← Джавами‘

Джавами‘ · id 20948

شعاع من المحراب

سليمان بن حمد العودة

Полный текст (3 545 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الكلمة- أوحى بها بأمر الله إلى نبيه محمد ﷺ ، وبلغه كذلك بغيرها مما وقع بينه وبين فرعون قي لحظاته الأخيرة، فقد أخرج الإمام أحمد والترمذي عن ابن عباس ﵄ قال قال رسول الله ﷺ : لما قال فرعون ﴿آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل﴾ قال: قال لي جبريل: يا محمد لو رأيتني وقد أخذت حالاً من حال البحر (وهو الطين الأسود في قاع البحر) فدسسته في فيه مخافة أن تناله الرحمة» (١). تلك واحدة من أسرار القرآن، وهي معدودة في دلائل نبوته ﵇ حتى قال الطبري «وفي أخبار القرآن على لسان محمد ﵊ بهذه المغيبات التي لم تكن من علم العرب ولا وقعت إلا في حق بني إسرائيل دليل واضح عند بني إسرائيل قائم عليهم بنبوة محمد ﷺ (٢). والحادثة بمجملها تؤكد نهاية الطغيان وهلاك المجرمين، ونصرة الحق ونجاة المؤمنين، وإذا كانت هذه الحقيقة بارزة في هذا المشهد والحق ينتصر على مشهد من الناس في هذه الحياة، فليس ذلك شأن القصص كله في القرآن، إذ ليس أمد النصر ينتهي في هذه الحياة: وليس معنى النصر مقصورًا على النصر المحسوس للناس، فقد ينال النصر فرد أو مجموعة من الصادقين وإن خيل للناس أنهم قد استضعفوا أو أهينوا أو غلبوا في هذه الحياة الدنيا أجل لقد انتصر الخليل ﵇ على الطغاة وإن قذف في النار، وانتصر أصحاب الأخدود وإن حفرت لهم الأخاديد وأحرقوا، وانتصر الغلام المؤمن وإن كانت روحه قد أزهقت على ملأ الناس الذي لم يتمالكوا أنفسهم وقالوا آمنا برب الغلام. وهكذا يبدو النصر أشمل من صورته الظاهرة المحسوسة، وينبغي أن يعلم الناس أن الثبات على المبدأ الحق حتى الممات نصر، وأن نصر المبادئ والقيم

стр. 247

نجاح ونصر، وينبغي ألا يصاب الناس بالإحباط إذا لم يشهدوا نصر الحق وأهله في هذه الحياة الدنيا، فليست هذه الدار نهاية المطاف، بل وليست أعمارهم هم مستغرقة لكل هذه الحياة الدنيا وقد يشهد أبناؤهم أو أحفادهم النصر الذي بذرت بذوره الأولى في عهد آبائهم وأجدادهم، ولهذا أوحى الله إلى نبيه ﷺ فيما أوحى ﴿وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون﴾ (١)، وأوحى إليه أيضًا ﴿فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون﴾ (٢). كل ذلك حتى لا يستعجل النصر ولا يتعلق به أكثر وتعلقه بتهيئة أسبابه والصبر على متطلباته. تلك قيمة كبرى من قيم القرآن، وعبرة عظمى من عبر التاريخ لابد من وعيها. ولله الأمر من قبل ومن بعد ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

стр. 248

الخطبة الثانية الحمد لله الواحد القهار، ذي الجبروت والسلطان، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر أنبياء الله ورسله، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. إخوة الإسلام ثمة درس ثالث وقيمة كبرى نستفيدها من قصص القرآن ألا وهي الحفاظ على النصر، ومضاعفة الشكر حين تتضاعف النعم، وكما يمتحن الله بالضعف والذلة والهزيمة والمطاردة يمتحن بذلك بالقوة والعزة والنصر والتمكين، فمن الناس من يصبر حال الضعف والقلة، ولا يشكر في حال القوة والكثرة، والمؤمنون الصادقون هم الذين يصبرون في الضراء ويشكرون في السراء قال ﵊ «عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له» رواه مسلم. ووصف الله عباده الذين يستحقون التمكين في الأرض ويستحقون النصر بقوله ﴿ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور﴾ (١). وتعالوا بنا إخوة الإيمان لنقرأ على عجل شيئًا من تاريخ هذه الأمة التي نصرت ورأت من آيات الله الباهرات ما رأت، هل قدرت هذا النصر وأورثها التقى والهدى واتباع المرسلين، أم زاغت وحرفت وبدلت وآذت المرسلين؟ .

стр. 249

إن تاريخ بني إسرائيل شهد من المعجزات على يدي موسى ﵇ ما لم تشهده أمة من الأمم قبلهم، وشهد في الوقت نفسه من الحيل والصدود والإيذاء لموسى ﵇ ما يجل عن الوصف، وحذرت هذه الأمة أن تسلك مسلكهم ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيهًا﴾ (١). وإليكم طرفًا من سيرتهم: ذكر أبو بكر بن أبي شيبة عن قيس بن عباد أن بني إسرائيل قالت: وما مات فرعون وما كان ليموت أبدًا، فلما أن سمع الله تكذيبهم بنبيه ﵇ رمى به على ساحل البحر كأنه ثور أحمر يتراءاه بنو إسرائيل، فلما اطمأنوا وبعثوا من طريق البر إلى مدائن فرعون حتى نقلوا كنوزه وغرقوا في النعمة رأوا قومًا يعكفون على أصنام لهم قالوا: يا موسى اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة- حتى زجرهم موسى وقال: أغير الله أبغيكم إلهًا وهو فضلكم على العالمين- أي عالمي زمانه- ثم أمرهم أن يسيروا إلى الأرض المقدسة التي كانت مساكن آبائهم ويتطهروا من أرض فرعون، وكانت الأرض المقدسة في أيدي الجبارين قد غلبوا عليها، فاحتاجوا إلى دفعهم عنها بالقتال، فقالوا: أتريد أن تجعلنا لحمة للجبارين، فلو أنك تركتنا في يد فرعون لكان خيرًا لنا فدعا عليهم وسماهم فاسقين .. فبقوا في التيه أربعين سنة عقوبة لهم، ثم رحمهم فمن عليهم بالسلوى والغمام. ثم سار موسى ﵇ إلى طور سيناء ليجيئهم بالتوراة فاتخذوا العجل، ثم قيل لهم: قد وصلتم إلى بيت المقدس فادخلوا الباب سجدًا وقولوا حطة، فبدلوا وأنزل الله بهم وأنزل كما في القرآن الكريم، وكان موسى ﵇ شديد الحياء

стр. 250

ستيرًا وكانوا هم يغتسلون عراة يرى بعضهم عورة بعض، فقالوا: ما استتر إلا أنه آدر أي من عيب خلقي في خصيته- حتى كشف الله لهم الحقيقة حينما ذهب الحجر بثوبه فأبصروه لا عيب فيه، ولما مات هارون قالوا: أنت قتلته وحسدته حتى نزلت الملائكة بسريره وهارون ميت عليه .. إلى غير ذلك من مواقفهم المشينة حتى بلغ بهم الأمر أن بدلوا التوراة، وافتروا على الله، وكتبوا بأيديهم ما لم يأذن به الله، واشتروا به عرضًا من الدنيا، ثم صار أمرهم إلى أن قتلوا أنبياءهم ورسلهم، فهذه معاملتهم مع ربهم وسيرتهم في دينهم وسوء أخلاقهم (١). أجل لقد شاء الله أن تكون هذه الأمة نموذجًا لمن بغى وتجبر وأعرض وأنكل بعد أن أبصر من آيات الله ما أبصر فأحل الله بهم بأسه ومسخهم قردة وخنازير وألحقهم بمن سلفهم، وكذلك تعمى القلوب وتصم الآذان عن رؤية الحق وسماع الهدى لدى القوم الفاسقين الغافلين، وصدق الله ﴿وما تغنى الآيات والنذر عن قوم ير يؤمنون﴾ (٢). إخوة الإيمان هذه الملحمة الكبرى وهذا النصر المبين لحزب الله المؤمنين والغرق والهلاك للطغاة والمفسدين وقع كله في العاشر من هذا الشهر شهر الله المحرم، وعليه فيوم عاشوراء يوم من أيام الإيمان، ومناسبة تستحق الشكر والعرفان- بما شرع الله لا بما يهوى البشر، لا بما يتوارثه أصحاب النحل والملل والأهواء الفاسدة. وقد قدر المؤمنون على مدار التاريخ هذا اليوم وعظموه وكانت اليهود يصومون ويقولون: إن موسى ﵇ صامه شكرًا لله، فصامه الرسول ﷺ وقال:

стр. 251

«نحن أحق بموسى منكم»، بل كانت العرب في جاهليتها تصوم ذلك اليوم وتعظمه وتكسو فيه الكعبة (١)، وأمر النبي ﷺ بمخالفة اليهود وصيام التاسع مع العاشر فقال: «إن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع» (يعني مع العاشر) (٢). وصيام التاسع مع العاشر هو أصح ما جاء، وعليه أكثر الأحاديث، أما حديث «صوموا يومًا قبله أو يومًا بعده» فالمرفوع منه للنبي ﷺ ضعيف، والموقوف على ابن عباس ﵄ صحيح (٣) وكذلك حديث «صوموا يومًا قبله ويومًا بعده» (٤). وإن كان ابن القيم ذكر مراتب صيامه فقال: «أكملها أن يقام قبله يوم وبعده يوم، ويلي ذلك أن يصام التاسع والعاشر، وعليه أكثر الأحاديث، ويلي ذلك إفراد العاشر وحده بالصوم» (٥). معاشر المسلمين قدروا هذا اليوم وصوموه قربة لله وشكرًا، واحتسابًا للمغفرة والمثوبة، فقد قال ﵊: «صوم عاشوراء يكفر سنة ماضية» واسألوا الله النصر للإسلام والمسلمين. فالذي قدر النصر للسابقين قادر على إنزال النصر على اللاحقين.

стр. 252

ليث الإسلام والبطل الهمام (١) الخطبة الأولى إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا .. أما بعد إخوة الإسلام فلا تزال صفحات مشرقة من تاريخنا تحتاج إلى جلاء وبيان .. وتحتاج إلى وقفات متأملة غايتها العظة والاعتبار، ولا يزال عدد من ملوك الإسلام وخلفائه وسلاطينه أو قادته ورجاله العظام يكتنف شخصياتهم الغموض عند أبناء الإسلام للجهل بسيرهم وعدم معرفة أحوالهم أو تقدير جدهم وجهادهم في سبيل هذا الدين، والدفاع عن بيضة الإسلام والمسلمين. وما أروع قراءة الصحيح من تاريخ المسلمين! وما أجمل التأمل في ملاحمهم! فهي من جانب تؤنس الفرد وتسري عنه، وتخفف جزءًا من همومه إن قدر له العيش في فترة يستذل فيها المسلمون، ويتصدر القيادة غيرهم من اليهود والنصارى أو سواهم من الكفرة والملحدين، وهي من جانب آخر تشعره بأن تاريخه لا يبدأ من تاريخ ولادته، وينتهي بوفاته، وإنما يمتد تاريخه في غابر السنين وعبر القرون .. لكن هذه القرون حافلة بالنصر والهزيمة والعزة والذلة، والاجتماع والفرقة، والقوة والضعف وهو في تأمله يرصد أسباب النصر والتمكين، ويقف على أسباب الهزيمة والضعف للمسلمين، فلا تعد الأحداث في أي عصر تفاجأه، ولا تعد الأوضاع في أي مصر تخرج عن إطار نظرته وتقويمه، فهناك سنن كونية ثابتة يستدل بها، وهناك قواعد كلية يحتكم إليها.

стр. 253

وبكل حال فقراءة التاريخ يزود القارئ برصيد كبير من التجارب، ويضيف إلى معارفه عددًا من المعارف إن شاء في دنياه وإن شاء في دنياه وأخراه. وهذا هو المهم فالإنسان في هذه الحياة يحتاج إلى من يدفع مسيرته إلى الله، ويحتاج إلى نماذج عملية شقت طريقها في الحياة، ورسمت له معالم الطريق علمًا وعملاً، وجهادًا وتربية، وإخلاصًا ومتابعة، وبذلك تقطع وساوس الشيطان، ويتخلص الفرد من ضعف الهمة والتردد في عمل الخير، ويضمر شعوره بالوحدة في الميدان. وإذا كنت أسلفت الحديث عن صلاح الدين الأيوبي وجهاده يرحمه الله، فحديث اليوم عن نموذج آخر لا يقل عن صلاح الدين، بل ربما فاقه في بعض الجوانب، على الرغم من جهل بعض المسلمين بسيرته، وعدم وضوح جوانب من شخصيته عند آخرين. إنه الملك العادل ليث الإسلام نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي، ترتبط أسرته بدولة السلاجقة العظام، فهو من نسل الأتابكة لهذه الدولة السلجوقية، وتعني كلمة الأتابكة: مربي الأمير، وكان السلاجقة يعهدون بتربية أبنائهم إلى المقربين إليهم من الأتراك، الذين ترعرعوا في كنفهم، وإذا عين السلطان أحد أبنائه على مدينة من المدن أو ولاية من الولايات أرسل معه هذا التركي (المربي) ليعاونه في الحكم ويسدي إليه النصح .. وسرعان ما أصبح هؤلاء الأتابك أصحاب النفوذ الفعلي في الولايات التي عهد إليهم بالحكم فيها (١). ومن هذه السلالة الأتابكية التركية خرج نور الدين محمود ومع أنه لم يكن من أصحاب الملك الأصليين، ولم يك من ذوي النسب المرموقين، فقد فاق غيره من أصحاب النسب والحسب، وحقق لأمة الإسلام وأبناء المسلمين ما تجاوز

стр. 254

خيال الواصفين، وإليك شيئًا من سيرته التي يجتمع فيها العلم والإيمان، ويتوفر فيها الشجاعة والإقدام، وهي نموذج للعبادة والزهد والعدل بين بني الإنسان، وهو من ذوي العفة لليد واللسان، وليس من أرباب شهوات البطن والفرج بلا رادع أو ميزان، كتب في سيرته أهل التاريخ وأصحاب التراجم، لكن ابن الأثير قدم لسيرته بالقول: (وقد طالعت سير الملوك المتقدمين فلم أر فيهم بعد الخلفاء الراشدين وعصر ابن عبد العزيز أحسن من سيرته ولا أكثر تحريًا منه للعدل) (١). وهذا إن وجد فيه مبالغة من ابن الأثير يرحمه الله- فهو يدلك على قدر هذا الملك وعظيم منزلته وعلو مناقبه. ثم تحدث عن زهده وعبادته وعلمه فقال: كلام لا يأكل ولا يلبس ولا يتصرف في الذي يخصه إلا من ملك كان له قد اشتراه من سهمه من الغنيمة ومن الأموال المرصدة لمصالح المسلمين، ولقد شكت إليه زوجته من الضائقة فأعطاها ثلاثة دكاكين في حمص كانت له ومنها يحصل له في السنة نحو عشرين دينارًا فلما استقلتها قال: ليس لي إلا هذا، وجميع ما بيدي أنا فيه خازن للمسلمين لا أخونهم ولا أخوض نار جهنم لأجلك. وكان يصلي كثيرًا بالليل وله فيه أوراد حسنة، وكان كما قيل: جمع الشجاعة والخشوع لربه ... ما أحسن المحراب في المحراب (٢). وذكر ابن كثير في ترجمته لنور الدين أن الزهد والعفاف بلغ به إلى حد استفتى معه العلماء في مقدار ما يحل له من بيت المال فكان يتناوله ولا يزيد عليه شيئًا ولو مات جوعا (٣).

стр. 255

بل بلغ في عبادته وذله لربه وخشوعه بين يديه ما حكاه سبط ابن الجوذي قال: حكى لي نجم الدين بن سلام عن والده أن الفرنج (النصارى) لما نزلت على (دمياط) ما زال نور الدين عشرين يومًا يصوم ولا يفطر إلا على الماء، فضعف وكاد يتلف. وكان مهيبًا ما يجسر أحد يخاطبه في ذلك، فقال إمامه يحيى: إنه رأى النبي ﷺ في النوم يقول: يا يحيي بشر نور الدين برحيل الفرنج عن دمياط، فقلت: يا رسول الله! ربما لا يصدقني، فقال: قل له: بعلامة يوم حارم. وانتبه يحيى، فلما صلى نور الدين الصبح وشرع يدعو، هابه يحيى، فقال له: يا يحيى تحدثني أو أحدثك؟ فارتعد يحيى وخرس فقال نور الدين: أنا أحدثك، رأيت النبي ﷺ هذه الليلة وقال لك كذا وكذا، قال: نعم، فبالله يا مولانا ما معنى قوله: بعلامة يوم حارم؟ فقال نور الدين: لما التقينا بالعدو خفت على الإسلام، فانفردت ونزلت ومرغت وجهي على التراب، وقلت: يا سيدي: من محمود في البين، الدين دينك، والجند جندك، وهذا اليوم أفعل ما يليق بكرمك، قال: فنصرنا الله عليهم (١). إخوة الإسلام كان ليث الإسلام والبطل الهمام نور الدين محمود صادقًا مع نفسه ومع ربه، لا يأكل الحرام ولا يشربه ولا يلبسه ولا غرابة أن تستجاب له الدعوة، بل ورد في سيرته أنه يأكل من كسب يده، وكانت له عجائز فكان يخيط الكوافي، ويعمل السكاكر فيبعنها له سرًا ويفطر على ثمنها (٢). وخلاصة القول فهو كما قال الذهبي: كان دينًا نقيًا لا يري بذلك الأموال إلا في نفع، وما للشعراء عنده نفاق، وقد اصطبغت رعيته بصبغته كما قال الشاعر:

стр. 256

سلطاننا زاهد والناس قد زهدوا ... له فكل على الخيرات منكمش أيامه مثل شهر الصوم طاهرة ... من المعاصي وفيها الجوع والعطش (١). أيها المسلمون وهل يمكن أن يكون هذا الزهد والعفاف والتقى والدين وتلك العبادة والإنابة لرجل خلو من العلم أو بعيد عن العلماء؟ كلا. وإليكم شيئًا من حرصه على العلم وإكرامه للعلماء. فقد نقل ابن الأثير عنه أنه كان عارفًا بالفقه على مذهب أبي حنيفة، ليس عنده فيه تعصب، وسمع الحديث وأسمعه طلبًا للأجر .. وكان يكرم العلماء وأهل الدين ويعظمهم ويعطيهم ويقوم إليهم، ويجلس معهم وينبسط ولا يرد لهم قولاً، ويكاتبهم بخط يده (٢). وذكر ابن كثير أنه كانت له هيبة، ولذلك كان أكابر رجاله يقفون بين يديه، ولا يجلسون إلا بإذنه سوى نجم الدين أيوب (والد صلاح الدين الأيوبي) ومع هذا كان إذا دخل أحد الفقهاء أو الفقراء قام له ومشى خطوات وأجلسه معه على سجادته في وقار وسكون، وإذا أعطى أحدًا منهم شيئًا مستكثرًا يقول: هؤلاء جند الله وبدعائهم ننصر على الأعداء، ولهم في بيت المال حق أضعاف ما نعطيهم، فإذا رضوا منا ببعض حقوقهم فلهم المنة علينا. بل نقل ابن كثير لنا أكثر من هذا في سبيل إكرام هذا الملك العادل والمجاهد الصادق للعلماء، ومنعه العامة أن تنالهم بسوء أو أذى حتى ولو وقع ذلك من كبار الأمراء، وإليك هذه الحادثة فاعقلها، واعلم ما فيها من الحكمة والأدب، فقد نال بعض الأمراء مرة عنده من الفقهاء وهو قطب الدين النيسابوري- فقال له

стр. 257

نور الدين: ويحك إن كان ما تقول حقًّا فله من الحسنات الكثيرة الماحية كذلك ما ليس عندك، مما يكفر عنه سيئات ما ذكرت، إن كنت صادقًا، على أني والله لا أصدقك، وإن عدت ذكرته أو أحدًا غيره عندي بسوء لأوذينك، فكف عنه ولم يذكره بعد ذلك (١). إنه الدفاع الواعي عن أعراض العلماء، ينبغي على كل أحد، ولكن يطيب ويحسن إذا صدر من الولاة والأمراء للصادقين من العلماء.

стр. 258

الخطبة الثانية الحمد لله رب العالمين واهب النعم ومحل النقم، أحمده تعالى وأشكره، وأثني عليه الخير كله، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخيرته من خلقه اللهم صل وسلم عليه وعلى إخوانه وآله، وارض اللهم عن الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. إخوة الإسلام ولا تكاد تنقضي عجائب هذا الملك العادل، أو تحصر مناقبه وسأكتفي بالوقوف عند منقبتين من مناقبه- غير ما سلف- هما: العدل والجهاد، إذ هو كما وصفه الإمام الذهبي: حامل رايتي العدل والجهاد، قل أن ترى العيون مثله، حاصر دمشق تم تملكها وبقي بها عشرين سنة .. وكان بطلاً شجاعًا وافر الهيبة، حسن الرمي، مليح الشكل، ذا تعبد وخوف وورع، وكان يتعرض للشهادة، سمعه كاتبه أبو اليسر يسأل الله أن يحشره من بطون السباع وحواصل الطير .. قال ابن واصل- كما نقل الذهبي- كان من أقوى الناس قلبًا وبدنًا لم ير على ظهر فرس أحد أشد منه، كأنما خلق عليه لا يتحرك وكان يقول: طالما تعرضت للشهادة فلم أدركها. قال الذهبي: قد أدركها على فراشه وعلى ألسنة الناس (وهم يقولون) نور الدين الشهيد (١). وإليك أخي المسلم هذا الحوار المعبر عن شجاعته وبذله لنفسه في سبيل الله، فقد قال له يومًا قطب الدين النيسابوري: بالله يا مولانا السلطان لا تخاطر

стр. 259

بنفسك، فإنك لو قتلت قتل جميع من معك، وأخذت البلاد، وفسد حال المسلمين. فقال له: اسكت يا قطب الدين فإن قولك إساءة أدب على الله، ومن هو محمود؟ من كان يحفظ الدين والبلاد قبلي غير الذي لا إله إلا هو؟ ومن هو محمود؟ قال: فبكى من كان حاضرًا ﵀ (١). إذا كان ذلك كذلك فلا غرابة أن يفتح القلاع ويدك الحصون، حتى فتح الله على يديه وانتزع من الكفار نيفًا وخمسين مدينة وحصنًا (٢) وينشر الله رعبه في قلوب الأعداء، فضلاً عن هيبة الصلحاء، حتى أن بعض المسلمين حينما دخلوا بلاد القدس للزيارة أيام كانت القدس مع الفرنج سمعوا الفرنج وهم يقولون: إن القسيم ابن القسيم- يعنون نور الدين- له مع الله سر، فإنه لم يظفر وينصر علينا بكثرة جنده وجيشه، وإنما يظفر علينا وينصر بالدعاء وصلاة الليل، فإنه يصلي بالليل، ويرفع يده إلى الله، ويدعو فيستجيب له ويعطيه سؤله، فيظفر علينا، قال: فهذا كلام الكفار في حقه (٣). أيها الإخوة المسلمون .. أما عدل نور الدين محمود- يرحمه الله- فهو مثار الوصف، ومحل الإعجاب، فهو أول من ابتنى دارًا للعدل- كما نقل ابن الأثير وابن كثير- وكان يجلس فيها في الأسبوع مرتين، وقيل أربع مرات وقيل خمس، ويحضر القاضي والفقهاء من سائر المذاهب، ولا يحجبه يومئذ حاجبه ولا غيره، بل يصل إليه القوي والضعيف، فكان يكلم الناس ويستفهمهم ويخاطبهم بنفسه فيكشف المظالم وينصف المظلوم.

стр. 260

وبلغ من عدله أن رأى يومًا رجلاً يحدث آخر ويومئ إلى نور الدين، فبعث الحاجب ليسأله ما شأنه؟ فإذا هو رجل معه رسول من جهة الحاكم، وهو يزعم أن له على نور الدين حقًا يريد أن يحاكمه عند القاضي، فلما رجع الحاجب وأعلم نور الدين ألقى ما بيده وأقبل مع خصمه ماشيًا إلى القاضي الشهرزوري، وأرسل إلى القاضي يقول له: لا تعاملني إلا معاملة الخصوم. ثم وقف مع خصمه أمام القاضي حتى انفصلت الخصومة ولم يثبت للرجل على نور الدين حق، بل ثبت الحق للسلطان على الرجل، فلما تبين ذلك قال للسلطان: إنما جئت معه لئلا يتخلف أحد عن الحضور إلى الشرع إذا دعي إليه، فإنما نحن معاشر الحكام أعلانا وأدنانا شجنكية لرسول الله ﷺ ولشرعه، فنحن قائمون بين يديه طوع مراسيمه، فما أمر به امتثلناه، وما نهانا عنه اجتنبناه، وأنا أعلم أنه لا حق للرجل عندي، ومع هذا أشهدكم أني قد ملكته ذلك الذي ادعى به، ووهبته له (١). لا غرابة بعد ذلك أن تتعلق الرعية به، ويطير صيته في الآفاق، كيف لا وقد أكثر من أعمال البر والإحسان إلى الناس، فعمر المساجد، وبنى المدارس، وأقام المستشفيات، وأسقط عنهم المكوس والضرائب، وما أبقى سوى الجزية والخراج والعشر، وكتب بذلك إلى جميع ولاته في البلاد، فكتبت له أكثر من ألف منشور. كما نقل ذلك العماد في البرق الشامي (٢). بل نقل الحافظ ابن كثير أنه كتب إلى الناس ليكون منهم في حل مما كان أخذ منهم ويقول لهم: إنما صرف ذلك في قتال: أعدائكم من الكفرة والذب عن بلادكم ونسائكم وأولادكم، وأمر الوعاظ أن يستحلوا به من التجار (٣).

стр. 261

إخوة الإسلام بهذه النوعية من الرجال تُرسى دعائم الملك، وبهذه السياسة الحكيمة تصلح الرعية، وبهذه الهمم العالية والدعوات الصادقة ينتصر المسلمون ويذل الكفرة والمنافقون .. والله غالب على أمره وله الأمر من قبل ومن بعد، وهو الحليم الخبير. اللهم هيء للمسلمين قادةً صالحين أمثال نور الدين وصلاح الدين واجعل المهابة للمسلمين في صدور الكافرين وأذهب ما حل بالمسلمين من ذل وهوان يا رب العالمين.

стр. 262

لماذا يتأخر النصر ؟ (١) الخطبة الأولى الحمد لله رب العالمين تكفل بإظهار هذا الدين، ووعد بنصرة المؤمنين، فقال في كتابه المبين: ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وكان حقًا علينا نصر المؤمنين﴾ (٣) وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له اقتضت حكمته أن يديل الإسلام والمسلمين تارة، ويدير الكفر والكافين تارةً أخرى، وصدق الله ﴿وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين، وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين﴾ (٤). وأشهد أن محمداً عبده ورسوله عاش فترة من حياته والمسلمون معه في مكة ظروف المحنة وشدة الابتلاء حتى جاء الله بالنصر والفتح المبين، وعاد المحاربون له مسالمين مؤمنين، بل وفي عداد الغزاة الفاتحين. اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر المرسلين، وارض اللهم عن الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا﴾.

стр. 263

أيها المسلمون ... يتكرر في فترات من التاريخ لمن تأمل انسياح الإسلام في الأرض وغلبة المسلمين، أو انحسار مدِّ الإسلام وهيمنة غير المسلمين، وإذا كانت أكثرية المسلمين تلتزم بالإسلام في حالة غلبته، فإن القلة من المسلمين من يتمالك نفسه ويلتزم بمقتضيات العقيدة والدين ويصبر على اللأواء والمحن في حال غلبة أعداء الدين، إذ من الناس من يصاب بالهلع وفقدان الثقة بنصرة هذا الدين، ويصاب آخرون بالإحباط واليأس والقنوط من رحمة الله، والتسخط لأقدار الله، وتلك أدواء قاتلة وهي منافية لحقيقة التوحيد من الصبر واليقين والتقوى والتوكل على رب العالمين. إخوة الإيمان وهذا الشعور قديم وهذه الفتنة غير مستحدثة، وهذا الهاجس تحدث عنه العلماء السابقون، وذلك حين أصيبت الأمة، وكاد اليأس يلف بعض المنتسبين للإسلام، يقول شيخ الإسلام ابن تيميه ﵀، (وهنا نكتةٌ نافعة، وهي أن الإنسان قد يسمع ويرى ما يصيبُ كثيرًا من أهل الإيمان والإسلام في الدنيا من المصائب، وما يصيب كثيرًا من الكفار والفجار في الدنيا من الرياسة والمال وغير ذلك، فيعتقد أن النعيم في الدنيا لا يكون إلا لأهل الكفر والفجور، وأن المؤمنين ليس لهم في الدنيا ما يتنعمون به إلا قليلاً، وكذلك قد يعتقد أن العزة والنصرة قد تستقر للكفار والمنافقين على المؤمنين، وإذا سمع ما جاء في القرآن من أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين وأن العاقبة للتقوى، وقول الله تعالى: ﴿وإن جندنا لهم الغالبون﴾ (١) وهو ممن يُصدِّق بالقرآن حمل هذه الآيات على الدار الآخرة فقط، وقال: أما في الدنيا فما نرى بأعيننا إلا أن الكفار والمنافقين فيها يظهرون ويغلبون المؤمنين ... الخ (٢).

стр. 264

وهذا تلميذه الشيخُ ابن القيم ﵀، يعرض أمام ناظريك أيها المسلم الحكمة من وراء تمكين أهل الكفر والفسوق والعصيان فيقول: «وكان في تمكين أهل الكفر والفسوق والعصيان من ذلك إيصالُ أولياء الله إلى الكمال الذي يحصل لهم بمعاداة هؤلاء وجهادهم والإنكار عليهم والموالاة فيه والمعاداة فيه، وبذل نفوسهم وأموالهم وقواهم له، فإن تمام العبودية لا يحصل إلا بالمحبة الصادقة، وإنما تكون المحبةُ صادقةً إذا بذل فيها المحب ما يملكه من مال ورياسة وقوة في مرضاة محبوبه والتقرب إليه، فإن بذل له روحه كان ذلك أعلى درجات المحبة، ومن المعلوم أن من لوازم ذلك ... أن يخلق ذواتًا وأسبابًا وأعمالاً وأخلاقًا وطبائع تقتضي معاداة من يحبه ... إلى أن يقول: فلولا خلق الأضداد وتسليط أعدائه وامتحان أوليائه لم يستخرج خاص العبودية من عبيده الذين هم عبيده، ولم يحصل لهم عبودية الموالاة فيه والمعاداة فيه والحب فيه والبغض فيه، والعطاء له والمنع له (١). أيها المؤمنون نستبطئ النصر أحيانًا ونحن بعد لم نقدم للنصر ثمنًا، ونستجعل النصر وقد لا يكون حان وقته بعد، ونتطلع إلى تغير مفاجئ في العالم ونحن بعد لم نغير ما بأنفسنا. وبالجملة فهناك معوقات للنصر وأسباب لتأخره، يعرفها العلماء ويجهلها البسطاء، وأسوق لكم طرفًا منها استجمعها صاحب الظلال- يرحمه الله- فاعقلوها وقارنوا واقع المسلمين بها، يقول سيد قطب- ﵀: (والنصر قد يبطئ لأن بنية الأمة المؤمنة لم ينضج بعد نضخها، ولم يتم بعد تمامها، ولم تحشد بعد طاقاتها، ولم تتحفز كل خلية وتتجمع لتعرف أقصى

стр. 265

المذخور فيها من قوة واستعدادات، فلو نالت النصر حينئذ لفقدته وشيكًا لعدم قدرتها على حمايته طويلاً .. وقد يبطئ النصر حتى تبذل الأمة المؤمنة آخر ما في طوقها من قوة، وآخر ما تملكه من رصيد فلا تستبقي عريزًا ولا غاليًا، إلا وتبذله هينًا رخيصًا في سبيل الله. وقد يبطئ النصر حتى تجرب الأمة المؤمنة آخر قواها، فتدرك أن هذه القوى وحدها بدون سند من الله لا تكفل النصر .. إنما يتنزل النصر من عند الله عندما تبذل آخر ما في طوقها ثم تكل الأمر بعدها إلى الله .. وقد يبطئ النصر لأن البيئة لا تصلح بعد لاستقبال الحق والخير والعدل الذي تمثله الأمة المؤمنة، فلو انتصرت حينئذ للقيت معارضة من البيئة لا يستقر معها قرار، فيظل الفراغ قائمًا حتى تتهيأ النفوس من حوله لاستقبال الحق الظافر لاستبقائه. «من أجل هذا كله، ومن أجل غيره مما يعلمه الله، قد يبطئ النصر، فتتضاعف التضحيات وتتضاعف الآلام، مع دفاع الله عن الذين آمنوا وتحقيق النصر لهم في النهاية، وللنصير تكاليفه وأعباؤه حين يتأذن الله به بعد استيفائه أسبابه، وأداء ثمنه، وتهيؤ الجو حوله لاستقباله واستبقائه». وقد تبطئ النصر لتزيد الأمة المؤمنة صلتها بالله، وهي تعاني وتتألم وتبذل، ولا تجد لها سندًا إلا الله ولا متوجهًا إلا إليه وحده في الضراء .. وهذه الصلة هي الضمانة الأولى لاستقامتها على النهج بعد النصر عندما يتأذن به الله .. فلا تغطى ولا تنحرف عن الحق والعدل والخير الذي نصرها الله به. وقد يبطئ النصر لأن الأمة المؤمنة لم تتجرد بعد في كفاحها وبذلها وتضحياتها لله ولدعوته، فهي تقاتل لمغنم تحققه، أو تقاتل حمية لذاتها، أو

стр. 266

تقاتل شجاعة أمام أعدائها، والله يريد أن يكون الجهاد له وحده وفي سبيله، بريئًا من المشاعر الأخرى التي تلابسه. وقد سئل رسول الله ﷺ : «الرجل يقاتل حمية، والرجل يقاتل شجاعة، والرجل يقاتل ليرى فأيها في سبيل الله؟ فقال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» (١). كما قد يبطئ النصر لأن في الشر الذي تكافحه الأمة المؤمنة بقية من خير يريد الله أن يجرد الشر منها ليتمحص خالصًا، ويذهب وحده هالكًا، لا تتلبس به ذرةٌ من خيار تذهب في الغمار .. وقد يبطئ النصر لأن الباطل الذي تحاربه الأمة المؤمنة لم ينكشف زيفه للناس تمامًا، فلو غلبه المؤمنون حينئذ فقد يجد له أنصاراً من المخدوعين فيه، لم يقتنعوا بعد بفساده وضرورة زواله، فتظل له جذور في نفوس الأبرياء الذين لم تنكشف لهم الحقيقة، فيشاء الله أن يبقى الباطل حتى يتكشف عاريًا للناس ويذهب غير مأسوف عليه من ذي بقية) (٢). أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ ... إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءًا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال﴾ (٣). نفعني الله وإياكم بهدي كتابه.

стр. 267

الخطبة الثانية الحمد لله رب العالمين ﴿له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون﴾ (١) وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله إمام المتقين اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر المرسلين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد إخوة الإسلام فينبغي ألا يخامر المسلم شك بنصرة الله لهذا الدين، حتى وإن لم يره بأم عينه وتحقق لأجيال بعده، فحسبه أن يكون جنديًا صادقًا في سبيل خدمة هذا الدين، وحسبه أن يموت يوم يموت، وهو يحسن الظن بربه ويستشعر بمسئوليته تجاه دينه، قد حرر عبوديته لله ... أما النصر فلابد من اكتمال أسبابه وزال معوقاته، والله يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد، ووعده حق، ونصره قريب، وأمره بين الكاف والنون ... ولكن ثمة أدواء يتلبس بها المسلمون وهم يستشرفون النصر، ونصر الله عزيز لا بد فيه من تمحيص الصفوف، ولابد من تمييز الخبيث من الطيب، لابد من سقوطٍ لأصحاب المطامع والأهواء، ولابد من تجريد للصفوة المختارة التي يحبها الله وتستحق نصره، لابد من تمييز المجاهدين الصادقين من المتقوّلين المنتفعين ... عباد الله ... وليست المسؤولية في هذا على الناس على حدٍ سواء فكل بحسبه، وليست العبودية المؤهلة للنصر ضربًا من الأماني أو قدرًا محدودًا من العبادات، يظن المرء فيها أنه بلغ قمة الإيمان واستحق النصر لولا فساد

стр. 268

الآخرين بزعمه ... كلا فالمسؤولية كبيرة والعبودية المرادة لله شاملة، واسمع إلى أحد علماء السلف وهو يشخص الحال وكأنه يعيش اليوم بين ظهراني المسلمين، ويقول ابن القيم في كتابه القيم «أعلام الموقعين عن رب العالمين» وهو يتحدث عن نوعي العبودية العامة والخاصة: « ... ولله سبحانه على كل أحدٍ عبوديةٌ بحسب مرتبته، سوى العبودية العامة التي سوّى بين عباده فيها: فعلى العالم من عبودية نشر السنة والعلم الذي بعث الله به رسله ما ليس على الجاهل، وعليه من عبودية الصبر على ذلك ما ليس على غيره، وعلى الحاكم من عبودية إقامة الحق وتنفيذه وإلزامه من هو عليه به والصبر على ذلك والجهاد عليه ما ليس على المفتي، وعلى الغني من عبودية أداء الحقوق التي في ماله ما ليس على الفقير، وعلى القادر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بيده ولسانه ما ليس على العاجز عنهما. وتكلم يحيى بن معاذ الرازي يومًا في الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقالت له امرأة: هذا واجب قد وضع عنا فقال: هبي أنه قد وضع عنكن سلاح اليد واللسان فلم يوضع عنكن سلاح القلب، فقالت: صدقت جزاك الله خيرًا. أن يقول الشيخ ﵀، وقد غر إبليسُ أكثر الخلق بأن حسّن لهم القيام بنوع من الذكر والقراءة والصلاة والصيام والزهد في الدنيا والانقطاع، وعطلوا هذه العبوديات فلم يُحدِّثوا قلوبهم بالقيام بها، وهؤلاء عند ورثة الأنبياء من أقل الناس دينًا، فإن الدين هو القيام لله بما أمر به، فتارك حقوق الله التي تجب عليه أسوأ حالاً عند الله ورسوله من مرتكبِ المعاصي ... إلى أن يقول: ومن له خبرةٌ بما بعث الله به رسوله ﷺ وبما عليه هو وأصحابه رأى أن أكثر من يُشار إليهم بالدين. هم أقل الناس دينًا والله المستعان، وأي دين وأي خير فيمن يرى محارم الله تنتهك وحدوده تضاع، ودينه يترك، وسنة رسول الله ﷺ يرغب

стр. 269

عنها، وهو بارد القلب ساكت اللسان شيطان أخرص، كما أن المتكلم بالباطل شيطان ناطق، وهل بلية الدين إلا من هؤلاء الذين إذا سلمت لهم مآكلهم ورياستهم فلامبالاة بما جرى على الدين؟ وخيارهم المتحصن المتلمظ، ولو نوزع في بعض ما فيه غضاضةٌ عليه في جاهه أو ماله بذل وتبذل وجد واجتهد، واستعمل مراتبَ الإنكارِ الثلاثة بحسب وسعه، وهؤلاء- كما يقول الشيخ ﵀ مع سقوطهم من عين الله ومقت الله لهم قد بُلوا في الدنيا بأعظم بلية تكون وهم لا يشعرون وهو موت القلوب، فإن القلب كلما كانت حياته أتم كان غضبه لله ورسوله أقوى، وانتصاره للدين أكمل (١). أيها المسلمون في ترك أمر الله وعدم التمعر لشيوع الفساد والمنكر وقد ذكر الإمام أحمد وغيرة أثرًا أن الله سبحانه أوحى إلى ملك من الملائكة أن اخسف بقرية كذا وكذا، فقال: يا رب كيف وفيهم فلان العابد، فقال: به فابدأ، فإنه لم يتمعر وجهه في يومًا قط. وذكر صاحب التمهيد أن الله سبحانه أوحى إلى نبي من أنبيائه أن قل لفلان الزاهد: أما زهدك في الدنيا فقد تعجّلت به الراحة. وأما انقطاعك إلى فقد اكتسبت به العز، ولكن ماذا عملت فيما لي عليك؟ فقال: يا رب وأي شيء لك عليَّ؟ قال هل واليت في وليًا أو عاديت في عدوًا؟ (٢). هكذا إخوة الإسلام فهم السلف ﵏ حقيقة العبودية لله، وكذلك جاءت النصوص الشرعية والوصايا النبوية تؤكد أمر القيام لله بحقه عبودية عامة يشترك الناس فيها وعبوديات خاصة كل بحسبه تضمن قيام أمر الله، تُرسى

стр. 270

دعائم الخير في الأرض، وتوالي الخيرين وتحب الناصحين، وتسهم في اقتلاع الشر من حذروه وتأخذ على أيدي السفهاء وتأطرهم على الحق أطرًا، وتكره المبطلين وتعادي الكافرين وتبغض المنافقين ... وبهذه المجاهدة في الأرض ينساحه الخير وينكمش الباطل ويقترب النصر، ولكن ذلك يحتاج إلى صبر ومصابرة وإيمان ويقين، ومن خطب الحسناء لم يغلها المهر. ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾ ﴿وكان حقًا علينا نصر المؤمنين﴾ (١) ﴿ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون، وإن جندنا لهم الغالبون﴾ (٢). وصدق رسول الله ﷺ : «ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت مدرٍ ولا وبرٍ إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزًا أعز الله به الإسلام، وذلاً يذل به الكفر» (٣). اللهم انصر دينك وكتابك وعبادك الصالحين- اللهم اجعلنا من أنصار دينك والمنافحين عن شرعك يا رب العالمين.

стр. 271

السلف والوقت (١) الخطبة الأولى إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره .. إخوة الإيمان حديث اليوم عن الجوهرة الثمينة في نظر العارفين، والطاقة المهدرة عند البطالين، عن واحد من جوانب النعمة المغبون فيها كثير من الناس، عن الوقت بل عن الحياة، فالوقت هو الحياة. والمسلم يستشعر قيمة الزمن وأهمية الوقت من آي القرآن الحكيم، فالله قد أقسم في كتابه أكثر من مرة بالوقت، ولله أن يقسم بما شاء لكنه لا يقسم إلا بعظيم يستحق القسم. قال تعالى ﴿والفجر، وليال عشر، والشفع والوتر، والليل إذا يسر، هل في ذلك قسم لذي حجر﴾ (٢). ومع ما قيل في تأويل الفجر، والليالي العشر، والشفع والوتر والليل، فالذي يلفت النظر أن هذا القسم لعظمته وأهمية المقسم به إنما هو لأصحاب العقول الذين يعقلون ما يسمعون، ويستفيدون مما يعلمون ﴿هل في ذلك قسم لذي حجر﴾ وإنما سمي العقل حجرًا لأنه يمنع صاحبه من تعاطي ما لا يليق به من الأفعال والأقوال .. وهذا القسم هو بأوقات العبادة وبنفس العبادة من حج وصلاة وغيرها، كما يقول المفسرون (٣).

стр. 272

وقال تعالى: ﴿والليل إذا يغشى، والنهار إذا تجلى، وما خلق الذكر والأنثى، إن سعيكم لشتى﴾. وهل الليل والنهار إلا مراكب يختلف الناس في سبل الانتفاع بهما فمغبوط يستثمرها في طاعة الله، ويزرع فيهما ما يبلغه إلى الله ويسعد يوم لقاه، ومغبون مضيع لساعات الليل والنهار، مفرط على نفسه، يحمل الأوزار التي تثقل كاهله يوم العرض على الله، وصدق الله ﴿إن سعيكم لشتى﴾. ويقسم الله مرة ثالثة بالدهر فيقول ﴿والعصر، إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾ (١) والعصر هو الزمان الذي يقع فيه حركات بني آدم من خير وشر، والله تعالى يقسم أن بني الإنسان كلهم في خسارة وهلاك إلا من استثمر وقته، واستنفد عمره في عمل الصالحات (٢) كما أقسم تعالى بالضحى والليل. إخوة الإسلام يهدي المصطفى ﷺ بسنتيه القولية والفعلية إلى استثمار الوقت بما ينفع، ويحذر من إضاعة الأوقات سدى فيقول: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ» (٣). وتأمل قوله (كثير من الناس) والمعنى أن الذي يوفق لاستثمار هاتين النعمتين بما ينفع قليل. قال ابن الجوزي: قد يكون الإنسان صحيحًا، ولا يكون متفرغًا لشغله بالمعاش، وقد يكون مستغنيًا ولا يكون صحيحًا، فإذا اجتمعا فغلب عليه الكسل عن الطاعة فهو المغبون، وتمام ذلك أن الدنيا مزرعة الآخرة، وفيها التجارة

стр. 273

التي يظهر ربحها في الآخرة، فمن استعمل فراغه وصحته في طاعة الله فهو المغبوط، ومن استعملها في معصية الله فهو المغبون، لأن الفراغ يعقبه الشغل، والصحة يعقبها السقم، ولو لم يكن إلا الهرم كما قيل. يسر الفتى طول السلامة والبقا ... فكيف ترى طول السلامة يفعل يرد الفتى بعد اعتدال وصحة ... ينوء إذا أم القيام ويحمل (١). ولقد كان استثمار الوقت أحد نصائحه، وضمن مواعظه ﵊ لأصحابه يقول- وهو الناصح الأمين- لرجل وهو يعظه: «غانم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك» (٢). فإذا كانت تلك طائفة من سنته القولية فيكفي أن ينظر اللبيب فيما عمل وخلف في مدة لا تتجاوز ثلاثة وعشرين عامًا، لقد أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور، علم العلم وفاق غيره في العمل، وزرع الخير واقتلع جذور الشر، جاهد في الله في كل ميدان، وخلف أجيالاً تحمل مشاعل النور والهدى من بعده. أيها المسلمون يكفيكم أن تطلعوا على نماذج من سير أصحابه لتروا كيف كانوا يعملون، وكيف كانوا لأوقاتهم مستثمرين، وفي ذلك إجابة لمن لا زالوا حائرين في استثمار الأوقات، متطلعين إلى نماذج راشدة في ملء الفراغ وبماذا تقضى الأوقات؟ وإذا كانت العبادة الحقة لله رب العالمين هدف الوجود في هذه الحياة امتثالاً لقوله تعالى ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ (٣).

стр. 274

فقد ضرب الصحابة رضوان الله عليهم أروع الأمثلة في استثمار الوقت فيها فالصلاة - مثلاً- لا يشغلهم عنها شاغل ولا يصرفهم عنها صارف حتى ولو كانوا في ساحات الوغى، ولا تسأل عن حسن صلاتهم وطول قراءتهم وقيامهم وركوعهم وسجودهم وخشوعهم، حتى أطلق على بعضهم السّجاد (محمد بن طلحة بن عبيد الله) لعبادته وتألهه (١) وبلغ الحرص بهم في المحافظة عليها جماعة المسلمين أن أحدهم إذا فاتته العشاء في جماعة أحيا بقية ليلته- كما ثبتت عن ابن عمرو ﵄ (٢). وفي الصيام لهم أخبار وأحوال تراها النفوس الضعيفة ضربًا من الخيال، ففي ترجمة (أبي طلحة الأنصاري) ﵁ أنه كان يسرد الصوم، وأنه كان لا يفطر إلا في سفر أو مرض (٣). إخوة الإيمان مما يستثمر الصحابة رضوان الله عليهم به أوقاتهم تلاوة كتاب الله، تعلمًا وتعليمًا وعملاً، فهذا ابن مسعود ﵁ يسأل عنه علي ﵁ فيقول قرأ القرآن ثم وقف عنده وكفى به (٤) وفي رواية أخرى: وعلم السنة وهو القائل: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن (٥). وكانوا يعقدون لتعليم القرآن الحلق، وتمتلئ المساجد بالمتعلمين ولا تكاد تخلو من القائمين به في ساعات الليل والنهار، وأنعم بكتاب الله رفيقًا، وأكرم ببيوت الله موئلاً.

стр. 275

وكان القوم جادين في حياتهم مستثمرين لأوقاتهم كذلك في بيوتهم، فهذا نافع ﵀ يسأل: ما كان يصنع ابن عمر في منزله؟ قال: لا تطيقونه: الوضوء لكل صلاة، والمصحف فيما بينهما (١). عباد الله يا من ترومون نهج السلف، وتريدون الاقتداء باستثمار الأوقات بما ينفع، فقد كان للعلم والتعليم بكل عام نصيبه وافر من أوقات العارفين، ومع ما كانوا فيه من عبادة خاصة فقد كانوا يؤثرون الناس على أنفسهم، ويجلسون لتعليمهم إذا احتاجوا إليهم ويعتبرون ذلك ضربًا من العبادة يتقربون بها إلى خالقهم كما روي عن أبي بن كعب ﵁ (٢). وحين يرد الاختلاف بينهم فيما يقرؤون من أجل التعليم ينتهي في وقته، لأن الحق رائدهم، وهذا أبي بن كعب ﵁ كان يقرأ قوله تعالى ﴿إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية﴾ (٣) ولو حميتم كما حموا لفسد المسجد الحرام، فبلغ ذلك عمر ﵁ فأغلظ له، فقال يا عمر: إنك لتعلم أني كنت أدخل على رسول الله ﷺ فيعلمني مما علمه الله، والله لئن أصبت لألزمن بيتي فلا أحدث شيئًا ولا أقرئ أحدًا حتى أموت! فقال عمر: اللهم غفرًا، إنا لنعلم أن الله قد جعل عندك علمًا فعلم الناس ما علمت». وفي رواية: «بل أنت رجل عندك علم وقرآن فاقرأ وعلم مما علمك الله ورسوله» (٤).

стр. 276

ولم يقف الأمر بهم عند حدود العلم والتعليم، بل استثمروا جزءًا من أوقاتهم في الدعوة لله فانتشروا في مشرق الأرض ومغربها يعلمون الناس الخير، ويدعون إلى الله بالحسنى، ويحملون صفاء الإسلام وإشراق العقيدة حتى هدى الله على أيديهم أممًا من الناس، واستنقذ الله بهم فئامًا من الخلق وهم في ذلك كله مسترشدون بهدي نبيهم ﷺ الذي لم يكفه بياض النهار في الدعوة للخير، بل استثمر سواد الليل، وهذا عمر ﵁ يحدثنا أنه كان هو وأبو بكر ﵁ يسمرون مع النبي ﷺ ليلاً في بيت أبي بكر في بعض ما يكون من حاجة النبي ﷺ » (١). أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحًا وقال إنني من المسلمين﴾.

стр. 277

الخطبة الثانية الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله رب العالمين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر المرسلين. أيها الإخوة المسلمون ثمة ما يقضي به المسلمون أوقاتهم، ويتقربون به إلي خالقهم ألا وهو الجهاد في سبيل الله والمرابطة في ثغور المسلمين، وهذا أبو طلحة ﵁ شيخ كبير، ومع ذلك يقرأ قوله تعالى ﴿انفروا خفافا وثقالاً﴾ فيقول: استنفرنا الله وأمرنا شيوخًا وشبابًا، جهزوني، فقال بنوه: يرحمك الله، إنك قد غزوت مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، ونحن نغزو عنك الآن، قال: فغزا البحر فمات، فلم يجدوا له جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد سبعة أيام فلم يتغير» (١). ولئن عجبت من همة هذا الشيخ الكبير واستثمار عمره حتى الممات، فعجبك سيكون أعظم حين تقف على همة شيخ ضرير عذره الله وأنزل بشأنه وأمثاله قوله تعالى ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله﴾ (٢) ومع ذلك كان يغزو بعد ويقول: ادفعوا إليّ اللواء فإني أعمى لا أستطيع أن أفرّ وأقيموني بين الصفين (٣). ويقال: إنه قاتل ﵁ يوم القادسية، وفي رواية أخرى: شهدها ومعه الراية، ويقال: إنه استشهد يوم القادسية (٤). وإذا كانت تلك همة هؤلاء فلا تسأل عن همم من سواهم! ويكفيك أن تقف على مقولة سيف من سيوف الله أبلى في الجهاد بلاءً حسناً، وأمضى حياته بين

стр. 278

صليل السيوف وطعن الرماح، ومع ذلك كان يستشعر لذة هذه الحياة، ويرجو أجرها عند الله فيقول: خالد بن الوليد ﵁: (لقد طلبت القتل مظانه فلم يقدر لي إلا أن أموت على فراشي، وما من عملي شيء أرجى عندي بعد أن لا إله إلا الله من ليلة بتها وأنا متترس والسماء تهلني تمطر إلى صبح حتى نغير على الكفار) (١). وهو القائل (ما من ليلة يهدى إليّ فيها عروس أنا لها محب أو أبشر فيها بغلام أحب إلي من ليلة شديدة البرد كثيرة الجليد في سرية أصبح فيها العدو) (٢). وهذا سلمان الفارسي ﵁ يزور الشام فيسأل عن أبي الدرداء ﵁ فيقال: يا أهل بيروت ألا أحدكم حديثًا يذهب الله به عنكم عرض الرباط، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «رباط يوم وليلة كصيام شهر وقيامه، ومن مات مرابطًا أجير من فتنة القبر، وجرى له صالح عمله إلى يوم القيامة» (٣) وفي رواية لمسلم: «وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجرى عليه رزق وأمن النفاق» (٤). أمة الإسلام إذا عز الجهاد في سبيل الله، أو تعذر الرباط في ثغور المسلمين فلا أقل من أن يبقى حديث النفس في الغزو والجهاد، وإنهما من خير ما تستثمر به الأوقات وتستنفد فيه الأعمار، «فالجنة تحت ظلال السيوف» (٥).

стр. 279

ويحذر- النبي ﷺ أمته من تناسي هذه الشعيرة الكبيرة ويقول: «من مات ولم يغزو ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق» (١). أيها المسلمون ليس الجهاد مقصورًا على جهاد الأعداء في ساحات الوغى، فالجهاد باللسان وبذل الأموال في سبل الخير والتيقظ للثغرات في الداخل، وكشف النفاق وفضح المنافقين كل ذلك ضرب من ضروب الجهاد، حث عليه النبي ﷺ فقال: «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم» (٢) واهتم له السلف الصالح حتى ظهرت السنة، وماتت البدعة وأخمدت نيران الفتن المشتعلة وقضوا به شطرًا من أوقاتهم. وهذا العالم الفطن والصحابي النجيب عبد الله بن مسعود ﵁ يقول (جاهدوا المنافقين بأيديكم، فإن لم تستطيعوا فبألسنتكم، فإن لم تستطيعوا إلا أن تكفهروا في وجوههم فافعلوا) (٣) وإذا كانت ساحة المعركة في الخارج مكشوفة لكل أحد، فإن ميدان المعركة في الداخل، وإفساد المنافقين الذين إذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون لا يخفى على الواحد الأحد. إخوة الإيمان استثمر السلف الصالح جزءًا من أوقاتهم في تفقد أحوال إخوانهم المسلمين، وقضاء حوائج المحتاجين، ولله درها من نفوس لم يلهها الغنى عن استشعار من يبيتون على الطوى، وتذكر من يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، يفزعون في النائبة ويطعمون المسكين والأرملة، وهاكم نموذجًا لهؤلاء، فأهل المدينة - كما تقول الروايات .. كانوا عيالاً على

стр. 280

عبد الرحمن بن عوف ﵁ ثلث يقرشهم واله، وثلث يقضي دينهم، ويصل ثلثًا» (١). ومع ذلك كان يخشى الهلكة على نفسه، فيأتي أم المؤمنين أم سلمة ﵂ ويقول: يا أم المؤمنين إني أخشى أن أكون قد هلكت، إني من أكثر قريش مالاً بعت أرضًا لي بأربعين ألف دينار، فتوصيه بالنفقة (٢). ترون معاشر المسلمين ماذا سيكون موقفنا إذا سألنا عن أرملة من أرامل المسلمين تهدهد أطفالها وليس عندها ما تطعمهم؟ أو عن مغيبة طال ليلها وحيل بينها وبين زوجها، أو عن أسر فقيرة معدمة لا يسألون الناس إلحافًا، وعن مدين أقلق الدائنون مضجعه ولا يجد لديونهم سدادًا. ألا وإن تفقد أحوال المسلمين وقضاء حاجات المحتاجين من سمات هذا الدين ومن أخلاق المؤمنين، ومما تستثمر به الأوقات، والدال على الخير كفاعله، ومن فرج عن مسلم كربة من كوب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب الآخرة. هذه معاشر الأحبة إطلالة يسيرة على جوانب من استثمار الوقت عند السلف الصالحين وهي كما ترون- صلاة وصيام وتلاوة واعية للقرآن علم وتعليم وعمارة للمساجد بذكر الله، دعوة للخير وجهاد في سبيل الله والمال والنفس واللسان ومرابطة في ثغور المسلمين دفاعًا عن حياض الإسلام وحرمات المسلمين وتلمس واع لحاجات المسلمين والتقفي لأحوال المحتاجين فأين الشعور بالفراغ لمن يستثمر وقته في هذه الأعمال الجليلة أو مثلها وأي مكان في مجتمع المسلمين لمن يهلكون أوقاتهم في أماكن الخنا (٣) والزنا وأين من

стр. 281

ينتظرون نصرة هذا الدين وهم بعد لأوقاتهم مضيعون، ولأهوائهم وشهواتهم مستسلمون. إن الأمة محتاجة لكل طاقة، وإن الدعوة لا تستغني عن أي وسيلة مباحة فليسد كل واحد من المسلمين الثغرة التي يحسنها، لنتق الله في أوقاتنا ولنقدم خيرًا لأنفسنا، اللهم إنا نعوذ بك من العجز والكسل، اللهم ألهمنا رشدنا، ويسر أمورنا، واختم بالصالحات أعمالنا. هذا وصلوا.

стр. 282

من أخطائنا في الصلاة (١) الخطبة الأولى الحمد لله رب العالمين، جعل الصلاة عماد الدين، وقال في كتابه المبين ﴿وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين﴾ (٢) وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، حثّ على إقامة الصلاة، وجعلها حدًّا فاصلاً بين الإيمان والكفر، فقال: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ... ﴾ (٣). وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ما زال يوصي بالصلاة حتى كان من آخر كلامه «الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم» (٤). اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وعلى الآل والأصحاب المؤمنين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد فأوصي نفسي وإياكم معاشر المسلمين بتقوى الله، ألا وإن المحافظة على الصلاة بأوقاتها، وخشوعها وأركانها وواجباتها وسننها طريق إلى التقوى. أيها المسلمون لا ضير أن يتتابع الحديث، ويتجدد عن هذه الشعيرة العظيمة، لاسيما إذا كان دعوة للخشوع فيها، أو تحذيرًا من أخطاء يكثر الوقوع فيها، وحيث مضى الحديث عن الخشوع في الصلاة فحديث اليوم عن أخطاء ينبغي التنبه لها لمن وقع في شيء منها، فكل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون،

стр. 283

وأكيس الناس وأبصرهم من أصلح عيوب نفسه ولسان حاله يقول كما قال الصالحون (سمعنا وأطعنا) وأحمق الناس وأجهلهم من ظن الحديث موجهًا لغيره واشتغل بعيوب الآخرين ونسي نفسه. أيها الإخوة المؤمنون هذه الأخطاء منها ما هو قبل الصلاة، ومنها ما هو أتناء الصلاة، وثمة ما يحسن التنبيه إليه بعد الصلاة. وأول الأخطاء تقع في «الوضوء» وهو مفتاح الصلاة وبوابتها الأولى وشرطها المقدم فـ (لا تقبل صلاة بغير طهور .. ) (١). والطهور شطر الإيمان (رواه مسلم وغيره) وفي التنزيل ﴿يا أيها الذين أمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ إلى قوله ﴿وإن كنتم جنبًا فاطهروا ... ﴾ (٢) ويقع الخطأ في الوضوء إما بعد التنزه من البول. والرسول ﷺ يحذر من ذلك، ويقول: «تنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه» (٣) أو يكون الخطأ في عدم إسباغ الوضوء، وبقاء بقع في أحد الأعضاء الواجبة الغسل لم يبلغها الماء، ولهذا قال ﵊ مؤكدًا على ذلك «وإسباغ الوضوء شطر الإيمان» (٤) وتدعو الحاجة للإسباغ بشكل عام وتشتد حين المكاره كشدة البرد مثلاً «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات قالوا: بلى يا رسول الله. قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد الحديث» (٥).

стр. 284

والمكاره: هي المشقة كشدة البرد مثلاً، وإسباغ الوضوء إتمامه وإكماله (١). وكما يقع الخلل في عدم الإسباغ يقع الخطأ كذلك في المبالغة في الغسل المفضي إلى الوسوسة، عافانا الله من ذلك والمسلمين، وتلك بلية أخرى ينبغي التنبه لها والحذر منها، وعلى كل حال فالخلل في الوضوء زيادة أو نقصًا وعدم حسن الوضوء له أثره على الصلاة، وإليك الأثر من مشكاة النبوة لتكون على حذر، فقد روى الإمام أحمد فس مسنده بسند حسن «أن رسول الله ﷺ صلى بالمسلمين الصبح فقرأ الروم فأوهم، فلما انصرف قال: إنه يلبس علينا القرآن، فإن أقوامًا منكم يصلون معنا لا يحسنون الوضوء، فمن شهد منكم الصلاة معنا فليحسن الوضوء» (٢). وعلق عليه ابن كثير ﵀ بقوله: هذا إسناد حسن ومتن حسن، وفيه سر عجيب، ونبأ غريب، وهو أنه ﷺ تأثر بنقصان من ائتم به، فدل ذلك على أن صلاة المأموم متعلق بصلاة الإمام (٣). وبكل حال فقد وردت أحاديث كثيرة تأمر بحسن الوضوء وحسن الصلاة وترتب على ذلك الأجر العظيم (٤). ومن الأخطاء المصاحبة للوضوء ترك التسمية. فالتسمية واجبة عند بعض العلماء، وسنة عند آخرين قبل البدء في غسل الأعضاء، فيقول المتوضئ: بسم الله الرحمن الرحيم قال ﵊: «ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والطبراني والحاكم، وقال:

стр. 285

صحيح الإسناد، وصححه الألباني (١) وتسقط مع الجهل والسهو، وقبل الوضوء كذلك لابد من استحضار النية لرفع الحدث والطهارة للصلاة. قال ابن حجر: واستنبط بعض العلماء من قوله تعالى ﴿وإذا قمتم إلى الصلاة﴾ إيجاب النية في الوضوء لأن التقدير: إذا أردتم القيام إلى الصلاة فتوضؤوا لأجلها (٢). والنية محلها القلب ولا تحتاج إلى تلفظ باللسان، وهي عزم القلب على فعل الوضوء ابتغاء مرضاة الله وامتثالاً لأمر رسوله ﷺ (٣). إخوة الإيمان ويبقى الوضوء سمة هذه الأمة، ومفرقها بين الأمم، فهم غر محجلون من آثار الوضوء، كذلك يعرفهم نبيهم ﷺ (٤) والوضوء من الإيمان، وقد صح في الحديث (ولن يحافظ على الوضوء إلا مؤمن) (٥) وفي المسند وينسون أنه ليس من عمل أحبَّ إلى الله تعالى من الصلاة على وقتها، وهو مقدم على الجهاد في سبيل الله مع فضله ومشقته (٦). أخي المصلي ولا تكن الصلاة آخر اهتماماتك، تقضى حين الفراغ، ففرض الله أولى من كل عمل مهما كان، وإياك أن تكون ممن توعد بالويل في قوله تعالى: ﴿فويل للمصلين الذين هم عن صلاتم ساهون﴾ أتدرون من هؤلاء الساهون؟ لقد سأل مصعب بن سعد أباه فقال: يا أبتاه أرأيت قوله تعالى: ﴿الذين هم عن صلاتهم ساهون﴾ أينا لا يسهو؟ أينا لا يحدث نفسه؟ قال: ليس
следующие страницы →