← Джавами‘

Джавами‘ · id 20948

شعاع من المحراب

سليمان بن حمد العودة

Полный текст (3 545 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

الآفاق يفتحون المُدن بـ «لا إله إلا الله» ويدعون الخلقَ إلى طاعةِ رسولِ اللهِ ﷺ فيما جاء به من عندِ الله .. وتلك مسئوليَّتَهُم ومسئوليةُ مَنْ جاء بعدَهم من المسلمين، حتى يَرِثَ اللهُ الأرضَ ومَنْ عليها، وتلك هي البُرْهانُ على مَحبّة النبيِّ ﷺ ، والشاهدُ على الانتفاع بسيرتِه. ومع ذلك كلِّه ظلّ المسلمون في المدينةِ يتذكّرون حَبيبَهم، وكلّما ذُكّروا به تحركتْ مشاعرُهم. أخرج ابنُ عساكرَ بسند جيد - كما يقول الزّرقاني - وأنكره الذهبي: أن بلالًا ﵁ توجّه للشام مجاهدًا، ثم قَدِمَ المدينةَ لرؤيا رآها في النبيِّ ﷺ ، فأتى قبرَه وجعل يبكي، ثم التقى بالحسنِ والحسينِ ﵄، فجعل يَضمُّها ويُقبِّلُهما، فقالا: نتمنى أن نسمعَ أذانَك الذي كُنتَ تؤذّنُ به لرسولِ الله ﷺ ، فعلا سطحَ المسجدِ ووقَف مَوْقِفَهُ الذي كان يقفُ فيه، فلما قال: (اللهُ أكبر) ارتجّتِ المدينةُ، فلما قال: (أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا الله) ازدادت رجَّتُهَا، فلما قال: (أشهدُ أنّ محمدًا رسولُ اللهِ) خرجتِ العَواتقُ من خُدُورِهنَّ، وقالوا: بُعثَ رسولُ الله! فما رُؤيَ يومٌ أكثرَ باكيًا ولا باكيةً بالمدينة بعدَه ﷺ أكثرَ من ذلك اليوم (١). أيها المسلمون: لنقرأ سيرةَ محمدٍ ﷺ وأَصحابِه قراءةً واعيةً، فكم نحن محتاجون لهم، بل تحتاجُ البشريةُ كلُّها إليها، ففيها الخيرُ والفلاح والعِزّةُ والرِّفْعَةُ في الدّنيا والآخرةِ، وهي السبيلُ لخَلاص العالَم من وَيْلاتِه في الدّنيا، والطريقُ الأمِنُ للسلامة في الآخرةِ. وإن من واجبِ المسلمينَ وحقوقِ غيرِهم عليهم أن تُتَرْجمَ هذه السيرةُ إلى كلِّ لغةٍ، وتصلَ إلى كلِّ حيٍّ على هذه البسيطةِ، وكلُّ تقصير في هذه المهمةِ سُيسألُ

стр. 2207

عنه المسلمونَ .. فَدينُهم دينُ الحقّ، ورسولُهم خاتمُ المرسَلين، وبه انقطع الوحيُ من السماء، ولكن قبل أن نُترجمَ السيرةَ النبوية إلى لغاتِ الآخرينَ، لابُدّ أن نترجِمَها في واقع سلوكِنا، حتى يتحوّل المسلمُ إلى سيرةٍ تتحرّكُ على الأرض، وهذا، وإن وقف دُونَه ضَعْفُ النفوس وتداني الهِمَم، إلا أنّ اللهَ وعَدَ على مجاهدةِ النفس خيرًا وما لا يُدرَكُ كلُّه لا يُتركُ جُلَّه، اللهم هَيّئُ للمسلمين من أمرِهم رَشَدًا، وارْزُقهم مَحبّةَ الرسولِ ﷺ على الوجهِ المشروعِ، والدعوةَ لدينِه، والسيرَ على هَدْيِهِ والعملَ بسيرتهِ.

стр. 2208

المخدّرون المُستهزئون (١) الخطبة الأولى إن الحمدَ لله نحمده ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذ باللهِ من شرورِ أنفُسِنا ومن سيئات أعمالِنا. اتقوا اللهَ معاشرَ المسلمين وراقِبوه، فبالتقوى تصلُح أمورُ الدّين والدُّنيا، وبالتقوى يستقيمُ الفردُ والمجتمعُ .. ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (٢)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (٤). أيها المسلمون: لا غَرَابة أن تُحاصَرَ الأمةُ الإسلاميةُ من قِبَلِ الأعداءِ، فذاك جزءٌ من العَدَاوةِ والبغضاء، وسعيٌ لتحقيقِ العَنَتِ كما قال تعالى: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٥) ولا غرابةَ حين يسعى اليهودُ والنصارى أو الشيوعيون أو الوثنيون أو المنافقون للعَبَثِ بهويةِ الأمةِ، ومحاربةِ فكرِها وتشويهِ أخلاقِها، والاستهانةِ بقِيَمِها، فذلك سعيٌ منهم لسَلْكِ الأمةِ في مسلكِهم، والله يقول: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ (٦)، ويقول: ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ (٧). ولكن المستغرب حقًا حين يتسلّلُ

стр. 2209

نفرٌ من أبناءِ المسلمين - بعلمٍ أو بجهل - إلى عقائد الأمةِ وأخلاقِها وثوابِتها ومصادرِ التشريع فيها .. ساخرًا مستهزئًا .. أو مشوّهًا ظالمًا، أو مُستَهينًا مستحقِرًا. وما زال المسلمون بين الفَيْنَةِ والأخرى يسمعون عن أشخاصٍ يسخرون بشيء من شعائر الدين، أو يَلمِزون المطَّوِّعين من المؤمنين، أو يقلِّلون من شأن السُّنةِ النبويةِ، أو يُطلقون لألسنتهم العَنَانَ في الطعنِ بخِيار الأمةِ من الصحابةِ أو التابعين أو العلماء الربّانيين، أو يتحدَّثون عن القِيمِ الإسلاميةِ، والحدودِ الشرعيةِ، وأحكامِ الدين القطعيةِ، على أنها قضايا مطروحةٌ للنقاشِ ولهم الخِيَرَةُ في قَبُولِها أو رفضِها، والله يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (١). إن الاستهزاءَ بشيءٍ من آياتِ اللهِ أو رسلهِ أو المؤمنينَ باللهِ لإيمانهم .. كفرٌ صُرَاحٌ ورِدّةٌ عن الإسلام، وكما قال تعالى: ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (٢). حتى وإن ظن ذلك المستهزئُ عند نفسِه أنه لم يأتِ كفرًا، كما قال شيخُ الإسلام ابنُ تيميةَ ﵀ في تعليقه على هذه الآية، فدلّ على أنهم لم يكونوا عند أنفسِهم قد أتوا كُفرًا، بل ظنوا ذلك ليس بكفر، فبيّن أن الاستهزاءَ باللهِ وآياتهِ ورسولِه كفرٌ، يُكفّر به صاحبُه بعد إيمانه (٣). عبادَ اللهِ: ومن أواخِر ما تَسامَع الناسُ به - في مجال السُّخريةِ بآياتِ اللهِ - الغناءُ بالقرآن، وتلحينُ آياتِه على أنغام الموسيقى وآلاتِ الطّرَبِ، ولم يكن هذا غلطةَ ساخرٍ واحدٍ، بل سَرَى ذلك في عدَدٍ من أصحابِ هذه البضاعةِ المُزْجَاةِ، وتناقلت بعضُ الصُّحفِ أسماءَ عددٍ من هؤلاءِ الساخرين، ونَتَج عن هذا نظرةٌ

стр. 2210

مَشُوبَةٌ بالحَذَرِ والاستغراب لدى عُمومِ المسلمين، الذين يَحمِلون غيرةً على حُرُماتِ الله، سواءً كانوا ملتزمين أو غيرَ ملتزمين بجميع شعائرِ الدِّينِ، لهؤلاء المُغنيّنَ والمغنياتِ. إن الغناءَ - بحدِّ ذاتِه - محرّمٌ شرعًا، كيف لا! واللهُ يقول في كتابه العزيز: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (١). سُئل ابنُ مسعود ﵁ عن ﴿لهو الحديث﴾ في هذه الآيةِ، فقال: هو الغِناءُ، واللهِ الذي لا إله إلا هو - يُردّدها ثلاثًا - وكذا قال ابنُ عمرَ، وابنُ عباس وجابرٌ، ومجاهدٌ، وعكرمةُ، والحسنُ، وسعيدُ بن جُبَير، وقَتادةُ، والنّخَعيُّ وميمونُ بنُ مِهْرانَ، ومَكحولٌ (٢). وقال ابنُ القاسم: سألت مالكًا عن الغناءِ فقال: قال الله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ (٣) أفحقٌّ هو؟ (٤). وقال القرطبيُّ عند تفسير هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ هذه إحدى الآياتِ الثلاثِ التي استدل بها العلماءُ على كراهةِ الغناءِ والمَنْع منه، والآيةُ الثانية قولهُ تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ (٥) قال ابنُ عباس: هو الغناءُ بالحِمْيريّة: اسْمِدي لنا، أي: غنِّي لنا. والآية الثالثة قولهُ تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ (٦). قال مجاهدٌ: الغناء والمزامير (٧).

стр. 2211

وفي «صحيح» البخاري في كتاب الاستئذان «باب: كل لهو باطلٌ» إذا شَغَله عن طاعةِ الله .. ثم ساق الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾. قال ابنُ حَجر: يشمل هذا النهيُ المُشغِلُ عن طاعةِ الله ما كان مأذونًا بفعله أو منهيًّا عنه، كمن اشتغل بصلاةِ نافلة أو تلاوةٍ أو ذِكْر أو تفكّر في معاني القرآنِ مثلًا، حتى خرج وقتُ الصلاةِ المفروضةِ عَمْدًا، فإنه يدخل تحت هذا الضابط، ثم قال: وإذا كان هذا في الأشياء المُرَغّبِ فيها والمطلوبِ فِعلُها، فكيف حالُ ما دُونَها؟ (١) وترجمةُ البخاري هنا إشارةٌ منه إلى حديثٍ رواه أحمدُ والترمذيُّ وحسّنه أبو داودَ، والنسائي، وصححه ابنُ خزيمةَ والحاكمُ من حديث عقبةَ بن عامرٍ ﵁ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: «إنّ اللهَ ليُدْخِل بالسَّهم الواحدِ ثلاثةَ نَفَرٍ الجَنّةَ .. إلى قوله - وهو الشاهدُ هنا - «كلُّ لَهْوٍ باطلٌ، ليس من اللهوِ محمودٌ إلا ثلاثةٌ: تأديبُ الرجلِ فرسَه، وملاعبَتُه أهلَهُ، ورَمْيَه بقوسِه ونَبْلِهِ، فإنهنّ من الحقِّ» (٢). ومن تلميح البخاريِّ إلى تصريحهِ، فقد ساق الحديثَ عن النبيِّ ﷺ قال: «ليكونَنّ من أُمتي أقوامٌ يَستحلّون الحِرَ والحَريرَ والخمرَ والمعازِفَ» (٣). والمعازفُ هنا - كما قال شُراح الحديثِ - آلاتُ الملاهي والغناء. وتأمّل هنا قوله ﷺ : «يستحِلُّون» فهو مؤشرٌ إلى حُرمتها، وتأمّل كذلك كيف قُرِن تحريمُ «المعازف» مع تحريم الزِّنا وهي «الحِر» والحريرَ والخمر .. فماذا يُقال في «الغناء» بعد هذا؟

стр. 2212

إخوة الإسلام: وتردّدت عباراتُ السّلَفِ في وصفِ المُغنيّن بأوصافٍ مُشينة، فمرةً يُوصَفون بالسّفَه، ومرةً بالفسوق، فالإمامُ مالك ﵀ قال حين سُئِلَ عن الغناء في المدينة: إنما يفعلُه عندنا الفُسّاق (١). وعن القرطبي قال: الاشتغالُ بالغناء على الدّوام سَفَهٌ تُرَدّ به الشهادةُ (٢). عبادَ الله: وعن أثر الغناءِ على القلوبِ قال شيخُ الإسلام ابنُ تيميةَ ﵀: «ومَن كان له خبرةٌ بحقائقِ الدِّين وأحوالِ القلوبِ، ومعارِفِها وأذواقِها ومواجيدِها، عَرَف أن سماعَ المُكاءِ والتّصْديةِ لا يَجلبُ للقلوبِ منفعةً ولا مصلحةً، إلا وفي ضمن ذلك من الضّررِ والمفسدةِ ما هو أعظمُ منه، فهو - الغناء - للروح كالخمرِ للجسد، يفعل في النفوسِ فِعْلَ حُميا الكؤوس، ولهذا يُورّث أصحابَه سُكرًا أعظمَ من سُكر الخمر، فيجدون لَذّةً بلا تمييز، كما يجدُ شاربُ الخمر، بل يحصل لهم أكثرُ وأكبرُ مما يحصل لشاربِ الخمرِ، ويصدُّهم عن ذِكْرَ اللهِ، وعنِ الصلاة أعظمَ مما يَصُدُّهم الخمرُ، ويُوقع بينهم العداوةَ والبغضاءَ أعظمَ من الخمر، حتى يَقتلَ بعضُهم بعضًا من غير مَسٍّ بيدٍ، بل بما يقترن بهم من الشياطين (٣). إخوة الإيمانِ: ومَن يقرأُ أو يسمعُ عن حياة ما يُسمّى (بالوسطِ الفني) يجدُ هذه الآثارَ .. ويسمعُ عن بعضِ حفلاتِهم من الاختلاطِ مع النساءِ .. واختلاطِ المسلم بغيرِه من الكُفَّار والفُسّاق .. وما يُسمّى بالليالي الحمراءِ، وكلُّها صَخَبٌ وكأسٌ وغانيةٌ، إلى غير ذلك من ممارساتٍ لا أخلاقيةٍ، يتعفّفُ القلمُ عن ذِكْرها وتُنزَّه بيوتُ اللهِ من التصريحِ بها .. وكلُّ ذلك شاهدٌ على آثارِ الغناءِ وتأثيره على متعاطِيهِ .. ممّا نسألُ اللهَ لنا ولإخواننا المسلمين السلامةَ منه ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ

стр. 2213

عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ (١).

стр. 2214

الخطبة الثانية: الحمدُ للهِ ربّ العالمين، أمَرَ بالعَدْلِ والإحسان، ونهى عنِ الفحشاءِ والمُنْكَر، وأشهد أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، يُمهِل ولا يُهمِل، وأخْذُه أليمٌ شديدٌ، وأشهدُ أنّ محمدًا عبدُه ورسولُه، دعا الأمةَ إلى معالي الأمورِ، ومَكارمِ الأخلاق، ونهاها عن الفواحشِ والآثام، اللهمّ صلّ وسلّم عليه وعلى سائرِ الأنبياءِ والمرسلين. إخوةَ الإسلام: وأهلُ الغناءِ والمِزْمار، وأصحابُ السهراتِ والرّقصاتِ هم مُخدِّرون للأمة، ومُعوِّقون لمسيرتِها نحو مَراقي العِزّةِ والكرامةِ، وكم تسلَّل العدوُّ إلى ديار المسلمين وهم غارقون في شُربِ الكأس ومُخَدّرون في سماع أنغام الخِلِّ والحَبيب .. ؟ ! وكذلك ضاع الأقصى، وأرسلَ اليهودُ أسرابَ الطائراتِ تقصفُها في وقتٍ كنّا نُرسِلُ ألحانَ الغناءِ ونتمايلُ، وكأنّ نَصرَنا فوقَ الثُّريا - وحلّتِ النكبةُ لعدّة عواملَ، كان من بينها لَهْوُنا حين جَدّ الآخرون، وتصويرُ الهزيمة والضّياع نصرًا، واستفاق الناسُ على أَصْدَاءِ الحقيقةَ هَزيمةً وضَياعًا وتشرُّدًا، وصاغ شاعرُ الأقصى مشاعرَ الأسى عَبْر قصيدةٍ أسماها «خَدِّريهم يا كوكبَ الشرق» ومما قال فيها: كَوكبَ الشّرقِ لا تَذُوبي غَراما ... ودَلالًا وحُرقةً وهُياما لا ولا تَنفُثي الضَّياعَ قصيدًا ... عبقريًا أو تُرسِلي الأَنغاما فَدِماءُ الأحبابِ في كلِّ بيتٍ ... تَتنَزّى وتبعثُ الآلاما وجراحُ الأقصى جِرَاحُ الثّكالى ... ودموعُ الأقصى دُموعُ اليتامى إلى قوله: مَنحوكِ الإعجابَ يا وَيْحَ قومي ... وعلى الصَّدْرِ علّقوكِ الوِسَاما

стр. 2215

ناوليهم من راحَتَيْكِ كُؤوسًا ... وامْنَحِيهم من ناظِرَيكِ ابتساما واجعلي الفَنَّ ردّةً وضَياعًا ... لا أحاسيسَ أُمةٍ تتسامى وَدَعِيهم في كلِّ وادٍ يَهيمون ... سُكارى ونُكّسي الأعلاما خَدِّريهم باللّحْنِ يا كوكبَ الشّرق ... وَصُوغي من لَحْنِكَ استسلاما (١) عبادَ اللهِ: وماذا حقّق هؤلاء المُغَنون والمُغنيات للأمة من أمجاد .. في زمنٍ بات العدوُّ يُحاصرُ المسلمين، ويَنهبُ خيراتِهم، ويَعبثُ بقيَمِهم ويُشوِّه أخلاقَهُم .. إنهم في وادٍ وقضايا الأمةِ وجهادُ المسلمين مع أعدائهم في وادٍ آخرَ. فكيف إذا تطاول هؤلاء المُغنون والمغنيات على القرآن، فلحّنوه على أنغامِ الموسيقى، إنها كارثةٌ ومصيبة تُضاف إلى مَصائِبهم، ولكنْ من رحمة اللهِ أن هيّأَ للمسلمين - قديمًا وحديثًا - من يُنافحُ عن الدّين والحُرماتِ، ويكشفُ عَوَرَ وانحرافَ هؤلاء المغنين والمغنيات، ويحذِّر الأمةَ من شرورهم، ولا عُدِمَت الأُمةُ من أمثالِ هؤلاء، ولكن المصيبةَ حين يَنْبَري نَفَرٌ من المسلمينَ في المقابل للدفاعِ عن هؤلاء والله يقول: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ (٢)، ويَرُوعُكَ الأمرُ حين ترى أعمدةَ الصّحفِ وبها يَعُبّ نَفَرٌ من الكُتّاب مدافعين، وربما وصفوا هؤلاء بالنّزاهةِ والعدالة، ووصفوا من كَشَفَ أمرَهم وحذّر الأُمةَ من مَكرِهم بالمغالاةِ والتسرُّع .. أو نحوِها من عباراتٍ أخرى (٣). أيها المسلمون، أيها المغنونَ، أيها المستمِعون للأغاني: ما خُلقتم في هذه

стр. 2216

الحياةِ عَبَثًا، ولن تُترَكوا هَمْلًا، راجعوا أنفُسَكم وتهّيئوا لِمَا أمامكم، وانظروا في الزاد الذي تَرِدُن به على ربِّكم .. إن حُبّ سماعِ أصواتِ الغناءِ، وحُبَّ آي القرآن في قلب امرئٍ لا يجتمعان؟ وإن الغناءَ رُقيةُ الزنا، وأَيُكم يُطيق أن يُصَبَّ في أُذنيه الآنُكُ يومَ القيامة (الرصاص المُذاب) وأيّكم يستعيضُ بسماع الغناءِ في الدُّنيا عن سماع الروحانيين في الآخرةِ، والروحانيون - كما قيل - قُرّاءُ أهلِ الجنة (١) أيّكم يَرْغَبُ سماعَ أصواتِ الحُمْقِ والفُجور؟ وهل عَلِمتم أنّ صوتَ الغناءِ منها، جاء في «صحيح سنن الترمذي» قولُه ﷺ : «ولكن نُهيتُ عن صوتيْنِ أَحمقيْنِ فاجِرَيْنِ صوتٍ عند مصيبةٍ، خمشِ وُجوهٍ وشقِّ جيوبٍ، وَرنّةِ الشيطان» (٢). وفي رواية «صوتان ملعونان فاجران أنهى عنهما: صوت مزمار ورنّةُ شيطانٍ عند نَغمةٍ ومَرَح، ورنّةٌ عند مصيبةٍ: لطمُ خدودٍ وشقُّ جيوبٍ» (٣). يا عبدَ الله: كيف بك بالجواب عند السؤالِ عما سَمِعَتْه أُذناكَ في الدُّنيا والله يقول: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (٤). إن بابَ التوبةِ مفتوحٌ، وربُّنا كريم ونداؤه مستديمٌ ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٥). وإذا تاب غيرُ المسلمين ورجعوا إلى ربِّهم، أفليسَ المسلمون أولى بالتوبةِ والرجوع، وبقدرِ ما نسمعُ من تطاوُلِ المغنيين أحيانًا - نسمع عن توبةِ آخرين، وكم نَسعدُ ونفرحُ لتوبةِ هؤلاء، أو لتوبة غيرِهم ممن بُلي بسماعِ الغناء، ولو

стр. 2217

نشرت وسائلُ الإعلام عن كلّ تائبٍ لرأيتم من ذلك عَجَبًا، ولقد كان المُغني البريطاني الشهير (كات ستيفنز) واحدًا من هؤلاء التائبين والداخلين في الإسلام على إثر رحلةٍ شاقةٍ في الحياة مِلْؤُها الضّجَرُ والضجيجُ الفارغُ .. وحين تاب ودخل في الإسلام قال: الحمدُ للهِ .. لقد وُلِدْتُ الآن وعرفتُ إلى أين أسيرُ .. لقد انصرفتُ عن الإسلام فترةً بسبب تشويهِ أجهزة إعلامِنا الغربيّ، بل حتى أجهزةِ الإعلام الإسلامية، فكثيرًا ما تُشوِّه الحقائقَ الإسلاميةَ .. هكذا قال هذا التائبُ ثم ختم بقوله: وأما الملايينُ التي كسبتُها من الغناء فوهَبْتُها كلّها للدعوة الإسلامية (١). إن في ذلك لعبرةً، وفيما سمعتم أو قرأتم من نصوصٍ على الغناء لآياتٌ موقظة. وما فتئَ علماءُ الأثرِ - قديمًا وحديثًا - يُفتون بتحريم الغناءِ ويحذّرون من سماعِه - فضلًا عن ممارسته - ودَعُوكم من فتاوى المترخِّصين في الغناء - قديمًا وحديثًا - ومن تَتبَّع الرُّخَصَ هَلَك. واحذروا مطارحاتِ ومناقشات أصحاب الأهواءِ والشُّبهاتِ والشهواتِ، المرقِّقين للدين .. والخائضين في أكثر من قضية للإثارةِ والبلبلة .. وإلا فأين هؤلاء من مناقشاتِ العلمانيين فيما يَطرحون .. وأين هم مما يُثيرُه أعداءُ الإسلام من شُبَهٍ في الإسلام، وسبّ وسخريةٍ بالرسولِ والقرآن .. أين هم من المساهماتِ الإيجابية في قضايا الأمةِ الكبرى، وسَط تحدّيات اليهود والنصارى والوثنيين وأصحاب العقائد والنِّحَل الباطلةِ؟ أين هم من الدفاع عن المسلمين المستضعَفين؟ وأين هم من نصرة المظلومين؟ هل انحسرتِ القضايا والمساهماتُ في قضايا تُفرّقُ ولا تجمَعُ، وتُثيرُ ولا تُصلِحُ .. إنها الفتنُ

стр. 2218

والبلبلة، نسأل اللهَ لنا ولإخواننا العافيةَ والسلامةَ منها. واحذروا - معاشرَ المسلمين جميعًا - من البلايا والمشتبهات ومَن وَقعَ في الشُّبُهاتِ وقعَ في الحَرام، كالراعي يَرعى حول الحِمَى، ويوشك أن يرتع فيه.

стр. 2219

وقفاتٌ حول ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾ (١) الخطبة الأولى: الحمدُ لله ربِّ العالمين أغنى وأقنى، وأماتَ وأحيى. وله الحكمُ في الآخرةِ والأُولى، وأشهدُ أنْ لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، ما من دابةٍ في الأرضِ إلا هوَ آخذٌ بناصيتها، وعليه رزقُها، وبيده مبدأُها ومنتهاها، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، أصابته الضراءُ، وتوفرت له السراءُ، فصبرَ وشكرَ وكانَ عبدًا شكورًا. اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائرِ الأنبياءِ والمرسَلين، وارضَ اللهمّ عن الصحابةِ أجمعين والتابعينَ ومن تبعَهم بإحسانٍ إلى يومِ الدينِ وسلِّم تسليمًا كثيرًا. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٣). أيّها المسلمونَ يُخيلُ لبعضِ الناسِ أن الجوعَ لا يكونُ إلا في أزمانِ الفقر، وأن الخوفَ لا يكونُ إلا مع الضعفِ، وأن المرضَ لا يكونُ إلا في الحياةِ البدائية. ولكن أحداثَ الزمانِ تثبتُ أن الجوعَ قد يَحصلُ في زمنِ الغِنى، بل ربما

стр. 2220

تزامنَ الفقرُ مع إهدارِ الثرواتِ في البحر، وإحراقِها في البرِّ وربما وقعَ الخوفُ للأغنياء، وكم يشهدُ الناسُ انتشارَ الأمراضِ وتنوُّعَها في زمنِ الطبّ ودقةِ تخصصاتِ الأطباءِ، أجلَ، إنها الحكمةُ الربانيةُ، والبلوى تَحِلُّ وترتحلُ، وتنتقلُ عبرَ الأجيالِ والأممِ، لتؤكِّد وعدَ الرحمنِ في القرآن: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾. وهنا وحولَ هذه الآيةِ أقفُ الوقفاتِ التاليةَ: أولًا: (ما نوعُ هذه البلوى في الآية؟ ) إنها شاملةٌ للخوفِ من الأعداء، والجوعِ، وذلكَ بقلةِ الطعامِ أو فسادِه، وذهابِ الأموالِ أو بعضِها، وذلكَ بجوائحَ سماويةٍ أو غرقٍ، أو ضياعٍ، أو اعتداءِ الظلمَةِ على الأموال، وموتِ الأصحابِ والأقاربِ والأحبابِ أو مرضهم، وتلك نقصُ الأنفسِ وقلةُ البركاتِ في الثمارِ، فلا تُغِلُّ الحدائقُ ولا تُنتِجُ المزارعُ، وذلكَ نقصُ الثمرات (١). الوقفة الثانية: (وثمةُ بلايا وأمراضٌ أخرى): ألسنا نشهدُ في هذه الأيام ونسمعُ عن أمراضٍ لم نسمعْ بها من قبلُ، وما أن ينتهي مرضٌ إلا ويبدأ آخرُ، وهكذا من مسمياتٍ وأمراضٍ لم نسمع بها من قبلُ .. ومن أمراضِ الأورامِ الخبيثةِ المنتشرةِ والمزعجة، إلى مرضِ حمّى الوادي المتصدعِ المرعبة .. إلى الحُمَّى القُلاعيةِ الجديدة .. وهذه الحُمى الجديدة وحسبَ تصريحِ وزيرِ الزراعةِ، فإن عددَ البؤرِ المَرَضيةِ المُسجلةِ لهذه الحُمى إلى نهايةِ العامِ المنصرم (٣٠/ ١٢/ ١٣٢٢ هـ) بالمملكة قد بلغت ستًا وأربعينَ حالةً، وتنتشرُ حسبَ تصريحِ المصدرِ في مناطقِ المملكةِ ومدنِها،

стр. 2221

كالرياض والشرقية، ومكةَ والطائفِ والمدينةِ والحدودِ الشماليةِ، والقصيمِ، وعسير، وحائل (١). إن من البلايا أن يُصابَ الناسُ بالرعبِ في طعامهم، ومن المحنِ أن يتوفَر الغذاءُ ثم لا يستفيدُ الناسُ منه؛ خشيةَ ما ينتقلُ منه من أمراض .. وإذا كانت الشائعاتُ بالأمسِ تدورُ حولَ أكلِ الدجاجِ وما يخلِّفه من أمراضٍ نتيجةَ سوءِ التغذيةِ ونوعِ الطعامِ الذي تأكله .. فها نحنُ اليومَ نتخوفُ من اللحومِ نتيجة الحمى الملابسة لها .. سواءٌ منها المتصدعةُ أو القلاعية، فهلَ يفِرُّ الناسُ من هذا إلى لحومِ البحرِ ويكتفونَ بالأسماك؟ لا مفرَّ من قدرِ الله .. كيف وقد نُشرَ في الصحفِ مؤخرًا: السرطانُ يصلُ الأسماكَ .. وفي تصريحِ المتخصصينَ في علومِ البحارِ قالوا: إنهم اكتشفوا السرطانَ في سمكةٍ وزنُها خمسُ كيلو (٢). الوقفة الثالثة: عبادَ الله (تنبيهٌ لا تخويفٌ) ومع أهميةِ الحيطةِ والحذرِ والأخذِ بالأسبابِ المشروعة، فأهمُّ من ذلك اليقينُ والتوكلُ على اللهِ، وحين نوردُ هذه الأخبارَ والأحداثَ لا من أجل التخوّفِ والهلعِ .. وإنما لأخذِ العبرةِ وللتنبيه إلى ضرورةِ العودةِ إلى اللهِ ومراجعةِ النفس، فتلك بلايا ومحنٌّ - وغيرُها كثيرٌ - يُمتحنُ الناسُ بها ليرجعوا إلى خالقِهم وليراجعوا أعمالَهم، وتأملوا نهايةَ قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٣)، وتأملوا نهايةَ الآيةِ التي نحن بصددِ الحديث عنها: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (٤).

стр. 2222

الوقفة الرابعة: (من أسرارِ المصائبِ ونتائجِها): إن الله تعالى يبتلي الناسَ بالسراءِ والضراءِ ليرى - وهو أعلم - شكرَهم وصبرَهم، وما دامَ الحديثُ على البلاءِ، فقد قالَ العارفون: إنّ من أسرارِ ذلك: أ- أن المسلمين إذا ابتُلوا فصبرَوا عزّتْ عقيدتُهم في نفوسِهم، ثم انتقلت هذه العزةُ إلى أعدائهم، إذ يقولونَ: لولا ما في هذه العقيدةِ التي ينتمونَ لها من خيرٍ لما صبروا على تكاليفها، ولا قَبِلُوا هذا البلاءَ، وقد ينقلبُ المعارضون للعقيدةِ باحثينَ عنها وعن أسرارها. ب- ومن أسرار البلاءِ - كذلك - أن يَصلُبَ عودُ أصحابِ العقيدةِ ويقوي، إذ المحنُ والبلايا تَستخرجُ مكنونَ القُوى، وما عندَ العبدِ من طاقة، وتفتحُ للقلوبِ منافذَ من الخيرِ ما كان لها أن تظهرَ إلا تحتَ مطارقِ الشدائدِ والمحنِ. ج- وسرٌّ ثالثٌ مهمٌّ هو الالتجاءُ إلى اللهِ وحده حينَ تُهتزُ الأسنادُ كلُّها وتتوارى الأوهامُ وهي شتّى، ويخلو القلبُ إلى الله وحدَه، لا يجدُ سندًا إلا سندَه، ولا مخرجَ ولا فرجَ إلا من عندِه (١). وتلك وربِّي تربيةٌ للنفوسِ في زمنِ الشدائدِ لا يعقلُها إلا من صبرَ ورجعَ إلى ربِّه، أولئكَ يُبَشّرون بالجزاءِ في الدنيا قبلَ الآخرة ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (٢). الوقفة الخامسة: (ما جزاءُ الصبرِ على البلاء؟ ) والجواب: تجدونَ ذلك في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ (٣) قال بعضُ المفسرين: أَمَنةً من العذابِ، وقال عمرُ ﵁: نعم

стр. 2223

العِدْلانِ، ونعمتِ العلاوة: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾: فهذانِ العدلان، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ فهذه العلاوة .. والعدلان: ما يوضعانِ على جانبيّ البعير، والعلاوةُ بينهما .. والمعنى: أُعطوا ثوابَهم وزيدوا أيضًا (١). هنا عبادَ الله تتحولُ البلايا إلى عطايا، والمحنُ إلى مِنح .. لكن دونَ ذلكَ الصبرُ والتقى، واليقينُ والتوكُّل، والاحتسابُ والشكرُ، وتلكَ وأمثالُها من معانٍ قيمةٍ لا يلقّاها إلا ذو حظٍّ عظيم. وذو علمٍ بأسرارِ المصائبِ ونتائجها. الوقفة السادسة: (من أسرارِ هاتينِ الآيتينِ ودروسِهما): قال السعديُّ ﵀: اشتملت هاتانِ الآيتانِ على توطينِ النفوسِ على المصائبِ قبلَ وقوعِها لتخفَّ وتسهُلَ إذا وقعت، وبيانِ ما تُقابَلُ به إذا وقعت وهو الصبرُ، وبيانِ ما يُعينُ على الصبرِ وما للصابرينَ من أجر، وإن هذا الابتلاءَ سُنةٌ من سننِ الله (٢). أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ (٣).

стр. 2224

الخطبة الثانية: الحمدُ لله ربِّ العالمين، عظّمَ أجورَ الصابرينَ فقال: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (١). وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريكَ له لا يُغادرُ صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها، وما يَعْزُبُ عن ربّك من مثقالِ ذرةٍ في الأرضِ ولا في السماءِ ولا أصغرَ من ذلكَ ولا أكبرَ إلا في كتابٍ مبين، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسوله، ابتلاه ربُّه فصبرَ وشكر، وحطّ للأُمةِ منهجَ الاستقامةِ محفوفًا بالصبرِ والشكر. وهو القائل «عجبًا لأمرِ المؤمنِ، إن أمرَه كلَّه له خيرٌ، إن أصابتْهُ سَرّاءُ شكرَ، فكانَ خيرًا له، وإن أصابتْهُ ضراءُ صبرَ فكان خيرًا، وليسَ ذلكَ لأحدٍ إلا للمؤمن». اللهمّ صلِّ وسلِّم عليه وعلى سائرِ الأنبياءِ والمرسلينَ. إخوةَ الإيمان .. الوقفة السابعة: (حاجتُنا إلى الصبرِ): ما أحوجَنا إلى الصبرِ في هذه الحياةِ بحلوها ومُرِّها، وعاجِلِها وآجلِها، إننا بحاجةٍ إلى الصبرِ على طاعةِ الله بتكاليفِها وديمومتِها، وحُسنِ أدائها، وانتظار جزائها من اللهِ، وبحاجةٍ إلى الصبرِ عن معاصي اللهِ بإغراء المعصيةِ وبريقِها الخادع .. وضعفِ النفوسِ أمامَ مغرياتِها ووسوسةِ شياطينِ الإنسِ والجنّ لاقترافِها. وبحاجةٍ إلى الصبرِ على أقدارِ اللهِ المؤلمة .. بمرارِتها ومفاجأتها وتتابُعِها. قال العالِمُون: الصبرُ صبران: صبرٌ عن معصيةِ اللهِ، فهذا مجاهدٌ، وصبرٌ

стр. 2225

على طاعةِ الله، فهذا عابدٌ، فإذا صبرَ عن معصيةِ الله، وصبرَ على طاعةِ الله: أورثه اللهُ الرضاءَ بقضائه، وعلامةُ الرضاء سكونُ القلبِ بما وردَ على النفسِ من المكروهاتِ والمحبوبات. وقال بعضُهم: حَدُّ الصبر ألا تعترضَ على التقدير، أما إظهارُ البلوى على غير وجه الشكوى، فلا يُنافي الصبر، فقد قالَ اللهُ عن أيوب ﵇: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ (١)، مع أنه قال: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ (٢). الوقفة الثامنة: (البلايا مع الصبرِ مكفراتٌ): إن من رحمةِ الله بعباده أن يبتليَهُم ليرفعَ درجاتِهم، ويكفرَ عنهم سيئاتِهم .. وكم يتألمُ المرءُ لضُرٍّ نزل به، واللهُ تعالى أرادَ الخيرَ له، وكم يحزنُ الإنسانُ لشيءٍ فاتَه، واللهُ يُريدُ أن يُعوضَه خيرًا منه .. فهل ندركُ السرَّ، وهل نحتمي بالصبرِ مع احتسابِ الأجر؟ أخرج مسلمٌ في «صحيحه» من حديث أبي سعيدٍ الخدري وأبي هريرةَ ﵄، أنهما سمعا رسولَ الله ﷺ يقول: «ما يصيبُ المؤمنَ من وَصَب، ولا نصبٍ، ولا سَقَمٍ، ولا حَزْنٍ، حتى الهمَّ يُهِمُّهُ إلا كُفِّرَ به من سيئاته» (٣). وفي الحديثِ الآخرِ قال ﷺ : «ما يزالُ البلاءُ بالمؤمنِ والمؤمنةِ في نفسِه، وولدِه، ومالِه، حتى يَلقى الله وما عليهِ من خطيئة» (٤). الوقفة التاسعة: (البلايا بين أهلِ الإيمانِ وأصحابِ الفجور): وهنا وقفةٌ وتنبيهٌ، فقد يُخالجُ النفسَ شيءٌ حين يرى المسلمُ المصائبَ تتابعُ

стр. 2226

على أهلِ الإيمان، بينما يُرى أهلُ الباطلِ والفجورِ والنفاقِ في عافيةٍ وسلامةٍ منها ظاهرًا .. وهنا لا بدَّ للمسلمِ أن يستيقنَ أن العطاءَ ليس علامةَ الرضاء، وأن البلاءَ ليس دليلَ الغضب، فقد جاءَ عن النبيِّ ﷺ قوله: «إن عِظم الجزاءِ مع عِظم البلاءِ، وإن اللهَ تعالى إذا أحبَّ قومًا ابتلاهم، فمن رضي فلهُ الرِّضا، ومن سَخط فله السخط» (١). وفي حديثٍ آخر: «إذا أرادَ اللهُ بعبدٍ خيرًا عجّلَ له العقوبةَ في الدُّنيا، وإذا أرادَ بعبدِه الشرَّ أمسكَ عنه، حتى يُوافَى به يومَ القيامة» (٢). وهنا مثلٌ نبويٌّ مقارنٌ، قال رسول الله ﷺ : «مثلُ المؤمنِ كمثلِ خامةِ الزرع؛ من حيثُ أتتها الريحُ تُفيئُها، فإذا اعتدلت تُلَقّى بالبلاءِ، والفاجرُ - وفي روايةٍ «المنافق» - كالأَرْزَةِ صماءُ معتدلةٌ، حتى يَقصِمها اللهُ إذا شاءَ» (٣). وفي «موطأ مالكٍ» بسندٍ مرسلٍ عن يحيى بن سعيد ﵀ قال: إن رجلًا جاءه الموتُ في زمنِ رسولِ الله ﷺ ، فقال رجلٌ: هنيئًا له، ماتَ ولم يُبتلَ بمرضٍ، فقال رسولُ الله ﷺ : «ويحكَ، ما يدريكَ لو أن اللهَ ابتلاهُ بمرضٍ فكفّرَ عنه من سيئاته» (٤). الوقفة العاشرة: (شيءٌ من البلاءِ لا كُلُّه، وأقسامُ الناسِ في البلاءِ): إن الله تعالى قال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾. لأنه لو ابتلاهم بالخوفِ كلِّه أو الجوعِ لهلكوا، والمحنُ تمحِّصُ لا تُهلك (٥). وعلى المسلمِ أن

стр. 2227

يدركَ أن كلّ مصيبةٍ تنالُه فإنما هي جزءٌ من قدرِ الله، وهناكَ ما هو أعظمُ منها .. وعليه أن يسترجعَ ويصبرَ. والناسُ حيالَ المصائبِ فريقان: فريقٌ جازعٌ، وفريقٌ صابرٌ؛ فالجازعُ حصلت له مصيبتان: فواتُ المحبوبِ بهذه المصيبةِ النازلةِ، وفواتُ ما هو أعظمُ منها، وهو الأجرُ على الصبرِ عليها .. والصابرُ حصلَ على أجرِ المصيبةِ، وعلى ما يأتيهِ من فضلِ الله بَعدها، وفي «صحيح مسلم»: «ما من عبدِ تُصيبهُ مصيبةٌ فيقولُ: إنا لله وإنا إليه راجعونَ، اللَهمّ أَجِرْني في مُصيبتي واخْلُفْ لي خيرًا منها، إلا آجرَهُ اللهُ في مصيبتهِ وأخلفَ له خيرًا منها».

стр. 2228

بشائر الإسلام في نيجيريا (١) الخطبة الأولى: إنّ الحمدَ لله نحمدُه ونستعينهُ ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلل فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبدُه ورسولُه، اللهم صلِّ وسلِّم عليه وعلى سائرِ الأنبياءِ والمرسلين، وارضَ اللهمّ عن الصحابةِ أجمعين والتابعينَ ومن تبعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (٢). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣). أيها المسلمون: المتأمل في تاريخ الأُمةِ والشعوبِ المسلمةِ يرى أنها مرّت بمرحلةِ القيادةِ والرّيادةِ، ثم انحطّت وتخلّت عنها لتخلفها أممٌ وشعوبٌ غيرُ مسلمةٍ، قُدِّر لها أن تسيطرَ وتستعمرَ وتنهبَ الخيراتِ، وليتَها توقّفت عند حدّ المادّياتِ .. لكنها تجاوزت إلى إفسادِ عقيدةِ الأُمة، وتذويب قِيَمِها والعبثِ بأخلاقِها .. وأنتجت هذه المرحلةُ من الاستعمار جيلًا فاقدَ الهويةِ، ضَحْلَ الثقافةِ الإسلاميةِ، وقد نحج المستعمرُ في توظيف هؤلاءِ لخدمة أهدافِه، فخرج المستعمرون على صيحاتِ الجهاد هنا وهناك .. ولكنهم خلَّفوا أذنابًا لهم؛ حكموا بحكمِهم، وقادوا الشعوبَ بتوجيهِ أسيادِهم، فاستمرَّ قطارُ التغريب في

стр. 2229

بلاد المسلمين؛ في التعليم، والإعلام، وفي الحياةِ الاجتماعيةِ والاقتصاديةِ، فضلًا عن النواحي السياسيةِ والعسكريةِ .. ومع ما خلّفتْهُ هذه المرحلةُ من آثارٍ سلبيةٍ، إلا أنّ المرحلةَ التي تلتْ هذه هي مرحلةُ اليقظةِ والصّحوةِ للشعوب المسلمةِ، لم يمنعْها رُكامُ الفسادِ .. ولم يُمِتْ شعورَها الإسلاميَّ مخططاتُ الاستعمارِ والتذويب .. نعم كلُّ ذلك لم يمنعْها أن تستجيبَ لنداء الفِطرة، وأن تعود إلى أصالَتِها، وأن ترفعَ شِعارَ الإسلامِ؛ مطالبةً لتطبيق شَرعِ الله والاحتكام إليه في سائرِ شئونها. أجل لقد أُصيب الغربُ والشرقُ بالإحباطِ على أَثَرِ صحوةِ المسلمين ويقظةِ الشعوبِ المسلمةِ، فبعد عقودٍ من الزمن حافلةٍ بالإفساد على أيديهِم وأيدي أذنابِهم، يتجدّدُ البعثُ الإسلاميُّ هنا وهناك، وكأنّ فِكرَهم وأساليبَهُم ذهبت أدراجَ الرّياح. عبادَ الله: وسأختار لكم نموذجًا لبلدٍ مسلم عاث المستعمرُ في أرضِه أكثرَ من قرنٍ من الزمان، وأحدَثَ خلال هذه الفترةِ آثارًا سيئةً، لا يزالُ بعضُها شاهدَ حالٍ على مستوى الفردِ والدولةِ، فنظامُ الدولة عِلْماني، واللغةُ الرسمية هي الإنجليزيةُ، هذه الدولةُ تُمثّل أكبرَ دولةٍ في أفريقيا من حيثُ السكانُ، والعطلةُ الأسبوعيةُ يوما السبت والأحد .. إلى غير ذلك من آثار التغريب، وهي بلدُ خيراتٍ - وإن ظل شعبُها في معظمه في عِداد الفُقراء - وهي دولةٌ متذبذبةٌ وضعيفةٌ في اقتصادِها، وإن كانت دولةً نفطيةً كبرى، لكنه الفسادُ الإداريُّ، وضعْفُ الذِّممِ منعَ وُصولَ الحقّ إلى أصحابهِ. إنها دولةُ (نيجيريا) والتي يزيد عَددُ سكانِها على عشرين ومائة مليون نسمة، يتوزَّعون على ستّ وثلاثين ولاية، ذات حكم فِدرالي، ونسبةُ المسلمين فيها تقرُبُ من سبعين في المائة - إن لم تكن قد زادت مؤخرًا - وثمّةَ وجودٌ نصرانيٌّ

стр. 2230

غذَّاه الاستعمارُ البريطانيُّ، وزاد من نسبته في فترةِ سيطرتهِ على نيجيريا، ولم يكن من قبلُ شيئًا مذكورًا .. بل كان المسلمون وإلى جانبِهم وَثَنيّون لا يَدينون بدين .. فعمِلَ المستعمرُ على تنصير هؤلاء الوثنيين، وغرّب من استطاع من أبناء المسلمين، ويحلو للبعض أن يُطلقَ على نيجيريا (بلقان أفريقيا)؛ لأنها مقسّمةٌ دينيًّا وثقافيًا وعِرْقيًا (١). واليوم يُسَرُّ الزائرُ لهذا البلدِ المسلم بصحوةِ المسلمين وتعطُّشِهم إلى هَدْي السماء، وتنقل وكالاتُ الأنباءِ وأخبارُ الدنيا طرفًا من مطالباتِ الشعبِ النيجيري لتطبيق الشريعةِ .. وقد أفلحتْ هذه الدعواتُ وبدأت بعضُ الولاياتِ فعليًا بتطبيق الشريعةِ، وأعلنت أخرى عزمَها على التطبيقِ، وحّددت لذلك زمنًا قريبًا. ولا تزال الدعوة تنتقلُ من ولاية إلى أخرى، ويتوقع بعضُ المطَّلِعين أن تستجيب لنداء تطبيقِ الشريعةِ الإسلاميةِ ما يزيد على نصف ولايات نيجيريا خلال هذا العام. أيها المسلمون: والأخبارُ التي تُنقلُ عن هذا البلدِ المسلمِ لا تزال لا تُمثلُ الحقيقةَ، ولا ترسمُ الصورةَ بكامل أحداثِها، ولئن اتّهم الإعلام الكافرُ بالتحيُّزِ في عدم توضيح الصورةِ، فاللومُ يقع أكثرُ على الإعلام الإسلاميِّ بوسائله المختلفةِ، حين يقصّرُ في خدمة قضيةِ المسلمين في نيجيريا، وتوضيح حالتِهم، ونقل احتياجاتِهم لإخوانِهمُ المسلمينَ ودعمِهم لقضيتهم. إنها بشائرُ واعدةٌ ومستقبلٌ زاهرٌ بإذن الله للإسلام والمسلمين في نيجيريا .. يجدها المطّلعُ في المسجد والشارع، ويسمعها من أستاذِ الجامعة، ويراها في حماسِ العلماءِ ونشاطِ الدُّعاةِ، بل ويكبّرُ ويُهلّلُ لها عوامُّ المسلمين هناك،

стр. 2231

وتحيةً لكلِّ مسلم نيجيريٍّ ساهم في تطبيق الشريعةِ في بلاد المسلمين. إخوةَ الإيمانِ: وهذه الصحوة في نيجيريا والمطالبةُ بتطبيق الشريعةِ ليست أمانيَّ وأحلامًا أو وعودًا وشعاراتٍ جوفاءَ .. بل هي خطواتٌ عمليةٌ ابتدأت بمنع أوكار الفساد؛ من بيوت الدعارة، ومحلات بيع الخمور، ومنعت التعامل بالرِّبا والقمار، وحاربت دورَ السينما، وأعلنت متابعة المجرمين، والقصاصَ من السُّراق والمفسدين. وانتقلت بعد ذلك إلى تطبيقاتٍ شرعيةٍ، تهدي الناسَ إلى الخيرِ، وتُشيعُ الفضيلةَ وتمنع الرذيلةَ. في ولاية (زمفرا) وهي أولُ ولايةٍ في نيجيريا أعلن حاكمُها المسلمُ (أحمد ثاني) عن تطبيق الشريعةِ، تمّ فصْلُ تعليمِ البنينِ عن البناتِ في مدارسِ الولاية منعًا للاختلاطِ بين الجنسين، وتم تخصيصُ باصاتٍ خاصةٍ بالرجال وأخرى بالنساءِ، بل وتَمّ فصلُ الرّجال عن النساءِ في المستشفياتِ، ولأول مرّةٍ في تاريخ نيجيريا أُنشئتْ وزارةٌ للشئون الإسلاميةِ، وبإمكاناتهم المحدودةِ تم توظيفُ مائتي داعيةٍ، وعشرين امرأة، وذلك لدعوة الناسِ للخير، وشَرح معاني وأهدافِ تطبيقِ الشريعةِ لسكان الولايةِ .. وعلى صعيد القضاءِ أنشئتِ المحاكمُ الشرعيةُ وشُكِّلَ مجلسٌ للقضاء، واختير له عددٌ من القُضاة للنظر في الشكاوى والجناياتِ وِفْقَ أحكام الشريعة الإسلاميةِ الغرّاءِ. وحاكمُ الولايةِ ووزراؤه حريصون على إصلاح مناهجِ التعليم، والعنايةِ بالإعلام، وحريصون كذلك على اقتصادِ البلاد، ويهمُّهم كثيرًا أن تتحسّنَ أوضاعُ سكّانِ الولايةِ ليشعروا بآثارِ تطبيق الشريعةِ وعَدْلِ الإسلام - في كافّة المجالاتِ - وبكلّ ثقةٍ وعزّة يقول حاكمُ الولاية: إنني أتطلّعُ إلى تحسين أوضاعِ

стр. 2232

الولايةِ في كافّةِ المجالاتِ؛ ليشعرَ الناسُ بأثَرِ تطبيق الشريعةِ، ويُدْركوا الفرقَ بين المرحلتين. عبادَ الله: وحين تسمعُ إلى حاكم الولايةِ أو وزرائه يسرُّكَ جِدّيتُهم في تطبيق شَرْعِ الله، ويُثْلجُ صدرَك حرصُهم على التزام المنهج الصحيحِ في التطبيق - وإن كانوا لا يُخفونَ حاجتَهم إلى دعم إخوانِهم المسلمين لهم ماديًّا ومعنويًّا .. كما يسرُّك كذلك تفاؤلهم بنجاح تجربتِهم، بل وشعورُهم بأنّ المستقبلَ في نيجيريا للإسلام والمسلمين .. وقد كان لتجربتهم تلك أثرٌ على بقيَّةِ ولاياتِ نيجيريا، فمنها من حذا حَذْوَهم، ومنها من يتململُ سكانُها مطالبين بحقوقِهم في تطبيق الشريعةِ الإسلاميةِ كما حصل لغيرهم، لا سيما ودستورُ البلاد ينصُّ في إحدى فقراته على أنّ لكلّ ولايةٍ الحقَّ في اختيار النظام الذي تشاء في إدارةِ ولايتِها. ونظرًا لأن اختيار حاكمِ الولايةِ عن طريق أصواتِ الناخبينَ وترشيحِهم في الولاية، فإنّ الولاياتِ ذاتَ الأغلبيةِ المسلمةِ قادرةٌ على الضغط على حاكم الولايةِ لتطبيق الشريعةِ؛ فهي التي اختارَتْه، وهي التي تُطالبُه بتطبيق الشريعةِ، وإذا لم يستجبْ فموعدُه الانتخاباتُ القادمةُ. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١). اللهم أعِزَّ الإسلامَ، وانصُرِ المسلمينَ في كلِّ مكان، وأعِزَّ الإسلامَ، وانصرِ المسلمين في نيجيريا، واللهمّ اهدهِم صراطكَ المستقيمَ، وثبّتهم واحفَظْهُم من كلّ مكروه.

стр. 2233

الخطبة الثانية: الحمدُ لله ربِّ العالمين، وَعَدَ بِنُصرةِ دينِه والتمكينِ لأوليائه، فقال جلّ قائلًا عليمًا: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٢). وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريك له، لا رادّ لقضائه ولا مُعقّبَ لحُكمِه وهو القويُّ العزيز، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، أخبر وهو الصادقُ الأمينُ أنّ هذا الدينَ سيبلُغُ ما بلغ الليلُ والنهارُ، ولا يتركُ اللهُ بيتَ مَدَرٍ ولا وَبَرٍ إلا أدخلَه اللهُ هذا الدينَ، بعِزّ عزيزٍ أو بذُلّ ذليلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللهُ به الإسلامَ، وذُلًّا يُذلُّ اللهُ به الكُفرَ (٣). اللهم صلّ وسلّم عليه وعلى سائر الأنبياءِ والمرسلين. عبادَ الله: وهذه البشائرُ في نيجيريا لم تأتِ من فراغٍ، ولم تَسلمْ من تحدّياتٍ، وليست مسدّدَة الاحتياجاتِ أو بغُنيةٍ عن الدّعم والمساعداتِ، ولا خلوًّا عن النقص والتقصير في الاجتهاداتِ .. وكلُّ ابنِ آدمَ خطّاءٌ، ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلُّها، ولكن حسبُ المرءِ أن يتوجّه بصدقٍ إلى ربِّه، وأن يكونَ عملُه خالصًا للهِ، وهدفُه نصرةُ دينِ اللهِ، ورفعُ الظّلم، وإقرارُ العدلِ بين الناسِ.

стр. 2234

إن المتأملَ في واقع نيجيريا يرى أنّ المسلمين الراغبينَ في تطبيق شرع الله يواجِهُهُم تحدياتٌ كثيرة - منها الوجودُ النصرانيُّ الذي أثار ولا يزال يثيرُ الفتنَ، ويُسهم بخلق المشاكل والقلاقلِ في طريق تطبيقِ الشريعةِ، وقد نشرت جريدةُ (العالم الإسلامي)، والتي تصدر من (رابطةِ العالم الإسلامي) أن آلافًا من الشباب النصرانيِّ توافدوا من أحياءٍ نصرانيةٍ استجابةً لدعوة قادةِ الكنائسِ المحليّة - في إحدى الولاياتِ - ورفعوا لافتاتٍ كُتب على بعضِها (لا للشريعة)، وأخرى تقول: (لا للشريعة من أجل سلامةِ البلاد)، وردّد المتظاهرون هُتافاتٍ معاديةً لتطبيق الشريعةِ الإسلاميةِ، منها: (يا شباب يا شباب: الشريعةُ بابُ عذاب). ثم تطورت المظاهرةُ إلى اعتداءاتٍ على الأرواح والممتلكاتِ، وإشعالِ الحرائق والسّلْبِ والنّهْبِ - وذلك في أعنف مواجهاتٍ تشهدُها نيجيريا منذ عشراتِ السنين - على حدِّ تعبير المجلة. وفي هذا الصّدد يقفُ رئيسُ نيجيريا - الحالي - (أوبا سينجو) ضد تطبيق الشريعةِ باعتبارِه نصرانيٌّ إلى النّخاع - على حدِّ تعبير جريدة العالم الإسلامي الأنفة الذكر (١). ويبدي بعضُ النصارى تخوُّفَهم من تطبيق الشريعةِ من أجل السياسةِ التي يقولون أنها ستمنع أبناءَهم من تعلُّم الدين النصرانيِّ، ويتخوّفُ نصارى آخرون من مَنْعِهم من التبشير بالنصرانية. وبشكل عام فالنصارى - في نيجيريا - وهم أقلّ من المسلمين باتوا يفكرون ويُخطّطون لإفشال هذه الخطوةِ المباركةِ في تطبيق الشريعةِ، وقد فشلت محاولاتُهم السابقةُ، ونرجو أن يكونَ في وعي المسلمين لمكرِهم، وفي

стр. 2235

تمسُّكِهم بدينِهم وتوكُّلهم على ربِّهم وعدلِهم في المعاملةِ مع غيرِ المسلمين ما يحفظ اللهُ به جهودَهم ويكفيهم شرورَ أعدائهم. أيها المسلمون: أما التحدي الآخَرُ فهو من بعض جهلَةِ المسلمين وغيرهِم، ولا سيَّما أصحابُ المصالح منهم، الذين شعروا أنّ تطبيقَ الشريعة سيَحرمُهم من امتيازاتٍ حصلوا عليها في ظلّ الفسادِ الإداريِّ، والذي سيتلاشى في ظلّ تطبيقِ الشريعةِ العادلةِ، وإذا لم يَخْلُ مجتمعُ الرّسول ﷺ من المنافقين الذين يُظهرون ما لا يُبطنون، فأنّى للمجتمعاتِ المعاصرةِ أن تخلو من هؤلاء - لا كثَّرَهُم اللهُ - وعلى المسلمين في نيجيريا أن يتنبَّهوا جيدًا لهذا الصّنفِ من الناس فهمُ العدوُّ - كما أخبر الله - وفي حال الغفلةِ عنهم يُخربّون ما لا يُخربّهُ غيرُهم، فألسنتُهم حِدادٌ، وقلوبُهم قلوبُ الذئابِ! إخوة الإسلام: أما التحدي الثالث - الذي يواجِهُ المسلمين في نيجيريا في تطبيق الشريعةِ .. فهو تحدٍّ من جانب، واحتياجٌ من جانبٍ آخرَ، إذ إن تطبيقَ الشريعةِ في بلدٍ نُحّيتْ فيه الشريعةُ فترةً من الزمن وشاعتِ العَلْمَنةُ والتغريبُ في مناحي الحياة .. هذا من جانبٍ، ومن جانبٍ آخر ضعف الاقتصادِ، وحاجةُ عددٍ من أهل البلاد هناك إلى ضروراتِ الحياةِ - كلُّ ذلك يجعلُ تطبيقَ الشريعة يحتاج إلى إمكاناتٍ معنويةٍ ودعم ماديٍّ .. فالدعاةُ والقضاةُ هناك لا يستغنون عن دورات تُرسّخُ فهمَهم وتدعَمُ تجربتَهم، والمجتمعُ الذي يشتري الماءَ لوضوئه يحتاج إلى حفر آبارٍ تسدُّ حاجتهم، وحكامُ الولاياتِ الناصحون الذين يفكرون بإنشاءِ مدارسَ إسلاميةٍ، وجامعات تفي باحتياج ولاياتِهم، هؤلاء يستحقُّون الدعمَ والمساندةَ، وكذا حين يفكرون بإنشاءِ مكتبةٍ كبرى تضمُّ أُمهاتِ المراجعِ في العلوم الشرعيةِ والعربيةِ، وإنشاءِ إذاعةٍ ومحطةِ تلفازٍ يُبثُ منها الخيرُ ويُعرّفُ

стр. 2236

من خلالها بالإسلام، وماذا يعني تطبيقُ الشريعة .. كذلك يستحقون الدعمَ والمساندةَ. وبكلّ حالٍ، فإن وقوفَ المسلمين مع إخوانهم - في نيجيريا - في ظلّ مرحلتِهم الراهنةِ .. هو من حقوق الأُخوَّة الإسلاميةِ، ومن نُصرة دينِ الله، والتمكين لشرعِه في الأرضِ، ما لم يرَ المسلمون خطًّا فاحشًا أو انحرافًا عظيمًا، أو تزيُّدًا وادّعاءً. والمسلمون أمةٌ واحدةٌ، وتطبيقُ شرع الله في أيِّ بُقعةٍ من بقاعِ الدنيا يُسرُّ لها المسلمون جميعًا .. وعليهم كِفْلٌ من مسئوليتها في حال نجاحِها، أو إخفاقِها لا قدّر اللهُ .. وحين تشكر المملكةُ العربيةُ السعوديةُ ممثلة في جامعاتِها الإسلاميةِ ومعاهِدها لتعليم العربيةِ على إتاحة الفُرصِ للمنحِ الدراسيةِ لأبناء العالم الإسلاميِّ، أو غيرِها من مساعداتٍ للعالم الإسلاميِّ، فالحاجةُ اليومَ أكبرُ في ظلّ حربِ العقائد واجتماع اليهودِ والنصارى على المسلمين، وأين دور المؤسساتِ الإسلاميةِ والهيئاتِ، والأغنياء والدّعاةِ والعلماءِ. عبادَ الله: إن المؤسف حقًّا ألّا تحظى هذه التجربةُ في تطبيق الشريعةِ في نيجيريا بمزيد عنايةِ وسائلِ الإعلام، ومعظمُ ما يسمعُه المسلمون هناك هو أحداثُ الشّغَبِ والاضطراباتِ فقط .. أما خطواتُ تطبيق الشريعةِ، وأما نشاطُ المسلمين وجهادُهم وحماسُهم لدينِهم، فلا تكادُ تسمعُ منها إلا نَزْرًا، وهنا يتساءل المرءُ: أين وكالاتُ الأنباءِ الإسلامية؟ وأين الإعلاميون المسلمون عمّا يجري هناك لِنَقْلِ الصورةِ بوضوحٍ للمسلمين؟ في زمنٍ بات النصارى في الغرب يُدافعون عن النّصارى في الشرقِ، وما نسيَ المسلمون بعدُ أحداثَ تيمورَ الشرقيةِ، ووقوفَ الغرب معهم حتى حققوا ما يريدون للنصرانية، أما اليهودُ فقد جمعوا فُلُولَهُم من أقطار الأرضِ وشكّلوا دولةً في وسط العالم الإسلاميِّ،

стр. 2237

واستولوا على المقدساتِ الإسلاميةِ وعَبثوا بها، أفيكون التعاونُ والنصرةُ حِلًّا لليهودِ والنصارى، حرامًا على غيرهم؟ ! إن دينَ الله منصورٌ لا مَحالةَ، واللهُ أغْيَرُ لدينِه وحرماتِه منّا .. وإذا أمكن لإخوانِ القردةِ والخنازير، وعُبّادِ الصليبِ والمسيح أن يقودوا البشريةَ، أفيعجز المسلمون وأصحابُ الدّين الحقِّ عن القيادة! ! ولكنه القَدَرُ الإلهيُّ، والحكمةُ الرّبانيةُ لِيَميزَ اللهُ الخبيثَ من الطيبِ، ويعلم اللهُ - وهو أعلم - من ينصرُ دينَه، ويجاهدُ في سبيلِه ممَّن يتولّى ويتخلّى عن مسئوليتِهِ، ﴿هَأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (١). اللهمّ انصرْ إخوانَنا في نيجيريا ومكِّن لهم، واجعل في نصرهِم نصرًا للإسلام وعزًّا للمسلمين، اللهمَّ اكفِهم شرورَ الأعداءِ وجهلَ الجُهلاء، وفتنةَ الأدعياءِ، اللهمَّ كن معهم ناصرًا ومعينًا، اللهم انصر بهم دينَكَ، واجعلهم حُماةً لشرعكَ، ووفقهم للعمل النافع والعملِ الصالح، والمنهج السديد.

стр. 2238

رمضان وواقع المسلمين (١) الخطبة الأولى: الحمدُ للهِ أفاءَ على أمةِ الإسلام من مواسمِ الخيراتِ ما تُجددُ به إيمانَها، وأكرمَ المسلمينَ بأيامٍ وليالٍ فاضلةٍ تعوِّضُ بها ما فاتَها، والمغبونُ - حقًا - من تساوت عنده الأيامُ والشهورُ، وتسابقَ الناسُ للخيراتِ وهو بعدُ في فُتورٍ. وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريكَ له، جعلَ الصيامَ وسيلةً للتقوى، ومن يتقِ اللهَ يجعل له مخرجًا، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسوله، خيرُ من صامَ وأفطرَ، وقامَ حتى منه الأقدامُ تتفطرُ، وهو المغفورُ له ما تقدمَ من ذنبهِ وما تأخرَ .. اللهمّ صلِّ وسلم عليه وعلى سائرِ النبيينَ والمرسلينَ، وارضَ اللهمَّ عن الصحابةِ أجمعينَ، والتابعينَ، ومن تبعَهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢). ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٣). أيّها المسلمونَ: بُشراكم شهرَ الصيام، وهنيئًا لكم - إذا بلّغكم اللهُ شهرَ رمضانَ، وكم لها من معنًى تلك التهاني التي اعتادَ بعضُنا أن يُهنئَ بعضًا بها لو عَقلناها وعملنا بمقتضاها .. أجل إن الصغيرَ والكبيرَ والذكرَ والأنثى، والرئيسَ والمرءوسَ كلٌّ منهم يُهنئُ الآخرَ في بدايةِ شهرِ رمضانَ، وهذا شيءٌ طيب ..

стр. 2239

لكن هل تظلّ هذه التهاني مجردَ عادةٍ لا تتجاوزُ الحناجرَ، أم ندركُ مغزاها، ونُثمّنُ القصدَ منها. إن التهنئةَ بشهرِ الصيامِ تعني فرحتَنا بهذا الشهرِ الكريم، وتعني استعدادَنا لحسنِ استقبالِه، والمنافسةَ فيه بالطاعة، وتعني شعورنا بأن أيامَه دُررٌ تختلفُ عن غيرها، وتستدعي منا المحافظةَ على كلِّ لحظةٍ، واستثمارَ كلِّ ساعةٍ بنوعٍ من أنواعِ الطاعةِ، فهل تحقَّقَ معنى التهنئة في شهرِ رمضانَ، وهل نَستحيي من أنفسِنا ومن ربِّنا أن نقولَ ما لا نفعل، أو نفعلَ خلافَ ما نقولُ؟ إن نغمةَ التهاني تُطالِعُنا في بدايةِ الشهرِ، ثم تنسحبُ ليحلَّ محلَّها الترجمانُ الصادقُ أو الكاذبُ لهذه التهاني؛ فالذينَ يقدّرونَ هذا الشهرَ الكريمَ، ويتقربونَ إلى خالقِهم بطاعتِه، ويصونونَ صومَهم عن اللغوِ والرفثِ وقولِ الزورِ وسماعِ المنكرِ ومشاهدةِ المحرَّم، أولئك لهم ترجمانٌ صادق، والذينَ يَرونَ في شهرِ الصيام فرصةً للعَبِّ من الشهواتِ، ما حلّ منها بالإسراف، وما حرم منها بالتخوض والتهتُّك، ويرون شهرَ رمضان شهرًا ثقيلًا يعدونَ أيامَه ولياليهِ، وينتظرونَ إطلالةَ شهرِ شوالِ بفارغٍ من الصبر، وأنّى لهؤلاءِ أن يدخلوا مضمارَ السّباقِ مع المسارعينَ للخيراتِ، حتى وإن أسبغَ عليهم ربُّهم من موفورِ الصحةِ وسعةِ الرزقِ ما ينبغي أن يشكروه عليه - هؤلاءِ أصحابُ الترجمانِ الكاذبِ لهذه التهاني المكرورةِ البلهاءِ. أيها المؤمنونَ: وبعيدًا عن هذه الطائفةِ المحرومةِ من فيضِ رمضانَ، وقبلَ أن نودِّعَهُم ندعو لهم، فالقلوبُ بين إصبعينِ من أصابعِ الرحمنِ يقلِّبُها كيفَ يشاءُ، ونحنُ لهم ناصحونَ لا مُشَهِّرونَ ولا شائنونَ، أقولُ بعيدًا عن هذه الفئةِ التي نسألُ الله «اللهمَّ رُدَّهم إليكَ ردًّا جميلًا، وحبِّب إليهمُ الإيمانَ وزيِّنْةُ في قلوبهم، وكرِّه إليهم الكفرَ والفسوقَ والعصيانَ» فثمةَ طائفةٌ أخرى أحيا قلوبًا وأحرصَ

стр. 2240

على الخير، وأكثرَ استعدادًا للمسارعة. ولكن أولئكَ الخيّرينَ كذلكَ لم يستثمروا رمضانَ كما ينبغي، فكم من مسجدٍ يحتاجُ إلى إمامَتِهم وهم يتسابقون إلى المسجدِ المشهورِ بُحسنِ تلاوةِ إمامهِ، أو لأن جماهيرَ من المسلمينَ تؤمُّه، وكم من تجمعاتٍ رمضانيةٍ على الأرصفةِ، أو في الاستراحاتِ يحتاجونَ إلى زيارتهم، وربما غَفلوا عن هؤلاء وأولئك، واختاروا أن يجتمعوا ويسمروا مع نظرائهم من الطيبين، وهل يغيبُ عن البالِ أن القلوبَ مهيأةٌ لسماع الدعوةِ والكلمةِ الطيبةِ في رمضانَ أكثرَ من غيرها، فأينَ استثمارُ هذه الفرصَ؟ وكَم يأخذكَ الأسى حين تسمعُ أن عددًا من الدُّعاةِ وطلبةِ العلمِ والمشايخِ ربما اعتذروا عن تقديمِ أيِّ مساهمةٍ في الدعوة، إما في مساجدهم التي يصلونَ فيها، أو في مساجدَ أخرى يمكن وصولُهم إليها .. فكيف يُساهمُ هؤلاءِ في القرى والمناطق النائيةِ - ولو ببعضِ أوقاتِهم - إن لم يكونوا مرتبطينَ بمساجد تمنعُهم من ذلك؟ وبالجملةِ فثمةَ فرصٌ كثيرةٌ للدعوةِ ونشرِ الخيرِ في رمضانَ، فأينَ الخيّرونَ منها؟ وهل تُسبقُ بدراسةٍ وتخطيطٍ وتنسيقٍ مع الجهاتِ الرسميةِ ذاتِ الاختصاص؟ لينطلِقَ قطارُ الدعوةِ في رمضانَ بمستوى يتلاءمُ وقدسيةَ هذا الشهرِ الكريم؟ أيها المسلمونَ: وعلى نطاقٍ أوسعَ والمسلمونَ كافةً يستقبلونَ رمضانَ هذا العام، وفيهم من اللأواءِ والفاقةِ والجراحِ ما لا يُشكى إلا إلى اللهِ، فهو وحدَه مفرّجُ الكروبِ ومنزلُ النصرِ. أجل إن الضيفَ الكريمَ يحلّ هذا العامَ والقلوبُ الموجعةُ تَحِنُّ إليه وفيه دواءٌ لأمراضِها، كيف لا والصيامُ سبيلٌ للتقوى، وحين تتحقَّقُ التقوى فللمتقين هدىً، والعاقبةُ للتقوى، والذين اتقوا إذا مسَّهم طائفٌ من الشيطانِ تذكَّروا فإذا

стр. 2241

هم مبصرون، ومن يتقِ اللهَ يجعل له مخرجًا ويرزُقْه من حيثُ لا يحتسبُ .. ورمضانُ فيه عِظةٌ وذكرى لوحدةِ الأمةِ واجتماع كلمَتِها، وإذا توحَّدوا على الصيامِ في شهرٍ مخصوص، ولزموا الصيامَ من طلوعِ الفجرِ وأفطروا حين الغروب .. لا يتخلُف منهم أحدٌ عن هذا النظامِ الربانيِّ الموحَّد - إلا من عُذْرٍ أو مرضٍ - أفينبغي لهم أن يختلفوا بعد ذلك وتتفرقَ كلمتُهم، ويشمتَ بهم أعداؤهم .. وفي أعظمِ قضاياهم يسومُهم اليهودُ والنصارى سوءَ العذابِ، ثم لا يَدْعوهمُ ذلك إلى جمعِ طاقاتِهم وتوحيدِ صفوفِهم، والانتصارِ لقضيتهم، والدفاعِ عن إخوانهم المظلومينَ في كلّ مكان؟ أيّها المسلمونَ: إن الشعورَ بآلام المسلمينَ والتخفيفِ من معاناةِ المحرومينَ مطلبٌ مشروع، وكم للحروبِ من ويلاتٍ! وكم للدمارِ الشاملِ من آثارٍ! وويحَ أمةٍ يموتُ من أطفالها - في قطرٍ واحد - أكثرُ من ستةِ آلاف وخمس مئة طفل شهريًا نتيجةَ الجوعِ والمرض، ثم هي لا تدري، أو تلوذُ بالصمتِ المخزي! أيصدِّقُ العقلُ أن سبعين بالمائة من شعبِ العراقِ المسلمِ ليسَ بإمكانهم شراءُ الغذاءِ الضروريِّ، وقد اضطروا إلى بيعِ أثاثهم حتى أبوابِ المنزلِ ونحوها لتأمينِ الحاجةِ الضروريةِ من الغذاء، وفي أحد تقاريرِ الأممِ المتحدةِ تقريرٌ يقول: إن أكثرَ من ٢٩% من أطفالِ العراقِ الأبرياءِ حتى السنةِ الخامسةِ من عمرهم يعانونَ من سوءِ التغذية، وإن ٧٠% من النساءِ الحواملِ يعانينَ من فقرِ الدمِ الشديد، وإن النقصَ في الغذاءِ قد أدى إلى إحداثِ أضرارٍ جسيمةٍ وعقليةٍ لا يمكنُ إصلاحُها في جيلٍ كاملٍ من أطفالِ العراق - إلا أن يشاء الله - (١). أين أغنياءُ المسلمينَ عن مآسي إخوانِهم؟ وأين المفكرونَ؟ وأين أصحابُ

стр. 2242

الغيرةِ والشهامةِ؟ وهل يشك أحدٌ أن شعبَ العراقِ المسلمَ غيرُ نظامِ صدامٍ المجرمِ، وأنَّ حزبَ البعثِ لا يعيشُ نفسَ المعاناةِ الحصاريةِ التي يعيشها بقيةُ شعبِ العراق؟ لقد سجلَ التاريخُ في أزمانِ عزتنا أن لأهلِ الذمةِ في ديارِ المسلمينَ نصيبًا من بيتِ مالِ المسلمينَ، أما اليومَ فيموتُ المسلمونَ جوعًا أو دمارًا بأنواعِ السلاحِ، والمسلمونَ ينظرون! ! وربما وُجِدَ من أغنياءِ المسلمينَ من لا يدري أين يصرفُ زكاتَه .. وربما صرفها على غيرِ المضطرينَ لها لمن يتكررُ سؤالهم واعتادوا طرقَ أبوابِ الأغنياءِ في رمضانَ، فهل يا تُرى رمضانُ هذا العام فرصةٌ أكبرُ لتلمسِ المحتاجينِ أكثرَ وإيصالها لهم بطرقٍ آمنةٍ مطمئنة. إخوةَ الإيمان: وعلى صعيدٍ آخرَ فما عرفَ المسلمونَ عبرَ تاريخِهم المُشرقِ أن شهرَ رمضانَ فرصةٌ للاسترخاء، وهذا رسولُ الهدى ﷺ يقودُ بالمسلمينَ يومَ الفرقانِ، ويُسجلُ التاريخُ نصرَ بدرٍ في شهرِ الصيامِ، ثم يكون الفتحُ الأعظمُ لمكةَ في شهرِ رمضانَ، ويُسجل التاريخُ مرةً أخرى أن دخولَ الناس في دينِ اللهِ أفواجًا كان على أثرِ الجهادِ والفتحِ في شهرِ الصيام. وهكذا استمرّ المسلمونَ عبرَ حِقبِ التاريخِ يعظمونَ شهرَ الصيام، ويبتهلونَ إلى خالقِهِم فيه بالنصرِ، وقد كان. ودعونا نُطِلُّ من أحد زوايا تاريخِنا المشرقِ في رمضانَ لنرى كيفَ انتصرَ جندُ اللهِ على النصارى، وكان هذا النصرُ في رمضانَ، وكان ذلكَ بدايةَ فتحِ المسلمينَ للأندلس، فقد قادَ البطلُ المسلمُ طارقُ بنُ زياد معركةَ وادي لكة (شذونة) في الثامنِ والعشرين من رمضانَ عام ثنتينِ وتسعين للهجرةِ النبويةِ بقوةٍ لا تكافئُ قوةَ الأسبانِ لا عددًا ولا عُدّة، فلغةُ الأرقامِ تقولُ: إنّ عددَ جيشِ المسلمينَ - بعد المددِ - بلغَ اثني عشرَ ألفًا، وكان عددُ النصارى الإسبان - بقيادة -

стр. 2243

(لُذريق) أربعينَ ألفًا فكيفَ إذا عُلمَ أن أرضَ المعركةِ غريبةٌ على المسلمين والأسبانُ أعلمُ بمسالكها، وهم أقربُ من المسلمين إلى مصادرِ التموين، وقد كانَ جيشُ العدوّ من التنظيمِ والكثرةِ والاستعدادِ بحيث كانوا لا يَشكونَ في هزيمةِ المسلمينَ وسحقِهم، بل بلغَ كبرياؤهم وغرورُهم أن استصحبوا معهم عددًا من الدوابّ لا تحملُ إلا الحبالَ ليُربطَ بها أسارى المسلمينَ ودارت رحى معركةٍ ضروسٍ، صدقَ فيها المسلمونَ مع ربِّهم وأبلوا بلاءً حسنًا في جهادِ عدوّهم ولم يَهِنوا أو يحزنوا، وقد سقط ربعُ جيشهم إذ استُشهدَ من المسلمين في هذه المعركةِ ثلاثةُ آلافٍ، بل صبروا حتى كان النصرُ حليفَهُم، وتمكنوا من قتلِ مَلكِ الأسبان، بل وأسروا آلافًا من النصارى في نفسِ الحبالِ التي أعدُّوها للمسلمين، وما النصرُ إلا من عندِ الله. إنها صفحةٌ مشرقةٌ من تاريخِنا يَسرّنا نصرُها وآثارُها، ويؤلمُنا ألّا يبقى لها في واقعنا المعاصرِ إلا الذكرى، ويكادُ المسلمُ منا يتوارى خجلًا من واقع أمتهِ التي لا ينقصُها العددُ ولا العتاد، ولكن ينقصُها الإيمانُ واليقينُ، ويَعزُّ في جنباتها القادةُ الصالحونَ أمثالُ أولئكَ الفاتحينَ الذين كانوا يُعبرونَ عن ثقتِهم بنصرِ ربِّهم، وحاجتهم إلى التقوى ويقولُ أحدهم: «لو كانت السماواتُ والأرضُ رَتْقًا لجعلَ اللهُ للمتقينَ منها مخرجًا» (١). تلك مقولةُ عبدِ الرحمن الغافقيِّ ﵀ .. أحدُ قادةِ المسلمينَ وشهدائهم في مسيرةِ الجهادِ والفتحِ الإسلاميِّ. أما طارقُ بنُ زياد فكان يقولُ أمامَ المجاهدين: ولسنا نبالي كيف سالتْ نفوسُنا ... إذا نحنُ أدْرَكْنا الذي كان أَجدرا (٢)

стр. 2244

عبادَ الله: فرقٌ بين منطقِ اليقينِ والتوكّلِ على الله، والتطلعِ إلى النعيمِ والجنانِ وبين من يتطلعونَ إلى مساعدةِ النصارى على اليهودِ .. أو ينشدونَ العونَ من منظماتٍ لا تألو في المسلمين إلًّا ولا ذمةً .. وأنّى لأمةٍ تعيشُ حالةَ الفرقةِ والشتات، ولم تنتصر بعدُ على أنفسها، أن تنتصرَ على عدوِّها .. وعسى أن يكونَ في شهرِ الصيامِ مصدرُ طاقةٍ روحيةٍ يعوضها شيئًا مما فاتها، ويورثُها التقوى وهو أعزّ مفقودٍ لها، والوحدةُ واجتماعُ الكلمة، وهو الضمانُ لعدم تنازعِها وفشلِها وذهابِ ريحهِا. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١).

стр. 2245

الخطبة الثانية: الحمدُ لله ربّ العالمين نصرَ دينَه، وأعزّ جندَه، وهزمَ الأحزابَ وحده، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريكَ له، من توكلَ عليه وفَّقهُ وهَداه، ومن اتقاهُ كفاه وجعلَ له المخرجَ والنجاةَ، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه علّمَ الأمةَ مفهومَ الصيامِ الحقِّ، وحذَّرها من خوارمِ الصيامِ فقال: «مَنْ لم يَدَعْ قولَ الزُّورِ والعملَ به، فليسَ للهِ حاجةٌ في أن يَدَعَ طعامَه وشرابَهُ» (١). اللهمَّ صلِّ وسلِّم عليه وعلى سائرِ النبيينَ والمرسلينَ. إخوةَ الإسلام: أيها الصائمونَ، إن مجردَ الإمساكِ عن الطعامِ والشرابِ ليس مقصودَ الإسلامِ من وراءِ الصيام، بل لعلّ ذلك أهونُ الصيام، كما قالَ أحدُ السلفِ: أهونُ الصيامِ تركُ الطعامِ والشرابِ. بل المقصودُ الأعظمُ من الصيامِ تربيةَ النفسِ على الطاعةِ للهِ، وتزكيتُها بالصبر، واستعلاؤُها على الشهواتِ، وكما يُحفظ البطنُ ويُمنعُ من دخولِ المباحاتِ المُفطرةِ حالَ الصيام، فمن باب أولى أن تمنعَ العينُ عن النظرِ في الحرام، والأذنُ عن سماعِ المحرمِ، واللسانُ عن قولِ الزورِ والآثام. قال جابرٌ ﵁: إذا صمتَ فليصمْ سمعُك وبصرُكَ ولسانُكَ عن الكذبِ والمحارم، ودَعْ أذى الجارِ، وليكن عليكَ وقارٌ وسكينةٌ يومَ صومِك، ولا تجعل يومَ صومِكَ وفطرِكَ سواء (٢). إن مفهومَ الصيامِ الحقِّ حين اختلّ عند نفرٍ من المسلمينَ شاعت الغيبةُ
следующие страницы →