← Джавами‘

Джавами‘ · id 20948

شعاع من المحراب

سليمان بن حمد العودة

Полный текст (3 545 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

الخطبة الثانية: الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، فاوتَ بين عبادِه في الهِمَمِ؛ فمنهم ظالمٌ لنفسِه، ومنهم مقتصدٌ، ومنهم سابقٌ للخيرات بإذن الله ذلكَ هو الفوزُ العظيم. وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريكَ له، يجازي على الحسناتِ والسيئاتِ، ويُضاعفُ أجرَ الحسناتِ إلى عشرِ أمثالِها أو أزيدَ، وفضلُ الله يؤتيهِ من يشاءُ، والله ذو الفضلِ العظيم. وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، كان أجودَ ما يكونُ في رمضانَ .. وفي العشرِ الأواخرِ له اجتهادٌ يفوقُ كلَّ اجتهاد، اللهم صلِّ وسلِّم عليه وعلى سائرِ الأنبياء والمرسلينَ. أيها المسلمونَ: العملُ الصالحُ هو الرصيدُ الحقُّ لمن يرجو يومَ الحسابِ، وإذا كانتِ المسارعةُ للخيراتِ مطلوبةً على الدوامِ، فهي أحرى وأولى بالأزمانِ الفاضلةِ .. والحاجةُ إليها أشدُّ في أزمانِ الفتنِ، ولذا ندبَ الرسولُ ﷺ إليها بقوله: «بادروا بالأعمالِ فِتنًا كقطعِ الليلِ المظلم، يصبحُ الرجلُ مؤمنًا ويُمسي كافرًا» (١). يا عبدَ الله .. أجلُك محدودٌ، ولا تدري متى تكون النُّقلةُ، فارحل حين ترحلُ بخيرِ زاد، ألا وإن ضعفَ الإيمان والتكاسلَ عن عملِ الصالحاتِ سببٌ لضعفِ المقاومةِ عن المصائبِ والفتن، قال ﷺ : «ليأتينَّ على الناس زمانٌ لا يبالي المرءُ بما أخذَ المالَ؛ أمِن الحلالِ، أم من الحرامِ» (٢). وقل مثلَ هذا التجاوزِ فيما عدا المال من المحرماتِ الأخرى؛ إذ صحَّ عن

стр. 2277

النبيِّ ﷺ قولُه: «لا يأتي زمانٌ إلا والذي بعدَه شرٌ منه حتى تَلقوا ربَّكُم» رواه البخاري. وقد صح عند ابنِ ماجه عنه ﷺ أنه قال: «لم يبق من الدنيا إلا بلاءٌ وفتنة» (١). أيها المسلمون: وبإزاءِ هذه النصوصِ وأمثالِها من الكتابِ والسُّنةِ، يجدرُ بالمسلمِ الناصح لنفسِه أن يزكّي نفسَه بالصالحاتِ، وأن يسارعَ جُهدَه لاغتنامِ الأيامِ والليالي الفاضلاتِ. يا مسكينُ أسرَجَ الناسُ خيولَهُم وأنت بعدُ متباطئٌ كسلان، يا مغرورُ إلى متى الغرورُ والله يقولُ: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ (٢). يا عبدَ الله: هبّت رياحُ الجنةِ فاغتنِمْها قبلَ فواتِ الأوانِ! يا مذنبُ كادت روائحُ الذنوبِ أن تزكمَ الأنوفَ، فهلَّا استبدلتها بحسناتٍ لتفوحَ منك روائحُ المسكِ تُعطِّرُ الوجودَ ومَن في الوجود. يا مسرفُ على نفسهِ بالذنوبِ، لا تقنَطْ من رحمةِ اللهِ .. وأنِبْ إليه وأسلِم نَفسَك طائعةً له. ويحكَ أما سمعتَ اللهَ يقولُ لك: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ

стр. 2278

أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٥٩) وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠) وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (١). أيها المسلمونَ: وثمةَ سُنةٌ نبويةٌ كادت أن تُهجرَ عند نفرٍ من المسلمين، وعلى الرغمِ من توفرِ إمكاناتِ الناسِ لها، وعدمِ وجودِ موانعَ تحولُ بينها - إنها سُنةُ الاعتكافِ في المساجد، وما فيها من انقطاعٍ عن الخلقِ واتصالٍ بالخالق - في هذه العشرِ الأواخرِ أو بعضِها. أجل؛ لقد زهد بهذه السنةِ طائفةٌ من الأخيارِ الذين يحرصون على سننٍ أخرى .. وغيرُهم في الزهدِ بها من بابِ أولى، ويرحمُ اللهُ الإمامَ الزهريَّ وهو القائل: عجبًا للمسلمين، تركوا الاعتكافَ مع أن النبيَّ ﷺ ما تركَه منذُ قِدَمَ المدينةَ حتى قبضَه اللهُ. وإنك لتعجبُ حين تسمعُ عن اعتكافِ المئين في المسجدِ الواحدِ في مناطقَ في العالم الإسلامي، قد لا يجدُ المعتكفُ منهم ما يسدُّ حاجتَه، وترى في المقابلِ زُهدًا بهذه السنة في أقطارٍ أخرى، يملكُ الناسُ فيها القناطيرَ من الذهبِ والفضةِ .. ومع ذلك فقد يجدُ صعوبةً في تفريغِ نفسهِ والانقطاع عن تجارِته ولو لبضعةِ أيام. إن أحدنا لا يجدُ صعوبةً في تركِ أهلِه أسبوعًا أو عشرةَ أيام أو نحوها في سبيل الذهاب إلى رحلةٍ برية، أو سفرٍ للنزهة خارجَ المملكةِ، لكنه قد يجد

стр. 2279

صعوبةً في تركِهم للاعتكافِ، وبعضُنا يمكنه أن يتعللَ بخشيةِ ضياعِ أولادهِ خلال اعتكافه .. ولستُ أدري أضاعت أبناءُ المسلمين الذين كانوا يرابطونَ في الثغورِ الشهورَ الطويلةَ، إنها حججٌ وتعلُّلاتٌ ضعيفة. على أن العائقَ عند بعض الناسِ عن الاعتكاف قد لا يكونُ بالضرورةِ الحرصَ على الدنيا، ولكن عدَمُ توفرِ المسجدِ الذي يمكن أن يعتكفَ به، أو ما يجده من صعوبةِ في توفيرِ المطعمِ له، وهنا يَسهلُ الأمرُ؛ إذ يمكن توفير غرفة أو أكثر لا سيما في الجوامع، ويمكن كذلك أن يتولى محسنون أو هيئاتٌ خيرية توفيرَ المطعمِ للمعتكفين، وعلى أئمةِ المساجدِ أن يعنوا بهذه الأمورِ ويُعلنوا تسهيلَها للراغبين في الاعتكاف .. ومما يُذكر للمستودَع الخيري ببُريدةَ عنايتهُ في العام الماضي بالمعتكفين في مساجدِ بُرَيدةَ، وتقديمُه هديةً لكل معتكف، وعلمتُ هذا العام أن لديهم مبادرةً أخرى وذلك بتوفير مطبخينِ كبيرين، وسيُطبخُ فيها اثنا عشرَ كيسًا من الأرز، ومائةُ ذبيحةٍ أو مائةُ كرتونٍ منَ الدجاجِ، وذلك لخدمةِ المعتكفينَ في أيٍّ من مساجد بريدة، وعندهم استعداد للزيادة إذا اقتضى الحالُ، ويمكنهم كذلك إيصالُ الطعامِ إلى المساجدِ الراغبةِ في ذلك، هذا فضلًا عن استعدادِهم لتأمين الفرشِ اللازمة للمعتكفينَ في المساجدِ المحتاجةِ لذلك. إنها بوادر خير تنبت في أرض الخير، وحين يُشكر المعنيون بها، فعلينا أن نستثمرهَا، وكم يُثلجُ صدورَنا حين نسمعُ عن أعدادٍ من الشباب تأوي إلى المعتكفِ، لتعكُفَ على تلاوةِ وحفظ أو مراجعة المحفوظِ من كتابِ اللهِ .. وذلك مؤشرٌ على أن الأمةَ بخير ما دامَ ذلك حالُ بعضِ شبابها ورجالِ مستقبلها .. وعسى أن يلتحقَ بركبِهم شبابٌ آخرون غارقونَ في لهوهِم .. قد لا يذهبونَ إلى المساجدِ أصلًا إلا في رمضانَ .. وقلوبُ العبادِ بين إصبعين من أصابعِ الرحمن يقلِّبُها كيفَ يشاء.

стр. 2280

وهنا - وحولَ الاعتكاف - اقتراحٌ للجهاتِ الرسميةِ المشرفةِ على المساجدِ أو الجمعياتِ الخيريةِ - أو بالتعاوِن بينهم - ويقضي الاقتراحُ بدراسةِ الاعتكاف على أرض الواقعِ .. وتُعنى الدراسةُ - إضافةً إلى فضلِ الاعتكافِ وأحكامِه بشكلٍ مختصَر - ببيانِ أعدادِ المعتكفين ونوعيَّتهم وسنِّهم وعملهم، ودواعي الإقبال على الاعتكاف وآثارِه على المعتكِف، وأسبابُ الإحجامِ ومعوِّقاتِ الاعتكاف، وكيف يُرَغّبُ في الاعتكاف، وكيف تُعالجُ معوِّقاتُه - إلى ذلك من أمورٍ قد ينفعُ الله برصدِها للحاضرِ والمستقبل. معاشرَ المسلمين: نحن أمةُ الخير .. واللهُ نَدَبَنا جميعًا إلى التعاون على البرِّ والتقوى، وعدم التعاون على الإثم والعدوان فقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (١). فلنسعى لتحقيق هذا التعاون الخيِّر في كلِّ زمان، ولنحرصْ على تحقيقه في مثل هذه الأيام .. عسىَ ربُّنا أن يرحمَنا ويجعلَ العاقبةَ لنا والسعادةَ والفلاحَ في الدنيا والآخرةِ.

стр. 2281

وقفات ما بعد الحج والوعي المروري (١) الخطبة الأولى: إن الحمدَ لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده اللهُ فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، اللهم صلِّ وسلِّم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا. إخوةَ الإسلام: عاشَ المسلمون في مشارقِ الأرضِ ومغاربِها في الأيامِ والأسابيعِ الماضيةِ أيامًا مشهودةً ومناسباتٍ سعيدةً، كتبَ اللهُ لهم فيها ما كتبَ من الأجرِ والمَغْنَمِ، أغاظوا عدوَّهم من الجِنّ وأعداءَهم من الإنسِ، وطابت نفوسُهم، وزادَ إيمانُهم، وزكَتْ قلوبُهم. أجل، لقد قضوا عشرَ ذي الحجةِ بما فيها من فضائلَ ومغانمَ وهِباتٍ، ثم عاشوا يومَ عرفاتٍ، إذ وقفَ الحُجّاجُ على صعيدِ عرفاتٍ يبتهلونَ إلى ربِّهم بالدُّعاءِ، وربُّهم كريم يقول لهم: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٢). وما رُؤيَ الشيطانُ أحقرَ ولا أصغرَ ولا أذلَّ منه في ذلك اليوم، إلا ما كان من يومِ بدر. أما المقيمونَ فصامَ الكثيرُ منهم هذا اليومَ، وهم موقنونَ بمغفرةِ الذُّنوبِ ومحْوِ السيئاتِ، والهادي البشيرُ يبشّرهم بذلك ويقول: «صيامُ يومِ عرفةَ أَحتَسِبُ

стр. 2282

على اللهِ أنْ يُكفّرَ السنةَ الماضيةَ والقابلةَ». ثم عاشَ المسلمون يومَ الحجّ الأكبرِ وعيدَ الأضحى، وهو أفضلُ أيام العام .. وبه تردّدَ الحُجّاجُ بين المشاعِر؛ فطائفةٌ ترمي الجِمَارَ، وطائفةٌ يَطَّوّفونَ بالبيتِ العتيق، وطائفةٌ يُحلّقونَ أو ينحرونَ هَدْيَهُم، ومع شَعَث الحُجاجِ في يوم العيد إلا أنهم يتقرّبونَ إلى الله بجليل الأعمالِ. أما المقيمونَ فعاشوا فرحةَ العيد، وتقرَّبوا إلى بارئهم بنحرِ الأضاحي، والتقتْ جموعُ المسلمينَ في مُصلَّيات الأعياد، ومَنظرُهم ووحدتُهم تُرهبُ الأعداءَ، ومناسبتُهم واجتماعُهم لا مثيلَ له في المِلَلِ والأمم الأخرى. واستمرّ فضلُ الله على الحُجاجِ وغيرِ الحُجاج في أيام التشريقِ؛ إذ هي أيامُ أكلِ وشُربٍ وذكرٍ لله .. يَنعمُ بها الموسرونَ والأغنياءُ، ويُواسى به المحتاجونَ والفقراءُ. ألا فهنيئًا للمسلمينَ بهذه المناسباتِ السعيدةِ والأيامِ الفاضلةِ .. والبُشْرى تُزفُّ لمن تقرّبَ إلى اللهِ وزادَ في عملِ الصالحاتِ من الحُجاجِ أو غيرِ الحُجاج، وهل أعظمُ من الجنةِ منزلًا؟ ! وليس للحجّ المبرور جزاءٌ إلا الجنّة .. وكفى بمغفرةِ الذُّنوبِ فضلًا ونعمةً .. ومن حجّ فلم يرفُثْ ولم يفسُقْ رجع كيومِ ولدَتْه أُمُّهُ. ولا يُحرمُ غيرُ الحُجاجِ من فضلِ الله لا سيّما مَن تقرّب إلى اللهِ بعملِ الصالحاتِ في العشر .. وأتمّ ذلك بصيام عرفةَ، وتقرّبَ إلى اللهِ بالأُضحية. عبادَ الله: وحين يهنأُ العاملونَ المُوَفّقونَ يُعزّى المُفرِّطونَ ويندمُ الكُسالى والمضيِّعونَ للفُرص .. ولكن الجميع يذكَّرون - بعد هذه المناسبات - بعدة أمور، منها:

стр. 2283

١ - استدامةُ الطاعةِ والحفاظُ على الأرصدةِ المُكتسبةِ، فمن عادت صحائفُه بيضاءَ، فحريٌّ به ألا يُلوّثَها بالمعاصي، ومن علائمِ قَبولِ الحسنةِ عملُ الحسنةِ بعدها. ٢ - الندمُ توبةٌ .. فمن فرّطَ فليُظهر الندمَ على ما مضى، وليعقدِ العزمَ على انتهاز الفرصِ القادمةِ، والباكونَ على خطاياهم والمستغفرونَ لذنوبهم حَرِيّونَ بالمغفرةِ والرِّفعةَ ﴿وَمَنْ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (١). ٣ - وعبوديةُ الشّكرِ لله سببٌ للزيادةِ من فضلِ الله ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (٢)، فمن وفّقَه اللهُ للطاعةِ فليشكُرِ اللهَ على فضلِه وتوفيقِه .. فكم من مُريدٍ للخيرِ لم يُصِبه ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (٣). ٤ - وحين يتجاوزُ الإنسانُ ما أَلِفَهُ ويَخرجُ المرءُ عن محيطِه - ولو قليلًا - تبدو له نِعَمٌ كان يتمتعُ بها ويتفيّئُ ظِلالَها، وكأنها صعبةُ المنال ... أجل إن الحاجَّ - أحيانًا - يَعِزّ عليه المكانُ الذي يستظلّ به، ولو لبضعِ ساعاتٍ من النهار، أو ينامُ فيه ولو لبضعِ ساعاتٍ من الليل، وهو في سائرِ أحواله يسكنُ القصورَ الفارِهةَ لسنواتٍ عديدةٍ، أفلا يدعوه ذلك لِشُكْرِ أَنْعُمِ اللهِ عليه؟ وهكذا سائرُ النّعمِ التي يتمتعُ بها المسلمُ في حال إقامتِه، وقد تَضِنّ عليه أو بعضُها في حال سفرهِ .. كلُّ هذه مُذكِّرةٌ له بأنعُمِ اللهِ عليه وداعيةٌ له لمزيدِ الذكرِ والشّكرِ لله. ٥ - وبابُ التوبةِ مفتوحٌ للإنسان على الدوام .. ولكن التوبةَ تطيبُ حين تكونُ على إثرِ مغفرةِ الذّنوبِ ومحوِ السيئاتِ السابقةِ .. وفي الحجّ أو صيامِ عرفةَ من

стр. 2284

الأجرِ ما يُكفّرُ اللهُ به السيئاتِ ويمحو الخطيئاتِ .. أفلا يدعونا ذلك إلى الاستعانةِ باللهِ على عَقْدِ العزمِ على التوبةِ، فإن التوبةَ وظيفةُ العمر، وبدايةُ العبدِ ونهايتُهُ، وأولُ منازلِ العبودية، وأوسطُها، وآخرُها (١). ٦ - وفي الحجّ يعلو مقامُ التوحيد لله وترتفعُ أسهُمُه .. ألا ترى الحاجَّ يبدأ به مُلبيًا لله وحده، نافيًا للشُّركاءِ معه، معترفًا لله وحدَه بأنعُمِه (لبيك اللهمّ لبيكَّ، لبيك لا شريكَ لك لبيك، إن الحمدَ والنعمةَ لك والمُلك). وهكذا حين يطوف بالبيتِ معظّمًا لله، متذكّرًا أساسَ التوحيد الذي بُني البيت له: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ (٢). وهكذا حين يسعى بين الصفا والمروةِ يستيقنُ أن الغوثَ وكشفَ الكُروبِ لا يقدرُ عليه إلا اللهُ، فهو الذي رحم أُمَّ إسماعيل، وأنبعَ لها ماءَ زمزمَ حين بلغ بها الكربُ نهايتَه، وهكذا في سائرِ المواقفِ والأحوالِ، فلا كاشفَ للكروبِ ولا مُغيثَ إلا اللهُ: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ (٣)، ﴿أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (٤). أجل؛ لقد طهّر الخليلُ ﵇ البيتَ الحرامَ من الأصنام، وجاء ابنُه من بعدِه محمدٌ ﷺ ليُجدِّدَ تطهيرَ البيتِ، فقد حطَّمَ - حين فتحَ مكةَ - ستين وثلاثمائة صنمًا كانت تحيطُ بالكعبة. وحين يكون تحطيمُ الأصنامِ سنةً نبويةً، فَمن حطّم الأصنامَ مِنْ بعدُ، سواء في مكةَ أو في غيرِها، فهو سائرٌ على سُننِ المرسلين، وهو واجدٌ العونَ والمددَ من ربّ العالمين.

стр. 2285

إنك لتعجبُ في هذه الأزمانِ حين تثورُ ثائرةُ الكفرِ لأصنامٍ تُحطَّم .. ويأخذك العَجبُ أكثر حين يدافعُ عن الأصنامِ المحطّمةِ أناسٌ من المسلمينَ. وحين تُحطَّمُ الأصنامُ التي تُعبدُ من دونِ الله بأيدي المسلمين، يكون الاعتراضُ بالحِفاظ على التُّراثِ أو رموزِ الحضارةِ بزعمِهم، ولكن شيئًا من ذلك لا يكون حين يُعبثُ بمقدّساتِ المسلمينَ أو تُهدمُ المساجدُ بأيدي الكافرين. ٧ - عبادَ الله: وهذه الطاعاتُ التي تقرّبتم بها إلى خالقِكم، لا يكن آخرُ عهدِكم بها الانتهاءَ منها، بل ألِحُّوا على اللهِ بالدعاءِ لقبولها، فليسَ المهمُّ الأداءَ، وإنما الأهمُّ القبولُ، ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]. اسألوا ربّكم أن يتجاوزَ عن التقصير، ويعفو عن الخَللِ ثم تذكّروها حين تتذكرونها فرحينَ بأدائها، مُثنينَ على الله إذ وفّقَ وأعانَ عليها، فتلك فرحةٌ مشروعةٌ ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (١). وفرقٌ بين من يَذْكرِ الطاعةَ التي عملَها مستكثرًا إياها على اللهِ، مانًّا بها على ربِّه .. فذاك لا يليقُ بالعبدِ، وربما أحبطَ العملَ. وبين من يتذكرُ الطاعةَ ليزيدَ من شكره لربِّه - وليسألَه القبولَ على عملِه، وهكذا ينبغي أن نتذكرِ الطاعاتِ لا لنِمُنّ على الله بها، أو نغترّ بأعمالنا .. بل للفرحِ بفضلِ الله وتوفيقِه .. ولسؤاله القبولَ والمزيدَ من فضله. تلك مشاعرٌ قد تغيبُ أو يحصلُ بها الخلطُ في المفاهيم، والموفقُ من وفَّقه اللهُ. أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ (٢).

стр. 2286

الخطبة الثانية: الحمدُ لمن يستحقُّ الحمدَ والثناءَ، والشكرُ لله على كلِّ حالٍ، وقد وعدَ بالمزيدِ لمن شكر، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائرِ المرسلينَ. إخوةَ الإيمان: ونحمدُ الله على سلامةِ الحُجاجِ، ونسألُ اللهَ إذ سلّمهم وأعانَهُم على قضاء نُسكِهم، أن يتقبلَ منهم، أما من أصيبَ من الحُجاجِ أو توفاه اللهُ، فنسألُ الله له المغفرةَ والرضوانَ، ولأهله الصبرَ والاحتسابَ. عبادَ الله: وإذا كان الأمنُ للحجاجِ مطلبًا ضروريًّا، وأَنَّى لخائفٍ أن يؤدِّي مناسكَ الحجِّ ومشاعرَه، وتلك نعمةٌ امتنّ اللهُ بها على الناسِ قديمًا وحديثًا، وذكَّرهم بهذه النعمة بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ (١). إذا كان الأمنُ للحُجاجِ مطلبًا ضروريًّا .. فالأمنُ كذلك مطلبٌ لغير الحُجاج، بل هو مطلبٌ يتجاوزُ هذه الحياةَ إلى الحياة الآخرةِ حين يفزعُ الناسُ يومَ الفزعِ الأكبرِ، ولا مأمنَ لهم إلا رحمةُ الله وعملُ الصالحاتِ التي بها يؤمنون ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢). ألا فتذكّروا هذا الفزعَ الأكبرَ، وقدِّموا لأنفُسِكم أسبابَ الأمنِ. ثم اعلموا - رحمكمُ اللهُ - أنّ الأمنَ في الدُّنيا مطلبٌ، والبحثَ عن السلامةِ وسيلةٌ للعبادة، وحين تُنظّمُ حملاتُ التوعيةِ لأيِّ نوعٍ من أنواعِ الأمن، فينبغي أن

стр. 2287

يكونَ للمسلمِ دورٌ فاعلٌ وإسهامٌ واعٍ في إنجاحِها؛ لأنَّ مردودَها في النهايةِ للجميع. أجل، إنّ حَصْدَ الأرواحِ وإتلافَ الممتلكاتِ، وانتشارَ الإصاباتِ والإعاقاتِ .. كلُّها تنجُمُ حين يغيبُ الوعيُ المروريُّ بأنظمةِ السّيرِ وآدابِ الطريقِ، ويخطئُ من يظنُّ أنّ هذه الأنظمةَ المروريةَ قوانينُ وضعيةٌ .. وبالتالي فلا حرَج في تجاوزِها، ولا خيرَ في عدمِ الالتزامِ بها .. وهنا وقفةُ تصحيح يَقفها العلامةُ الشنقيطي ﵀ وهو يفرّقُ بين أنواعِ الأنظمةِ الوضعيةِ فيقول: «اعلم أنه يجب التفصيلُ بين النظامِ الوضعيِّ الذي يقتضي ذلك، وإيضاحُ ذلك أن النظامَ قسمان: إداريٌّ وشرعيٌّ، أما الإداريُّ الذي يُراد به ضبطُ الأمور وإتقانُها على وجهٍ غيرِ مخالفٍ للشرع، فهذا لا مانع فيه، ولا مُخالفَ فيه من الصحابةِ فَمَن بعدَهم، وقد عملَ عمرُ ﵁ من ذلك أشياءَ كثيرةً ما كانت في زمنِ النبيِّ ﷺ ». ثم ذكرَ الشنقيطيُّ ﵀ أمثلةً لهذه الأنظمةِ، ثم ختم بقوله: «فهذا النوعُ من الأنظمةِ الوضعيةِ لا بأسَ بهِ، ولا يخرجُ عن قواعدِ الشّرعِ من مُراعاةِ المصالحِ العامةِ» (١). وثمّةَ فتاوى لسماحةِ الشيخ ابنِ بازٍ ﵀ وسماحةِ الشيخ ابنِ عثيمينَ - يرحمه الله - تؤكدُ الالتزامَ بالأنظمةِ الداعيةِ للسلامة، وتُحذّرُ من المخالفاتِ التي تؤدي إلى إزهاقِ الأرواحِ والممتلكاتِ. أيها المسلمونَ: وثمةَ نوعٌ من التهوّرِ تمارسُه فئةٌ من الشبابِ، وعلى جهاتِ الأمنِ أن تتعاملَ مع أصحابِه بكلّ جدّيةٍ وحزمٍ، وعلى الآباءِ والأولياءِ ألا يشفعوا لأصحابِ هذه الممارساتِ الخاطئة المهلِكة، فهل سمعتم عن قطعةِ

стр. 2288

الموتِ؟ إنها مراهنةُ المراهقينَ على اجتيازِ الشوارع المتقاطعةِ حتى وإن كانت الإشارةُ حمراءَ تمنعُ السيرَ، فهؤلاء يأتون بأقصى سرعةٍ مجتازينَ للشارعِ مهما كانت الخسائرُ، وكم وقعتْ نتيجةَ هذه الحركاتِ الصبيانيةِ من خسائرَ وحوادثَ مروّعةٍ، وحقُّ هؤلاء أن يُمنَعوا من القيادةِ، وأن تُصادرَ سياراتُهم إلى الأبد ليكونوا عبرةً لغيرهم. وعلى صعيدٍ آخرَ، وفي تحليلٍ أصدرته قواتُ أمنِ الطُّرقِ جاءَ فيه: تَجاوزُ السّرعةِ النظامية، وعدمُ الاهتمامِ بسلامةِ الإطاراتِ على رأس أسبابِ الحوادثِ في المملكةِ، وقد جاءتْ محصّلةُ الحوادثِ لعام ١٤٢٠ هـ تحمل الإحصاءات التاليةَ: (٥١٧٩) حادثًا مروريًّا، منها (١٨٠٠) حادثِ انقلاب، (١٧٧٥) حادثِ تصادم، وأشارَ التقريرُ إلى أن عددَ المصابينَ بهذه الحوادث (٢٦٤٢) سعوديًّا، وغيرَ سعوديّ (١٧٢١)، وعددُ الوفيات لعام ١٤٢٠ هـ بلغت (٥٣٦) (١). وفي إحصائيةٍ لمنطقة القصيم لعام ١٤٢٠ هـ بلغ عددُ المصابين (١١٦٦)، وعددُ الوفيات (١٧٦). إن هذه الإحصاءاتِ وغيرَها تدعو للتأمّلِ واليقظةِ، والتعاونِ فيما من شأنه وجودُ (جيلٍ مروريّ واعٍ)، فتلك مسئوليتُنا جميعًا .. ولكنّ جهاتِ الأمنِ عليها كِفْلٌ كبيرٌ من المسئولية، فلا بد أن تنتهي إلى قراراتٍ حاسمةٍ ومتابعاتٍ جادّةٍ تضعُ حدًّا للمتهورينَ، وتأخذُ بيدٍ من حديد على كلّ من يعبثُ بالأمنِ أو يتسامحُ في أرواحِ أو ممتلكاتِ الآخرين، وفي كلّ عامٍ نسمعُ عن ملتقىً أو أسبوعٍ للمرورِ - ولكننا نتطلّعُ إلى حلولٍ جذريةٍ وخططٍ واعيةٍ للسلامة، وأنماطٍ

стр. 2289

حضارية، يمكن أن يشتركَ في صياغتها إلى جانبِ رجالِ الأمن أساتذةُ الجامعاتِ والمفكّرونَ وأصحابُ الرأي.

стр. 2290

ألا ويح الملعونين! ومَن همْ ؟ (١) الخطبة الأولى: الحمدُ للهِ غافرِ الذنب وقابلِ التوبِ شديدِ العقابِ ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلى اللهَ وحدَه لا شريكَ له، أمرَ بالعدلِ والإحسانِ وحُسنِ العبادةِ له، ونهى عن الفحشاءِ والمنكرِ والبغي يَعظكم لعلكم تذكَّرون، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، كان أحسنَ الناسِ خَلْقًا وأكملَهم خُلُقًا، وبعثَه ربُّه ليتمِّمَ مكارمَ الأخلاق .. اللهم صلِّ وسلِّم عليه وعلى سائرِ الأنبياءِ والمرسَلينَ، وارضَ اللهم عن الصحابةِ أجمعين والتابعينَ ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٢). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣). عبادَ الله: إن الناسَ كلَّ الناسِ تنشرحُ صدورُهم للثناءِ، وجُبلت قلوبُ المؤمنين على حبِّ الخيرِ وإشاعةِ المعروفِ، هم محبُّونَ لطيبِ الكلامِ، وإشاعةِ السُّرور، وتحقيقِ البهجةِ وتوفيرِ السعادةِ .. وكلُّهم يُبغضُ الفُحشَ والبذاءَة، ويكرَهُ الذمَّ والسبَّ، ويتضايقُ من اللعنِ والشتمِ والطعنِ. لكن ما رأيُكم فيمن يجلبُ لنفسِه أسبابَ الأذى، ويُعرّضُ نفسَه للعنِ والطردِ

стр. 2291

والإبعادِ، لا من قبلِ الناسِ، بل من قبلِ اللهِ ورسولهِ ﷺ ؟ ! إنه ليس مُكرَهٌ على اللعنِ، لكنه جاهلٌ أو عاجز .. واللعنةُ عليه ليست إلى الأبد، بل بإمكانِه التخلصُ منها .. لكن مع الصدقِ وقوةِ العزيمةِ، والمسارعةِ بالتوبةِ. أيها المسلمونَ: سأقفُ وإياكم على طائفةٍ من الخصال والأخلاقِ والممارساتِ، لُعن أصحابُها في كتابِ الله، أو ما صحّ من سنةِ رسول الله ﷺ ، ألا ويحَ الملعونينَ من اللهِ أو على لسانِ رسولِه ﷺ ، والله يقول: ﴿وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ (١). ويقول: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ (٢). وحين أسوقُ هذه الخلالَ والممارساتِ، فإنما أسوقُها لأحذِّرَكم ونفسي من الوقوع في شيءٍ منها، ومن جَهِلَ وعلِمَ فعليه العملُ، ومن علِم بها وضعُفت همَّتُه عن الحذرِ منها فليتّقِ اللهَ، وليخلِّص نفسَه من أسباب الطردِ عن رحمة اللهِ مادامَ على قيدِ الحياة. فيا تُرى من هم الملعونون؟ وما هي الصفاتُ والأعمالُ الموجبةُ للعن؟ وسأكتفي بذكرِ خمسَ عشرةَ خصلةً منها أو تزيد: ١ - يا أخي المسلم: احذرِ الظلمَ بكافةِ صورِه وأشكالِه، وللقريبِ أو للبعيد، في المالِ أو العرضِ أو سائرِ الحقوق والواجباتِ، فإن الظلمَ ظُلماتٌ يومَ القيامةِ، والظالمونَ ملعونونَ في كتاب اللهِ: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (٣)، ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (٤)، وأخبر سبحانه عن

стр. 2292

نفسه ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (١). ٢ - واحذر الكذبَ فهو يهدي إلى الفجور، والفجورُ يهدي إلى النار، والكاذبونَ ملعونونَ كذلك في كتاب الله: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ (٢)، ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ (٣). وكم يتساهلُ نفرٌ من المسلمينَ بالكذبِ، إنْ في البيعِ أو الشراء، أو في القضاءِ أو الاقتضاءِ، في ادِّعاء الحقوقِ أو إنكارِ الواجباتِ، كذبٌ بين الرجال، ومثلُه أو أعظمُ بين النساءِ، وهكذا يسري بين الشبابِ والأطفالِ .. ولا يزَالُ الرجلُ يكذبُ ويتحرَّى الكذبَ حتى يُكتبَ عند الله كذَّابًا .. فاحذروا الكذبَ كلَّه أبيضَه وأسودَهُ، قليله، وكثيرهُ، واتقوا اللعن في كتابِ اللهِ. ٣ - معاشرَ المسلمين: واحذروا قطيعةَ الأرحامِ، فقد جاءَ الوعيدُ بقطعها في القرآن مقرونًا باللعنِ، ومعه الصمَمُ والعَمى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ (٤). قال ابنُ كثيرٍ ﵀: في الآيةِ نهيٌ عن الإفسادِ في الأرضِ عمومًا، وعن قطعِ الأرحامِ خصوصًا (٥). وروى الإمامُ أحمدُ بسندِه إلى النبيِّ ﷺ ما يكشفُ عن عقوبة قطيعةِ الرحمِ، فقال ﵊: «ما من ذنبٍ أحرَى أن يُعجِّل اللهُ عقوبتَه في الدُّنيا، مع ما يدَّخرُ لصاحبِه في الآخرة من البغي وقطيعةِ الرَّحِمِ» (٦).

стр. 2293

وساقَ ابنُ كثير في «تفسيره» حديثًا عن لعنةِ قطيعةِ الرحِمِ، حيث قال: قال رسولُ الله ﷺ : «إذا ظهر القولُ، وخُزِنَ العملُ، وائتلفتِ الألسنةُ وتباغضتِ القلوبُ، وقطعَ كلُّ ذي رحمٍ رحِمه، فعند ذلك لعنَهمُ الله فأصمَّهم وأعمى أبصارهم» (١). يا قاطعَ الرحمِ توقَّفْ وتذكَّر .. أما لكَ في القرآن مُزدَجَرٌ، أما لكَ في الوعدِ والوعيدِ من محمدٍ ﷺ مُعتبر؟ واحذر أن تكونَ ممن يقرأُ القرآنَ، ولكن كأنما بك عن الحقِّ صَمَم، وعن قبولِ الخيرِ عمى؟ ! ٤ - أيها المؤمنونَ: وممَّن لعنهم اللهُ وجاء الخبرُ بلعنِهم من الملائكةِ والرسلِ: شاربُ الخمرِ وعاصِرُها، وساقيها، وبائعُها ومبتاعُها، وبقيةُ من جاء لعنُهم في الحديث الذي رواه أحمدُ والحاكمُ والطبراني وغيرُهم بسندٍ صحيح، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسولُ الله ﷺ : «أتاني جبريلُ فقال: يا محمدُ، إنَّ اللهَ لعنَ الخمرَ وعاصِرَها ومُعتصِرَها وشاربِهَا وحامِلَها والمحمولةَ إليه، وبائعِها ومبتاعَها وساقيَها ومستقيَها» (٢). والخمرُ كلُّ ما خامرَ العقلَ وغطَّاه .. سواءً كان شُربًا أو أكلًا لمخدراتٍ أو نحوِها .. فاحذر أخي المسلم من الفضيحةِ في الدنيا واللعن والطردِ عن رحمة اللهِ في الآخرةِ. ٥ - إخوةَ الإسلام: والراشي والمرتشي ملعونانِ بلعنةِ الله ولعنة رسوله ﷺ ، فقد صحّ في الخبر أن رسولَ الله ﷺ قال: «لعنَ اللهُ الراشي والمرتشي في الحُكمِ» (٣).

стр. 2294

وعن ابن عمر ﵄ قال: «لعنَ رسولُ الله ﷺ الراشي والمرتشي» (١). والرشوةُ أكلٌ لأموال الناسِ بالباطل كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٢). ألا فاحذروا معاشرَ المسلمين من الرشوةِ مهما كانت مسمياتُها، وسواءً كان آخذُها تاجرًا أو موظفًا، ذكرًا أو أنثى، كبيرًا أو صغيرًا. فستسألونَ عن أموالكم من أين اكسبتموها وفيما أنفقتموها. ٦ - معاشرَ الرجالِ: واحذروا التشبهَ بالنساءِ، واحذرن معاشرَ النساءِ التشبُّهَ بالرجال، فكلُّ أولئك تلاحقهمُ اللعنةُ، عن ابن عباس ﵄ أن رسولَ الله ﷺ قال: «لعن الله المتشبهاتِ من النساءِ بالرجال، والمتشبهينَ من الرجالِ بالنساء» (٣). وفي الحديث الآخر: «لعنَ اللهُ الرجلَ يلبسُ لبسةَ المرأة، والمرأةَ تلبسُ لبسةَ الرجل». وفي رواية: لعن رسولُ الله (٤)، وفي «صحيح» البخاريِّ عن ابنِ عباسٍ ﵄ قال: «لعنَ النبيُّ ﷺ المخنثينَ من الرجالِ والمترجلاتِ من النساءِ وقال: أخرجوهم من بيوتكم» (٥). ألا ويحَ المتشبهينَ والمخنثينَ والمترجلاتِ؟ ٧ - وتلاحقُ اللعنةُ كذلك النساءَ المغيّرات لخلقِ اللهِ، وذلك بالنمصِ والوشمِ

стр. 2295

والتفلُّج .. قال ﷺ : «لعنَ اللهُ الواشماتِ والمستوشماتِ والنامصاتِ والمتنمصاتِ، والمُتفلجاتِ للحُسنِ، المغيراتِ خلقَ الله» (١). وكم تخطئُ المرأةُ وهي تتابعُ الموضةَ وإن كانت محرَّمةً .. وكم تبتعدُ المرأةُ عن هدي الإسلام، وتقعُ في لعنةِ الله حين تُغيرُ خلقَ الله بنفسِها، أو تذهبُ إلى محلاتِ التجميلِ لتفعلَ بها ما تشاء .. وهنا لفتةٌ وتذكيرٌ وتحذيرٌ لمحلاتِ تجميلِ النساءِ .. حين تتساهلُ في ما حرَّم اللهُ، وقد تغري المرأةَ أو تغررَ بها. واللعنةُ شاملةٌ للنامصةِ والمتنمصةِ والواشمةِ والمستوشمةِ كما في الحديث السابق: ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾ (٢).

стр. 2296

الخطبة الثانية: الحمدُ لله ربِّ العالمينَ يُحبُّ التوابينَ ويحبُّ المتطهرينَ، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، حببَ إلى عبادِه المؤمنينَ الإيمانَ وزيَّنهُ في قلوبِهم، وكرّه إليهمُ الكفرَ والفسوقَ والعصيانَ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه هدى الأمةَ لأحسنِ الأخلاقِ والأعمالِ، ونهاهم عن المنكراتِ والمكروهاتِ من الأخلاقِ والأعمالِ. اللهم صلِّ وسلِّم عليه وعلى سائرِ الأنبياءِ والمرسلين. إخوةَ الإسلام: ٨ - وما ظنكم بكبيرةٍ من كبائرِ الذنوبِ حرّمها الإسلامُ، بل وأعلنَ اللهُ الحربَ على مرتكبيها، وأصحابُها ضِمن من لُعنوا على لسانِ رسول الله ﷺ ؟ ! إنهم أكلةُ الرّبا وموكلوه وكتبتُه وشاهدوه، ففي «صحيح» مسلم وغيرِه: «لعنَ رسولُ الله ﷺ آكلَ الرّبا وموكِلَه وكاتبَه وشَاهدَيْه، وقال: هم سواء» (١). تُرى كم يَشقي بهذه اللعنةِ أفرادٌ في مجتمعِنا - ممن سوّل لهم الشيطانُ وأملي لهم التكثّرَ بالرّبا .. وهل علمَ هؤلاءَ أن الربا وإن كثُر فعاقبتُه إلى قلّ .. بل هو محقٌ للمالِ وبركتهِ بشهادةِ العليم الخبير: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ (٢). وإذا كانت تلك شهادةَ القرآن، فشهادةُ الواقع كذلك برهانٌ على هذا المحقِ، وكم يتحدثُ الناسُ عن أفرادٍ تحولوا بين عشيَّةٍ وضُحاه من دائنينَ إلى مدينين، ومن أغنياءَ إلى فقراءِ، وحتى لو لم يحصلْ لهم شيءٌ من ذلك في الدنيا، فيكفيهم خزيًا وعارًا وندامةً وخُسرانًا، أنهم لا يقومون من قبورهم يومَ القيامة:

стр. 2297

﴿إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (١)، بابُ التوبةِ مفتوحٌ للمُرابين .. ولكنّ الخلودَ في النار جزاءُ العائدين: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. ألا فخلّصوا أنفسَكم من اللعنةِ يا من تُرابون، وقُوا أنفسَكم الخلودَ في النار يا من تجمعونَ ما لا تأكلون، ولا تجنوا على أنفسِكم وعلى أولادكم بأكلِ السُّحتِ وأنتم تعلمون، ولا تُبارزوا ربَّكم بالمحاربةِ وأنتم المساكين! ٩ - عبادَ الله: وثمةَ خِصالٌ لُعن أصحابُها، تجمع مَن سبَّ والدَيه، أو ذبحَ لغيرِ الله، أو غيَّرَ تخومَ الأرضِ .. فعنها وغيرِها قال ﷺ : «ملعونٌ من سبَّ أباه، ملعونٌ من سبّ أُمَّه، ملعونٌ من ذبحَ لغيرِ اللهِ، ملعونٌ من غيّر تخومَ الأرضِ، ملعونٌ من كَمِهَ أعمى عن الطريق (أي أضلَّه)، ملعونٌ من وقعَ على بهيمةٍ، ملعونٌ من عَمِلَ عَمَلَ قومِ لوطٍ» (٢). ألا فاحذروا هذه الخِلالَ كلَّها وترفَّعوا بأنفسكم عن مقارفتها. ١٠ - وترويعُ المسلمِ موجبٌ للعنةِ، وفي «صحيح» مسلم في كتاب البر والصلة بابُ النهي عن الإشارةِ بالسلاح إلى مسلم، ساق الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال أبو القاسم ﷺ : «من أشار إلى أخيهِ بحديدةٍ، فإنَّ الملائكةَ تلعَنُه، وإن كان أخاه لأبيه وأمّه» (٣). وكم يتساهلُ بعضُنا بهذا الأمر، والأمرُ خطير. وكم بدأ بمزاحٍ ثم يتحولُ إلى كارثةٍ وأتراحٍ، فالزموا أمرَ الإسلام، ولا تُروِّعوا آمنًا.

стр. 2298

١١ - إخوةَ الإسلام: وإياكم والتحايلَ على ما حرَّم اللهُ، فهو وإن خَفيَ على البشرِ فلا يخفى على خالقِ البشرِ، والمُحلِّلُ لامرأةٍ بانت من زوجها والمُحلَّلُ له كلُّهم ملعونون بحديث رسول الله ﷺ حيث قال: «لعنَ اللهُ المُحلِّلَ والمُحلَّلَ له» (١). إن هذا المُحلِّلَ تيسٌ مُستعار. وهو والمحلَّلُ له استحلُّوا ما حرَّمَ اللهُ بالحيلة، وهتكِ المروءة، وقلةِ الحمية، وضعفِ الرقابة للهِ؟ ١٢ - معاشرَ النساءِ وحين لا تستجيبُ إحداكنُ لأوامر الزوجِ ولا تُطيعُه بالمعروف، فيبيتُ غضبانَ عليها، فإن اللعنةَ تصيبُها فقد روى البخاريُّ ومسلمٌ من حديثِ أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : «إذا دعا الرجلُ امرأتَهُ إلى فراشِه فأبتْ، فباتَ غضبانَ عليها لعنتها الملائكةُ حتى تُصبحَ». ١٣ - معاشرَ الرجالِ: وإياكم وإتيان النساءِ في أدبارهنَّ، فذلك مع استقذارهِ وهو يُفوِّتُ على المرأة حقَّها من الزوجِ، ويخالفُ الهدفَ من الزواج وهو الإعفافُ وابتغاءُ الولد، قال ﷺ : «ملعونٌ من أتى امرأةً من دبرها» (٢). ١٤ - أيها المسلمون: وممن لُعنوا في كتاب اللهِ الذينَ يؤذون الله ورسولَه ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ (٣). ١٥ - والذين يكتمونَ ما أنزلَ الله من البينات والهدى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ

стр. 2299

اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (١). عبادَ الله: ليس هذا حصرًا للملعونين في كتابِ الله وسنةِ رسولِه ﷺ ، وإنما هو بيانٌ لشيءٍ منها، وقد عقدَ ابنُ القيمِ ﵀ في كتابه «الداء والدواء» فصلًا في ذنوبٍ تُدخلُ العبدَ تحت لعنةِ رسولِ الله ﷺ ، ومن لعنه الله، فزَادت عنده على ثلاثينَ نوعًا، منها ما سبقت الإشارةُ إليه، ومنها من ضارّ مسلمًا أو مكرَ به، ومن آوى محدثًا، ومن انتَسبَ إلى غير أبيه، ومن سبَّ الصحابةَ، ومن أفسدَ امرأةً على زوجها، ومن جعلَ سبيلَ الكافرينَ أهدى من سبيل المؤمنينَ. إلى غير ذلك. ومن شاء المزيدَ فليرجع إليه (٢). أيها المسلمُ والمسلمة: ادرءوا عن أنفسِكم وأهليكم وأولادِكم أسبابَ لعنِ اللهِ أو لعن رسولهِ ﷺ إننا نأنفُ من اللعنِ في لغةِ التخاطبِ بيننا، فكيف نرضى باللعنِ من خالِقنا أو نبيِّنا؟ وإذا تطاولَ علينا لاعنٌ بغير حقٍّ دافعْنَا وانتصَرْنا لأنفسِنا. أفلا ندفعُ نزغاتِ الشيطانِ، ونتعالى على أسبابِ اللعن من خالقنا؟ ويومَ أن تسمعوا مثلَ هذه الأخلاقِ السيئةِ والممارساتِ الخاطئةِ المؤديّةِ للعنِ، فلا تظنوا أن المخاطبَ غيرُكم، بل اتهموا أنفسَكم، وجاهدوا أهواءكم، وأصلحوا ذاتَ بينكم، وتناصحوا بالمعروفِ، وتناهَوْا عن المنكر، ولا يأنفْ والدٌ من نصيحةِ ولدِه، ولا يترددُ ابنٌ في نصح أبيه، ولا زوجٌ ولا زوجةٌ في مصارحةِ بعضِهم بعضًا، والمؤمنونَ أخوةٌ وهم نصحةٌ فيما بينهم، والمصيبةُ حين تفشو المنكراتُ ولا مُنكِرٌ، وتحيقُ اللعنةُ أو اللعناتُ في مجتمعِ المسلمينَ ولا

стр. 2300

مُنذر أو مُدَّكرٌ، وإذا رأيتَ ثمّ رأيتَ الضيقَ والكَدَرَ، والهمومَ والقلقَ تُحيطُ بفئةٍ من الناسِ فاعلم أنها المعاصي والبعدُ عن هدي المرسلين، ثم تذكّر قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ (١). اللهم إنا نعوذُ بكَ من تحولِ عافيتك، وفُجاءة نقمتِك، وجميعِ سخطكَ.

стр. 2301

القاتِلُ البطيءُ (١) الخطبة الأولى: الحمدُ لله ربّ العالمينَ، أحلَّ لنا الطيباتِ ونهانا عن الإسرافِ فيها، وحرّمَ علينا الخبائثَ والإسرافَ فيها من بابِ أولى. وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، تركَ الأمةَ على محجَّةٍ بيضاءَ، وما توفّاه ربُّه إلا والحلالُ بيِّنٌ، والحرامُ بيِّنٌ، أما المتشابهاتُ فالسعيدُ من اتقاها واستبرأ لدينهِ وعِرْضِه، ومن ضعُفت همَّتُه ووقعَ في الشُّبهاتِ، فإن ذلك طريقٌ للوقوعِ في المحرماتِ كالراعي يرعى حول الحِمى يوشكُ أن يرتعَ فيه .. اللهم صلِّ وسلِّم عليه وعلى سائرِ الأنبياءِ والمرسلينَ، وارضَ اللهم عن الصحابةِ أجمعينَ والتابعينَ ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٣). إخوةَ الإسلام: ما هذا الداءُ الذي وقعَ في شراكِه فئامٌ من المسلمينَ، وتسلَّلت آثارُه من الكبارِ لتصلَ إلى الصغار، وعمَّت البلوى به، فتضررَ غيرُ المتعاطينَ له حين يُصرُّ المُبتلونَ به على تناوله في مجمع الناس وملتقياتِهم العامةِ - وفي حال سفرِهم أو إقامتِهم، إن هذا الداءَ يبدأَ عبثًا أو تقليدًا .. ثم لا يلبثُ

стр. 2302

أن يتحولَ إلى عادةٍ متأصِّلةٍ يُخيَّلُ للمُبتلى به أنه لا يستطيع الفكاكَ عنه وليس الأمرُ كذلك، إنه وباءٌ يسري في الأمةِ ليخرِمَ مروءَتها وشهامةَ أبنائِها، ويَشيع فيها نوعًا من التبعيةِ والتقليدِ للآخرينَ، وتُشكلُ مدفوعاتُه ضربةً في اقتصادِها، وهو مرضٌ يسري في جسمِ المدخنِ، فلا يكادُ يَمُرّ بعضوٍ إلا أفسدَه، وربما أقعدَه المرضُ، أو كانت الوفاةُ نهايتَه وسبَبه؟ أجل؛ لقد قالوا عن التدخين: إنه القاتلُ البطيءُ، وقالوا: إنه بوابةُ الأمراضِ، وقالوا: إن تسعينَ في المائة من وفياتِ الموتِ المفاجئ من المدخنينَ يرجع إلى جلطة الشُّريان، واحتشاءِ عَضَلةِ القلب؟ وقال أحدُ الأطباءِ: «لقد مضى على معالجتي للسرطانِ خمسٌ وعشرونَ عامًا، فلم يأتني مصابٌ بسرطانِ الحنجرةِ إلا مدخِّنٌ» (١). وجاءَ في تقريرٍ لأحدِ مراكزِ البحوثِ الأمريكية: إن التدخينَ يؤدي إلى أعلى نسبةِ وفياتٍ في العالم بالمقارنةِ للحروبِ والمجاعاتِ (٢). وهل تعلم أن خمسةً وتسعين بالمائة من مرضى شرايينِ الساقينِ هم من المدخنين (٣). ومن رأي الطبّ إلى حكمِ الشرعِ .. يقول سماحةُ الشيخ ابن بازٍ ﵀: والدخانُ بأنواعه كلِّها ليس من الطيباتِ، بل هو من الخبائث، لا يجوزُ شربُه ولا بيعُه ولا التجارةُ فيه كالخمر، والواجبُ على هؤلاء البِدَارُ بالتوبة إلى اللهِ، والندمُ على ما مضى، والعزمُ على ألا يعودَ، ومن تابَ صادقًا تابَ اللهُ عليه (٤).

стр. 2303

إن من المؤسفِ - حقًّا - أن يُحاصَرَ التدخينُ، وتقلّ نِسبُ المدخنينَ في البلادِ التي تصنع (التبغَ) وتصدِّره نتيجةَ حملاتِ التحذيرِ والمكافحةِ، ووضعِ الغراماتِ على الشركاتِ المنتجةِ. أما بلادُ المسلمين فتظلُّ سوقًا للتصدير، تُزادُ فيها نِسبُ (النيكوتين) وترتفعُ معدلاتُ المدخنين؟ وهنا وقفةٌ للتأمُّل، وحقائقُ لا بد أن نَعِيَها، وندركَ الدرسَ من خلالها، ومن هذه الحقائق: أكتفي بقضيتين: ١ - تعهدتْ شركاتُ التبغِ الأمريكية بدفع غرامةٍ مقدارُها ثمانٌ وستون وثلاثُمائة بليون دولار، وذلك لتسديدِ الدعاوى القضائيةِ الموجهةِ ضدَّها، وعلاجِ المتضررينَ من التدخين. ٢ - وتدفعُ شركاتُ التبغ - كذلك - بليوني دولار سنويًّا لتمويلِ برامجَ مكافحةِ التدخين داخلَ أمريكا، والسعي لتخفيضِ نسبةِ التدخين بين المراهقين بنسبةِ ١٠% خلالَ عشرِ سنوات، وإذا لم يتحقَّقْ ذلك تدفعُ غرامةً أخرى تصلُ إلى بليوني دولار سنويًّا. فهل يُصنعُ مثلُ ذلك أو قريبٌ منه في بلادِ المسلمينَ مع هذه الشركاتِ المنتجةِ والمصدِّرةِ؟ وما الأثرُ الذي خلَّفتْه هذه الإجراءاتُ وجودًا أو عدمًا؟ والجوابُ: في لغةِ الأرقام التي تقول: إن الحربَ التي تشُنها دولُ أمريكا وأوربا على التدخين أدّى إلى انخفاضِ نسبةِ المدخنين، فقد انخفضت مبيعاتُ التدخين في أمريكا ما بين عام تسعينَ وخمسٍ وتسعينَ وتسع مائةٍ وألف للميلاد (١٩٩٠ - ١٩٩٥) بنسبة ٥.٤%، وأمريكا اللاتينية بنسبة ٢.١١%، وفي أوربا الغربية بنسبة ٧.١%، بينما يختلفُ

стр. 2304

المؤشرُ في دول آسيا، إذ زادت مبيعاتُ التدخين بنسبة ٨.٨%، وجاءت أعلى نسبةِ زيادةٍ في العالم في الشرق الأوسط حيث بلغت ٧.١٧%؟ ! (١). إنها حقائقٌ مرةٌ، وأرقامٌ مذهلةٌ، خلاصتُها تعويضُ البلادِ الإسلامية لخسائرِ شركاتِ التبغ في الدولِ الغربية، وهنا يلحّ سؤالٌ: أَلَدى شعوبِ هذه الدولِ الكافرةِ موانعُ محذرةٌ عن التدخين أكثرُ مما لدى أبناءِ وشعوبِ المسلمين؟ أم بلغ أولئك القومُ حدًّا من الوعي ومستوى من التفكيرِ لم يبلُغْه المسلمونَ بعد؟ إن لدى المسلمَ من الموانعِ عن التدخين، ونصوصِ الترغيبِ والترهيبِ، ومفاهيمِ الثوابِ والعقابِ - بما يتجاوزُ الدنيا إلى الآخرة - ما لا يوجدُ مثلُه عند الأممِ الكافرةِ، ولكن الفرقَ في مستوى الوعي، والقدرةِ على ضبطِ النفسِ، وعلوِّ الهِمَّةِ، وتحكيمِ العقلِ. نعم إن المدخنَ لا يجهلُ أثرَ التدخين، ولا ينكرُ أضرارَه، بل لعله أقدرُ من غيره على التعبيرِ عن هذه الأضرار، لكنه محتاجٌ إلى قرارٍ حازمٍ، وإرادةٍ قويةٍ تضعُ حدًّا للتسويف، وتنهي الصراعَ بين العاطفةِ ممثلةً في الشهوةِ الآسرة، وبين نداءِ الفطرةِ والعقلِ والدِّين التي تنظم الشهوةَ وتضعُ جسورًا فاصلةً بين الحلالِ والحرام، وتميزُ الضَّارَّ من النافع؟ كم تُنظّمُ من حملاتٍ توعويةٍ عن التدخين، وقد يكون المدخنونَ أقلّ الناسِ عنايةً بها واستماعًا لبرامجها. وكم نرى أو نسمعُ من ملصقاتٍ عن أضرارِ التدخينِ وضرورة الإقلاعِ عنه .. والمؤسفُ حين يكون المدخنونَ أقلَّ من غيرِهم في الوقوفِ عليها والاستفادةِ منها. على أن ذلك لا يلغي أهميةَ التوعيةِ، ولا يعني الإحباطَ من آثارِ الحملاتِ ..

стр. 2305

فالحقُّ أن لهذه الحملاتِ أثرَها، وقد أقلعَ - بتوفيقِ الله أولًا، ثم بسببِ هذه الحملاتِ - عددٌ من المدخنينَ، وتركوا التدخين إلى غير رجعة. ولكنا لا نزالُ نخاطبُ فئةً من المدخنين تتصورُ - وهي مخطئةٌ - أن الحملاتِ لا تعنيها، وأن لغةَ الخطابِ لم تلامسْ - بعدُ - شغافَ قلوبِهَا. مهلًا أيّها المدخن، فأنت المستفيدُ إن أقلعتَ، وأنت الخاسرُ إن أصررتَ - وحسبكَ أن تقدرَ للناصحينَ نُصحَهم، ومن تمام عقلِكَ ومروءتك أن تَفتحَ قلبكَ لمن يُهدي إليك عيوبكَ، ويفتحُ لك نافذةَ الخلاصِ من داءٍ يُقلقك دينًا ودنيا. أخي المدخن: إني لك ناصحٌ وعليك مشفقٌ، وكم تُسعدُني وتُسعدُ الناصحينَ غيري حين تُشعرُنا بالاستجابة، وتُعلنُ بينكَ وبين نفسِك أو على ملإٍ من أصحابِكَ مفارقةَ التدخينِ إلى غير رجعةٍ، فإن قلتَ: أعدُكم بالتفكيرِ وسوف أسعى جاهدًا للخلاص، فلا تنس سلاحَ الدعاءِ ولا يَطُل بك أمدُ التسويفِ، فالليالي حُبلى بكلِّ جديدٍ، وما تدري نفسٌ ماذا تكسبُ غدًا وما تدري نفسٌ بأيِّ أرضٍ تموتُ، وكم تُسعدُ أنتَ ونسعدُ من ورائكَ حين تنتقلُ إلى جوارِ ربّك تائبًا من كلّ معصيةٍ طالما أصررتَ عليها، واحمدْ ربَّك أنك تنتسبُ إلى دينٍ يدعو إلى التوبةِ ويعظمُ أجرَها .. بل وتبدَّلُ فيه السيئاتُ حسناتٍ، ويفرحُ الربُّ ويتحققُ الفلاحُ. وباسم الإسلامِ والإيمانِ نُذكِّرك بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (١). اللهم انفعنا بهدي القرآنِ وسنةِ محمدٍ ﵊ .. أقول ما تسمعون.

стр. 2306

الخطبة الثانية: الحمدُ لله ربّ العالمين نعمُه علينا لا تُعدُّ ولا تُحصى، ومن يشكر فإنما يشكرُ لنفسِه، ومن كفر فإن اللهَ غنيٌّ عن العالمين، والصلاةُ والسلامُ على سيدِ الأولين والآخِرين، أرشدَ - وهو الصادقُ الأمينُ - إلى نعمةِ الصحةِ والغبنِ فيها، فقال عنهما وعن الفراغ: «نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناسِ؛ الصحةُ والفراغ». اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائرِ النبيينَ والمرسلين. عبادَ الله: وإذا كانت الصحةُ والفراغُ أمانةً، وسوف يُسألُ الإنسانُ ما صنعَ فيهما، فالمالُ والعمرُ أمانةٌ كذلك، وسوف يسألُ المرءُ عنهما: «لا تزولُ قدما عبدٍ يومَ القيامةِ حتى يُسألَ عن أربع: عن عُمُرِه فيما أفناهُ، وعن علمه ما فعلَ به، وعن مالِه من أين اكتسبَه وفيمَ أنفقَهُ، وعن جسمِه فيما أبلاهُ» (١). أخي المدخن: ما موقفُك من هذا الحديثِ والموقفُ عصيبٌ، والمحاسِبُ يحاسبُ على النقيرِ والقطميرِ، ولا يُغادرُ صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها، ولو تقاصرت نَظرتُك عند حدودِ الدنيا - وما ذلك بمحمودٍ - لقيلَ لك: أليسَ المالُ صعبًا جمعُه .. أليستَ الصحةُ مطلبًا يُبحثُ عنه وتُصرفُ الأموالُ لتوفُّرِه .. فما بالُك أيها المدخنُ تحرقُ مالكَ بنفسِك، بل وتحرقُ معه أحشاءك؟ وأُراكَ تسيرُ في اتجاه معاكس للآخرين، فهم يبحثونَ عن الصحةِ وأنت بطوعِك واختيارِكَ تتشبثُ بما يُسيءُ إليها؟ ويحرصونَ على المالِ وأنت من المهلكينَ له والمبذرينَ في إنفاقه. يا صاحبي: وقل لي بربك ماذا جنيتَ من التدخينِ؛ فيما مضى من عمركَ،

стр. 2307

فدينُك لم يسلم، ودنياك في خطر، وأنتَ في وحشةٍ مع جيرانِكَ وأصدقائك، والأمرُ أخطرُ حين يقعدُ بك التدخينُ عن شهودِ الصلاةِ مع جماعةِ المسلمين؛ لأنك تخشى أذاهم برائحةِ التدخينِ، أو تنقطعُ عن زيارةِ وصلةِ أقربائك لأنك تشعرُ بالغربة بينهم حين تكونُ نشازًا في التدخين .. ألم يمنعْك التدخينُ يومًا من الجلوسِ مع الأخيار، وإن كنتَ تُحبّ الأُنسَ بهم والاستماعَ إلى أحاديثهم، ولكن يمنعك الحياءُ من معاشرتهم؟ ألم يقعد بك التدخينُ عن كثيرٍ من معالي الأمورِ - أنت أهلٌ لها، وبك من مقوماتِ الخيرِ ما يرشِّحُك لها .. ولكنَّ عتابَك لنفسك في الإصرارِ على شربِ الدخانِ حال بينك وبين المساهمةِ فيها. أيها المدخنُ: وأنت حينَ تتوارى عن الأعين وتتخفَّى عن الأنظارِ في شربِ الدخانِ، فذلك مؤشّرٌ لحيائك - والحياءُ لا يأتي إلا بخيرٍ - ومؤشرٌ لخيريةِ المجتمعِ إذ ينكرُ هذه المظاهِرَ السلوكيةَ المنحرفةَ، ولكن قُل لي بربّك: ألا يؤلِمُكَ هذا التخفي، ألا تشعر بنقصٍ وأنت تتستَّر؟ وفي سبيل ماذا تُعذّبُ نفسك بذُلِّ المعصية، وتُرهقُها بآلام الشعورِ بالذنبِ دونما فائدة؟ دعني أصارحك وأقولُ: إنك تظلمُ نفسَك وتخطئُ في حساباتك حين تظنّ أن شُربَ الدخانِ يُفرج همّك، أو ينسيكَ آلامَك، أو يسعدك في حياتك، أو يسليك في غربتِك، أو يشعرك بالفرحةِ في مجاملةِ أصدقائك المدخنين، أو تقولُ في نفسِك: إنني عشتُ عليه صغيرًا وشبتُ عليه كبيرًا ويصعبُ عليّ فراقُه .. أو غير ذلك من أسبابٍ وحججٍ يتعلقُ بها المدخنون؟ واسمح لي أيها المدخنُ أن أسأَلَك وأدعُ الإجابةَ لك، هل تُصنّفُ التدخينَ ضمنَ الطيباتِ أم الخبائثِ؟ وهل ترضى لأحدٍ أن يقول عنك أنك مشجعٌ على انتشارِ الخبائثِ؟

стр. 2308

هل تسمّي اللهَ حينما تبدأ بشربِ الدخانِ وتحمدُه في حالِ انتهائك، كحالك حين تتناولُ الطيبَ من الطعامِ والشراب؟ ! وهل هناك مأكولٌ أو مشروبٌ تطؤه بحذائك أو ترمي به في مكانٍ غير مشرف كما تصنعُ بالسيجارة؟ ألست تشعرُ بالذنبِ حين تحملُ الدخانَ في بيتٍ من بيوتِ اللهِ؟ وهل تُفَكِّرُ في شربه في أحدِ المساجدِ؟ وماذا تعني هذه المشاعرُ عندك؟ هل حقّقَ لك التدخينُ مكانةً اجتماعيةً أو مكسبًا ماديًّا؟ أو تفوَّقًا صحيًّا؟ هل ترضى أن يتعاطاه أحدُ أبنائك أو إخوانِك أو أقاربِكَ؟ أخي المدخن: ودعني أذكِّرك بقيمةِ ما تُهلكُ من المال والوقتِ - لا أشكّ أنك حريصٌ على وقتك ومالِك، فقد قالوا: إن المدخنَ لمدة عشرينَ سنةً إذا كان يدخنُ أربعينَ سيجارةٍ يوميًا يتكلفُ أكثرَ من سبعةٍ وخمسينَ ألفًا، وإذا كانت السيجارةُ الواحدةُ تستغرقُ خمسَ دقائقَ، فإن أربعينَ سيجارةً تستغرقُ مائتي دقيقة، فهل ترضى أن تقضي أكثرَ من ثلاثِ ساعاتٍ يوميًّا في معصيةِ الله؟ والعمرُ محدودٌ، والوقتُ أمانةٌ ومسئوليةٌ .. وكم من جياع المسلمينَ وفقرائهم ومنكوبيهم يحتاجُ إلى هذا المال الذي تنفقه فيما يضرُّك ولا ينفعُك، وربما استفادت منه دولٌ أو شركاتٌ تُحاربُ بها المسلمينَ، فهل يرضيك هذا؟ (١) إخوةَ الإسلام: ومما يلفتُ النظرَ أن العالمَ كلَّه يتخوفُ من مرضِ الإيدز - وحقَّ لهم ذلك - ولكن منظمةَ الصحةِ العالمية تقررُ أن التدخينَ أخطرُ وباءٍ عرفته البشريةُ في تاريخها الطويل، وأن ضحاياه تفوقُ ضحايا الإيدز، فإذا كانت

стр. 2309

ضحايا الإيدز في عشرِ سنواتٍ بلغت مليونين ونصف، فإن هذا الرقمَ يمثلُ ضحايا التدخينِ في سنةٍ واحدةٍ، ومع ذلك تجدُ العالم كلَّه مرعوبًا من الإيدز، بينما يواصلُ المدخنونَ التدخينَ، وإن فتكَ بهم أضعافًا مضاعفة؟ (١) عبادَ الله: وإذا تضافرت الأدلةُ الشرعيةُ على تحريمِ الدخان، واتفقَ الأطباءُ على أضرارِه، وتنادت الهيئاتُ والمنظماتُ للتحذيرِ منه، وأجمعَ العقلاءُ على هدره للصحةِ والمالِ والوقت، فأيُّ شيءٍ يدعو العاقلَ فضلًا عن المسلم للتشبُّثِ به؟ ! وهنا أسجلُ عددًا من الوصايا عساها تُعينُ على الخلاصِ منه: ١ - أقدِمْ أيّها المسلمُ على تركه بإرادةٍ قوية، وتذكّر أنك لستَ أولَ من تركه ولن تكونَ الأخيرَ. ٢ - ومما يُخففُ عنك من آلامِ الإلفِ والعادةِ أن تتركَه طاعةً لله ورسولِه، وليس لمجردِ التخوفِ من أضراره الدنيوية، وفي هذا يقولُ ابنُ القيم ﵀: «إنما يجدُ المشقةَ في تركِ المألوفاتِ والعوائدِ مَنْ تركَها لغير اللهِ، أما مَن تركها مخلصًا من قلبه للهِ، فإنه لا يجدُ في تركِها مشقةً إلا في أول وهلةٍ؛ ليُمتحنَ أصادقٌ هو في تركِها أم كاذب، فإن صبرَ على تركِ المشقةِ قليلًا استحالت لذة» (٢). ٣ - ابتعد - قدر طاقتك - عن مجتمع المدخنين، وعوِّض ذلك بأصحاب خيِّرين. ٤ - اشغل وقتَكَ بمشاريعَ خيرةٍ تنسيكَ التفكيرَ في التدخينِ حاضرًا، وتسعدُ بها مستقبلًا.

стр. 2310

٥ - راجع عياداتِ مكافحةِ التدخينِ إن احتجتَ إلى ذلك، فلهم في ذلك جهدٌ مشكور. ٦ - ولا غنى لك - أيها المقلعُ عن التدخينِ - عن الصبر، لاسيّما في الأيامِ الأولى، ولكن تذكر أن لذةَ الانتصارِ على النفس والهوى أعظمُ من لذةٍ كاذبةٍ عابرة. ٧ - ومن مصلحةِ المدخنينَ وغير المدخنينَ أن يُمنعَ التدخينُ في الأماكنِ العامةِ، ويتابعَ منعُه في الدوائِر الحكومية، وفي وسائلِ النقلِ البريةِ والبحريةِ والجوية، فذاك يحدّ من انتشاره، وربما كان داعيًا للمدخنين للخلاصِ منه. ٨ - وكم هو جميلٌ أن تُعنى مناهجُ التعليمِ - بمراحلِه المختلفةِ - بالتحذيرِ منه بعباراتٍ جيدةٍ ومعلوماتٍ دقيقةٍ وحديثة. ٩ - وأن تُعنى وسائلُ الإعلام - بكافةِ قنواتِها - بوضعِ برامجَ مفيدةٍ وصيحاتٍ محذرةٍ. ١٠ - وهمسةٌ للمدخنين وغير المدخنينَ، فمن بُليَ بشيء من المعاصي فليجاهد نفسه على الخلاصِ منها. وإنني في هذا اليومِ العظيمِ والجمعِ المبارَكِ داعٍ فأمِّنوا: اللهم عافِ كلَّ مبتليً ووفِّقْه للتوبةِ النصوح، وأبدل سيئاته حسناتٍ يا خيرَ مسئولٍ، يا ذا الجلال والإكرامِ .. اللهم ارحم ضعفَنا، وأعِنّا على أنفسِنا الأمارةِ بالسوء، ووفِّقنا لطاعتِك، وجنِّبنا معاصيك، اللهم حبِّب إلينا الإيمانَ وزيِّنه في قلوبنا، وكرِّه إلينا الكفرَ والفسوقَ والعصيان.

стр. 2311

من ثمرات الأمن في الأوطان وأسبابه (١) الخطبة الأولى: الحمدُ لله ربِّ العالمين، منَّ علينا بنعمةِ الإيمان والأمنِ في الأوطان، والصحةِ والسلامةِ في الأبدان ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (٢). وأشهدُ أن لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريكَ له، كلَّ يومٍ هو في شأن، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه صلى الله عليه وعلى إخوانه من الأنبياءِ والمرسلين، ورضي الله عن أصحابه والتابعينَ، ومن تبعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدِّين. فأما بعد: فاتّقوا الله أيها الناس: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (٣). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ (٤). هذه وصيةُ الله لكم فاعقِلوها، وهذه نعمةُ ربِّكم فاشكروها. أيها المسلمونَ: وحين نلتفتُ إلى الماضي قليلًا نتذكرُ ما نحن فيه من نعمةٍ حديثًا، لقد كانت هذه البلادُ - كما يحدِّثُنا التاريخُ في فترةٍ من الزمن - مسرحًا للفتن والحروبِ والنَّهب والسَّلبِ، حتى مَنّ اللهُ على أهلها بظهور دعوةِ التوحيد

стр. 2312

على يد الشيخِ الإمامِ المجدِّد محمدِ بن عبدِ الوهابِ يرحمه الله، وبمؤازرةٍ كريمةٍ من الإمام محمدِ بن سعودٍ يرحمُه اللهُ، وحينها التقى العلماءُ والحكامُ على نصرةِ هذا الدين، والقضاءِ على مظاهرِ الشركِ والفسادِ، فقامَ سلطانُ الدينِ ظاهرًا قويًّا، أمنَ الناسُ على أموالهِم، وأهليهم وعبدوا ربَّهم على علم وبصيرةٍ. ولكنَّ الشانئينَ والحاسدين لم تطبْ نفوسُهم بهذا، وأجلبَ الشيطانُ بخيلِه ورَجِلِه على جندِه وأتباعِه، وعادِت الجزيرةُ - بعد حين من الدهرِ - مرة أخرى مسرحًا للسلبِ والنهب .. يعلو سلطانُ الحقِّ تارةً .. وترتفع أعلامُ الجاهليةِ تارةً أخرى، تُسفكُ الدماءُ، وتُستحلُّ المحارمُ، ولا يأمنُ المرءُ على نفسِه ومَن حولَه. وفي ظل هذه الأجواء القلقة ينامُ المرءُ حين ينام وشبحُ اللصوصِ يمرُّ على خياله، ويستيقظُ حين يستيقظُ فرحًا مسرورًا إذ لم يكن شيء من عوَّادِ الدهرِ وفاجعاتِ الأحداثِ أصابَه. يكسَبُ كلَّ يومٍ مرَّ وهو آمنٌ في سِرْبه، ولم يُخدش فيه حياؤه، أو تُسلبْ أموالُه، أو تُنهَ حياتُه، وما أطولَ ليلَ الخائفين! وما أشدَّ فرحَ غير الآمنين بضوءِ النهار يكشفُ لهم الحقيقة، ويخيفُ الغادرين، تُرى في هذه الأجواءِ أيطمئنُّ المسلمُ في عبادته لربِّه؟ وفي ظل هذه الظروف أتستقرُّ الحياةُ وينعمُ الأحياءُ؟ وأنّى للدعوة والخير أن تنتشرَ، وحِلَقُ العلم معطلةٌ، والعلماءُ كغيرهم لا يأمنونَ على أنفسِهم فضلًا أن يوفِّروا الأمنَ لمن يَحمل العلمَ عنهم. إنها صورٌ ينبغي أن نتذكَّرَها، وإن لم يعش بعضُنا أحداثَها .. وإن كان يفصلُ بيننا وبينها عقودٌ من الزمن. إخوةَ الإسلام: إن اغتباطَنا بما نحن فيه الآنَ من نعمةِ الأمنِ لا ينبغي أن ينسينا الماضي، بل إن من التحدُّث بنعمةِ الله أن نقارنَ بين الماضي والحاضر،

стр. 2313

ونتذكرَ بها نعمةَ اللهِ علينا في الحاضر. أجل، لقد بدأ شبحُ الظلام يتوارى شيئًا فشيئًا، وفي كل بقعةٍ يتوارى الظلامُ تشعُّ فيها أنوارُ المعرفةِ والأمنِ والاستقرار .. حتى عمَّ الخيرُ وانتشر الأمنُ، وساد العلمُ وانطوى بساطُ الجهلِ .. وكانت بلادُ الحرمين مأوى الأفئدةِ، وملاذَ الخائفين، وبها تتوفرُ فرصُ العيشِ للوافدين .. فلك الحمدُ ربَّنا، وجزا اللهُ كلَّ من أسهمَ في نشرِ الخير وتوطيدِ دعائمِ الأمن في بلادِنا. عبادَ الله: إن الأمنَ في الأوطانِ نعمةٌ لا يقدِّرُها حقَّ قدرِها إلا من عرفَ أو عاشَ خلافَها، وقد يتصورُ المرءُ خطًا وهو يعيشُ حالةَ الأمن والاستقرار أنَّ الناسَ كلَّهم كذلك، وليس الأمر كذلك ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ (١). وفي حالِ غفلةِ الإنسان قد ينسى أو يجهلُ ثمراتِ الأمن .. وللأمنِ ثمراتٌ كثيرةٌ، ومنها: تحقيقُ العبوديةِ لله، والقيامُ بشرائع الدينِ كما أمرَ اللهُ، وكما جاء بها رسولُ الله ﷺ ، وهل يستطيعُ الخائفُ أن يعبدَ ربَّه كما أراد، والحق ﵎ يربطُ بين العبودية له، وبين الأمنِ وتوفُّرِ المَطعم، ويقول: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ (٢). إن توفرَ الأمن، ورغَدَ العيشِ مقوماتٌ أساسيةٌ للعبادة، وما من عبادةٍ إلا وتحتاجُ إلى هذا وذاك. وإن فقدانَ الأمن، وشظفَ العيشِ بلوى يمتحنُ اللهُ بها عبادَه، ولكن الصبرَ طريقُ الفرج ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ

стр. 2314

عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (١). ومن ثمراتِ الأمنِ في الأوطان: رخاءُ العيشِ، واستقرارُ الحياة، فإذا كان الإيمانُ سببًا للأمنِ كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٢). فبركاتُ السماءِ والأرضِ تُفتَحُ لأهل الإيمان: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ (٣). إن الأمنَ ضرورةٌ لاستقرارِ الحياةِ ورَغَدِ الأحياءِ فبالأمنِ تُؤمنُ السُّبلُ، وتُجلبُ الخيراتُ، ويأمنُ التجارُ على أنفسِهم وأموالِهم، وبالأمنِ يُقمعُ الفسادُ، ويؤخذُ على أيدي المفسدين، وتكسدُ تجارةُ اللصوصِ ويُذلُّ (الشّطار). ومن ثمراتِ الأمنِ: انتشارُ العلمِ وكثرةُ العلماءِ، والعلمُ أساسُ الحضارةِ، وميزانٌ لتقدمِ الدولِ، وهو مع الإيمانِ مجالُ سباقِ الأمم. أما العلماءُ فهم ورثةُ الأنبياءِ ﵈ بهم يفتحُ اللهُ قلوبًا غُلْفًا، وآذانًا صُمًّا، وأعيُنًا عُميًا. وأنَّى للعلمِ أن ينتشرَ حين يُخافُ العلماءُ، وأنّى لأمةٍ أن تُسابقَ الزمنَ وأبناؤها خائفون على أنفسِهم، مشغولون بلقمةِ العيشِ لهم ولمن حولَهم؟ وحتى لو وُجِدَ علماءُ جُرَءاء، ينشرون العلم سرًّا في ظروفِ الخوفِ والقلق، فليس ذلك سبيلَ انتشارِ العلم، وإنما يهلكُ العلمُ إذا كان سِرًّا، وإنما سبيلُ نشرِه ونموِّ مؤسساتِه حين يتوفَّرُ الأمنُ، وتستَقرُّ الحياةُ، ويأمن الأحياءُ. إخوةَ الإسلام: إن تحقيقَ الأمنِ مكسبٌ لنا جميعًا، وتوفيرُ الأمن مسئوليتُنا جميعًا، وعلى كلِّ واحدٍ منا كِفلٌ في تحقيق الأمنِ، وكلٌّ منّا مُطالبٌ أن يكون

стр. 2315

عينًا ساهرةً للكشفِ عن أوكارِ المفسدين، وتوفيرِ الأمن والأمانِ له ولإخوانِه المسلمين .. فمن رأى مُنكم منكرًا فليغيِّرْه بيدِه، وحين نغفلُ عن هذا الواجبِ، فسنتعرّضُ جميعًا للشِّقْوةِ ونكدِ العيشِ في الدنيا، والمصيبةُ أعظم إذا امتدّت شقوةُ الدنيا بضنكِ الآخرة. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (١).
следующие страницы →