← Джавами‘

Джавами‘ · id 20948

شعاع من المحراب

سليمان بن حمد العودة

Полный текст (3 545 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

هم مبصرون، ومن يتقِ اللهَ يجعل له مخرجًا ويرزُقْه من حيثُ لا يحتسبُ .. ورمضانُ فيه عِظةٌ وذكرى لوحدةِ الأمةِ واجتماع كلمَتِها، وإذا توحَّدوا على الصيامِ في شهرٍ مخصوص، ولزموا الصيامَ من طلوعِ الفجرِ وأفطروا حين الغروب .. لا يتخلُف منهم أحدٌ عن هذا النظامِ الربانيِّ الموحَّد - إلا من عُذْرٍ أو مرضٍ - أفينبغي لهم أن يختلفوا بعد ذلك وتتفرقَ كلمتُهم، ويشمتَ بهم أعداؤهم .. وفي أعظمِ قضاياهم يسومُهم اليهودُ والنصارى سوءَ العذابِ، ثم لا يَدْعوهمُ ذلك إلى جمعِ طاقاتِهم وتوحيدِ صفوفِهم، والانتصارِ لقضيتهم، والدفاعِ عن إخوانهم المظلومينَ في كلّ مكان؟ أيّها المسلمونَ: إن الشعورَ بآلام المسلمينَ والتخفيفِ من معاناةِ المحرومينَ مطلبٌ مشروع، وكم للحروبِ من ويلاتٍ! وكم للدمارِ الشاملِ من آثارٍ! وويحَ أمةٍ يموتُ من أطفالها - في قطرٍ واحد - أكثرُ من ستةِ آلاف وخمس مئة طفل شهريًا نتيجةَ الجوعِ والمرض، ثم هي لا تدري، أو تلوذُ بالصمتِ المخزي! أيصدِّقُ العقلُ أن سبعين بالمائة من شعبِ العراقِ المسلمِ ليسَ بإمكانهم شراءُ الغذاءِ الضروريِّ، وقد اضطروا إلى بيعِ أثاثهم حتى أبوابِ المنزلِ ونحوها لتأمينِ الحاجةِ الضروريةِ من الغذاء، وفي أحد تقاريرِ الأممِ المتحدةِ تقريرٌ يقول: إن أكثرَ من ٢٩% من أطفالِ العراقِ الأبرياءِ حتى السنةِ الخامسةِ من عمرهم يعانونَ من سوءِ التغذية، وإن ٧٠% من النساءِ الحواملِ يعانينَ من فقرِ الدمِ الشديد، وإن النقصَ في الغذاءِ قد أدى إلى إحداثِ أضرارٍ جسيمةٍ وعقليةٍ لا يمكنُ إصلاحُها في جيلٍ كاملٍ من أطفالِ العراق - إلا أن يشاء الله - (١). أين أغنياءُ المسلمينَ عن مآسي إخوانِهم؟ وأين المفكرونَ؟ وأين أصحابُ

стр. 2242

الغيرةِ والشهامةِ؟ وهل يشك أحدٌ أن شعبَ العراقِ المسلمَ غيرُ نظامِ صدامٍ المجرمِ، وأنَّ حزبَ البعثِ لا يعيشُ نفسَ المعاناةِ الحصاريةِ التي يعيشها بقيةُ شعبِ العراق؟ لقد سجلَ التاريخُ في أزمانِ عزتنا أن لأهلِ الذمةِ في ديارِ المسلمينَ نصيبًا من بيتِ مالِ المسلمينَ، أما اليومَ فيموتُ المسلمونَ جوعًا أو دمارًا بأنواعِ السلاحِ، والمسلمونَ ينظرون! ! وربما وُجِدَ من أغنياءِ المسلمينَ من لا يدري أين يصرفُ زكاتَه .. وربما صرفها على غيرِ المضطرينَ لها لمن يتكررُ سؤالهم واعتادوا طرقَ أبوابِ الأغنياءِ في رمضانَ، فهل يا تُرى رمضانُ هذا العام فرصةٌ أكبرُ لتلمسِ المحتاجينِ أكثرَ وإيصالها لهم بطرقٍ آمنةٍ مطمئنة. إخوةَ الإيمان: وعلى صعيدٍ آخرَ فما عرفَ المسلمونَ عبرَ تاريخِهم المُشرقِ أن شهرَ رمضانَ فرصةٌ للاسترخاء، وهذا رسولُ الهدى ﷺ يقودُ بالمسلمينَ يومَ الفرقانِ، ويُسجلُ التاريخُ نصرَ بدرٍ في شهرِ الصيامِ، ثم يكون الفتحُ الأعظمُ لمكةَ في شهرِ رمضانَ، ويُسجل التاريخُ مرةً أخرى أن دخولَ الناس في دينِ اللهِ أفواجًا كان على أثرِ الجهادِ والفتحِ في شهرِ الصيام. وهكذا استمرّ المسلمونَ عبرَ حِقبِ التاريخِ يعظمونَ شهرَ الصيام، ويبتهلونَ إلى خالقِهِم فيه بالنصرِ، وقد كان. ودعونا نُطِلُّ من أحد زوايا تاريخِنا المشرقِ في رمضانَ لنرى كيفَ انتصرَ جندُ اللهِ على النصارى، وكان هذا النصرُ في رمضانَ، وكان ذلكَ بدايةَ فتحِ المسلمينَ للأندلس، فقد قادَ البطلُ المسلمُ طارقُ بنُ زياد معركةَ وادي لكة (شذونة) في الثامنِ والعشرين من رمضانَ عام ثنتينِ وتسعين للهجرةِ النبويةِ بقوةٍ لا تكافئُ قوةَ الأسبانِ لا عددًا ولا عُدّة، فلغةُ الأرقامِ تقولُ: إنّ عددَ جيشِ المسلمينَ - بعد المددِ - بلغَ اثني عشرَ ألفًا، وكان عددُ النصارى الإسبان - بقيادة -

стр. 2243

(لُذريق) أربعينَ ألفًا فكيفَ إذا عُلمَ أن أرضَ المعركةِ غريبةٌ على المسلمين والأسبانُ أعلمُ بمسالكها، وهم أقربُ من المسلمين إلى مصادرِ التموين، وقد كانَ جيشُ العدوّ من التنظيمِ والكثرةِ والاستعدادِ بحيث كانوا لا يَشكونَ في هزيمةِ المسلمينَ وسحقِهم، بل بلغَ كبرياؤهم وغرورُهم أن استصحبوا معهم عددًا من الدوابّ لا تحملُ إلا الحبالَ ليُربطَ بها أسارى المسلمينَ ودارت رحى معركةٍ ضروسٍ، صدقَ فيها المسلمونَ مع ربِّهم وأبلوا بلاءً حسنًا في جهادِ عدوّهم ولم يَهِنوا أو يحزنوا، وقد سقط ربعُ جيشهم إذ استُشهدَ من المسلمين في هذه المعركةِ ثلاثةُ آلافٍ، بل صبروا حتى كان النصرُ حليفَهُم، وتمكنوا من قتلِ مَلكِ الأسبان، بل وأسروا آلافًا من النصارى في نفسِ الحبالِ التي أعدُّوها للمسلمين، وما النصرُ إلا من عندِ الله. إنها صفحةٌ مشرقةٌ من تاريخِنا يَسرّنا نصرُها وآثارُها، ويؤلمُنا ألّا يبقى لها في واقعنا المعاصرِ إلا الذكرى، ويكادُ المسلمُ منا يتوارى خجلًا من واقع أمتهِ التي لا ينقصُها العددُ ولا العتاد، ولكن ينقصُها الإيمانُ واليقينُ، ويَعزُّ في جنباتها القادةُ الصالحونَ أمثالُ أولئكَ الفاتحينَ الذين كانوا يُعبرونَ عن ثقتِهم بنصرِ ربِّهم، وحاجتهم إلى التقوى ويقولُ أحدهم: «لو كانت السماواتُ والأرضُ رَتْقًا لجعلَ اللهُ للمتقينَ منها مخرجًا» (١). تلك مقولةُ عبدِ الرحمن الغافقيِّ ﵀ .. أحدُ قادةِ المسلمينَ وشهدائهم في مسيرةِ الجهادِ والفتحِ الإسلاميِّ. أما طارقُ بنُ زياد فكان يقولُ أمامَ المجاهدين: ولسنا نبالي كيف سالتْ نفوسُنا ... إذا نحنُ أدْرَكْنا الذي كان أَجدرا (٢)

стр. 2244

عبادَ الله: فرقٌ بين منطقِ اليقينِ والتوكّلِ على الله، والتطلعِ إلى النعيمِ والجنانِ وبين من يتطلعونَ إلى مساعدةِ النصارى على اليهودِ .. أو ينشدونَ العونَ من منظماتٍ لا تألو في المسلمين إلًّا ولا ذمةً .. وأنّى لأمةٍ تعيشُ حالةَ الفرقةِ والشتات، ولم تنتصر بعدُ على أنفسها، أن تنتصرَ على عدوِّها .. وعسى أن يكونَ في شهرِ الصيامِ مصدرُ طاقةٍ روحيةٍ يعوضها شيئًا مما فاتها، ويورثُها التقوى وهو أعزّ مفقودٍ لها، والوحدةُ واجتماعُ الكلمة، وهو الضمانُ لعدم تنازعِها وفشلِها وذهابِ ريحهِا. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١).

стр. 2245

الخطبة الثانية: الحمدُ لله ربّ العالمين نصرَ دينَه، وأعزّ جندَه، وهزمَ الأحزابَ وحده، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريكَ له، من توكلَ عليه وفَّقهُ وهَداه، ومن اتقاهُ كفاه وجعلَ له المخرجَ والنجاةَ، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه علّمَ الأمةَ مفهومَ الصيامِ الحقِّ، وحذَّرها من خوارمِ الصيامِ فقال: «مَنْ لم يَدَعْ قولَ الزُّورِ والعملَ به، فليسَ للهِ حاجةٌ في أن يَدَعَ طعامَه وشرابَهُ» (١). اللهمَّ صلِّ وسلِّم عليه وعلى سائرِ النبيينَ والمرسلينَ. إخوةَ الإسلام: أيها الصائمونَ، إن مجردَ الإمساكِ عن الطعامِ والشرابِ ليس مقصودَ الإسلامِ من وراءِ الصيام، بل لعلّ ذلك أهونُ الصيام، كما قالَ أحدُ السلفِ: أهونُ الصيامِ تركُ الطعامِ والشرابِ. بل المقصودُ الأعظمُ من الصيامِ تربيةَ النفسِ على الطاعةِ للهِ، وتزكيتُها بالصبر، واستعلاؤُها على الشهواتِ، وكما يُحفظ البطنُ ويُمنعُ من دخولِ المباحاتِ المُفطرةِ حالَ الصيام، فمن باب أولى أن تمنعَ العينُ عن النظرِ في الحرام، والأذنُ عن سماعِ المحرمِ، واللسانُ عن قولِ الزورِ والآثام. قال جابرٌ ﵁: إذا صمتَ فليصمْ سمعُك وبصرُكَ ولسانُكَ عن الكذبِ والمحارم، ودَعْ أذى الجارِ، وليكن عليكَ وقارٌ وسكينةٌ يومَ صومِك، ولا تجعل يومَ صومِكَ وفطرِكَ سواء (٢). إن مفهومَ الصيامِ الحقِّ حين اختلّ عند نفرٍ من المسلمينَ شاعت الغيبةُ

стр. 2246

والنميمةُ عند الصائمين، وهي عند المفطرينَ من بابِ أولى، ولم يعد بعضُ المسلمينَ يتحرجُ من سماعِ الغناء وهو صائم، أو يقضي وقتًا ثمينًا أمامَ مشاهدَ هابطةٍ، لو لم يكن فيها إلا إضاعةُ الوقتِ دونُ فائدةٍ لكانَ ذلك كافيًا في الردعِ عنها، فكيفَ إذا اشتملت على صورٍ هابطةٍ وأفكارٍ رديئة، ودعوةٍ للرذيلةِ! وكيف إذا حالت دون حضورِ الصلاةِ مع جماعةِ المسلمينَ في الصلواتِ المفروضةِ .. أو أَلْهَتْ عن المكوثِ في المساجدِ آناءَ الليلِ وأطرافَ النهار؟ وهل يسوغُ لمسلمٍ يُقدرُ شهرَ رمضان ويعرفُ قدسيةَ الصيامِ أن يظلّ عاكفًا على زُبالاتِ القنواتِ الفضائية، والصائمونَ في ذكرٍ وتلاوة وتهجدٍ واستغفارٍ ودعاءٍ بالأسحار. يا مسلمُ يا عبدَ الله، إن فرطتَ فيما مضى في الاستفادةِ من شهرِ الصيام، فحنانيكَ العودةَ في هذه الأيام، ودونكَ دعوةَ الجبارِ ﷻ لك بالتوبةِ فأجبِ النداءَ، واحمد الله أن سلَّمك حتى تشهدَ رمضانَ، واعلم أنك مخاطبٌ بقوله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١). أفلا ترغبُ الفلاحَ؟ أفلا تجيبُ من خلقكَ فسوَّاكَ فعدَلَكَ؟ أتكذِّبُ بالدِّين؟ أم تظلّ هازلًا ساخرًا متبعًا للشهواتِ حتى في الأيام والليالي الفاضلات؟ أين أنت من ساعةِ ندمٍ لا تنفعُ صاحبَها وأنت تقرأُ في كتاب ربِّك: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (٢). إنكَ تُعذبُ نفسَك بالمعصيةِ، ولن يطمئنّ قلبُكَ إلا بالطاعةِ والإنابةِ، ومسكينٌ أنتَ إنْ عذبتَ نفسَك في الدُّنيا ثم قُدتَها إلى البوارِ في الآخرةِ، فلا أنت في الدنيا اطمأننتَ .. ولا في الآخرةِ نجوتَ.

стр. 2247

قال العارفون: «القلبُ لا يصلحُ ولا يُفلحُ ولا يتلذذُ، ولا يُسرُّ، ولا يطيبُ ولا يسكنُ ولا يطمئنّ، إلا بعبادةِ ربِّه وحبِّه والإنابةِ إليه» (١). وقالَ خالقُك وخالقُ العارفينَ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (٢). بادر في التوبةِ يرعاكَ اللهُ .. فليسَ عيبًا إن زلَّت بك القدمُ فيما مضى إن أنت تداركتَ نفسَك فيما بقي، ولكن الحماقةَ والجهلَ والعنادَ والاستكبارَ أن تسمعَ داعيَ الله يدعوكَ ثم تظل مستكبرًا وكأنه لا يعنيك. إن من أحكمِ آياتِ الله قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (٣). وإياك أن تضعَ في حسابِكَ اليومَ ما تستحي من ذكره غدًا، وإياك أن تظنّ أن أحدًا سيشفعُ لك بحسنةٍ واحدةٍ مهما كانت شدةُ حاجتك إلى الله .. وأقربُ الناس إليك يتخلى عنك بل يفرّ منك: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ (٤). يا أخا الإيمان ولئن تقاصرت همتُكَ في كلّ حينٍ فإياك أن تفوّتَ فرصًا تضاعفُ فيها الحسنات، وتعظمُ فيها الأجور، ويغفرُ الله الذنوب .. أجل أفق من رقدتِك .. وقل لنفسك أنتِ في رمضان .. وكفّي يا نفسُ المخادعةُ والتقصيرُ والهوان. يا عبدَ الله أنت خلقٌ من خلقِ الله ولا يسوغ لك الغفلةُ في أزمانِ اليقظة، ولا يليقُ بك التفريطُ في مواسمِ الكسبِ والتجارة .. وأي تجارةٍ أعظمُ من التجارةِ مع الله؟

стр. 2248

لقد دعاك ربُّك فاستجب له: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (١). واعلم أن من كمالِ عقلكَ ورشدكَ أن تستجيبَ لنداءِ الخير، وأن مواردَ الخشيةِ لم تنضب عندك، وإنْ أعرضتَ فهي علامةُ الشقوةِ، واختر لنفسك ما تشاءُ، وكم يقرعُ سمعك قولهُ تعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى﴾ (٢). نعم أنت في بدايةِ الشهرِ، وغدًا سيُقال: انتصفَ الشهرُ، وعن قريبٍ سيُقالُ: هلّ هلالُ شوال .. فماذا قدَّمتَ وماذا أخرت .. ومسكينٌ أنت إن دخلَ رمضانُ وخرجَ ولم تغفر ذنوبُكَ ويَزدَدْ رصيدك، وتعلُ درجاتِك في الجنان .. اتقِ الله في نفسك، وتعرض لنفحاتِ المولى، ولا تكن الشقيّ بين السعداء، ولا المحرومَ في وسطِ الأغنياء. يا صائمُ أنفق ينفقُ اللهُ عليك ويخلفْ عليك وهو خيرُ الرازقين، وصِل ما أمر اللهُ به أن يوصل يصلكَ اللهُ ويبارك لك في عمرك. يا معاشرَ المتسحرين أين أنتم من الاستغفارِ بالأسحارِ وهو سِيما المتقين .. وكم تفوتونَ فرصةَ الدعاءِ وللدعاءِ في وقتِ الأسحارِ شأن، فهناك يتنزلُ الجبارُ ويقول: هل من سائلٍ فأعطيه، هل من مستغفرٍ فأغفرَ له. أما حين يحينُ الإفطار فكم تضيع من فرصةٍ حين تنشغلُ عن الدعاءِ، والدعاءُ مسموعٌ وللصائمِ دعوةٌ عند فطره لا ترد .. فأين المستحضرونَ لها بين الفرصتينِ الذهبيتينِ في الأسحارِ وعندَ الإفطار .. وأين الملِحونَ في الدعاءِ واللهُ غنيٌّ كريم، أمرَ بالدعاءِ ووعدَ بالعطاء: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٣).

стр. 2249

يا صائمونَ ترنّموا بالقرآن وازدادوا من تلاوةِ كلامِ الرحمن، وغدًا يُقال لقارئ القرآن: اقرأ وارقَ ورتل؛ فإن منزلكَ عندَ آخرِ آيةٍ تقرؤها. يا مسلمونَ صلّوا بالليلِ والناسُ نيام، وأطعموا الطعام، وأفشوا السلام تدخلوا الجنةَ بسلام. يا عبادَ الله إن ثمنَ الحسانِ الحورِ غالٍ فاطلبوها بعلوّ الهمةِ وقدّموا لها المهورَ الصالحات، وإن الجنانَ تُزينُ هذه الليالي والأيام، فسارعوا إلى بناءِ القصورِ العالياتِ بجليل الطاعاتِ وكريمِ الإحسانِ، فغدًا يُقالُ للعاملين: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١). وهنيئًا لكم معاشرَ الصوّامِ بِبابِ الرَّيانِ لا يدخلُ منه أحدٌ الجنة سواكم.

стр. 2250

معالم في قضيتنا الكبرى (١) الخطبة الأولى: إن الحمدَ لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسنا ومن سيئاتِ أعمالنا، من يهده اللهُ فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا. إخوةَ الإيمان مهما تحدثَ الناسُ عن اليهود، ووصفوا طباعَهم ونفسياتِهم فلن يبلغوا مبلغ القرآنِ في ذلك، وكفى أن يستيقنَ المسلمُ شدةَ عداوتِهم وهو يقرأ قوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ (٢)، وأن يعلم نوعيةَ سعيهِم في الأرضِ من قوله تعالى: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ (٣)، إنهم ملعونونَ على لسانِ أنبيائهم بما عصوا وكانوا يعتدون. وقساةُ القلوبِ بشهادةِ الذي خلقهم وهوَ العليمُ الخبير: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ (٤) وهم أسرعُ الناسِ للإثمِ والعدوانِ بشهادةِ القرآنِ على أكثرهم ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٥). والحديثُ هنا ليسَ وصفًا لليهودِ أو استجماعًا للنصوصِ التي تكشفُ طبائعهم

стр. 2251

ومواقفهم وخبثَهم، فذلك له حديثٌ خاص - وإنما يتركزُ حديثُ اليومِ عن قضيتنا الكبرى مع اليهود، بمعالمها وأبعادِها وطبيعةِ الصراع فيها لاسيما ونحنُ نسمعُ ونرى - هذه الأيام - أحداثًا داميةً واعتداءً صارخًا على المسلمين، ومحاولاتٍ تتكرر للعبثِ بمقدساتهم واستفزازًا أهوجَ لمشاعرِهم، وما الحوادِثُ التي يدورُ رحاها الآن في فلسطينَ والتي راحَ ضحيتها عددٌ من القتلى ومئاتٌ من الجرحى، إلا حلقةً في هذا المسلسلِ الإجرامي الحقودِ، وحتى ندركَ حجمَ القضيةِ ونعلمَ طبيعةَ المعركةِ مع اليهود نوردُ سؤالًا ثم نجيبُ عليه أو على بعضهِ .. والسؤالُ يقول: ما هي أبرزُ المعالمِ في قضيتنا الكبرى مع اليهود؟ ١ - ليست قضيتُنا مع اليهودِ قضيةَ أرضٍ مجردةٍ، يمكن أن نتقاسمَ فيها النفوذَ، وأن نتعايشَ بسلام .. كلا، فالقضيةُ قضيةُ مقدساتٍ إسلامية، وحقوقٍ مغتصبةٍ، قضيةُ حقٍّ يمثلُه الإسلامُ والمسلمونَ تُطمسُ هويتُه ويُشرَّدُ أبناؤه، وباطلٍ تمثِّلُه اليهوديةُ المحرَّفةُ، وينتصرُ له اليهودُ المغضوبُ عليهم والنصارى الضالُّون - قضيتُنا لها بُعدُها العَقَديُّ ولها امتدادها التاريخيُّ. ٢ - وليست قضيةُ فلسطين بمقدَّساتها وتاريخِها قضيةَ العربِ وحدَهم، كما يريدُ الغربُ ومن سارَ في رِكابِهم أن يُشيعوه - بل هي قضيةُ كلِّ مسلمٍ على وجهِ البسيطةِ يؤمنُ بالدِّينِ الحقِّ ويستشعرُ عداوةَ اليهودِ والنصارى للمسلمين، وينتمي لهذه المقدساتِ. ٣ - والقضيةُ - كذلك - ليست حقًّا خاصًّا لمسلمي اليوم يتصرفونَ فيها كيفما شاءوا، ويتنازلونَ إذا اتفقوا، كلا بل هي ميراثٌ وأمانةٌ، ميراثٌ عن الآباءِ وأمانةٌ لا بد من تسليمها للأبناء، فقد فتحَها أسلافُنا بدمائهم، وحرّروها بصدقِ عقيدتهم وجهادهم، ولا يحقّ لنا أن نهدرَ هذه الجهودَ حين غابَ المحررون، كما لا يسوغُ لنا أن نحجرَ على مسلمي الغد فنكبِّلَهُم بمعاهداتِ سلامٍ هزيلة،

стр. 2252

ونبيعَ حقَّنا وحقَّهم بأبخسِ الأثمان. ٤ - ما هي اللغةُ التي تفهمُها إسرائيلُ ويحتاجُها العربُ والمسلمون؟ إنها لغةُ القوةِ، وبهذه القوةِ استسلمَ اليهودُ عبرَ التاريخ، وإذا تجاوزنا تاريخَهَم قبلَ الإسلامِ، واستوقَفَنا تاريخُهم في المدينةِ مع محمدٍ ﷺ والمسلمينَ معه - رأينا كيف كان غدرُهم ونقضُهم للعهود، ورأينا محمدًا ﷺ يتعاملُ معهم بالحصارِ والجلاءِ، بل ويُقدّمُ طوائفَ منهم لتحصدَ رؤوسُهم ويُساقونَ إلى الموتِ وهم ينظرون، وكيف لا يكون ذلك وقد نقضوا العهودَ، وألَّبُوا الأعداءَ، ودَلّوا المشركينَ على عوراتِ المسلمينَ في أُحد، ثم كانت غزوةُ الخندقِ ومجيءُ الأحزابِ بتخطيطِهم مع مشركي قريش، وآخرُ طائفةٍ منهم تماسكت على العهدِ خوفًا من المسلمينِ، حتى إذا لاحتْ لها الفرصةُ غدرتْ بنو قريظةَ في أشدّ الظروفِ وأحلكِها على المسلمينَ، تلك التي قال اللهُ عنها: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ (١). ذلك نموذجٌ لغَدرِ اليهودِ في زمنِ النبوةِ، وذلك أسلوبٌ نبويٌّ للتعاملِ معهم، وهديُ المرسلينَ صالحٌ للاعتبارِ والاقتداءِ في كلّ زمانٍ ومكان. ٥ - ما مفهومُ إسرائيلَ للسلام؟ وما هدفُها من إشاعةِ مفاهيم السلام؟ إننا نخادعُ أنفسَنا حين نعتقدُ أن إسرائيلَ جادةٌ في تحقيقِ السلامِ، والواقعُ يشهدُ بإفلاسِ المسرحياتِ الهزيلةِ للسلام، ومن كامب ديفيد بمراحله المختلفةِ وأدوارِهِ المكشوفةِ، إلى مدريدَ، أو غيرها من محطاتِ السلامِ استَسمنَ المخدوعونَ بالسلام وَرَمًا، فإذا الجبلُ يلدُ فأرًا، وإذا الانتقامُ يعقبُ السلام

стр. 2253

ومِدَادُه لم تجفَّ بعدُ فتتحدَّثُ الدبابةُ المجنزرةُ باسمِ السلامِ الذي تريده (يهودُ) وينطقُ الرشاشُ، وتحوم الطائراتُ المروحيةُ، وتُرمى القنابلُ المطاطيةُ وغيرُها، بشكل عشوائيٍّ لتصيبَ الأطفالَ والنساءَ والشيوخَ .. وتكونُ هذه وتلك لغةَ السلامِ المعبرةِ في ذهنِ إخوانِ القردةِ والخنازيرِ، وَمَن صنعَ مسرحيةَ السلامِ. عبادَ الله: إذًا موقفُ إسرائيلَ من السلامِ ليس على ظاهرِه، بل دافعُها للسلام إظهارُ نفسِها - للعالم - بصورةِ الإيجابيةِ المحبةِ للسلام، وذلك لتستقطبَ الاستثماراتِ وتفتحَ الأسواقَ الخارجيةَ، وذلك لتعزيز اقتصادِها، أو هي باختصار كما يقول أحدُ اليهودِ (نعوم تشومسكي) (يهودي مشهور) وهو شاهدٌ من أهلِها: «ليست سوى حملةِ علاقاتٍ عامةٍ لترويجِ إسرائيل» (١). ٦ - بين أطفالِ الحجارةِ وترسانةِ الأسلحةِ النووية: وهنا وقفةُ إشادةٍ وتقديرٍ لأطفالِ الحجارةِ الفلسطينيينَ الذين أرعبوا اليهودَ، لكنّ السؤالَ المهمَّ: هل بلغت أمةُ المليارِ مسلم حدًّا من الضعفِ حتى أنابت عنها في قتالِ الأعداءِ أطفالًا لا يملكونَ إلا الحجارةَ، يقاتلون بها يهودَ، ويُرهبونَ بها مَن وراءَ اليهودِ؟ وفي المقابلِ فإن أمةً مدجَّجةً بالقوة وتُعدُّ ترسانةً للسلاحِ النووي، وغيره يُرهبُها أطفالٌ عُزَّلٌ من السلاحِ ليست خليقةً بالبقاءِ، ولا قادرةً على الصمودِ والتحدي حين يتوفرُ المجاهدونَ الصادقونَ، عجّلَ اللهُ وجودَهم. ٧ - الغربُ ومنظماتُ الجهادِ والأصوليةِ - ومن هنا يُعلمُ سِرُّ تخوُّفِ الغربِ واليهودِ من تنظيماتِ الجهادِ وصيحاتِ المجاهدينَ، وما يسمونهم بالأصوليةِ، ومحاولاتهم تشويهَ صورتِهم ووصفَ المجاهدينَ بالإرهابيين، ذلك لأنهم

стр. 2254

يدركونَ أن هؤلاءِ عدُوُّهم الحقيقي، وهؤلاءِ هم خطرُهم المستقبلي، يصرحونَ بذلك في كتبهم ولا يكتمونه، ويقول الرئيسُ الأمريكي (نيكسون) في كتابه «١٩٩٩ نصر بلا حرب» يقول: «إن صراعَ العربِ ضدَّ اليهود يتطورُ إلى نزاعٍ بين الأصوليينَ الإسلاميينَ من جانبٍ، وإسرائيلَ والدولِ العربيةِ المعتدلةِ من جانبٍ آخر» (١). ومن جانبٍ آخرَ يعلنونَ بكلّ صراحةٍ ويقولونَ في ملتقياتِهم العامة: على روسيا وأمريكا أن تعقدَ تعاونًا لضربِ الأصوليةِ الإسلاميةِ، ويقولونَ كذلك: «علينا نحنُ الأمريكان والسوفييت تناسيِ خلافاتِنا والتحالفُ معًا لضربِ الإسلام». فهل يا تُرى يستفيقُ المغفلونَ الذين يرددونَ ما تردِّدُه الدوائرُ اليهوديةُ والنصرانيةُ في الغربِ والشرقِ عن إخوانهم المسلمين، وهل ندعمُ الجهادَ الحقَّ - وهو ذروةُ سنامِ الإسلام - ليكونَ الفيصلَ بيننا وبين أعدائنا، وهو أقصرُ الطرقِ وأنفعُها لاستردادِ حقوقِنَا وتحريرِ مقدساتِنا .. وفي خبرِ الذي لا ينطقُ عن الهوى: «وما تركَ قومٌ الجهادَ في سبيلِ الله إلّا ذلّوا». لا بُدّ من تحقيقِ الولاءِ للمؤمنينَ والبراءةِ منَ المشركينَ وفي كتابنا العزيز: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ (٢). يا للخيبةِ والعارِ حينَ يُسارعُ الممثلونَ للفلسطينيينَ لاستجداءِ الآخرينَ في صفقاتِ السلامِ الهزيل، وهم المُعتدى عليهم، في الوقتِ الذي يرفضُ فيه زعماءُ إسرائيلَ حضورَ هذه الملتقياتِ، وهم المجرمونَ المعتدونَ؟ !

стр. 2255

الخطبة الثانية: الحمدُ لله جعلَ العزةَ للهِ ولرسولهِ وللمؤمنين، والذلةَ للكافرين والمنافقين، أحمدُه تعالى وأشكرُه وأثني عليه الخيرَ كلَّه، وأصلي وأسلم على خِيرةِ خلقهِ. أيّها المسلمون: ٨ - وبين الحماسِ الشعبي والتراخي السياسيِّ يبرزُ مَعلَمٌ من معالمِ الموقفِ في قضيتِنا الكبرى، فالمتأملُ في الأحداثِ الجاريةِ مع اليهودِ في فلسطينَ يلحظُ حماسًا وعاطفةً إسلاميةً تَتّقِدُ في قلوبِ الشعوبِ العربيةِ والإسلامية، ليسَ فقط في حدود فلسطينَ، بل وخارجها، منددةً باليهود، ومن أطفالِ الحجارةِ إلى المنظماتِ الجهاديةِ، إلى المظاهراتِ الطلابيةِ، وفي أرضِ الكنانةِ (مصر) وغيرها نموذجٌ لهذا الحماسِ الإسلامي تُجاه المقدساتِ، وتُجاه الدماءِ الإسلامية، وفي مقابلِ ذلك هناكَ فتورٌ وتراخٍ في الموقفِ السياسي ممن يملكونَ القرارَ، ولا يزالونَ يحملونَ حقائبَهُم للمفاوضاتِ الخاسرةِ، وعلى الرغمِ من النكساتِ المريعةِ، والصَّلفِ اليهوديِّ المثيرِ، ولا تزالُ الشعوبُ العربيةُ والمسلمةُ تتطلعُ إلى قرارٍ جماعيٍّ وموقفٍ بطوليٍّ يضعُ حدًّا لعنفِ اليهودِ، ويُنهي مرحلةَ الذُّلِّ والاستسلام. ٩ - المَعْلَمُ التاسعُ: الإعلامُ والقضية .. ونلحظُ كذلك ضعفًا في إعلامنا العربيِّ والإسلامي لخدمةِ قضيةِ فلسطينَ الكبرى، وللإعلامِ دورُه في إذكاءِ حماسِ الشعوب، بل وفي الضغطِ لاتخاذِ مواقفَ جادةٍ مع بني صهيونَ .. وماذا يصنعُ الإعلامُ الغربيُّ واليهوديُّ لو أن طفلًا يهوديًّا قتلَه المسلمون .. فكيفَ بمجموعةٍ من الأطفالِ والرجالِ والنساءِ يُقتلون .. وكيف والعبثُ بالمقدساتِ والاستفزازِ في الزياراتِ دَيْدَنُ اليهود .. والمأساةُ هي التغفيلُ من قِبَل الإعلام -

стр. 2256

إلا مجردَ عواطفَ تخرجُ عند الحدَثِ ثم لا تلبثُ أن تخبو وكأنّ شيئًا لم يكن، أما الإعلامُ الكافرُ فمعروفٌ بتحيُّزه وخدمته لقضايا فكرهِ والدفاعِ عن أبناء جنسِه وملَّتِه، وهو غيرُ ملومٍ في خدمةِ قضايا المسلمينَ، ولكن الملومَ إعلامُ العربِ والمسلمين، على أن أمرَ القضيةِ الكبرى ليس مسئوليةَ الإعلاميين وحدَهم، بل ورجالِ الفكرِ وأساتذةِ الجامعات، وذلك بإثراءِ القضيةِ بحديثهم وبحوثهم ومقالاتِهم وكتبهم .. فأين هؤلاءِ جميعًا من قضيتِهم؟ وبكل نزاهةٍ وتجردٍ وصدقٍ وإخلاص. ١٠ - الهيئاتُ والمنظماتُ الإسلاميةُ والقضيةُ .. سؤالٌ يطرحُ نفسَه: كم في العالمِ العربي والإسلامي من هيئةٍ ومنظمةٍ إسلاميةٍ؟ ! وأين دورُها؟ وما أثرُ هذا الدورِ في خدمةِ القضية؟ هل يُقارنُ أثرُها وجرأتُها بالمنظماتِ والهيئاتِ الغربية؟ أم أصيبت بنوع من الإحباطِ لكثرةِ رزايا المسلمينَ، سواءٌ كان هذا أو غيرُه من الأسبابِ فلا يُبرر صمتَها في بيانِ الموقفِ الإسلامي بعيدًا عن أيِّ مؤثراتٍ أخرى .. ولا يعفيها من المسئوليةِ إن جاءَ صوتُها متأخرًا وهزيلًا .. وأيُّ هيئةٍ أو منظمةٍ إسلاميةٍ لا يعنيها شأنُ المقدساتِ، ولا تستنكرُ نزيفَ الدماءِ المسلمةِ، ولا تنددُ بظلمِ الطغاةِ والمجرمينَ .. فماذا تُقرُّ وماذا تستنكرُ؟ وللحقّ، يُقالُ: إن ثمةَ هيئاتٍ ومنظماتٍ إسلاميةٍ تستنكرُ، لكن الحديثَ عن الأعمِّ والأغلبِ، وهو دونَ المستوى المطلوبِ في حجمه وفاعليته! ١١ - بين خسارتين: لا شك أن سقوطَ عدد من القتلى والجرحى في أرضِ فلسطينَ خسارةٌ على الفلسطينيينَ والمسلمينَ، ولاشكَّ أن إرهابَ الآمنينَ من المسلمينَ في الأراضي المحتلةُ يُسيءُ للفلسطينيين وعمومِ المسلمين .. ولكن الخسارةَ أعظمُ لو سارَ قطارُ السلامِ واستثمرَه اليهودُ والنصارى لصالحهم ضدَّ المسلمين، فتمَّ التطبيعُ وصدّرت إسرائيلُ أفكارَها وعقائدَها وروَّجتْ

стр. 2257

للمخدِّرات، وانتشر الفسادُ الخلُقي، وراجَ سوقُ البغايا. إن حُمقَ اليهودِ واستفزازَهم أشعلَ فتيلَ العداوةِ ضدَّهم، وذكّرَ المسلمينَ بأهدافِهم ومخططاتِهم، واستيقنَ من لم يستيقن من المسلمينَ بفشلِ عملياتِ السلامِ وضرورةِ الاستعدادِ للمواجهة مع اليهودِ مستقبلًا، وهذه وتلك إيجابياتٌ للأحداث ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (١). ١٢ - تحسبُهم جميعًا وقلوبُهم شتى: تلك حقيقةٌ قرآنية تكشفُ عن تنازعِ اليهودِ واختلافِهم - فيما بينهم - وهم كذلك في القديمِ والحديثِ، وينبغي أن يدركَ المسلمونَ هذا الخللَ عند يهودَ، ويستفيدوا منه لصالحِ قضيتِهم، ولئن ظهرَ للناسِ اليومَ أن اليهودَ متفقونَ ومتماسكونَ في فلسطينَ، فليسَ الأمرُ كذلك، بل تشيرُ الدراساتُ إلى عددٍ من المشاكلِ التي تُقلقُ مضاجعَهم، فهم أحزابٌ متناحرون، وصل الأمرُ إلى قتلِ المتطرفِ منهم للمعتدلِ - في نظرهم - وإن كانوا في نظرنا كلُّهم متطرفونَ، والهجرةُ المعاكسةُ، والخروجُ من فلسطينَ لدى بعض اليهودِ بسببِ عدمِ توفرِ الأمنِ لليهودِ يقلقُ الإسرائيليين، كما يُقلقهم عدمُ استجابة السكانِ اليهودِ لدعوة تكثير النسل، لاسيما وإنهم اكتشفوا أنه مقابلَ كلّ شهيدٍ فلسطينيٍّ يولدُ عشراتٌ من الفلسطينيينَ، وهكذا الطبقيةُ المقيتةُ تزعجُ اليهود؛ ولو أنّ المسلمينَ صَدقوا في جهادِهم لاكتشفوا كثيرًا من طباعِهم ومظاهر الضعفِ فيهم. أيّها المسلمونَ: أكتفي بذكرِ هذه المعالمِ الاثنتي عشرةَ - في هذه الخطبةِ - وثمة معالمُ ووقفاتٌ أخرى في قضيتنا الكبرى أستكمِلُها في خطبةٍ لاحقةٍ بإذن اللهِ ..

стр. 2258

وفي نهايةِ حديثِ اليوم أقفُ ويقفُ غيري متسائلًا: وماذا ستتمخَّضُ عنه هذه المشاعرُ العربيةُ والإسلاميةُ الغاضبةُ تُجاهَ ما يصنعه اليهودُ اليومَ في أرضِ المقدسات؟ ولئن قيل: إنها ستنتهي عند حدودِ الشجبِ والاستنكارِ، كما حدثَ في مجزرةِ الخليلِ وملحمةِ صبرا وشاتيلا وسواهما من أحداثٍ داميةٍ ارتكبها اليهودُ - وهي مسطورةٌ في تاريخِهم الأسودِ - فهناك من يقولُ: إنها وإن كانت كذلك في المنظورِ القريبِ فهي على المدى البعيد ستشكلُ هذه المآسي أرضيةً تُنبتُ العزةَ والكرامةَ لدى الشعوبِ العربيةِ والمسلمةِ، وستكونُ هذه سلاحًا يُقاتلُ به اليهود، وسينشأُ في هذه المحاضنِ الصعبةِ أطفالٌ يرضعونَ كُرهَ اليهودِ ومن شايَعَهم مع ثَدْي أمهاتِهم، وسيكونونَ رجالَ المستقبلِ يقاتلونَ وهم صادقون، ويصبرونَ حتى ينتصرون. لكنها مأساةٌ بحقّ مسلمي اليومَ حين يلوذونَ بالصمتِ وهم يرونَ الحقدَ اليهوديَّ يتزايدُ، والدعمَ الغربيَّ لدولةِ الصهاينةِ يتفاقمُ، والهيئاتُ والمنظماتُ الدوليةُ تتفرجُ، بل ربما تتلذذُ بمشاهدةِ المسرحياتِ وهي تُنفَّذُ، وهم خلفَ الستار. أجل لا يسوغُ لأمّةٍ ولدت أطفالًا يقاومونَ بالحجارةِ أن تظلَّ تتفرجُ على هؤلاءِ الأطفالِ وهم يقضونَ نَحبَهم - كما يتفرجُ غيرُهم - دون أن يَنصروا مظلومًا أو يردعوا ظالمًا، وماذا سيكونُ موقفُ الحكوماتِ الإسلاميةِ التي تورطت بعلاقاتٍ واتفاقاتٍ اقتصاديةٍ أو ثقافيةٍ أو عسكريةٍ أو نحوها مع إسرائيلَ، وهي تفعلُ اليومَ ما تفعلُ بأبناءِ فلسطينَ ومقدساتِ المسلمينَ وإخوانِهم المسلمين؟ إنها مأساةٌ حين تتفرجُ أبناءُ المللِ الأخرى على ما يحصل لأبناءِ المسلمينَ

стр. 2259

ولسانُ حالِهم يقول: أين أهلُ هؤلاءِ؟ أين أبناءُ مِلَّتهم؟ أليسَ دينهم يقول لهم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (١). أليس نبيهم يقول لهم: «انصر أخاكَ ظالمًا أو مظلومًا». فأين حقوق الأخوة؟ وأين وسائلُ النصرة؟ ! اللهم كن للمسلمينَ في فلسطينَ عونًا ونصيرًا، اللهم ارحم ضعفَهم، وقوّ عزائمَهم، واقبلَ شهداءَهم، اللهمّ فرِّج كربَهم، واخذل من خذَلَهم، وانصر من نصرَهم، اللهم طهِّر مقدساتِ المسلمينَ من عبثِ اليهودِ الغاشمينَ، اللهم إنهم بَغَوا فاخْذلْهُم، وتكبَّروا فأذِلَّهُم وأهِنْهُم، اللهم عليكَ باليهودِ والنصارى ومَن سايَرَهُم من المنافقين .. اللهم أحصهِم عَدَدًا، واقتُلهُم بَدَدًا، ولا تُبق على الأرضِ منهم أحدًا، اللهمَّ اجمع كلمةَ المسلمينَ على الهُدى، وألْزِمهُم كلمةَ التقوى وأبدِل ضعفَهم قوةً وعزًّا، اللهم آمِنّا في أوطاننا، وأصلح ولاةَ أمرِنا.

стр. 2260

مُعوّقون من نوعٍ آخر (١) الخطبة الأولى: الحمدُ لله أعطى كلَّ شيءٍ خلْقَه ثم هدى، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، خلقَ كلَّ شيءٍ فقدَّره تقديرًا، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، عزيزٌ عليه ما عَنِتْنَا، حريصٌ علينا، وهو بالمؤمنين رءوفٌ رحيمٌ. اللهمَّ صلِّ وسلِّم عليه وعلى سائرِ الأنبياءِ والمرسلينَ، وارضَ اللهمّ عن الصحابةِ أجمعينَ، والتابعينَ ومن تبعُهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٢). ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٣). يا أخا الإيمانِ: تخيّل نفسَكَ زائرًا لواحدٍ من معاهدِ الأملِ أو دارٍ للمعاقينَ .. فألفيتَ نفسَكَ بين مجموعةٍ من البشر يعيشونَ في عالمٍ يختلف - بعضَ الشيءِ - عن عالمِ الآخرينَ، فأحدُهم فاقدٌ للسمعِ أو البصرِ أو لهما جميعًا، وآخرُ مشلولَ اليدينِ أو الرجلينِ أو كليهِما، ومجموعةٌ ثالثةٌ مصابةٌ بأمراضٍ مُزمنةٍ، إنْ في الجسمِ أو في العقلِ أو بهما معًا. إن من هؤلاءِ وأولئكَ من يستخدمونَ لغةً للتفاهمِ تختلفُ عن لغتِنا، ومنهم من يمشون على الأرضِ بطريقةٍ غيرِ طريقةِ مشينا، ومنهم من يُفكر بغير العقليةِ التي

стр. 2261

نُفكرُ فيها .. وسبحانَ من أعطى كلَّ شيءٍ خَلْقَه ثم هدى .. وسبحانَ من أودعَ نِعمًا عند قومٍ ونزعَها من آخرين .. ليبلُوا هؤلاءِ وهؤلاءِ أيّهم أحسنُ عملًا. ومن عجائب خلقِ اللهِ أنكَ ربما أبصرتَ مُعاقًا يعملُ وينتجُ أكثرَ مما يعملُ وينتجُ الصحيحُ المعافى! وهنا نتحدثُ ونلفتُ النظرَ إلى مُعاقين، ولكن من نوع آخرَ، ولكن قبل ذلك أقول: إن المُعاقَ بفقدِ حاسةٍ أو عضوٍ .. فذاكَ قدرٌ كونيٌّ، وحسبُ هذا المعاقِ أن يصبرَ ويحتسبَ وألا تقعدَ به هذه الإعاقةُ عن المشاركةِ في مسرحِ الحياةِ .. وكم من معاقٍ حفظَ القرآنَ، وكم من معاقٍ يُمارسُ الدعوةَ إلى الله، وكم من معاقٍ يُتقنُ من المهاراتِ والأعمالِ ما لا يقدرُ عليه الأسوياءُ! كم من مُعاقٍ يملكُ هِمةً عاليةً ولم تقعدْ به إعاقتُه عن ممارستِها، وربما حرّكَ بهمَّتهِ وفاعليَّتهِ هِممَ الآخرينَ من الأسوياء! وكم يشهدُ تاريخُنا الإسلاميُّ في القديمِ والحديثِ على وجودِ عددٍ من النُّبلاءِ الأفذاذِ، وإن فقدوا شيئًا من جَوارِحهم أو لم تكتمل لهم قواهمُ، ومع ذلك أثْرُوا وساهموا مساهماتٍ جليلةٍ، إنْ في الجهادِ أو العلمِ أو مجالاتٍ أخرى، صحيحٌ أن اللهَ قال: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ (١)، ولكن هؤلاءِ لم يَعذروا أنفسَهم، فحملَ الأعمى الرايةَ في سبيلِ اللهِ، وقال ابنُ أمِّ مكتومٍ ﵁: «ادفعوا إليّ اللواءَ، فإني أعمى لا أستطيعُ أنَ أفِرَّ وأقيموني بين الصفين» (٢). وأصَرَّ عمرو بنُ الجموح ﵁ وهو الشيخُ الكبيرُ والأعرجُ المعذورُ .. إلا أن

стр. 2262

يشاركَ في الجهادِ، وأن يطأ بعرجتِه الجنةَ، فدخلَ المعركةَ وكان من بين شهداءِ المسلمينَ في أحد. وجعفرٌ الطيارُ لم تقعدْ به الإعاقةُ عن مواصلةِ القيادةِ للمسلمينَ في مؤتة .. حتى إذا سَقطَ في أرضِ المعركةِ شهيدًا على إثرِ قطْعِ يديهِ ثم بَتْرِ جسمه .. أعاضَه اللهُ عن تلك اليدينِ بجناحين يطيرُ بهما في الجنة .. إنها الهمةُ حتى الموتِ، فهل قعدتِ الإعاقةُ بهؤلاءِ عن مشاركةِ المسلمينَ في الجهادِ والدعوةِ .. وإذا كانت تلك نماذجَ العطاءِ لمن عُذروا أو من نُسميهم نحن بالمعاقين، فلا تسأل عن عطاءاتِ وتضحياتِ غيرهمِ .. وهل نُعيدُ النظرَ في مصطلحِ الإعاقةِ؟ ومن هم المعاقون؟ إذًا من هم المعاقونَ من نوعٍ آخرَ؟ إنهم أولئكَ الذينَ أنعم اللهُ عليهم بعطايا ونِعَمٍ، لكنهم لم يستثمروها، إنهم معطِّلونَ لقواهم أو صارفونَ لهذه الطاقاتِ في غير محلِّها، إنهم الكُسالى والمحرومون، والعاجزونَ وأهلُ الأماني. ١ - إنك حين تُبصرُ شابًّا يمتلئُ حيويةً ونشاطًا، وتكتملُ حواسُّه، ولم يُصَبْ بشيءٍ في عقلِه .. لكنه كَلٌّ على المجتمع، لا يَستفيدُ ولا يُفيدُ، لا يتعلمُ ولا يعملُ، ليس سويًّا في سلوكِه، وأنّى لهُ أن يشاركَ في إصلاحِ الآخرين .. إنه ليس في عملٍ للدنيا .. ولا عبادةٍ للآخرة، لم يستفد منه والداه وأهلُه .. وأنّى للمجتمعِ أن يستفيدَ منه! ! شابٌّ تلك بعضُ صفاتِه .. أيطلقُ عليه سويٌّ أم معاق؟ إنه في نظري معاق .. ولكن إعاقتَه من نوعٍ آخر! ٢ - وحين ترى كهلًا بلغَ من العُمُر عِتِيًّا لكنه لا يحفظُ من القرآنِ إلا نَزرًا .. وقد لا يُحسنُ بعضُهم قراءةَ الفاتحةِ إلا تكسيرًا .. لا عجزًا ولكن تكاسلًا .. هذا الكهلُ في عمرِه المديدِ ليست له هِمّةٌ للمعالي، ولا يُعرفُ عنه أيُّ مشاركةٍ

стр. 2263

في عملِ خيرٍ أو دعوةٍ، وربما عاشَ دهرَه ولم يُظل نفسَه ومن يَعولُ ببيتٍ يملكُه .. ليس فقرًا ولكن ضَعف هِمّةٍ وسوء تدبيرٍ .. ماذا يقالُ عنِ مثلِ هذا؟ أين هذا من كهلٍ يتحركُ محمولًا، ومشلولةٌ بعضُ أعضائه .. ومع ذلك يُخيفُ الأعداءَ ويَنْكأُ بهم .. سلاحُه قلبٌ قوي، ولسانٌ عَقول، وهِمّةٌ عالية، وصبرٌ على تَبعاتِ الإعاقة؟ أهو في عداد المعاقين أم الأسوياء؟ ! ٣ - وماذا يُقال عن امرأةٍ سَويةٍ، لكنَّ همَّتَها مصروفةٌ للموضةِ والإسرافِ في الزينة .. تعيشُ عددٌ من النساءِ الكافراتِ لهدفٍ تخدمُه، وهذه المسكينةُ تنتهي أهدافُهَا في حدودِ المَطعمِ والملبسِ، فهي فائقةٌ في أنواعِ الطبخاتِ، ومتابعةٌ للجديدِ في الملبوسات والموديلاتِ. إنها مكتملةُ الحواسِّ - لكنها لم تستثمِرْها في العبوديةِ الحقّةِ، فقد تؤخَّرُ الصلاةَ عن وقتِها، وقد تنامُ مِلْءَ جفونِها سحابةَ النهار وشطرًا من الليل، وأسوأُ من ذلك حين تستخدم شيئًا مما أنعمَ اللهُ به عليها في معصيةِ اللهِ .. وأسوأُ منه حين تفتنُ الآخرين أو الأُخريات بسوءِ فِعالِها ورديءِ أخلاقِها؟ أين هذه من امرأةٍ بلغت بها الشيخوخةُ حدًّا تتكئُ على عصاها حين تريد القيام لصلاتِها .. ومع ذلك فهي حافظةٌ للقرآن، ولهَا منه وِرْدٌ في الصباحِ والمساء، محافظةٌ على السُّننِ والأذكار .. ولها نصيبُها من قيامِ الليلِ والصيامِ، تَشعرُ بآلامِ المسلمينَ والمسلماتِ؛ ولذا تراها ترفعُ يدَيهَا بالدعاءِ لهم حين لا تملكُ شيئًا آخرَ تُساعدُهم به .. وهي تتفطرُ ألمًا وحسرةً حين ترى طائفةً من الفتياتِ يُضيعنَ زهرةَ شبابِهنّ في أمورٍ لا قيمةَ لها .. وكأن لسانَ حالِها يقول: يا ليتني كنتُ شابةً مِثلَكُنّ لَتَرَيَنَّ ما أصنع!

стр. 2264

٤ - معاشرَ الشباب: وكم نُسرُّ حين نرى شابًّا أو شابةً ملتزمين، ولكن كم نتألمُ حينَ نرى الالتزامَ بصورةٍ مشوهةٍ لما أمر به الإسلامُ من أخلاقٍ وآدابٍ وعلمٍ وعملٍ وذوقٍ وجمال .. إن الالتزامَ الحقَّ ليس مظاهرَ فارغةً من مضمونها، ولا مجردَ انتماءٍ أو ادِّعاءٍ .. وكم يُسوءُكَ حينَ ترى ملتزمًا سلبيًّا لا يعيش همومَ أُمَّتِه .. ولا يفكِّر في المساهمةِ في إصلاح مجتمعه، وقد ترى حوله ثُلةً من الشبابِ المنحرفِ فلا يُحدثُ نفسَه بنُصْحِهم، وربما كان في طريقه إلى المسجدِ مجموعةٌ من شبابِ الأرصفةِ أو مجموعةٌ من العمالةِ منهمكينَ في العمل وقت الصلاة، فلا تراه يُذكّرُ هؤلاء وأولئك .. وكم يسوءُكَ كذلك أن تسمعَ عن هذا الشابِّ الملتزمِ أنه شُعلةٌ من النشاط والخدمةِ مع زملائِه فإذا كان في البيتِ كان مثالًا للكسلِ والخمول .. إنْ دعاه والداه لعملٍ أو قضاءِ حاجةٍ تبرَّمَ وتضايقَ، وإن قامَ بها قامَ مُجامِلًا كسولًا، وهو مع إخوتِه وأخواتِه نموذجٌ لسوءِ الخُلقِ، فهذا ينهرُه وذاك يضربه والكلّ يفرحُ بخروجه من البيتِ ويتضايقُ حين يسمعُ بمجيئه .. وأنّى لهذا الشابّ أن يقدمَ الدعوةَ لأهل بيتِه، ولو حاولَ وهو بهذه المثابةِ من الخلقِ، فأنّى لمن حوله أن يستجيبَ له .. هو في خارج المنزلِ كثيرُ الحديثِ عن أهميةِ التبكير للصلاة، ولكنه إذا نامَ في البيتِ كان شغلَ أهلهِ في الإيقاظ .. وربَّما قضى الصلاةَ كثيرًا في المنزل، هو اجتماعيٌّ منطلقٌ مع زملائه، لكنه مع شبابِ أسرتهِ وعشيرتِه نموذجٌ للانطوائيةِ والسلبيةِ. فهل مثلُ هذا سَوِيٌّ أم معوَّق؟ وللحقِّ فإنّ عددًا من الشبابِ والشاباتِ الملتزمينَ والملتزماتِ يربأونَ بأنفسِهم عن هذه الازدواجية في الأخلاقِ والمعاملةِ وفيهم نماذجٌ للذوقِ الرفيعِ والخُلُق الكريم، ولكنَّ الحديثَ هنا موجهٌ إلى فئةٍ من المعوَّقينَ لكنْ من نوعٍ آخر! إنه حديث عن فئةٍ محسوبةٍ على الشبابِ الأخيارِ، لكنّ حياتَه وبرنامَجَه

стр. 2265

وكلامَه وخُلُقَه على خلاف ذلك، فهو عِبءٌ على الدعوةِ وخللٌ من الداخلِ، إنه معوّقٌ لنفسِه وعائقٌ لإخوانه. ٥ - عبادَ الله: وثَمّةَ نوعٌ آخرُ من معوَّقين، لكن من نوعٍ آخر - إنه العالِمُ أو طالبُ العلمِ الذي يحفظُ كمًّا من النصوص، ويستظهرُ عددًا من الأدلةِ الشرعية، ويعرفُ - أكثرَ من غيره - في الأحكامِ والآدابِ والأخلاق .. ولكن لا يرفعُ بالعلمِ رأسًا، فهو في ذاتِ نفسِه مُقصّرٌ أكثرَ من تقصير العوامِّ والجهلة .. ففي المسجدِ تراه في مؤخِّرةِ الصفوفِ وربما قضى الصلاةَ كثيرًا، وربما اطَّلَعْتَ في بيته على عددٍ من المنكراتِ لا يرضاها من هو دُونَه في العلمِ والفقه، وإذا سألتَ عن نوع تعاملِه مع الآخرين، قيلَ لك ما يسوء من الغلظةِ والفظاظةِ والطمعِ والشَّرَه، وهو مانعٌ لزكاةِ العلمِ، فلا تراه في حلقةٍ يُعلم، ولا في مسجدٍ يعظ، ولا في أسرةٍ يُذكِّر ويدعو - إنه الحرمانُ والإعاقة .. ومن النَّصفِ أن يُقال: إن عددًا ممن يحملونَ العلم ليس هذا شأنَهم .. ولكن الحديثَ تنبيهٌ عن فئةٍ معاقةٍ وما بها في الحقيقةِ من إعاقة .. ومحرومةٍ وهي تَمتلكُ ما تتجاوزُ به الحرمان - والذكرى تنفعُ المؤمنين، والنصحُ للهِ ولرسوله ولكتابه ولأئمةِ المسلمينَ وعامَّتِهم، واللهُ الهادي والموفقُ إلى سواءِ السبيل .. اللهم انفعنا وانفع بنا.

стр. 2266

الخطبة الثانية: الحمدُ للهِ ربّ العالمين، أفاءَ على عبادِه من النعمِ ما يستوجبُ الشكرَ والعملَ، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريكَ له، فاوتَ في الهِمَمِ بين عباده، فهذا نشيطٌ وذاك كسول، وهذا مُعطى وآخرُ محروم، وربُّك حكيمٌ عليم، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، كان نموذجًا للعملِ الدءوب، والجِدِّ والاجتهاد .. وقد أوصى أمتَه بذلك كلِّه، والسعيدُ من سارَ على نهجِه واقتفى أثرَه .. اللهمّ صلِّ وسلم عليه وعلى سائرِ الأنبياءِ والمرسلين. أيّها المسلمونَ: ٦ - وفي عالَمِ واقعنا بِما رأيتَ أو سمعتَ عن إنسانٍ يملكُ القناطيرَ المقنطرةَ من الذهبِ والفضة، وأرصدتُه الضخمةُ تتوزعُ على عددٍ من البنوكِ والمؤسساتِ والشركات المصرفية - لكنه قَتورٌ مُمسك، تكادُ تُشفقُ عليه إذا رأيتَ حالَه، وربما ظنَّه من لا يعرفُه في عدادِ الفقراءِ والمحتاجين، لا أثرَ لنعمةِ اللهِ عليه في ذاتِه، وربما عاشَ أهلُه ومن يعولُ حالةً من الكَفافِ والتقشفِ والحِرمانِ، مما أحوجَ الآخرينَ للتصدقِ عليهم، ولربما ذهبَ أبناؤه يستسلفونَ الآخرينَ لزواجهم أو لقضاءِ حوائجهمِ الأخرى .. وكم مسَّت الحاجةُ نفرًا من عشيرتهِ وأقربائه، فلم يفكروا بطلبِ العونِ منه، ومدَّ لهم آخرونَ يدَ المعونةِ وإن لم تربطهم بهم نسبٌ ولا قرابةٌ - وأنّى لهذا الصِّنفِ المُمْسكِ أن يتحسسَ حاجاتِ الفقراءِ من خارجِ أُسرتهِ! وأنّى لهذا المحرومِ أن يُقدمَ العونَ والمساعدةَ لفقراءِ المسلمينَ هنا أو هناك! ما فائدةُ هذه الأرصدةِ؟ وأينَ حقُّ اللهِ في هذه القناطيرِ المقنطرةِ؟ أين سرورُه بما جمعَ؟ وأين بهجةُ أهلِه وأولادهِ وعشيرتهِ بما فتحَ اللهُ عليه؟ أين شعورُه بآلامِ

стр. 2267

الفقراءِ والمُعوزينَ؟ أين كَفْكفتُه لدموعِ الأيامى واليتامى والأراملِ والمحتاجين؟ لا شيءَ من ذلك، بل نصيبُه الكدحُ والهمُّ، واللومُ والذمُّ، ذاكَ في الدنيا .. وفي الآخرةِ أشدُّ وأنكى إذا لم يؤدِّ حقّ اللهِ فيه .. هذا إن كان الجمعُ حلالًا .. فإنْ خالطَه شيءٌ من الحرام فتلك ظلماتٌ بعضُها فوقَ بعضٍ، ومن لم يجعل اللهُ له نورًا فما له من نور، إنه نوعٌ من الإعاقةِ والحرمانِ شعرَ بها هذا المسكينُ، أم لم يشعر. عبادَ الله: كم تتفاوتُ الهِممُ، وكم تتباينُ السلوكياتُ، وإذا كانتِ الأعمارُ واحدةً فالأعمالُ متفاوتةٌ، وإذا وُجدَ من يملكُ ولا يعملُ، فيوجد كذلك من لا يَملكُ، ومع ذلك يُفكر بالعمل، ولربَّما لم يجدْ ما يعمل سوى تقديمِ النيةِ الطيبةِ لو وَجَدَ. ودونَكم هذا الهديَ النبويَّ في أصنافِ أهلِ الدنيا فتأمَّلوه، واعرضوا أنفسَكم عليه، وبه تقسيمٌ لهممِ أصحابِ الأموالِ والمُعدَمينَ، يقول ﷺ في سياقِ حَثِّه على الصدقة: «إنما الدُّنيا لأربعةِ نَفَرٍ: عبدٍ رزقَه اللهُ مالًا وعلمًا، فهو يتَّقي فيه ربَّه، ويصلُ فيه رحمَه، ويعلم للهِ فيه حقًّا، فهذا بأفضلِ المنازلِ، وعبدٍ رزَقَه اللهُ تعالى علمًا ولم يرزُقْه مالًا، فهو صادقُ النيةِ، يقول: لو أن لي مالًا لعلمتُ بعملِ فلانٍ، فهو بنيَّتِه فأجرُهما سواءٌ، وعبدٍ رزَقَه اللهُ مالًا ولم يرزقْهُ علمًا، يخبطُ في مالِه بغير علمٍ لا يتَّقي فيه ربَّه، ولا يصلُ فيه رحِمَه، ولا يعملُ لله فيه حقًّا، فهذا بأخبثِ المنازلِ، وعبدٍ لم يرزُقْه اللهُ مالًا ولا علمًا، فهو يقول: لو أنَّ لي مالًا لعلمتُ فيه بعملِ فلانٍ، فهو بنيَّتِه فوِزْرُهما سواء» (١).

стр. 2268

عبادَ الله: ٧ - وأختمُ الحديثَ بنوع سابعٍ مهمٍّ من المعاقِينَ من نوعٍ آخرَ: إنها إعاقةُ الفكرِ والقلم، والشلليةُ في نوعِ العطاء. فكم تُعجبُ بصاحبِ قلمٍ سيّال، واطِّلاع واسع، ولكن تُصدمُ حين تقرأُ نوعَ مساهمتهِ، وتعجبُ حين تراه يَقْصُرُ اهتماماتهِ على أمورٍ معيَّنةٍ، وتنحسرُ مجالاتُ الكتابةِ عندَه في أمورٍ أقلَّ ما يُقالُ فيها: إنها من الأمورِ المختلفِ فيها، وكثرةُ التركيز عليها مَدْعاةٌ للبلبلةِ وتفريقِ الكلمة، والأمرُ أدْهى حين يُصاحِبها شيءٌ من الغرورِ والتعالُمِ أو التهكُّمِ والسُّخريةِ. إن القضايا الحيةَ والإيجابيةَ في تاريخنا المعاصرِ كثيرةٌ ومتنوعةٌ، فما بالُ هؤلاء يتجاهلونها ويُصرِّونَ على نكأ الجراحِ وجلدِ الذات؟ ! إن الكاتبَ المسلمَ الذي لا ينتصرُ لحقٍّ أو يَدفعُ باطلًا معوقٌ في كتابتِه، والمثقّفُ المسلمُ الذي لا يُسخِّرُ ثقافتَه في سبيلِ الجهادِ لإعلاءِ كلمةِ اللهِ والدعوةِ للدينِ الحقِّ، ومقارعةِ الباطلِ، وفضح المبطِلينَ، في ثقافتِه خللٌ، وفي فكرِه تعويقٌ وشلَلٌ، والمجترُّونَ للثقافةِ المستوردةِ والمتحدِّثونَ عن رموزها أكثرُ من حديثِهم عن الثقافةِ الإسلاميةِ ورموزِها عندهم نوعٌ من التعويق. كم هم المسلمونَ المظلومونَ اليومَ، وكَمْ من تعاليمِ الإسلامِ وأحكامِ القرآنِ والسنةِ تشَوّه اليوم، والساكتُ عن النطقِ بالحقِّ ونصرةِ المظلومينَ شيطانٌ أخرسُ .. وكم هم الظالمونَ المعتَدون والساكتُ عن فضحِ هؤلاء أو المُجاري لهم والمتحدِّثُ نيابةً عنهم شيطانٌ ناطقٌ .. إنه ليسَ هدفُ المسلم أن يكتبَ ويشتهرَ، بل كيف يكتبُ؟ وعن ماذا يكتب، والرقيبُ خبير وعتيد ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (١).

стр. 2269

أيها المسلمون: لنُعِد النَّظرَ إذًا في مفهومِ الإعاقةِ على ضوءِ مفهوم «ليسَ الغِنى عن كثرةِ العَرَض، ولكن الغِنى غنى النفس»، وعلى ضوءِ مفهوم: «الكَيِّسُ من دانَ نفسَه وعملَ لما بعد الموتِ، والعاجزُ من أتبعَ نفسَه هواها وتمنّى على اللهِ الأماني». ودعونا نقول: إن المُعوَّقَ حقًّا هو القادرُ الكسولُ، والغَنيّ المحرومُ، هو صاحبُ الطاقةِ، والقاتلُ لها، هو الذي لا يثقُ بنفسِه، أو لا يهتم بقدراتِه، فتموتُ الطاقاتُ والإبداعاتُ عنده بمحضِ إرادتِه، هو الذي يُبصرُ ثغرةً في المجتمعِ ويجدُ من نفسِه القدرةَ على تغطيتها فلا يفعل، هو الذي يستطيع أن ينفعَ بكلمةٍ أو موقفٍ فلا يُقدمُ عليها. نحن أمةُ خيرٍ، شعارُها: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. ونحن أمة عهدُ الله لها ووصيةُ خالقِها لها: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (١). والخلاصةُ: إن الحديثَ عن الإعاقةِ بهذا المفهوم موجَّهٌ لنا جميعًا، الصغيرِ والكبيرِ، الشابِّ والكَهل، الغنيِّ والفقيرِ، الذكرِ والأنثى، الملتزمِ وغيرِ الملتزمِ، والهدفُ التعرف على ما لدينا من جوانبِ الإعاقةِ فنعالجِهُا، وجوانبِ القصورِ فنسدِّدُها قدرَ ما نستطيعُ. والحَذَر من التسويفِ والأماني، فالعمرُ قصيرٌ، وسهامُ المنايا كثيرةٌ ومتعددةٌ، والمسارعةُ للخيراتِ دعوةٌ ربانيّةٌ، ومن الخطأ أن نحسَّ في الإعاقةِ من خارجِ

стр. 2270

ذواتنا، ونترحَّم على المعاقين من غيرِنا، وقد يكون فينا إعاقةٌ أو أكثرُ ونحنُ لا ندري، فلنفتشِ عن أنفسِنا، ولننظر في أيِّ نوع من الإعاقةِ لدينا فنالعجُه، قبل أن يستفحلَ الخطرُ، وليست البليّةُ أن يكون فينا ونحن لا نحسُّ به أصلًا، فضلًا عن معالجته .. إنه خطابٌ لكلِّ أحدٍ منا، ودعوةٌ للمساهمة في الخير، وكل بحسَبهِ. إن للسمع تعويقًا، وتعويقُه بالصدودِ عن سماعِ هُدى اللهِ، وللبصرِ تعويقًا، وإعاقتُه حَجْبُه عن التأملِ في فسيحِ ملكوتِ اللهِ، وللقلمِ إعاقتُه، وإعاقته بحجبهِ عن الكتابةِ في نصرةِ الدينِ وخدمةِ قضايا المسلمين .. وهكذا. اللهمَّ صلِّ على محمدٍ، اللهم انصر دينكَ واجعلنا من أنصاره يا ربَّ العالمين.

стр. 2271

العشر الأواخر - قيام الليل، الاعتكاف (١) الخطبة الأولى: إن الحمدَ لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده اللهُ فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا. أيُّها المسلمونَ: ما أسرعَ الأيامَ تمضيّ! فقد كُنّا بالأمسِ نُهنئُ أنفسَنا بدخولِ شهرِ الصيام، واليومَ يحقُّ لنا أن نهنئَ بعضًا بقربِ حلولِ العشرِ الأواخرِ من رمضان .. ولئن تحدثنا - فيما مضى - عن معنى التهنئة ولوازِمِهَا - فحريٌّ بنا اليوم أن نستذكرَ قيمةَ البُشرى بإدراكِ العشرِ الأواخرِ من رمضانَ. أجل، لقد صامَ معنا نفرٌ من إخوانِنا المسلمينَ أولَ الشهرِ، وهم اليومَ يرقدون تحت الثَّرى مرتهنونَ بأعمالِهم .. وفي غيبِ اللهِ، كذلك ستخِرمُ المنايا أقوامًا سيشهدون العشرَ ولن يستكملوها - فهل يا تُرى تُحرّكُ هذه النوازلُ والفواجِعُ هِمَمَنا، وتغذوا سيرَنا للآخرة .. لاسيما ونحن في موسمٍ عظيمٍ من مواسِمِها، والمغبونُ حقًّا من فرّطَ فيها، وموتى الأحياء أعظمُ مصابًا من أصحابِ القبور .. أولئك الذين تدخلُ المواسمُ وتخرجُ وهم في غفلةٍ معرضون. عبادَ الله: بُشراكم بالعشرِ الأواخرِ من رمضان، وهنيئًا لمن عقدَ العزمَ على إحياءِ لياليها بالقيامِ والذكرِ والدعاءِ والتلاوةِ والاستغفار.

стр. 2272

ولقد كان المصطفى ﷺ يخصُّ هذه العشرَ، ويجتهدُ فيها أكثرَ من غيرِها، وفي «صحيح» مسلم من حديثِ عائشة ﵂ أن النبيَّ ﷺ «كان يجتهدُ في العشرِ الأواخرِ ما لا يجتهدُ في غيرها». وكان ﵊ يوقظُ أهلَه، ويحيي ليلَه، ويَشُدُّ مِئزَره، ولكم في رسولِ الله أسوةٌ حسنةٌ. عبادَ الله: وإذا كانت أعمارُ أمتِنا محدودةً مقارنةً بالأممِ الأخرى، فقد جعلَ اللهُ لنا في مثلِ هذه الأزمانِ الفاضلةِ ما يعوِّضُ به عن قصرِ أعمارِنا، ومن وفَّقه الله لقيام ليلةِ القدرِ كان كمن عملَ ما يزيدُ عن ثلاثٍ وثمانينَ عامًا، ألا وإن المفرطينَ في هذه الليلة لم يستفيدوا من هذه الفُرصةِ الممنوحةِ لأمةِ محمدٍ ﷺ . ألا ويحَ الكسالى ولا نامت أعينُ المفرِّطين؟ إخوةَ الإيمان: وطالما فرَّطنا في قيام الليل - وهو دأبُ الصالحينَ قبلَنا - وفيما أوحي إلى نبيِّنا ﷺ : ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (١). وجاء في أوصاف المتقين: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (٢). وفي وصفِ الذين يؤمنون بآياتِ الله: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٣). عبادَ الله: أين المشمِّرونَ هذه الليالي يدعونَ ربَّهم خوفًا وطمعًا، والفرقُ كبيرٌ بين من تتجافى جنوبُهُم عن المضاجعِ .. وبين منَ يحيونَ الليلَ في سهرٍ صاخب .. أو في سُبات نومٍ عميق، لا تحرّكُ هِمّتَهم المواسمُ - ولا يسمعون لداعي الخير.

стр. 2273

وكم هو عظيمٌ أن تألفَ النفسُ قيامَ الليلِ في هذه العشرِ الفاضلةِ، فيكونَ ذلك دَيْدَنًا للنفسِ في سائرِ العام. وكم هو شرفٌ للنفسِ وعِزٌّ لها قيامُ الليل، وفي الحديثِ الحسن: «جاء جبريلُ إلى رسولِ الله ﷺ فقال: يا محمدُ، عِشْ ما شئتَ فإنك ميِّتٌ، واعملْ ما شئتَ فإنكَ مجزيٌّ بهِ، وأحبِبْ من شئتَ فإنكَ مفارقُه، واعلم أن شرفَ المؤمنِ قيامُ الليلِ، وعزّهُ استغناؤه عن الناس» (١). إنها وصايا جامعةٌ نزلَ بها الروحُ الأمينُ على قلبِ محمدٍ خاتمِ المرسَلين - وهي للأمةِ عامّةً شموعٌ مضيئةٌ .. فأين يا تُرى من يبحثونَ عن شرفِ النفسِ وعِزِّها؟ أين رُهبانُ الليلِ وسهامُهم لا تكاد تخطئ؟ وعن بعضِ السلف: قيامُ الليل يُهوِّن طولَ القيامِ يومَ القيامةِ، ولله درُّ أقوامٍ تعالتْ هِمَمُهم، حتى كادت السنةُ كلُّها أن تكونَ كالعشرِ الأواخرِ عند غيرهم .. تسامتْ نفوسُهم على حُطامِ الدنيا، وحطّوا رحالَهم في الآخرةِ - وهم بعدُ في الدنيا - وحادِيهم يقول - واصفًا لحالهم ومستصرخًا لغيرهم-: إذا ما الليلُ أظلمَ كابَدُوه ... فيُسفِرُ عنهم وهُم رُكوعُ أطارَ الخوفُ نومَهم فقاموا ... وأهلُ الأمنِ في الدُّنيا هجوعُ لهم تحتَ الظلامِ وهُمْ سجودٌ ... أنينٌ منه تنفرجُ الضلوعُ (٢) أيها الصائمون: إن من عجبٍ أن يبادرَ المحسنونَ، ويتراخى المفرِّطون! أَوَليس أهلُ التفريط - من أمثالنا - أولى بقيامِ الليلِ لسؤالِ المغفرةِ والتكفيرِ عن السيئة على إثرِ السيئةِ؟ !

стр. 2274

فما بالُنا تأخّرنا وتقدمَ غيرُنا؟ ! وهؤلاء المتقدمونَ أهلُ علمٍ وصلاحٍ وجهادٍ ودعوةٍ وطاعاتٍ يثقلُ بها الميزانُ، ومع ذلك لازموا قيامَ الليل؛ ليضيفوا الحسناتِ إلى الحسناتِ، ولتكتملَ الهممُ في جنحِ الظلامِ حيث لا يَرى إلا الذي يراكَ حين تقوم وتقلُّبك في الساجدين .. ولا يَسمعُ إلا الذي يعلمُ السرَّ وأخفى .. ودونكم نماذجَ من هِمَمِهم عسى أن توقظَ قلبًا غافلًا، أو تهدي فؤادًا شاردًا - ومنِ اهتدى فإنما يهتدي لنفسِه، ومن ضلّ فإنما يضلّ عليها. في «صحيح البخاري» و «مسندِ الإمام أحمد» عن أبي عثمانَ النهديِّ ﵀ قال: «تضيَّفت أبا هريرةَ ﵁ سبعةَ أيام - أي نزلتُ ضيفًا عليه - فكان هو وزوجتُه وخادِمُه يتقسمونَ الليلَ أثلاثًا، الزوجةُ ثلثًا، وخادمُه ثلثًا، وأبو هريرة ثُلثًا». وفي «تذكرة الحفّاظ» أن سليمانَ التيميَّ كان عندَه زوجتان، كانوا يتقسمونَ الليلَ أثلاثًا (١). ومع اجتهادِ القومِ كانوا يتلذذونَ بهذه العبادةِ، وينافسونَ بها أهلَ الدنيا، ويقول أحدُهم: واللهِ لولا قيامُ الليل ما أحببتُ الدنيا، واللهِ إن أهلَ الليلِ في ليلِهم ألذُّ من أهلِ اللَّهوِ في لهوهِم، وإنه لتمرُّ بالقلب ساعاتٌ يرقصُ فيها طربًا بذكرِ اللهِ، فأقول: إن كان أهلُ الجنةِ في مثلِ ما أنا فيه من النعيمِ إنهم لفي نعيمٍ عظيم (٢). نعم إخوةَ الإيمان: قد يستَغربُ هذا المنطقَ المفتونونَ بالدنيا، الغافلون عن الآخرة .. ولكن الفرصةَ أمامَهم ليجرِّبوا وسيجدون ما وجدَه غيرُهم.

стр. 2275

إنَّ في العشرِ الأواخرِ من رمضانَ فرصةً للتعويضِ والتعويدِ، فرصةً لتعويضِ ما فاتَ، وتعويد النفسِ في مستقبلِ الأيامِ، وكيف يفرِّطُ عاقلٌ في عشرِ ليالي يدركُ بها المحتسبون المؤمنون ليلةَ القدر، وليلةُ القدرِ خيرٌ من ألفِ شهر. يا عبدَ الله: مهما كان تفريطُك على نفسِك فيما مضى، فإياك أن تُتْبع الغفلةَ بغفلةٍ أخرى - بل قُم مع القائمين، واركعْ مع الراكعين .. عسى أن تدركَكَ نفحةٌ من نفحاتِ المولى فتسعدَ ولا تشقى .. والرجلُ مع من أحبَّ. كم لك من حاجةٍ تتمنى قضاءها .. وكم عندَك من همومٍ تودُّ لو فُرِجتْ عنك أثقالُها .. كم عندك من خطايا ترغبُ الخلاصَ منها .. وكم أمامَك من عقباتٍ وأنتَ أحوجُ إلى تذليلِها والتقوِّي على صعودها .. ألا فبادرْ إلى فرصِ الخيرِ .. وخذ بنفسِك بالعزيمةِ، إني لك ناصحٌ، وعليك مشفقٌ، وما أنا وأنتَ إلا خلقٌ من خلقِ اللهِ، أحوجُ ما نكونُ إلى رحمتهِ، وأفقرُ ما نكونُ إليه، ولا يُعجزه أن يستبدلَنا بخير منا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ (١). اليومُ يومُ المهلةِ، وغدًا حسابُ يوم القيامةِ، ومن عَلِمَ فليعمل، وفرقٌ بين الذين يعلمون والذين لا يعلمونَ، وصدق الله: ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٢). اللهم انفعنا بهدي القرآنِ وسنةِ محمدٍ ﵊ أقولُ ما تسمعون.

стр. 2276

الخطبة الثانية: الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، فاوتَ بين عبادِه في الهِمَمِ؛ فمنهم ظالمٌ لنفسِه، ومنهم مقتصدٌ، ومنهم سابقٌ للخيرات بإذن الله ذلكَ هو الفوزُ العظيم. وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريكَ له، يجازي على الحسناتِ والسيئاتِ، ويُضاعفُ أجرَ الحسناتِ إلى عشرِ أمثالِها أو أزيدَ، وفضلُ الله يؤتيهِ من يشاءُ، والله ذو الفضلِ العظيم. وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، كان أجودَ ما يكونُ في رمضانَ .. وفي العشرِ الأواخرِ له اجتهادٌ يفوقُ كلَّ اجتهاد، اللهم صلِّ وسلِّم عليه وعلى سائرِ الأنبياء والمرسلينَ. أيها المسلمونَ: العملُ الصالحُ هو الرصيدُ الحقُّ لمن يرجو يومَ الحسابِ، وإذا كانتِ المسارعةُ للخيراتِ مطلوبةً على الدوامِ، فهي أحرى وأولى بالأزمانِ الفاضلةِ .. والحاجةُ إليها أشدُّ في أزمانِ الفتنِ، ولذا ندبَ الرسولُ ﷺ إليها بقوله: «بادروا بالأعمالِ فِتنًا كقطعِ الليلِ المظلم، يصبحُ الرجلُ مؤمنًا ويُمسي كافرًا» (١). يا عبدَ الله .. أجلُك محدودٌ، ولا تدري متى تكون النُّقلةُ، فارحل حين ترحلُ بخيرِ زاد، ألا وإن ضعفَ الإيمان والتكاسلَ عن عملِ الصالحاتِ سببٌ لضعفِ المقاومةِ عن المصائبِ والفتن، قال ﷺ : «ليأتينَّ على الناس زمانٌ لا يبالي المرءُ بما أخذَ المالَ؛ أمِن الحلالِ، أم من الحرامِ» (٢). وقل مثلَ هذا التجاوزِ فيما عدا المال من المحرماتِ الأخرى؛ إذ صحَّ عن

стр. 2277

النبيِّ ﷺ قولُه: «لا يأتي زمانٌ إلا والذي بعدَه شرٌ منه حتى تَلقوا ربَّكُم» رواه البخاري. وقد صح عند ابنِ ماجه عنه ﷺ أنه قال: «لم يبق من الدنيا إلا بلاءٌ وفتنة» (١). أيها المسلمون: وبإزاءِ هذه النصوصِ وأمثالِها من الكتابِ والسُّنةِ، يجدرُ بالمسلمِ الناصح لنفسِه أن يزكّي نفسَه بالصالحاتِ، وأن يسارعَ جُهدَه لاغتنامِ الأيامِ والليالي الفاضلاتِ. يا مسكينُ أسرَجَ الناسُ خيولَهُم وأنت بعدُ متباطئٌ كسلان، يا مغرورُ إلى متى الغرورُ والله يقولُ: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ (٢). يا عبدَ الله: هبّت رياحُ الجنةِ فاغتنِمْها قبلَ فواتِ الأوانِ! يا مذنبُ كادت روائحُ الذنوبِ أن تزكمَ الأنوفَ، فهلَّا استبدلتها بحسناتٍ لتفوحَ منك روائحُ المسكِ تُعطِّرُ الوجودَ ومَن في الوجود. يا مسرفُ على نفسهِ بالذنوبِ، لا تقنَطْ من رحمةِ اللهِ .. وأنِبْ إليه وأسلِم نَفسَك طائعةً له. ويحكَ أما سمعتَ اللهَ يقولُ لك: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ

стр. 2278

أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٥٩) وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠) وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (١). أيها المسلمونَ: وثمةَ سُنةٌ نبويةٌ كادت أن تُهجرَ عند نفرٍ من المسلمين، وعلى الرغمِ من توفرِ إمكاناتِ الناسِ لها، وعدمِ وجودِ موانعَ تحولُ بينها - إنها سُنةُ الاعتكافِ في المساجد، وما فيها من انقطاعٍ عن الخلقِ واتصالٍ بالخالق - في هذه العشرِ الأواخرِ أو بعضِها. أجل؛ لقد زهد بهذه السنةِ طائفةٌ من الأخيارِ الذين يحرصون على سننٍ أخرى .. وغيرُهم في الزهدِ بها من بابِ أولى، ويرحمُ اللهُ الإمامَ الزهريَّ وهو القائل: عجبًا للمسلمين، تركوا الاعتكافَ مع أن النبيَّ ﷺ ما تركَه منذُ قِدَمَ المدينةَ حتى قبضَه اللهُ. وإنك لتعجبُ حين تسمعُ عن اعتكافِ المئين في المسجدِ الواحدِ في مناطقَ في العالم الإسلامي، قد لا يجدُ المعتكفُ منهم ما يسدُّ حاجتَه، وترى في المقابلِ زُهدًا بهذه السنة في أقطارٍ أخرى، يملكُ الناسُ فيها القناطيرَ من الذهبِ والفضةِ .. ومع ذلك فقد يجدُ صعوبةً في تفريغِ نفسهِ والانقطاع عن تجارِته ولو لبضعةِ أيام. إن أحدنا لا يجدُ صعوبةً في تركِ أهلِه أسبوعًا أو عشرةَ أيام أو نحوها في سبيل الذهاب إلى رحلةٍ برية، أو سفرٍ للنزهة خارجَ المملكةِ، لكنه قد يجد

стр. 2279

صعوبةً في تركِهم للاعتكافِ، وبعضُنا يمكنه أن يتعللَ بخشيةِ ضياعِ أولادهِ خلال اعتكافه .. ولستُ أدري أضاعت أبناءُ المسلمين الذين كانوا يرابطونَ في الثغورِ الشهورَ الطويلةَ، إنها حججٌ وتعلُّلاتٌ ضعيفة. على أن العائقَ عند بعض الناسِ عن الاعتكاف قد لا يكونُ بالضرورةِ الحرصَ على الدنيا، ولكن عدَمُ توفرِ المسجدِ الذي يمكن أن يعتكفَ به، أو ما يجده من صعوبةِ في توفيرِ المطعمِ له، وهنا يَسهلُ الأمرُ؛ إذ يمكن توفير غرفة أو أكثر لا سيما في الجوامع، ويمكن كذلك أن يتولى محسنون أو هيئاتٌ خيرية توفيرَ المطعمِ للمعتكفين، وعلى أئمةِ المساجدِ أن يعنوا بهذه الأمورِ ويُعلنوا تسهيلَها للراغبين في الاعتكاف .. ومما يُذكر للمستودَع الخيري ببُريدةَ عنايتهُ في العام الماضي بالمعتكفين في مساجدِ بُرَيدةَ، وتقديمُه هديةً لكل معتكف، وعلمتُ هذا العام أن لديهم مبادرةً أخرى وذلك بتوفير مطبخينِ كبيرين، وسيُطبخُ فيها اثنا عشرَ كيسًا من الأرز، ومائةُ ذبيحةٍ أو مائةُ كرتونٍ منَ الدجاجِ، وذلك لخدمةِ المعتكفينَ في أيٍّ من مساجد بريدة، وعندهم استعداد للزيادة إذا اقتضى الحالُ، ويمكنهم كذلك إيصالُ الطعامِ إلى المساجدِ الراغبةِ في ذلك، هذا فضلًا عن استعدادِهم لتأمين الفرشِ اللازمة للمعتكفينَ في المساجدِ المحتاجةِ لذلك. إنها بوادر خير تنبت في أرض الخير، وحين يُشكر المعنيون بها، فعلينا أن نستثمرهَا، وكم يُثلجُ صدورَنا حين نسمعُ عن أعدادٍ من الشباب تأوي إلى المعتكفِ، لتعكُفَ على تلاوةِ وحفظ أو مراجعة المحفوظِ من كتابِ اللهِ .. وذلك مؤشرٌ على أن الأمةَ بخير ما دامَ ذلك حالُ بعضِ شبابها ورجالِ مستقبلها .. وعسى أن يلتحقَ بركبِهم شبابٌ آخرون غارقونَ في لهوهِم .. قد لا يذهبونَ إلى المساجدِ أصلًا إلا في رمضانَ .. وقلوبُ العبادِ بين إصبعين من أصابعِ الرحمن يقلِّبُها كيفَ يشاء.

стр. 2280

وهنا - وحولَ الاعتكاف - اقتراحٌ للجهاتِ الرسميةِ المشرفةِ على المساجدِ أو الجمعياتِ الخيريةِ - أو بالتعاوِن بينهم - ويقضي الاقتراحُ بدراسةِ الاعتكاف على أرض الواقعِ .. وتُعنى الدراسةُ - إضافةً إلى فضلِ الاعتكافِ وأحكامِه بشكلٍ مختصَر - ببيانِ أعدادِ المعتكفين ونوعيَّتهم وسنِّهم وعملهم، ودواعي الإقبال على الاعتكاف وآثارِه على المعتكِف، وأسبابُ الإحجامِ ومعوِّقاتِ الاعتكاف، وكيف يُرَغّبُ في الاعتكاف، وكيف تُعالجُ معوِّقاتُه - إلى ذلك من أمورٍ قد ينفعُ الله برصدِها للحاضرِ والمستقبل. معاشرَ المسلمين: نحن أمةُ الخير .. واللهُ نَدَبَنا جميعًا إلى التعاون على البرِّ والتقوى، وعدم التعاون على الإثم والعدوان فقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (١). فلنسعى لتحقيق هذا التعاون الخيِّر في كلِّ زمان، ولنحرصْ على تحقيقه في مثل هذه الأيام .. عسىَ ربُّنا أن يرحمَنا ويجعلَ العاقبةَ لنا والسعادةَ والفلاحَ في الدنيا والآخرةِ.
следующие страницы →