في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ (١).
الفائدةُ الخامسة: من قواطعِ سيرِ المرءِ عن الآخرةِ تعلُّقُه بالمألوفِ من ملاذِّ الدُّنيا، وقد يخيلُ الشيطانُ للإنسانِ بصعوبةِ تركِ المألوفِ، وإنما يجدُ المشقةَ في تركِ المألوفاتِ والعوائدِ من تركها لغيرِ اللهِ، أما مَنْ تركَها صادقًا مخلصًا في قلبهِ لله، فإنه لا يجدُ في تركِها مشقةً إلا في أوّلِ وهلةٍ ليُمتَحنَ أصادقٌ هو في تركِها أم كاذبٌ، فإنْ صبرَ على تلك المشقةِ قليلًا استحالتْ لذةً.
وهذه الفائدةُ تشجعُ المبتَلينَ على تركِ ما ابتُلوا من أمورٍ محرَّمةٍ.
الفائدةُ السادسة: قال بعضُ الزُّهادِ: ما علمتُ أن أحدًا سمعَ بالجنةِ والنارِ، تأتي عليه ساعةٌ لا يطيعُ اللهَ فيها بذكرٍ أو صلاةٍ أو قراءةٍ، أو إحسانٍ، فقالَ له الرجلُ: إنِي أُكثرُ البكاءَ، فقال: إنك إن تضحكْ وأنت مُقرٌّ بخطيئتكَ، خيرٌ من أن تبكي وأنت مُدِلٌّ على الله بعملِكَ .. ثم قال الرجلُ للزاهد: أوصني، فقال: دَعِ الدُّنيا لأهلِها كما تركوا همُ الآخرةَ لأهلِهَا، وكن في الدُّنيا كالنحلةِ؛ إنْ أكلتْ أكلت طيبًا، وإن أطعمتْ أطعمتْ طيبًا، وإنْ سقطتْ على شيءٍ لم تكسِرْهُ ولم تخدِشْهُ.
الفائدةُ السابعة: في ظلال قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢).
ففي هذه الآية عِدّةُ أسرارٍ وحِكمٍ ومصالحَ للعبدِ؛ فإن العبدَ إذا علمَ أن المكروهَ قد يأتي بالمحبوبِ، والمحبوبُ قد يأتي بالمكروهِ، لم يأمن أن توافيه المضرةُ من جانب المَسرّةِ، ولم ييأس أن تأتَيه المسرةُ من جانب المضرَّةِ، لعدم
стр. 2172
علمِه بالعواقبِ، فإنَّ اللهَ يعلمُ منها ما لا يعلمُهُ العبدُ .. ومن هنا فعلى العبدِ أن يطمئنّ لقضاءِ الله وقَدرِه، وأن لا يقلقَ لمكروهٍ ينزلُ به - فقد يكون فيه الخيرُ - وألا يُنسيه الفرحُ بالنعمةِ تحصلُ له ما قد تجرُّه عليه من ويلاتٍ ومكارهَ.
الفائدةُ الثامنة: بم تفكِّر بين هَمّ الدنيا والآخرة؟ قال العارفون: فرِّغْ خاطرَكَ للهمِّ بما أُمرتَ به، ولا تُشغله بما ضُمنَ لك، فإن الرزقَ والأجل قرينان مضمونان، فما دامَ الأجلُ باقيًا، كان الرزقُ آتيًا، وإذا سَدّ عليكَ بحكمتهِ طريقًا من طرقه، فتحَ لك برحمتِه طريقًا أنفع لك منه، فتأمل حالَ الجنينِ يأتيه غذاؤه وهو الدمُ من طريقٍ واحدةٍ وهو السُّرة، فلما خرجَ من بطنِ الأُم وانقطعتْ تلك الطريقُ، فتح له طريقينِ اثنين، وأجرى له فيهما رزقًا أطيبَ وألذّ من الأولِ لبنًا خالصًا سائغًا، فإذا تمّت مدةُ الرَّضاع وانقطعتِ الطريقانِ بالفطامِ، فتحَ له طُرقًا أربعةً أكمل منها: طعامان وشرابان؛ فالطعامان من الحيوانِ والنبات، والشرابانِ من المياهِ والألبان، وما يُضاف إليهما من المنافعِ والملاذِّ، فإذا ماتَ انقطعت عنه هذه الأربعةُ الطرقُ، لكنه سبحانه يفتح له - إن كان سعيدًا - طرقًا ثمانيةً، وهي أبوابُ الجنةِ الثمانيةِ، يدخلُ من أَيِّها شاءَ، فهكذا الربُّ لا يمنع عبدَه المؤمنَ شيئًا من الدُّنيا إلا ويؤتيهِ أفضلَ منه وأنفعَ له (١).
الفائدةُ التاسعة: أنواعُ الدراهم وأفضلُ الكسب، وما نوعُ درهمكَ قالوا: الدراهمُ أربعةٌ: درهمٌ اكتُسبَ بطاعةِ الله، وأُخرجَ في حقِّ الله، فذاكَ خيرُ الدراهم، ودرهمٌ اكتُسبَ بمعصيةِ الله وأُخرجَ في معصيةِ الله، فذاكَ شرُّ الدراهمِ، ودرهمٌ اكتُسبَ بأذى مسلمٍ، وأُخرجَ في أذى مسلمٍ فهو كذلك، ودرهمٌ اكتُسبَ بمُباحٍ وأُنفقَ في شهوةٍ مباحةٍ، فذاكَ لا له ولا عليه.
стр. 2173
الفائدةُ العاشرة: ذكرى وتحذير .. كم يُفرِّطُ بعضُ المسلمينَ في الصلاة وهي عمادُ الدِّين، وكم يؤدِّيها أناسٌ على غير هَدي المرسلين فينقرونها نقرَ الغُراب، أو يسهونَ عنها في أوقاتها، والله تعالى توعّدَ وقال: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ (١).
إن المحافظة على الصلاة علامةُ الوارثين للفردوسِ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٢). والويلُ لمن أضاعها وأولئكَ لهم الغيُّ: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ (٣).
كم تشهدُ الفُرشُ على المتأخرينَ عن الصلواتِ المفروضةِ، وكم تئنُّ المساجدُ على المنشغلينَ عن عمارتها بعمارةِ القصورِ والضيعاتِ الدنيوية الفانية.
قرأ عمرُ بن عبد العزيز ﵀ هذه الآية: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾. ثم قال: لم تكن إضاعتُهم تركَها، ولكن أضاعوا الوقتَ (٤).
وقال الحسنُ البصري: عطَّلوا المساجدَ ولزموا الضيعاتِ (٥).
إن العزاء يُقدَّم لمن فاتَتْهُ صلاةٌ مفروضة، فكيف بمن فاتته صلواتٌ، وفي صحيح السنة: «الذي تفوتُه صلاةُ العصرِ كأنما وُتِرَ أهلَه ومالَه» (٦). والمعنى: نقص أهلُه ومالُه (٧).
وإذا كان العزاءُ يقدمُ لمن فقدَ شيئًا من ولده .. فكيف بمن نُقِصَ في أهلِه
стр. 2174
وولدِه؟ إن هذه الصلواتِ الخمسَ لا يحافظُ عليهنَّ إلا مؤمنٌ يرجو ثوابَ اللهِ ويخافُ عقابَه - فهي ليست ليومٍ أو يومين أو سنةٍ أو سنتين .. بل في كلِّ يومٍ خمسُ مراتٍ مفروضة عدا السننِ والرواتبِ المشروعةِ - ولذا يضيقُ المنافقونَ بالصلاةِ ولو أدوها كسالى يُراءون الناس - والامتحانُ الكاشفُ للمصلينَ صلاةُ الفجرِ وصلاةُ العشاءِ؛ فهنّ أثقلُ صلاتين على المنافقين، ولو يعلمونَ ما فيهما من الأجرِ لأتوهما ولو حَبْوًا .. ألا فجدِّدوا إيمانَكُم وأقيموا الصلاةَ بأوقاتِهَا وواجباتِهَا وسُننها، تكونوا من المفلحين، وإياكم وتلاعبَ الشيطان ووسوستَه، وجاهدوا أنفسكم على الخشوع في الصلاة فالله يقول: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ (١).
أيها المؤمنون: إننا نخطئُ بالليلِ والنهارِ، ومن رحمةِ الله بنا فرضَ الصلاةَ علينا، فهن كفاراتٌ .. وهنَّ أشبه بنهرٍ جارٍ يغتسلُ منه المصلونَ كلَّ يوم خمسَ مراتٍ، فهل يبقى على أولئك من دَرَنٍ .. إنه فضلُ الله يؤتيه من يشاء، ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسِه.
стр. 2175
الخطبة الثانية:
الحمدُ للهِ حمدًا كثيرًا طيبًا طاهرًا مباركًا فيه، كما يُحبُّ ربُّنا ويرضى، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وَسعَ كلَّ شيءٍ رحمةً وعلمًا، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، كان بالمؤمنين رءوفًا رحيمًا .. اللهمَّ صلِّ وسلِّم عليه وعلى سائرِ النبيينَ.
إخوةَ الإسلام: وثمةَ فائدةٌ، بل عِدَةُ فوائدَ تتعلقُ بحياةِ رجلٍ مجاهد، وصحابيٌّ فاضلٌ، كان في طليعةِ قومه، بل سيدٌ مطاعٌ فيهم، كان له في الجهادِ حظوةٌ .. وفي الشهادةِ مفخرة .. هو من أهلِ بدرٍ، وكفى بأهلِ بدرٍ فخرًا أن يقال لهم: «اعملُوا ما شِئتُم فقد غفرتُ لكم». اهتزّ لموتِه عرشُ الرَّحمن .. ويقال: إن ملائكةَ الرحمنِ شاركت في حملِ جنازته.
إنه سعدُ بنُ معاذٍ الأوسيُّ الأشهليُّ، كان له مع قريشٍ موقفٌ، ومع اليهودِ موقفٌ، ومع المنافقينَ موقفٌ، وقبل هذا وذاكَ كان له مع قومِه موقفٌ مشرفٌ .. وبه نبدأُ؛ لأن سعدًا بهم بدأ بالدعوةِ .. وتأملوا في آثارِ الدعوةِ .. أخرج ابن إسحاق في «السيرة» قال: لما أسلمَ سعدٌ وقفَ على قومه فقال: يا بني عبدِ الأشهلِ، كيف تعلمونَ أمري فيكم؟ قالوا: سيدُنا فضلًا وأيمنُنا نقيةً، قال: فإن كلامَكُم عليَّ حرامٌ، رجالُكم ونساؤكم حتى تؤمنوا باللهِ ورسولِه، قال: فوالله ما بقيَ في دار بني عبدِ الأشهل رجلٌ ولا امرأةٌ إلا وأسلموا (١). أما قريشٌ فقد بلغها إسلامُ سعدٍ عن طريقِ هاتفٍ يهتفُ على أبي قبيسٍ ويقول:
فإنْ يُسلمِ السعدانِ يصبحْ محمدٌ بمكةَ لا يخشى خلافَ المُخالفِ
فقال أبو سفيانَ: من السعدانِ؟ سعدُ بكرٍ، سعدُ تميمٍ؟
стр. 2176
فسمعوا في الليل الهاتفَ يقول:
أيا سعدُ سعدُ الأوس كنْ أنتَ ناصرًا ... ويا سعدُ الخزرجينِ الغَطارفِ
أجيبا إلى داعي الهُدى وتمنَّيا ... على اللهِ في الفردوسِ مُنيةَ عارفِ
فإنَّ ثوابَ اللهِ للطالبِ الهدى جنانٌ ... منَ الفردوسِ ذاتُ رَفارفِ
لقد تأثرت قريشٌ لإسلامِ سعد .. ففضلًا عن صداقتِه مع بعض زعمائهم قبلَ الإسلام .. كان السيدَ المطاعَ في قومِه .. وبإسلامه دخل في الإسلامِ معظمُهم .. وظلت قريشٌ تُكِنّ له العداوةَ منذ أسلم - وظلّ بعضُ رجالاتها يتحيَّنونَ الفرصةَ للقضاءِ عليه، حتى إذا كانت غزوةُ الأحزابِ رماه (حِبّانُ بنُ العَرقةِ) بسهم في أَكحَلِه - وهو يقول: خذها مني وأنا ابنُ العَرقةِ، فردّ عليه سعدٌ، عَرّقَ اللهُ وجهَكَ في النارِ ثم قال: اللهم إن كنتَ أبقيتَ من حربِ قريشٍ شيئًا فأبقني لها، فإنه لا قومَ أحبّ إليّ من أن أجاهدَهُم فيكَ من قومٍ آذوا نبيَّكَ وكذَّبوه وأخرجوه، اللهم إن كنتَ وضعتَ الحربَ بيننا وبينهم فاجعَلْها لي شهادةً، ولا تُمِتني حتى تقرَّ عيني من بني قريظةَ (١).
ولقد استجابَ اللهُ دعوةَ سعدٍ .. فما قدمتْ قريشٌ إلى المدينةِ بعد الأحزاب .. واندملَ جُرحُه حتى مكَّنه اللهُ من رؤيةِ ما قرَّتْ به عينُه لبني قريظةَ، ثم انفجر الجرحُ ونزفَ الدمُ، وكانت الشهادة لسعدٍ بعد حكمِه في بني قريظةَ - فما هو موقفُه من اليهودِ؟
أخرج البخاريُّ ومسلمٌ وأحمدُ وابنُ سعدٍ عن عبدِ الرحمنِ بنِ سعدِ بنِ معاذ أن بني قريظةَ - حين نقضوا العهدَ وحاصرَهم رسولُ اللهِ ﷺ نزلوا على حكمِ
стр. 2177
رسولِ الله ﷺ ، فأرسلَ إلى سعدٍ فجيءَ به محمولًا على حمارٍ وهو مُضنًى من جُرحِهِ، فقال له: «أشِرْ عليَّ في هؤلاءِ». قال سعدٌ: إني أعلمُ أن الله قد أمركَ فيهم بأمرٍ أنتَ فاعِلْهُ، قال: أجلْ، ولكن أشِرْ، قال: لو وُليتُ أمرَهم لقتلتُ مقاتِلتَهُم، وسبيتُ ذراريَّهم. فقال ﷺ : «والذي نفسي بيدِه، لقد أشرتَ عليَّ فيهم بالذي أمرَني اللهُ به» (١).
لقد كان سعدٌ ﵁ من أعرف الناس باليهودِ .. وإن قومًا نكثوا عهدَهم في أحلكِ الظروفِ، ومع خيرِ البرية لا ينفعُ فيهم إلا حزُّ الرءوسِ، وقد كان حكمُ سعدٍ ﵁ موافقًا لحكمِ الله من فوقِ سبعِ سماوات - وهذا الذي أقرَّه النبيُّ ﷺ ونفَّذه.
وما أحوجَ الأمةَ اليومَ إلى رجلٍ، بل رجالٍ أمثالَ سعدٍ يتعاملونَ مع اليهودِ بما يستحقون.
أيها المسلمونَ: وهذا السيدُ المجاهدُ البدري - لم يسلم من أذى المنافقينَ ولَمْزِهم - فلقد كان سعدٌ ﵁ رجلًا طوالًا بدينًا - وحين ماتَ واحتملوا جنازتَه وجدوا لها خِفة عجيبةً، فقال المنافقون: والله إن كان لبادنًا وما حملنا أخفَّ منه.
وفي الرواية الأخرى وهي أصحّ إسنادًا: فقال القومُ: ما حملنا يا رسولَ الله ميتًا أخفّ علينا منه، قال: «ما يمنعُه أن يخفَّ وقد هبطَ من الملائكةِ كذا وكذا لم يهبطوا قطُّ قبلَ يومِهم قد حملُوه معكم» (٢).
أيها المؤمنونَ: وسعدٌ ﵁ هو الذي اهتزَّ عرشُ الرحمنِ لموتِه، كما أخبرَ
стр. 2178
بذلك الصادقُ المصدوقُ ﷺ (١).
ومع هذا الجهادِ والشهادةِ والمناقبِ العظمى .. لم يَسلمْ سعدٌ ﵁ من ضمَّة القبر .. تلكَ التي لا ينجو منها أحد، قال جابر ﵁: جلس النبيُّ ﷺ على قبر سعدٍ وهو يُدفنُ فقال: «سبحانَ الله! » مرتين، فسبحَ القومُ، ثم قال: «اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ» فكبَّروا، ثم قال: «عجبتُ لهذا العبدِ الصالحِ شُدِّدَ عليه في قبرِه حتى كان هذا حينَ فُرِّجَ عنه» (٢).
ما أعظمَ الهوَل يا عبدَ الله: وإذا لم يَسلمْ سعدٌ من أهوالِ القيامةِ وهوَ بعدُ في أوّلِ منازلها .. فكيف الحالُ بعَرَصاتِ القيامة .. وكيف الحالُ بمن هم دون سعدٍ بمراحلَ، رُحماكَ ربي ما أشدَّ الهولَ! وأعظمَ المطَّلعَ! حتى تبيضَّ مفارقُ الولدان، وتضعُ الحواملُ حملَها وترى الناسَ سكارى وما هم بسكارى، ألا فاتخذوا عبادَ الله لهذا اليومِ أُهبته؛ فهناكَ يفرُّ المرءُ من أخيهِ وأمِّه وأبيه، وصاحبتِه وبنيه، لكل امرئٍ منهم يومئذٍ شأنٌ يُغنيه.
رضيَ اللهُ عنكَ يا سعد وحشرنا معك، وأعاننا على ما أعانك عليه.
стр. 2179
من معاني الحج، وتعميم منع المرأة من العملِ مع الرجال (١)
الخطبة الأولى:
الحمدُ لله ربِّ العالمين، مَنَّ على عبادِه بمواسمِ الخيراتِ ما يرفعُ لهم به الدرجاتِ، ويكفرُ عنهم السيئاتِ، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، قضى بقصرِ هذه الحياةِ الدنيا وجعلها متاعًا للغَرور، وحكمَ بأن الآخرةَ هي الحيوانُ لو كانوا يعلمون، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه وخيرتُه من خلقِه، قضى حياتَه جهادًا وعبوديةً ودعوةً حتى أتاه اليقينُ، اللهمّ صلِّ وسلِّم عليه وعلى سائرِ الأنبياءِ والمرسَلين، وارضَ اللهم عن أصحابهِ أجمعين، والتابعينَ ومَن تبعَهُم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (٢).
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٣).
عبادَ الله: خصّ اللهُ أقوامًا بفضله فهم دائمونَ على طاعتِه، مستثمرونَ لفرصِ الخيرِ، مسارعونَ إلى مغفرتِه، وأولئك ينتقلون من طاعةٍ إلى أخرى وما أن ينتهي موسمٌ للطاعةِ إلا ويستقبلونَ بالعزيمةِ والبشرى موسمًا آخر .. وهكذا تَعظمُ
стр. 2180
أرصدتُهم للآخرةِ، وتُبنى لهم القصورُ والغُرفاتُ وتُزيَّنُ لهم الجنانُ الباقياتُ وهم بعدُ في الدنيا.
وبإزاءِ هؤلاءِ صنفٌ يأكلونَ ويشربونَ ويتمتعونَ في الدنيا وكأنّها نهايةُ المطاف .. فلا هِمّةَ لهم في المسارعةِ، ولا شعورَ عندَهم بفرصِ الطاعة، شَغَلَهم التنافسُ في الدنيا عن التنافسِ في الآخرة، وحجبتهم المعاصي عن أنوارِ الإيمان، أولئكَ تبدأُ المواسمُ وتنتهي وكأنها لا تعنيهم، وإن مارسوها أحيانًا فمِن بابِ تقليدِ الآخرينَ أو مجاملتِهم.
إنها القلوبُ الغافلةُ .. والأرواحُ المُصابةُ، والهممُ الدنيّةُ، ها نحن في أحدِ أشهرِ الحجِّ كم تثيرُ فينا ذكرياتُ الحجِّ من معانٍ وأحاسيسَ .. وهناك تُسكبُ العبراتُ ويتوجَّه المذنبونَ إلى الغفّار، فلا يَدَع للأوابينَ المخلصينَ من ذنبٍ إلا غفرَه - ويعودُ الحاجّ بالحجّ المبرورِ، وكأنّما ولدَتْهُ أُمّه .. بل ويعودُ الحاجُّ الموفقُ بالحجّ المبرورِ وليس له جزاءٌ إلا الجنةُ، كم تتطلعُ النفوسُ المذنبةُ إلى المغفرة، وكم هو عظيمٌ الجزاءُ حين يكون الجنةَ، أين الشاردون؟ أين السادرون؟ أين المسرفون؟ بل وأين المؤمنونَ من فضلِ اللهِ ورحمتهِ؟
إن طوفانَ الحياةِ الماديةِ يكادُ يُغرقُنَا .. أفلا ننجو من الغرقِ وسفينةُ الحجّ تنتظرنا؟ وإن رائحةَ الذنوبِ والمعاصي تكادُ لهولِها تزكُمُ أُنوفَنَا - أفلا نتطهّرُ منها ونتزينُ ونتعطرُ بلباسِ التقوى، وثيابِ الإحرامِ، فهي داعيةٌ للتجردِ والعبوديةِ، وهي وسيلةٌ للتطهيرِ والتقوى!
أيها المسلمونَ: تأملوا سورةَ الحجِّ وكيف بدايتُها؟
إنها تبدأُ بالدعوةِ لتقوى اللهِ، وتُذكّرُ بالبعثِ وزلزلةِ الساعة، وهذه البدايةُ مُشعرةٌ بأنّ الحجّ رحلةٌ إلى اللهِ، ففيه خروجٌ عن الأهلِ والولدِ والوطنِ، وفيه تجردٌ من المَخيط، ووقوفٌ ومشهدٌ عظيمٌ يتجردُ فيه المسلمُ عن دنياهُ وجاهِهِ وكلِّ
стр. 2181
اعتباراتهِ؛ ليتساوى في مناسكِ الحجّ ومواقفهِ الشريفُ والوَضيعُ، والغنيُّ والفقيرُ، والأميرُ والمأمورُ، والذكرُ والأنثى .. لا فرقَ إلا بالتقوى .. وكذلك يكونُ الموقفُ في عَرَصاتِ القيامةِ للحسابِ .. وكذلك كان يَفهم السلفُ الصالحُ حقيقةَ الحجِّ ومعناه، ويتذكرونَ به مشاهدَ القيامةِ وموازينَها وقيمَها .. وبمعاني الإيمانِ والتقوى يتفاضلُ الناسُ ..
وسأسوقُ لكم نموذجًا من إيمانيات الحُجاج، كشفَها الفاروقُ عمرُ في خلافِته، وكشف معها نبوءةً للنبيِّ ﷺ حين أخبر عن سيدِ التابعين.
وتأملوا في رجلٍ أثنى عليه النبيُّ ﷺ ولم يرَه، وطلب ممَّن أدركه أن يطلبَ الاستغفارَ والدعاءَ منه، وإن كان هذا الرجلُ خاملَ الذِّكر .. مُقتَصِدَ المَلبس، حقيرًا في أعينِ أهلِ الدُّنيا، أجل لقد حجَّ عُمر ﵁ بالناسِ سنةَ ثلاثٍ وعشرين - قبيلَ استشهادِه بأيام، وكان شغلُه البحثَ عن سيدِ التابعين أويسٍ القَرَنيِّ، ذاك الرجلُ الذي صعدَ عمرُ لأجله جَبلَ أبي قبيسٍ وأطلّ على الحجيج ونادى بأعلى صوتهِ: يا أهلَ الحجيجِ من أهلِ اليمنِ، أفيكم أويسٌ من مُراد؟ فقام شيخٌ طويلُ اللحيةِ من قَرَنٍ، فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنك قد أكثرتَ السؤالَ عن أويسٍ هذا، وما فينا أحدٌ اسمُه أويسٌ إلا ابنُ أخٍ لي يُقالُ له أويسٌ، وأنا عمُّه وهو حقيرٌ في أظهرِنا، خاملُ الذِّكرِ، وأقلُّ مالًا، وأوهنُ أمرًا من أن يُرفعَ إليك ذِكْرُه، فسكتَ عمرُ - كأنه لا يريده - ثم قال: يا شيخُ، وأينَ ابنُ أخيكَ هذا الذي تزعمُ؟ أهو معنا في الحَرَم؟ قال الشيخ: نعم يا أميرَ المؤمنينَ، هو في الحرم غيرَ أنه في أراكِ عَرفةَ يرعى إبلًا لنا، فركبَ عمرُ وعليّ بنُ أبي طالبٍ ﵄، وأسرَعا إلى أراكِ عَرفةَ، ثم جعلا يتخللانِ الشجرَ، ويطلبانِ أُويسًا، فإذا هما به في طِمرينِ من صوفٍ أبيضَ، قد صفّ قدمَيْهِ يصلي إلى الشجرة، وقد رمى ببصرِه إلى موضعِ سجودهِ، وألقى يديهِ على صدرِه، والإبلُ حولَه ترعى، قال
стр. 2182
عمرُ لعليٍّ: يا أبا الحسنِ، إن كان في الدنيا أويسٌ القرني فهذا هو، وهذه صفتُه، ثم نزلا عن حماريهما وأقبلا يُريدانِه، فلما سمعَ أويسٌ حِسَّهما أوجزَ في صلاتِه ثم تشهَّدَ وسلّم، وتقدَّما إليه وسلَّما ثم ردّ السلامَ عليهما، فقال له عمرُ: مَنِ الرجلُ؟ قال: راعي إبلٍ وأجيرٌ للقوم، قال عمر: ليس عن الرعايةِ أَسألُكَ ولا عن الإجارةِ، إنما أسألُكَ عن اسمِك، فمَن أنتَ يرحمُكَ اللهُ؟ فقال: أنا عبدُ اللهِ وابنُ أَمَتِه،
فقالا: قد علمنا أن كلَّ من في السماواتِ والأرضِ عبيدُ اللهِ، وإنا لنقسمُ عليكَ ألا أخبرتَنا باسمِكَ الذي سمَّتكَ به أمُّك، قال: يا هذان، ما تريدانِ إليَّ؟ أنا أويسُ بنُ عبدِ الله، فقال عمر: اللهُ أكبر، أوضحْ لنا عن شِقّكَ الأيسرِ. قال: وما حاجتكُما إلى ذلك؟ فقالَ له عليٌّ ﵁: إن رسولَ الله ﷺ وصفَكَ لنا، وقد وجدنا الصفةَ كما أخبَرَنا، ونريد أن نعلمَ اللّمْعَةَ البيضَاءَ بمقدار الدِّينار أو الدِّرهمِ، فلما نظرَ عمرُ وعليٌّ إلى شِقِّه الأيسرِ، وبه اللمعةُ البيضاءُ ابتدرا أيهما يُقبّلُ قبلَ صاحِبِه، وقالا: يا أويسُ إن رسولَ الله ﷺ أمرَنا أن نقرئَكَ منه السلامَ، وأمرنا أن نسأَلكَ أن تستغفرَ لنا، فإن رأيتَ أن تستغفرَ لنا يرحمُكَ اللهُ، فقد خُبِّرنا بأنك سيدُ التابعين وأنكَ تشفعُ يومَ القيامةِ في عددِ ربيعةَ ومُضرَ، فَبَكى أويسٌ بكاءً شديدًا، ثم قال: عسى أن يكونَ ذلك غيري، قالا: بل أنتَ، فادعُ لنا، قال أويسٌ: ما أخصُّ باستغفاري نفسي ولا أحدًا من ولدِ آدمَ، ولكن في البرّ والبحرِ، للمؤمنينَ والمؤمناتِ، والمسلمينَ والمسلماتِ في ظُلمِ الليلِ وضياءِ النهارِ، ولكن من أنتما يرحمُكُما اللهُ، فإني قد خّبرتُكما وشهرتُ لكما أمري، ولم أحب أن يعلَمَ بمكاني أحدٌ من الناس؟ فقال عليٌّ: أما هذا فأميرُ المؤمنينَ عمرُ، وأما أنا فعليُّ بنُ أبي طالب، فوثبَ أويسٌ فرحًا مستبشِرًا فعانَقهُما وسلّم ورحَّبَ بهما وقال: جزاكم اللهُ عن هذه الأمةِ خيرًا، ودعا لهما، ثم قالَ عمر: مكانكَ رحمكَ اللهُ حتى أدخلَ مكةَ فآتيكَ بنفقةٍ من عطائي وفَضْلِ
стр. 2183
كسوةٍ من ثيابي، فإني أراكَ رثَّ الحال، وهذا المكانُ ميعادُ بيني وبينك غدًا، فقال أويسٌ: يا أميرَ المؤمنين لا ميعاد بيني وبينك ولا أعرفكَ بعدَ اليومِ ولا تعرفني، ما أصنعُ بالنفقة؟ وما أصنعُ بالكسوةِ؟ أما ترى عليّ إزارًا من صوفٍ
ورداءً من صوف، متى تراني أُخْلِقهُما .. ومعي أربعةُ دراهم أخذتُها من رعايتي متى تُراني آكلُها؟ يا أميرَ المؤمنين، إن بيني يديّ عقبةً لا يقطعها إلا كلُّ مُخفٍّ مهزولٍ، فأخفَّ يرحمُك اللهُ .. إن الدنيا غرّارةٌ غَدّارةٌ، زائلةٌ فانية، فمن أمسى وهمتُه فيها اليومَ مدّ عُنقَه إلى غدٍ، ومن مدّ عنقَه إلى غدٍ أعلقَ قلبَه بالجمعة، ومن أعلق قلبَه بالجمعة لم ييأس من الشهرِ، ويوشكُ أن يطلبَ السنةَ، وأجلُه أقربُ إليه من أملِه، ومن رفضَ هذه الدنيا أدركَ ما يريدُ غدًا من مجاورةِ الجبار، وجرت من تحتِ منازِله الثمارُ، فلما سمعَ عمرُ كلامَه ضربَ بدِرّتِهِ الأرضَ ثم نادى بأعلى صوتِه: ألا ليتَ عمرُ لم تلدْه أمُّه، ليتها عاقرًا لم تعالجْ حملَها، ألا من يأخُذُها بما فيها ولها.
ثم قال أويسٌ: يا أميرَ المؤمنينَ، خُذْ أنتَ هاهنا، حتى آخذَ أنا هاهنا، ومضى أويسٌ يسوقُ الإبلَ بين يديه، وعمرُ وعليٌّ ينظران إليه حتى غابَ فلم يَروه.
وهكذا إخوة الإيمان تكونُ المعاني والقِيمُ، ويوزنُ الرجالُ، ولمثلِ أولئكَ الرجالِ قال ﵊: «إن خيرَ التابعينَ رجلٌ يقالُ له أويسٌ، وله والدة وكان به بياضٌ، فمُروه فليستغفرْ لكم» (١).
أيّها المسلمونَ: ومن زلزلةِ الساعةِ وأهوالِ يومِ القيامة - إلى ذكر الجهادِ والقتال في سورة الحج؛ حيث تتوسطُ آياتُ الحجّ بينهما: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ
стр. 2184
بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (١). وذلكَ مُشعرٌ كذلك بالارتباطِ بين الحجّ والجهادِ .. فالحجّ نوعٌ من الجهاد، ولذا نقلَ الرسولُ ﷺ ذاك الرجلَ الذي اكتتبَ في إحدى الغزواتِ وله زوجة تريدُ الحجَّ، فقال ﷺ : «اذهب وحجَّ مع امرأتِكَ» (٢). فنقله من جهادٍ إلى جهاد.
وعن المرأةِ والحجّ قال ﵊: «عليكنّ جهادٌ لا قتالَ فيه: الحجُّ والعمرة» (٣). فهل يا ترى يتذكرُ المسلمونَ حين الحجِّ زلزلةَ الساعةِ ومواقف القيامةِ؟ وهل يستشعرون وهم يحجونَ معنًى من معاني الجهاد في سبيل الله؟
أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (٤).
стр. 2185
الخطبة الثانية:
الحمدُ لله ربِّ العالمين، ولا عدوانَ إلا على الظالمينَ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وليُّ الصالحينَ، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسوله سيدُ الأولينَ والآخرين.
أيّها المسلمونَ: وقعَ بيدي قرارٌ حكيم، وتعميمٌ كريم صادرٌ من أعلى سلطةٍ في الدولةِ ومُبلَّغٌ إلى كافةِ الجهاتِ الحكوميةِ والمؤسساتِ العامةِ للاعتمادِ والتقيُّدِ بموجبهِ .. هذا التَّعميمُ حَرِيٌّ بأن يُذكرَ ويشكرَ من أصدرَه .. ويُتابعَ من تباطأَ أو قصّرَ في تنفيذه، التعميمُ يَخصّ قضيةً مهمةً من قضايانا المعاصرةِ .. ويحسمُ جدلًا طالما ركضَ وأرجفَ مَن في قلوبهم مرضٌ - إنه يتعلقُ بالمرأةِ وحمايتِها من الاختلاطِ بالرجال ويقطعُ دابرَ الدعوةِ للزجِّ بها وظيفيًّا في أيِّ مكان، ويؤكِّد على أن يكون عملُ المرأةِ في الأعمالِ التي تُناسبُ طبيعَتها، ولا يخدشُ حياءَها أو يهدرُ كرامَتها أو ينالُ من أخلاقِها.
التعميمُ الجديدُ تاريخه في ٥/ ١٠/ ١٤٢١ هـ، ولكنه معطوفٌ على تعميمٍ سابقٍ مؤرَّخ في ١٦/ ٥/ ١٤٠٣ هـ. وعلى قرارٍ صادرٍ لهيئةِ كبارِ العلماءِ بتاريخ ٢٠/ ٨/ ١٤١٢ هـ.
ومن حقّ من اطلّعَ على هذا التعميمِ الحديثِ القديمِ أن يتساءل:
- هل من حقّ أحدٍ أن يقترحَ أو يطرحَ ما يخالفُ ما نصّ عليه التعميمُ بشأنِ عملِ المرأةِ ومنعِها من أيِّ عملٍ تختلطُ فيه بالرجال، سواءً في الإداراتِ الحكوميةِ أو غيرِها من المؤسساتِ العامةِ أو الخاصةِ أو الشركاتِ أو المهن؟
- ومَن المسئولُ عن عدمِ جِدِّيَّةِ بعضِ القطاعاتِ في التنفيذ - حيثُ يوجدُ أحيانًا اختلاطُ المرأةِ بالرجالِ في العملِ في عددٍ من الوزاراتِ والدوائرِ الحكوميةِ والمؤسسات - ولعلّ عملَ المرأةِ في المستشفياتِ أو الخطوطِ
стр. 2186
السعوديةِ نماذجُ صارخةٌ لهذا الاختلاطِ، والحاجةُ لا تستدعيه ولا تستلزمُه، والتعميمُ يؤكدُ على منعِه، بل ومحاسبةِ من يُخالفُه.
- هل سيُسكِتُ هذا التعميمُ الطروحاتِ الفجةَ عن عملِ المرأة، وهل سينكفئُ الموتورونَ الذين لا يزالونَ يطرحونَ إشكاليةَ عملِ المرأةِ على أعمدةِ الصحفِ والمجلاتِ وفي كافةِ القنواتِ الإعلاميةِ دون تحفُّظٍ أو تحوُّطٍ، كالذي جاءَ في التعميمِ الكريمِ السالف.
- ماذا سيكونُ وضعُ المرأةِ العاملةِ في أيٍّ من الدوائرِ والمؤسساتِ التي يوجدُ بها ما يخالفُ ما نَصّ عليه القرارُ .. حاضرًا ومستقبلًا، ومَنْ المسئولُ عن الممارساتِ الخاطئةِ والمنافيةِ لمضمونِ هذا التعميم؟
- كيف سيتعاملُ المسئولونَ في المؤسساتِ الحكوميةِ والخاصةِ مع هذا التعميم، هل سيحتاجونَ إلى متابعةِ الجهاتِ الرقابيةِ؟ أم سيجعلونَ من أنفُسِهم أداةً للمراقبةِ لتنفيذِ ما حواهُ التعميمُ، وإصلاحِ ما يحتاجُ إلى إصلاحٍ بوضعِ المرأةِ المختلطةِ؟
- هل ستمارسُ الهيئاتُ الدينيةُ والشئونُ الإسلاميةُ، وهيئاتُ الأمرِ بالمعروفِ والنهي عن المنكرِ دورَها في العملِ بموجبِ هذا التعميم .. والإنكارِ على من تجاوزَ أو قصّرَ في التنفيذ؟
- كيف سيستثمرُ الغيورونَ هذا التعميمَ لصالحِ المرأةِ، بل ولصالحِ الرجلِ .. بل وصالحِ المجتمعِ بأسرِه؟
- بل وهل تستثمرُ المرأةُ هذا التعميمَ لصالحِ قضيّتِها وحمايَتِها من العملِ إلى جانبِ الرجلِ، فمن حقِّها أن تطالبَ بتأمينِ أماكنَ للعملِ خاصةٍ بها، تُديرُها وتشرفُ عليها، وتمنَعُ وجودَ الرجالِ بها مطلقًا .. فالمرأةُ قادرةٌ بنفسِها ومع بناتِ جنسِها على ممارسةِ العملِ وإدارتِه .. وتجربتها في تعليمِ المرأةِ نموذجٌ
стр. 2187
يشهدُ على نجاحِها وعَدمِ حاجتها إلى مشاركةِ الرجل.
إنه قرارٌ يستحقّ الإشادة .. وتعميمٌ يحتاجُ إلى دقّةٍ في المتابعة .. وجدِّيّةٍ في التنفيذ - إنه مُنصفٌ للمرأةِ كما أنه منصفٌ للرجل - وهو بوابةُ أمانٍ بإذنِ اللهِ عن فسادِ القيمِ والأخلاق - فهل نتفاعلُ جميعًا معه .. وهل يَعتبرُ كلُّ شخصٍ منّا نفسَه مسئولًا عن تنفيذِه على مستوى الرجلِ والمرأةِ والمسئولِ والعاملِ في القطاعِ العامِّ أو الخاصِّ .. ذلكَ ما نرجو ونأملُ، وتحيةً لمن أصدرَ هذا التعميمَ، ولمن تعاملَ معه بجديةٍ وإخلاصٍ.
стр. 2188
(١) في السيرة النبوية (١)
الخطبة الأولى:
الحمدُ لله ربّ العالمين، جعل محبةَ الرسولِ ﷺ من علاماتِ الإيمان، بل شرطٌ له: «لا يؤمنُ أحدُكم حتى أكونَ أحبَّ إليه من وَلَدِهِ ووالِده والناسِ أجمعين» (٢).
وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له، حَكَم بأنّ أتباعَ الرسولِ ﷺ دليلٌ على محبةِ اللهِ ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣).
وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه بمحبَّتَه توجد حلاوةُ الإيمانِ: «ثلاثٌ مَنْ كُنَّ فيه وَجَدَ بهنّ حلاوةَ الإيمانِ: أن يكونَ اللهُ ورسولُه أحبَّ إليه مما سِواهُمَا» (٤).
اللهم صلِّ وسلِّم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارضَ اللهمّ عن الصحابةِ أجمعينَ والتابعينَ ومَن تَبَعهم بإحسانٍ إلى يوم الدِّين وسلِّم تسليمًا كثيرًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٥)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٦).
стр. 2189
عبادَ الله: في تاريخ الأممِ كلِّها عظماءُ يُقَدّرهم الناسُ حقَّ قَدْرهم، ويَرَون لهم فضلًا على غيرهم، وإذا تفاوتت خِصال العَظَمة بين الشجاعةِ والكرمِ، وبين قوةِ الأجسام أو عظمةِ العقولِ، أو نحوِها من صفاتٍ يَبرزُ بها العظماءُ .. فإن للعظمةِ المرتبطةِ بوحي السماء شأنًا آخرَ .. فكيف إذا كان هذا النوعُ من العظماءِ يجمع صفاتِ العظمةِ كلَّها .. ويتفق أصحابُ المللِ - وعبر القرونِ المتلاحقةِ - على الاعترافِ بعظمةِ محمدٍ ﷺ ، ونزاهةِ سيرتِه وطيبِ خُلُقِه، وما بنا - معاشرَ المسلمين - حاجةٌ لشهادة الآخرينَ بعد شهادةِ الحقِّ المبينِ في قرآن يُتلى إلى يومِ الدِّين ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (١).
وقد بلغ الخبرُ آفاقَ الأرض وعنانَ السماء، وما من عاقل رأى محمدًا ﷺ أو قرأ سيرتَه إلا ويعترفُ بهذه العظمةِ، ويشهدُ لمحمدٍ ﷺ ، ولو كان على غيرِ دينهِ، ويقول أحدُهم في مؤتمر جمع أعدادًا من المثقفين الغربيينَ سنة ١٩٢٧ م: «إن البشريةَ لتفخرُ بانتسابِ رجلٍ كمحمدٍ ﷺ لها، إذ أنه رغم أُمّيتهِ استطاع قبل بضعةَ عشرَ قرنًا أن يأتي بتشريع سنكونُ نحن الأوروبيين أسعدَ الناسِ لو وصلنا إلى قمّتِه بعد ألفي سنة» (٢).
ويقول آخرُ: فالرسالةُ التي دعا إليها هذا النبيُّ ظلت سراجًا منيرًا أربعة عشر قرنًا من الزمان لملايينَ كثيرةٍ من الناسِ، فهل من المعقولِ أن تكونَ هذه الرسالةُ التي عاشت عليها هذه الملايينُ ومات أكذوبةَ كاذبٍ، أو خديعةَ مخادع، ولو أن الكذبَ والتضليلَ يروجان عند الخلقِ هذا الرواجَ الكبيرَ لأصحبتِ الحياةُ سخفًا وعبثًا، وكان الأجدرُ بها ألا توجد (٣).
إخوة الإسلام: أما المسلمون فقد أشادوا - ولا غرابةَ - بسيرة محمدٍ ﷺ ،
стр. 2190
وشهدت مصنفاتُهم المؤلَّفةُ في كلِّ فنٍّ من فنونِ السيرة على عظيم حفاوتِهم وعنايتِهم بالسيرة وصاحِبِها، وأكّدَ العلماءُ على أن سيرةَ محمدٍ ﷺ من أسبا تقويةِ الإيمان واليقين في القلوبِ، وفي ذلك يقول ابنُ القيّم: وإذا تأملتَ أخبارَ الأممِ وأيامَ اللهِ في أهلِ طاعتِه وأهلِ معصيتِه طابقَ ذلك ما علمتُه من القرآنِ والسُّنةِ، ورأيتُه بتفاصيلِ ما أخبر اللهُ به ووعدَ بهِ، وعلمتَ من آياتهِ في الآفاق ما يدلُّك على أنَ القرآنَ حقٌّ، وأنّ الرسولَ حقّ، وأن الله يُنجز وعدَه لا مَحالة (١).
وهل سيرةُ المصطفى ﷺ إلا جزءًا من أيامِ اللهِ - بل هي أصدقُ أيامِ اللهِ - في نُصرة أهلِ طاعتِه وخُذلانِ أهل معصيتِه؟
ويرى ابنُ حزمٍ ﵀ أن السيرةَ النبويةَ طريقٌ لخيري الدُّنيا والآخرةِ ويقول: «من أرادَ خيرَ الآخرةِ وحكمةَ الدنيا، وعدلَ السيرةِ، والاحتواءَ على محاسنِ الأخلاقِ كلِّها، واستحقاقِ الفضائلِ بأسرِها، فليقتدِ بمحمد ﷺ ، وليستعمل أخلاقَه وسِيرَه ما أَمكنه» (٢).
عبادَ الله: إن التمعُّنَ في سيرةِ محمد ﷺ يؤكد نبوتَه، وتشهدُ على صدق رسالتِه، وهي بذاتِها معجزةٌ من معجزاتِه، وفي هذا قال أحدُ العلماء: «إن سيرة محمدٍ ﷺ لمن تدبّرها تقتضي تصديقَه، وتشهدُ له بأنه رسولُ اللهِ حقًا، فلو لم تكن له معجزةٌ غيرَ سيرتِه لكفى (٣).
أجل إن أخلاقَ محمدٍ ﷺ وجميلَ سيرتِه، برهانٌ على نبوته، ودليل على عظمتِه وقائدٌ إلى الإيمان بما جاء بهِ، يقول القاضي عياضٌ ﵀: وإذا تأمّل المنصفُ جميلَ أثرِه، وحميدَ سيرتِه، وبراعةَ علمِه، ورجاحةَ عقلِه وحلمِه،
стр. 2191
وجُملَةَ كمالهِ، وجميعَ خِصالِه، وشاهدَ حالَه، وصوابَ مقالِه، لم يمترِ في صحَّة نبوتِه وصِدقِ دعوتِه - ثم قال -: وقد كفى هذا غيرَ واحدٍ في إسلامِه والإيمانِ به.
ثم ساق قصةَ الحبرِ عبدِ اللهِ بن سلام ﵁ حين جاء إلى رسول الله ﷺ يوم قَدِمَ المدينةَ - فلما رآه قال: عرفتُ أنّ وجهَه ليس بوجهِ كاذبٍ (١).
وفي «صحيح مسلم» من حديث ضِماد ﵁ أنه حين قدم على رسول الله ﷺ ليَرْقيَه، فابتدَرَه النبيُّ ﷺ بالقول: «إن الحمدَ لله نحمدُه ونستعينُهُ، من يهدِه الله فلا مُضلّ له، ومن يُضلِل فلا هادَي له، وأشهد أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأن محمدًا عبدُه ورسولُه» قال له ضِمادٌ: أعِدْ عليَّ كلماتِك هؤلاء، فلقد بلغنَ قاموسَ البحرِ - وفي رواية «ناعوسَ البحرِ» - يريد: اشتهرتْ مقالتُك هذه في جميع أقطار الأرض شرقًا وغربًا - (ثم قال): هاتِ يدَك أُبايعك (٢).
أيها الناسُ: لقد غابت سيرةُ الحبيبِ المصطفى ﷺ عن نفرٍ من المسلمين، فلم يعلموها، وأنّى لهؤلاء أن يعملوا بها، وما حلّ الشقاءُ والنّكَدُ بالأمةِ المسلمةِ إلا حين غابت عنهم أضواءُ السيرةِ، وفُصِلتْ أجيالٌ من المسلمين عن التربِّي على هذه السيرة العَطرةِ، وظنّ بعضُ المسلمين أنه يَكفيهم منها التعلّقُ بالمواليد والاحتفالاتِ البِدعية .. وكأن العنايةَ بالسيرة أو الذّكرى لمحمدٍ ﷺ لا ينبغي أن تتجاوزَ أيامًا معدودةً .. وعَبْرَ قصائدَ فيها من الشِّركيات ما تُنزَّه عنه السيرةُ العطرةُ، وعَبْرَ اجتماعات واحتفالاتٍ لم يفعلها الرّسولُ ﷺ بنفسِه، ولا اجتمع على مثلِها صحابتُه من بعدِه وهم أقربُ الناسِ له، وأكثرُ الناسِ محبةً وتعظيمًا له .. لكنها البِدَع المُحْدَثَةُ يُلقيها ويُروّجُ لها شياطينُ الإنسِ والجنّ ليصرفوا بها الناسَ عن المحبّةِ الحَقّة والاقتداءِ الدائمِ بسيرةِ محمد ﷺ وهَدْيهِ.
стр. 2192
أيها المسلمون: إن المحبةَ الحقّةَ لمحمدٍ ﷺ تَعني صِدْقَ متابعتِه، والاستمساكَ بهَدْيِه، والجهادَ لنُصرة دينِهِ، والدعوةَ لنشرِ رسالتِه في العالمين، وأشدُّ الناس محبةً للنبيِّ ﷺ أكثرُهم تمسكًا بسنتِه، وإتباعًا لهديِهِ، وحرصًا على دعوة الخَلْق لطريقتِه.
أما الدّعاوى الفارغةُ والاحتفالاتُ البِدْعيّةُ، فتلك بضاعةُ البطَّالين، وما بالمسلمين حاجةٌ لمزيد التّهريج والدّجل، والسلبيةِ، وترديد القصائدِ والمديحِ دون عملٍ مُثمر ودعوةٍ جادّةٍ، وسلوكٍ منضبط بأوامرِ الإسلام وهدي محمدٍ ﷺ .
ومصيبةٌ أن تتقدمَ الأُممُ الأخرى بالعمَل والإنتاج وتبقى طوائفُ من المسلمين تُفضّل العُزلةَ وتنتسبُ للتصوّفِ، وتُعظّم الأولياءَ، وتطوفُ حول قبور الموتى .. وتتمسّحُ بمن يُسمّون بالأولياء .. وقد يصل الأمرُ إلى الخضوع لهم وتقديمِ طاعتِهم على طاعةِ الأنبياء، ثم تزعم أنها تُحبّ محمدًا ﷺ ، وكلّ ذلك ضَلالٌ مبينٌ، وانحرافٌ عن صراطِ الله المستقيم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (١).
стр. 2193
الخطبة الثانية:
الحمدُ لله ربّ العالمين اصطفى لنا الدين، وأكرمنا ببعثة خاتمِ المرسلين، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريك له، دعا الخلقَ لعبادته، واصطفى من الملائكةِ رُسلًا ومن الناسِ يبلّغونَ عن اللهِ شرعَه ويهدون الناسَ - بإذن اللهِ - إلى صراطِ العزيزِ الحميدِ.
وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، أكرمُ الخلق على اللهِ، الشافعُ المشفَّع في المَحشر .. اللهمَّ صلّ وسلّم عليه وعلى سائرِ الأنبياءِ والمرسلين.
أيها المسلمون: وهناك خصائصُ تتميز بها سيرةُ النبيِّ ﷺ على غيره من الأنبياءِ، وتختصُّ بها رسالتُه على سائرِ رسالاتِ السماءِ، فرسالةُ الإسلامِ التي بُعِثَ بها محمد - خاتمة وعامة.
وبرسالة محمدٍ ﷺ خُتمت رسالاتُ السماءِ وانقطعَ الوحيُ .. فلا رسالةَ بعد رسالتِه، ولا دينَ يُقبَلُ إلا دينُه الإسلام ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (١).
وفي صحيح السنة، «مَثَلي ومَثَلُ الأنبياءِ كمَثلِ رَجلٍ بنى دارًا فأَتمّها وأكملَها إلا موضع لَبِنَةٍ، فجعلَ الناسُ يَدخلونها ويتعجّبون منها ويقولون: لولا مَوضعُ اللّبِنَة! » قال رسولُ الله ﷺ : «فأنا موضعُ اللّبِنَةِ، جئتُ فختمتُ الأنبياءَ» (٢).
ورسالةُ محمدٍ ﷺ مُتمّمةٌ لرسالاتِ الأنبياءِ قبلَه، وهو أولى الناسِ بالأنبياءِ من أَتباعهمِ الذين حرّفوا وبدّلوا ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٣).
стр. 2194
وقال ﵊: «أنا أولى الناسِ بعيسى ابن مريمَ في الدُّنيا والآخرةِ» (١).
وقال لليهود: «أنا أولى بموسى مِنكم» (٢).
ومن مقتضيات ختم الرسالات برسالة محمدٍ ﷺ أن تتوحّد البشريةُ تحت لواءِ التّوحيدِ، لا تعترفُ بالطبقيّة ولا العُنصريةِ، وأن يُرَدّ على كلّ مُدّعٍ النبوةَ دعوتَه، بل يُصنَّفُ ضمن المتنبّئين الكذّابين الذين ابتدأ ظهورُهم ومحمدٌ ﷺ على قيد الحياةِ وما زال مستمرًا.
ومن مقتضياتِ العالميةِ في الرسالة المحمّديةِ أن يمتدّ أثرُها في المكان لتشملَ المعمورةَ كلَّها، وتمتدّ في الزمان لتستغرقَ ما بقي من تاريخ الإنسانيةِ حتى يرثَ اللهُ الأرضَ ومَنْ عليها، لا يُفرّق في الإسلام بين عربيٍّ وأعجميٍّ وحُرٍّ وعبدٍ، وغنيٍّ وفقير، وأميرٍ ومأمور.
وبمقتضى عالمية الإسلام ينبغي أن تنتهي الدياناتُ الأخرى وتصير إلى الإسلام امتثالًا لقول الحق ﵎: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٣) ولقول الرسول ﷺ : «فوالذي نفسُ محمدٍ بيدِهِ، لا يَسمعُ بي أحدٌ من هذهِ الأُمة يهوديٌّ ولا نصرانيٌّ، ثم يموتُ ولم يُؤمنْ بالذي أُرسلتُ به إلا كان من أصحابِ النار» (٤).
عبادَ الله: ومن خصائص رسالةِ محمدٍ ﷺ أنْ أنزلَ عليه كتابًا مُعجزًا تحدّى اللهُ به الأولينَ والآخِرين أن يأتوا بمثلِه .. ولو كان بعضُهم لبعضٍ ظهيرًا
стр. 2195
- وأبقى هذه المعجزةَ محفوظةً على مرّ الزمانِ وتكاثُرِ الأعداءِ، تستجيبُ لها العقولُ السليمةُ، والقلوبُ الواعيةُ، وإن لم تشهد نزولَها أو ترى الرسولَ المُنزَّل عليه بها.
إن القرآنَ معجزةٌ خالدةٌ لخلودِ رسالةِ الإسلام، وهي محفوظةٌ بحفظ اللهِ ما بقيتِ الحياةُ وانتشرَ الأحياءُ .. وذلك ما لم يتوفَّر مثلُه لنبيٍّ من الأنبياءِ قبلَه - عليهمُ الصلاةُ والسلامُ.
ومن خصائصِ سيرة محمدٍ ﷺ ونبوَّتِه أن اللهَ تعالى أطلعَه على غيبٍ، وقصَّ عليه من الأحوالِ الأنبياءِ السابقينَ، وعرَّفه بأخبارِ الأُممِ الماضين مما لم يتوفَّر مثلُه لنبيٍّ قبلَه، ولم تعلم به أمتُه من قبلِه، قال تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ (١).
وقوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ (٢).
أيها المسلمون: واختُصّ محمدٌ ﷺ من بين الأنبياءِ بنوعيةٍ من الأصحاب لم يتوفَّرْ مثلُهم كذلك لنبيٍّ من الأنبياء - لا في العدد ولا في النوعية، فمحمدٌ ﷺ أكثرُ الأنبياءِ تَبَعًا، وأصحابُه رضوانُ الله عليهم لا يُقارَنون بغيرهم له إتّباعًا - فما قالوا له: اذهب أنت وربُّك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولا قالوا له: (أنتَ اللهُ) أو: (ابنُ الله) أو: (ثالثُ ثلاثةٍ) - تعالى الله عما يقول الظالمون عُلوًا كبيرًا - وقد مرّت بهم مِحَنٌ وبلوى فصبروا لها، واقتضى أمرُ الإسلام أن يُفاصِلَ الابنُ أباه، بل يقاتله على الإسلام، فاستجابوا حتى أظهر اللهُ دينَه، وهذه الشّدة عبّر عنها أحدُ الصحابة لنفرٍ من التابعين كانوا يغبطونَه على رؤية رسولِ الله ﷺ
стр. 2196
وشهودِ مشاهدِه، فاستُغضب الصحابيُّ - المقدادُ بنُ الأسود ﵁ ثم أقبل عليهم يقول: ما يحملُ الرّجلَ على أن يتمنّى محضرًا غيّبَه اللهُ عنه؟ لا يدري لو شهدَه كيف يكون فيه؟ والله لقد حضرَ رسولَ الله ﷺ أقوامٌ كبَّهمُ اللهُ على مناخِرِهم في جهنّم، لم يجيبوه ولم يُصدّقوه أو لا تحمَدون اللهَ إذْ أخرجَكم لا تعرفون إلا ربَّكم، فتُصدّقون بما جاء به نبيُّكُم ﷺ ، قد كُفيتُم البلاءَ بغيرِكم، واللهِ لقد بُعثَ النبيُّ ﷺ على أشدّ حالٍ بُعثَ عليها نبيٌّ قَطّ، في فترةٍ وجاهليةٍ، ما يَرَون أن دينًا أفضلَ من عبادةِ الأوثانِ، فجاءَ بفُرْقانٍ فرّق به بين الحقِّ والباطلِ، وفرّق به بين الوالدِ وولدِه، حتى إن كان الرجلُ ليرى والدَه أو ولده أو أخاه كافرًا، وقد فتح الله قُفْلَ قلبِهِ بالإيمان، ويعلمُ أنه إنْ هلكَ دخل النارَ، فلا تقرُّ عينُه وهو يعلم أن حبيبَه في النارِ، وأنها للتي قال الله : ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا
وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ (١).
عبادَ الله: هذه إطلالةٌ على جوانبَ من السيرة النبوية وللحديثِ بقيّة إنْ شاء اللهُ تعالى .. اللهمّ علّمنا ما ينْفَعُنا وانفعنا بما علّمتنا.
стр. 2197
(٢) في السيرة النبوية (١)
الخطبة الأولى:
إن الحمدَ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفُسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، من يهدِه اللهُ فلا مضلّ له ومن يُضْلِلْ فلا هادي له، وأشهد أنْ لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمدًا عبدهُ ورسولُه، اللهمَّ صلّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلينَ، وارضَ اللهمَّ عن الصحابة أجمعينَ، والتابعين وتابعيهم بإحسانٍ إلى يوم الدّين وسلّم تسليمًا كثيرًا.
عبادَ الله: اتقوا اللهَ حقَّ التقوى، واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، واحرصوا على هَدْي المصطفى ﷺ ، ومن يتقِ اللهَ يجعلْ له مخرجًا، ومن يطع الرسول فقد اهتدى.
إخوة الإسلام: ابتدأتُ في الجمعة الماضية حديثًا عن السيرة النبوية بذكرِ شيءٍ من خصائصِها، وحقيقةِ المحبةِ لصاحبها ﵊.
وحديثُ اليوم استكمالٌ لما قبلَه، فالضرورةُ داعيةٌ لمعرفةِ هذه السيرةِ العطرةِ، بل هي كما قال ابن القيم ﵀: «فوق كلِّ ضرورة؛ إذ لا سبيل إلى السعادة والفلاحِ في الدُّنيا والآخرة إلا على أيدي الرسلِ، ولا سبيل إلى معرفة الطيب من الخبيث على التفصيل إلا من جهتِهِم، ولا يُنال رضا اللهِ البتة إلا على أيديهم». إلى أن يقول: «وإذا كانت سعادةُ العبد في الدارَين معلّقةً بهَدْي النبيِّ ﷺ ، فيجبُ على كلِّ من نَصَحَ نفسَه، وأحبّ نجاتَها وسعادتَها أن يعرفَ من هَدْيِه وسيرتِه وشأنِه ما يخرجُ به عن الجاهلين به، ويدخلُ في عِداد أتباعِه
стр. 2198
وشيعتِه وحزبِهِ، والناسُ في هذا بين مُستقِلّ ومستكثرٍ ومحروم، والفضلُ بيدِ اللهِ يؤتيه من يشاءُ والله ذو الفضل العظيم» (١).
عبادَ الله: وتقديرُ الرسولِ ﷺ وإجلاله تحدَّث عنها البُلغاءُ، وصاغها الشعراءُ قصائدَ ومديحًا تُروى وتتلى، وهذا كعبُ بنُ زهير ﵁ الشاعرُ ابنُ الشاعرِ وأبو الشُّعراءِ - كان رسولُ اللهِ ﷺ قد أهدَرَ دمَه، فأُشير على كعب أن يأتيَ للرسولِ ﷺ ، فجاء إليه مُسلمًا معتذرًا، مُثنيًا على شمائِلِه، هائبًا للقائِه ومما قال:
نُبّئتُ أنَّ رسولَ اللهِ أوعَدَني ... والعفوُ عند رسولِ الله مأمولُ
ما زلتُ أقتطعُ البَيداءَ مُدّرعًا ... جُنحَ الظلامِ وثوبُ الليلِ مسبولُ
حتى وضعتُ يميني ما أُنازعُها ... في كَفِّ ذي نَقِماتٍ قولُه القيلُ
إنَّ الرسولَ لنورٌ يُستضاءُ به ... وصارمٌ من سيوفِ اللهِ مَسلولُ
في عُصبةٍ من قريش قال قائلُهم ... ببطنِ مكةَ لما أسلَموا زُولوا
زالوا فما زال أنكاسٌ (٢) ولا كُشُفٌ (٣) ... عند اللقاءِ ولا مِيلٌ (٤) معازيلُ (٥)
شُمُّ العرانينِ أبطالٌ لبوسُهُمُ ... من نسجِ داودَ في الهيجا سَرابيلُ
لا يفرحون إذا نالت رماحُهمُ ... قومًا وليسوا مجازيعًا إذ نِيلُوا
إلى أن يقول - مبديًا تخوّفَه من الرسول ﷺ :
فَلَهُوَ أخوفُ عندي إذ أُكلّمه ... وقيل إنك محبوسٌ ومقتولُ
من خادرٍ من لُيوثِ الأُسْدِ مَسْكنُه ... ببطن عَثَّرَ (٦) غِيْلٌ (٧) دون غِيلُ
стр. 2199
ومع ذلك كلِّه فقد عفى عنه النبيُّ ﷺ وقبِلَ عُذرَه وإسلامَه، بل خلع بُردته التي كان يلبسها، فعرفت قصيدته تلك بـ (البُردة) وهي غيرُ البردة المنكرة للبوصيري (١).
أيها المؤمنون: ومحمدٌ ﷺ نبيُّ الهدى والرحمة، أعطاه الله اسمين من أسمائه فقال عنه: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٢)، وجعله رحمةً للأمة حيًا وميتًا، أما في حياته فكما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٣)، وقال ﵊: «حياتي خيرٌ لكم وموتي خيرٌ لكم» (٤).
أما رحمته للأمة بعد موته، فلِمَا رواه مسلم في «صحيحه» عنه ﷺ إنه قال: «إن الله إذا أراد رحمةَ أُمةٍ من عباده قبضَ نبيَّها قبلَها، فجعله لها فَرَطًا وسَلَفًا بين يديها، وإذا أراد هلَكَةَ أُمةٍ عذّبها ونبيُّها حيٌّ فأهلكها وهو ينظر، فأقرّ عينَه بهلكتِها حين كذَّبوه وعصوا أمرَه» (٥)، إذًا فالرحمةُ حاصلةٌ بنبِّينا في حال حياتِه، وذلك لهدايتِه الخلقَ لسبيل الخير، وبعد مماتِه لتقدُّمه فَرَطًا لهم وعدم هلاكهم وفتح فُرصِ التوبة لهم. وقيل: إن رحمتَه لجميع الخلق: للمؤمن رحمةٌ بالهداية، ورحمةٌ للمنافق بالأمان من القتل، ورحمةٌ للكافر بتأخير العذاب (٦).
أيها المسلمون: وانقسم الناسُ في حياتِه ولا زالوا إلى ثلاثة أقسام: مؤمنين استجابوا لله والرسول إذْ دعاهم لِما يُحييهم، وهؤلاء جزاؤهم جناتٌ تجري من تحتها الأنهارُ، لهم فيها ما يشاءون خالدين فيها.
стр. 2200
ومنافقين غرَّهم الشيطانُ وغرّتهم أنفسُهم، وظنوا أنهم يُخادعون اللهَ والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسَهم وما يشعرون، وهؤلاء حكَمَ اللهُ بأنهم في الدّرْك الأسفلِ من النار، ولن تجدَ لهم نصيرًا، إلا من تابَ وآمنَ وأصلحَ.
وفئةٍ ثالثةٍ: كفّارٍ معاندين صُرَحَاءَ في محاربتِهم لله ورسولِه، وهؤلاء لهم نارُ جهنمَ خالدين فيها لا يُقضى عليهم فيموتوا ولا يُخفّف عنهم من عذابها، كذلك يجزي اللهُ كلَّ كفور.
أمةَ الإسلام: وعاش رسولُ الهدى ﷺ في سبيل إقرارِ هذا الدِّين ونشرِه في العالمِين حياةَ الزهدِ والكَفَافِ - ولو شاء أن تُسيَّلَ له الجبالُ ذهبًا لسالت - ولكن آثرَ أن يشبَع فيشكرَ ويجوعَ فيذكرَ، واجتمع عليه وعلى أصحابه رضوانُ الله عليهم شدةُ الجوع وشدةُ الخوفِ، وربط على بطنِه حَجَرين من شدة الجوع، في وقتٍ زاغتِ الأبصارُ وبلغتِ القلوبُ الحناجرَ، وظُنَّ بالله الظنون .. هنالك ابتُلي المؤمنونَ - ومحمدٌ ﷺ قائدُهم - وزُلزلوا زلزالًا شديدًا، ويصف طرفًا من هذه الشّدة - في يوم الخندق والأحزاب - حذيفةُ بنُ اليمان ﵁ للرجل الكوفي الذي قال له: يا أبا عبد الله، أَرأيتم رسولَ الله ﷺ وصحبتُموه؟ قال: نعم يا ابنَ أخي، قال: فكيف كنتم تصنعون؟ قال: واللهِ لقد كنّا نَجْهدُ. قال: فقال الكوفي: واللهِ لو أدركناه ما تركناهُ يمشي على الأرض ولحمَلْناه على أعناقِنا، قال: فقال له حذيفةُ: يا ابنَ أخي لعلك لا تدري لو أدركتَ رسولَ اللهِ ما تصنع؟ ثم ساق طَرَفًا من مواقفِ الشدةِ التي مرّت بهم ورسولُ اللهِ يُنادي في المسلمين: «مَنْ رَجُلٌ يقومُ فينظرُ لنا ما فعلَ القومُ، ثم يَرجعُ، أسألُ اللهَ أن يكونَ رفيقي في الجنةِ؟ » فما قام أحدٌ من القوم من شدّةِ الخوفِ وشدّةِ الجوع وشدّة البَرْدِ .. حتى دعاني رسولُ اللهِ ﷺ فلم يكن لي بُدٌّ من القيام .. إلى آخر القصةِ التي رواها ابنُ
стр. 2201
إسحاقَ بسند حسن. وروى مسلمٌ القصةَ في كتاب المغازي (١).
أجل، إن سيرة محمدٍ ﷺ تُعلِّمُنا - فيما تعلِّمنا - العيشَ لحياةٍ كريمةٍ وهدفٍ نبيل، إنها معاني ومواقفُ تشدّ النفوسَ بعيدًا عن الزّيفِ والمبالغةِ، ولابد وأن يتخفَّفَ المرءُ من زينةِ الحياة، ويتعالى على زُخرفها، ويوم أن كانت ملوكُ فارسَ والرومَ تتقلّب على الأرائك والسُّررُ، كان محمد ﷺ ينام على الحصير حتى أثّر في جنبهِ، وكانت منازلُهم قصورًا فارهةً وجناتٍ وأنهارًا، ومحمد ﷺ اتخذ من حجراتِ أزواجهِ مسكنًا له في الحياة وقُبِرَ في إحداهنَّ بعد الممات.
وعلّمنا محمدٌ ﷺ بسيرتِهِ العمليةِ الصبرَ على المِحَن، والتفاؤلَ في زمن الشدائدِ، والجِدَّ والعملَ، والثقةَ بنصر اللهِ رغم الزلازلِ والكُروبِ، وتشهد بطحاءُ مكةَ، وعَقَبةُ الطائفِ، وجَبَلُ أُحد ويومُ حُنين - وسواها من مواقع السيرةِ وأحداثِها - على صدق محمدٍ ﷺ والمؤمنين معه في الجهادِ والتضحيةِ والبلاغِ المبين.
وحَسْبُ الذين يعشقون البطولةَ بكافّةِ معانيها أن يقرؤوا في السيرة وسيجدون ما يروي ظمأهم .. إي وربِّي، إنّ موقفَ أهلِ الطائفِ من دعوةِ الهُدى يمثِّلُ نوعًا من بطولةِ محمدٍ ﷺ في الصبر وتحمُّل الأذى الجسديِّ، كيف والأذى النفسيُّ الواقعُ من أعظمها.
بطولةٌ أُخرى - في هذا الحدث - يوم أن ردّ على مَلَكِ الجبالِ ومنَعَه أن يُطبقَ الأخشبين على قومهِ الذين أخرجوه، وبطولةٌ ثالثة تتمثَّل في نظرة النبيِّ ﷺ للمستقبلِ ويقينِه بانتصار الدعوةِ ولو في جيلٍ ما زالوا في الأصلاب، وهو ما عناه ﷺ : «بل أرجو أن يُخْرِجَ اللهُ من أصلابِهم مَنْ يَعبدُ اللهَ وحدَه» يقول هذا
стр. 2202
وهو في موقفِه ذاك، لا يدري كيف يدخل مكةَ ثانيةً بعد أن خرج منها، وهل يأذنُ له ملأُ قريشٍ بدخولِها - وقد كان - فلم يدخلْها إلا في جِوارِ بعضِ رجالاتِها (١).
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (٢).
стр. 2203
الخطبة الثانية:
الحمدُ لله ربّ العالمين، جعلنا خيرَ الأُمم وآخرَها، وبعث لنا خاتمَ الأنبياءِ وخيرةَ المرسلين، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريك له، الفضلُ منه وإليه وهو العليمُ الحكيمُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، كان فضلُ اللهِ عليه عظيمًا، وفضلُه على أُمّتِه عظيمٌ أيضًا، اللهم صلِّ وسلّم عليه وعلى سائرِ الأنبياءِ والمرسلين.
إخوة الإيمان: وسيرةُ محمدٍ ﷺ لقيتْ من المسلمين عنايةً مبكّرةً، فكانت أحداثُها تُروى في جيل الصحابةِ لمن لم يشهدها، فابنُ عباس ﵄ كان يُحدِّث العشيةَ كلَّها في المغازي، وكان كما يقول مَن حضر مجلسَه يُخصِّصُ جزءًا من يومِه لتدريس المغازي (١)، إلى حدٍّ قال معه عليُّ بنُ الحسين بنِ عليٍّ ﵄: «كُنّا نُعلَّم مغازي النبيِّ ﷺ كما نُعلَّم السّورةَ من القرآنِ» ثم تطور الأمرُ - في جيل التابعين - فأمر الخليفةُ الراشدُ عمرُ بنُ عبد العزيز - عاصمَ بنَ عمرَ بنِ قَتادةَ أن يجلسَ في جامع دمشق فيحدّثَ الناسَ بمغازي رسولِ الله ﷺ ومناقبِ أصحابه .. كما روى ابنُ سعد في «طبقاته» (٢).
واستمرت العنايةُ بالسيرة وأحداثِها تعليمًا وتأليفًا، حتى تجاوزَ الاهتمامُ بها المسلمين إلى غيرِهم، وفرضتْ بكمال أخلاقِ صاحِبِها وشمولِ أحداثها، على أحدِ الكتّاب الغربيين (مايكل هارث) إذْ ألّف كتابًا بعنوان «المائةِ الأوائل» أن يبدأ كتابَه بالرسولِ ﷺ على أنه الرجلُ الأولُ والمؤثِّر في تاريخ الإنسانية كلِّها. ويقولُ لبني قومه: «إن اختياري (محمدًا) ليكون الأولَ في قائمة أهمِّ رجال
стр. 2204
التاريخ قد يُدهشُ القرّاءَ - يعني في مجتمعِه الأمريكيِّ - ولكنه الرجلُ الوحيدُ في التاريخ كلِّه الذي نجح أعلى نجاحٍ على المستويين الديني والدنيويِّ (١).
عبادَ الله: والسؤالُ الذي يفرضُ نفسَه علينا - معاشرَ المسلمينَ في هذه المرحلة - ما مدى عنايتِنا بسيرة محمدٍ ﷺ وأصحابه؟ ما نصيبُها من مناهِجِنا الدراسيةِ في المراحل الدراسية المختلفةِ وفي التخصصات الجامعيةِ، والدراساتِ العليا، وللجنسين: الذكورِ والإناثِ؟ ما حجمُ العنايةِ بها في المحاضراتِ العامةِ ودروس المساجدِ؟ وما مدى عنايتِنَا بها في تعليم أبنائنا في البيوتِ عَبْرَ حِلَقٍ أو أشرطةٍ أو كُتيباتٍ يفهمون لغتَها ويُدركون العبرةَ منها؟ هل تُعنى بها المؤسساتُ الإعلاميةُ؟ وتُخرجُ لها محلاتُ التسجيل أشرطةً صحيحةَ المعلومةِ، جيدةَ الإخراج، مشوقةً في العَرْضِ والاستنتاج .. إنها تستحقّ كلَّ عِناية، والحاجةُ إلى وصولِها للبيوتِ تفوق كثيرًا من الحوائجِ والموادِّ المُخرجةِ .. وهل ينبري لهذه المهمةِ مجموعةٌ من أهل الاختصاص في السيرة واللغةِ والأدب والإعلامِ .. حتى تتضافرَ الجهودُ وتتكاملَ التخصصاتُ.
إخوة الإسلام: والعنايةُ بالسيرة النبويةِ تعني العنايةَ بالرجل وتوجيهِ مواهبِه، وتعني العنايةَ بالمرأةِ وعلوِّ هِمّتِها وصَوْنِها وحِفْظِ كرامتِها، وتعني العنايةَ بالطفلِ وحُسْنَ تربيتِه، ذلكم لأن محمدًا ﷺ في سيرتِه وجَّه عنايتَه لهؤلاء جميعًا، فتخرّجَ من مدرسة النّبوةِ رجالٌ ونساءٌ وأطفالٌ لم يشهدْ لهم تاريخُ البشريةِ نظيرًا.
بل التفتَ محمدٌ ﷺ إلى الأمراءِ وأَكرم كِرامَ القوم، ولم يُغفلِ الملوكَ والرؤساءَ من دعوتِه، فكاتَبَهُم وراسلَهم، وسارت دعوتُه في القُرى والمدنِ الكبرى، يحملُها الدّعاةُ المخلصون، وتُجهّزُ لها البعوثُ والسرايا.
стр. 2205
أمةَ الإسلام: والعنايةُ بالسيرةِ النبويةِ تعني - كذلك - تقديرَ القِيَمِ ورعايةَ الأخلاقِ الفاضلةِ، وتحقيقَ العَدْلِ، ومَنْعَ الظّلم، والعنايةَ بالدعوةِ إلى الله، ونشرَ العلمِ النافعِ، ورَفْعَ رايةِ الجهادِ لإعلاءِ كلمةِ اللهِ، وهي سبيلٌ لاجتماعِ المسلمينَ، ناهيةٌ عن الفُرقَةِ والتنازعِ والشّحناءِ والبَغْضاءِ وسواها من رديء السلوكِ والأخلاق.
والسيرةُ - باختصار - هي الصورةُ المُشْرقةُ الواقعيةُ لتعاليم الإسلامِ، وليست مجرّدَ رواياتٍ تُسرَدُ، فهل نقرأُ هذه السيرةَ لِنَسْتلْهمَ هذه المعاني، ونُحقّقَ الأُسوةَ الحسنةَ التي قال الله عنها: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (١).
عبادَ الله: وحينَ بلغ الكتابُ أجلَه، واستوفى محمدٌ ﷺ عُمُرَه المقدّرَ له، وكَمُل دينُ الله، وبلّغه محمدٌ ﷺ البلاغَ المبينَ، نزل بمحمدٍ ﷺ ما نزل بالأنبياءِ قبلَه، وانتقل إلى جِوارِ ربِّه في الرّفيقِ الأعلى، حتى وإن حَزِنَ المسلمون وتألَّموا لفِراقِه - وحقّ لهم أنْ يَألموا - وأجهشوا بالبكاءِ، وأظلمتِ المدينةُ في وُجوهِهم يومَ وَفاتِه، كما أشرقتْ في وجوههم يومَ قَدِمَها - في هجرته - مهاجرًا .. لكنّها سُنّةُ الله في خلقِه، تجلَّد المسلمون لها وواصلوا المسيرَ على سُنتِه وهَدْي سيرتِه، وحاربوا مَنِ ارتدوا على أعقابِهم - ممن لم يتمكّنِ الإيمانُ من قلوبهم، وهم يتلون قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (٢).
وظل هؤلاءِ الأصحابُ الكرامُ أوفياءَ للرّسالةِ التي جاء بها، فحملوها إلى
стр. 2206
الآفاق يفتحون المُدن بـ «لا إله إلا الله» ويدعون الخلقَ إلى طاعةِ رسولِ اللهِ ﷺ فيما جاء به من عندِ الله .. وتلك مسئوليَّتَهُم ومسئوليةُ مَنْ جاء بعدَهم من المسلمين، حتى يَرِثَ اللهُ الأرضَ ومَنْ عليها، وتلك هي البُرْهانُ على مَحبّة النبيِّ ﷺ ، والشاهدُ على الانتفاع بسيرتِه.
ومع ذلك كلِّه ظلّ المسلمون في المدينةِ يتذكّرون حَبيبَهم، وكلّما ذُكّروا به تحركتْ مشاعرُهم. أخرج ابنُ عساكرَ بسند جيد - كما يقول الزّرقاني - وأنكره الذهبي: أن بلالًا ﵁ توجّه للشام مجاهدًا، ثم قَدِمَ المدينةَ لرؤيا رآها في النبيِّ ﷺ ، فأتى قبرَه وجعل يبكي، ثم التقى بالحسنِ والحسينِ ﵄، فجعل يَضمُّها ويُقبِّلُهما، فقالا: نتمنى أن نسمعَ أذانَك الذي كُنتَ تؤذّنُ به لرسولِ الله ﷺ ، فعلا سطحَ المسجدِ ووقَف مَوْقِفَهُ الذي كان يقفُ فيه، فلما قال: (اللهُ أكبر) ارتجّتِ المدينةُ، فلما قال: (أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا الله) ازدادت رجَّتُهَا، فلما قال: (أشهدُ أنّ محمدًا رسولُ اللهِ) خرجتِ العَواتقُ من خُدُورِهنَّ، وقالوا: بُعثَ رسولُ الله! فما رُؤيَ يومٌ أكثرَ باكيًا ولا باكيةً بالمدينة بعدَه ﷺ أكثرَ من ذلك اليوم (١).
أيها المسلمون: لنقرأ سيرةَ محمدٍ ﷺ وأَصحابِه قراءةً واعيةً، فكم نحن محتاجون لهم، بل تحتاجُ البشريةُ كلُّها إليها، ففيها الخيرُ والفلاح والعِزّةُ والرِّفْعَةُ في الدّنيا والآخرةِ، وهي السبيلُ لخَلاص العالَم من وَيْلاتِه في الدّنيا، والطريقُ الأمِنُ للسلامة في الآخرةِ.
وإن من واجبِ المسلمينَ وحقوقِ غيرِهم عليهم أن تُتَرْجمَ هذه السيرةُ إلى كلِّ لغةٍ، وتصلَ إلى كلِّ حيٍّ على هذه البسيطةِ، وكلُّ تقصير في هذه المهمةِ سُيسألُ
стр. 2207
عنه المسلمونَ .. فَدينُهم دينُ الحقّ، ورسولُهم خاتمُ المرسَلين، وبه انقطع الوحيُ من السماء، ولكن قبل أن نُترجمَ السيرةَ النبوية إلى لغاتِ الآخرينَ، لابُدّ أن نترجِمَها في واقع سلوكِنا، حتى يتحوّل المسلمُ إلى سيرةٍ تتحرّكُ على الأرض، وهذا، وإن وقف دُونَه ضَعْفُ النفوس وتداني الهِمَم، إلا أنّ اللهَ وعَدَ على مجاهدةِ النفس خيرًا وما لا يُدرَكُ كلُّه لا يُتركُ جُلَّه، اللهم هَيّئُ للمسلمين من أمرِهم رَشَدًا، وارْزُقهم مَحبّةَ الرسولِ ﷺ على الوجهِ المشروعِ، والدعوةَ لدينِه، والسيرَ على هَدْيِهِ والعملَ بسيرتهِ.
стр. 2208
المخدّرون المُستهزئون (١)
الخطبة الأولى
إن الحمدَ لله نحمده ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذ باللهِ من شرورِ أنفُسِنا ومن سيئات أعمالِنا.
اتقوا اللهَ معاشرَ المسلمين وراقِبوه، فبالتقوى تصلُح أمورُ الدّين والدُّنيا، وبالتقوى يستقيمُ الفردُ والمجتمعُ .. ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (٢)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (٤).
أيها المسلمون: لا غَرَابة أن تُحاصَرَ الأمةُ الإسلاميةُ من قِبَلِ الأعداءِ، فذاك جزءٌ من العَدَاوةِ والبغضاء، وسعيٌ لتحقيقِ العَنَتِ كما قال تعالى: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٥) ولا غرابةَ حين يسعى اليهودُ والنصارى أو الشيوعيون أو الوثنيون أو المنافقون للعَبَثِ بهويةِ الأمةِ، ومحاربةِ فكرِها وتشويهِ أخلاقِها، والاستهانةِ بقِيَمِها، فذلك سعيٌ منهم لسَلْكِ الأمةِ في مسلكِهم، والله يقول: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ (٦)، ويقول: ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ (٧). ولكن المستغرب حقًا حين يتسلّلُ
стр. 2209
نفرٌ من أبناءِ المسلمين - بعلمٍ أو بجهل - إلى عقائد الأمةِ وأخلاقِها وثوابِتها ومصادرِ التشريع فيها .. ساخرًا مستهزئًا .. أو مشوّهًا ظالمًا، أو مُستَهينًا مستحقِرًا.
وما زال المسلمون بين الفَيْنَةِ والأخرى يسمعون عن أشخاصٍ يسخرون بشيء من شعائر الدين، أو يَلمِزون المطَّوِّعين من المؤمنين، أو يقلِّلون من شأن السُّنةِ النبويةِ، أو يُطلقون لألسنتهم العَنَانَ في الطعنِ بخِيار الأمةِ من الصحابةِ أو التابعين أو العلماء الربّانيين، أو يتحدَّثون عن القِيمِ الإسلاميةِ، والحدودِ الشرعيةِ، وأحكامِ الدين القطعيةِ، على أنها قضايا مطروحةٌ للنقاشِ ولهم الخِيَرَةُ في قَبُولِها أو رفضِها، والله يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (١).
إن الاستهزاءَ بشيءٍ من آياتِ اللهِ أو رسلهِ أو المؤمنينَ باللهِ لإيمانهم .. كفرٌ صُرَاحٌ ورِدّةٌ عن الإسلام، وكما قال تعالى: ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (٢).
حتى وإن ظن ذلك المستهزئُ عند نفسِه أنه لم يأتِ كفرًا، كما قال شيخُ الإسلام ابنُ تيميةَ ﵀ في تعليقه على هذه الآية، فدلّ على أنهم لم يكونوا عند أنفسِهم قد أتوا كُفرًا، بل ظنوا ذلك ليس بكفر، فبيّن أن الاستهزاءَ باللهِ وآياتهِ ورسولِه كفرٌ، يُكفّر به صاحبُه بعد إيمانه (٣).
عبادَ اللهِ: ومن أواخِر ما تَسامَع الناسُ به - في مجال السُّخريةِ بآياتِ اللهِ - الغناءُ بالقرآن، وتلحينُ آياتِه على أنغام الموسيقى وآلاتِ الطّرَبِ، ولم يكن هذا غلطةَ ساخرٍ واحدٍ، بل سَرَى ذلك في عدَدٍ من أصحابِ هذه البضاعةِ المُزْجَاةِ، وتناقلت بعضُ الصُّحفِ أسماءَ عددٍ من هؤلاءِ الساخرين، ونَتَج عن هذا نظرةٌ
стр. 2210
مَشُوبَةٌ بالحَذَرِ والاستغراب لدى عُمومِ المسلمين، الذين يَحمِلون غيرةً على حُرُماتِ الله، سواءً كانوا ملتزمين أو غيرَ ملتزمين بجميع شعائرِ الدِّينِ، لهؤلاء المُغنيّنَ والمغنياتِ.
إن الغناءَ - بحدِّ ذاتِه - محرّمٌ شرعًا، كيف لا! واللهُ يقول في كتابه العزيز: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (١).
سُئل ابنُ مسعود ﵁ عن ﴿لهو الحديث﴾ في هذه الآيةِ، فقال: هو الغِناءُ، واللهِ الذي لا إله إلا هو - يُردّدها ثلاثًا - وكذا قال ابنُ عمرَ، وابنُ عباس وجابرٌ، ومجاهدٌ، وعكرمةُ، والحسنُ، وسعيدُ بن جُبَير، وقَتادةُ، والنّخَعيُّ وميمونُ بنُ مِهْرانَ، ومَكحولٌ (٢).
وقال ابنُ القاسم: سألت مالكًا عن الغناءِ فقال: قال الله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ (٣) أفحقٌّ هو؟ (٤).
وقال القرطبيُّ عند تفسير هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ هذه إحدى الآياتِ الثلاثِ التي استدل بها العلماءُ على كراهةِ الغناءِ والمَنْع منه، والآيةُ الثانية قولهُ تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ (٥) قال ابنُ عباس: هو الغناءُ بالحِمْيريّة: اسْمِدي لنا، أي: غنِّي لنا. والآية الثالثة قولهُ تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ (٦). قال مجاهدٌ: الغناء والمزامير (٧).