تحرير مصطلَحِ الفتنة ووضْعِه في موضعِه الشرعيِّ، كما جاءتْ به نصوصُ الكتابِ والسُّنةِ، وكما فَهمَه سَلَفُ الأُمةِ .. ولا ينبغي أن يكونَ مصطلحُ الفتنةِ كلًا مباحًا لكلِّ ناعقٍ .. أو بضاعةً مُزجاةً يُطلقها الجهالُ كيف شاءوا وعلى من شاءوا .. أو متنفَّسًا لأهلِ الأهواءِ يرمون بها مَن خالفهم ولو كان محقًّا. إن الاختلاطَ في مفهومِ الفتنةِ قد يجعلُ من الحقِّ فتنةً، وقد يُصوِّرُ أهلَ الحقِّ أصحابَ فتنةٍ، وبالعكس فقد يَظهَرُ الباطلُ بصورةِ الحقِّ، وقد يُلمَّعُ المنافقُ فيقال: ما أظرفَه! وما أحسنَ مَنْطِقَه! وإن كان رصيدُه من الإيمان قليلًا .. ومن الخُبثِ والفجور كمًّا كبيرًا .. والعالِمون بكتابِ اللهِ وسنةِ رسولِه ﷺ هم القادرون على ضبطِ مصطلحِ الفتنةِ وتحديدِ هُويّة أهلِ الفتن. إخوة الإيمان: ٩ - والرفقةُ الصالحةُ معينةٌ على تجاوز الأزَماتِ والفتنِ، ولقد أوحى اللهُ إلى نبيِّه ﷺ فيما أوحى - ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ (١). وليس عَبَثًا أن يقولَ النبيُّ ﷺ : «لا تُصاحِبْ إلا مؤمنًا، ولا يأكلْ طعامَكَ إلا تقيٌّ» (٢).

стр. 2167

وهو القائل: «المرءُ على دينِ خَليلهِ، فلينظرْ أحدُكم من يُخَالِل» (١). ولذا قال جماعةٌ من السلف: «اصْحَبْ من يُنهضُكَ حالُه، ويدُلُّك على الله مَقالُه» (٢). وإذا كان أثرُ القرينِ الصالح على قرينه مشهورًا في دلالتهِ على الخير ومَنْعهِ من الشرور والفتن، فَلِقرينِ السُّوءِ أثرٌ عكسيٌّ سلبيٌّ، وتأمل هذا الحوارَ القرآنيَّ في أثرِ الرفيق: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣) قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ (٣). وتأمل كذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٤). عبادَ الله: تلك قواربُ تسعةٌ للنجاةِ من الفتنِ، وهي إجمالًا: ١ - التعوذُ من الفتن بالدُّعاءِ. ٢ - الحذرُ من الانتكاسةِ في الفتن. ٣ - الحذر من السيرِ في رِكابِ المنكراتِ والحرصُ على إنكارِها. ٤ - السيرُ في ركاب جماعةِ المسلمينَ وإمامِهم، والحرصُ على أن يكون المسلمُ من الطائفةِ المنصورةِ. ٥ - العلمُ والتثبُّتُ وعدمُ اعتمادِ القصصِ والشائعاتِ. ٦ - لزومُ العبادةِ والإكثارُ من القُرُباتِ.

стр. 2168

٧ - الدعوةُ إلى الله، والأمرُ بالمعروفِ والنهيُ عن المنكرِ. ٨ - تحريرُ مصطلح الفتنة، وعدمُ الخلطِ بينها وبين الإيذاءِ في سبيل اللهِ. ٩ - اختيارُ الرفقةِ الصالحة، والحذرُ من قرينِ السُّوءِ. ألا فاحذروا أيها المسلمون أن تفتنوا أنفسَكم، أو تفتِنوا غيرَكم عن الدخولِ في الإسلام؛ بسبب تقصيركم وضعفِكم، وذلك من عجائبِ مواقع الفتنِ ومعانيها، وتلك التي حذرَ منها إبراهيم الخليلُ ومَن معه حين قالوا: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (١). قال قَتادةُ ﵀: «المعنى: لا تُظهِرْهم علينا فيُفَتنوا بذلك؛ يَرَون أنهم إنما ظهروا علينا لحقٍّ هم عليه» (٢). إن الفتنة تقعُ حين يرضى المسلمون بالهَوانِ، ويتركون الجهادَ في سبيل اللهِ، وينحرفون في سلوكياتِهم، فيصُدّون غيرَهم عن الدخولِ في دينِ الله، وتلك قاصمةٌ من القواصِمِ.

стр. 2169

فوائد مختارة، والصحابي الذي اهتز له عرش الرحمن (١) الخطبة الأولى: إخوةَ الإسلام: ما أحوجَنا على الدوامِ للتفكيرِ في المبدأ والمعادِ، وحقيقةِ الحياةِ، ومصيرِ الأحياءِ، وطبيعةِ الحياةِ الدُّنيا والسعيِ للآخرة. وسأختارُ لكم قُصاصاتٍ معبِّرةً، وفوائدَ مختارة، تنيرُ الطريقَ، وتُبصِّرُ السالكَ، سطَّرها يَراعُ العلماء، وإنما أرادوا بها تنبيهَ الغافلِ .. وشحذَ الهِمَمِ. الفائدةُ الأولى: المبدأُ والمعادُ حقيقةٌ يؤمنُ بها المؤمنونَ، ويرتابُ فيها الكافرونَ والمنافقونَ، وبراهينُ المعادِ، وأدلَّتُه في القرآنِ كثيرةٌ، وهي مبينةٌ على أصولٍ ثلاثةٍ: أحدها: تقريرُ كمالِ علمِ الربّ ، كما جاء الردُّ على من قال: «من يُحيي العظامَ وهي رميمُ» ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ (٢). الأصل الثاني: تقريرُ كمالِ قدرتهِ تعالى كقولهِ تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ (٣). وقوله تعالى: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ (٤). الأصل الثالث: كمالُ حكمتهِ، كقولِه تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ (٥). وقوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا

стр. 2170

تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ (١). قال ابنُ القيِّم ﵀: ولهذا كان الصوابُ أن المعادَ معلومٌ بالعقلِ مع الشرعِ، وأن كمالَ الربِّ تعالى وكمالَ أسمائه وصفاتِه تقتضيه وتُوجِبُه (٢). الفائدةُ الثانية: للعبدِ سترٌ بينَه وبين اللهِ، وسِترٌ بينه وبين الناسِ، فمن هتكَ السترَ الذي بينه وبين اللهِ، هتكَ اللهُ السترَ الذي بينه وبين الناسِ. وللعبدِ ربٌّ هو ملاقيهِ، وبيتٌ هو ساكِنُهُ، فينبغي له أن يسترضيَ ربَّه قبل لقائِه، ويعمرَ بيته قبل انتقالِه إليه. الفائدةُ الثالثة: قالوا: أصولُ الخطايا كلُّها ثلاثةٌ: الكِبرُ، والحِرصُ، والحَسدُ. فالكِبرُ هو الذي أصارَ إبليسَ إلى ما أصارَهُ، والحرصُ هو الذي أخرجَ آدمَ من الجنةِ، والحسدُ هو الذي جرّأَ أحدَ ابنَي آدمَ على أخيهِ، فمن وُقِيَ شرَّ هذه الثلاثةِ فقد وقيَ الشرَّ، فالكفرُ من الكِبرِ، والمعاصي من الحِرصِ، والبغيُ والظلمُ من الحسدِ. الفائدة الرابعة: احذر يا عبدَ الله من هجرِ القرآنِ، وهجرُ القرآنِ أنواع: فمنها: هجرُ سماعِه والإيمانِ به والإصغاءِ إليه. الثاني: هجرُ العملِ به والوقوفِ عند حلالِه وحرامِه وإن قرأه وآمنَ به. الثالث: هجرُ تحكيمِه والتحاكمِ إليه في أصولِ الدينِ وفروعهِ. الرابع: هجرُ تدبُّرهِ وتفهُّمِه ومعرفةِ ما أرادَ المتكلمُ به منه. الخامس: هجرُ الاستشفاءِ والتداوي به في جميعِ أمراضِ القلوبِ ودوائها، فيطلبُ شفاءَ دائه من غيره ويهجرُ التداوي به، وكلُّ هذه الأنواع من الهجرِ داخلةٌ

стр. 2171

في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ (١). الفائدةُ الخامسة: من قواطعِ سيرِ المرءِ عن الآخرةِ تعلُّقُه بالمألوفِ من ملاذِّ الدُّنيا، وقد يخيلُ الشيطانُ للإنسانِ بصعوبةِ تركِ المألوفِ، وإنما يجدُ المشقةَ في تركِ المألوفاتِ والعوائدِ من تركها لغيرِ اللهِ، أما مَنْ تركَها صادقًا مخلصًا في قلبهِ لله، فإنه لا يجدُ في تركِها مشقةً إلا في أوّلِ وهلةٍ ليُمتَحنَ أصادقٌ هو في تركِها أم كاذبٌ، فإنْ صبرَ على تلك المشقةِ قليلًا استحالتْ لذةً. وهذه الفائدةُ تشجعُ المبتَلينَ على تركِ ما ابتُلوا من أمورٍ محرَّمةٍ. الفائدةُ السادسة: قال بعضُ الزُّهادِ: ما علمتُ أن أحدًا سمعَ بالجنةِ والنارِ، تأتي عليه ساعةٌ لا يطيعُ اللهَ فيها بذكرٍ أو صلاةٍ أو قراءةٍ، أو إحسانٍ، فقالَ له الرجلُ: إنِي أُكثرُ البكاءَ، فقال: إنك إن تضحكْ وأنت مُقرٌّ بخطيئتكَ، خيرٌ من أن تبكي وأنت مُدِلٌّ على الله بعملِكَ .. ثم قال الرجلُ للزاهد: أوصني، فقال: دَعِ الدُّنيا لأهلِها كما تركوا همُ الآخرةَ لأهلِهَا، وكن في الدُّنيا كالنحلةِ؛ إنْ أكلتْ أكلت طيبًا، وإن أطعمتْ أطعمتْ طيبًا، وإنْ سقطتْ على شيءٍ لم تكسِرْهُ ولم تخدِشْهُ. الفائدةُ السابعة: في ظلال قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢). ففي هذه الآية عِدّةُ أسرارٍ وحِكمٍ ومصالحَ للعبدِ؛ فإن العبدَ إذا علمَ أن المكروهَ قد يأتي بالمحبوبِ، والمحبوبُ قد يأتي بالمكروهِ، لم يأمن أن توافيه المضرةُ من جانب المَسرّةِ، ولم ييأس أن تأتَيه المسرةُ من جانب المضرَّةِ، لعدم

стр. 2172

علمِه بالعواقبِ، فإنَّ اللهَ يعلمُ منها ما لا يعلمُهُ العبدُ .. ومن هنا فعلى العبدِ أن يطمئنّ لقضاءِ الله وقَدرِه، وأن لا يقلقَ لمكروهٍ ينزلُ به - فقد يكون فيه الخيرُ - وألا يُنسيه الفرحُ بالنعمةِ تحصلُ له ما قد تجرُّه عليه من ويلاتٍ ومكارهَ. الفائدةُ الثامنة: بم تفكِّر بين هَمّ الدنيا والآخرة؟ قال العارفون: فرِّغْ خاطرَكَ للهمِّ بما أُمرتَ به، ولا تُشغله بما ضُمنَ لك، فإن الرزقَ والأجل قرينان مضمونان، فما دامَ الأجلُ باقيًا، كان الرزقُ آتيًا، وإذا سَدّ عليكَ بحكمتهِ طريقًا من طرقه، فتحَ لك برحمتِه طريقًا أنفع لك منه، فتأمل حالَ الجنينِ يأتيه غذاؤه وهو الدمُ من طريقٍ واحدةٍ وهو السُّرة، فلما خرجَ من بطنِ الأُم وانقطعتْ تلك الطريقُ، فتح له طريقينِ اثنين، وأجرى له فيهما رزقًا أطيبَ وألذّ من الأولِ لبنًا خالصًا سائغًا، فإذا تمّت مدةُ الرَّضاع وانقطعتِ الطريقانِ بالفطامِ، فتحَ له طُرقًا أربعةً أكمل منها: طعامان وشرابان؛ فالطعامان من الحيوانِ والنبات، والشرابانِ من المياهِ والألبان، وما يُضاف إليهما من المنافعِ والملاذِّ، فإذا ماتَ انقطعت عنه هذه الأربعةُ الطرقُ، لكنه سبحانه يفتح له - إن كان سعيدًا - طرقًا ثمانيةً، وهي أبوابُ الجنةِ الثمانيةِ، يدخلُ من أَيِّها شاءَ، فهكذا الربُّ لا يمنع عبدَه المؤمنَ شيئًا من الدُّنيا إلا ويؤتيهِ أفضلَ منه وأنفعَ له (١). الفائدةُ التاسعة: أنواعُ الدراهم وأفضلُ الكسب، وما نوعُ درهمكَ قالوا: الدراهمُ أربعةٌ: درهمٌ اكتُسبَ بطاعةِ الله، وأُخرجَ في حقِّ الله، فذاكَ خيرُ الدراهم، ودرهمٌ اكتُسبَ بمعصيةِ الله وأُخرجَ في معصيةِ الله، فذاكَ شرُّ الدراهمِ، ودرهمٌ اكتُسبَ بأذى مسلمٍ، وأُخرجَ في أذى مسلمٍ فهو كذلك، ودرهمٌ اكتُسبَ بمُباحٍ وأُنفقَ في شهوةٍ مباحةٍ، فذاكَ لا له ولا عليه.

стр. 2173

الفائدةُ العاشرة: ذكرى وتحذير .. كم يُفرِّطُ بعضُ المسلمينَ في الصلاة وهي عمادُ الدِّين، وكم يؤدِّيها أناسٌ على غير هَدي المرسلين فينقرونها نقرَ الغُراب، أو يسهونَ عنها في أوقاتها، والله تعالى توعّدَ وقال: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ (١). إن المحافظة على الصلاة علامةُ الوارثين للفردوسِ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٢). والويلُ لمن أضاعها وأولئكَ لهم الغيُّ: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ (٣). كم تشهدُ الفُرشُ على المتأخرينَ عن الصلواتِ المفروضةِ، وكم تئنُّ المساجدُ على المنشغلينَ عن عمارتها بعمارةِ القصورِ والضيعاتِ الدنيوية الفانية. قرأ عمرُ بن عبد العزيز ﵀ هذه الآية: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾. ثم قال: لم تكن إضاعتُهم تركَها، ولكن أضاعوا الوقتَ (٤). وقال الحسنُ البصري: عطَّلوا المساجدَ ولزموا الضيعاتِ (٥). إن العزاء يُقدَّم لمن فاتَتْهُ صلاةٌ مفروضة، فكيف بمن فاتته صلواتٌ، وفي صحيح السنة: «الذي تفوتُه صلاةُ العصرِ كأنما وُتِرَ أهلَه ومالَه» (٦). والمعنى: نقص أهلُه ومالُه (٧). وإذا كان العزاءُ يقدمُ لمن فقدَ شيئًا من ولده .. فكيف بمن نُقِصَ في أهلِه

стр. 2174

وولدِه؟ إن هذه الصلواتِ الخمسَ لا يحافظُ عليهنَّ إلا مؤمنٌ يرجو ثوابَ اللهِ ويخافُ عقابَه - فهي ليست ليومٍ أو يومين أو سنةٍ أو سنتين .. بل في كلِّ يومٍ خمسُ مراتٍ مفروضة عدا السننِ والرواتبِ المشروعةِ - ولذا يضيقُ المنافقونَ بالصلاةِ ولو أدوها كسالى يُراءون الناس - والامتحانُ الكاشفُ للمصلينَ صلاةُ الفجرِ وصلاةُ العشاءِ؛ فهنّ أثقلُ صلاتين على المنافقين، ولو يعلمونَ ما فيهما من الأجرِ لأتوهما ولو حَبْوًا .. ألا فجدِّدوا إيمانَكُم وأقيموا الصلاةَ بأوقاتِهَا وواجباتِهَا وسُننها، تكونوا من المفلحين، وإياكم وتلاعبَ الشيطان ووسوستَه، وجاهدوا أنفسكم على الخشوع في الصلاة فالله يقول: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ (١). أيها المؤمنون: إننا نخطئُ بالليلِ والنهارِ، ومن رحمةِ الله بنا فرضَ الصلاةَ علينا، فهن كفاراتٌ .. وهنَّ أشبه بنهرٍ جارٍ يغتسلُ منه المصلونَ كلَّ يوم خمسَ مراتٍ، فهل يبقى على أولئك من دَرَنٍ .. إنه فضلُ الله يؤتيه من يشاء، ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسِه.

стр. 2175

الخطبة الثانية: الحمدُ للهِ حمدًا كثيرًا طيبًا طاهرًا مباركًا فيه، كما يُحبُّ ربُّنا ويرضى، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وَسعَ كلَّ شيءٍ رحمةً وعلمًا، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، كان بالمؤمنين رءوفًا رحيمًا .. اللهمَّ صلِّ وسلِّم عليه وعلى سائرِ النبيينَ. إخوةَ الإسلام: وثمةَ فائدةٌ، بل عِدَةُ فوائدَ تتعلقُ بحياةِ رجلٍ مجاهد، وصحابيٌّ فاضلٌ، كان في طليعةِ قومه، بل سيدٌ مطاعٌ فيهم، كان له في الجهادِ حظوةٌ .. وفي الشهادةِ مفخرة .. هو من أهلِ بدرٍ، وكفى بأهلِ بدرٍ فخرًا أن يقال لهم: «اعملُوا ما شِئتُم فقد غفرتُ لكم». اهتزّ لموتِه عرشُ الرَّحمن .. ويقال: إن ملائكةَ الرحمنِ شاركت في حملِ جنازته. إنه سعدُ بنُ معاذٍ الأوسيُّ الأشهليُّ، كان له مع قريشٍ موقفٌ، ومع اليهودِ موقفٌ، ومع المنافقينَ موقفٌ، وقبل هذا وذاكَ كان له مع قومِه موقفٌ مشرفٌ .. وبه نبدأُ؛ لأن سعدًا بهم بدأ بالدعوةِ .. وتأملوا في آثارِ الدعوةِ .. أخرج ابن إسحاق في «السيرة» قال: لما أسلمَ سعدٌ وقفَ على قومه فقال: يا بني عبدِ الأشهلِ، كيف تعلمونَ أمري فيكم؟ قالوا: سيدُنا فضلًا وأيمنُنا نقيةً، قال: فإن كلامَكُم عليَّ حرامٌ، رجالُكم ونساؤكم حتى تؤمنوا باللهِ ورسولِه، قال: فوالله ما بقيَ في دار بني عبدِ الأشهل رجلٌ ولا امرأةٌ إلا وأسلموا (١). أما قريشٌ فقد بلغها إسلامُ سعدٍ عن طريقِ هاتفٍ يهتفُ على أبي قبيسٍ ويقول: فإنْ يُسلمِ السعدانِ يصبحْ محمدٌ بمكةَ لا يخشى خلافَ المُخالفِ فقال أبو سفيانَ: من السعدانِ؟ سعدُ بكرٍ، سعدُ تميمٍ؟
следующие страницы →